حين يرتدي عالم الاجتماع عباءة المؤرخ: استعمالات التاريخ في مشروع خلدون النقيب عن مجتمعات الخليج والجزيرة العربية
When the Sociologist Wears the Historian’s Cloak: Uses of History in Khaldoun Al–Naqeeb’s Analysis of Gulf and Arabian Peninsula Societies
الملخّص
تتناول الدراسة استعمالات التاريخ في مشروع خلدون النقيب عن مجتمعات الخليج والجزيرة العربية، من خلال كتاباته عن المنطقة من وجهة نظر مؤرخ. لا تُعالج الدراسة هذا الاستعمال بوصفه سردًا تاريخيًا قائمًا بذاته، بل بوصفه تشغيلًا للمادة التاريخية؛ أي وقائع وروايات ومراجع داخل تفسير يحاول فهم تشكّل الدولة والطبقات ومسارات التحول الاقتصادي والسياسي في الخليج والجزيرة العربية. في هذا السياق، تناقش الدراسة نقد النقيب للمؤرخين، وتُحلل طريقة استخدامه للتاريخ كما يظهر ذلك مثلًا في عملية "التحقيب" عنده التي غلب عليها المنظور الاقتصادي، وكذلك في التحليل الطبقي؛ إذ يلاحظ لديه نزعة إلى تقديم المحددات الاقتصادية على حساب النسب والانتماءات القبلية. وتخلص الدراسة إلى أنّ النقيب قدّم مساهمات بارزة في حقل دراسات الجزيرة العربية، لكنّ ما كتبه يظل في حاجة إلى إحكام أدوات القراءة التاريخية للسياقات التاريخية التي ناقشها.
Abstract
Abstract: This study examines the uses of history in Khaldoun Al–Naqeeb’s study of Gulf and Arabian Peninsula societies by examining his writings through a historian’s lens. It does not treat this use as a standalone historical narrative; instead, it analyses his instrumentalization of historical materials, events, and sources within an interpretive argument about state and class formation, and the trajectories of economic and political transformation. The article discusses Al–Naqeebʼs critique of historians and analyses his use of history, as reflected, for example, in his periodization – largely driven by an economistic perspective – as well as in his class analysis that tends to privilege economic determinants over lineage and tribal affiliation. The paper concludes that while Al–Naqeebʼs project enriched Arabian Peninsula studies, it requires a more rigorous application of historical methods to the contexts he addresses.
- الجزيرة العربية
- الخليج
- الكتابة التاريخية
- التحقيب
- خلدون النقيب
- Arabian Peninsula
- The Gulf
- Histography
- Periodization
- Khaldun Naqeeb
ملخص: تتناول الدراسة استعمالات التاريخ في مشروع خلدون النقيب عن مجتمعات الخليج
والجزيرة العربية، من خلال كتاباته عن المنطقة من وجهة نظر مؤرخ. لا تُعالج الدراسة
هذا الاستعمال بوصفه سردًا تاريخيًا قائمًا بذاته، بل بوصفه تشغيلًا للمادة التاريخية؛ أي
وقائع وروايات ومراجع داخل تفسير يحاول فهم تشكّل الدولة والطبقات ومسارات التحول
الاقتصادي والسياسي في الخليج والجزيرة العربية. في هذا السياق، تناقش الدراسة نقد النقيب
للمؤرخين، وتُحلل طريقة استخدامه للتاريخ كما يظهر ذلك ماثلًا في عملية "التحقيب" عنده
التي غلب عليها المنظور الاقتصادي، وكذلك في التحليل الطبقي؛ إذ يلاحظ لديه نزعة إلى
تقديم المحددات الاقتصادية على حساب النسب والانتماءات القبلية. وتخلص الدراسة إلى أنّ
النقيب قدّم مساهمات بارزة في حقل دراسات الجزيرة العربية، لكنّ ما كتبه يظل في حاجة إلى
إحكام أدوات القراءة التاريخية للسياقات التاريخية التي ناقشها.
Abstract: This study examines the uses of history in Khaldoun Al–Naqeeb’s study of Gulf and Arabian Peninsula societies by examining his writings through a historian’s lens. It does not treat this use as a standalone historical narrative; instead, it analyses his instrumentalization of historical materials, events, and sources within an interpretive argument about state and class formation, and the trajectories of economic and political transformation. The article discusses Al–Naqeebʼs critique of historians and analyses his use of history, as reflected, for example, in his periodization – largely driven by an economistic perspective – as well as in his class analysis that tends to privilege economic determinants over lineage and tribal affiliation. The paper concludes that while Al–Naqeebʼs project enriched Arabian Peninsula studies, it requires a more rigorous application of historical methods to the contexts he addresses.
Assistant Professor on the History Program at the Doha Institute for Graduate Studies. Email: abdulrahman.alebrahim@dohainstitute.edu.qa
مقدمة
لخلدون النقيب (2011–1941) إسهامات في حقل الدراسات الاجتماعية العربية عمومًا، وحقل دراسات الخليج والجزيرة العربية على وجه التحديد. وتدل مؤلفاته على جديّة محاولته تعميق الخوض في الحقول التي يعمل عليها من خلال طرح الإشكاليات وتفكيكها ومن ثَمّ إعادة تركيبها. وقد كان بعض أعمال النقيب، مثل الدولة التسلطية في المشرق العربي وفي البدء كان الصراع، سوسيولوجي المعالم، لكنه يشتبك مع علم التاريخ ويوظفه، وكأنه يجسد مقولة إميل دوركهايم Émile Durkheim: "لا يفَّسَر الاجتماعي انطلاقًا من مجموعة من الوقائع الفردية، بل بناء على الوقائع الاجتماعية في الأمد التاريخي". من وجهة نظر مؤرخ، أركّز في هذه الدراسة على استعمال النقيب للمادة التاريخية داخل مشروعه في
علم الاجتماع عن الخليج والجزيرة العربية، وبوجهٍأخص في كتابيه: المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية (من منظور مختلف) وصراع القبيلة والديموقراطية: حالة الكويت. وتعامل الدراسة هذين العملين بوصفهما عيّنةً ممِّثِلة لاستعمالات النقيب للتاريخ في دراسة الخليج والجزيرة
العربية، لا لكتابة سرد تاريخي مستقل بذاته، بل بوصفها طريقة يستدعي بها الوقائع والسرديات والمراجع التاريخية لتفسير تشكّل الدولة والطبقات والتحولات الاقتصادية والسياسية. تموقع الدراسة هذا الاشتباك في سياقٍمحدد من الكتابة التاريخية الخليجية، وليس في كل مشروع النقيب البحثي، محاولةً الربط بين غلبة النزعة الوصفية وضعف الاشتغال بالتاريخ الاجتماعي في الخليج زمن النقيب، في مقابل حضور التاريخ عنده بوصفه مادةً من الوقائع والأحداث تساعد على التحليل والتفسير. وتُقارب الدراسة اشتباك النقيب مع التاريخ من داخل نقده لمن أسماهم "المؤرخين المُوثّقين"، الذين آخذهم باستخدامهم للمصادر التاريخية وللوثيقة وحدودها؛ إذ كان يرى أنّ الوثائق، في ذاتها، لا تقوم مقام التحليل التاريخي، وأنّ هذا التحليل لا يصحّ إلا إذا قام على نظرية ومفاهيم
(((خلدون حسن النقيب، الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر: دراسة بنائية مقارنة، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2004.)]1991[(((خلدون حسن النقيب، في البدء كان الصراع! جدل الدين والإثنية، الأمة والطبقة، عند العرب (بيروت: دار الساقي،.)1997 (((نقلًا عن: محمد حبيدة، المدارس التاريخية: برلين – السوربون – ستراسبورغ (من المنهج إلى التناهج) (الرباط: دار الأمان،
2018)، ص.63 (((خلدون حسن النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية (من منظور مختلف)، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008.)]1987[(((خلدون النقيب، صراع القبيلة والديموقراطية: حالة الكويت (بيروت: دار الساقي،.)1996 (((تعودُ معظم كتابات النقيب في الأصل إلى فصول متشابهة الموضوعات نشرها مقالاتٍ، قبل أن يجمعها بين دفّات كتب
تشابهت أفكار فصولها. على سبيل المثال، يشكر النقيب في مقدمة كتابه: النقيب، في البدء كان الصراع! ص 5، الناشرين والمحررين
لسماحهم له بإعادة طباعة هذه المقالات فصولًا في كتابه. ثم فعل الأمر ذاته في كتابه: النقيب، الدولة التسلطية في المشرق العربي
المعاصر؛ حيث وجّه رسالة إلى القارئ شرح فيها أنّ أزمة الخليج الأولى (1990) حالت دون تطوير مقالاته السابقة التي جمعها في
هذا الكتاب. ثم كرر الأمر نفسه في كتابه: النقيب، صراع القبيلة والديموقراطية، ص 5؛ حيث شكر الجهات التي أتاحت له تضمين بعض المقالات التي كان نشرها معهم فصولًا في الكتاب.
ومنهجية واضحة، لأن الاحتماء بالوثائق وحدها يُفضي إلى تاريخٍيبدو كأنه مجرد تعليق عليها ونسج لاستنتاجات مباشرة منها. إنّ ما تركّز عليه هذه الدراسة هو ملاحظات النقيب التي أوضح فيها اعتراضه على نمطٍ من الكتابة
التاريخية، لا تشغل أدواتٍ تحليلية تتفحص شروط إنتاج الوثيقة وتفكك انحيازها. ولتوجيه قراءة ما يقوله النقيب عن الكتابة التاريخية الخليجية، تفترض الدراسة أنّ كتاباته تكشف عن وعيٍ عميق
بالنقاش الدائر حول تكامل علم الاجتماع والتاريخ، وعن سعيٍ لسدّ ما رآه من ثغراتٍ في كتابات المؤرخين حول الخليج والجزيرة العربية، لا سيّما فيما يتصل بمسألة التحقيب، والاختلاف بين عالم
الاجتماع والمؤرخ في النظر إليها، فضلًا عن الكيفية التي تعامل بها النقيب مع المصادر التاريخية. تقعُ الدراسة في أربعة أقسام. يُعنى القسم الأول بمناقشة موقع خلدون النقيب من الجدل حول العلاقة بين التاريخ وعلم الاجتماع، بوصف هذا الجدل مدخلًا يوضح حدود التمايز والتداخل بين الحقلين. ثم تنتقل الدراسة في القسم الثاني إلى مساءلة منهج النقيب من خلال الإجابة عن سؤال: هل تجاوز النقيب الوثيقة التاريخية من دون أن يطرح بديلًا معرفيًا؟ بينما يعالج القسم الثالث الكيفية
التي استدعى بها النقيب التاريخ داخل كتاباته عن الخليج والجزيرة العربية. وأخيرًا يختبر القسم الرابع
وظيفة التاريخ بوصفه أداةً تحليلية في مشروع خاص بعلم الاجتماع في الخليج والجزيرة العربية، من خلال مناقشة آليات الاشتغال بالمصادر ومسألة التحقيب.
أولا: موقع النقيب من الجدل حول العلاقة بين التاريخ وعلم الاجتماع
1. التاريخ وعلم الاجتماع: مدخل موجز
تاريخيًا، لم تكن العلاقة بين التاريخ وعلم الاجتماع علاقة مستقرة ولا ذات طبيعة واحدة دائمًا،
وموضوع تساؤل بين المختصين. وعلى الرغم من ذلك، كان التواصل بين المؤرخين وعلماء الاجتماع محدودًا بصورة ملحوظة ومحمّلًا بتحيزات متبادلة. وبناءً على النقاش الذي دار في
أوساط علماء الاجتماع، كان جوهر سوء التفاهم بين علم الاجتماع والتاريخ أنهما لا يتكلمان اللغة نفسها. في هذا السياق، يوضح بيتر بيرك Peter Burke المنشأ المهني لهذا التوتر، عبر تعريفين إجرائيين يبيّنان
زاوية النظر إلى الأمر في كل حقل. فهو يعرّف علم الاجتماع بأنه دراسة المجتمع البشري مع تأكيد
التعميم حول تركيبيته، بينما يعرّف التاريخ بأنه دراسة المجتمعات البشرية مع تأكيد الفروق بينها،
والتغيرات التي حصلت في كل واحد منها على امتداد الزمن. ويضيف أنّ الفجوة بين المؤرخين
(((النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، ص.23
(8) Jiri Subrt, "History and Sociology: What is Historical Sociology?" in: Dennis Erasga (ed.), Sociological landscape: Theories, Realities, and Trends (Rijeka: InTech, 2012), pp. 404–406.
وعلماء الاجتماع لا تزال قائمة لأنهم لا يتكلمون اللغة نفسها، خصوصًا إذا ما عَّدَ المؤرخُ عالَم الاجتماع فاقدًا للإحساس بالمكان والزمان، بينما يَعُدُّ عالمُ الاجتماع المؤرخَ هاويًا وقصير نظر. ومن زاوية المؤرخ، ينبّه إدوارد كار Edward Carr إلى أنّ فهم الظواهر التاريخية لا يتحقق عبر "مفتاحٍ
عمومي" لنظرية تاريخية – فلسفية تقف فوق التاريخ، بل إنّ التاريخ معنيّ بالعلاقة بين الفردي والعمومي.
ومن ثم يرى أن الموقع السليم لبدء ملاحظة العلاقة بين التاريخ وعلم الاجتماع، هو الانتباه إلى أنّ علم الاجتماع يواجه خطرين متعارضين: خطر الإفراط في النظرية، وخطر الإغراق في التجربة. ضمن تاريخ العلاقة بين علم الاجتماع والتاريخ في فرنسا، انتقد مارك بلوخ Marc Bloch ولوسيان فافر Lucien Febvre – وهما من رواد مدرسة الحوليات – التاريخ الوضعي بسبب جموده، داعيَين
إلى استنطاق الوثيقة للوصول إلى مستوى التأويل والتفسير من دون الاكتفاء بالتوصيف. وهذا ما دعاهما وغيرهما، في مدرسة الحوليات، إلى الانفتاح على التخصصات الأخرى، والعمل على
فهم الماضي من خلال الحاضر، في إطار جدلية زمنية منتِجة. بذلك، ينتقل التاريخ من المستوى الأفقي المرتبط بالكتابة الإخبارية إلى مستوى عمودي مفهومي يميز كتابة التاريخ من مجرد دراسة الوثائق بحسب بول فاين Paul Veyne. ثمّة بعض الإشارات التي تدل على أنّ النقيب قد تأثّر بمدرسة الحوليات، لا سيّما في كتابه
المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، من خلال ربطه جزءًا من تحليله برؤية فرنان بروديل
Fernand Braudel، حيث يؤمن الأخير بضرورة تحطيم الجدران الفاصلة بين التخصصات في العلوم الاجتماعية والإنسانية، ويرى أنّ علم الاجتماع والتاريخ كلاهما مغامرة واحدة للعقل، فهما ليسا مجالين مختلفين، ولا مجرد وجهين لعملة واحدة؛ بل نسيج معرفي واحد في كل كثافة خيوطه. وُيلُاحظ عند النقيب تأكيده أنّ إنتاج مدرسة الحوليات الفرنسية خالف المدرسة الوضعية في النظر إلى التاريخ وتأكيدها الوثيقة، ومطالبتها بكتابة "تاريخ إجمالي" لا يقتصر على التاريخ السياسي فحسب، أو
(((بيتر بيرك، علم الاجتماع والتاريخ، ترجمة داوود صالح رحمة (دمشق: دار علاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة 2007)، ص 10–9. للمزيد حول علاقة السوسيولوجي بالمؤرخ، يُنظر:
Pierre Bourdieu & Roger Chartier, The Sociologist and the Historian , David Fernbach (trans.) (Cambridge: Polity Press,
(1((إدوارد كار، ما هو التاريخ؟ ترجمة ماهر كيالي وبيار عقل، ط 3 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1986)، ص.73–72 ((1(حبيدة، ص 59–58؛ في السياق ذاته، سعى رواد مدرسة الحوليات لردم الفجوة التي أوجدها التاريخ الوضعي، الذي قدّس
الوثيقة وادّعى الموضوعية متبعًا في ذلك نهج المدرسة الألمانية. فقد ركّزت جهودهم على إعادة بناء الماضي بدلًا من مجرد إحيائه.
