فيروز والشتات العربي: الموسيقى والهوية في المملكة المتحدة وقطر
Fairouz and the Arab Diaspora: Music and Identity in the UK and Qatar
الملخّص
* باحث، حاصل على الماجستير في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا من معهد الدوحة للدراسات العليا.
Abstract
Book Title: Fairouz and the Arab Diaspora: Music and Identity in the UK and Qatar . Author: Dima Issa. Publisher: London: I.B. Tauris. Date of Publication: 2023. Pages: 232.
- فيروز
- الموسيقى
- الشتات
- قطر
- المملكة المتحدة
- Fairouz
- Music
- Diaspora
- Qatar
- United Kingdom
عنوان الكتاب: عنوان الكتاب في لغته: المؤلفة:
ديما عيسى Dima Issa. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:
Fairouz and the Arab Diaspora:
Music and Identity in the UK and Qatar
فيروز والشتات العربي: الموسيقى والهوية في المملكة المتحدة وقطر.
Fairouz and the Arab Diaspora: Music and Identity in the UK and Qatar.
لندن: أي بي توريس I.B. Tauris.
Researcher. He Received a Master’s in Sociology and Anthropology from the Doha Institute for Graduate Studies. Email: mko001@dohainstitute.edu.qa
يستهل راناجيت غُها مقالته "زمن المهاجر" بعبارة: "أن تنتمي إلى شتات [...]"، ومن بعدها تتحوّل المداخلة في المقالة
إلى تأملٍ وتفكيرٍ حول مأزق وضعية الشتات التي يعيشها المهاجر؛ ذلك الانزياح من ماضٍ تركه خلفه بما هو فقدان، إلى حالةٍ شتاتية يستعصي الاندماج فيها وفك مغاليقها، ويتأكّد التساؤل حول إمكانية الانتماء إليها. في هذا السياق، تضيف ديما عيسى في كتابها فيروز والشتات العربي: الموسيقى والهوية في المملكة المتحدة وقطر مستويين جديدين بتعقيد لا تقل صعوبة الإمساك بهما عن صعوبة الإمساك بمفهوم الشتات: الموسيقى بوصفها تجربة فنية تنبني تجربة الاستماع إليها بصورةٍ متجدّدة في كل مرة، والهوية التي هي الأخرى في حالة حركة وإعادة تشكّل مستمرة. وبذلك، فإن هذه العناصر الثلاثة (الشتات، والموسيقى، والهوية) تتركب مع بعضها لتشكّل قوام الكتاب والمساهمة الثرية التي يقدمها، في مقاربته موسيقى المطربة اللبنانية فيروز (1934–) باعتبارها مادّةً تدخل في بناء الهويات الثقافية الفردية والجماعية لأفراد الشتات العربي. وذلك من خلال توظيف منهج كيفي استقصائي، اعتمدت المؤلفة فيه على إجراء مقابلات معمّقة مع تسع وخمسين من
المشاركات والمشاركين في لندن والدوحة، في سبيل فهم حيوات هؤلاء الذين يستمعون إلى فيروز ويشعرون بالانتماء إليها، والتمثلات التي تنشأ لديهم عن هذه التجربة السماعية في مختلف مناحي معيشهم اليومي. بذلك، يقدّم
3)(ينظر: 1) (راناجيت غُها، "زمن المُهاجر"، ترجمة ثائر ديب، عمران،
مج 6، العدد 24 (ربيع 2018.79–73)، ص
الكتاب منظورًا مختلفًا عن الأدبيات السابقة التي
