المدرّس في منظور سوسيولوجيات التربية الجديدة
The Teacher in New Sociologies of Education
الملخّص
مثّل ميلاد السوسيولوجيات الجديدة في حقل التربية لحظة إبستيمولوجية فارقة في تاريخ تطوّر مقاربات العلاقة الجدلية بين "المسألة التربوية" و"المسألة الاجتماعية". وفيها مثّلت المدرسة "حجر الزاوية" في تفكيك سؤال التفاوتات الاجتماعية والتعليمية، انطلاقًا من مدخل تنظيم المعرفة المدرسية والتفاعلات الفصلية. وضمن هذا السؤال، جرى تركيز الاهتمام على فئة المدرّسين، باعتبارهم العناصر الفاعلة في أي إصلاح تربوي منشود. وقد نُظر إليهم بوصفهم أساس التغيّر التربوي ومدخل البحث السوسيولوجي الجديد حول المدرسة. تهدف هذا الدراسة إلى بيان بعض جوانب اهتمام سوسيولوجيات التربية الجديدة بالمدرّسين، من خلال تسليط الضوء على مركزية الرهان عليهم في قيادة التغيّر التربوي من جهة، وأهمّية المعرفة السوسيولوجية بهم في تعزيز انعكاسيتهم النقدية، ودفعهم للمشاركة في العمل على تفكيك سيرورة البناء المدرسي للتفاوتات التعليمية، وتحليلها وفهمها من جهة أخرى.
Abstract
Abstract: The emergence of New sociologies in the field of education has marked a significant epistemological turning point in the historical development of approaches to the dialectical relationship between "educational" and "social" matters. Within this framework, schools are central to unpacking social and educational inequalities, particularly with regard to the organization of school knowledge and classroom interactions. A key focus within this inquiry has been on teachers, regarded as active agents in any educational reform. They have come to represent both the foundation of educational change and a primary entry point for New sociological research on schooling. This article explores how New sociologies of education have addressed the role of teachers – highlighting, on the one hand, their centrality in driving educational transformation, and on the other, the value of sociological knowledge about teachers in fostering their critical reflexivity and motivating their engagement in deconstructing, analysing and dismantling the processes through which schooling reproduces educational inequalities.
- المدرّس
- تكوين المدرّسين
- تجربة المدرّسين المهنية
- التغيّر التربوي
- سوسيولوجيا التربية
- Teachers
- Role of Teachers
- Social and Educational Inequality
- Educational Reform
- Sociology of Education
ملخص: مثّل ميلاد السوسيولوجيات الجديدة في حقل التربية لحظة إبستيمولوجية فارقة في
تاريخ تطوّر مقاربات العلاقة الجدلية بين "المسألة التربوية" و"المسألة الاجتماعية". وفيها
مثّلت المدرسة "حجر الزاوية" في تفكيك سؤال التفاوتات الاجتماعية والتعليمية، انطلاقًا من
مدخل تنظيم المعرفة المدرسية والتفاعلات الفصلية. وضمن هذا السؤال، جرى تركيز الاهتمام
على فئة المدرّسين، باعتبارهم العناصر الفاعلة في أي إصلاح تربوي منشود. وقد نُظر إليهم
بوصفهم أساس التغيّر التربوي ومدخل البحث السوسيولوجي الجديد حول المدرسة. تهدف
هذه الدراسة إلى بيان بعض جوانب اهتمام سوسيولوجيات التربية الجديدة بالمدرّسين، من
خلال تسليط الضوء على مركزية الرهان عليهم في قيادة التغيّر التربوي من جهة، وأهمّية المعرفة
السوسيولوجية بهم في تعزيز انعكاسيتهم النقدية، ودفعهم إلى المشاركة في العمل على تفكيك
سيرورة البناء المدرسي للتفاوتات التعليمية، وتحليلها وفهمها من جهة أخرى.
سوسيولوجيا التربية.
