العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الوعي بالغيرية بين الدين والنفعية: تمثّلات المغاربة للمهاجرين الأفارقة المنحدرين من جنوب الصحراء الأفريقية

الوعي بالغيرية بين الدين والنفعية: تمثّلات المغاربة للمهاجرين الأفارقة المنحدرين من جنوب الصحراء الأفريقية

Awareness of Otherness between Religion and Utility: Moroccans’ Representations of Sub-Saharan African Migrants

** Mehdi Jaafar | ومهدي جعفر *

Aziz Mechouat عزيز مشواط|

الملخّص

تتناول الدراسة مدى إسهام الانتماء الديني في تشكيل تمثّلات عيّنة من المغاربة للغيرية الأفريقية التي يمثلها المهاجرون الأفارقة المنحدرون من جنو​ب الصحراء. وتحلل، اعتمادًا على إطار نظري فيبري يستلهم مفاهيم العلمنة والعقلنة واستراتيجيات الفعل النفعي، أربع عشرة مقابلة نصف موجهة، أنجزها مركز منصات للأبحاث والدراسات الاجتماعية في إطار بحث ميداني كيفي أُجريَ في ست مدن مغربية، رصد تفاعلات المغاربة مع المهاجرين الأفارقة المنحدرين من جنوب الصحراء. وتخلص الدراسة إلى أن الاستراتيجيات النفعية للمشاركين المغاربة، ونوعية الأنشطة التي يمارسها هؤلاء المهاجرون أصيلو جنوب الصحراء بالمغرب، هما المحددان الأقوى تأثيرًا في تشكيل تمثّلات المشاركين تجاه المهاجرين المعنيين؛ إذ يقتصر دور الدين في هذا السياق على تبرير اتجاهات هذه التمثّلات.

Abstract

Abstract: This article examines how religious affiliation informs the construction of social representations of "otherness" among a sample of Moroccans in relation to Sub–Saharan African migrants in Morocco. Drawing on a Weberian theoretical framework that evokes the concepts of secularization, rationalization, and utilitarian action strategies, the article analyses fourteen semi–structured interviews conducted by Menassat for research and social studies as part of a qualitative study carried out in six Moroccan cities. The study finds that the principle of utility and the type of activities carried out by African immigrants in Morocco are the most influential factors in how the interviewees construct their representations of African immigrants. In this context, religion only serves a justificatory role in shaping these representations.

الكلمات المفتاحية:
  • التمثلات
  • الدين
  • المنفعة
  • الهجرة
  • المغرب
Keywords:
  • Representations
  • Religion
  • Utility
  • Migration
  • Morocco

** Mehdi Jaafar | ومهدي جعفر * Aziz Mechouat عزيز مشواط|

Awareness of Otherness between Religion and Utility: Moroccans’ Representations of Sub–Saharan African Migrants ملخص: تتناول الدراسة مدى إسهام الانتماء الديني في تشكيل تمّثلّات عيّنة من المغاربة

للغيرية الأفريقية التي يمثلها المهاجرون الأفارقة المنحدرون من جنوب الصحراء. وتحلل،

اعتمادًا على إطار نظري فيبري يستلهم مفاهيم العلمنة والعقلنة واستراتيجيات الفعل النفعي،

أربع عشرة مقابلة نصف موجهة، أنجزها مركز منصات للأبحاث والدراسات الاجتماعية في إطار

بحث ميداني كيفي أُجريَ في ست مدن مغربية، رصد تفاعلات المغاربة مع المهاجرين الأفارقة

المنحدرين من جنوب الصحراء. وتخلص الدراسة إلى أن الاستراتيجيات النفعية للمشاركين

المغاربة، ونوعية الأنشطة التي يمارسها هؤلاء المهاجرون أصيلو جنوب الصحراء بالمغرب،

هما المحددان الأقوى تأثيرًا في تشكيل تمّثلّات المشاركين تجاه المهاجرين المعنيين؛ إذ يقتصر

دور الدين في هذا السياق على تبرير اتجاهات هذه التمّثلّات.

Abstract: This article examines how religious affiliation informs the construction of social representations of "otherness" among a sample of Moroccans in relation to Sub–Saharan African migrants in Morocco. Drawing on a Weberian theoretical framework that evokes the concepts of secularization, rationalization, and utilitarian action strategies, the article analyses fourteen semi–structured interviews conducted by Menassat for research and social studies as part of a qualitative study carried out in six Moroccan cities. The study finds that the principle of utility and the type of activities carried out by African immigrants in Morocco are the most influential factors in how the interviewees construct their representations of African immigrants. In this context, religion only serves a justificatory role in shaping these representations.

Professor of Sociology, Hassan II University, Casablanca, Morocco (Corresponding Author). Email: mechouataziz@menassat.org

PhD Researcher in Sociology and Anthropology, Sidi Mohamed Ben Abdellah University, Fes, Morocco. Email: mehdijaafar7@gmail.com

مقدمة

أخذ عدد المهاجرين الأفارقة المنحدرين من جنوب الصحراء في الارتفاع، بفعل ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية، محلية وإقليمية ودولية، منذ سنة 2000 بالمغرب. ومع ذلك، يظل تحديد عدد دقيق لهذه الفئة أمرًا صعبًا. وتقِّدِر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون

اللاجئين أن المغرب ضمّ، حتى نهاية حزيران/ يونيو 2025، قرابة 19382 لاجئًا وطالب لجوء من

06 دولة، نصفهم تقريبًا من دول الساحل وجنوب الصحراء الأفريقية. أمّا المهاجرون غير النظاميين

المنحدرون من المنطقة نفسها، فقد راوح عددهم في المغرب سنة 2023 بين 00002000007 و وفق تقدير بعض المراقبين المدنيين. وجعل هذا الوضع المغرب يتحول من بلد عبور أساسًا إلى بلد

استقرار مؤقت بالنسبة إلى بعض الفئات من هؤلاء المهاجرين؛ ويرجع ذلك إلى سياسات الاتحاد الأوروبي القائمة على تمويل المغرب، للاضطلاع بدور الحارس "الجمركي" في كبح تدفقات الهجرة نحو أوروبا عبر إسبانيا، ما فرض على كثير من هؤلاء المهاجرين الاستقرار في المغرب مدة أصبحت تطول شيئًا فشيئًا، لكن من دون أن يعني ذلك أنه أصبح وجهة استقرار دائم لهم. يأتي هذا التحول في منطقة أصبحت بؤرة نشطة للهجرات الدولية؛ حيث تستقبل مهاجرين ولاجئين من مختلف مناطق العالم. والملاحظ أن الهجرات لا تفد على هذه المنطقة فقط من الشمالَين الأوروبي والأميركي، وهي قليلة، أو من الشرق الأوسط، وهي متزايدة التضخم منذ عام 2013، بل تستقطب أيضًا مهاجرين من جنوب الصحراء الأفريقية خصوصًا، كما أنها تصدّر مهاجرين شمال أفريقيين نحو وجهات مختلفة، لا سيّما أوروبا وأميركا الشمالية. وهي دينامية هجرة تشهد بعض المستجدات في

خصائص الفاعلين، أبرزها صعود نسبة الهجرات النسائية، سواء عبر الهجرة النظامية أو غير النظامية.

(1) Soufiane Lachhab, "Accès au logement et intégration des migrants subsahariens, le cas de la ville de Meknès," in: Khalid Mouna, Noureddine Harrami & Driss Maghraoui (eds.), L’immigration au Maroc: Les défis de l’intégration (Rabat: Fondation Heinrich Böll Afrique du Nord; Rabat social studies institute, 2017), pp. 55–63. (2) United Nations High Commissioner for Refugees, Morocco: Factsheet (Genève: 2025), p. 1. (3) Marco Simoncelli et al., "Morocco: A Magnet for Migrant Women?" DW , 27/9/2023, accessed on 5/10/2025, at: https://acr.ps/hBxVKmv (4) Khalid Mouna, Noureddine Harrami & Driss Maghraoui, "Conclusion: Pour une gouvernance de l’immigration centrée sur l’intégration," in: Mouna, Harrami & Maghraoui (eds.), p. 81. (5) Abdelkrim Belguendouz, "Expansion et sous–traitance des logiques d’enfermement de l’Union européenne: L’exemple du Maroc," Cultures & Conflits , no. 57 (2005), pp. 176–187.

(((حتى حزيران/ يونيو 2025، سجلت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أن أكبر نسبة لاجئين في المغرب كانت تخص اللاجئين السوريين القادمين من الشرق الأوسط، وذلك بعدد بلغ 5138 لاجئًا. ينظر:

United Nations High Commissioner for Refugees, pp. 1–2.

(((مجد أبو عامر، "فيمَ يفكر من يفكر في الهجرة؟ إجابات من المؤشر العربي (2022–2011)"، عمران، مج  12، العدد 84 (ربيع

2024)، ص.230–228 (((صبيحة كيم، "الهجرة غير الشرعية للمرأة الجزائرية بوصفها نموذجًا للمقاومة النسوية: دراسة سوسيولوجية لظاهرة 'الحرّاقات"'،

عمران، مج 7، العدد  25 (صيف 2018)، ص 124–101؛ رشيد بن بيه، الهجرات النسائية الجديدة في أفريقيا: المحددات والديناميات (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2021

نتيجةً لتدفقات الهجرة هذه، يمثّل الحضور الفعلي والبارز للمهاجرين في المغرب، وعلى وجه الخصوص الأفارقة المنحدرين من جنوب الصحراء، حقيقة موضوعية. وهو حضور يترجم نفسه عبر تفاعلات يومية بين المغاربة وهؤلاء المهاجرين، في مختلف الفضاءات الاجتماعية، من أسواق وجامعات وشوارع ومحطات طرق، وضمن أوساط مهنية مختلفة، وغيرها. ومن منظور موضوع الدراسة، نلاحظ مع باحثين آخرين، من جهة، أن شريحة واسعة من هؤلاء المهاجرين تتقاسم مع المغاربة الانتماء إلى الدين نفسه، وأحيانًا الانتماء إلى الطرق الصوفية نفسها (التجانية والبودشيشية،

وغيرها). ومن جهةٍ أخرى، لا يربط عدد مهمّ منهم صلة دينية بأغلب المغاربة، ذلك لأنهم مسيحيون أساسًا. وانطلاقًا مما أظهرته بحوث سابقة من فاعلية قوية للدين في مخيال المغاربة، وتأثيره البالغ تاريخيًا في رسم صورة الآخر في أذهانهم، نسجّل مع باحثين آخرين انطباعًا واسع الانتشار

بين المغاربة، يقدّر أن الانتماءات الدينية المشتركة أو المتغايرة بين المغاربة والمهاجرين الأفارقة أصيلي جنوب الصحراء هي العامل الأقوى تأثيرًا في بناء تمّثلّات المغاربة للغيرية الأفريقية الجنوب

صحراوية، التي يمثّلها في هذه الحالة المهاجرون الوافدون من هذه المنطقة، وأن تلك الانتماءات هي التي تصوغ من ثمّ أكثر مواقف المغاربة وأفعالهم تجاه هذه الفئة من المهاجرين، سواء اتسمت بالعدائية والرفض، أو بالمقبولية والاحتواء. ولئن كانت لهذا الانطباع الذي يربط بين الانتماء الديني وبناء الغيرية وجاهة تفسيرية في الماضي، فإنه يبدو في السياق الراهن إشكاليًا بعمق؛ نظرًا إلى التحّولّات التي تعرفها علاقة شريحة واسعة من المغاربة

بالدين، وهي العلاقة التي أصبحت تنحو أكثر فأكثر صوب أشكال أكثر علمانيةً وبراغماتيةً. لقد دفعتنا هذه المفارقة تحديدًا إلى التساؤل، باستحضار أبعاد السياق المغربي الراهن وتحولاته الدينية والسياسية والاقتصادية والأمنية: كيف يسهم الانتماء الديني، ضمن السياقات العلمانية المعاصرة، في تشكيل تمّثلّات بعض المغاربة للغيرية الأفريقية الممثّلة في شريحة واسعة من المهاجرين الأفارقة المنحدرين من جنوب الصحراء؟ أيعُدُّ الانتماء المشترك أو المغاير للدين بين المغاربة وهؤلاء المهاجرين محِّدِدًا مركزيًا في بناء تمّثلّات هذه الغيرية، أم أنّه يُستدعَى لتبرير اتجاهات هذه التمّثلّات بَعديًا؟ وفي هذه الحالة، هل تؤثّر عوامل مادية ونفعية أكثر مما تؤثّر العوامل المثالية في تشكيل هذه التمّثلّات؟ وكيف؟

(9) Mahamet Timéra, "La religion en partage, la 'couleur' et l’origine comme frontière," Cahiers d’études africaines , vol. 51, no. 201 (2011), p. 145. (10) Sophie Bava, "Migrations africaines et christianismes au Maroc: De la théologie des migrations à la théologie de la pluralité religieuse," Les Cahiers d’Outre–Mer , vol. 69, no. 274 (2016), p. 201. (11) Edward Westermarck, Ritual and Belief in Morocco (New York: University Books New Gyde Park, 1968 [1926]), p. 4. (12) Jamal Elouafa, "Les représentations sociales des migrants subsahariens chez les Marocains," La Revue Marocaine de Droit d’Asile et Migration , no. 5 (2015), pp. 68–70. (13) Hassan Rachik, Mohamed Tozy & Mohamed El Ayadi, L’islam au quotidien: Enquête sur les valeurs et les pratiques religieuses au Maroc (Casablanca: Editions Prologue, 2007), pp. 226–229.

في محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة، تعتمد الدراسة على جزء من معطيات بحث ميداني كيفي، أنجزناه في المغرب خلال الفترة أيار/ مايو–تموز/ يوليو 2023، ضمن فريق باحثي مركز منصات للأبحاث والدراسات الاجتماعية، بالتعاون مع شبكة مدار، وعبر شراكة مع جمعية جذور، في إطار مشروع بحثي حول الهجرة وحقوق النازحين. أجريت، في هذا الإطار، خمسون مقابلة شبه موجّهة مع مواطنين مغاربة، يستقرون في مدن فاس والدار البيضاء والجديدة وأكادير. وقد وُِّزِع دليل المقابلة، الذي صيغ بالعربية الفصحى وطرح على المشاركين بالدارجة المغربية، على ثلاثة محاور: 1. معلومات عامة حول الوضع الاجتماعي للمشاركين (النوع، والعمر، والحالة العائلية، والمستوى الدراسي، والمهنة، ووسط الإقامة)، 2. طبيعة التفاعلات بين المشاركين والمهاجرين الأفارقة أصيلي جنوب الصحراء ومدى كثافتها، 3. مدى تأثير الانتماء الديني في سيرورة بناء تمّثلّاث المشاركين تجاه الفئة المعنية من المهاجرين، ومدى حضور عوامل أخرى مؤِّثِرة في هذه السيرورة نفسها، وانعكاس هذه العوامل على مواقف المشاركين من وجود هؤلاء المهاجرين في المغرب، سواء اتجهت هذه المواقف صوب التقُّبُل والتضامن، أم صوب التمييز والاستبعاد. اقتصر البحث على إجراء المقابلات، وإن كانت قد تخللته بعض الملاحظات الميدانية، إلا أنها كانت يومية ما دام الباحثون مغاربة ويلاحظون الظاهرة يوميًا حتى خارج سياق الدراسة. ومن بين خمسين

مقابلة، انتخبنا 14 مقابلة لتحليلها وجعلها أساسًا لهذه الدراسة، وقد كان معيار انتقائها هو توافق مضمونها مع إشكالية البحث التي لا تركز على الهجرة، بل تتخذ من الوضع الهجروي للمهاجرين الأفارقة الجنوب صحراويين في المغرب إطارًا لدراسة قضايا هي من صميم سوسيولوجيا الأديان. وعلى أساس ما انتخبنا من مقابلات، كانت العيّنة شابّة على الأغلب؛ 9 مشاركين تقلّ أعمارهم عن

35 سنة، و 5 منهم تراوح أعمارهم بين 004 و 6 سنة. والعيّنة متوازنة نسبيًا أيضًا من ناحية النوع،

حيث تتضمن 8 مشاركين و 6 مشاركات. وهي متكونة من المتمدرسين في أغلبها، حيث 7 من

المشاركين يتمتعون بتعليمٍ عالٍ، و 7 بتعليم ما دون العالي، وينتمون إلى فئات مهنية اجتماعية مختلفة، كما يتوزعون على مناطق متباينة من جغرافية المغرب. وفي سياق تحليل مضمون هذه المقابلات، نذكر الأسماء الحقيقية للمشاركين، وليست المستعارة، ولكن بغير صيغها الكاملة، وذلك بعد موافقة

(1((مركز مغربي للأبحاث والدراسات في العلوم الاجتماعية، يضم عددًا من الباحثين السوسيولوجيين، أُسس سنة 2019، مقره

بالدار البيضاء المغربية. للاطلاع على أنشطة المركز، ينظر: منصات للأبحاث والدراسات الاجتماعية، شوهد في 2026/4/2، في:

https://acr.ps/1L9B9zU

((1(شبكة تضم فاعلين مدنيين من المنطقة المغاربية، هدفها ترسيخ حقوق المهاجرين واللاجئين في دول شمال أفريقيا المغاربية.

للمزيد، ينظر: https://acr.ps/hBxVKiM

((1(جمعية دولية غير ربحية، تعمل من أجل إدماج الثقافة في السياسات العمومية للتنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية، لها فرع مغربي في مدينة الدار البيضاء المغربية. للمزيد، ينظر: https://acr.ps/hBxVKf3 ((1(إننا واعون بأن التمّثلّات تُبنى في سياق تفاعلي يضم طرفين على الأقل، ما يفرض استجواب طرفَي التفاعل، غير أن الاطلاع

على الدراسات السابقة جعلنا نلاحظ أن استجواب المهاجرين الأفارقة أصيلي جنوب الصحراء هو الغالب؛ في حين أن دراسات أقل تهتم بمواقف المغاربة وتمثلاتهم تجاه هؤلاء المهاجرين. لذلك اخترنا التركيز على استجواب المغاربة أساسًا، وأخذنا في

الاعتبار مواقف المهاجرين المعنيين وظروفهم كما تقدمها دراسات وتقارير متخصّصة نستعرضها في الإبان.

كل مقابلة.

اسم المشارك النوع السن

الإقامة

اسم المشاركالنوعالسنالإقامةالمستوى الدراسيالمهنة
خالدرجل35الجديدةإعداديحلاق
فاطمةامرأة50أكاديرإعداديربة بيت
سكينةامرأة25الدار البيضاءعاٍلطالبة
أسماءامرأة74الدار البيضاءعاٍلأستاذة
سعيدرجل30أكاديرعاٍلمُسيّر مطعم
أحمدرجل29الجديدةتأهيليموظف في الجماعة الحضرية
سلمىامرأة19فاسعاٍلطالبة
أيمنرجل18فاسعاٍلطالب
عبد اللهرجل62الجديدةتأهيليموظف متقاعد
آيةامرأة32الجديدةعاٍلمُسيّرة في شركة
حكيمةامرأة29فاستأهيليمستخدمة
عزيزرجل45الجديدةتأهيليتاقني
عبد الكريمرجل41الجديدةإعداديحلاق
حمزةرجل24فاسعاٍلتاجر

المصدر: من إعداد الباحثين.

المشاركين في البحث الذين اطلعوا على بروتوكوله الميداني وأهدافه وخصوصيته، وذلك في بداية جدول يعرض عيّنة الدراسة المستوى الدراسي

المهنة

أجري البحث في الفضاءات التي تشهد تفاعلات مكثفة بين المشاركين المغاربة وبعض المهاجرين الأفارقة الوافدين من جنوب الصحراء، مثل محطة ولاد زيان بالدار البيضاء، ومحطة القطار والمدينة القديمة بفاس، فضلًا عن أسواق البيع والشراء في طنجة، مثل سوق مالاباطة وكاسابارطة، علاوة على الأحياء المجاورة للمحطة الطرقية بالجديدة، وحَّيّي أمسرنات والمسيرة بأكادير اللذَين يحيطان بسوق

الأحد وسط المدينة، حيث ينشط كثير من هؤلاء المهاجرين. أمّا اختيار إنجاز البحث في هذه المدن وهذه الأحياء، فأملته اعتبارات موضوعية، أهمها نوعية الفضاءات الحضرية، وتموقعها المركزي في خريطة مسارات تدفق المهاجرين الأفارقة أصيلي جنوب الصحراء، ووظيفتها السياسية والإدارية والمَدنية؛ وهذا الأمر يتيح للمهاجرين في هذه المدن فرصًا اقتصادية واجتماعية، واّطلّاعًا واسعًا على ما يتوافر من إمكانات مغادرة المغرب أو الاستقرار فيه مؤقتًا. من جهة أخرى، تتميز هذه المدن

(18) Mehdi Alioua, "Nouveaux et anciens espaces de circulation internationale au Maroc: Les grandes villes marocaines (Relais migratoires émergents de la migration transnationale des Africains subsahariens au Maghreb)," Revue des mondes musulmans et de la méditerranée , no. 119–120 (2007), p. 6.

بكثافة ديموغرافية هي الأعلى في المغرب، ما يكثّف اتصالات المغاربة القاطنين فيها وتفاعلاتهم مع المهاجرين الأفارقة الوافدين من جنوب الصحراء يوميًا. وقد بينت لنا الملاحظة المباشرة والمكثفة

للفضاءات الحضرية المختارة، قبل إجراء البحث وأثناءه وبعده، أنها فتحت أمامنا ديناميتها أكثر، كما فتحت لنا أفقًا واسعًا لتركيز بحثنا على دور الانتماء الديني في بناء تمثّل "المغربي" للمهاجر الأفريقي الجنوب صحراوي، كما عبّر عنه المشاركون في شهاداتهم من جهة؛ ومن جهة أخرى

مدى تأثير الاستراتيجيات النفعية التي يعتمدونها في علاقاتهم وتفاعلاتهم اليومية مع المهاجرين المعنيين، مثل علاقات الجيرة والدراسة، والعلاقات المهنية أو الخدماتية في الأسواق، عند الحلاق، وفي وسائل النقل، وغيرها، أو من خلال التفاعلات في الفضاءات العمومية مثل الشوارع والحدائق والساحات والمحطات الطرقية، وغيرها. جدير بالإشارة هنا أننا لا نعتمد مفهوم النفعية بدلالته الاقتصادية، بل نستخدمه وفق مضمون سوسيولوجي، ينصرف معناه إلى احتكام بعض الفاعلين الاجتماعيين في تفاعلاتهم فيما بينهم إلى معايير نفعية تُبِوِّئ المصالح الشخصية أو الفئوية صدارة مُوَِّجِهات الحكم والتمثّل والفعل؛ وذلك

في تهميشٍ سياقي، وأحيانًا لاواعٍ، للموجّهات المعيارية واللامادية للحكم والتمثّل والفعل، مثل الأخلاق والمثل والدين. بهذا المعنى، يساعدنا هذا المفهوم على تفسير السلوك البشري من خلال التركيز على سعي الأفراد لتعظيم مصالحهم وتقليل الأضرار التي تهددها، وعلى فهم أفعالهم وتمّثلّاتهم في سياقات قد لا تحكمها بالضرورة السلطة الضبطية والتوجيهية للمعايير المثالية، كما هو الشأن في المجتمعات التي تعيش سيرورة علمنة. بناء عليه، تقع الدراسة في قسمين. يصوغ القسم الأول إطارًا نظريًا مركّبًا يساعد على بناء

إشكالية تستحضر، من جهة، التفسيرات التي جاءت بها الدراسات السابقة لغيرية المغاربة تجاه المهاجرين الأفارقة الجنوب صحراويين، ويقترح توسيعها وتدقيقها تجاه تشغيل أكثر كثافة لمفهوم "الاستراتيجيات النفعية"، ويتضمن، من جهة أخرى، مناقشة بعض المفاهيم المركزية في البحث مثل الانتماء الديني والعلمانية والنفعية والتمّثلّات، فضلًا عن تبيانه خطّة تحليل المعطيات الميدانية في ضوء "سوسيولوجيا تحليلية" تبحث في الديناميات الدقيقة الموِّجِهة لأفعال الأفراد. أمّا القسم الثاني، فقد خصصناه لعرض المعطيات وتحليلها، وتأويلها في اتجاه توضيح تراجع الموجّهات الدينية في بناء تمّثلّات المشاركين لبعض الفئات من المهاجرين الأفارقة أصيلي جنوب الصحراء، وفي المقابل تبِّوِئ الاعتبارات المصلحية والنفعية موقعًا مركزيًا في تشكيل اتجاهات هذه التمّثلّات. أما الخاتمة،

فنلخص فيها بأسلوب تركيبي أهم النتائج، كما سنبين إسهامها في الفهم النظري، وفي النقاشات الأوسع بشأن الديناميات الدينية التي يعرفها المجتمع المغربي، وفيما أصبح يوجّه أكثر فأكثر وفقًا لتقديرنا أفعال قسم من المغاربة، وهو النقاش الذي يمكن أن تستفيد منه السياسات العمومية

(19) Shiri Alon & Ehud Lehrer, "Subjective Utilitarianism: Individual Decisions in a Social Context," Journal of Economic Theory , vol. 190 (2020), pp. 10–14. (20) Alaine Touraine, La fin des sociétés (Paris: Seuil, 2013), p. 12.

وتدخلاتها العملية بحيث تتدبر بصفة أمثل العلاقات بين المغاربة والمهاجرين الأفارقة المنحدرين من جنوب الصحراء.

أولا: ديناميات هجروية متقلبة وتمثّلات غيريّة متباينة: مناقشة نظرية ومفهومية

1. واقع الهجرة الأفريقية الجنوب صحراوية في المغرب وتمثّلات غيرية المغاربة تجاههم

تعود أسباب تدفق الهجرات من أفريقيا جنوب الصحراء على المغرب إلى شبكة عوامل معقدة، يحفل بها سياق متشعب الأبعاد، فيه على الأخص جانب سياسي واجتماعي، وجانب اقتصادي وأمني؛ ذلك أن الاضطرابات السياسية والأمنية، التي تزعزع استقرار كثير من دول الساحل وجنوب الصحراء الأفريقية، لها تأثير مباشر في إضعاف بناها الاقتصادية. أضف إلى ذلك أن السياسات النيوليبرالية المفروضة على معظم الدول الأفريقية قد ساهمت ولا تزال في تفكيك اقتصاداتها وإضعافها، بما يعوق تحقيق تنمية مستدامة. وقد أدى تراكب هذه العوامل إلى هشاشة الأوضاع المعيشية لكثير من مواطني معظم الدول الأفريقية، ما يدفع كثيرًا من "مواطنيها" إلى البحث عن حياة أفضل عن طريق

الهجرة. ومما ييسّر هذه الهجرة نشاط شبكات تحفيزية تقدّم للمقبلين عليها موارد متنوعة، منها المعلومات والعلاقات، تساهم في تحويل الميل إلى مغادرة أماكن الاستقرار الأصلية إلى مشاريع فعلية. وقد ثبت أن لهذه الشبكات دورًا فاعلًا في تنشيط الديناميات الهجروية الوافدة على المغرب من أفريقيا جنوب الصحراء. إن النظر في العوامل المحفزة للهجرة لا يعني غضّ الطرف عن كونها فعلًا إنسانيًا، لا يمكن حصر

دينامياته في دائرة محدودة من العوامل، مهما كانت نوعيتها. وضمن الأبعاد الكثيرة التي دُرِست في ظاهرة الهجرة الأفريقية الجنوب صحراوية التي تفد على المغرب، اهتمت مجموعة من الباحثين بدراسة أنماط التفاعل بين فئات من المغاربة وهؤلاء المهاجرين. في هذا السياق، انصرفت مجموعة من الأبحاث إلى دراسة سيرورات تشكّل التمّثلّات تجاه بعض الفئات من هؤلاء المهاجرين، حيث كانت تمّثلّات المغاربة تجاه "الغيرية الأفريقية" الجنوب صحراوية مدخلًا لكثير منها. وقد خلص البعض منها إلى أن تمّثلّات المغاربة تجاه هؤلاء المهاجرين تتوزع في اتجاهات غير متجانسة: أولها

(21)  Fouzi Mourji et al. (eds.), Les migrants subsahariens au Maroc: Enjeux d’une migration de résidence (Rabat: Konrad Adenauer Stiftung, Université internationale de Rabat, 2016), p. 8; Kwabenaa Gyimah–Brempong & Marva E. Corley, "Civil Wars and Economic Growth in Sub–Saharan Africa," Journal of African Economies , vol. 14, no. 2 (June 2005), pp. 270–311.