تناولت فيروز وأغانيها، من خلال دراسة سيرتها الذاتية أو تحليل كلمات أغانيها، أو تحليل تجربتها عبر مناظير تاريخية أو فنية، أو باعتبارها رمزًا قوميًا لبنانيًا. يتكون الكتاب من سبعة فصول، تستهل المؤلفة الأول منها، وعنوانه "الفردي والاجتماعي والشتاتي وموسيقى فيروز"، بتجربتها السماعية الشخصية، وانفتاحها على فيروز وموسيقاها خلال سنوات طفولتها الباكرة، عن طريق والديها اللذين يحفظان أغاني فيروز عن ظهر قلب، وكيف كانت تمنحهما شعورًا بالانتماء وعدم الانتماء
في الآن ذاته. بعدها، تُوسّع المؤلفة عدسات
المشاهدة لتنتقل من هذا المستوى الضيق لأسرتها إلى المستوى الاجتماعي الأوسع، لتبيّن كيف تحضر فيروز عند العرب في أوطانهم
أو خارجها في أزمنة الأفراح والأعياد والحب، وكذلك في أزمنة الأوبئة والثورات والحروب والمآسي، ومنها مثلا حادثة تفجير برج التجارة العالمي يوم 11 أيلول/ سبتمبر 2001، الذي أعقبه صعود للخطاب المعادي للعرب والمسلمين في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، أو مأساة انفجار ميناء بيروت يوم 4 آب/ أغسطس 2020 الذي تحوّلت معه أجزاء كبيرة من المدينة
إلى ركام. في كل هذه المناسبات، كانت فيروز وموسيقاها حاضرتين لتقديم العزاء والمواساة. علاوةً على ذلك، تحضر فيروز يوميًا في حيوات
2) (منها مثلا: مجيد طراد وربيع محمد خليفة، فيروز: حياتها
وأغانيها (طرابلس، لبنان: المؤسسة الحديثة للكتاب،.(1999
Christopher Stone, Popular Culture and Nationalism in Lebanon: The Fairouz and Rahbani Nation (London: Routledge, 2008).
أفراد الشتات؛ إذ تؤدي دور وسيط الذاكرة نحو أوطانهم التي غادروها، وتخلق مساحةً للحنين وبديلا ممّا يرتبطون به خارجها. في الفصل الثاني
بعنوان "هالة فيروز والشتات العربي"، تدخل المؤلّفة في حوار مع وجهة النظر التي تموضع فيروز وتجربتها ضمن مشروع قومي لبناء دولة ما بعد الاستعمار في لبنان، أو تلك التي تحصرها مناطقيًا في مدينتها بعلبك، فترى أنه لا يمكن
اختزالها في ربطها بسياق مكاني أو زماني محدد. وفي سبيل ذلك، تناقش المؤلفة مفهوم الهالة الفنية لوالتر بنيامين. فبينما يرى هو، في سياق مقاله الذي يتناول مسألة إعادة إنتاج العمل الفني في عصر التقنية، أنّه يفقد هالته Aura عندما يعاد إنتاجه بعيدًا عن سياقَيه الأصليين زمانًا ومكانًا، تحاجّ المؤلفة من خلال التجربة السماعية لفيروز
بأن "هالة" فيروز، تكبر وتكتسب أهميةً مضاعفةً كلّما ابتعدت عن سياقها. لاستكشاف هالة فيروز، تعالج المؤلفة في الفصل الثالث بعنوان "الهويات العاطفية: العروبة والهجنة والالتزام بين السياقات"، الأشكال التي يُعرّف بها
المشاركون مسألة الانتماء وتقاطعاتها مع مفاهيم "العروبة" والالتزام" والهوية الوطنية، وكيف تتكون في سياق الشتات. وتستدعي هنا مفهوم "الهابيتوس" لبيير بورديو، الذي يشير إلى الاستعدادات التي يكتسبها الأفراد عبر تنشئتهم الاجتماعية وتجاربهم الحياتية، ومن ثم تتحول إلى بنى ناظمة للسلوك والممارسات ومنظمة لها. وفي حين لا يتوفّر مفهوم بورديو على بعد مكاني يساهم في فهم حالة الشتات وما تنطوي عليه، تضيف المؤلّفة هذا البعد، عبر إغناء الهابيتوس ببُعدين اثنين؛ "الميتا–
(4) Bourdieu Pierre, Outline of a Theory of Practice , Richard Nice (trans.) (Cambridge: Cambridge University Press, 1977), pp. 72, 95.