وبذلك تكون مدرسة الحوليات قد تناولت التاريخ بوصفه مج لًا إشكاليًا، بعيدًا عن النظرة الآلية، من خلال العمل على إدراك
العلاقة المتبادلة بين الماضي والحاضر، بحيث يعتمد فهم الماضي على دراسة الحاضر، كما أنّ فهم الحاضر يتطلب الرجوع إلى
الماضي. للمزيد، ينظر: جاك لوغوف، التاريخ الجديد، ترجمة محمد الطاهر المنصوري (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007)، ص.93–92 (1((فرانسوا دوس، التاريخ المفتت: من الحوليات إلى التاريخ الجديد، ترجمة محمد الطاهر المنصوري (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، ص.168 (1((ينظر ماثلًا: النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، ص 28،.30
كما أسماها فرانسوا سيميان François Simiand الأصنام الثلاثة: الصنم السياسي، والصنم الفردي الذي يهتم بالعادات الراسخة في فهم التاريخ كتاريخ الأفراد، والصنم الحولي أو التسلسل التاريخ.
2. نقد النقيب للكتابة التاريخية الخليجية
شهد حقل دراسات الخليج في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين طفرةً في الكتابة الأكاديمية، خاصة بالعربية والإنكليزية؛ مدفوعةً بتوسّع الجامعات في دول الخليج، وبازدياد اهتمام الجامعات الغربية بالمنطقة، لا سيما في ظل التحولات السياسية الكبرى التي شهدها الشرق الأوسط عمومًا، والخليج والجزيرة العربية خصوصًا، خلال العقد الأخير من القرن العشرين، والعقدين الأولين من الألفية الثالثة. مع ذلك، اعتمدت معظم الكتابات، ولا سيما العربية، على وصف الأحداث، خصوصًا في الكتابات
التاريخية؛ إذ اكتفى أكثر المؤرخين المحليين بسردٍ تبسيطي للتاريخ، غلب عليه الوصف على حساب التحليل والنقد. ومن أنجزوا منهم أعم لًا أكاديمية حول المنطقة في الجامعات الغربية لم يبادروا، في تلك الفترة، إلى نقلها إلى العربية. لا يفيد هذا الاعتبار تعميم غياب الدراسات التاريخية الرصينة في المجال الذي اشتغل به النقيب زمن كتاباته، خاصةً في موضوعات المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، أو القبيلة والديمقراطية
على نحوٍ أخص، وهي المسألة التي ستُناقَش بتفصيلٍضمن القسم التالي المخصص لنقد كتابات النقيب. لكن المقصود هنا هو إبراز أنّ الكتابات التاريخية، وخصوصًا ذات البعد الاجتماعي، لم تكن وفيرة آنذاك. وقد أشار النقيب إلى ذلك في محاضرة ألقاها في جامعة الكويت يوم 18 نيسان/ أبريل 1987 (قبل صدور كتاب المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية بستة أشهر)، حين عرّف التاريخ
الاجتماعي تعريفًا ساخرًا بقوله: "التاريخ الاجتماعي هو التاريخ الذي لا يدرّس في جامعة الكويت
ولا معظم الجامعات العربية". يمكن قراءة هذا التوصيف مؤشرًا د لًا على أنّ النقيب لا ينظر إلى
غياب التاريخ الاجتماعي بوصفه نقصًا في "الكمّ" فقط، بل بوصفه قصورًا في تصوّر وظيفة التاريخ
وعلاقته بفهم البُنى الاجتماعية القائمة أيضًا. وقد تبلور هذا الوعي لديه بعد قراءةٍ واسعة للأدبيات
المكتوبة عن الخليج والجزيرة العربية.
((1(دوس، ص.49 ((1(ينظر على سبيل المثال ما كُتب عن التاريخ السعودي وحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
Uwidah Metaireek Juhany, "The History of Najd Prior to the Wahhabis: A Study of Social, Political and Religious Conditions in Najd during Three Centuries Preceding the Wahhabi Reform Movement," PhD. Dissertation, University of Washington, Washington, 1983; Mohamed A. Al–Freih, "The Historical Background of the Emergence of Muhammad ibn’Abd al–Wahhab and his Movement," PhD. Dissertation, University of California, Los Angeles, 1990; Abdullah M. Mutawa, "The Ulama of Najd from the Sixteenth Century to the Mid–Eighteenth Century," PhD. Dissertation, University of California, Los Angeles, 1989.
((1("خلدون النقيب – العلوم الاجتماعية والإنسانية"، أرشيف خلدون النقيب، يوتيوب، 2012/4/8، شوهد في 2025/5/21، في:
https://acr.ps/1L9F2WQ
وعند تصنيفه لهذه الكتابات، لم يُدرج كثيرًا منها ضمن الكتابات التاريخية بالمعنى الصارم، بل
اعتمد تصنيفًا أوسع وضعه تحت عنوان "الكتابات عن الخليج والجزيرة"، وقسّمها إلى قسمين:
"يمكن تصنيف الكتابات عن الخليج والجزيرة العربية عمومًا إلى نوعين رئيسيين من الكتابات". يشمل الصنف الأول ما جاء في كتابات المؤرخين التقليديين، والرحالة، والمستكشفين، والموظفين الاستعماريين، وأخيرًا الأنثروبولوجيين والإثنوغرافيين. أمّا الصنف الثاني، فقد ضمّ الصحافيين،
والمؤرخين الموِّثِقين، والخبراء الاقتصاديين. وقد عدّ النقيب ضمن الصنف الأول مؤرخين مثل عثمان بن بشر، وعبد العزيز الرشيد، ومحمود شكري الألوسي، وحميد بن رزيق، وغيرهم ممن كانوا يؤرخون للحكّام على تعاقب حكمهم السلالي، كما اهتموا بتأريخ المعارك والتناحر والتحالفات القبلية. ويقارن النقيب هذه الكتابات
بما دوّنه الموظفون الاستعماريون، الذين صاغوا نصوصهم بنبرةٍ أقرب إلى "الشاعرية"، وبحٍّسٍ
واضحٍ بالمصلحة الاستعمارية، في أثناء تحليل التركيبة القبلية/ الإثنية، وآثار الانتماء إليها في السكان. يلُاحظ هنا أنّ النقيب لم يُفِصِّل في نقد كتابات الرحالة، على الرغم من أنها تحمل قيمةً وعمقًا، لا سيما من المنظور الاجتماعي، فالرحالة – بحكم مهمتهم – يكتبون بتفاصيل أكثر عن مشاهداتهم، ويُبرزون جوانب اجتماعية من تاريخ المنطقة لا نجدها في كتب المؤرخين التقليديين، مثل أدوار العبيد والنساء والفئات المهمشة ضمن البنى الاجتماعية والمؤسسات التي ينتمون إليها. وقد وعى النقيب أنّ الفئة الأولى ضمن تصنيفه، على الرغم من تنوّعها، تتقاطع في
كونها "مُفيدة على المستوى الإثنوغرافي المحدود، ولكنها قليلة الفائدة على المستوى المجتمعي البنائي". ناقش النقيب هذا القصور، في عدد من كتاباته؛ إذ انتقد الباحثين في زمانه لتكرارهم ما أورده الرشيد وهارولد ديكسون Harold Dickson على سبيل المثال، عن حل مجلس الشورى عام 1921 في الكويت، من دون مساءلة أسباب الحلّ أو ربط الحدث بسياقاته الأوسع. ثم يذكر النقيب في السياق ذاته أحداثًا كبرى مثل مؤتمر العقير (1922) الذي رسمت فيه القوى الاستعمارية الحدود في المنطقة، والحصار الاقتصادي السعودي للكويت (1947–1916)، والكساد العظيم (1939–1929) الذي اجتاح العالم آنذاك. وتُبيّن هذه الخلفية التاريخية التي طوّرها النقيب أنّ تلك الأحداث أثّرت في مسائل
الحدود والاقتصاد، وفي علاقة الحاكم بالطبقة التجارية. وتُمكننا أيضًا من تحليل أحداث مجلس الشورى 1921 على أنّه خطوة ممهّدة لقيام المجلس التشريعي. وعلى الرغم من معاصرة الرشيد
(1((النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، ص.17 ((1(المرجع نفسه، ص.18 ((1(المرجع نفسه، ص.21 (2((النقيب، صراع القبيلة والديموقراطية، ص 31–30. وقد حاول النقيب في هذا الكتاب إجراء تحليل تاريخي لأسباب حل مجلس عام 9381 ماثل.
وديكسون لهذه الأحداث، ومع أنّ الأول كان أحد أعضاء مجلس الشورى، فإنهما لم يفّصلّا في هذه الأحداث الرئيسة. ومن جهة أخرى، يوضح النقيب أنّ كتابات المؤرخين الموثّقين "على الرغم من اعتمادها على الوثائق الاستعمارية الغربية والعثمانية والمحلية وعلى الأرشيف الغني بالمعلومات، لا تساعدنا كثيرًا في
فهم منظمات وموجهات التغيرات والتحولات الهائلة التي تعرضت لها المنطقة [...] وبالتالي فإن مهمتنا الأولى يجب أن تكون في تقديم منظور مختلف للبنى الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة". وفي نقد النقيب كتّاب الصنف الثاني، رأى أنهم قد انبهروا بالثروة النفطية الجديدة، وكتبوا عن المنطقة وأهلها بطريقة تفتقر إلى العمق والدقة، وانتقد الاقتصاديين خاصةً بسبب حصرهم التاريخ في تاريخ النفط وحال الخليج والجزيرة العربية فيما قبل اكتشافه وما بعده، معتبرًا أنّ هذا النوع من الكتابات
يهمل حقيقة أنّ توزيع النفط والثروة المتولدة عنه لم يكن متكافئًا بين السكان. كما ذكر النقيب كيف أنّ أبناء المنطقة في تلك الفترة لم يقبلوا مثل هذه التعميمات التي قام بها الصحافيون والاقتصاديون، وكتبوا كتابات تعترض على مثل هذا التسطيح لتاريخ المنطقة وربطه بصفة مباشرة بالنفط كما جاء، ماثلًا، في كتاب الخليج ليس نفطًا.
ثانيًا: هل تجاوز النقيب الوثيقة التاريخية من دون أن يطرح بديلا معرفيًا؟
على أساس هذا النقد المزدوج للمؤرخين الموثقين من جهة، والصحافيين والخبراء الاقتصاديين من جهة أخرى، طرح النقيب عمله بديلًا مما جاء بأقلام "المؤرخين الموثّقين" مثل جمال زكريا قاسم، وفتوح الخترش، وأحمد أبو حاكمة. فقد انتقد إنتاجهم التاريخي على أساس أنهم يعتمدون
على نحوٍ مباشر وكلٍّيٍ على الأرشيف، محاولين استبدال الوثائق بالتاريخ. ويعتقد النقيب أنّ الوثائق
ليست بديلًا من التحليل التاريخي "الذي يعتمد على نظرية ومفاهيم محددة [و] منهجية واضحة"، "فيصبح هذا النوع من التاريخ كأنه تعليق على الوثائق ونسج لاستنتاجات مباشرة منها". وقد كان انتقاده واضحًا من حيث إنّ هؤلاء المؤرخين الموثّقين، يعتمدون – تعويضًا عن النقص المتأتي من
افتقار التاريخ التقليدي إلى التوثيق – على الوثائق والأرشيف اعتمادًا كليًا محاولين استبدال الوثائق
((2(للمزيد حول مجلس 1921، ينظر: عبد العزيز الرشيد، تاريخ الكويت، ج 2 (بغداد: المطبعة العصرية، 1926)، ص 213؛ ينظر كذلك: مقابلة مع أحد أعضاء المجلس: عائلة الجناعات – وثائقي، "حديث الشيخ يوسف بن عيسى القناعي عن تأسيس مجلس الشورى 1921 وأحداث سنة المجلس 1938"، عائلة الجناعات – وثائقي، يوتيوب، 2017/8/18، شوهد في:2026/1/7، في
https://acr.ps/1L9F2Wd
(2((النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، ص.23 ((2(المرجع نفسه، ص 23–19؛ ينظر: محمد غانم الرميحي، الخليج ليس نفطًا: النفط والتنمية والوحدة (الكويت: كاظمة للنشر، (2((النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، ص.23 ((2(المرجع نفسه.
