تقديم: الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية
Introduction Israeli Settlements in the West Bank
الملخّص
المواد التي تكوّن هذا الملف الخاص من دورية عمران للعلوم الاجتماعية هي ثمرة مشروع بحثي مشترك بين المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس)، نفّذه الطاقم البحثي لماس وباحثون متعاونون من خارجه، بإشراف علمي من المركز العربي. يأتي هذا الملف في سياق الحاجة الملحة إلى تجاوز المعالجة التجزيئية لقضية الاستيطان الإسرائيلي، عبر تقديم مقاربات تحليلية فلسطينية أصيلة معمّقة، توفّر فهمًا شاملًا لها، ولأبعادها المتشابكة وتكلفتها في مختلف ميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية.
Abstract
This special issue of Omran brings together contributions produced within a joint research project between the Arab Center for Research and Policy Studies (ACRPS) and the Palestine Economic Policy Research Institute (MAS). The project was carried out by MAS’s research team, in collaboration with external scholars, under the academic supervision of the ACRPS. The issue responds to the urgent need to move beyond fragmented treatments of Israeli settlement policies by advancing original, in-depth Palestinian analytical approaches. Collectively, the contributions seek to offer a comprehensive understanding of settlement expansion, its interconnected dimensions, and its multifaceted costs across the economic and social spheres of Palestinian life.
- فلسطين
- إسرائيل
- الضفة الغربية
- الاستيطان
- الاستعمار الاستيطاني
- Israeli Settlement
- West Bank
- Palestine
- Israel
- Settler Colonialism
المواد التي تكوّن هذا الملف الخاص من دورية عمرانللعلوم الاجتماعية هي ثمرة مشروع بحثي مشترك بين المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس)، نفّذه الطاقم البحثي لماس وباحثون متعاونون من خارجه، بإشراف علمي من المركز العربي. يأتي هذا الملف في سياق الحاجة الملحة إلى تجاوز المعالجة التجزيئية لقضية الاستيطان الإسرائيلي، عبر تقديم مقاربات تحليلية فلسطينية أصيلة معمّقة، توفّر فهمًا شاملًا لها، ولأبعادها المتشابكة وتكلفتها في مختلف ميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية. يتأسس تصوّر الملف على إدراك أنّ الاستيطان لا يقتصرُ على مظاهره العمرانية أو العددية، وليس أحد نتائج المشروع الاستعماري الإسرائيلي الجانبية فحسب، بل يشكل أيضًا جوهره ومبرّره. وبالفعل، يعمل الاستيطان على إعادة تشكيل الحيّز الجغرافي الفلسطيني وتفكيك بنيته الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية، عبر أدوات قانونية وعسكرية وبيروقراطية متداخلة. وقد تطوّر مشروع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، الذي تعود جذوره إلى ما قبل نكبة عام 1948، وتكثّف بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، على مدى العقود ليصبح نظامًا مهيمنًا يعيد هندسة الأرض والسكان ضمن منطق الإقصاء والسيطرة. يتقصّى الملف مختلف أوجه الاستيطان، بما في ذلك امتداداته المادية والمؤسسية وانعكاساته على الحياة الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية، وصولًا إلى سياساته في التهجير والتفتيت المكاني. ويتناول أيضًا البنى التحتية التي تدعمه، من شبكات الطرق والمناطق الصناعية إلى نظام الحواجز والتصاريح، ويحلل أثره في تحّولّات السوق، والعمل والبيئة والمجتمع. ومما تبيّنه مواد الملف أّن الأراضي الفلسطينية المحتلة تُدار اليوم عبر نظام رقابةٍ وتحكّم مُحكَمين، يمنعان حركة الفلسطينيين ويفرضان عليهم واقعًا من العزل والتجزئة. يشمل هذا النظام ثلاث ركائز أساسية: نظام التصاريح، والطرق الالتفافية، والحواجز العسكرية، وهي تشكل في مجموعها بنية "إغلاق دائم"، تهدفُ إلى