Abstract: The emergence of New sociologies in the field of education has marked a significant epistemological turning point in the historical development of approaches to the dialectical relationship between "educational" and "social" matters. Within this framework, schools are central to unpacking social and educational inequalities, particularly with regard to the organization of school knowledge and classroom interactions. A key focus within this inquiry has been on teachers, regarded as active agents in any educational reform. They have come to represent both the foundation of educational change and a primary entry point for New sociological research on schooling. This article explores how New sociologies of education have addressed the role of teachers – highlighting, on the one hand, their centrality in driving educational transformation, and on the other, the value of sociological knowledge about teachers in fostering their critical reflexivity and motivating their engagement in deconstructing, analysing and dismantling the processes through which schooling reproduces educational inequalities.
Assistant Professor of Sociology, Faculty of Sciences of Education, Mohammed V University in Rabat, Morocco. Email: mohammed.elidrissi@fse.um5.ac.ma
مقدمة
اقترن الاهتمام السوسيولوجي بمسألة "التدريس والمدرّسين" بتاريخ تطوّر التفكير السوسيولوجي في المسألة التربوية نفسها. فمنذ ثلاثينيات القرن العشرين، وضمن سياق السوسيولوجيا الأميركية، سُلّط الضوء على الشروط النفسية والاجتماعية لبناء الأدوار في المؤسسة التربوية وتحديدها، والتفاعلات القائمة بينها، وفعل التدريس داخل المؤسسة التربوية ذاتها وما يرتبط به من سلطة تربوية للمدرّس. وقد سمح هذا المنظور التفاعلي برصد الكيفية التي تسهم بموجبها الشروط الاجتماعية والضوابط المهنية المؤطرة لفعل التدريس في "تشويه هويات المدرّسين المهنية والنفسية من خلال تعزيز بناء الذات الزائفة والمنشغلة بالكمال أكثر من التفاعل الإنساني". ومن ذلك قياس مفعول سيرورة المهننة المؤسساتية للفعل التعليمي في إضعاف الطابع الإبداعي والحرفي لفعل التدريس. وفي مستوى آخر، ركّزت السوسيولوجيا المعاصرة للتربية ضمن السياق الفرنسي، خلال ستينيات القرن العشرين وسبعينياته، على تفكيك مختلف الشروط الموضوعية التي تحوّل المدرسة، بفاعليها، إلى مؤسسة لإعادة إنتاج نسق التفاوتات الاجتماعية داخل العالم الرأسمالي. تأسيسًا على ذلك، ومن خلال تحليل المتون السوسيولوجية "الجديدة"، يكمن الهدف الأساس لهذه الدراسة في تسليط الضوء على بعض البردايمات المفقودة ضمن تاريخ تطوّر الممارسة السوسيولوجية في مجال التربية. ننطلق من مفارقة مزدوجة الأبعاد مقترنة باستشكال: أكان مصدر التفاوتات التعليمية مرتبطًا بنسق التفاوتات الطبقية أم بطبيعة التنظيم الاجتماعي للمعرفة المدرسية وتدبير تمفصلات التفاعلات الفصلية من جانب المدرّس؟ ومن ثمّ، فإنّ البحث عما إذا كان استدماج المعرفة السوسيولوجية في تكوين المدرّسيين يسهم في تحسين التجربة المهنية والبيداغوجية والحد من نسق التفاوتات التعليمية بشرط عدم الانحصار في سوسيولوجيات التربية الكلاسيكية والمعاصرة والتعامل التقنوي مع المعرفة السوسيولوجية، تلك التي تحوّل المدرّس نفسه إلى فاعل في الصناعة المدرسية لنسق التفاوتات المتعددة الأبعاد في سياق لبرلة العالم التربوي ورسملته. ويعني هذا التأطير أنّ أسئلتنا، على أساس المراوحة بين المقاربات السوسيولوجية القديمة والجديدة بشأن تجربة المتعلّمين المدرسية وتجربتهم المهنية، تتعلّق بإمكان مفاده إنْ كان استدماج سوسيولوجيا التربية في تكوين المدرّسين لا يحقّق أثرًا في فهم شروط بناء معنى ممارساتهم المهنية وتمفصلاتها فحسب، في
سياق تشكيل معنى الفعل المدرسي عامّة، بل أيضًا في دفع هؤلاء الفاعلين أنفسهم إلى الوعي بأهمّية
(1) Willard Waller, The Sociology of Teaching (New York: J. Wiley & Sons, 1932). (2) Edward F. Pajak, "Willard Waller’s Sociology of Teaching Reconsidered: 'What Does Teaching Do to Teachers?'" American Educational Research Journal , vol. 49, no. 6 (2012), p. 1183. (3) Pierre Bourdieu & Jean–Claude Passeron, La Reproduction: Eléments pour une théorie du système d’enseignement (Paris: Minuit, 1970). (4) Pierre Dandurand & Émile Ollivier, "Les paradigmes perdus: Essai sur la sociologie de l’éducation et son objet," Sociologie et sociétés , vol. 19, no. 2 (Octobre 1987), p. 87.
تفكيك التجارب المدرسية وتحليلها في تجويد التجربة البيداغوجية. أيتعلّق الأمر بسوسيولوجيا جديدة واحدة أم سوسيولوجيات جديدة متعدّدة للتربية؟ وأيّ موقع للمدرّس في منظوراتها؟
أولا: سوسيولوجيا جديدة واحدة أم سوسيولوجيات جديدة متعدّدة للتربية؟
نظرًا إلى تعدد الشروط الموضوعية المركّبة للسجالات النقدية واختلافها، وحتى تعارضها، التي دارت
بين التيارات الجديدة المكوّنة للمعرفة السوسيولوجية بعالم التربية، خلال سبعينيات القرن العشرين
وثمانينياته، والتي عبرت حدود التخصّص أو حتى نطاق الحقل الأكاديمي، فإنه لا يمكن إجمالها ضمن نسق أو تيار أو حتى مدرسة واحدة. لهذا السبب، نستعمل في هذا السياق "سوسيولوجيات التربية الجديدة" (بالجمع) للدلالة على وجود أربعة اتجاهات رئيسة: 1. الدراسات النقدية للمنهاج والتنظيم الاجتماعي للمعرفة المدرسية، 2. الدراسات والبحوث الإثنوغرافية حول العرق والنوع الاجتماعي من منظور دراسات ما بعد الاستعمار والدراسات النسائية والنسوية، 3. الدراسات المقترنة بتعلم اللغات والعلوم،.4 الدراسات المرتبطة بتحليل فاعلية المدرّس وشروط تحسين التجربة المدرسية والتجربة المهنية. سينحصر تركيزنا في هذه الدراسة على التيارَين الأول والرابع (حلقة مثيري المشكلات، وحلقة الإثنوغرافيين)؛ في إحالة إلى الأسس السوسيولوجية لتفكيك تنظيم المعرفة داخل العلبة السوداء (المدرسة) من جهة، والأسس الأنثروبولوجية لاختراق ترسيمات التجربة المدرسية من جهة أخرى. وهدفنا الأساس من إبراز هذا التمايز النسقي، هو محاولة تصويب منطلقَين اثنَين للتفكير الإبستيمولوجي في تاريخ تطوّر بردايمات الممارسة السوسيولوجية حول التربية: 1. تجاوز بعض التحليلات والقراءات التعريفية، الفرنسية أساسًا، التي جعلت من سوسيولوجيات