هابيتوس" وهو المستوى الأوسع نطاقًا الذي تبنيه الأنظمة والظروف المشتركة التي تؤثر في الناس، و"المايكرو–هابيتوس" وهو المستوى الأكثر ارتباطًا بالمسارات والخيارات الفردية الأكثر خصوصيةً، بما ينتج تمايزات بين الأفراد أنفسهم. ويتفاعل هذان المستويان في صياغة سردية الذات حول ذاتها وعنها في الفضاءات الشتاتية، بما يفتح الفضاء للتفكير في الكيفية التي تبرز من خلالها موسيقى فيروز في هذه التباينات السياسية والثقافية والجنسانية، باعتبارها وسيلة ووسيطًا لخلق الشعور ب "العروبة" والوطن والحنين إليه، وتعزيزهما.
أوﻻ: ﻓﻴﺮوز ﻫﻨﺎ، ﻟﻴﺴﺖ ﻓﻴﺮوز ﻫﻨﺎك
يميز الكتاب بين التجربة الشتاتية في سياقَي الدوحة ولندن، ويشير بوضوح إلى التعارض بينهما؛ ما بين تجربة تؤطرها قوانين الدولة التي تجعل المهاجر في قطر تجربةً مؤقتةً مرتبطةً بالعمل، ولا تمنحه فيها إقامة دائمة، وتجربة المهاجر في لندن الذي يملك الحق في الإقامة الدائمة والحصول على الجنسية ما لم يقرر هو غير ذلك. إلا أن العنصر الغائب هنا، خاصةً فيما يتعلق بتحليل التجربة الشتاتية هو المستوى المقارن الذي يُشبّك حالة الشتات مع الخصوصيات
الاجتماعية للمجتمع المستضيف، وتأثيرها في تشكّل الهوية ومفاهيم الالتزام والعروبة والهوية والوطن، حيث تبرز أهمية خصوصية السياق الاجتماعي، وما يفتحه أو لا يفتحه من إمكانية بناء العلاقة مع ذلك المجتمع، بل في
(5) Shivam Singh, "The Conceptual Understanding of Diaspora: A Sociological Perspective," International Journal of Applied Research , vol. 5, no. 1 (2019), pp. 384–387.
بناء المساحة العاطفية التي تُسمع فيها فيروز والتأويلات التي يمنحها المشاركون لهذه التجربة (79 ص). ويتمظهر هذا الاختلاف فيما قاله أحد المشاركين عن استماعه إلى فيروز خلال وجوده في الدوحة مقارنةً باستماعه إليها خلال وجوده في لندن: "يختلف الأمر بالكامل في بريطانيا عن هنا (الدوحة). أعتقدُ أنّه عندما تستمع إليها في أوروبا أو بعيدًا عن البلدان العربية، فإنك تشعر أنها تتحدث إليك، إليك وحدك" (ص). 86 يؤثر هذا الاختلاف، كما يشير غُها، حتى في كفاح المهاجر/ المغترب وبحثه عن هويته الشتاتية. وبذلك، فإن الفضاء العاطفي، الذي يدخل في بناء تجارب الأفراد في استماعهم إلى فيروز – وما ينطوي عليه من أمكنة/ فضاءات حميمية وشخصية وفردية وجماعية، والتي تتطور لتشمل أجزاءً مختلفة من المواقف الجسدية
والنفسية، تُراوح بين ما هو فردي وما هو مشترك – والذي تعالجه المؤلفة في الفصل الرابع بعنوان "فيروز والفضاء العاطفي والمهُجَرّون"،
يكتسب بعدًا مهمًا في تشكيل الذات، لا سيّما أن
المؤلفة تشير إلى أن الاستماع إلى فيروز هو تجربة مكانية (ص 79)؛ ما يفتح المجال لإعادة النظر في التجربة السماعية والتفكير فيها، ومن ثم التفكير في الطريقة التي تتشكل بها هالة فيروز نفسها في سياق الشتات.