بالتاريخ لأنهم يفتقرون إلى النظرية والأدوات المفاهيمية. لذلك، وصفهم بأنهم "رواة"، تمييزًا لهم من المؤرخين بالمعنى الحق للمصطلح. ورأي النقيب صحيح هنا؛ إذ إنّ مسألة نقد تعامل المؤرخين الموثقين في الخليج والجزيرة العربية مع الوثيقة وتحليلهم لها كانت قاصرة، وهو ما يبدو خصوصًا في عدم مناقشتهم للوثائق وفق المناهج التاريخية، التي تتبعها المدارس التاريخية التي تمتلك مناهجها الخاصة في مقاربة الوثيقة من الناحيتين المفهومية والمعرفية. فعلى سبيل المثال، صاغت مدرسة السوربون منهجًا يجعل المؤرخ أشبه بالقاضي الذي يجمع
الوثائق، ثم يخضعها للنقد الظاهري والباطني، ويتحقق من صدقها قبل أن يبني عليها. ولم يكن هذا الأمر مقصورًا على الجانب الأوروبي؛ إذ عرف العالم العربي كذلك محاولات لضبط التعامل
مع الوثيقة ضبطًا منهجيًا ومفهوميًا، كما يظهر فيما كتبه، على سبيل المثال، أسد رستم في مصطلح
التاريخوغيره، وينطبق هذا أيضًا على مناهج التاريخ الإسلامي في نقد المتن والسند وعدالة الراوي ومدى التزامه الضبط. ويرى النقيب أنّ هذا الفعل يأتي من المؤرخين الموثّقين بسبب احتمائهم "بالوثائق خوفًا من إبداء رأي صريح". وقد وعى خوف المؤرخين الموثّقين وجعل سببه السلطة: ولكن الأنظمة الحاكمة، في منطقة الجزيرة العربية، عُرفت تاريخًّيًا بالخوف المفرط من
النقد المتأتي من البحث الموضوعي، وكثيرًا ما يختلط هذا النقد بأشكال النقد ذات الطابع
الصحفي المثير. وعلى الرغم من التخوّف في الوقوع في هذا الخلط، فإنني لم أحاول أن
أتجنب الأمور المتصلة بنظام الحكم ذات الطابع الحساس، والتي هي أشبه بالمحرمات غير القابلة للنقاش، ولم أتردد أو أتهاون في النقد إذا كان ضروريًا في تقديري لفهم النظام
السياسي والظواهر الاجتماعية المتصلة به. ويُكمل النقيب نقده لهذه الفئة من المؤرخين من خلال تأكيده أنّ التحليل التاريخي يجب أن يعتمد على
نظرية ومفاهيم ومنهجية واضحة تساعد على كشف زيف الوثائق وتحريفها وجزئيتها أو انحيازها. وجديرٌ بالذكر، كما ورد ذلك في مواضع أخرى من هذه الدراسة، أنّ النقيب ذاته في كتبه عن الخليج
والجزيرة العربية لم يقم بما انتقد فيه المؤرخين، خصوصًا فيما يتعلق بالتعامل مع الوثائق والمصادر التاريخية التي لم يحسن هؤلاء المؤرخون الموثقون التعامل معها بحسب نقده لهم. ويُعدّ نقد النقيب
((2(المرجع نفسه، ص.20 ((2(المرجع نفسه، ص.21 ((2(حبيدة، ص.49 (2((أسد رستم، مصطلح التاريخ (وندسور: منشورات هنداوي، 2017)؛ ولمدخل عن المناهج التاريخية، ينظر ماثلًا: وجيه
كوثراني، تاريخ التأريخ: اتجاهات، مدارس، مناهج (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2012 (3((النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، ص.23 ((3(المرجع نفسه، ص.14 ((3(المرجع نفسه، ص.23
لاعتماد المؤرخين على الوثيقة مصدرًا وحيدًا نقدًا وجيهًا، خاصةً في سياق خليجي لا تتوافر فيه الأرشيفات بسهولة، فضلًا عن كون الوثائق نفسها محمّلة بتحيّزات رسمية. ويُحسب للنقيب نقده
الموجّه إلى الكتابات التاريخية التي أرّخت للمنطقة في زمنه من خلال كتاباته النقدية المباشرة، أو من خلال تحليله لكيفية توظيف هذه الكتابات للتاريخ. إلا أنّ الإشكالية التي تظل قائمة، عند فحص أطروحة النقيب، هي مدى نجاحه في تقديم منظور مختلف يغطي عيوب كتابة المؤرخين الموثّقين لتاريخ المنطقة. يفيد فحص أعمال النقيب أنّ نقده لم يقم على رؤية تقدم بديلًا واضحًا، لتجاوز النقص المنهجي الذي رآه في أعمال المؤرخين الموثقين. فهو لم يعتمد في أعماله، ماثلًا، على التاريخ الشفهي بديلًا من الوثيقة، كما لم يعد فعليًا بالنقد إلى الوثائق التي استخدموها في تحليلهم لتاريخ الخليج والجزيرة
العربية، بل اكتفى بالاعتماد على المصادر ذاتها التي استخدمها المؤرخون الموثّقون، من دون توضيح كيفية تعامله مع طريقة كتابة التاريخ وتحليله وتفسيره، أو تقديم بديل مما انتقده. في مواضع عديدة، يصف النقيب المؤرخين بالخوف أو الربط الساذج بين الأحداث، فالخوف بحسب فهمه كان من السلطة السياسية أو من المجتمع، من خلال عدم إبداء الرأي بصفة صريحة، مؤكدًا أنه "ليس هناك سوى قليل من الحقائق التاريخية في شأن نقاط التحول الكبرى التي تهدينا إلى التعرف على عناصر الخلفية التاريخية للأمر الواقع الراهن [...] وهذا يضطرنا إلى اللجوء [...] إلى طرح عدد من الفروض ذات العمومية الشديدة التي تحتاج لدراسة معمقة لإثباتها". لكن كيف يمكن أن نفهم هذا التفسير الذي قدّمه النقيب لبعض أوجه الخلل في كتابة المؤرخين الموثقين لتاريخ المنطقة؟ من وجهة نظري؛ مع أنّ الخوف من إبداء رأي صريح لأسباب سياسية كان وما يزال حاضرًا في
ذهنية المؤرخ الخليجي، خصوصًا في التاريخ الاجتماعي، فإن هذا البُعد السياسي لا يفسر وحده
ضعف الإنتاج المعرفي التاريخي؛ فغياب الوعي المنهجي، وضعف الأدوات التحليلية، يُشّكلّان معًا عاملًا حاسمًا في هيمنة النزعة الوصفية والسردية على الكتابة التاريخية، لا سيما تلك المكتوبة بالعربية. كانت المدرسة التاريخية في المنطقة، في الفترة التي كتب فيها النقيب مؤلفاته، أسيرة أسلوب وصفي
في كتابة التاريخ؛ تُعامل الوثيقة بوصفها "المصدر" للتاريخ، من دون نقدٍ حقيقي لمحتواها أو لشروط إنتاجها، لا سيما عندما لا تكون منسجمة مع التاريخ الرسمي المعلن للدول الحديثة الناشئة في
((3(ينظر ماثلًا: المرجع نفسه، ص 37، 75، 78–77، 97؛ النقيب، صراع القبيلة والديموقراطية، ص.83–82 (3((ينظر ماثلًا: النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، ص 21، 23،.55 ((3(المرجع نفسه، ص.56–55 (3((للمزيد حول هذا الموضوع، ينظر: عبد الرحمن الإبراهيم، "هل يستطيع المؤرخ الخليجي التفكير؟"، جدلية، 2021/8/28، شوهد في 2026/2/16، في: https://acr.ps/1L9F2NY
المنطقة. فقد سعت تلك الدول إلى احتكار كتابة التاريخ عبر لجانٍتُنتج سردًا يؤيّد ما تريد هي تثبيته.
ونتيجةً لذلك، لم يتجاوز كثير من التأريخ في الخليج آنذاك ما يُعرف بالتاريخ الأخلاقي، الذي يمتدح
الفضائل ويذم الرذائل؛ فغلب الإطراء والتبجيل، حتى بدا تاريخ المنطقة كأنه تاريخُ مدنٍ فاضلة. ولم تكن هناك الكثير من الكتابات النقدية في حقل دراسات الخليج تهتم بنقد البُنى الاجتماعية أو
التغيرات الاقتصادية ودراستها من جانب تاريخي، على الرغم من توافر المصادر لدى الحكومات والأفراد، كدفاتر التجار وسجلات الضرائب التي حاول النقيب استخدام الجديد منها، خصوصًا الصادرة بعد تأسيس دول الخليج العربية. وقد قارن النقيب بين الاستراتيجيات التي اعتمدها الاستعمار البرتغالي وممارسات شركتي الهند الشرقية الهولندية والإنكليزية؛ بينما كان يعزو ضعف التحليلات لهذه الفترة الزمنية إلى خلط المؤرخين بين الإمبريالية، بوصفها ظاهرة للتوسع العسكري والاستيطان الاستعماري، والرأسمالية، بوصفها نشاطًا اقتصاديًا يهدف إلى تحقيق الأرباح. ولم يقف دور النقيب في التنبيه إلى ضرورة التعديل المنهجي في دراسات المجتمعات الخليجية عند هذا الحد، بل حاول أن يساهم في وضع منهجية للتحقيب التاريخي، على مستوى المشرق العربي أو الجزيرة العربية، وكذلك على مستوى الكويت. ففي كتابه الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر، خصص جزءًا من الفصل الأول
لبسط تحقيب لتاريخ المشرق العربي إلى ثلاث مراحل. وخلال محاولته التأصيلية هذه، اشتبك مع رؤى بعض معاصريه مثل عبد االله العروي وغيره، أثناء تبريره وجاهة هذا التحقيب المقترح وعلاقته بموضوع الكتاب. أمّا في كتاب المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، فلم يُعِر النقيب اهتمامًا كبيرًا لتبرير
تحقيبه، كما فعل في كتاب الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر؛ بل عرضه من دون تصريح،
وربطَ ما كان يحلله بالاقتصاد على نحوٍ واضح. بذلك، كان النقيب يعمد إلى التقسيم (التحقيب) بما يتماشى مع الفكرة التي يناقشها، كما فعل في الفصل الثالث من الكتاب حين قسّم الفترات
التاريخية التي درسها إلى أربع مراحل ممتدة بين عامي 1509 و 1985. وفي كتابه صراع القبيلة والديموقراطية، وبحكم طبيعة الموضوع، نجده يجعل تحقيبه لتاريخ حركة المعارضة السياسية الكويتية في ثلاث مراحل: 1938، 1961، وأخيرًا 1989، شارحًا مميزات كل مرحلة، والخط الفاصل
بين كل منها وما يليها، وأسباب هذا التفريق. ومن أمثلة اشتغال النقيب بقضايا التحقيب التاريخي، بوصفها عملية تحليلية تتجاوز إيراد ما هو موجود في الوثائق، أنّه رأى أنّ حدثًا بحجم تأسيس مجلس الشورى الأول في الكويت عام 1921
((3(يحتفظ المؤلف بنسخ من محاضر اجتماعات لجنة كتابة تاريخ الكويت، وكان يرأس اللجنة الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح. (3((النقيب، الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر، ص.57 (3((النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، ص.59 4(((النقيب، صراع القبيلة والديموقراطية، ص.284
يستحق أن يُطرح حوله مزيد من الأسئلة، مثل: لماذا فشل مجلس الشورى الأول؟ وكيف يمكن أن يتعامل المؤرخون نقديًا مع تلميحات ديكسون التي تشير إلى أنّ أعضاءه لم يكونوا جادين أو ملتزمين حضور جلساته؟ أكان قيامه ردة فعل على حكم الشيخ مبارك المطلق (1915–1896)، أم كان تحسبًا لتطورات مستجدة في المنطقة من قبيل تهديد حركة "إخوان من طاع الله" للكويت،
أم كان استجابة لتطورات إقليمية وعربية بعد الثورات التي قامت في مصر وسوريا والعراق؟. ومن خلال هذه الأسئلة التي يتجاوز مداها الحدث في حد ذاته، نلاحظ أنّ النقيب يربط تاريخ مجلس الشورى (1921) بعوامل سياسية، مثل تأثير التيار القومي في بعض النخب السياسية الكويتية، ووجود حركة إصلاحية في الخليج والجزيرة العربية. وقد فعل الأمر ذاته في تحليله لأوضاع البحرين، حين ربط الحراك فيها بالحراك الإصلاحي، وختم ذلك بعرض المطالبات الإصلاحية في الكويت ودبي والبحرين، وتحليلها. وقد أشارت هذه التساؤلات المشروعة إلى ما كان على المؤرخين الإجابة عنه فيما يتعلق بالسياق التاريخي الذي شهد قيام مجلس الشورى عام 1921، وضرورة النظر إليه من خارج إطار المحلية التي تتميز بها كتابة التاريخ في الكويت؛ أي من خلال التوسّع في استغلال مواد الأرشيفَين المحلي والاستعماري البريطاني، والترابط المفترض بين الأحداث الأساسية في الكويت والحراك العالمي بوجه عام، والحراك العربي بوجه خاص، خلال تلك الحقبة التاريخية الحادثة بين الحربين العالميتين (1918–1939)، وتزايد علامات الارتباط الوثيق بين نشوء القومية العربية بوصفها حركة سياسية، وبين النخب السياسية والثقافية من الكويتيين، والاستفادة الممكنة من الوثائق المحلية التي تزخر بالأدلة التي تثبت أنّ هناك علاقة قوية بين الطبقة المثقفة في العالم العربي والفاعلين المثقفين في الكويت، منذ نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. بذلك، كانت ملاحظات النقيب النقدية للمؤرخين الموثّقين تضع تحديات أمامهم، تتعلق مباشرة بما أشار إليه دوس من أنّ التاريخ أصبح لدى مثل هؤلاء وظيفة ومصدر رزق أكثر من كونه حرفة علمية وأكاديمية تسعى للتحليل والنقد، مثلما كان عليه الأمر في أوروبا خلال القرن التاسع عشر؛
حيث كان المؤرخ في خدمة السلطان والملك زمنًا طويلًا. وبالعودة إلى ما حاول النقيب تقديمه من تفسير لمثل هذا التوجه لدى هؤلاء المؤرخين، من الضروري الإشارة إلى المحاولات التي بُذلت في زمن النقيب وبعده، وأدّت إلى إخفات الأصوات التي تحاول
(4((المرجع نفسه، ص.30 4(((النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، ص.117–115 4(((حول الثقافة والقومية، ينظر: خليفة الوقيان، الثقافة في الكويت: بواكير – اتجاهات – ريادات، ط 6 (الكويت: [خليفة الوقيان]، 2014)؛
Abdulrahman Alebrahim, Kuwait’s Politics Before Independence: The Role of the Balancing Powers (Berlin: Gerlach Press, 2019).
(((4 دوس، ص.60
تعميق التحليل الخاص بدراسات الخليج من قبل السلطات الخليجية، وخصوصًا الكويت. ومما قد
يؤكد ما فسر به النقيب عدم اقتحام المؤرخين الخليجيين التاريخ بجرأة خوفًا من السلطة السياسية أنّه تعرّض هو ذاته، بعد إصدار كتابه المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، للاعتقال بسبب
وضعه جدولًا يوضّح مخصصات رؤساء دول الخليج من عائدات النفط مستندًا إلى ما أورده علي خليفة الكواري. بناءً عليه، أيمكن قراءة نقد النقيب للمؤرخين الموثّقين بوصفه دعوة واضحة إلى بناء مدرسة تاريخية
جديدة، أم باعتباره مجرد موقف من أزمة تعانيها المعرفة التاريخية في منطقة الخليج؟ إنّ افتقار هذا النقد إلى طرح منهجيّ بديل، يدل على أنه وقف عند حد المساهمة الأولية في تفكيك العلاقة
السائدة بين الدولة والوثيقة والمؤرخ، وقد كشف من خلال ذلك عن حدود الإنتاج التاريخي في غياب استقلالية معرفية حقيقية للقائمين عن ذلك الإنتاج. ويسمح الإلمام بنقد النقيب للمؤرخين بمحاولة استجلاء اللحظة التي التقى فيها الوعي السوسيولوجي بأزمة الكتابة التاريخية، بما يفتح آفاقًا أوسع للتفكير في إمكانات تطوير الكتابة التاريخية في الخليج بعيدًا عن أسر الوثيقة الرسمية ومنطق السّرد الوصفي.