التربية الجديدة في بريطانيا اتجاهًا واحدًا (أو حتى اتجاهَين اثنين؛ إذا ما نظرنا إلى كتابات بيير بورديو، وجورج لاباساد Georges Lapassade وفيليب فيتال Philippe Vitale في كلّيتها)، منسجمًا ومنظمًا، جاء لنقد الأطر الكلاسيكية للتفكير في التربية وتجاوزها من منظور
مدخل التنشئة الاجتماعية، وكذلك تجاوز محاولات حصر تاريخ التفكير السوسيولوجي
(5) Michael F. D. Young, "Du 'curriculum en tant que construction sociale' à la spécialisation intégrative’: Quelques réflexions sur la sociologie du curriculum au Royaume–Uni (1971–1999)," Revue française de pédagogie , no. 135 (2001), pp. 29–30. (6) Sara Delamont, "Two 'New' Sociologies of Education: A Comment on Heap’sDiscourse in the Production of Classroom Knowledge," Curriculum Inquiry , vol. 16, no. 3 (1986), pp. 327–329. (7) Ibid., p. 327. (8) Jean–Claude Forquin, "La 'nouvelle Sociologie de l’Éducation' En Grande–Bretagne: Orientations, Apports Théoriques, Évolution (1970–1980)," Revue Française de Pédagogie , vol. 63 (1983), pp. 61–79; Claude Trottier, "La 'Nouvelle' sociologie de l’éducation en Grande–Bretagne: Un mouvement de pensée en voie de dissolution?" Revue française de pédagogie , vol. 78 (1987). pp. 5–20.
الأنكلوسكسوني في التربية في مقولات المنهاج والدفاع عن أسبقيته التاريخية في اختراق العلبة السوداء. 2. محاولة تسليط الضوء على بعض البردايمات المفقودة ضمن تأريخ المجال التداولي المغربي، والعربي كذلك، لمسار تطوّر الممارسة السوسيولوجية حول التربية. وبناءً عليه، فإننا نبحث
عن فتح النقاش بخصوص قضايا وإشكالات سوسيولوجيا التربية خارج الأطر "الكلاسيكية والمعاصرة" للنظريات الوظيفية والصراعية، ونتجه نحو تفكيك سيرورة التمدرس والتجربة المدرسية من خلال مدخل سوسيولوجيا المدرسة. ومن ثم، فإن رهاننا يرتكز على محاولة التفكيك النقدي للشروط الإبستيمولوجية المتعلقة بانتقال الممارسة السوسيولوجية في البحث في التربية؛ من اعتماد مدخل التنشئة الاجتماعية نحو اعتماد مدخل التمدرس، بحيث لا نعير أهمّية هذه اللحظة الإبستيمولوجية الجديدة الاهتمام، في إعادة التفكير في الأسس القديمة
للممارسة السوسيولوجية فحسب، بل أيضًا في ربط السوسيولوجيا بالفاعل التربوي من ناحية، وتحّولّات الطلب الاجتماعي والاقتصادي على التربية والمدرسة من ناحية أخرى. وفي حقيقة الأمر، يتأسس اختصارنا لتيارات سوسيولوجيات التربية الجديدة في اتجاهها النقدي الجديد على اقتران نشأتها بالتركيز السوسيولوجي على المنهاج في مغايرة للإرث الفرنسي (الدوركهايمية) وللنهج الأميركي (الوظيفية)، إضافة إلى تقديمها أطرًا تحليلية ونقدية جديدة ومقتربات إصلاحية
تركز أساسًا على إشراك المدرّسين في سيرورة الإصلاح التربوي. وزيادة على ذلك، أبدت
إثنوغرافياتُ الفصول الدراسية فهمَ دينامية التفاعلات المدرسية اهتمامًا واضحًا، من خلال التركيز
على المتعلّم والمدرّس بوصفهما عنصرَين تحليليين من جهة، ومتغيّرَين فاعلين لتفكيك الصناعة