((2(بن بيه، ص.45

(23) Niandou Touré, "L’approche 'réseaux' dans les études migratoires," e–Migrinter , no. 13 (2015), pp. 23–32. (24) Moha Ennaji & Fatima Sadiqi, Migration and Gender in Morocco: The Impact of Migration on the Women Left behind (Trenton, NJ: Red Sea Press, 2008), p. 11.

ينصرف إلى صور التقبّل والتضامن والتعايش، وإدارة العيش المشترك، وهي صور تنتجها وتروّجها

فئات من المغاربة وفاعلون سياسيون ونشطاء مدنيون. وفي دراسات أخرى، تحضر صور أخرى للغيرية الأفريقية الجنوب صحراوية في وعي بعض المغاربة، تميل إلى التقوقع على مواقف تمييزية وكارهة للغرباء، تغذيها أحكام قيمة وتصورات نمطية، تتمثّل الأفارقة السود الجنوب صحراويين في هيئة "المتشردين" و"المجرمين" و"المخربين" و"غير المتحضرين"، وغيرها من التصورات التي تصمهم وترفض حضورهم في المغرب، هذا فضلًا عن وجود اتجاهات تمثّلية أخرى هجينة، تتصور المهاجر الأفريقي الجنوب صحراوي، من جهة، على أنه خطر صحي واقتصادي واجتماعي وديني على المغاربة، ومن جهة أخرى، على أنه إنسان يستحق التمتع بالحقوق الأساسية وبالكرامة والاندماج في المجتمع المغربي. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه التمّثلّات، وخصوصًا السلبية منها، تظهر وتتبلور في سياق يشهد انتشار

الإشاعات التمييزية ضد المهاجرين الجنوب صحراويين، وخطابات سياسية وخصوصًا منها

ما يحسب على أحزاب مغربية محافظة؛ فضلًا عن مضامين مواد بعض وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي التي تركز غالبا على فئة المهاجرين غير النظاميين، وتكبّر بمجهرها الإعلامي بعض

الممارسات غير الشرعية، من وجهة نظر القانون المغربي، التي يتورط فيها بعضهم، وتعممها على كل فئاتهم بلا تمييز. يتميز السياق الاجتماعي والسياسي والإعلامي، وحتى التربوي أحيانًا، الذي يبني

فيه المغاربة تمّثلّاتهم عن المهاجرين الجنوب صحراويين، بانتشارٍ واسع لصورة سلبية عنهم، هذا مع عدم إفساح مساحة تقدّم وجهات نظر هؤلاء المهاجرين وأفكارهم وأحاسيسهم، ولا حتى لمناقشة ما يؤكد بعضهم أنهم يتعرضون له من اعتداءات ومضايقات وتحرشات شبه يومية، وإهانات مستمرة عبر مناداتهم بألقاب عنصرية مثل "عزي" في مختلف الفضاءات التي يتشاركونها مع المغاربة؛ وهو ما تكون له ردود أفعال منهم، ظاهرها "تخريبي"، وباطنها تعبير عن الظلم والحرمان والتجريد من الكرامة. ونستحضر في هذا الصدد أن السياقات التي يشكّل فيها المغاربة تمثّلهم عن الغيرية الأفريقية الجنوب صحراوية، متأثرة بالسياسات الخارجية للفاعل الرسمي، خصوصًا في بعدها الجيوسياسي

(25) Mehdi Alioua, "Les migrants subsahariens au Maroc: de l’altérité au cosmopolitisme?" Moyen Orient , no. 26 (2015), pp. 73–77; Yousra Abourabi, "Governing African Migration in Morocco: The Challenge of Positive Desecuritisation," International Development Policy , vol. 14 (2022), pp. 29–59. (26) Stephen Smith, La Ruée vers l’Europe: La jeune Afrique en route pour le vieux continent (Paris: Grasset, 2018); Mustapha El Miri, "Devenir noir sur les routes migratoires: Racialisation des migrants subsahariens et racisme global," Sociologie et sociétés , vol. 50, no. 2 (2018), pp. 101–124; Mourji et al., p. 14. (27) Elouafa, pp. 68–70. (28) Ibid., p. 71. (29) Hassan Faouzi, "L’immigrant africain subsaharien dans la presse marocaine: Représentations, préjugés et stéréotypes: Regard sociologique," La Revue Marocaine de Droit d’Asile et Migration , no. 5 (2015), pp. 23–29 (30) Ibid., p. 26. (31) Ibid., p. 30. (32) Ibid.

والاقتصادي، الذي يوظف براغماتيًا تدبيره للهجرة الوافدة من جنوب الصحراء الأفريقية حتى يخدم أهدافًا ترتبط بعلاقة المغرب مع الاتحاد الأوروبي من جهة أولى، وبالدول الأفريقية المعنية من جهة ثانية، وحتى بعلاقة النظام الحاكم ببعض المكونات السياسية في الداخل المغربي، من جهة ثالثة. ففيما يهمّ المهاجرين الجنوب صحراويين المسلمين، تُوَظَّف بعض الزوايا الصوفية والمعاهد الدينية المغربية الرسمية لتكوين نخبة دينية، تحاول السلطات المغربية من خلالها تحقيق تقارب ديني مع دول الغرب الأفريقي المسلمة، وهو ما تستثمره في تحقيق تقارب سياسي معها، يترجم على الأغلب في انتزاع بعض المواقف الداعمة لمغربية الصحراء، وفي خلق أسواق جديدة للاقتصاد المغربي أيضًا. أمّا داخليًا، فتعمل السلطات المغربية، من خلال هذه السياسة، على تقليص انتشار الإسلام الحركي السياسي، ودعم الإسلام الصوفي السني الذي ترى أنه يتوافق أكثر مع "الإسلام الشعبي المتماهي مع تديّن شريحة واسعة من المغاربة" كما يقول خطابها الرسمي؛ وهو ما يخدم إضعاف أيّ منافس ل "إمارة المؤمنين" على السلطة الدينية المسيّسة التي تحتكرها. ضمن هذا الاستثمار السياسي – الديني في المشترك الإسلامي مع المهاجرين المعنيين، فضّلت السلطات المغربية في الفترة 2015–2013، ثم في الفترة 2018–2016، تسوية وضعية المهاجرين الأفارقة المسلمين أكثر من غيرهم؛ حيث منحت التصريح بالإقامة الشرعية ل 0066 سنغالي، و 5250 سوريًا، و 1119 مالًّيًا، وهم مسلمون، في حين لم تمنح إلا نصف عدد هذه التصاريح تقريبًا لكل من الإيفواريين والكاميرونيين والنيجيريين، وهم في غالبيتهم مسيحيون. تكشف هذه السياسة عن أن السلطات المغربية تعطي الأولوية، في تسوية الوضعية القانونية، أكثر للمهاجرين الأفارقة الذين تتشارك معهم الانتماء إلى الإسلام. ولكن هل هذا يعني تهميشًا كليّا للمسيحيين؟ في الواقع، يؤدّي العامل الديني المسيحي أدوارًا مهمة هو أيضًا في سياسة المغرب للهجرة؛ إذ يستغل قسم من المهاجرين الوافدين من جنوب الصحراء الحيوية التي عرفتها بعض الكنائس في المغرب في العقود الأخيرة، من أجل نسج العلاقات مع المقيمين السابقين والاندماج في بعض أوساطهم من جهة، كما تستغل من جهة أخرى هذه الكنائس ذاتها حركية هؤلاء المهاجرين من أجل تنشيط حركيتها، خاصة أنهم يمثّلون 95 في المئة من المنتسبين إلى بعضها، مثل الكنيسة الكاثوليكية بالمغرب. وهذا هو السياق الذي لاحظ بعض الباحثين أن المهاجرين الأفارقة المسيحيين إلى المغرب يعملون فيه مع الزعماء الدينيين لهذه الكنائس على صياغة "لاهوت هجرة" بالمغرب، يستجيب لحاجات المهاجرين الأفارقة السود، بتركيزه على قيم التكافل والأخوّة والعيش المشترك والتقبّل والحوار

((3(رشيد بن بيه، "الهجرة الموجهة لطلاب العلوم الدينية من غرب أفريقيا إلى 'سوس' بجنوب المغرب: السياسة والتأهيل الديني

وإنتاج النخب"، عمران، مج  8، العدد 30 (خريف 2019)، ص.134 ((3(المرجع نفسه، ص.132

(35) Sophie Bava & Katia Boissevain, "Migrations africaines et variations religieuses: Les églises chrétiennes du Maroc et de Tunisie," Migrations société , vol. 179, no. 1 (2020), p. 118. (36) Ibid., p. 120.

مع المسلمين، وذلك بعيدًا عن المسيحية التبشيرية التي تثير بعض المشكلات مع السلطات. ومن منظور سوسيولوجيا العلاقة بين الهجرة والدين، تكشف هذه المعطيات أن الهجرة تخلق أنماطًا جديدة من التعبيرات الدينية، وتكسبها تمظهرات متنوعة؛ فقد منحت في هذا السياق بعض الكنائس بالمغرب فرصة للبروز والترسخ وتكثيف أعداد منتسبيها، كما مثلت هذه الكنائس للمهاجرين المعنيين من جهة أخرى سندًا روحيًا وماديًا. وهذا يعني أن ديناميات الهجرة الأفريقية أوجدت الحاجة إلى

الكنيسة، كما أن الأخيرة وجدت علة خروجها من مساحة الظل في خدمة المهاجرين الذين يعيشون حياة صعبة. يلتقي هذا التوجه اللاهوتي – الحركي لدى الكنائس المذكورة مع بعض سياسات المغرب الدبلوماسية والهجروية؛ فقد دعا ملك المغرب البابا فرانسيس سنة 2019 إلى صياغة مشروع سياسي مشترك، يساعد على تدبير جملة من الملفات، على رأسها ملف الهجرة ومناهضة الإسلام الحركي الراديكالي. وجاء ذلك استمرارًا في سياسات بدأ الملك ذاته بإعلانها في مؤتمر "حقوق الأقليات الدينية بالعالم الإسلامي" بمراكش سنة 2016، حيث ذكّر بأنه "أمير كل المؤمنين من مختلف

الديانات". وهو ما استُثمِر لتفعيل تقارب سياسي مع الاتحاد الأوروبي والدول الأفريقية المسيحية التي يفد منها المهاجرون؛ ما أثمر تحقيق أهداف سياسية داخلية وخارجية للسلطات المغربية، فضلًا عن ربح بعض المكاسب الاقتصادية والدبلوماسية. وفي سياق متصل، تسجل بعض التقارير أن التمّثلّات التمييزية تجاه المهاجرين الأفارقة الوافدين من جنوب الصحراء تحضر بقوّة في المغرب، على الرغم من انتماء المغاربة وشريحة واسعة من

هؤلاء المهاجرين إلى الدين نفسه، فضلًا عن انتمائهم الجغرافي إلى القارة نفسها. ويجادل مجموعة من الباحثين ذوي الأصول الأفريقية بأن لون البشرة الأسود لدى المهاجرين يؤخذ لدى غيرهم على أنه علامة مميزة لمجموعة بشرية محددة تتمثل في المنتمين إلى "العرق الأسود"، وأنه عامل مركزي في اتخاذ مواقف تمييزية وعنصرية إزاء المهاجرين الأفارقة المنحدرين من جنوب الصحراء. فضلًا عن ذلك، يرى باحثون آخرون أن عاملَي الدين والعرق معًا، وليس العرق وحده، هما الأقوى تأثيرًا في تحديد اتجاهات التمثّل تجاه المهاجرين، سواء أكانوا من أفريقيا أم من غيرها.

(37) Ibid., p. 119–120. (38) Ibid., p. 121. (39) Ibid., pp. 122–123. (40) Ibid., p. 123.

4(((نسرين حليزه، "التمييز العنصري ومعاداة السود في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، الباروميتر العربي، الدورة السابعة (آب/ أغسطس 2022)، ص 2، 12؛ يسرى بنجعة، "وضعية البينية في الحياة اليومية لدى المهاجرين من جنوب الصحراء: حالة

مهاجري غينيا كوناكري"، عمران، مج  21، العدد 47 (شتاء 2024)، ص.145

(42) El Miri, pp. 101–103; Frantz Fanon, Peau noire masques blancs (Paris: Seuil, 2011 [1952]); Pap Ndiaye, La Condition noire: Essai sur une minorité française (Paris: Calmann–Lévy, 2008).