ثالثًا: كيف استدعى النقيب التاريخ؟
في معظم إنتاج النقيب، وخصوصًا في كتاباته عن الخليج والجزيرة العربية، نجد حضورًا كبيرًا
للتاريخ ومصادره، إلا أنّ بعض كتبه، مثل الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر، وآراء في فقه التخلف، وفي البدء كان الصراع، تتمحور حول العالم العربي والشرق الأوسط أكثر من تركيزها على الخليج والجزيرة العربية، وفيها نجد أنّ استخدامه للتاريخ أقل لوجود دراسات تاريخية كثيرة كان من الممكن أن يبني عليها عالم الاجتماع تأصيله العلمي من دون أن يضطر إلى أداء دور المؤرخ بنفسه. عند معاينة استخدام النقيب للمصادر والمراجع والمقالات التاريخية، سواء أكانت علمية أم وصفية سردية، وتحديدًا في كتابيه المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية والدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر، نلاحظ فروقًا في حضور نسبة المراجع التاريخية بين الكتابين. ففي كتابه المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، الذي يركّز على الخليج والجزيرة العربية، استند إلى 162 مصدرًا تاريخيًا (منها 76 بالعربية و 86 بالإنكليزية)، من أصل 329 مصدرًا مستخدمًا في الكتاب
كله؛ بينما لا يزيد عدد هذه المصادر في كتابه الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر على
4(((حول الجدول، ينظر: النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، ص 148. أمّا بالنسبة إلى حادثة اعتقال النقيب،
فقد روتها نورية الرومي، أستاذة اللغة العربية في جامعة الكويت، والتي كانت وقتها تشغلُ منصب مساعد العميد، وعضوًا في جمعية
أعضاء هيئة التدريس، وذكرت أنّ السبب هو ما وضعه النقيب من معلومات مقتبسة من بحث علي الكواري. نورية الرومي، "الكلمة
الافتتاحية: خلدون النقيب الأستاذ المفكر عالم الاجتماع"، في: خلدون النقيب: إحياء لدوره الثقافي والعلمي، باقر النجار ويعقوب الكندري (محرران) (الكويت: جامعة الكويت، 2024)، ص.44–31 (((4 خلدون حسن النقيب، آراء في فقه التخلف: العرب والغرب في عصر العولمة (بيروت: دار الساقي،.)2002
107 مصادر (منها 59 بالعربية و 84 بالإنكليزية)، من أصل 527 مصدرًا مستخدمًا في الكتاب، كما هو موضح في الجدول التالي. جدول مقارنة بين كتابي "المجتمع والدولة" و"الدولة التسلطية" من حيث المصادر المجتمع والدولة في الخليج الدولة التسلطية في المشرق العربي
| إ الكتاب | المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية | الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر | |||||
|---|---|---|---|---|---|---|---|
| عدد المصادر الإجمالي | 329 | 752 | |||||
| عإدد المصادر التاريخية | 162 | 107 | |||||
| اإلعربية | 6إ7 | اإلعربية | 59 | ||||
| الإنكليزية | 8إ6 | الإنكليزية | 48 | ||||
| نسبة المصادر التاريخية من مجموع المصادر | 9.244 في المئة | 14.23 في المئة | |||||
المصدر: من إعداد الباحث.
لا يفسّر التفاوت في الاستناد إلى المصادر التاريخية، في العدد وفي النسبة، بمجرد اختلاف موضوع الكتابين؛ بل كذلك باختلاف بنية تعامل النقيب مع التاريخ. وعلى العموم، لا تكشف الأرقام
بالضرورة عن اهتمام بحثي بالتاريخ لدى النقيب بوصفه حقلًا علميًا قائمًا في ذاته. بل تُظهِر كيفية
استخدامه له بوصفه دعامة تفسيرية ضمن بناء نظري مُسبَق الوضع من طبيعة سوسيولوجية. فهل تكون
علاقة النقيب بالتاريخ أقرب إلى التوظيف المنهجي منها إلى الاشتغال التاريخي؟ كلما ازدادت حاجة النقيب إلى تأصيل تحليله السوسيولوجي في تحولات تشكّل المجتمع في الخليج – بسبب قلة عمق قراءة المؤرخين في المصادر التاريخية – كَثّفَ استدعاء المادة التاريخية. كان اطلاع النقيب على المصادر التاريخية واسعًا؛ فقد تنوع بين اللغتين العربية والإنكليزية، والفرنسية في أحيان قليلة، ولديه اطلاع على كتب التراث الإسلامي والتاريخ الأوروبي، إضافةً إلى تاريخ
(((4 المقصود بالمصادر والمراجع التاريخية هو كل كتاب كان موضوعه التاريخ، ويشمل ذلك كتب الرحلات وكتب التراجم
والكتب التاريخية ذاتها، فمنها على سبيل المثال في كتاب: النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية؛ محمود شكري
الآلوسي،].، 1924 تاريخ نجد (القاهرة: [د. ن)؛ فؤاد حمزة، قلب جزيرة العرب (القاهرة: المطبعة السلفية، 1933)؛ بدر الدين
الخصوصي، دراسات في تاريخ الخليج العربي الحديث والمعاصر، ط 2 (الكويت: ذات السلاسل، 1984)؛
Paul W. Harrison, The Arab at Home (New York: Thomas Y. Crowell, 1924); Kennth Meyer Setton, Europe and the Levant in the Middle Ages and the Renaissance (London: Variorum Reprints, 1974);
أمّ ا الأمثلة في: النقيب، الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر؛ فتشمل: سمير أمين، الطبقة والأمة في التاريخ والمرحلة
الإمبريالية (بيروت: دار الطليعة، 1980)؛ أوين روجر [وآخرون]، الحياة الفكرية في المشرق العربي (1890–1939)، إعداد مروان
بحيري، ترجمة عطا عبد الوهاب (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1983)؛ عبد الكريم رافق، العرب والعثمانيون:
1916–1516 (دمشق: مكتبة أطلس، 1974)؛
R.D.O. Butler, The Roots of National Socialism, 1783–1933 (London: Faber & Faber, 1941); Raymond Williams, Culture and Society, 1780–1950 (London: Penguin, 1975).
الأفكار، وكيف تطوّرت الأيديولوجيات في فترة بحثه. ولم يتوقف اهتمامه بالمصادر التاريخية
واستخدامه لها عند هذا الحد. فنجده، على سبيل المثال، يستخدم أفكار ماكس فيبر Max Weber واهتمامه بالمجتمع الإسلامي في سياق نقاشه لإمكانية قيام رأسمالية عقلانية خارج أوروبا، بل إنه سعى إلى استكمال هذه النقاشات من خلال مساءلة الأسس التي يقوم عليها المجتمع العربي، ومن ضمنها الأسس التاريخية، مستعينًا بما كتبه بيتر بيرك ماثلًا، مستشهدًا بكتابه حول التاريخ الاجتماعي. وقد ساعد استدعاء هذين التحليلين النقيبَ على بناء رؤية استند إليها في رفضه لما كان يراه تبسيطًا
مُفرطًا في تحليلات التغيير الاجتماعي السائدة في عصره، فركّز على أنّ حركة التاريخ في هذا المجال تتبع نموذجًا دائريًا قابلًا للارتداد. يلُاحظ أيضًا أنّ لدى النقيب اطلاعًا واسعًا على الدراسات الحديثة الصادرة وقت إصداره لكتبه،
فعلى سبيل المثال، تكرر استخدامه لكتاب إريك وولف Eric Wolf أوروبا ومن لا تاريخ لهمفي غالب كتبه، مثل المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية وفي البدء كان الصراع! وغيرهما. فقد حاول وولف من خلال كتابه كسر الجمود القائم بين التاريخ والأنثروبولوجيا وربط ذلك بالتطورات الاقتصادية، كما انتقد النظرة الأوروبية التقليدية إلى التاريخ التي تضع أوروبا في مركز كل التحولات التاريخية، وتهمّش دور بقية شعوب العالم من دون بيان أنّ هذه الشعوب كانت مندمجة في الاقتصاد
العالمي منذ قرون. ويتقاطع النقيب مع وولف في النظر إلى حركة الاقتصاد، لذلك نجده يعتمد عليه من خلال محاولة تطبيق فكرته التاريخية على الخليج؛ إذ يرفض تفسير الشبكات الاقتصادية والاجتماعية من خلال حدود مجتمع الخليج والجزيرة العربية وحده، بل يطلب التوسّع في التحليل من خلال إدخال شبكات أوسع تربط بين عدة عوالم اقتصادية مبنية على تقسيم ما قبل قيام الرأسمالية. وهي فكرة يتشاركها النقيب مع وولف، وقد استخدمها النقيب في نقض الكتابات التي تجعل من تاريخ اقتصاد الخليج والجزيرة العربية تاريخًا رعويًا لمجتمع قبلي. وقد حاول النقيب في بعض أعماله، كما في كتابه المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، السير على منوال فرنان بروديل، وخصوصًا فيما يتعلق بمفهوم الاقتصاد–العالم World–Economy الذي انطلق منه بوصفه أداة تحليلية لفهم موقع الخليج في الاقتصاد العالمي، لا من خلال القراءة الاستعمارية الحديثة فقط، بل ضمن أطر تاريخية أعمق وأكثر ديناميكية. فمفهوم بروديل يتيح، بحسب النقيب، مقاربةً مختلفة لمسألة التخلف والتنمية، تتجاوز اختزالها في ظواهر القرن العشرين المرتبطة بصعود الرأسمالية العالمية. لكن النقيب، على الرغم من استيعابه أدوات بروديل النظرية، لم يتبَّنَها كما هي، بل عارض قابلية تطبيقها على الخليج والجزيرة العربية بصفة ميكانيكية. فقد رأى أنّ ما طوّره
4(((النقيب، في البدء كان الصراع! ص.28 (4((المرجع نفسه، ص.30
(50) Eric R. Wolf, Europe and the People without History (Berkeley: University of California Press, 1982);
لنسخة عربية، ينظر: إريك وولف، أوروبا ومن لا تاريخ لهم، ترجمة فاضل جتكر (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.)2004 (5((النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، ص.30
بروديل عن البحر المتوسط لا يمكن نقله حرفيًا إلى سياق مختلف جذريًا من حيث البنية الاجتماعية
والاقتصادية. ومن هنا، لم يكن هدف النقيب مجرد استعارة نموذج جاهز، بل بناء تأصيلات بديلة تستند إلى فهم عميق للمصادر التاريخية الخاصة بالمنطقة؛ كون "العالم الاقتصادي في بيئة الجزيرة العربية كان مركزه تحت رحمة الأرستقراطية القبلية بصفة مستديمة". وينتقل النقيب من نقد النموذج البروديلي إلى البحث في المفاهيم الاقتصادية الإسلامية، مستعينًا بكتب التراث التي تجمع بين الفقه والتاريخ. ومن أبرز هذه المصادر كتاب الكسبلمحمد بن الحسن الشيباني، فقيه القرن الثاني الهجري، والذي يستخدمه النقيب لتفكيك مفاهيم كالقراض والمضاربة، لا من منظور فقهي محض، بل ضمن سياقاتها الدينية والسياسية والاقتصادية المتداخلة. ويحاول النقيب ربط تجارة المضاربة بالتجارة المتجولة Peddling Trade، من خلال بيان أوجه
التشابه بين هذين النوعين من التجارة، مع تأكيده اختلاف الطبيعة الاقتصادية لكل واحدٍ منهما عن الآخر. ثم يتتبع تطوّر مصطلح المضاربة في التاريخ، فيذكر – على سبيل المثال – أنّ التاجر الرئيس في العصر العباسي المتأخر كان يُطلق عليه "المجهز"، أمّا المضارب فقد كان يطلق عليه "الركّاض" أو "الطوّاف". ومن ثم يدخل في تفصيل هذه المصطلحات وأهميتها للتأصيل الذي يحاول رسمه
لاقتصاد الخليج والجزيرة العربية ومجتمعها. ولا يقتصر اعتماده على كتب الفقه المبكر؛ بل يمتد إلى مصادر إصلاحية وأدبية لاحقة. فيستشهد ماثلًا بكتاب أبي علي التنوخي نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، وهو نص متداخل المقاصد من القرن الخامس الهجري، كما يستعين بمرجع حديث نسبيًا
جاء بقلم عبد الرحمن بن محمد عوض الجزيري، الذي توفي في أربعينيات القرن العشرين، لتدعيم فهمه لمدوّنة الفقه الاقتصادي في المذاهب الأربعة. وخلال هذا التأصيل، لا يغفل النقيب السياق المحلي؛ بل يدمج كتابات تاريخية خليجية لتشكيل صورة اجتماعية اقتصادية متكاملة. فيُحيل إلى جون لوريمر John Lorimer ودليله المعروف،
ويستشهد بسيف مرزوق الشملان فيما كتبه عن الغوص، ويعود إلى مذكرات خالد العدساني في تناوله لحالة الكويت، في محاولة لربط المعطى الاقتصادي بالبنية الاجتماعية على نحو يُبرز منهجيته في إعادة قراءة التاريخ المحلي بعين سوسيولوجية.
((5(المرجع نفسه، ص.28–27 ((5(المرجع نفسه، ص.32 ((5(المرجع نفسه، ص.36–32 ((5(من مواليد عام 1882، وهو فقيه، عمل أستاذًا في كلية أصول الدين في جامعة الأزهر، ثم أصبح عضوًا في هيئة كبار العلماء.
وقد توفي في عام 1941، ينظر: خير الدين الزركلي، الأعلام: قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين
والمستشرقين، ج 3، ط 15 (بيروت: دار العلم ملايين، 2002)، ص.334 (5((ينظر ماثلًا: النقيب، 52 صراع القبيلة والديموقراطية، ص؛ النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، ص 4.0 (5((ينظر ماثلًا: النقيب، 52 صراع القبيلة والديموقراطية، ص؛ النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، ص 45،.99 (5((النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، ص 194، ص؛ النقيب، صراع القبيلة والديموقراطية.33
غير أنّ هذا الاشتغال، على الرغم من غناه الظاهري وتنوع مصادره، لا يُغيّر من طبيعة المقاربة التي
اعتمدها النقيب؛ إذ ظل يتعامل مع هذه النصوص بوصفها حوامل مصدرية وإخبارية وإلى حد ما مفهومية تساعد في بناء نموذج سوسيولوجي ناقد، لا بوصفها شواهد تاريخية تُحلّل في ضوء شروطها الإنتاجية وسياقاتها الزمنية. فهو لم يقرأ النصوص الفقهية والأدبية التي استند إليها، بوصفها منتجات تاريخية نابعة من منطق داخلي لتحولات المجتمع، بل على أنها مداخل تأصيلية لتثبيت فرضيات قائمة حول مفاهيم مثل: الريع، والسلطة، والاقتصاد الإسلامي. ويتجلى هذا النمط التحليلي بوضوح في تصور النقيب لمفهوم الدولة التسلطية؛ حيث تُقَّدّم الدولة لا بوصفها تحوّلًا تاريخيًا نابعًا من صيرورة اجتماعية، بل بوصفها الشكل الحديث والمعاصر للدولة
المستبدّة، ما دامت تهدف – على غرار الأشكال التاريخية للدولة المستبدة (كالإقطاعية، والسلطانية، والبيروقراطية) – إلى احتكار مصادر القوة والسلطة في المجتمع لصالح الطبقة أو النخبة الحاكمة
على نحوٍ فعّال. ثمّ إنّ الدولة التسلطية عند النقيب ليست نظام حكم فحسب، وإنما هي التعبير السياسي عن نظام اجتماعي – اقتصادي، أو نمط إنتاج اصطلح على تسميته رأسمالية الدولة التابعة. ويُعزّز هذا التصور الطابع البنيوي لمقاربته، ويحدّ من إمكانية تقديم رواية زمنية لتحوّل الدولة بوصفها
كيانًا متغيّرًا داخل شروطه الخاصة. من هنا، يمكن ملاحظة غيابٍ واضح للتفسير الداخلي للتاريخ في كتابات النقيب؛ إذ يغيب التحليل النابع من منطق التحّولّات الذاتية داخل المجتمع نفسه، ويحلّ محَّلَه تفسيرٌ خارجي يقوم على إسقاط
بنى سوسيولوجية على المادة التاريخية، على الرغم من أنّ النقيب، في نقده للمؤرخين في كتابه المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، يؤكد أنه سيعيد تفسير الظواهر الاجتماعية والاقتصادية بعد فشل المؤرخين في تقديم مثل هذا التفسير. ولأن عالم الاجتماع يبحث، في بعض الأحيان، عن الظواهر، فإن هذه المحاولة تحجب عنه إلى حٍّدٍ بعيد العمق الذي يسعى له في تحليلها، خصوصًا في ظل تقصير المؤرخين في عملهم المجهري القائم على البحث في الوثائق والأرشيفات والتواريخ الشفهية. فبدلًا من أن ينطلق النقيب من حركة المجتمع نفسه بوصفها فعلًا تاريخيًا، يستند إلى مفاهيم
مثل القبيلة والريع والسلطة بوصفها بنى حاكمة مسبقة، بما يُقصي إمكانية قراءة التحوّل التاريخي
بوصفها عملية نابعة من الشروط الداخلية للزمن المحلي. وهو بذلك، وإن انتقد النماذج الغربية، لم يُنتج نموذجًا زمنيًا بديلًا يُعيد الاعتبار إلى حركة التاريخ من داخل السياق. حتى مع أخذ تنوّع اللغات التي كُتبت بها المصادر التي استند إليها النقيب في الاعتبار، فإن عمله
البحثي يكتفي باستحضار الرواية التاريخية بمنطق "الاقتباس" و"الاستئناس"، لا بمنطق "التحليل".