ﺛﺎﻧﻴًﺎ: اﻟﻬﺎﻟﺔ اﻟﻔﻨﻴﺔ ﻓﻀﺎءً ﻟﻠﻘﺎء
ثمة إشكال في الطريقة التي عالجت بها المؤلفة مفهوم الهالة كما تطرق إليه بنيامين، مبعثه إغفالها أنّ موسيقى فيروز، سواء أكانت تُسمع في لبنان أم خارجه، تظل عملا فنيًا مُعادًا إنتاجه تقنيًا في
6)غُها، ص (.75
الأساس. إن المعنى الذي يقصده بنيامين يكمن في أن هذه العملية ترتبط بدخول الآلة في إعادة إنتاج العمل الفني ونسخه وتوزيعه: "إذ ينتقل النشيد من الصالة أو الفضاء المفتوح الذي كان يؤدّى فيه، ليُسمع في فضاء مغاير مثل غرفة
الرسم". وبحسب هذا التعريف، فإن أغاني فيروز التي تذاع في كل مكان (في البيوت من خلال أجهزة المذياع، أو في صالات المطارات، أو في السيارات)، سواء داخل لبنان حيث سجلت الأغاني، أو في أيّ مكان آخر بما في ذلك دول
الشتات المشار إليها في هذا الكتاب، تدخل في شروط إعادة الإنتاج التقنية. وبناء عليه، وعلى الرغم من مساهمة الكتاب المهمة في توظيف مفهوم بنيامين ونقاشه، فإنه لم
يطوّر محاجته على نحو كافٍ. وهذه الملاحظة
جديرة بالذكر؛ ففي حين ينظر الكتاب إلى فيروز على أنها "تسافر عبر عوالم الزمان والمكان وتتحول إلى مجموعات لا مثيل لها من المشاعر والمعاني" (ص 3)، ومن ثم يُموضعها بوصفها
مُنتجةً للهالة الفنية، من الضروري التعامل مع
التجربة السماعية نفسها بوصفها تجربة لإعادة إنتاج الهالة نفسها، انطلاقًا من التعامل مع العمل
الفني والنظر إلى أهمية كل عنصرٍ فيه في إكسابه هو نفسه إمكانيات جديدة، وبحيث تكون التجربة السماعية جزءًا منه ومن إمكانياته. ويُضاف
إلى ذلك أنّ هذا الانفتاح يأتي من التعامل مع تلقي العمل الفني على أنّه تجربة "لقاء"، يعيد فيها المستمعون/ المشاركون الالتقاء مع فيروز،
(7) Walter Benjamin, "The Work of Art in the Age of Mechanical Reproduction," in: Hannah Arendt (ed.), Illuminations , Harry Zohn (trans.) (New York: Schocken Books, 1969 [1935]), pp. 217–251.