4(((بن بيه،  275–274 الهجرات النسائية، ص؛ راناجِيت غُهَا، "زمن المهاجر"، ترجمة ثائر ديب، عمران، مج 6، العدد  24 (ربيع

2018)، ص.76

وعلى الرغم من وجاهة هذا التأويل المبني على مركزية مقولة العرق أو الإثنية، سواء أكانت وحدها أم مقترنة بمقولة أخرى، فإن قدرته التفسيرية تظل محدودة عند اختباره في ضوء اعتبارين رئيسَين. فالاعتبار الأول يحيل على الإشكال المفاهيمي الذي يطرحه لفظا "التمييز العنصري" و"العرق" في استعمالها المفهومي؛ ذلك أنهما غير دقيقين في دلالتهما. أضف إلى ذلك أن شعوب المنطقة لا تفهمهما كما يفهمهما الغربيون، وخصوصًا الأميركيين. فهذا الإشكال المفاهيمي يضعف القدرة التفسيرية للتحليل الذي يعتمد هذه المفاهيم غير الدقيقة. أما الاعتبار الثاني، فيتصل بالبعد الاختزالي لتفسير الظاهرة المناقشة بالعرق وحده، حينما ترتبط الدراسة ببعض الفضاءات الاجتماعية المشبعة بالرمزية الدينية، والتي تتبلور على أساسها حمولة تاريخية من الأحكام والصور النمطية تجاه "الآخر"، كما هو الحال في المغرب. باستحضار هذه الخلفية، يبقى التأويل الحصري بالعرق ولون البشرة أساسًا تُبنى عليه التمّثلّات تجاه المهاجرين الأفارقة المنحدرين من جنوب الصحراء، تأويلًا أحادي البعد. انسجامًا مع هاتين الملاحظتين، وبعيدًا عن التأويلات المتمركزة حول الإثنيات، تشير صوفي باڤا إلى أن تنقّل المهاجرين الأفارقة المنحدرين من جنوب الصحراء لا يحيل على تنقّل جسدي فحسب، يرتبط بالمظهر أو بلون البشرة، بل على تنقّل يجري داخل سياق رمزي، تؤدي فيه الأديان دورًا بارزًا، حيث تمثّل ذخيرة روحية يشكلها المهاجر ويعيد تشكيلها في أنماط متنوعة من التدين، وذلك حتى يستجيب لحاجاته التي تفرضها تجربته الهجرية، مثل حاجته إلى الأمن الروحي والجسدي، أو ربط علاقات مع أفراد آخرين في بلاد المهجر، أو إطلاق مشروع تجاري خاص، أو عيش تجربة هجرة جديدة... إلخ. وفق هذا التصور، يقع الدين في قلب ديناميات الهجرة، حيث يفرز ما تسميه باڤا "الإنتاجات الدينية الجديدة للهجرة". فهي تؤكد أن تقبّل المهاجرين الأفارقة أصيلي جنوب

الصحراء بالمغرب، ومرافقتهم والتضامن معهم "يمرّ غالبًا عبر قنوات اعتراف تجد أصولها داخل

الجماعات الدينية"؛ ما يعني أن الأديان تتدخل على نحوٍ فاعل في تشكيل السياقات الثقافية التي تجري داخلها الهجرات الأفريقية. إن ما تأتي به هذه الأطروحة بالغ الأهمية في فهم كيفية تشكّل التمّثلّات تجاه المهاجرين؛ لأنها تواجه الأطر النظرية التي تحصر عوامله في العرق والإثنية ولون البشرة ولغة المهاجرين غير المألوفة لدى أبناء بلد الاستقبال بإظهار حدودها، وتكشف أنها تتغاضى عن تأثير الدين في تأطير سياقات هذه التمّثلّات. إن هذه الفجوة التفسيرية في بعض النماذج النظرية

(((4 حليزه، ص 7،.3–2

(45) Sophie Bava & Julie Picard, "Les nouvelles figures religieuses de la migration africaine au Caire," Autrepart , vol. 56, no. 4 (2010), p. 153. (46) Ibid., pp. 168–169. (47) Sophie Bava, "Les nouvelles productions religieuses de la migration: De la naissance d’un marché religieux à l’élaboration d’une théologie de la migration au Maroc," in: Mohammed Ababou & Sellam Choukri (eds.), Approches et méthodes des sciences sociales du religieux entre continuité et changement (Fès: Université Sidi Mohamed Ben Abdellah; Laboratoire de Sociologie de développement social, 2019), p. 82.

السابقة هي التي حفزتنا على الحفر في الاتجاه الذي يحاول استكشاف شبكة العلاقات الممكنة بين الدين وإنتاجاته المتجدّدة في سياقات مختلفة من جهة، وبناء التمّثلّات تجاه المهاجرين، من جهة أخرى. ولكن تقديرنا لأهمية أطروحة باڤا لا يعني أننا نعتمدها أساسًا لبحثنا الذي انخرطنا فيه من دون طرح فرضية أساسية؛ وهو ما يتوافق مع منطق البحث الكيفي الذي اعتمدناه، والذي ينطلق أساسًا من استكشاف الميدان، لا من فرضيات جاهزة.

2. عدة البحث المفهومية: التمثّل والفعل العقلاني الغائي والنفعية

تنصرف دلالة التمثّل، مفهوميًا، في دراستنا إلى كونه "شكلًا من أشكال المعرفة البينذاتية Intersubjectivity، التي يتم تشكيلها وتناقلها اجتماعيًا، لخدمة أغراض عملية، بما يسهم في بناء واقع اجتماعي مشترك خاص بجماعة بشرية معيّنة". تعكس هذه المعرفة، في بعض الأبعاد، مضمون الحس المشترك، ومن ثمّ، فإنها تعبّر عن معيارية اجتماعية، وهي تتضمن قيمًا ومعايير وقواعد وأخلاقيات وروحانيات، وأيضًا صورًا نمطية تعمل على تصنيف "الآخر". إنها بذلك تترجم مخي لًا ثقافيًا خاصًا بجماعة معيّنة، ومن ثمّ، فإنها على صلة وثيقة بالدين، بما أنه يُعتبَر من المراجع المعيارية المهيكلة للثقافات الإنسانية. بناء عليه، ليست التمّثلّات الاجتماعية آراء أو صورًا ذهنية، بل هي جزء مكوّن ضمن أنظمة رمزية ومعيارية تُنتَج عبر التواصل والتفاعل والتنشئة؛ الأمر الذي يتيح للأفراد الفعل والتفاعل بينهم داخل فضاءات مشتركة. وعلى هذا الأساس، تبقى التمّثلّات الاجتماعية واحدًا من أبرز محفزات الفعل الاجتماعي وموجّهاته. من منظور سوسيولوجي، كانت "التمّثلّات الاجتماعية الأولى التي شكّلها الإنسان حول العالم وحول نفسه ذات جذور دينية"، كما يلاحظ إميل دوركهايم. وهو الأمر الذي يدفع إلى التساؤل: هل يمكن أن يتغير المضمون الديني للتمّثلّات ويعوّض بمضمون دنيوي؟ هذا هو السؤال الأساس لما نبحث فيه، وتبرره سيرورة العلمنة التي تعرفها مختلف المجتمعات الإنسانية بفعل التحديث والعولمة، والتي يمكن أن تدفع نحو هذا التحوّل الدنيوي في مضمون التمّثلّات. والمقصود بالعلمنة، في هذه الدراسة، سيرورة تاريخية شديدة التعقيد والتركيب، تعرفها مختلف المجتمعات بأشكال متنوعة، تتمايز بفعل تأثيرها الحقول الاجتماعية، مثل العلم والفن والسياسة والاقتصاد وغيرها، من

4(((حسن احجيج وجمال فزة، البحث الكيفي في العلوم الاجتماعية: نظريات وتطبيقات (الرباط: فضاء آدم، 2019)، ص.68

(49) Denise Jodelet (ed.), Les représentations sociales (Paris: Presses Universitaires de France, 2003), p. 53. (50) Serge Moscovici, Psychologie des représentations sociales (Paris: Editions des archives contemporaines, 2019), pp. 24–29. (51) Serge Moscovici, "Des représentations collectives aux représentations sociales: Elément pour une histoire," in: Jodelet (ed.), p. 81. (52) Émile Durkheim, Les Formes élémentaires de la vie religieuse: Le système totémique en Australie (Paris: PUF, 1960), p. 12. (53) Max Weber, Le savant et le politique (Paris: Plon, 1963), pp. 89–91, 108, 120.

المؤسسات والمعايير الدينية من الناحية التنظيمية والتوجيهية. وغالبًا ما تترافق مع العلمنة سيرورةٌ

فكرية تنزع الطابع السحري عن الوجود في تفكير بعض الناس ووعيهم بالعالم، وتعوّضه أكثر فأكثر بوعي معرفي دنيوي وعقلاني. انسجامًا مع أطروحة دوركهايم السابقة، فإن هذه السيرورة هي الأخرى "تنطلق في الأصل من تمّثلّات دينية" كما يؤكد ماكس فيبر، غير أنها تتمايز منها شيئًا فشيئًا تجاه تمّثلّات دنيوية؛ ما يكشف دينامية مضمون التمّثلّات وموجّهاتها بفعل التغيّرات الاجتماعية. وعلى الرغم من أن العلمنة تمسّ الظاهرة الدينية برمّتها، فإننا نعني بالدين والتديّن والانتماء الديني في هذه الدراسة شيئًا دقيقًا. مبدئيًا، من الصعب الفصل سوسيولوجيًا بين الدين والتدين، فالأول لا يوجد

عمليًا إلا في ارتباط بممارساته في وضعيات معيّنة. ولذلك، فإننا نميل هنا إلى توظيف مقترح حسن

احجيج الذي يدمج، باستلهام أفكار لودفيغ فيتغنشتاين وبيير بورديو، الدين والتدين في كيان واحد قابل للملاحظة والقياس، هو "الممارسة الدينية". ويحيل هذا المفهوم على أن المتدينين يتميزون بحس عملي، يجعلهم لا يستحضرون نظريًا قواعد جاهزة (الدين)، ثم يطبقونها عمليًا (التدين)، بل

إن تديّنهم هو ما يُنتِج دينهم ويعيد إنتاجه في الممارسة اليومية، وضمن مختلف الوضعيات التي يتفاعلون داخلها. على هذا المنوال، يحيل الدين في دراستنا على التديّن، وفي المقابل يحيل التديّن على الدين، حيث الجامع بينهما هو الممارسة الدينية. إضافة إلى ما سبق، ندعم هذا التصور من خلال استحضار منظور بورديو الذي يعتبر القواعد المعيارية مندمجة في الممارسة على صيغة معرفة ضمنية، أي بوصفها حسًا عمليًا مُسْتَبْدَنًا في الجسد، يجعل الفاعل يتصرف على نحو فوري

وسياقي. بهذا الفهم، فإننا نتصور أن الانتماء الديني ليس قاعدة فقهية أو تشريعية أو معتقدًا نظريًا يستحضره الفاعلون الاجتماعيون كي يوجّهوا به أفعالهم، بل هو أحد عناصر الاستراتيجيات العملية التي تترجم

في ممارساتهم اليومية. إنه متغير يتفاعل ويتفاوض مع التمّثلّات يأخذ منها ويضيف إليها، يتغذّى من الأفعال ويحضر فيها بطريقة محايثة وجدلية. لعل الاعتماد على هذه القاعدة التحليلية يجعل من الأجدى بحثيًا النظر في وظائف الانتماء الديني حيال التمّثلّات والأفعال وفعله فيها، بحيث يكون

داعمًا أم محفّزًا أم مبررًا لاتجاهات الفعل والتمثّل كما يتشّكلّان في وضعيات اجتماعية بعينها، على اعتبار أن وظيفته هذه متولدة عن خصوصية السياق أو الوضعية الاجتماعية التي يعيشها كل فاعل.

(54) Jose Casanova, "The Secular, Secularizations, Secularisms," in: Craig Calhoun, Mark Juergensmeyer & Jonathan VanAntwerpen (eds.), Rethinking Secularism (New York: Oxford University Press, 2011), pp. 58–60. (55) Ibid., pp. 58–59.

(5((ماكس فيبر، مقالات في سوسيولوجيا الدين: الثقافة البروتستانتية، ترجمة منير الفندري (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2015)، ص.230 (5((حسن احجيج، "مغالطة ثنائية الدين/ التدين: في ضوء نظرية الممارسة المستلهمة من فلسفة فتغنشتاين المتأخرة"، مؤمنون

بلا حدود (حزيران/ يونيو 2022)، ص 2، شوهد في 2026/3/20، في: https://acr.ps/1L9B9zs ((5(المرجع نفسه، ص.21–20

(59) Pierre Bourdieu, Le sens pratique (Paris: Minuit, 1980), pp. 23–26.

تأسيسًا على ذلك، يستلهم بحثنا جزئيًا الطريقة التي حلل بها بورديو وظيفة الانتماء الطبقي في صياغة

المسار الدراسي للأفراد، أو الطريقة التي حلل بها فيبر وظيفة العلم في صياغة سيرورة نزع السحر عن العالم. من الناحية التفسيرية، يستوجب مثل هذا البحث اعتماد مقاربة تحليلية، ترتكز في تفسيراتها على الرصد الدقيق للديناميات المولّدة للأفعال والظواهر الاجتماعية. وتمنحنا "السوسيولوجيا التحليلية" مثل هذه الإمكانية، لأنها تمثّل إطارًا نظريًا تفسيريًا أساسًا، غير أنه لا يتبنى التفسير السببي

التعاقبي كما أسس له ديفيد هيوم، بل يحاول تعميق البحث لكشف الديناميات الدقيقة المولّدة للفعل انسجامًا مع خصوصية السياق الاجتماعي الذي يتشكل فيه. إنه إطار يتجاوز الوصف نحو التفسير

القائم على تصور توليدي للسببية، وليس على تصور تعاقبي لها، ذلك أن "تفسير حدث ما يعني إعطاء سبب حدوثه، ويكتسي ذلك عادة شكل ذكر حدث سابق بوصفه سبب الحدث اللاحق الذي نريد تفسيره [...] لكن ذكر السبب ليس كافيًا، يجب أكثر من ذلك تقديم الميكانيزم الدقيق المولد

للحدث أو الفعل". ويعبّر هذا الميكانيزم الدقيق عن نفسه في بعض دقائق أفعال الأفراد؛ إذ قد

يتجسد في نشاط أو تفاعل أو رغبة أو تصور أو نحو ذلك، مثل "نوع التربية، أو العقاب، أو التفاوض، أو الحرب، أو السلم، أو الوساطة، أو التعاون، أو الصراع"، أو غيرها. يستهدف هذا المنظور التوجه إلى منابع الفعل الإنساني، وهو ما يتوافق مع اتجاهات منهجية تميل إلى تغليب السلطة التوجيهية للعوامل البراغماتية، مثل المصالح والنفعيات، على أفعال الأفراد، كما انحاز إلى ذلك جيرمي بنثام Jeremy Bentham، الذي كان "مهتمًا قبل كل شيء بتحليل منابع السلوك

البشري"، التي وجدها تتصل ب "الرغبة في تحصيل اللذة"؛ وهي رغبة فردية أساسًا تنزع بصاحبها

إلى الانهمام بتحقيق مصالحه الخاصة، كما تحمله على البحث عن سعادته عبر تقليص ما يسبب له الألم، سواء كان نفسيًا أو جسديًا أو اجتماعيًا أو اقتصاديًا. من هنا، كان تركيزنا على النفعية إطارًا

تفسيريًا لبعض أفعال المشاركين وتمّثلّاتهم للمهاجرين الأفارقة المنحدرين من جنوب الصحراء.