(5((النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، ص 144–143؛ للتعمق في مفهوم البنيوية عند النقيب، ينظر: عز الدين الفراع، "الدولة التسلطية في المجتمعات العربية بين خلدون النقيب وعبد الله حمّ ودي: مساهمة مشرقية–مغربية في النظرية
الاجتماعية النقدية"، عمران، مج 11، العدد 34 (صيف 2022)، ص.159–137 (6((ينظر ماثلًا نقده لسارجنت حول دور القبيلة في كتابات موظفي الإدارات الاستعمارية، وأنا أوافقه في هذا النقد، إلا أنه لم
يحاول فهم مثل هذه البنى الاجتماعية في الخليج والجزيرة العربية بعمق أكبر، خصوصًا من الجانب التاريخي. ينظر: النقيب،
المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، ص.22
فالتاريخ في نصوص النقيب غالبًا ما يظهر في موقع الاستدعاء، حتى إنه يضطلع بوظيفة الإثبات
لا الإنتاج. وعلى الرغم من ملاحظاته الانتقادية للمؤرخين حول كيفيات تعاملهم مع المصادر التاريخية، فإننا لا نلمس في كتاباته محاولة لتأصيل الأسئلة النقدية التي أشار إلى ضرورة إثارتها حول المصدر، أو مساءلة لخطاب الرواية التاريخية ذاتها. بذلك، لم يرقَ استدعاء النقيب للمصادر التاريخية، على كثافته، إلى مساءلة إبستيمولوجية لكيفيات الربط بين ما يأتي المصدر بوصفه "تاريخًا خاًّمًا"، وما يأتي به التحليل بوصفه اشتغ لًا مفهوميًا ونظريًا.
لقد بقي محصورًا في وظيفة توضيحية، حيث لم يُستَخدم إلا لتثبيت تصوّر سوسيولوجي مسبق الوضع بحيث لا تزيد وظيفة المصادر التاريخية المستدعاة عن تأطير هذا التصور. ولم ينعكس التنوع اللغوي والمعرفي في اطلاع النقيب الواسع على مصادر متعددة دائمًا في معالجة متوازنة للعلاقة بين التاريخ والسوسيولوجيا. ويظهر ذلك في غياب النقاش حول كيفية تشكّل الروايات التاريخية وخضوعها لشروط السلطة والتمثيل؛ أي الكيفية التي تُبنى بها الروايات التاريخية وتُقَدَّم بوصفها حقائق، مع أنها قد تكون خاضعة لخيارات سردية وأيديولوجية تُنتج معنى معيّنًا وتُقصي غيره. وإن كان هذا الغياب مبررًا جزئًّيًا بطبيعة اهتمام النقيب السوسيولوجي، فإنه
يثير سؤ لًا مشروعًا حول حدود استخدام التاريخ في مشروع علمي لا يعمل على التاريخ بوصفه موضوعًا مستقلًا.
رابعًا: التاريخ أداةً تحليلية في مشروع سوسيولوجي
يثير تصوّر العلاقة بين التاريخ وعلم الاجتماع لدى النقيب قضايا ثلاثًا كبرى: أولاها نوعية المصادر المعتمدة واستخراج عوامل مفسّرة صالحة سوسيولوجيًا، وثانيتها مسألة التحقيب التاريخي، وثالثتها
التحليل السوسيولوجي المعتمد على ما تفيد به المصادر التاريخية، ومثاله التحليل الطبقي.
1. نوعية المصادر
اقتصرت غالبية مصادر النقيب على الأعمال المطبوعة، سواء أكانت أعم لًا أكاديمية أو نصوصًا تاريخية محققة، من دون تعامل جدي مع الأرشيفات أو المصادر الأولية غير المنشورة؛ وهو ما أضعف التحقيب التاريخي الذي اقترحه، خصوصًا في كتابه المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية. إنّ الضعف هنا لا يكمن فقط في نقص المادة التاريخية، بل يكمن أيضًا في غياب القراءة التاريخية التي تعيد ترتيب العلاقة بين الحقب الأربع التي صنفها في كتابه، وتوضح آليات الانتقال والتداخل بينها. وحتى حينما طرح النقيب تصنيفًا رباعيًا للحقب التاريخية في الخليج، بقيت هذه الحقب منفصلة
(6((ذكر النقيب في نقده للمؤرخين أنّ الكتابات الأولى – أي الفئة الأولى من المؤرخين الذين صنفهم – عن تاريخ الخليج تزيد
الباحثين جهلًا بالموضوعات المعالجة، وأن الكتابات التاريخية بجميع تصنيفاتها لا تجدي في محاولة تقديم فهم تحليلي لعلاقة
الدولة بالمجتمع، بما يجعلنا في حاجة إلى تقديم منظور مختلف لتفسير البنى الاجتماعية والاقتصادية للخليج والجزيرة العربية. ينظر: المرجع نفسه، ص.23–20
بعضها عن بعض، ولا يربطها سوى البعد الاقتصادي في الغالب؛ ما جعلها أقرب إلى تقسيم وصفي من كونه تحليلًا تاريخيًا. ويتضح هذا النقد الذي يمكن توجيهه إلى النقيب على الأخص، باعتبار
أنّ التاريخ لا يبدو بالنسبة إليه مجرد خلفية سياقية، بل أداة تحليلية لإعادة فهم الحاضر. فهو يستحضر الماضي لتثبيت وقائع تساعده على استدعاء مفاهيم مثل "المضاربة" و"السلطة" و"الدولة التسلطية" يستخدمها في التحليل السوسيولوجي. ومع أنه انتقد المؤرخين الموثّقين، فقد اعتمد على ما كتبوه، من دون تمحيص منهجي فعلي لمصادرهم. ومن آثار اختيار هذه النوعية دون غيرها من المصادر التاريخية ضعف تفسيره للعلاقة بين الحركات المحلية المناهضة للاستعمار، والبنية المذهبية في الخليج والجزيرة العربية، على الرغم من انتباهه لها. فقد اعتمد، في بعض المواضع، مصادر تاريخية قادته إلى تعميمات غير دقيقة؛ ما انعكس بصفة مباشرة على سلامة البناء التحليلي في أطروحته. فعلى سبيل المثال، حين استند إلى كتاب جون
ويلكنسون John Wilkinson عن عُمان لشرح حِلفي الغافرية والهنائية، قدّم تفسيرًا يَعُدُّ الحلفَين
امتدادًا لصراع مذهبي بين السنة والإباضية، متجاهلًا السياق السياسي والسلطوي اللذين تشّكلّا في إطاره. والواقع أنّ كلا الحلفَين ضمّ في بنيته قبائل من المذهبين، ولم يكن الانقسام المذهبي هو
المحدد الأساسي لتوسع المنتمين إليهما؛ بل كان الصراع على الإمامة والسلطة هو العامل الأوضح في التكوين والانقسام. وقد تكرّر الأمر نفسه في تفسيره لصراعات داخلية أخرى، منها الصراع بين المضرية والربعية؛ حيث
اعتمد على قراءة عبد الكريم رافق التي ربطت الصراع بانتشار الدعوة الوهابية. ولا يراعي هذا التفسير، هو أيضًا، العوامل السياسية والاجتماعية التي أحاطت بهذه الانقسامات، ويعكس طريقة النقيب في التعامل مع المصادر، وهي التي تقوم على النقل من دون مساءلة السياق الزمني أو البنية القبلية التي تشكّلت فيها الأحداث. لم يكن الاعتماد على المصدر مشكلة في حد ذاتها إذًا، لكن في طريقة التعامل معه؛ لأنها تحوّل النص المصدري إلى دعامة لتعميم يبدو مسبق الوضع، بدلًا من أن يكون
مدخلًا لتحليل يتعامل مع تعقيدات الواقع التاريخي الذي أنتج ذلك النص، كما أنتج غيره مما يخالفه أو يختلف عنه على الأقل. وللإنصاف، كما سبق أن أفادت مقتطفات مما كتب، فإن النقيب كان مدركًا لمحدودية المادة التاريخية المتوافرة؛ ما اضطره إلى طرح "عدد من الفروض ذات العمومية الشديدة". لكن هذا الاعتراف لا يعفيه من مسؤولية التوظيف غير النقدي للمصادر، بل يفرض
(6((المرجع نفسه، ص.58 (6((تناولت المصادر الأساسية العمانية هذا الصراع من أكثر من زاوية. إلا أنّ أغلبها يميل إلى ترجيح السبب السياسي وصراعات
الوصول إلى السلطة، خلافًا لما يحاول البعض وضعه ضمن إطار إثني وعرقي ويتجنى البعض الآخر عندما يحصره في الإطار
المذهبي. للمزيد، بنظر: سرحان بن سعيد الأزكوي، كشف الغمة: الجامع لأخبار الأمة، ج 2، تحقيق حسن محمد النابودة (بيروت:
دار البارودي، 2006)، ص 968؛ نور الدين السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان، ج 2 (السيب: مكتبة الإمام نور الدين السالمي،
2000)، ص 121؛ سالم بن حمود السيابي، عُمان عبر التاريخ، ج 4 (مسقط: وزارة التراث والثقافة، 2001)، ص 39؛ سيف بن عدي
المسكري، الإمامة والصراع على السلطة في عُمان أواخر دولة اليعاربة: 1131 ه 1719/م – 1162 ه/ 1749 م (دراسة في التاريخ
السياسي) (مسقط: دار الغشام للنشر والترجمة، 2014)، ص.128–108 (((6 النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، ص.55
عليه الانتباه إلى أنّ العمومية المفرطة لا تُنتج تحليلًا متماسكًا، لا سيّما عندما تكون المادة المصدرية
محدودة، ويُعاد "تدويرها" في أكثر من سياق من دون فحصٍ كافٍ.
2. في بعض قضايا التحقيب التاريخي لتحّولّات مجتمعات الخليج
كان تعامل النقيب مع التحقيب التاريخي لتحّولّات مجتمعات الخليج مختلفًا بين كتاب وآخر. ففي
كتابه الدولة التسلطية في المشرق العربي، نقرأ ما يلي: "يُمكن أن نلاحظ أن تطور نظام الامتيازات Concessionary System يمثل بداية استيعاب المشرق العربي في النظام الرأسمالي العالمي المسمى نظام الاقتصاد العالمي، ولكننا نحدد نقطة البدء في الاختراق الإمبريالي للمنطقة بتفجير المسألة القومية". وقد قسم النقيب حقبه إلى ثلاث مراحل. تبدأ الأولى في 1820 وتنتهي في 1919 مع ظهور المسألة الشرقية، ثم في العام ذاته تبدأ المرحلة الثانية وتنتهي في عصر الكفاح من أجل الاستقلال عام 1949، وأخيرًا المرحلة الثالثة التي تبدأ عام 1950 وتنتهي عام 1990، حيث سمّاها
عصر هيمنة العسكر والدولة التسلطية. وقد قارن النقيب تحقيبه بتحقيب عبد الله العروي الذي قسمه إلى أربع مراحل، وانتقده لعدم ذكره منهجه في التصنيف. وحاول النقيب تحقيب تاريخ المشرق العربي في إطار عالمي من خلال المقارنة، فوضع جدولًا قسّمه إلى ثلاثة أقسام: العالم الأول، والمشرق العربي، وأخيرًا
العالم الثالث. أما في كتاب المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، فنجده يضع تقسيمه تحت عنوان "مجتمع الخليج والجزيرة العربية في الخطة الإمبريالية العظمى"، وفيه أربع "فترات" تاريخية؛ الأولى مرتبطة بالهيمنة البرتغالية (1622–1509)، والفترة الثانية متعلقة بالصراع الإمبريالي والمقاومة الوطنية (1839–1630)، أمّا المرحلة قبل الأخيرة فتتمثل في الهيمنة البريطانية (1920–1839)، والفترة الأخيرة هي فترة التحول من الدولة الريعية إلى الدولة التسلطية
وعند المقارنة بين التحقيبين، نجد أنّ النقيب في كتابه الدولة التسلطية في المشرق العربيبنى على
محاولاتٍ سبقته، فعند الحديث عن تحقيب المشرق العربي بنى على ما قام به العروي، كما بنى على جهود محمد جابر الأنصاري في قراءته تحولات الفكر والسياسة في المشرق العربي ووضع عنوانًا واضحًا "محاولة لتحقيب تاريخ المشرق العربي المعاصر"، وقسم كل فترة زمنية في التحقيب
إلى "مرحلة". ويأتي هذا الاستخدام في كتابات النقيب من دون توضيح دقيق للفروق الاصطلاحية بين الفترة والمرحلة إن وجدتا. وفي الكتابين كان تركيزه على البعد الاقتصادي، مُغفلًا التحقيب من المنظور الاجتماعي ماثلًا. ولتفسير ذلك، يمكن القول إنّ النقيب ركّز على التحولات الاقتصادية
6(((النقيب، الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر، ص.57 (((6 المرجع نفسه، ص 58 (((6 المرجع نفسه، ص.59–57 6(((النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، ص.55–56
الكبرى التي تخدم منهجيته في التحليل البنيوي للمجتمع في الخليج كما ذكرنا آنفًا، وكذلك في المشرق العربي، متغاضيًا عمّا قد يسببه ذلك من خلل في التطبيق. في هذا السياق، يُمكن فهم اختلاف صيغ التحقيب عند النقيب بوصفه اختلافًا في طريقة التعامل مع الزمن التاريخي بين نمطين. فمن جهة، يقترب بعض تقسيمه من منطق التاريخ التسلسلي Serial History الذي يرى الماضي مختلفًا عن الحاضر ومتصلًا به عبر اتجاهات زمنية طويلة. ومن جهة أخرى، حين يُفترض في تحقيب النقيب أن يُبرز ما يستمر وما ينقطع، وأن يوضح اختلاف الماضي عن الحاضر عبر تعيين لحظات التحول وحدودها ومددها، فإنه يقترب من منطق التاريخ الحدثي Eventful History الذي يجعل التحقيب أداة لتعيين الاستمراريات والانقطاعات وتحديد زمن التغيرات ومدتها وإبراز اتجاهات التغير. غير أنّ الإشكالية في استعمال النقيب أنّ الانتقال بين هاتين الطريقتين لا يصاحبه تصريحٌ منهجي يضبط معايير التفريق بين "الفترة" و"المرحلة"، ولا يوضح
تحوّل سنوات بعينها إلى حدود تفسيرية، وهو ما ينعكس في النهاية في ترجيح بعدٍ واحد في التحقيب
على حساب أبعاد أخرى. بشأن الحاجة إلى وضع معيار يميّز بين التقسيم الزمني والتحقيب بوصفه ممارسة تفسيرية، يلفت
العروي إلى أنّ التحقيب العام لا يقوم على اتفاقٍمسبق، وأن كثيرًا من الباحثين المتخصصين لا يجعلونه
موضوع عنايتهم الأولى. ولذلك ينصرف اهتمامهم غالبًا إلى "مدلول الحقبة" التي يدرسونها؛ أي
ما يميزها ويعطيها معناها الخاص، وهو ما لا يُستخلص إلا عبر نقد الوثائق والشواهد والموازنة بينها. فالحقبة عند العروي لا تُفهم بوصفها مجرد فاصلة زمنية بين تاريخين، ولا بوصفها تحديدًا تقويميًا
محضًا، بل بوصفها تقويمًا مرتبطًا بمستوى معيّن من الفاعليات البشرية في السياسة أو الفن أو الإنتاج
المادي أو غير ذلك بحيث تكون لكل حقبة دلالتها التي لا تُنقل آليًا إلى حقبة أخرى. وبناء على
هذا، لا يكفي أن يضع النقيب تواريخ فاصلة، بل ينبغي أن يوضح ما الإشكالية المركزية التي تميز كل مرحلة/ فترة لديه، وما المؤشرات الاجتماعية والسياسية التي تجعل سنوات معينة ماثلًا حدودًا تفسيرية للمرحلة التاريخية، لا مجرد انعكاس لتحولات الاقتصاد السياسي العالمي. يضع إبراهيم بوتشيش معايير لكل حقبة تاريخية، أولها وجود إشكالية مركزية تميّز الحقبة وتستقطب
الاهتمام وتفرض أسئلتها الملحّة، وثانيها قيام الحقبة على نظرية تفسيرية يُقرأ التاريخ في ضوئها،
6(((للتوسع أكثر في قضية التحقيب أو "المؤرخ المحقب"، ينظر: سيّار الجميل، تحولات الأزمنة: رؤية عربية للتحقيب التاريخي
(بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2017)؛ هيئة التحرير، "التحقيب في التاريخ العربي الإسلامي"، أسطور، مج 2،
العدد 3 (كانون الثاني/ يناير 2016)، ص 292–223؛ جاك لوغوف، هل يجب حقًا تقطيع التاريخ شرائح؟ ترجمة الهادي التيمومي (المنامة: هيئة البحرين للثقافة والآثار،.)2018 (7((للمزيد حول فكرة التاريخ التسلسلي والحدثي والتحقيب، ينظر:
Marcus Kreuzer, The Grammar of Time: A Toolbox for Comparative Historical Analysis (Cambridge: Cambridge University Press, 2023), pp. 45–47.