8) (مارتن هايدغر، أصل العمل الفني، ترجمة أبو العيد وديدو (كولونيا: منشورات الجمل، 2003.92)، ص
ومن ثم يعيدون خلق الهالة نفسها وتشكيلها (أو عدم تشكيلها)، كما يظهر في ملاحظة جانبية حول تجربة أحد المشاركين، الذي كانت زوجته اللبنانية لا توافق على تشغيل موسيقى فيروز في السيارة ولا تستمع إليها فيها. وتثبت هذه الملاحظة أن التعامل مع مسألة الهالة، بطريقة أكثر رحابةً وحريةً من طريقة أو طرائق أخرى، يجعل من السماع تجربة تأويلية فاعلة، يدخل خلالها المستمعون في خلق تلك الهالة نفسها وتشكيلها، بدلا من أن تكون كأنها موجودة هناك سلفًا ولا يفعل المستمعون شيئًا إلا التقاطها. تجعل هذه المداخلة النقاش المهم الذي يخوض فيه هذا الكتاب، وخاصةً في تأسيسه الكثيف على مفهوم الهالة، ينزلق بعيدًا عن الهدف المعلن عنه والمتمثل في دراسة الكيفية التي تتشكل بها الهويات عبر تجربة الاستماع إلى فيروز، ليكون متمركزًا حول فيروز وهالتها، وتتحول كل
المفاهيم والمداخلات الأخرى إلى دعامات لهذا الاتجاه. وإذا ما قُرئت التجربة السماعية بوصفها تجربة التقاء فاعلة، ذات أهمية بقدر أهمية المسموع ذاته (موسيقى فيروز في هذه الحالة)، انفتح مجال تأويلي مهمٌ لكيفية تشكل هالة الفنان
من خلال تجربة الاستماع إليه. بالعودة إلى غُها مرةً أخرى، نرى أنّ الحالة الشتاتية هي في الأساس وجود في زمنية أخرى؛ مضطربة وغير مستعادة، كما يظهر في ما عبّرت عنه إحدى
المشاركات في الكتاب. فعلى الرغم من عودتها إلى لبنان وسماعها فيروز هناك، بكَت، لأنه ذكّرها
بحالتها الشتاتية في لندن (ص 113). وفي هذا المثال يظهر اضطراب الزمنية نفسها، بوصفها مقولة مغايرة لما تطرحه المؤلفة. فقد "عادت" التجربة السماعية لفيروز إلى مكانيتها التي انطلقت منها في البدء، ولكن ما تغير هو زمنية المستمعة
وحالتها، ليكون ما انتقل هنا زمانيًا ومكانيًا ليس
موسيقى فيروز أو مستمعيها فحسب، بل في الأصل ذلك الفضاء الذي حدث فيه اللقاء، والذي
صار موجودًا وفق شروطٍ جديدة.
ﺛﺎﻟﺜ ﺎ: ﻓﻴﺮوز ﺣﺎﻟﺔ ﻣﻮﺳﻴﻘﻴﺔ ﺗﺮاﻛﻤﻴﺔ
يحضر الوطن في مداخلة الكتاب على نحوٍ جلي، عبر مفهومَي الحضور والغياب في الفصل
الخامس بعنوان "الموسيقى والهجرة والحضور والغياب" عبر مفهمة تتجاوز الحدود المكانية وتظهرهما بوصفهما هوية متخيلة ومعيشة في آن معًا. وتفحص المؤلفة في الفصل السادس بعنوان "تجسيد الوطن العربي والتوطين والحركة وهندسة القوى" والطريقة التي تساهم بها فيروز وموسيقاها في تجسيد تمثلات الوطن وهويته، وفي إعادة رسم الصورة المتخيلة لذلك الوطن المشتهى، وذلك عبر تقديم موسيقى فيروز لمساحة أخرى؛ وطن عاطفي يتجاوز فكرة المكاني ويعتمل داخل ذوات المستمعين الشتاتيين، وذلك عن طريق تكثيف التجربة السماعية العاطفية، وتحوّل الأغاني
نفسها إلى رموز وبدائل من الوطن المرتبط بالذاكرة الجمعية والتجربة الثقافية المشتركة. وتبيّن المؤلفة في الفصل السابع بعنوان "فيروز
والزمن والتسلسل الجيلي والخيال التحفيزي" أنّ هذه التجربة ليست حصرًا على جيلٍ بعينه،
بل تتبيّن بوصفها وسيطًا وناقلا للتراث الثقافي
عبر أجيالٍ مختلفة. ويتجاوز مفهوم الخيال التحفيزي هنا مهمّة الذاكرة في استحضار
الماضي، ليذهب أبعد من ذلك في كيفية تخيّل
ذلك الماضي وربطه باللحظة الراهنة، وهو ما يعكس الطريقة التفاعلية القائمة في ما يكون بين الذاكرة والخيال.