تكريس الفصل المادي والمعنوي بين مجتمع المستوطنين والمجتمع الفلسطيني. فقد تحوّل نظام الإغلاق إلى "سلاح إداري ممنهج" بدأ تطبيقه فعليًا في قطاع غزة بعد الانتفاضة الأولى (1987)، وتحديدًا خلال حرب الخليج الأولى (1988–1980)، حينما أ لغيت التصاريح العامة للفلسطينيينُ واستبدلت بتصاريح فردية، مما جعل كل فلسطيني خاضعًا للمراقبة. إلى جانب نظام التصاريح، تُشكّل الطرق الالتفافية أحد أبرز تجليات نظام الأبارتهايد. فهي مصممة لخدمة المستوطنات وربطها بإسرائيل، ولا يسمح للفلسطينيين باستخدامها. تخلق هذه الشبكة بنية تحتية عنصرية تقصي الفلسطينيين من مجالهم الحيوي. فهي "طرق أبارتهايد"، حيث تربط المستوطنات الواقعة على قمم التلال بجسور تمرّ فوق الأراضي الفلسطينية وأنفاق تمرّ تحت القرى والبلدات الفلسطينية، بحيث تؤدي الطرق السريعة والمتواصلة إلى داخل حدود اسرائيل، بينما تُحاصر الأراضي الفلسطينية بالجدار والحواجز والمناطق العسكرية. وقد أنتج هذا التوسّع الاستيطاني غير المتكافئ والتمييزي واقعًا جغرافيًا متشظّيًا شبيهًا ب "البانتوستانات"، حوّل الأرض الفلسطينية إلى "مساحة اعتقال"، تُخضِع الفلسطينيين لمنطق العقاب والعزل والموت البطيء. وتُظهر مواد هذا الملف كيف شكّلت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بنية متكاملة، تعزز من استدامة الاستيطان وتوسّعه، عبر توسيع صلاحيات "الإدارة المدنية" وتكريس أدوات الضم الزاحف، خصوصًا في أثناء تصاعد النفوذ اليميني والديني في المشهد السياسي الإسرائيلي. وتكشفُ عن المنطق القانوني والإداري الذي يحكم هذا التوسّع، بما في ذلك تشريعات تسعى ل "تطبيع" وجود المستوطنات، وتحويل السيطرة من الجيش إلى أذرع مدنية تتبع وزارات تخطيطٍوبناء إسرائيلية. في هذا السياق، لم يعد الاستيطان مجرد تهديد لحلّ الدولتين، بل تحوّل إلى بنية تفكيكية تُهدد إمكانية الوجود الفلسطيني. وتشير المعطيات الميدانية التي تستعرضها مواد العدد إلى تسارع وتيرة الضم الفعلي، ليس فقط عبر التوسّع العمراني للمستوطنات، بل أيضًا من خلال هندسة المجال الفلسطيني وإعادة تشكيله وفق منطق السيطرة والفصل؛ بما يجعل التجمعات الفلسطينية جزرًا معزولة جغرافيًا واقتصاديًا. وتتميز مواد هذا الملف بتركيزها على الربط بين المعطيات الكمّية والتحليل الكيفي؛ ما يجعلها مساهمة متميزّة في الاستجابة لضرورة بناء مرجعية تحليلية متعددة الأبعاد حول الاستيطان. فكل دراسة تسلّط الضوء على قطاع معيّن أو مستوى جغرافي محدد، لكنها تعود لتؤكد من زوايا مختلفة حقيقة جوهرية واحدة: أنّ الاستيطان يُشكّل الأداة المركزية لإنتاج الهيمنة الإسرائيلية وإعادة إنتاجها، ووسيلة لنزع القدرة الفلسطينية على الصمود، والاستقلال، وإعادة البناء.
يشتمل هذا الملف الخاص على خمس دراسات وتقريرين. وعلى الرغم من وجود إطار مفهومي يربطُ بين الدراسات المختلفة، يتعلق بأطر نظرية "الاستعمار الاستيطاني" وأدبياتها المتنامية، فإن مواد الملف لا تطمح إلى توفير نقد نظري للمشروع الاستعماري، بل تكتفي بتقديم مداخل ومادة مرجعية للبناء عليها في المستقبل. تتناول الدراسة التمهيدية، التي أعدّها وليد حباس وأنمار الرفيدي، المسار التاريخي للمراحل المتتابعة التي مرت بها الحركة الاستيطانية الإسرائيلية، والتي امتدّ نطاقها ليشمل فلسطين التاريخية بأكملها. ولتفسير هذا المسار في أبعاده العقائدية والقانونية، تستعرض الدراسة مكوّنات المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية، وأنماطه المتعددة، إلى جانب تفكيك دور المؤسسات والأجهزة الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية التي تضطلع