ينبني هذا الإطار على توظيف مفهوم "النفعية" نفسه الذي يحيل على الحس العملي للفاعلين، الذي

(60) Weber, p. 90. (61) Peter Hedström & Richard Swedberg, "Social Mechanisms," Acta Sociologica , vol. 39, no. 3 (1996), pp. 281–308.

6(((حسن احجيج، "التفسير الميكانيزمي"، في: حسن احجيج [وآخرون]، التفسير في العلوم الاجتماعية (مراكش: مؤسسة آفاق للدراسات والنشر، 2024)، ص.206

(63) Jon Elster, Explaining Technical Changes: A Case Study in the philosophy of science (Cambridge: Cambridge University Press, 1983), pp. 3–4.

(((6 احجيج، "التفسير الميكانيزمي"، ص.211 6(((جون واطسون، نظريات اللذة: من أرسطبوس إلى سبنسر، ترجمة خالد الغنامي (أبوظبي: مركز أبوظبي للغة العربية، 2022)، ص.138 (((6 المرجع نفسه، ص.137 (((6 المرجع نفسه، ص 138 (6((المرجع نفسه، ص.140

يجعلهم أكثر ميلًا إلى ضبط أفعالهم بصفة عقلانية بما ينسجم مع مصالحهم الشخصية أو الفئوية، أو بما لا يضر بتلك المصالح على الأقل. ويستقي تصور النفعية هذا جذوره السوسيولوجية مما يصفه فيبر ب "العقلانية الغائية"، التي يترجمها الفعل الإنساني الموجّه نحو تحقيق غاية محددة، مع استخدام

الوسائل العملية المناسبة لتحقيقها. وبديهي القول إن الغاية يمكن أن تعبّر عنها مصلحة أو منفعة

ما. وبذلك يمكن أن تكون المصلحة من الإقدام على الفعل "محفزًا" على إتيانه، وهو ما يجعله فيبر أحد ضروب المعنى الممكنة للفعل. ووفق هذا التصوّر، قد تعكس المصلحة المستهدفة من الفعل

معناه، والذي بتأويله يفسر ذلك الفعل. لا بد من أن نشير هنا إلى أن "الفعل العقلاني الغائي" قد يتداخل مع "الفعل العقلاني القيمي" كما نجد ذلك لدى فيبر، بمعنى أن الفعل المحفز عقلانيًا بمصلحة قد يتأثر في تشكّله ببعض القيم أيضًا،

وهو ما يحتاج في تفسيره إلى عوامل مادية ومثالية في آن واحد. وقد كان لذلك تطبيقات في دراسات سوسيولوجيا الأديان التي أجراها فيبر، حيث أكد في سياقها أن "المصالح، سواء أكانت مادية أم مثالية، إضافةً إلى تصورات العالم المتعالية [...] هي المحرك الفعلي لسلوكيات الأفراد". ويحيل هذا التصور، الذي يؤلف بين العوامل المثالية والمادية في تفسير الأفعال، على أن الفعل ليس نتيجة محِّقِقة لإرادة الفرد المستقلة عن كل تشريط اجتماعي، بل هو غالبًا ما يتشكّل في سياقات مؤطّرة بمعيارية

اجتماعية وبشروط بنيوية اقتصادية وسياسية واجتماعية وغيرها. ووعيًا منّا بهذا المعطى، اخترنا أن

نقرن النفعية في تحليلنا بمفهوم "الاستراتيجيات" في معناه البورديوي، الذي يترجم الحسّ العملي

لممارسات الأفراد، والذي يؤلف بين البعد الذاتي في الفعل والظروف البنيوية التي تشرطه. فكيف يمكننا تحليل معطيات الدراسة في ضوء هذا الإطار النظري؟

ثانيًا: المغاربة والمهاجرون الأفارقة المنحدرون من جنوب الصحراء: من التفاعلات إلى التمثّلات

يرى جورج زيمل أن "المجتمع يوجد حيث توجد تفاعلات تبادلية بين الأفراد"؛ ولا تجد التفاعلات التبادلية بين الأفراد تمظهراتها الواقعية بعيدًا عن أنشطة الحياة اليومية. في هذا السياق، أظهر البحث اختلاط المشاركين المغاربة مع المهاجرين الأفارقة الجنوب صحراويين في كل الفضاءات الاجتماعية تقريبًا، في الأحياء السكنية وفي الأسواق وفي الوحدات الصناعية والمرافق المهنية، وفي الشوارع

(69) Max Weber, Concepts fondamentaux de sociologie (Paris: Gallimard, 2016), p. 122. (70) Ibid., p. 104. (71) Ibid., p. 99. (72) Bourdieu, pp. 66–70. (73) Max Weber, Sociologie des religions (Paris: Gallimard, 1996), pp. 349–350. (74) Bourdieu, pp. 66–70. (75) Georg Simmel, Sociologie: Etudes sur les formes de la socialisation (Paris: Presses universitaires de France, 2013), p. 43.

والحدائق والمواصلات، وفي المدارس والجامعات. لا يظهر أن هؤلاء المهاجرين يعيشون داخل أيّ نوع من "الغيتو" Ghetto بالمغرب. ويلاحظ أيضًا أن نسبة هذا الاختلاط أو التفاعل اليومي تزداد وتتكثف كلما تقدّمنا في وقائع "تاريخ الهجرة الجنوب صحراوية إلى المغرب"، وهو التاريخ الذي تمخّض عن أن حضورهم، بالنسبة إلى بعض المشاركين، لم يعد مستغربًا، بل منهم من يعتبر وجود أفريقي من جنوب الصحراء في المغرب مثله كمثل وجود إنسان مغربي تمامًا: "تعوّدنا على وجودهم منذ القديم، لذا أصبح الأمر عاديًا، فهم مثل المغاربة بالنسبة إليّ". بل يبلغ الأمر في تمثّل بعض

المشاركين إلى مساواة الأفارقة مع المغاربة في المواطنة. تؤكد في هذا الصدد إحدى المشاركات: "أنا أعتبرهم مواطنين مثلنا". أكثر من ذلك، إن وجود الأفارقة في بعض الفضاءات، خصوصًا المهنية، يفوق وجود المغاربة، كما تحكي إحدى المشاركات: "قبل سنتين، أردت العمل في مركز اتصال، عند ولوجي للمركز تفاجأت بوجود عدد قليل جدًا من المغاربة مقارنة بعدد المهاجرين الأفارقة". وتضيف أخرى: "في بعض المناطق كالولفة بالدار البيضاء، أصبحت نسبة قاطنيها من الأفارقة أكثر من المغاربة". تأسيسًا على ما تقدّم، يظهر أن طبيعة تفاعل المشاركين في البحث المغاربة مع المهاجرين الأفارقة المعنيين تتنوع بتنوع سياقات تفاعلهم في مختلف الفضاءات الاجتماعية؛ وهو ما يفتح الأفق لاكتشاف مدى فاعلية الدين في بناء تمّثلّات المشاركين للمهاجرين الأفارقة الجنوب صحراويين.

1. موقع الدين في بناء تمثّلات المشاركين المغاربة تجاه المهاجرين الأفارقة المنحدرين من جنوب الصحراء

من منظور سوسيولوجي، غالبًا ما يتمظهر الدين في الحياة الاجتماعية ضمن أشكال متنوعة ومتعددة

من الممارسات، كما أن تأويلات الأفراد له غالبًا ما تتّسم بالتعدد والتشعب. وهذه التعددية هي

ما يجعل الدين يخلق مساحة رحبة للتفاعل مع محددات أخرى ذات طبيعة براغماتية، وهو ما يصوغ خلفية مركبة من العوامل التي تشكّل تمّثلّات الأفراد، ومن ثمّ توجّه أفعالهم. هذا ما تكشفه مجموعة من شهادات المشاركين. مبدئيًا، يسجّل حضور انطباع إيجابي لدى المشاركين تجاه المهاجرين من الطلبة والتجار المنحدرين

من السنغال ومالي، وفي المقابل تتجذر انطباعات سلبية تجاه الكاميرونيين والنيجيريين والغينيين والإفواريين والغانيين. يقول أحد المشاركين: "المهاجرون المنتمون إلى غرب أفريقيا كالسنغال ومالي أناس طيبون يشتغلون ويعملون بجهد تبارك الله عليهم، أمّا من ينحدرون من الكوت ديفوار،

(((7 خالد، مقابلة شخصية، الجديدة،.2023/7/20 (((7 فاطمة، مقابلة شخصية، أكادير،.2023/7/14 (7((سكينة، مقابلة شخصية، الدار البيضاء،.2023/5/5 (7((أسماء، مقابلة شخصية، الدار البيضاء،.2023/5/18

(80) Westermarck, p. 149.

والكاميرون وغينيا فهؤلاء عنصريون. هم من نجدهم في جنبات الطريق، يمارسون التسول رغم أن بنيتهم الجسدية تسمح لهم بالعمل". ويضيف آخر: "أجد أن كل السنغاليين لطفاء، فقط أولئك الذين ينتمون إلى كوت ديفوار وغانا من يصعب التعامل معهم". نسجّل أن الماليين والسنغاليين يتشاركون مع بعض المغاربة الانتماء الديني والمذهبي، كما تجمعهم

بعض الاتجاهات الروحية التي توحّد انتماءهم إلى الزوايا الصوفية نفسها، مثل الزاوية التيجانية مع

السنغاليين، والبودشيشية مع الماليين. وهو ما لا يحضر في حالة المهاجرين الكامرونيين والنيجيريين والإفواريين، وهم مسيحيون في أغلبهم، ما يعني افتراقهم عن المشاركين في الانتماء الديني. تؤكد هذا التوصيف إفادة أحد المشاركين بقوله: "من بين الأفارقة أعتبر السنغاليين إخواننا، كون أغلبهم مسلمين، متخلّقين، لطفاء، محترمين. أما غير السنغاليين فلا أعتبرهم كذلك". بالتوازي مع هذا التصور الاستبعادي ل "الغير" الأفريقي الآتي من جنوب الصحراء على أساس الدين المختلف عن الدين السائد في مجتمع الاستقبال، نسجل حضور اتجاه آخر من تصورات المشاركين لا يمركز الانتماء الديني المشترك في قلب موجهات تمثّل هؤلاء المهاجرين ومحفزات التفاعل معهم. ويعبّر عن هذا الاتجاه عدد من المشاركين في بحثنا، الذين صرّح أحدهم: "هناك اختلاف

في لون البشرة وهذا أمر عادي، فنحن لا نختار هذه الأمور. كما يوجد اختلاف في الدين، ﴿لكم دينكم ولي دين﴾، ذلك أن الاختلاف الديني هو الآخر أمر عادي أيضًا". يضيف المشارك نفسه: "الأفارقة إخوتنا، ويجب أن نندمج معهم، وبما أنهم قدموا إلى المغرب فهذا يعني أنهم في حاجة إلينا، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، فقد أوصانا الرسول بهم، إذ لا يجب قطع الصلة مع اليهودي أو المسيحي، بل يجب إنقاذه". المثير للملاحظة أن هذا المشارك ذاته تنصرف به تمّثلّاته لهذا المهاجر صوب صور نمطية، من النوع الذي يعبّر عنه تصريحه التالي: "بالنسبة إليّ أرى الأفريقي المهاجر شخصًا بربريًا ومتوحشًا".

يوجهنا الانتباه لمضمون هذا التصريح إلى التساؤل: كيف يتمثّل الفرد أن من ينتمون معه إلى الدين

((8(سعيد، مقابلة شخصية، أكادير،.2023/7/13 ((8(أحمد، مقابلة شخصية، الجديدة،.2023/6/17

(83) Nazarena Lanza, "Une zaouïa privée pour un cheikh moderne: Echanges autour du soufisme marocco–sénégalais à Salé," in: Baudouin Dupret et al. (eds.), Le Maroc au présent: D’une époque à l’autre, une société en mutation (Casablanca: Centre Jacques–Berque, Fondation du Roi Abdul–Aziz Al Saoud pour les Études Islamiques et les Sciences Humaines, 2015).

((8(يقيم المغاربة والماليون عدة احتفالات دينية على الطريقة القادرية البودشيشية، سواء في المغرب أو مالي. ينظر مجلس ذكر ديني للماليين وفق هذه الطريقة الصوفية ذات الأصول المغربية، في: نفحات محمدية، " Tariqa Qâdiriya Boutchichiya – Mali "، يوتيوب، 2017/7/29، شوهد في 2024/4/17، في: https://acr.ps/1L9B9p0 ((8(أحمد. ((8(أيمن، مقابلة شخصية، فاس،.2023/5/13 ((8(المرجع نفسه. ((8(المرجع نفسه.