توظّف المؤلفة مفهوم الخيال التحفيزي من خلال تحليل تجارب المستمعين لفيروز، وتبيّن كيف
تتحول هذه التجارب إلى جسورٍ تربط حاضرهم بماضيهم، فضلا عن استشراف المستقبل عبر منحهم مساحة لتخيل أوطانهم، علاوةً على ربط الأجيال المختلفة بعضها ببعض، وتمكين الجديدة منها من التواصل مع السابقة وفهم تجاربها، كما في حالة المشاركة تينا التي تعرّفت إلى فيروز وأحبتها
عن طريق جدّها (ص 165–164). وتبرز فيروز هنا ضمن ما تسمّيه المؤلفة الاستمرارية الموسيقية،
ولكن التحّدي الذي يواجه هذه الاستمرارية نفسها
يكمن في سياق نشوء أطفال هذا الجيل الشتاتي نفسه، بلُغته وثقافته المختلفة وعوالمه الخاصة، والذي يظهر في تلك الحالة السماعية "الإجبارية" التي يفرضها آباؤهم وأمهاتهم عليهم. ومثال ذلك حالة فيفيان التي تعيش في لندن مع أطفالها الذين تصفهم بأنهم "أشبه بالأجانب" (ص 165). وهو يؤكّد ما سبق الخوض فيه في هذه المراجعة حول ضرورة النظر إلى تأثير المجتمع المضيف للشتات واختلاف سياقاته ما بين لندن والدوحة، وكيفية عمل ذلك التأثير، وخلقه للهالة الفنية نفسها. فبينما تُخلق الهالة عند فيفيان "إجباريًا"، وتتجاوز
فكرة موسيقى فيروز مجرد كونها فنًا وعنصرًا
تتشكل من خلالهما الهوية، يطلب أطفال قمر التي تقيم في الدوحة منها تشغيل موسيقى فيروز ص (.(168 تأتي مداخلة العوالم المختلفة، التي يتحرك ضمنها الأطفال في الشتات ومحاولات ذويهم خلق هذا الجسر مع الوطن الأم من خلال فيروز، مدخلا نقديًا لمقاربة الكتاب لها ولموسيقاها. فعلى امتداد
فصوله، يأتي تناول المؤلفة لفيروز كأنها حالة غير متصلة بتجارب ومشارب سماعية مختلفة ضمن
and
تجارب المشاركين وتشكيل هوياتهم. وهو أمر
لافت، خاصةً أن أغلبهم يأتون من خلفيات شهدت حروبًا أو لديهم ماضٍ يحنّون إليه، وذاكرة جمعية
ينعكس الكثير من تفاصيلها في سياق ما قالوه أثناء المقابلات. إلا أن تجارب استماعهم الأخرى إلى مغنياتٍ ومغنين آخرين غير حاضرة في الكتاب الذي ركّز على ما تؤديه فيروز من دورٍ في تشكيل الهويات الشتاتية؛ وهي التجربة غير المنبتّة أو
المنفصلة عن التجارب السماعية الأخرى، كتجربة أم كلثوم (1975–1898) مثلا، والتي تدخل في تشكيل هذه الهويات. وفضلا عن هذا الإغفال، كان في إمكان الاشتغال على هذا السياق المقارن نفسه أن يتحول إلى مرآة تنعكس فيها تجربة فيروز بصورة أكثر جلاءً. ولئن أفاد استخدام الإطار النظري للخيال التحفيزي، بما فتحه من آفاق في رؤيتنا لتمثلات فيروز الحاضرة وتشكيلها للهوية وربطها بين الأجيال، فإنه كان في إمكان فتح الإطار النظري على حقل دراسات الذاكرة الجمعية أن يهبنا عدسةً يمكن توسلها في فحص ذاكرة التجربة السماعية نفسها والفضاء الاجتماعي الذي تتحرك ضمنه. تلك "الذاكرة الجمعية"، كما يعرفها آموس فنكنشتاين، تبرز وسيطًا في تشكيل هوية الجماعة وتوجهاتها الثقافية والسياسية، وتعين المجتمعات في تفسير حاضرها عبر ما تراكمه من وعي تاريخي بالماضي، وخاصة في المجتمعات التي مرّت بتجارب صادمة مثل الحروب. وقد
كان في مقدور توظيف مفهوم الذاكرة الجمعية أن يضع فيروز وموسيقاها ضمن سياق تاريخي يأخذ في الاعتبار التجارب الموسيقية المختلفة التي شكّلت الوعي التاريخي للمشاركين، ومن ثم
(9) Amos Funkenstein, "Collective Memory Historical Consciousness," History and Memory , vol. 1, no. 1 (1989), pp. 5–26.