7(((عبد الله العروي، مفهوم التاريخ: 1– الألفاظ والمذاهب 2 – المفاهيم والأصول، ط 4 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،
2005)، ص 282؛ يُنظر أيضًا: عبد الله العروي، مجمل تاريخ المغرب، ط 5 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.)1996
وبعد ذلك وجود مرجعية فلسفية وتاريخية تُؤطّر فهم الحقبة وتوجه تأويلها، أمّا المعيار الأخير فيتمثل في تأسيس الحقبة على تحّولّات عظمى تمسّ حياة الناس اليومية وسلوكهم الثقافي ومواقفهم وتؤدي إلى تبدل الثوابت السائدة. فالنقد ليس على معيار الاقتصاد، بل على أحاديته؛ إذ كان يمكن إدماج مؤشرات السياسية والاجتماعية، وخصوصًا أنه يتحدث عن المجتمع والدولة في الخليج، ولأنه حلل ضعف التحقيب "لأن المؤرخ لا يجد الجرأة أو حتى الحاجة إلى طرح فروض بهذا الاتساع التاريخي". وهذا مفهوم، لأن مسألة التحقيب "ارتبطت بحرص المؤرخ على رصد القوانين التي تحكم الظواهر التاريخية وتفسير التحولات الحضارية وإدراك سيرورتها". من هنا، يعترف النقيب بأنّ مثل هذا التحقيب يقود إلى "طرح عدد من الفروض ذات العمومية الشديدة التي تحتاج إلى دراسات معقمة لإثباتها". مع ما تنطوي عليه أعمال النقيب من قيمة تأسيسية في حقل دراسات الخليج والجزيرة العربية، فإن حدود تحقيبه لا تظهر في إغفال بعض الوقائع أو القوى المحلية فحسب، بل في أنّ المعيار الذي ينظُم هذا التحقيب الذي يركز على الاقتصاد والإمبريالية أيضًا؛ ما يحدّ من قدرته على تفسير التحولات النابعة من داخل مجتمعات الخليج والجزيرة العربية نفسها وهي موضوع البحث في الأساس. وقد كانت القراءة – لو تمّت – كفيلة لا بمجرد استكمال مادة التحليل التاريخية، بل أيضًا بناء منهج التحقيب على تبدل مراكز السلطة، وقيام دول وسقوطها، والهجرات الكبرى، والتغير الديموغرافي، وصعود التشكيلات السياسية المحلية، فضلًا عمّا رافق ذلك من إعادة تشكيل المجالين الاجتماعي والسياسي. في هذا الإطار، كان يمكن للنقيب أن يمنح بعض الأحداث والتحولات النابعة من داخل الجزيرة العربية حضورًا أوضح في بناء تحقيبه، بحيث يسند الأهمية اللازمة للدول التي تعاقبت على السيطرة على قلب الجزيرة العربية وسواحل الخليج العربي مثل الدولة الجبرية، أو الدولة اليعربية، وحتى الدولة السعودية الأولى، لأن الفترات التي صنفها النقيب امتدت بين عامَي 1509 و 1985. وينسحب الاهتمام ذاته أيضًا على الهجرات الكبرى للقبائل والتجمعات البشرية الناتجة من القحط
(7((إبراهيم القادري بوتشيش، "الربيع العربي حلقة جديدة في التحقيب التاريخي: الإرهاصات التأسيسية لكتابة تاريخ غير
مدوّن"، في: التأريخ العربي وتاريخ العرب: كيف كُتب وكيف يُكتب؟ (الإجابات الممكنة)، إعداد وتنسيق وجيه كوثراني
(الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص.104 7(((النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، ص.56–55 (((7 بوتشيش، الربيع العربي حلقة جديدة، ص.104 7(((النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، ص.55 (((7 عبد اللطيف بن ناصر الحميدان، السلطنة الجبرية في اليمامة وبلاد البحرين وعمان والمواجهة مع القوى المختلفة (الرياض:
جداول للنشر والترجمة والتوزيع، 2022)؛ خالد بن عزام بن حمد الخالدي وإيمان بنت خالد الخالدي، السلطنة الجبرية في نجد
وشرق الجزيرة العربية (بيروت: الدار العربية للموسوعات،.)2011 (((7 حول دولة اليعاربة، ينظر ماثلًا: السالمي؛ سلطان بن محمد القاسمي، تاريخ اليعاربة في عُمان 1623 م 1747– م (الشارقة:
منشورات القاسمي،.)2022
والحروب، مثل هجرة قبيلة الفضول عام 1674 إلى جهة العراق، وهجرات وسط الجزيرة العربية، مثل ما حدث في أعوام 1654 و 1674 و 1703 وغيرها. ومع هذه النقائص، يمكن تأكيد أنّ النقيب لم يكن غافلًا عن أثر هذه القوى المحلية، بل التفت إلى حضورها، لا سيّما في المقاومة المحلية، وركز
على القرن الثامن عشر من خلال التحركَين الإباضي والوهابي، غير أنه أدرج هذه العناصر ضمن تحليل للفترات الزمنية ظل قائمًا، في مجمله، على معيار اقتصادي – إمبريالي خارجي. من هذه الزاوية، كان في الإمكان أن تكون لدى النقيب وسائر المهتمين بالتاريخ الاجتماعي للخليج والجزيرة العربية قراءة مغايرة لمسار الدولة فيهما؛ قراءة لا تجعل الدولة الحديثة مُحصّلة متأخرة
لتحولات البنى الاقتصادية والتحولات ذات العلاقة بديناميكيات الإمبريالية فقط، بل تراها أيضًا نتيجة لتفاعل هذه العوامل مع تحّولّات الداخل، السياسية والاجتماعية والديموغرافية والدينية التي انتبه
إليها النقيب، لكنه لم يجعلها الأساس في تحقيبه.
3. حدود التحليل الطبقي للمجتمع الكويتي عند النقيب
يُمكن ملاحظة جانب لم يحظَ بتركيز كافٍ في البناء النظري والمنهجي لدى النقيب في كتاباته عن
الخليج، وتحديدًا في المجتمع الكويتي. فقد حاول طرح إشكالية تشكّل الطبقات والتغيير الاجتماعي في الكويت من خلال التركيز على البنية الاجتماعية، وفرّق الطبقات الاجتماعية عن تركيب الطبقة
بالمعنى التقليدي، ثم انتقل إلى محاولة تأطير نظري للتصنيف الطبقي في الكويت، وتابع تحليله معتمدًا على رصد بنية التجارة في الكويت ودورها في تشكيل العلاقات الاجتماعية، كما عمد إلى تعميم هذا النموذج، وأوضح أنه صالح ليُطبّق على مجتمعات الخليج الأخرى. وفي هذا التنظير
جوانب ثلاثة قابلة للنقد.
أ. اختزال آليات التمييز بين الطبقات
في محاولته التنظيرية للتصنيف الطبقي الاجتماعي في الكويت، ربطه النقيب بثلاث "آليات" اقتصادية وواحدة اجتماعية، وهي "صلة القرابة". وقد قسّم النقيب المجتمع إلى أربع طبقات: التجار
7(((عبد الله بن محمد البسام، تحفة المشتاق في أخبار نجد والحجاز والعراق، تحقيق أحمد البسام (الرياض: دارة الملك عبد العزيز، 2015)، ص.169 (7((فيما يتعلق بأخبار القحط والهجرات الناجمة عنه، نجد المصادر النجدية مليئة بمثل هذه الأخبار ولا يقتصر الأمر على وسط الجزيرة العربية، بل يشمل حتى اليمن والحجاز وبقية أجزاء الجزيرة العربية مثل أحداث مجاعة 1077 هجري في مكة، وكذلك
أحداث 1136 هجري في الشام واليمن وغيرها. ينظر على سبيل المثال: محمد بن عبد الله بن يوسف، تاريخ ابن يوسف، دراسة
وتحقيق عويضة بن متيريك الجهني (الرياض: دارة الملك عبد العزيز، 1999)؛ عثمان بن عبد الله بن بشر، عنوان المجد في تاريخ
نجد، تحقيق عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ (الرياض: دارة الملك عبد العزيز، 1982)؛ محمد بن عمر الفاخري، تاريخ
الفاخري، تحقيق عبد الله بن يوسف الشبل (الرياض: دارة الملك عبد العزيز،.)1999 (8((النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، ص 7.5 (8((النقيب، صراع القبيلة والديموقراطية، ص.50–49 ((8(يلقي النقيب هنا اللوم على المؤرخين كذلك، حيث يقول: "خاصة أنه لم يكن هناك نظام محاسبة ملائم لهذا الموضوع في الأدبيات التاريخية"، ويقصد في تفكيك البنية الطبقية في الكويت، ينظر: المرجع نفسه، ص.51
(بمن فيهم الأسرة الحاكمة)، والوجهاء مثل ربابنة السفن ورجال الدين، ثم أصحاب الحرف، وأخيرًا
فئة البحارة والخدم. لم يُعطِ النقيب العامل الَّنسَبي؛ أي صلة القرابة الدموية عن طريق التوالد أو تلك التي تتشكل عن
طريق المصاهرة، ما يستحقه من عناية في تحليله. صحيحٌ أنّه أشار إلى "صلة القرابة" بوصفها إحدى
آليات تشكّل الطبقات، لكنه حصرها في طبقة التجار من دون أن يرى أثرها في الحراك الصاعد والحراك النازل داخل الطبقات الأدنى وفيما بينها، وكأن الانتماء العائلي لا دور له خارج دوائر النخبة الاقتصادية التجارية. إضافة إلى ذلك، قيّد النقيب وظيفة "صلة القرابة" باعتبارها وسيلة للحصول على
المكافآت والامتيازات المستمرة ضمن الطبقتين الأوليين. وعلى قاعدة استناد النقيب إلى المصادر التاريخية في تحليله السوسيولوجي الطبقي، تبرز خصوصية السياق الخليجي؛ حيث يتعذر فصل التحليل الطبقي عن التحليل النَسبي. فالأصالة القبَلية تُعد في
بعض الحالات أهم من الثروة أو التعليم. وقد يؤدي ارتباط أحد الفنيين بأسرة تجارية كبرى، عبر المصاهرة، إلى تحقيقه حراكًا اجتماعيًا صاعدًا، ورفع مكانته الطبقية من دون أن يتغير وضعه الاقتصادي
بالضرورة، بينما قد يظل شخصٌ من طبقة التجار محدود التأثير إن لم يكن منحدرًا من أصل قبلي
"أصيل". ههنا، يمكن أن يتدخل المؤرخ ليكمل الصورة التي وضعها عالم الاجتماع بتحليل دور النسب، بوصفه آلية غير مرئية لإعادة إنتاج البُنى الاجتماعية في الخليج والجزيرة العربية. ومن الآثار التعديلية الممكنة لما قدمه النقيب، ما تفيد به المصادر التاريخية، من إمكانية تصنيف فئة التجار، ماثلًا، من الناحية الاقتصادية إلى مجموعتين رئيستين، هما: التجار المؤثرون سياسيًا واقتصاديًا
والتجار غير المؤثرين. ثمّ يتم تفريع التقسيم مرةً أخرى (تقسيم فرعي) لكل فئة بحسب عنصرين رئيسين، هما: نوع النشاط التجاري الذي يزاوله التاجر، وانتماؤه الاجتماعي، الذي يتضمن التمييز بين
((8(المرجع نفسه، ص.56 ((8(يذكر النقيب أنّ فئة التجار وحاشية الأمير ترتبطان بصلة القرابة أو المصاهرة والجزء الأعظم من هاتين الجماعتين ينحدر من
الأسر الأصيلة أو الجماعات الأولى التي أسست الكويت. ينظر: المرجع نفسه، ص 52؛ لا يشير لفظ "الأصيلة" في استخدام النقيب إلى ما هو مفهوم في السياق الاجتماعي المعتاد من أصالات قبلية ممتدة في التاريخ، بل يشير إلى تلك الأسر المؤسسة أو التي كانت أصلًا في تأسيس المشيخة. ((8(ثمة فئة من المؤرخين الموثقين تشتغل بتاريخ الأنساب في الخليج والجزيرة العربية من خلال ذكر وتثبيت الأنساب وتفاصيل أصول القبائل حتى ربطها بالقبائل العربية كما تشكّلت قديمًا، وبالعودة حتى إلى ما قبل ظهور الإسلام ("الجاهلية"). وليست
مقصودة هنا الكتب التي ناقشت تاريخ القبيلة من ناحية سياسية وثقافية واجتماعية، إنما يتعلق الأمر بما يُعرف في بعض التسميات
بعلم الأنساب. وقد تنوعت طرائق الكتابة عن الموضوع؛ إذ هناك مخطوطات بعضها حُقق وبعضها لم يُحقق مثل ما كتبه سلمة
بن مسلم العوتبي، وكذلك ما كتبه إبراهيم بن صالح بن عيسى، ومخطوطة في الأنساب والتاريخ لعبد الله بن عبد الرحمن البسام
وكتابات لعثمان بن منصور في الأنساب لم تنشر ونبذة في أنساب أهل نجد لإبراهيم بن محمد بن ضويان، والصحيفة العدنانية
والصحيفة القحطانية لحميد بن محمد بن رزيق وغيرها. ومن هذه البحوث ما طُبع كتبًا. ينظر على سبيل المثال: حمد الجاسر، جمهرة أنساب الأسر المتحضرة في نجد (الرياض: دار اليمامة
للبحث والترجمة والنشر، 1981)؛ راشد بن فاضل البنعلي، مجموع الفضائل في فن النسب وتاريخ القبائل (قبيلة آل بن علي): سُليم
والمعاضيد، تحقيق حسن بن محمد آل ثاني (الدوحة: بدر للنشر، 2001)؛ سالم السيابي، إسعاف الأعيان في أنساب أهل عمان ([د. م.]: منشورات الكتب الإسلامي،.)1965
فئة الأصيل وغير الأصيل من ناحية النسب؛ أي الانتماء إلى واحدة من قبائل الجزيرة العربية، إضافةً إلى تقسيمات أخرى مُركبة بين الأصل والانتماء المذهبي مثل التفريق بين الشيعة العرب والشيعة
العجم وغيرهم، ويعتبر هذا التصنيف أكثر ملاءمةً لتحليل البنية الاقتصادية والاجتماعية خلال الفترة الزمنية قيد دراسة النقيب التي اعتمدت تعميمًا مُخلًا بالدقة. يذكر النقيب أنّ المعلومات المتوافرة عن القطاعين الرئيسين في التجارة في الكويت (الغوص وتجارة النقل) غير متوافرة لمعرفة مدى مساهمتها في الاقتصاد الوطني ككل. والحال أنه كان يمكنه أن
يحصل على ما يحتاج إليه من معلومات، لو أنه حاول التماس ذلك بعناءٍ أكبر في دفاتر الغوص والتجارة المتناثرة عند طبقة التجار التي صنّف أقسامها.