نفسه بأنهم "برابرة" و"متوحشون"؟ يقول المشارك نفسه: "السبب في تصوري للأفارقة كبرابرة يعود إلى الأفعال المتوحشة التي قاموا بها في المغرب، مثل الشغب. فهذه الممارسات هي ما يدفعنا إلى خلق حدّ بيننا وبينهم". ويضيف ليؤكد: "هذا الأمر ينطبق على تعاملنا ليس فقط مع الأفارقة، بل حتى مع المغاربة كذلك". نستطيع أن نتبين، من خلال شهادة هذا المشارك، أن الانتماء الديني المشترك، كما يُتصوّر، يؤدي

دورًا ثانويًا في تشكيل تمّثلّات بعض المغاربة تجاه المهاجرين المعنيين. فحتى لو لم يكن الآخر

مهاجرًا، بل مغربيًا أيضًا، وكانت سلوكياته "تخريبية"، فهذا يحمل على تصوره في هيئة "المتوحش

والبربري"، بغض النظر عن دينه أو موطنه. وينسجم هذا مع بعض تنظيرات بنثام الذي وضّح أن الأفراد يتجنبون ما يثير ألمهم، من جرّاء ما قد يصيب مصالحهم من أضرار وخسائر، التي يمكن تمثيلها

هنا بالسلوكيات التي يمارسها بعض المهاجرين الأفارقة الجنوب صحراويين في بعض السياقات والفضاءات المغربية، والتي يعتبرها المغاربة سلوكات تخريبية، كما يصرح عدد من المشاركين في البحث. في المحصلة، نستخلص مما سبق أن التمّثلّات التي أفرزت مواقف الاستبعاد والتمييز أو التقبّل،

والتضامن مع الآخر الأفريقي المنحدر من جنوب الصحراء، تخضع لسياق بنيوي سياسي واجتماعي واقتصادي، محلّي ودولي، يضم شبكة عوامل متنوعة ومعقدة، مع تضمّنه عوامل ذات طبيعة براغماتية

تبرز بوصفها ديناميات مؤثرة في تحديد اتجاهات هذه التمّثلّات. وامتدادًا لما تقَّدَم، يبدو على هذا المستوى من التحليل أن الدين يبقى حاضرًا بوصفه خلفية معيارية، إلا أن هذا الحضور غالبًا

ما يتداخل مع اعتبارات أخرى في بناء تمّثلّات المشاركين تجاه المهاجرين الأفارقة المنحدرين من جنوب الصحراء. وسنسعى لاكتشاف فاعلية هذه الاعتبارات الأخرى في ما يلي.

2. علاقة المشاركين المغاربة بالمهاجرين الأفارقة المنحدرين من جنوب الصحراء على محك النفعية

تضطلع النفعية في بعض السياقات بدور مهمّ في إذابة الفوارق بين بعض المغاربة وبعض المهاجرين

الأفارقة المنحدرين من جنوب الصحراء؛ حيث تدفعهم إلى ترك نسبي لاختلافاتهم الثقافية جانبًا،

والتركيز على الكسب وتحقيق المصالح المشتركة. يقول أحد المشاركين في هذا الصدد: "إن العلاقة التي تجمع بيننا وبين المهاجرين الأفارقة هي علاقة احتياج ومصالح، فكل منا يحتاج خدمة من الآخر". تأسيسًا على معطيات البحث الميداني، يتبين أن فئات الطلبة والتجار الأفارقة الذين يتمتعون بوضعية

قانونية داخل المغرب، هم الأكثر تصنيفًا من المشاركين في البحث بوصفهم فئات نافعة للمغاربة، أي

((8(المرجع نفسه. ((9(واطسون، ص.140 ((9(عبد الله، مقابلة شخصية، الجديدة،.2023/6/21

إن العلاقة معهم تنتج مصلحة ما؛ ذلك أنهم قدّموهم في هيئة "المدنيين" أو "المتحضرين"، ولذلك

يُقبِلون على التفاعل معهم باعتيادية واضحة، وبوتيرة أكثر كثافة من وتيرة تعاملهم مع المهاجرين الآخرين، ومن دون تخوفات من مخاطر يمكن أن تترتب على هذه العلاقات التفاعلية. تؤكد هذا التصوّرَ إفادةُ أحد المشاركين، حينما قال: "بحسب تجربتي التجارية، كان تعاملهم معي جيدًا، فقد كانوا يأخذون مني بضائع مختلفة، في ظروف مختلفة وبأثمان عادية. والتعامل معهم يعرف إلى حد ما نوعًا من الانتعاش، فأنا كبائع وكتاجر كنت أتعامل معهم أكثر من المغاربة، فهم ينعشون الاقتصاد، وينعشون حرفتنا أكثر من المغاربة". في الواقع، إن ما يمثّل المحدد الرئيس لتمّثلّات المشاركين في البحث ومواقفهم من المهاجرين المعنيين، هو "نوعية السلوكيات" التي يمارسونها على مرمى نظر المغاربة يوميًا، ذلك أن نوعية

هذه السلوكيات، وما تخلّفه من منفعة أو ضرر، هي بالضبط ما يحدد موقف المشاركين منهم. فعندما يتفاعل بعض المغاربة مع فئات معيّنة من هؤلاء المهاجرين الذين يقولون عنهم إنهم

"يحترمون القواعد الأخلاقية للعيش المشترك"، كما يتصورها المشاركون في البحث ماثلًا، وتجمع بينهم مصالح مشتركة سواء اقتصادية أو اجتماعية، تتكثف المسافة التفاعلية بينهم وبين المهاجرين، وتنشرح تمّثلّاتهم تجاههم صوب صور الإخاء والتقبّل. يؤكد هذا الرأي أحد المشاركين قائلًا: "إذا

ما قدم إلينا المهاجرون الأفارقة فنحن لا نطلب منهم شيئًا، باستثناء أن يشتغلوا سهل الله عليهم، وأن تكون المعاملة بالمثل، وباحترام. أمّا من جهتنا نحن فلا يمكننا أن نسبّهم أو نقذفهم أو نطردهم،

لأننا نعتبرهم مثل المغاربة الموجودين في أوروبا وأميركا". وتؤكد هذه المقارنة المماثِلة بين حضور المغاربة في مهاجرهم، وحضور الأفارقة الجنوب صحراويين في مهجرهم المغربي، حضورَ مبدأ المنفعة والمصلحة والتغاضي عمّا سواهما في تأسيس قواعد التعامل بين المهاجرين ومجتمع الاستقبال. فكما يراد للمغاربة تحصيل مصالحهم في مهاجرهم يُقبَل أن يحقق المهاجرون إلى

المغرب مصالحهم. في المقابل، يشجب المشاركون في البحث ممارسات فئات المهاجرين غير النظاميين، الذين لا يتوفرون على إقامة قانونية، ويمارسون أنشطة غير مهيكلة وغير شرعية من وجهة نظر القانون المغربي، بل هم يعتبرون أن ممارساتهم هذه كثيرًا ما تتطور إلى أنشطة إجرامية وتخريبية. من منظور

نفعي، تدفع هذه الممارسات، وفقًا لما يؤكده بعض المشاركين، إلى تصور الآخر الأفريقي الجنوب صحراوي في هيئة الشخص الجالب للضرر والألم، بدلًا من المصلحة، ما يوجههم إلى تبنّي مواقف تميز هؤلاء المهاجرين وتستبعدهم. تُظهِر هذه التمّثلّات المتضاربة للمهاجرين الجنوب صحراويين في أعين المغاربة، من منظور المصلحة والمنفعة والضرر، أن سلوكيات هؤلاء المهاجرين هي ميكانيزم أساسي في حمل فئة من المشاركين

((9(حمزة، مقابلة شخصية، فاس،.2023/5/14 ((9(سعيد.

على تمثّل المهاجر الأفريقي المنحدر من جنوب الصحراء في صور "غير المتحضر"، و"المُخرّب"،

و"المجرم"؛ ما يضعه في نهاية المطاف ضمن فئة "الآخر غير النافع". لقد قدّم المشاركون في المقابلات عدة وقائع حول هذا النوع من السلوكيات التي تنفرهم من هذه الفئة من المهاجرين الأفارقة الجنوب صحراويين. يقول أحدهم: "انظر إلى محطة ولاد زيان بالدار البيضاء كيف خربها المهاجرون الأفارقة، لقد حولوا تلك المنطقة إلى مزبلة بملابسهم المرمية ونفاياتهم المنتشرة في كل زاوية. ماذا عسى السياح، إذا ما قدموا إلى البلاد، أن يروا غير هذه المناظر الفظيعة التي أصابت حتى الجسور. انظر أيضًا إلى قنطرة طريق بوزنيقة، إنهم يتجمعون تحتها في شكل حي صفيحي. عندما أرى هذه المناظر أتألم حقًا". إن طبيعة استعمال المهاجرين الأفارقة الجنوب صحراويين للفضاء العمومي، ونوعية الأنشطة التي يمارسونها فيه، تدفع المشاركين إلى السخط لما يُلحقونه بالفضاءات التي يعبر منها المغاربة كل يوم، أو يتردّدون عليها باستمرار لقضاء

حاجاتهم. في هذا الصدد وتأكيدًا لذلك، يذكر أحد المشاركين الواقعة التالية: في مدينة فاس، اعتدوا على أحدهم وقاموا بقطع يده، لأنهم أرادوا سرقته. إنهم يشكلون مجموعات، عندما تقوم مجموعة بعملية سرقة وتنجح في الاستيلاء على ملك الآخرين، يتشجع آخرون على القيام بالأفعال نفسها، ومن هنا ننتقل من مجرد مجموعة إجرامية إلى مافيا. وبما أن المراقبة معدومة، فيمكن لأي مهاجر أفريقي أن يرتكب جريمة قتل، ولا يُتابَع

قضائيًا، لأنه مجرد مهاجر غير شرعي، لا أوراق ولا هوية له، ولا أي شيء يمكن استعماله

في إثبات أنه هو من قام بهذه الجريمة. نتبين من خلال ما سبق أن نوعية الأنشطة التي يدأب في ممارستها بعض المهاجرين الأفارقة أصيلي جنوب الصحراء، والتي يراها بعض المشاركين المغاربة ويحتكّون بها في معيشهم اليومي، أو يكونون ضحايا لها، تنحو بهم صوب تمثّل المهاجرين المعنيين في صور واصمة تمييزية ورافضة واستبعادية، وذلك ما يتقاسمه جزء كبير من المشاركين في البحث. فسواء تعلق الأمر بفضاءات السكن المشترك، أو بسوق الشغل، أو بمحلات الاتجار في مواد الحاجات اليومية، أو بفضاءات الحدائق والشوارع العامة، يتصور أغلب المشاركين أن المهاجرين الذين لا يتوفرون على عمل رسمي أو إقامة قانونية، لا يجلبون معهم سوى "الخراب". ومن ثمّ، فهم يتمثّلون المهاجرين غير النظاميين في هيئة الآخر

الجالب للضرر والألم بمعناه البنثامي. إن تمّثلّات المشاركين تجاه فئة معتبرة من المهاجرين الأفارقة، الوافدين من جنوب الصحراء، تتحدد بما ينخرط فيه هؤلاء من أفعال يعتبرها الأوّلون مخرّبة لبلدهم. لذلك فإن هذه الأفعال، تحديدًا،

((9(تعرف جنبات المحطة الطرقية الرئيسة في مدينة الدار البيضاء حضورًا مكثفًا للمهاجرين الأفارقة القادمين من دول الساحل

وجنوب الصحراء، ويتخذ بعضهم من محيطها مستقرًا لهم حيث يقيمون الخيام وينامون ويمارسون بعض الأنشطة التجارية. ومن

حين إلى آخر، تشهد المحطة ومحيطها بعض التوترات والمناوشات العنيفة أحيانًا بين الأمن المغربي وهؤلاء المهاجرين، أو بين

الأخيرين وبعض المغاربة. ((9(أسماء. ((9(عبد الكريم، مقابلة شخصية، الجديدة،.2023/6/17

هي الميكانيزم المولّد لتمثّل المشاركين للآخر الأفريقي المهاجر في صورة "غير المفيد"؛ أي "من لا مصلحة في وجوده"، وذلك بغضّ النظر عن العرق أو الانتماء الديني. تأكيدًا لهذا التأويل، يقول أحد المشاركين: "لا يمكن أن تهتم بدينهم وبتصرفاتهم الأخرى، بدلًا من ذلك ستجد نفسك مهتمًا فقط بطريقة تعاملهم معك، هذا هو الأمر الذي يشكّل اختلافًا، فلا العرق ولا الدين يشّكلّان أيّ اختلاف". إن ميل المغاربة إلى حساب حجم المنافع من حضور المهاجرين الأفارقة، الوافدين من جنوب الصحراء، ليس من دون تأثر بانعكاسات سياق بنيوي سياسي واقتصادي خاص بالمغرب داخليًا.

فتحوّل جزء كبير من المغاربة إلى وضع مصالحهم على رأس الغاية من تفاعلاتهم أو أنشطتهم

الاجتماعية، يأتي في سياق سياسي واقتصادي خاص، يتسم من جهة بتحوّل المغرب إلى مجتمع

استهلاكي، أي متضخم الاحتياجات من طرف أفراده، كما يسوده، من جهة أخرى، تهميش اقتصادي من السلطات المحلية لفئات واسعة من المغاربة، والشباب منهم على وجه الخصوص؛ وهو الأمر الذي قلّص الفرص الاقتصادية أمامهم. وقد ساهمت الانعكاسات المباشرة لهذا السياق في حدوث تحوّل قيمي، صار عدد من المغاربة، بفعل تأثيره، وبصفة تدريجية، نفعيين أساسًا، يبحثون

عن جلب مصالح جديدة أو المحافظة على الأقل على ما يمتلكون من مصالح. أمّا خسارة ممتلكاتهم سواء الخاصة أو المشتركة، وخصوصًا بسبب "الأغيار" أو الأجانب مثل المهاجرين الأفارقة الجنوب صحراويين، فهي تقوّي أكثر نزعتهم النفعية في سياقات تفاعلهم معهم. وبذلك، لا يعدّ اشتغال

ميكانيزم المنفعة في تحديد غيرية المغاربة الأفريقية الجنوب صحراوية اختيارًا شخصيًا فقط، بل

يخضع من جهة أخرى لمفعولات بنيوية تخصّ سياقًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. وعلى تحليل هذه

التمّثلّات وكيفيات نشوئها واشتغالها في التأثير في التفاعل والسلوك أن يأخذ في الاعتبار الجمع بين الاشتراطات البنيوية لهذا السياق من جهة، والتفضيلات النفعية للأفراد، من جهة أخرى. وذلك كفيل

بأن يجعلنا نفهم على نحوٍ أكمل الحيثيات التي تتحكم في اتجاهات تمّثلّات بعض المغاربة للغيرية التي يمثلها المهاجرون الأفارقة المنحدرون من جنوب الصحراء.