المدرسية للتفاوتات التعليمية من جهة أخرى. ولا يمنع هذا الاختصار الذي نعمد إليه من تسجيل الاختلاف الكبير بين المقاربات النظرية والأسس الإبستيمولوجية والنطاقات الجغرافية والشرعية والأثر والامتداد الأكاديمي بين الاتجاهين؛ بل غياب أي سجال أو حوار إبستيمولوجي بينهما، إبان سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، خارج نطاق القراءات والمراجعات الأميركية والكندية (والفرنسية كذلك) التي خلطت بينهما في عمق تمايزهما وقطائعهما. ارتبط ميلاد سوسيولوجيات التربية الجديدة بشروط موضوعية متعلقة ببريطانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ويمكن تحديد أهمّها في نوعين رئيسَين. أولًا، شروط مجتمعية (سياسية، واقتصادية)،
اقترنت بالرغبة في وضع إصلاحات اقتصادية واجتماعية جذرية. في هذا المستوى، يتعلّق الأمر
(9) Michael F. D. Young, The Curriculum of the Future: From the 'New Sociology of Education ' to a Critical Theory of Learning (Lewes: Falmer Press, 2002 [1998]), p. 38. (10) Peter Woods & Martyn Hammersley (eds.), School Experience: Explorations in the Sociology of Education (New York: St. Martins Press, 1977), pp. 9–10. (11) Delamont, p. 329. (12) Claude Lessard, "La sociologie de l’éducation dans les sciences de l’éducation québécoise," Cahiers de recherche sociologique, no. 64 (Hiver 2018), pp. 48–49.
برغبة الفاعل السياسي والاقتصادي في دمج "الثقافة الثانية" (الإنسانيات) في برامج الإصلاح السياسي والاقتصادي وسياساته؛ لكن ذلك يكون خارج منطق السرديات الكبرى والنظريات النقدية وخطابات التنظير والمنهج. ثانيًا، شروط علمية وإبستيمولوجية، تمثّلت أساسًا في "تطوّر حقل علوم
التربية، سواء في اتجاه الاعتراف بطبيعتها المتعددة الاختصاصات واستدماج التخصّصات المساهمة فيها (السوسيولوجيا)، أو دمجها في نهج موحّد للحقل يقوم على أساس مسائل فاعلية التدريس".
ويفسر الشرط الثاني، جزئيّا، ما جعل سوسيولوجيا المدرسة، فيما بعد، أكثر تآلفًا مع الممارسة العلمية
في حقل علوم التربية من السوسيولوجيا النقدية للتربية، وباعتبار الرغبة في الانتقال من "فهم مدخلات الفعل التعليمي ومخرجاته وتحليلها نحو اختراق العلبة السوداء"، ومن ثم إعادة التفكير النقدي في الأسباب الذاتية والموضوعية التي جعلت المدرسة تفشل في تحقيق المساواة الاجتماعية. ولكن "لا يتعلّق الأمر هنا بتحقيق قطيعة مع السوسيولوجيا القديمة للتربية، بقدر ما يتعلّق ببناء نموذج جديد يستدمج النظري بالإمبريقي"، ويعوّض مدخل التنشئة الاجتماعية والتفاوتات الاجتماعية بمدخل
التمدرس والتفاوتات التعليمية. وتأسيسًا على كل هذه الشروط، بدا جليّا أنّ نهاية السرديات الكبرى
قد أعلنت عن نهاية سوسيولوجيات التربية الكلاسيكية والمعاصرة، بمعنى من المعاني، وربطت اختراق العلبة السوداء بالاهتمام بالمدرّس أولًا، ثم بالمتعلّم ثانيًا – امتدادًا لفعل التدريس الذي أطر
لحظة نشأة سوسيولوجيا التربية في أميركا – وإعادة طرح سجال تغيير العالم أو فهمه بالمشاركة في نقد الإصلاح والمشاركة فيه أو الانخراط في سيرورة الطلب الاجتماعي والطلب السياسي.