ب. عدم مطابقة التحليل للواقع الطبقي
لو استخدم النقيب الوثائق المتاحة عن طبقة الخدم، لأمكنه أن يقدم تصويرًا أكثر دقة حول مكانتهم
الاجتماعية. فحين وصفهم بقوله: "فإن الخدم كانوا يأتون في درجة أدنى من البحارة في الترتيب الاجتماعي ووقوعهم في هذه الدرجة بسبب علاقتهم الخاصة بالتجار [...] فمنهم من يكون في عداد الحراس الشخصيين (الفداوية) ومنهم من يقتصر عمله على القيام بالأعمال المنزلية الخفيفة". بهذا، استبعد النقيب من تصنيفه البدو والعمال ذوي الإقامة القصيرة من تصنيفات المجتمع الكويتي، في حين لم يستبعدهم من التنظير الاقتصادي، وهو أمر يحتاج إلى المراجعة. بحسب النقيب، كان البدو يمثلون 90 في المئة من البحارة، كما كان من الممكن أن يتفطن إلى أنّ مهنة الغوص على اللؤلؤ ليست مهنة عبور، في معنى أنّ قسوتها تجعلها مؤقتة؛ إذ كانت، في
((8(ماثلًا يذكر النقيب أنّ التجار لا يقومون بأي عمل يدوي، وهذا مفهوم بسبب أنّ لديهم من يخدمهم، لكنه لم يوضح علاقة ذلك
بالطبقية الاجتماعية، ولم يذكر المهن التي يأنف منها بعض "الأصيلين"، والمهن المقبولة لديهم. ففي الكويت ماثلًا، في فترة ما قبل
النفط، كان هناك القليل من التنوع من حيث العمل المتاح؛ أي إنّ تقسيم العمل الاجتماعي كان بسيطًا. وعلى الرغم من أنّ فئة
الأصلاء كانت تنظر بازدراء إلى العمل اليدوي بصفة عامة، كان بعض المنتمين إليها يشتغلون بأعمال "بسيطة". ينظر: "مقابلة المرحوم بإذن الله العم علي حسين اظبيه من تقديم العم سيف مرزوق الشملان 6 [تشرين الثاني/] نوفمبر 1967"، فهد الصقر، يوتيوب، 2013/9/21، شوهد في 2025/6/1، في: https://acr.ps/1L9F2bS. يذكرُ الشملان في هذه المقابلة أنّه عمل في نقل المياه
. Alebrahim, Kuwait’s Politics Before Independence , chap. 3:إلى المنازل. ينظر أيضًا
(8((النقيب، صراع القبيلة والديموقراطية، ص.51 (8((هناك العديد من الوثائق التي تمتلكها الأسر، وقد حصل المؤلف على نسخٍ منها، وهي مراسلات أو وثائق خاصة بالبيع والشراء أو ما يطلق عليها محليًا بالعدسانيات. وفي هذه الوثائق، يُذكر صراحةً "الفداوية" و"الخدام" و"العبيد" و"رجال الشيوخ"،
وغيرهم من فئات المجتمع. ثمة كذلك ذكر لمثل هذه المصطلحات في الشعر الشعبي أو النبطي، وهو جزء من الوثائق التاريخية غير المادية، أي غير المدونة. ومن نصوصها ما قاله راكان بن حثلين أمير العجمان: "من شاعر في حامض العلم باراك/ والراس لك في كل حال فداوي". ومما تُعلمنا به هذه الوثائق أنّ ثمة اختلافات حتى فيما تشير إليه تسمي "الخادم": فهناك فروق بين "خادم
الشيوخ" و"خادم المنزل"، وغيرهما. وحتى الوثائق البريطانية قد تطرقت إلى مثل هذه المصطلحات، وخصوصًا فيما يتعلق بجانبها
العسكري. يُنظر على سبيل المثال تقرير عسكري عن الخليج، وفيه ذكر للفداوية، باعتبارهم جزءًا من الجيش: "تقرير عسكري عن
شواطئ الجزيرة العربية المطلة على الخليج الفارسي، البحرين، الأحساء، قطر، عُمان المتصالحة وعُمان"، مكتبة قطر الوطنية،
شوهد في 2026/1/6، في: https://acr.ps/1L9F2k9
(8((النقيب، صراع القبيلة والديموقراطية، ص.56 ((9(المرجع نفسه، ص.55
حقيقة الأمر، مهنة موسمية وفيها مكسب مُجزٍ ولا تحتاج إلى مهارات كبيرة، وهي في الوقت ذاته عصب اقتصاد تلك الفترة. لذلك، يُشارك فيها الكثيرون. ومن الواضح أنّ ثمة فارقًا بين أن تكون مهنة ما موسمية لمن يقوم بها بحيث يتفرغ لممارسة مهن أخرى في أوقات أخرى من السنة، وأن تكون عابرة بحيث لا تستقر الفئة المهنية الاجتماعية التي تمتهنها. وبحسب سيف مرزوق الشملان، "كثير من أهل البادية في الكويت وغيرها من بوادي جزيرة العرب كانوا يعملون في الغوص على اللؤلؤ. وكانت الغالبية العظمى من البدو من الغاصة أي حوالي 90 % من المجموع العام كلهم غاصة". وقد قلل النقيب، على الرغم من انتباهه للكثير من المعطيات الخاصة بالغواصة، بأثر من اعتماده الكلي تقريبًا على التصنيف الاقتصادي، من استيعابه لمتغيرات أخرى كانت ستوسع التصنيف الطبقي. وقد يكون السبب في ذلك أنه، في كتاب صراع القبيلة والديموقراطية، اعتمد حصريًا على مراجع منشورة حديثة (في وقت كتابته) باللغتين العربية والإنكليزية، بدلًا من العودة إلى الوثائق الأسرية والتاريخ الشفهي، لا سيّما المُسجل منه، على وفرته في تلك الفترة، مثل برنامج صفحات من تاريخ الكويت. ليست هذه الفروق هينة، بل لها أثر كبير في التركيبة الطبقية للمجتمع وآثارها السياسية. فقد كان الفداوية في الغالب من البدو وبعضهم من الحضر والعبيد، وباعتبارهم من الحراس الشخصيين، فإن أثرهم بالغ في دعم سلطة الحاكم والتأثير في التطوّر السياسي والاجتماعي في الكويت والخليج. وقد كان النقيب يعي ذلك، حيث ذكر "إن مؤسسة الحكم (الأسر الحاكمة) في الموانئ والمدن كانت تقف دائمًا في مواجهة تنظيمات التجار والحرفيين والباعة والغواصين والبحارة [...] مستمدة القوة من الميليشيات القبلية (والمقاتلة كالفداوية وغيرها) ومن انتمائها القبلي". لو كان اعتماد النقيب على الوثائق التاريخية وعلى عمل المؤرخين مختلفًا عما كان عليه، فما كان له أن يقف عند التصنيفات الطبقية كما قدمها بوصفها نتاج منهجية سوسيولوجية تركز على لحظة تشكّل الدولة الحديثة؛ بل كان سيعيد مساءلتها بوصفها نتاجًا تاريخيًا طويل المدى. فالتصنيفات الطبقية التي
وضعها، بدءًا بالتجار وصولًا إلى الخدم، لم تراعِالمسار التاريخي الاجتماعي الذي أنتج تراتبها، وحدد موقع كل فئة في منظومة الامتيازات الرمزية غير المرتبطة بالاقتصاد بوصفه "آلية" تصنيف. وفي وجه آخر من المناقشة مع النقيب، يمكننا عدّ اختزال صلة القرابة في وظيفتها الاقتصادية وفي طبقة التجار على وجه التحديد، من دون النظر إلى أثرها في تسهيل الحراك النازل أو الصاعد، وصولًا إلى استثناء الطبقات الدنيا منه، إفراغًا للتحليل الطبقي من أبعاده البنيوية، وكأن الطبقة معطى اقتصادي محض.
(9((سيف مرزوق الشملان، تاريخ الغوص على اللؤلؤ في الكويت والخليج العربي، ج 1 (الكويت: ذات السلاسل، 1986)،
ص 379؛ وقد انتبه النقيب لهذا النص وذكره في: النقيب، صراع القبيلة والديموقراطية، ص.55 (9((ينظر على سبيل المثال: النقيب، صراع القبيلة والديموقراطية، الفصل الثالث، هامش.17–15 (9((النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، ص.39 (9((النقيب، صراع القبيلة والديموقراطية، ص.54
ج. إغفال ذكر بعض الفئات الاجتماعية
تُغفل تحليلات النقيب ونموذجه للتحليل الطبقي حضور فئات اجتماعية فاعلة، وتعرّف إمّا على
أساس مواطن سكناها مثل البدو وأبناء القرى، أو على أساس طبيعة أعمالها مثل العمال الموسميين والعبيد، أو على أساس أصولها "القومية" أو "الإثنية" مثل العجم، أو على أساس انتماءاتها المذهبية كلما كانت مؤثرة في مواقعها الفئوية والطبقية مثل الشيعة. إنّ إخراج هذه الفئات من التصنيف، يُنتج قراءة مبتورة للواقع الاجتماعي، ويعيد إنتاج الإقصاء ذاته الذي مارسته الدولة الوطنية المعاصرة في خطابها التاريخي، والذي يؤصل لفكرة قوى مركزية صوتها وحيد في صناعة الرواية التاريخية الرسمية، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالتاريخ البحري لدول الخليج العربي. وفي الوقت الذي يُفترض فيه أن يُسهم هذا التحليل السوسيولوجي في تفكيك هذه السرديات الرسمية، نجد أنّ النقيب، في بعض مواضع تحليله، قد وقع في إعادة إنتاجها عبر استبعاده لفئات ظلّت تؤدي أدوارًا اقتصادية واجتماعية محورية في المجتمع. على المؤرخ أنّ لا يكتفي من موقعه النقدي بتكرار التصنيفات الجاهزة، بل عليه إعادة قراءة البُنى الاجتماعية من أسفل، مستدعيًا الوثيقة التاريخية،
مثل: سجلات الزواج ومحكمة السالفة (محكمة الغوص)، ودفاتر الديون، وكذلك من مقابلات البحارة أنفسهم، الموجودة والمسجلة في الكويت منذ بدايات استقلال الدولة، للكشف عمّا أغفلته النماذج النظرية الكبرى. على خلاف ما قام به النقيب، يتعامل المؤرخ، في المعنى الحق لاحترام المقتضيات المنهجية لحرفته، وفق ما تفيده به الأدوات التي عليه أن يوفرها من تاريخ شفهي، ووثيقة، وشعر شعبي، وغير ذلك، مع الانتباه عند تحليل ما يجده فيها من معلومات إلى أبعادها الاجتماعية التي تحيل على النسب، بآليّتيه من توالد ومصاهرة، بوصفه من آليات إعادة إنتاج لا الثروة ولا الجاه فحسب، بل كذلك السلطة
الاجتماعية، بما يجعله مؤثرًا في الطبقية الاجتماعية من ضمن مؤثرات أخرى. ومن ثَمّ يمكن أن
يفكك المؤرخ "الأصالة" النسبية والعرقية في هذه الحالة لا بوصفها صفة طبيعية، بل بوصفها أداة هيمنة رمزية تضع معايير الانتماء الطبقي وتفرضها، مُعيدةً إنتاجها جيلًا بعد جيل. يُبرز هنا المؤرخ العلاقة المعقدة بين العمل والمكانة، ويُظهر أنّ الطبقة لا تُحَدَّد فقط من خلال الوظيفة أو الثروة، بل تُبنى كذلك عبر سياقات أوسع تشمل الانتماء العرقي، والنسَب، والهوية الثقافية والدينية. وكل هذه العناصر التي تُعدّ مركزية في تشكّل الطبقات في مجتمعات الخليج، ظلت هامشية أو مغيّبة في نموذج النقيب التحليلي الذي ركّز بدرجة أساسية على الاقتصاد بوصفه المحِّدِد شبه
((9(أتفهّم صعوبة الحصول على هذه المصادر، حتى في وقتنا الحالي، لكن السعي في طلبها ومحاولة إعادة قراءتها أمر ضروري.
وما قد ييسر الأمر أنّ بعض هذه المصادر مثل السجلات والمخطوطات التي كانت "مختفية" أو "مخفية"، ظهرت في بدايات القرن
الحادي والعشرين، وصارت متوافرة عبر الإنترنت أو في صيغة كتب مطبوعة. ينظر ماثلًا: محاضر اجتماعات مجلس 1938، في:
عادل العبد المغني، يوميات مجلس الأمة التشريعي الأول (الكويت: [د. ن].، 2020)؛ مع الإشارة إلى أنّ العبد المغني قد أزال بعض
الأسماء من المحاضر، وكذلك بعض المخطوطات المتعلقة بنقد الوهابية مثل الصواعق الرعود. ينظر: عبد الله بن داود الزبيري
الحنبلي، رد العلامة ابن داود على الوهابية المسمى بالصواعق والرعود، تحقيق عبد الله راشد المضري (بلفاست: مكتبة الجابي،
الوحيد للانتماء الطبقي، متجاهلًا التفاعلات الاجتماعية الرمزية التي تعيد إنتاج التفاوت الطبقي بمعايير تتجاوز المعيار الاقتصادي الِّصِرف.