3. انزواء الدين مقابل تصاعد تأثير النفعية بوصفها ميكانيزمًا مركزيًا في بناء تمثّلات الغيرية

لقد طمحت بعض الدراسات السابقة، كدراسة مصطفى الميري، إلى التعرف إلى العوامل التي تحمل بعض المغاربة على تبنّي تمّثلّات ومواقف تمييزية تجاه المهاجرين الأفارقة الجنوب

صحراويين، قاصرة البحث على استجواب هؤلاء المهاجرين، من دون اهتمامٍموازٍ بتحليل مواقف

أيمن ((9.(

(98) Mohammed Ababou, Islam et génération au Maroc: Essai de sociologie religieuse (Casablanca: La croisée des Chemins, 2021), p. 191. (99) Ibid., p. 190. (100) El Miri, p. 101.

المغاربة في هذا الصدد. خلافًا لذلك، اخترنا فهم مسارات تشُّكُل تمّثلّات المشاركين المغاربة للغيرية الأفريقية الجنوب صحراوية، انطلاقًا من خصوصية السياقات الميكروسوسيولوجية التي يجري داخلها التفاعل بين المشاركين في البحث من المغاربة وكذا هؤلاء المهاجرين، والتي تشمل نوعية السلوك الذي يوجهه أحد هذين الطرفين إلى الآخر، وهو ما يصوغ في نظرنا أكثر من غيره اتجاهات تمثّل هذه الفئة لتلك، أو العكس. لقد وقفت تحليلاتنا السابقة على كيفية تشُّكُل "انطباع سلبي" لدى المشاركين تجاه فئات من المهاجرين الجنوب صحراويين، وعلى الأخص منهم من لا يتمتعون بإقامة قانونية. ينبني ذلك الانطباع على معاينتهم ومراقبتهم لمختلف الأفعال التي يقوم بها هؤلاء المهاجرون في مختلف مناحي الحياة اليومية بالمدن المغربية التي يوجدون فيها. فكيف يتحول هذا الانطباع إلى تمثّل؟ ثم كيف يتأسس الموقف من "الغير" على أساس ذلك التمثّل؟ للإجابة عن هذا السؤال، نقتبس من طلال أسد فكرة "الحساسية" Sensibility، التي طورها في كتابه تشكلات العلماني. فقد أوضح أن فئة العلماني الحديثة لا تتضمن فقط ممارسات ومفاهيم ذات أفق وجودي مُحايث، بعد أن كان متعاليًا في الزمن الديني، بل تشمل أيضًا حساسيات تخص الذات الحديثة،

ةيساسأ داعبأ ةثلثاب طبترت يهو.ةيعفن ةعزن تاذ اهنإف، كلذب لا صتاو، ةينادرف تايساسح لاوًااأ اهنإ ثانيًا، وأخيرًا إنها متأثرة بعمق بالطابع العلماني لثقافة العصر الحديث وأنماط العيش فيه. تقرّبنا هذه

الأبعاد الثلاثة من الإمساك بخلاصتين أساسيتين تهماننا في هذه الدراسة: تخصّ الأولى تشُّكلُات التمثّل

الاستبعادي للآخر، وتتصل الثانية بتراجع الانتماء الديني عن أن يكون محددًا جوهريًا لتمّثلّات الغيرية

في بعض الفضاءات الإسلامية الآخذة في العلمنة، مثل المغرب. فكيف نستفيد من هاتين الخلاصتين؟ نلاحظ، من ناحية أولى، أن الانطباع السلبي الذي يحصل لدى شريحة من المشاركين في البحث من جرّاء معاينتهم اليومية لسلوكيات محددة، تمارسها فئة خاصة من المهاجرين الأفارقة الجنوب

صحراويين، يتحول إلى "حساسية سلبية" تجاه حضور هذه الفئة من المهاجرين. لقد وجدنا من المشاركين من يعبّر عن شعوره تجاه حضورهم بالمغرب بكلمات من قبيل: "أشمئز من حضورهم

معي في المكان نفسه"، أو "أتألم ممّا يفعلونه بمختلف الفضاءات التي يمرون منها". فما إن يستشعر

المشارك هذا النوع من الحساسية تجاه حضور هذه الفئة من المهاجرين الأفارقة في بلده، حتى يبدأ باعتبارهم جالبين للخراب والضرر له ولبلاده، ومتسببين في انحدار وضعه الاجتماعي والاقتصادي والأمني إلى مستوى يُشعره بالخطر. عند هذا الحد، يبدأ وعيه بالآخر في التشُّكُل مباشرة، وبأسلوب

تعميمي في غالب الأحيان، على أساس إلصاق صور "الهمجي"، و"المتوحش"، و"المخرب"، و"غير النافع" و"القادم من دون ترخيص" و"المقيم بصورة غير شرعية" و"الخارج عن القانون" بالمهاجرين من دون تمييز. وبذلك، تنفتح الطريق أمامه لتطوير مواقف الاستبعاد والتمييز والعنصرية والمضايقة، وما شاكلها، تجاه هذا "الغير" المصنّف بطريقة إقصائية.

(101) Talal Asad, Formations of the Secular: Christianity, Islam and Modernity (Stanford, California: Stanford University Press, 2003), p. 16.

في الحالة النقيض، يتكوّن انطباع إيجابي عند التفاعل مع فئة أخرى من هؤلاء المهاجرين، الذين

يتمتعون بإقامة قانونية، ولا "يتورطون" في أعمال "التخريب" و"إثارة الضجيج" والفوضى، كما لا ينخرطون في جرائم النصب والسرقة وترويج المخدرات، في نظر جزء من المشاركين. ويولّد

هذا "حساسية إيجابية" تجاه هذه الفئة من المهاجرين المعنيين، وهي الحساسية التي تدفع نحو اعتبارٍ يخلع على الآخر الأفريقي صفات الشخص الذي يتوافق مع صور "المحترم" و"المتحضر" و"اللطيف" و"المحرك لعجلة الاقتصاد"، ومن ثمّ "النّافع"، ومن دون تمييز. وبذلك تنفتح الطريق أمام متبنّي هذه الصور لتطوير مواقف التعايش والتقبّل والإخاء، تجاه هذه الفئة من المهاجرين الأفارقة المنحدرين

من جنوب الصحراء، أي تجاه هذا "الغير" المصَّنَف بطريقة غير إقصائية. يكشف صنفا الحساسيتين عن ارتباط عميق بأبعاد طبيعة الحساسيات التي يستشعرها الفرد في المجتمعات الحديثة كما وصفها طلال أسد، حيث الأهم هو ما يحقق مصلحة الفاعلين، التي ترتبط بنزعتهم الفردية، من دون اكتراث بوضع الآخر أو بخلفيات تصرّفه على نحو تتخيل الذات أنه يجلب

لها الألم ويخرّب مصالحها. ومن الواضح أن طريقة الانتقال من الانطباع إلى الحساسية، إلى التمثّل

التصوّري وبناء الموقف، تتوازى مع تعطيلٍسياقي للنداء الأخلاقي الديني، الذي يمكن أن يحمل

الذات على التعاطف مع هذا الآخر حتى وإن كان سلوكه سيئًا من جهة، أو يحملها على عدم التعاطف معه حتى وإن كان سلوكه حسنًا؛ إذ تتراجع قدرة ذلك النداء على تحديد تمثّل الآخر، سواء أكان

ينتمي إلى المرجعية الدينية والمعيارية لمن يبني ذلك التمثّل أم لا. ويظهر هذا على نحوٍ بارز في كثير من مقاطع شهادات المشاركين؛ حيث يبدو أنهم لا يهتمون إلا بما يتصوّرونه على أنّه يصب في

مصلحتهم، بما لا يخلو من فردانية، كما يبدو أنهم لا يكترثون للوضع الإنساني للمهاجرين، الذي قد "يُفرض" عليهم التصرف على نحو يفهمه المشاركون على أنه تخريبي ولامدني. ولم تبدُ، ضمن التوجه الغالب للمشاركين، رغبة واضحة في تفهّم وضعية الآخر المهاجر وسلوكياته، بدافع ديني أو أخلاقي. لقد كان التوجه الواضح فيما قاله المشاركون يبتعد عن هذه الاعتبارات المعيارية، ويبجّل

المصلحة معيارًا مركزيًا لبناء التمثّل بشأن هذا الآخر المهاجر، ومن ثمّ اتخاذ موقف من وجوده. ومن

الممكن إقامة توازٍ اطّرادي بين ما يُنبئ به ذلك من انكفاء المرجعيات الدينية الموجهة للتمثّل والفعل، وصعود الاعتبارات الفردية والمصلحية، من جهة، وما تدل عليه حساسيات الأفراد الذين يعيشون في العصر الحديث العلماني والمعولم، من جهة أخرى. وإذا صح هذا التوازي الاطرادي، يمكن أن نستدلّ به على وجود سياق بنيوي يحدد اتجاهات التمثّل والشعور والفعل لدى هؤلاء الأفراد وفق تحقق مصالحهم الخاصة أو الفئوية. يكشف هذا التحليل أن نوعية أفعال المهاجرين النافعة أو الضارة، بحسب وجهة نظر المشاركين في الدراسة، هي الميكانيزم الدقيق المولد لتمّثلّاتهم تجاه هؤلاء المهاجرين. ويعني هذا أن بناء هذه التمّثلّات يتمّ داخل شبكة معقدة ومتنوعة من المحددات أو الميكانيزمات الثانوية، خصوصًا ذات الطبيعة المعيارية. غير أن الدراسة تكشف أن داخل شبكة الميكانيزمات هذه تبقى نوعية أفعال المهاجرين المعنيين المحِّقِقة للمنفعة أو الجالبة لنقيضها، هي الميكانيزم الأقوى تأثيرًا في تشُّكُل

اتجاهات هذه التمّثلّات، وذلك ضمن سياق اجتماعي وسياسي يتضمن ما يشرط بنيويًا فاعلية هذا الميكانيزم وتأثيره في تمّثلّات المشاركين وممارساتهم. هكذا، يحيل "الانطباع" على "حساسية"، وهذه تحيل على "تمثّل"، والتمثّل يوجه إلى اتخاذ "موقف" من الآخر. ويجوز التساؤل: هل من دور ينهض به الدين داخل هذه الشبكة الموِّلِدة للغيرية السوداء Black Alterity لدى المغاربة؟ تأسست "الحساسية الدينية" التقليدية تجاه الآخر المختلف دينيًا لدى المغاربة المسلمين، على

انحصار صُوَره في "الكافر" و"المغضوب عليه". وقد نشطت هذه الحساسية التقليدية بصورة متجددة إبان المواجهة مع الاستعمار. ولكن المغرب المعاصر يشهد ضعفًا متزايدًا في القدرة التوجيهية لهذه الحساسية لسلوكيات المغاربة، كما يدل على ذلك قسم كبير مما جاء في أقوال المشاركين نحو من يغايرونهم في الدين والثقافة واللغة، تاركةً المجال لازدهار "حساسيات براغماتية"، تنشّطها أكثر المنفعة ومنطق الربح، في تعبير ما فتئ يبرز عن تحوّل فئة كبيرة من المغاربة إلى العيش وفق أنماط معلمنة على وجه الخصوص. هذا ما لا يحيل على انحدار في الإيمان الديني، بل على تحوّل في أدوار الدين في المجتمع وأشكال توظيفه من الفاعلين، في الاتجاه الذي ينسحب معه إلى منطقة ظلّ أو إلى خفاء؛ ولكنه مع ذلك خفاء دائم الاستعداد للظهور والنشاط. يتوافق هذا الأمر مع الاعتبار

الذي يحيل على أن الدين يحضر على نحوٍ بارز جًّدًا في خطابات الأفراد، غير أن سلطته الضبطية

لأفعالهم وتمّثلّاتهم تبقى محدودة؛ إذ يُغمِدُ [يُعِطِّل] الأفراد الدين في وعيهم، ولا يُظهرونه أو يفعّلونه إلا إذا مسّت حاجتهم إلى سلطة تبريرية لمواقفهم وأفعالهم الخارقة أحيانًا للمعيارية الاجتماعية، أي

لمعيارية الدين في نهاية المطاف. هكذا يصير الدين في الزمن العلمانيمبررًا لخروجه عن نفسه، وبذلك ينحو إلى أن يتشكل في قالب يسمح باستغلاله "أيديولوجيًا"، خصوصًا من الفاعلين السياسيين

الرسميين، أو من حركات الإسلام السياسي. وهو ما يفيد أن استخدام الدين نفسه، من جانب فئة من الفاعلين الاجتماعيين في بعض هذه السياقات المتعلمنة، أصبح هو الآخر ينحو أكثر في اتجاه التوظيف النفعي بصفة تدريجية ومتزايدة.

خاتمة

إن الرغبة في فهم تمّثلّات الغيرية، من دون أخذ تمّثلّات الغيرية المضادة في الاعتبار، يورط البحث في نوع من الاختزالية. ذلك لأن الغيرية، مثلها في ذلك مثل بقية عناصر الثقافة الإنسانية، تتشكّل وتتحول وتتنوع في تفاعل مع ما يقابلها؛ أي ما يمثّل غيريتها المضادة، في زمان ومكان محددَين.