1. سوسيولوجيا المعرفة المدرسية
عمل كتاب المعرفة والضبط على جَسر الحلقة الإبستيمولوجية المفقودة بين سوسيولوجيا التربية
الأميركية ونظيرتها الفرنسية. وعلى الرغم من تزامنه مع صدور كتاب إعادة الإنتاج لبورديو وجون كلود باسرون بفرنسا، فقد هدف إلى تجاوز مسار نصف قرن من الممارسة السوسيولوجية من دون مدرسة. ومن خلال المزج بين الماركسية، والفينومينولوجيا، والأنثروبولوجيا المعرفية، جرى إحياء الطابع النقدي للممارسة السوسيولوجية، في اتجاه تفكيك شفرات العلبة السوداء، انطلاقًا من مدخل المنهاج الدراسي. فأسهم هذا النهج المبتكر في إعادة التفكير في الأسس الإبستيمولوجية الكلاسيكية للممارسة السوسيولوجية حول التربية، والبحث عن مداخل وعناصر تحليلية جديدة،
(13) Charles Percy Snow, The Two Cultures and the Scientific Revolution (New York: Cambridge University Press,
(14) Lessard, p. 49. (15) Ibid. (16) Lawrence J. Saha, "The 'New' Sociology of Education and the Study of Learning Environments: Prospects and Problems," Acta Sociologica , vol. 21, no. 1 (1978), p. 47. (17) Michael F. D. Young (ed.), Knowledge and Control: New Directions for the Sociology of Education (London: Collier–Macmillan, 1971). (18) Bourdieu & Passeron. (19) Delamont, p. 328.
أكثر تآلفًا مع شرط نهاية السرديات الكبرى من جهة، وتحّولّات النسقَين السياسي والاقتصادي من
جهة أخرى. ومن ثمّ، بيان مفعول منطقيات السياسات التعليمية، والممارسات التربوية، وتنظيم المعرفة الأكاديمية، في خلق الشروط الذاتية والموضوعية لإنتاج التفاوتات التعليمية من داخل نسق العلبة السوداء. عكست مقولة "التنظيم الاجتماعي للمنهاج الدراسي" الأساس الناظم لتفكيك البناء المدرسي التفاوتات التعليمية. لهذا، تمّ "السعي إلى تحديد دور المناهج الدراسية (الرسمية وغير الرسمية والخفية) وعناصرها الفاعلة في انتقاء/ تصنيف المعارف المنقولة. وكذلك شأن مفعولها في التنشئة الاجتماعية للمتعلّمين وإعادة إنتاج البنية الطبقية للمجتمعات الرأسمالية المتقدمة". وتبرز هذه المعادلة أنّ الأساس الناظم للممارسة النقدية حول المعرفة المدرسية هو دينامية التفاعل بين الفعلَين السياسي والاقتصادي من ناحية، والفعل التربوي من ناحية أخرى. وقد استشعرت "حلقة لندن"، مدفوعةً بالمبدأ الماركسي لدور المعرفة في تغيير العالم، اجتماعًّيًا وأكاديميّا، البدايات الأولى لميلاد
النيوليبرالية وتآلف الإصلاحات السياسية في مجال التعليم مع تحّولّات الفعل الاقتصادي؛ ومن ثمّ،