يموضع فيروز بصورة علائقية في سياق اجتماعي وثقافي أكبر من السياق الذي عرضها فيه.
يُقدم كتاب ديما عيسى فيروز والشتات العربي: الموسيقى والهوية في المملكة المتحدة وقطر مساهمةً جديدة مهمة في مقاربة الموسيقى عمومًا، وموسيقى فيروز خصوصًا. فمن خلال المقابلات المعمقة التي أجرتها في الدوحة وقطر، لا تُبرز المؤلفة تجارب استماع المشاركين إلى فيروز فحسب، بل تُبين السياق الشامل للحالة الشتاتية وأنساق تشكلها في المملكة المتحدة وقطر، وتُعيد النظر في أفهام الانتماء والوطن والعروبة والتاريخ الاجتماعي لدى أفراد الشتات. كل
اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ
غُها، راناجيت. "زمن المُهاجر". ترجمة ثائر ديب. عمران. مج 6، العدد 24 (ربيع.(2018
ا ﺟﻨﺒﻴﺔ
ذلك جعل البحث يمثّل تجربة معرفية تفتح أبوابًا
جديدة للنظر في علاقة الموسيقى بتشكيل الهوية والانتماء في سياق مجتمعات الشتات العربية، ودخولها وسيطًا يعزّز الروابط الاجتماعية
والثقافية، من خلال فتح الظاهرة الشتاتية على فضاء تعدّدي جديد، وموضعة فيروز وموسيقاها في سياق يتعدّى الأدبيات السابقة التي حصرتها قوميًا في كونها مغنية لبنانية، لتدخُل وسيطًا في
صيرورة تشكّل حياة أجيال الشتات المختلفة، وذلك من خلال بناء إطار نظري مُركّب يعتمد
على مفاهيم الذاكرة والهابيتوس وما يفيد به حقل الدراسات الثقافية؛ ما يجعل الكتاب ملهمًا لمزيد
من الدراسات المشابهة في سياقات أخرى، وهو ما أشارت إليه المؤلفة في توصياتها، لا سيّما مع
التحولات التي يشهدها العالم يوميًا.
اﻟﻤﺮاﺟﻊ References
طراد، مجيد وربيع محمد خليفة. فيروز: حياتها وأغانيها. طرابلس، لبنان: المؤسسة الحديثة للكتاب،
هايدغر، مارتن. أصل العمل الفني. ترجمة أبو العيد وديدو. كولونيا: منشورات الجمل،.2003
Arendt, Hannah (ed.). Illuminations. Harry Zohn (trans.). New York: Schocken Books,
Funkenstein, Amos. "Collective Memory and Historical Consciousness." History and Memory. vol. 1, no. 1 (1989). Pierre, Bourdieu. Outline of a Theory of Practice. Richard Nice (trans.). Cambridge: Cambridge University Press, 1977. Singh, Shivam. "The Conceptual Understanding of Diaspora: A Sociological Perspective." International Journal of Applied Research. vol. 5, no. 1 (2019). Stone, Christopher. Popular Culture and Nationalism in Lebanon: The Fairouz and Rahbani Nation. London: Routledge, 2008.