خاتمة
انطلقت هذه الدراسة من الحاجة إلى التوفيق بين كتابة التاريخ من منظور سوسيولوجي، وتدوين
التاريخ الاجتماعي في الخليج والجزيرة العربية على نحوٍ نقدي. في هذا السياق، خلصت الدراسة في تتبعها لتوظيف النقيب للتاريخ إلى أنّ استدعاءه للمادة التاريخية لا يعمل بوصفه اشتغ لًا تاريخيًا
في ذاته، بل بوصفه دعامة تفسيرية ضمن بناء نظري. كما يتبين أنّ هذا التوظيف تشكّل في مواضع عبر عمليات التحقيب التي قام بها النقيب وغلب عليها المنظور الاقتصادي وكذلك في التحليل الطبقي. ومن ثمّ، فهذا المشروع وإن أغنى حقل دراسات الخليج والجزيرة العربية، فإنه يبقى في حاجة إلى إحكام أدوات القراءة التاريخية للسياقات التاريخية التي ناقشها، وهو دور يلُام عليه المؤرخ المشتغل بالتاريخ الخليجي أيضًا لعدم قيامه بدوره. تأسيسًا على هذا الاستنتاج وغيره مما تقدم في التحليل، يمكن القول إنّ تجربة النقيب في الاستناد إلى مُنجز الكتابة في الكويت خاصةً، وفي الخليج عامةً، من أجل تحقيق مشروعه في علم الاجتماع، تكشف تقصير المؤرخين في أداء دورهم المعرفي بسبب قلة فهمهم التخصصات الأخرى التي تعمل في دراسات الخليج على وجه الخصوص، وبسبب بعدهم عن المصادر التاريخية كالوثائق الأسرية والمحلية غير المطبوعة والتاريخ الشفهي والمخطوطات. كما تُظهر تجربة النقيب إشكالية الكتابة في دراسة المجتمعات الخليجية من موقع مزدوج، حين يضطر عالم الاجتماع إلى ارتداء عباءة المؤرخ، ويدعو هذا إلى الانتباه إلى ما يضطلع به الأول. فعلى الرغم من أنّ هذا التداخل أسهم في إثراء حقل دراسات الخليج والجزيرة العربية، كما بادر إلى الدعوة إليه النقيب ومارس بعض وجوهه، أدى غياب الأدوات التاريخية الدقيقة في عمله، واعتماده على مصادر، ثانوية أحيانًا، ومن دون مساءلة سياقها وحدودها، في بعض الأحيان إلى تعميمات أو إسقاطات بنيوية لم تُراع خصوصية التحولات التاريخية التي شهدتها المجتمعات الخليجية عامة، والمجتمع الكويتي خاصة.
((9(ربما يكون النقيب في هذا الجزء قد لخّص الجزء المتعلق بالتقسيمات الطبقية في أطروحته للدكتوراه غير المنشورة، والذي
يؤكد الشكوك في أنّ النقيب أوكل إلى شخص غير مختص مهمة الترجمة الأمر الذي أدى إلى عدم وضوح أفكاره وإلى الأخطاء
الإملائية التي لا يرتكبها شخص متخصص، وابن للمنطقة مثل خلدون النقيب. من ذلك ماثلًا كلمات مثل "نوخيثا" ويقصد بها نوخذة
أو "غالاتا" أي قلاطة، وهي ضريبة يأخذها الحكام في موانئ الخليج على اللؤلؤ وكذلك صيادو اللؤلؤ "الغايس"؛ أي غواصو اللؤلؤ.
فالنقيب لا يمكن أن تكون منه مثل هذه الأخطاء. ينظر: النقيب، صراع القبيلة والديموقراطية، ص 53؛ من يعود إلى أطروحة دكتوراه النقيب، لا سيّما الفصلين الثاني والثالث، سيجد نقاشًا أعمق لمثل هذه الأفكار من تلك المُضمنة في كتبه باللغة العربية. ومن المهم
إيضاح أنّ هذه الدراسة غير معنية بكل إنتاج النقيب. لذلك، لم أتطرق إلى الأطروحة على جودتها، مع محاولة مناقشة كل ما كتبه
النقيب بالعربية قدر المستطاع. ينظر:
Khaldoun H. Al–Naqeeb, "Changing Patterns of Social Stratification in the Middle East: Kuwait (1950–1970) As A Case Study," PhD. Dissertation, The University of Texas at Austin, Austin, 1975, accessed on 21/6/2025, at: https://acr.ps/1L9F33c
لقد وجد النقيب نفسه أمام غياب موصوف للتاريخ الاجتماعي النقدي لدول الخليج والجزيرة العربية ومجتمعاتها؛ ما دفعه إلى نقد المؤرخين وانتقاد كتابتهم التاريخية، وأن يتولى أدوارهم، فكتب التاريخ من منظور علم الاجتماع، واستند في منجزه في علم الاجتماع إلى التاريخ. وعلى الرغم من نجاحه في إضاءة كثير من الزوايا المعتمة من واقع مجتمعات الخليج وتاريخها، صار منجزه اليوم، وعلى الأخص من ناحية توظيفه للتاريخ، في حاجة إلى إعادة قراءة ومساءلة تاريخية من جهة، وفي علم
الاجتماع من جهةٍ أخرى. وتتأكد ضرورة إعادة القراءة هذه لأن أعمال علماء الاجتماع، مثل أعمال المؤرخين، عن المنطقة، تكثفت وتزايدت منتجاتها، وشهدت أدواتها ومناهجها وطرائق الاشتغال بمصادرها تحولات مهمة، لا بهدف النفي أو الإلغاء، بل من أجل البناء والتوسيع وإعادة الفهم في ضوء إمكانيات ومصادر ونماذج تحليلية أكثر اتساقًا مع سياق المنطقة وتعقيدها. وليس من سياق أكثر مواتاة من هذا للاستجابة للحاجة اليوم إلى الاتجاه نحو بلورة نماذج تحليلية بديلة، تنطلق من الوثيقة، والتاريخ الشفهي، والفئات المُهمّشة، وتوظّف المفاهيم والنماذج التحليلية ونظريات علم الاجتماع في تضافر للتخصصات يعيد النظر في طرائق تحليل الطبقات والبُنى الاجتماعية من أسفل. ومثل هذا التوجه من شأنه أن يُسهم في إنتاج معرفة أكثر عمقًا وتعدديّة، تتجاوز منطق السرديات الرسمية والمركزيات الأكاديمية التي سيطرت طويلًا على الكتابة التاريخية الاجتماعية في الخليج والجزيرة العربية.
المراجع
References
العربية
الأزكوي، سرحان بن سعيد. كشف الغمة: الجامع لأخبار الأمة. ج 2. تحقيق حسن محمد النابودة. بيروت: دار البارودي،.2006 الآلوسي، محمود شكري. تاريخ نجد. القاهرة: [د. ن].،.1924 أمين، سمير. الطبقة والأمة في التاريخ والمرحلة الإمبريالية. بيروت: دار الطليعة،.1980 البسام، عبد الله بن محمد. تحفة المشتاق في أخبار نجد والحجاز والعراق. تحقيق أحمد البسام. الرياض: دارة الملك عبد العزيز،.2015 بن بشر، عثمان بن عبد الله. عنوان المجد في تاريخ نجد. تحقيق عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ. الرياض: دارة الملك عبد العزيز،.1982 بن يوسف، محمد بن عبد الله. تاريخ ابن يوسف. دراسة وتحقيق عويضة بن متيريك الجهني. الرياض: دارة الملك عبد العزيز،.1999
والمعاضيد. تحقيق حسن بن محمد آل ثاني. الدوحة: بدر للنشر،.2001
والتوزيع الترجمة،.2007
والنشر،.1981
والنشر،.2017
الرباط: دار الأمان،.2018 حمزة، فؤاد. قلب جزيرة العرب. القاهرة: المطبعة السلفية،.1933
القوى المختلفة. الرياض: جداول للنشر والترجمة والتوزيع،.2022
تحقيق عبد الله راشد المضري. بلفاست: مكتبة الجابي،.2022
الجزيرة العربية. بيروت: الدار العربية للموسوعات،.2011
السلاسل،.1984
جامعة الكويت،.2024
بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2009 رافق، عبد الكريم. العرب والعثمانيون 1916–1516:. دمشق: مكتبة أطلس،.1974 رستم، أسد. مصطلح التاريخ. وندسور: منشورات هنداوي،.2017 الرشيد، عبد العزيز. تاريخ الكويت. بغداد: المطبعة العصرية،.1926
البنعلي، راشد بن فاضل. مجموع الفضائل في فن النسب وتاريخ القبائل (قبيلة آل بن علي): سُليم
بيرك، بيتر. علم الاجتماع والتاريخ. ترجمة داوود صالح رحمة. دمشق: دار علاء الدين للنشر
الجاسر، حمد. جمهرة أنساب الأسر المتحضرة في نجد. الرياض: دار اليمامة للبحث والترجمة
الجميل، سيّار. تحولات الأزمنة: رؤية عربية للتحقيب التاريخي. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات
حبيدة، محمد. المدارس التاريخية: برلين – السوربون – ستراسبورغ (من المنهج إلى التناهج).
الحميدان، عبد اللطيف بن ناصر. السلطنة الجبرية في اليمامة وبلاد البحرين وعمان والمواجهة مع
الحنبلي، عبد الله بن داود الزبيري. رد العلامة ابن داود على الوهابية المسمى بالصواعق والرعود.
الخالدي، خالد بن عزام بن حمد وإيمان بنت خالد الخالدي. السلطنة الجبرية في نجد وشرق
الخصوصي، بدر الدين. دراسات في تاريخ الخليج العربي الحديث والمعاصر. ط 2. الكويت: ذات
خلدون النقيب: إحياء لدوره الثقافي والعلمي. باقر النجار ويعقوب الكندري (محرران). الكويت:
دوس، فرانسوا. التاريخ المفتت: من الحوليات إلى التاريخ الجديد. ترجمة محمد الطاهر المنصوري.
روجر، أوين [وآخرون]. الحياة الفكرية في المشرق العربي (1890–1939). إعداد مروان بحيري. ترجمة عطا عبد الوهاب. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1983 الزركلي، خير الدين. الأعلام: قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين. ط 15. بيروت: دار العلم ملايين،.2002 السالمي، نور الدين. تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان. السيب: مكتبة الإمام نور الدين السالمي،.2000 السيابي، سالم بن حمود. إسعاف الأعيان في أنساب أهل عمان. [د. م.]: منشورات الكتب الإسلامي،
_________. عُمان عبر التاريخ. مسقط: وزارة التراث والثقافة،.2001 الشملان، سيف مرزوق. تاريخ الغوص على اللؤلؤ في الكويت والخليج العربي. الكويت: ذات السلاسل،.1986 التأريخ العربي وتاريخ العرب: كيف كُتب وكيف يُكتب؟ (الإجابات الممكنة). إعداد وتنسيق وجيه كوثراني. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 العبد المغني، عادل. يوميات مجلس الأمة التشريعي الأول. الكويت: [د. ن].،.2020 العروي، عبد الله. مجمل تاريخ المغرب. ط 5. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.1996 _________. مفهوم التاريخ: 1– الألفاظ والمذاهب 2 – المفاهيم والأصول. ط.4 الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2005 الفاخري، محمد بن عمر. تاريخ الفاخري. تحقيق عبد الله بن يوسف الشبل. الرياض: دارة الملك عبد العزيز،.1999 الفراع، عز الدين. "الدولة التسلطية في المجتمعات العربية بين خلدون النقيب وعبد الله حمّودي:
مساهمة مشرقية–مغربية في النظرية الاجتماعية النقدية". عمران. مج 11، العدد 34 (صيف.)2022 القاسمي، سلطان بن محمد. تاريخ اليعاربة في عُمان 1623 م 1747– م. الشارقة: منشورات القاسمي،
كار، إدوارد. ما هو التاريخ؟ ترجمة ماهر كيالي وبيار عقل. ط 3. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.1986 كوثراني، وجيه. تاريخ التأريخ: اتجاهات، مدارس، مناهج. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012
لوغوف، جاك. التاريخ الجديد. ترجمة محمد الطاهر المنصوري. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2007 _________. هل يجب حقًا تقطيع التاريخ شرائح؟ ترجمة الهادي التيمومي. المنامة: هيئة البحرين للثقافة والآثار،.2018 المسكري، سيف بن عدي. الإمامة والصراع على السلطة في عُمان أواخر دولة اليعاربة: 1131 ه 1719/م – 1162 ه/ 1749 م (دراسة في التاريخ السياسي). مسقط: دار الغشام للنشر والترجمة،
النقيب، خلدون حسن. صراع القبيلة والديموقراطية: حالة الكويت. بيروت: دار الساقي،.1996 _______. في البدء كان الصراع! جدل الدين والإثنية، الأمة والطبقة، عند العرب. بيروت: دار الساقي،.1997 _______. آراء في فقه التخلف: العرب والغرب في عصر العولمة. بيروت: دار الساقي،.2002 _______. الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر: دراسة بنائية مقارنة. ط 3. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2004.]1991[_______. المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية (من منظور مختلف). ط 3. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008.]1987[هيئة التحرير. "التحقيب في التاريخ العربي الإسلامي". أسطور. مج 2، العدد 3 (كانون الثاني/ يناير
الوقيان، خليفة. الثقافة في الكويت: بواكير – اتجاهات – ريادات. ط.6 الكويت: [خليفة الوقيان]،
وولف، إريك. أوروبا ومن لا تاريخ لهم. ترجمة فاضل جتكر. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،
الأجنبية
Alebrahim, Abdulrahman. Kuwait’s Politics Before Independence: The Role of the Balancing Powers. Berlin: Gerlach Press, 2019. Al–Freih, Mohamed A. "The Historical Background of the Emergence of Muhammad ibn’Abd al–Wahhab and his Movement." Phd. Dissertation. University of California. Los Angeles, 1990.
Al–Naqeeb, Khaldoun H. "Changing Patterns of Social Stratification in the Middle East: Kuwait (1950–1970) As A Case Study," PhD. Dissertation. The University of Texas at Austin. Austin, 1975. at: https://acr.ps/1L9F33c Bourdieu, Pierre & Roger Chartier. The Sociologist and the Historian. David Fernbach (trans.). Cambridge: Polity Press, 2015. Butler, R.D.O. The Roots of National Socialism, 1783–1933. London: Faber & Faber,
Erasga, Dennis (ed.). Sociological landscape: Theories, Realities, and Trends. Rijeka: InTech, 2012. Harrison, Paul W. The Arab at Home. New York: Thomas Y. Crowell, 1924. Juhany, Uwidah Metaireek. "The History of Najd Prior to the Wahhabis: A Study of Social, Political and Religious Conditions in Najd during Three Centuries Preceding the Wahhabi Reform Movement." PhD. Dissertation. University of Washington. Washington, 1983. Kreuzer, Marcus. The Grammar of Time: A Toolbox for Comparative Historical Analysis. Cambridge: Cambridge University Press, 2023. Mutawa, Abdullah M. "The Ulama of Najd from the Sixteenth Century to the Mid– Eighteenth Century." PhD. Dissertation. University of California. Los Angeles, 1989. Setton, Kennth Meyer. Europe and the Levant in the Middle Ages and the Renaissance. London: Variorum Reprints, 1974. Williams, Raymond. Culture and Society, 1780–1950. London: Penguin, 1975. Wolf, Eric R. Europe and the People without History. Berkeley: University of California Press, 1982.