بالتخطيط له وتنفيذه ودعمه، فضالًا عن مناقشة موقع الاستيطان ضمن منظومة القانون الدولي. أمّا الدراسة الثانية، التي أعدها محمود الخفيف ورجا الخالدي وطارق صادق، فتهدف إلى بناء مرجعية بحثية شاملة لمسألة احتساب تكلفة الاستيطان وآثاره الاقتصادية، انطقًا من اعتبار هذه الآثار جزءًا لا يتجزأ من التكلفة الكلية للااحتلاال. وتشير الدراسة إلى أنّ أعباء هذه التكلفة بدأت بإثقال كاهل الشعب الفلسطيني منذ نكبة عام 1948، بوصفها أولى نتائج الاصطدام بالاستعمار الاستيطاني. وفي هذا السياق، تقترح الدراسة ثلااث منهجيات رئيسة لتقدير تلك التكلفة، هي: منهجية التجميع، ومنهجية الافتراض، ومنهجية احتساب المكاسب التي يجنيها الاحتلاال، مع التأكيد أنّ اختيار هذه المنهجية أو تلك يعتمد على طبيعة المتغيرات الاقتصادية المراد تحليلها. وتخلص الدراسة إلى مجموعة من التوصيات الهادفة إلى تطوير منهجيات قياس التكلفة الاقتصادية التي يفرضها الاستيطان الإسرائيلي على المجتمع الفلسطيني. وتتناول الدراسة الثالثة، التي أعدّها وليد حباس وجمانة جنازرة، ظاهرة المناطق الصناعية الإسرائيلية المقامة في المناطق المصنفة "ج" من الضفة الغربية، بوصفها مركّبًا استيطانيًا يتجاوز البعد الربحي ليؤدي وظيفة استعمارية تهويدية. وتعمل الدراسة على تفكيك الآثار الاقتصادية والبيئية والسياسية لهذه المناطق في بنية الاقتصاد والمجتمع الفلسطينيَين، مع التركيز على تأثيرها في قطاعات الزراعة، والبيئة، واستغلاال الأيدي العاملة الفلسطينية، فضالًا عن دورها في تعطيل التجارة الفلسطينية. وتناقش الدراسة الرابعة، وهي من إعداد جمانة جنازرة، أحد أخطر أنماط الاستيطان المستحدثة في الضفة الغربية، ولا سيما في المناطق المصنفة "ج"، وهو الاستيطان الرّعويّ. وتسلّط الدراسة الضوء على آثاره الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية في التجمعات البدوية والرعوية الفلسطينية، من خلاال تحليل سياسات مصادرة الأراضي وتهجير السكان، وانعكاساتها على سُبل العيش، وخاصة لدى مربي الأغنام والمواشي والمزارعين. أما الدراسة الأخيرة، والتي أعدّتها أنمار رفيدي وملكة عبد اللطيف، فتتناول التوسّع الاستيطاني الإسرائيلي في مدينة القدس من الزاويتين الديموغرافية والجغرافية، مع التركيز على سياسات عزل
القرى والبلدات الفلسطينية المحيطة بالمدينة عن مركزها، وفصل سكانها وضواحيها عن بقية النسيج الديموغرافي الفلسطيني. وتركّز الدراسة خاصة على الاستيطان الإسرائيلي في منطقتَي شمال القدس وشمال غربها، من خلال تحليل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسكانية التي شهدتها قرى وبلدات بدّو، وبيت إكسا، والرام، وكفر عقب. وفي باب "التقارير"، يتناول التقرير الأول، الذي أعدّه طارق صادق وأحمد علاونة، أثر الحواجز الإسرائيلية وعوائق الحركة في شمال الضفة الغربية ووسطها، مع التركيز على الخسائر المترتبة على ساعات العمل المهدورة والتكلفة الإضافية للوقود. في حين يركّز التقرير الثاني، الذي أعدّته وفاء البيطاوي، على الخصائص الاقتصادية والاجتماعية التي تميّز النساء الفلسطينيات العاملات في المستوطنات الإسرائيلية، من خلال تحليل مستويات الدخل والفقر لديهن والقضايا المرتبطة بهما، مع تركيز خاص على النساء في تجمعات غور الأردن، بالاعتماد على مسح ميداني ومقابلات مباشرة. لا يطمح هذا الملف، بمميزاته هذه، إلى توسيع المعرفة الأصيلة حول الاستيطان الاسرائيلي فحسب، بل يسعى أيضًا إلى توفير قاعدة تحليلية وأدوات منهجية تدعم الجهود البحثية في هذا الاتجاه؛ إذ يوفر المشروع البحثي المشترك الذي أنتجت في إطاره محتويات الملف الخاص، إلى جانب الدراسات والتقارير، قاعدة بيانات تفاعلية شاملة ومكتبة إلكترونية واسعة حول آثار الاستيطان لفائدة الباحثين والمهتمين بالموضوع.
المراجع