((10(الخروج من الدين La sortie de la religion بالمعنى الذي نظّر له مارسيل غوشي، أي الانتقال من وعي ديني ضبطي للفعل والتمثل إلى أنماط فعل غير منضبطة إلى معيارية الأديان. ينظر:

Marcel Gauchet, Le désenchantement du monde (Paris: Seuil, 1985). (103) Rahma Bourqia, Penser l’école, penser la société: Réflexion sociologique sur l’éducation au Maroc (Casablanca: La croisée des Chemins, 2017), p. 64.

اهتداءً بهذا المنظور المنهجي، حاولنا عدم قراءة تمّثلّات الغيرية الأفريقية الجنوب الصحراوية لدى

المغاربة على أنها مكِّوِن ثقافي مُتعالٍعلى التفاعلات الاجتماعية اليومية، أو باعتبار خضوعها بصفة

ميكانيكية لمحدداتٍ، كالعرق والدين ولون البشرة واللغة. على خلاف ذلك، حاولنا دراسة تشُّكُل الغيرية اتص لًا بالتفاعلات اليومية التي تجري داخل سياقات ميكروسوسيولوجية، بكل ما تحفل به من عوامل معيارية وكذلك مادية، بنيوية وفردية. وقد تبينّا أن التمثّل "الإيجابي" للمهاجر الأفريقي

المنحدر من جنوب الصحراء يتولد عن ميكانيزم أساسي، وهو الاستفادة من "مصلحة أو منفعة" ما من وجوده، أو على الأقل عدم تلقي نوع من الضرر، أو الألم بلغة بنثام، ممّن يحضر في بلدهم. فما إن

يحصل لهؤلاء انطباع بأن حضور المهاجرين يخلّف ألمًا أو ضررًا أو خسارة من نوع ما على بلدهم أو وضعهم الاقتصادي والاجتماعي والأمني، تتكون لديهم حساسية سلبية تجاه هؤلاء المهاجرين، وهو ما يدفعهم إلى تمثّل الآخر الأفريقي الوافد من جنوب الصحراء في صور "المخرّب" وغير المفيد.

ويوجههم هذا الأمر مباشرةً صوب اتخاذ مواقف الوصم والاستبعاد والعنصرية ضد هذا الآخر. إضافة إلى ذلك، اتضح أن الدين لا يتدخل، في مثل السياقات التي درسنا، إلا لكي يبرر اتجاهات هذه التمّثلّات والمواقف تجاه الآخر الأفريقي، سواء أمالت إلى التقبّل والتعايش، أم إلى الصدام

والاستبعاد والتمييز. إن هذه الخلاصة تكمل بعض استنتاجات الدراسات السابقة وتدققها؛ حيث تكشف أن الاختلاف في الدين ولون البشرة عاملان مهمان في أيّ محاولة لفهم ما يتولد عن الهجرة من ظواهر اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية. وقد ركزنا على ما يتعلق منها بالتمّثلّات البانية للغيرية في علاقتها بالإنتاجات الدينية وتحقيق المصلحة والنفعية. ولكن مع اعتبار أهمية العوامل المشار إليها، وقفنا على أن ميكانزمًا دقيقًا يولّد أكثر غيرية المغاربة السوداء كما تتجسد تجاه المهاجرين الأفارقة الوافدين من جنوب الصحراء، تتمثّل في التوافقات/ الاختلافات المصلحية والمنفعية، وهو الميكانيزم الذي وضعناه مقابل ميكانيزم ثانٍ، دقيق هو الآخر، يتمثل في التوافقات/ الاختلافات الدينية. وعلى هامش هذا التقابل ناقشنا، نقاشًا محدودًا، التوافقات/ الاختلافات المبنية على لون البشرة والانتماء العرقي. وقد تبيّن لنا أن ترجيح

اشتغال ميكانيزم على آخر يرتبط أساسًا بالسياق والوضعيات التفاعلية والتوجه نحو تحقيق الغايات أكثر

مما يرتبط بالقناعات الدينية أو الاعتبارات الأخلاقية والرمزية. ولكن نتائج بحثنا لا تفيد خلوّ الغيرية

المغربية السوداء تجاه المهاجرين الجنوب صحراويين إلى المغرب خلوّا تامّا من أثر تلك القناعات

والاعتبارات مثلما تبيّنه السياسات العمومية التي تتبعها السلطات المغربية الرسمية لتحقيق ما تحدده

على أنّه "مصالح" المغرب السياسية (جلب مواقف مناصرة لموقفه من قضية الصحراء)، والدينية (تعزيز الروابط الدينية والطرقية – الصوفية بين المغاربة ومنتسبي التيجانية والبودشيشية غير المغاربة من بلدان غرب أفريقيا)، والدبلوماسية (مع أوروبا من خلال تعزيز أدوار الكنيسة الكاثوليكية التي ينتسب إليها المهاجرون الأفارقة الجنوب صحراويين المسيحيون). ومع أهمية هذه النتائج، لا يدّعي بحثنا الشمول؛ ذلك أن محدودية العيّنة والمنهجية الكيفية لتي اتبعناها

لا تسمحان بتعميم النتائج التي توصلنا إليها، كما أن نقص المعطيات الكمية وغموضها كلّما تعلّق

الأمر بالأثر "المنفعي" المحتمل لحضور الجاليات الأفريقية الجنوب صحراوية في المغرب على المستوى الاقتصادي ماثلًا، أو بالأثر "الإنفاقي" على مستوى الخدمات التي توفرها لهم السلطات المغربية، لم يمكّنانا من تغطية جوانب كان يمكن أن تنير التحليل. يضاف إلى ذلك أن حسابات المهاجرين المعنيين ووجهات نظرهم ظلّت غائبة عن تحليلنا، وهو ما يمثّل حًّدًا آخر من حدود هذه الدراسة، التي يمكن سدّ فجواتها بدراسات أخرى مستقبلية.

المراجع

References

العربية

أبو عامر، مجد. "فيمَ يفكر من يفكر في الهجرة؟ إجابات من المؤشر العربي (2022–2011)". عمران. مج 12، العدد 84 (ربيع.)2024 احجيج، حسن وجمال فزة. البحث الكيفي في العلوم الاجتماعية: نظريات وتطبيقات. الرباط: فضاء آدم،.2019 احجيج، حسن [وآخرون]. التفسير في العلوم الاجتماعية. مراكش: مؤسسة آفاق للدراسات والنشر،

بن بيه، رشيد. "الهجرة الموجهة لطلاب العلوم الدينية من غرب أفريقيا إلى 'سوس' بجنوب المغرب: السياسة والتأهيل الديني وإنتاج النخب". عمران. مج  8، العدد 30 (خريف.)2019 _______. الهجرات النسائية الجديدة في أفريقيا: المحددات والديناميات. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 بنجعة، يسرى. "وضعية البينية في الحياة اليومية لدى المهاجرين من جنوب الصحراء: حالة مهاجري غينيا كوناكري". عمران. مج  21، العدد 47 (شتاء.)2024 حليزه، نسرين. "التمييز العنصري ومعاداة السود في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا". الباروميتر العربي. الدورة السابعة (آب/ أغسطس).2022 غُهَا، راناجِيت. "زمن المهاجر". ترجمة ثائر ديب. عمران. مج 6، العدد  24 (ربيع.)2018 كيم، صبيحة. "الهجرة غير الشرعية للمرأة الجزائرية بوصفها نموذجًا للمقاومة النسوية: دراسة سوسيولوجية لظاهرة 'الحّراقات'". عمران. مج 7، العدد  25 (صيف.)2018 واطسون، جون. نظريات اللذة: من أرسطبوس إلى سبنسر. ترجمة خالد الغنامي. أبوظبي: مركز أبوظبي للغة العربية،.2022

الأجنبية

Ababou, Mohammed. Islam et génération au Maroc: Essai de sociologie religieuse. Casablanca: La croisée des Chemins, 2021. Ababou, Mohammed & Sellam Choukri (eds.). Approches et méthodes des sciences sociales du religieux entre continuité et changement. Fès: Université Sidi Mohamed Ben Abdellah, Laboratoire de Sociologie de développement social, 2019. Abourabi, Yousra. "Governing African Migration in Morocco: The Challenge of Positive Desecuritisation. " Governing Migration for Development from the Global Souths , International Development Policy. no. 14 (2022). Alioua, Mehdi. "Nouveaux et anciens espaces de circulation internationale au Maroc Les grandes villes marocaines: Relais migratoires émergents de la migration transnationale des Africains subsahariens au Maghreb." Revue des mondes musulmans et de la méditerranée. no. 119–120 (2007). ________. "Les migrants subsahariens au Maroc: De l’altérité au cosmopolitisme?" Moyen Orient. no. 26 (2015). Alon, Shiri & Ehud Lehrer. "Subjective utilitarianism: Individual decisions in a social context." Journal of Economic Theory. vol. 190 (2020). Asad, Talal. Formations of the Secular: Christianity, Islam and Modernity. Stanford, California: Stanford University Press, 2003. Bauman, Zygmunt. Liquid Modernity. Cambridge: Polity Press, 2000. Bava, Sophie. "Migrations africaines et christianismes au Maroc. De la théologie des migrations à la théologie de la pluralité religieuse." Les Cahiers d’Outre–Mer. vol. 69, no. 274 (2016). Bava, Sophie & Julie Picard. "Les nouvelles figures religieuses de la migration africaine au Caire." Autrepart. vol. 56, no. 4 (2010). Belguendouz, Abdelkrim. "Expansion et sous–traitance des logiques d’enfermement de l’Union européenne: L’exemple du Maroc." Cultures & Conflits. no. 57 (2005). Bentham, Jeremy. Introduction aux principes de la morale et de la législation. Paris: Vrin, 2010. Bourdieu, Pierre. Le sens pratique. Paris: Minuit, 1980. Bourqia, Rahma. Penser l’école, penser la société: Réflexion sociologique sur l’éducation au Maroc. Casablanca: La croisée des Chemins, 2017. Calhoun, Craig, Mark Juergensmeyer & Jonathan VanAntwerpen (eds.). Rethinking Secularism. New York: Oxford University Press, 2011. Dupret, Baudouin et al. (eds.). Le Maroc au présent: D’une époque à l’autre, une société en mutation. Casablanca: Centre Jacques–Berque, Fondation du Roi Abdul–Aziz Al Saoud pour les Études Islamiques et les Sciences Humaines, 2015. Durkheim, Émile. Les Formes élémentaires de la vie religieuse: Le système totémique en Australie. Paris: PUF, 1960.

El Miri, Mustapha. "Devenir noir sur les routes migratoires: Racialisation des migrants subsahariens et racisme global." Sociologie et sociétés. vol. 50, no. 2 (2018). Elouafa, Jamal. "Les représentations sociales des migrants subsahariens chez les Marocains." La Revue Marocaine de Droit d’Asile et Migration. no. 5 (2015). Elster, Jon. Explaining Technical Changes: A Case Study in the philosophy of science. Cambridge: Cambridge University Press, 1983. Ennaji, Moha & Fatima Sadiqi. Migration and Gender in Morocco: The Impact of Migration on the Women Left Behind. Trenton, NJ: Red Sea Press, 2008. Fanon, Frantz. Peau noire masques blancs. Paris: Seuil, 1952. Goffman, Erving. The Presentation of Self in everyday Life. Edinburgh: University of Edinburgh, Social Sciences Research Centre, 1956. Gyimah–Brempong, Kwabena & Marva E. Corley. "Civil Wars and Economic Growth in Sub–Saharan Africa." Journal of African Economies. vol. 14, no. 2 (June 2005). Hedström, Peter & Richard Swedberg. "Social Mechanisms." Acta Sociologica. vol. 39, no. 3 (1996). Jodelet, Denise (ed.). Les représentations sociales. Paris: Presses Universitaires de France, 2003. ________. Représentations sociales et mondes de vie. Paris: Les Éditions des Archives contemporaines, 2015. Mechouat, Aziz. Valeurs des Jeunes Casablancais, Approche sociologique. Casablanca: Menassat, 2019. Moscovici, Serge. Psychologie des représentations sociales. Paris: Editions des archives contemporaines, 2019. Mouna, Khalid, Noureddine Harrami & Driss Maghraoui (eds.). L’immigration au Maroc: Les défis de l’intégration. Rabat: Fondation Heinrich Böll Afrique du Nord, Rabat social studies institute, 2017. Mourji, Fouzi et al. (eds.). Les migrants subsahariens au Maroc: Enjeux d’une migration de résidence. Rabat: Konrad Adenauer Stiftung, Université internationale de Rabat,

Ndiaye, Pap.  La Condition noire: Essai sur une minorité française. Paris: Calmann– Lévy, 2008. Rachik, Hassan & Mohamed Tozy & Mohamed El Ayadi. L’islam au quotidien: Enquête sur les valeurs et les pratiques religieuses au Maroc. Casablanca: Editions Prologue, 2007. Sayad, Abdelmalek. La double absence: Des illusions de l’émigré aux souffrances de l’immigré. Paris: Seuil, 1999. Simmel, Georg. Sociologie: Etudes sur les formes de la socialisation. Paris: Presses universitaires de France, 2013.

Smith, Stephen. La Ruée vers l’Europe: La jeune Afrique en route pour le vieux continent. Paris: Grasset, 2018. Timéra, Mahamet. "La religion en partage, la 'couleur' et l’origine comme frontière." Cahiers d’études africaines. vol. 51, no. 201 (2011). Touraine, Alaine. La fin des sociétés. Paris: Seuil, 2013. Touré, Niandou. "L’approche 'réseaux' dans les études migratoires." e–Migrinter. no. 13

Tozy, Mohamed. Champ et contre champ politico–religieux au Maroc. Aix–en– provence: Faculté de Droit et de Science politique, 1984. United Nations High Commissioner for Refugees. Morocco: Factsheet. Genève: 2025. Weber, Max. Le savant et la politique. Paris: Plon, 1963. ________. Sociologie des religions. Paris: Gallimard, 1996. ________. Concepts fondamentaux de sociologie. Paris: Gallimard, 2016. Westermarck, Edward. Ritual and Belief in Morocco. New York: University Books New Gyde Park, 1968.