التفكير الرسمي في شروط ربط الفعل التعليمي بسوق الشغل أكثر من العمل على تجاوز التفاوتات الاجتماعية. وما دامت مدخلات الفعل الاقتصادي ومخرجاته تراهن على بناء اندماج مهني متفاوت، فإن طبيعة المعرفة المدرسية ونوعيتها وشكلها وتنظيمها يُسهم كلّه في هندسة تفاوتات اجتماعية جديدة، من خلال سلطة المعرفة المقدمة نفسها. وعلى هذا، أمكن القول إنّ الحذر، الذي ظهرت وجاهته المنطقية لاحقًا، قد انتقل أيضًا إلى نقد الممارسة السوسيولوجية الكلاسيكية، الأميركية والبريطانية أساسًا، العاملة على التآلف مع قوانين السوق والتدبير العمومي، أكثر من نقد استعمالات المدرسة اقتصاديًا. استندت دراسات المنهاج الدراسي إلى نقد نسق "تدبير المدارس القائم على قوانين السوق"، ومنه، "تجاوز شحن المنهاج الأكاديمي بمفاهيم غير دقيقة للوعي الجمعي أو الحس المشترك أساسًا لمنهاج أكثر عدالة وديمقراطية"، وضمان ترابط المعرفة المدرسية مع الأسس الاجتماعية للعدالة، أكثر من الترابط مع الشروط الموضوعية لاقتصاد السوق التي جعلت التعليم المهني مدخلًا إلى
التفاوتات الاجتماعية منذ حقبة الثورة الصناعية الأولى. وفي هذا السياق، استُثمِرت "منظورات متنوعة راوحت بين التصور الدوركهايمي لرموز المعرفة، والمقاربة الماركسية للمنهاج بوصفه أحد أشكال المعرفة – السلعة، وأفكار ماكس فيبر Max Weber ورايت ميلز Wright Mills، التي ربطت المنهاج بإضفاء الشرعية على أنماط معيّنة من السلطة، والتصوّر الرمزي التفاعلي المطبّق على
مسائل سوسيولوجيا المدرسة، وصولًا إلى البحوث الإثنوميثولوجية التي ألهمت البحث في المعرفة
(20) Lessard, p. 49. (21) Delamont, p. 328. (22) Young, "Du 'curriculum en tant que construction sociale' à la 'spécialisation intégrative'," p. 29. (23) Young, The Curriculum of the Future , p. 36.
المدرسية". وقد مكّن هذا التوليف من الكشف عن الشروط السياسية لفشل التعليم في تحقيق المساواة الاجتماعية والمهنية بين المواقع والحظوظ المتباينة. وضمن هذا المنطق، لم يكن "ظهور مشكلات تعليمية جديدة: التسرّب، وعدم استكمال المسارات الدراسية، والانحراف الأكاديمي،
وعدم التلاؤم مع سوق الشغل"، سوى أثر لمسار من الاستثمار الاقتصادي في المدرسة – بوصفها أشبه بالمعمل منها بجوهر "المدرسة العمومية" – أيْ تكوين المواطن المتآلف مع قوانين سوق الشغل، في ترابط تاريخي مع موجات تطوّر مقولات الرأسمالية: تسليع العمل، والمال، والأرض. تأسس نقد المنهاج على فلسفة موجّهة نحو المستقبل؛ أي التفكير النقدي في الإصلاح والتغيير الاجتماعَّيَين وموقع سوسيولوجيا التربية ضمنه. لذلك، وضمن منطق تطوّر سوسيولوجيا المنهاج
نفسها، في تفاعلها مع استعمالات المعرفة المدرسية داخل نسق تنظيم السلطة، جرى الاهتمام ب "المناهج الدراسية بين التجزئة والوحدة، وبين المناهج المتمحورة حول الماضي وتلك الموجّهة
نحو المستقبل، وبين التخصّصية الانعزالية والتخصصية التكاملية". فعلى أساس الانقسام الحاصل بين التعليم العام والتعليم المهني، ازداد انفصال المعرفة النظرية عن المهارات العملية، وتوطدت علاقة التخصّص بالتغيّرات في المناهج الدراسية والتغيّرات في الاقتصاد. وعلى ذلك، برز – حتى مع
توالي العقود – فشل السياسات التعليمية في تحقيق المساواة في التعليم؛ ليس على مستوى الولوجية فحسب، بل أيضًا ضمن رهان تحقيق النجاح المدرسي والاندماج المهني. وعلى هذا الأساس، كان نقد المنهاج نقدًا لفاعلية النسق السياسي نفسه في تحقيق الإصلاح والتغيير الاجتماعَّيَين، ونقدًا لترابط
المعرفة المدرسية بمنطق تنظيم السلطة داخل المجتمع. يمكن إجمال المنطلقات الإبستيمولوجية واتجاهات سوسيولوجيا المنهاج الجديدة في ثلاثة محددات رئيسة: 1". مسألة التفاوتات التربوية، 2. أولية المنهاج بوصفه موضوعة أساسًا لسوسيولوجيا التربية،
3. تأكيد أنّ المدرّسين والمربين عناصر فاعلة في التغيير التدريجي". وما لم تخرج التفاوتات التعليمية عن الأطر السياسية والاقتصادية والتربوية لتنظيم المعرفة داخل المدرسة، فإن على سلسلة الإصلاحات أن تستدمج أساسًا العناصر الفاعلة في العملية البيداغوجية؛ ونعني بذلك المدرّسين. يظهر من هذا السياق إذًا سبب توجيه كتاب المعرفة والضبطفي الأصل إلى فئة المدرّسين. فقد كان يُقصد أن يكون مدخلًا أكاديميّا، لفهم شروط فشل السياسات العمومية في التعليم من الناحيتين
السياسية والاقتصادية، ووعي الشروط المركّبة للتنظيم الاجتماعي بخصوص المعرفة المدرسية في تحقيق التغيّر التربوي من خلال فئة المدرّسين. وكان واضحًا أنّ دفع المعرفة الأكاديمية النقدية،
(24) Young, "Du 'curriculum en tant que construction sociale' à la 'spécialisation intégrative'," p. 30. (25) Ibid. (26) Karl Polanyi, The Great Transformation (New York: Farrar & Rinehart, 1944). (27) Young, "Du 'curriculum en tant que construction sociale' à la 'spécialisation intégrative'," p. 31. (28) Ibid., pp. 31–32. (29) Young, The Curriculum of the Future , p. 42.
نحو الصدام مع الفاعل السياسي، لن يؤدي سوى إلى نتائج آنية، ضمن نسق قيادة الإصلاح. ومن هذا المنطلق، نُظر إلى المدرّسين، المتحكمين في عملية النقل والأجرأة البيداغوجية والديداكتيكية للمنهاج الدراسي، على أنهم عناصر فاعلة في سلسلة الإصلاحات. ومع ذلك، لم يكن المكان ولا الزمان ولا السياق الاجتماعي في تناسب مع هذه المقولات الفلسفية والسوسيولوجية، في خضم الحرب الباردة من جهة أولى، وتطوّر السياسات النيوليبرالية من جهة ثانية، وطبيعة العالم الأكاديمي البريطاني خلال تلك الحقبة من جهة ثالثة. لهذا، "حاربتها النخب البريطانية المحافظة والليبرالية الجديدة، لا سيما في عهد مارغريت ثاتشر Margaret Thatcher، و"انتقدها بشدة اليسار والنخب الأكاديمية [...] نظرًا إلى افتقارها إلى تحليل سياسي لدور العمل
الأكاديمي في التربية، وتشديدها على دور المنهاج في إدامة التفاوتات وافتقارها إلى بدائل لنقد الأسس الأيديولوجية والثقافية بشأن المنهاج". وعلى الرغم من ذلك، يظل السبب الأساس في عدم رواجها وسيادتها هو عدم استساغة النسقَين السياسي والأكاديمي نظرها إلى المدرّسين، بوصفهم عاملًا فعّلًا في التغيير التربوي، ودفعها الممارسة السوسيولوجية إلى الانخراط الفعلي في نقد الإصلاح السياسي لقطاع التعليم وبنائه.
2. إثنوغرافيا التجربة المدرسية والتفاعلات الفصلية
في خضم هذا الوضع المركّب الذي شهدته سبعينيات القرن العشرين، ظهر اتجاه آخر في سوسيولوجيا التربية. وقد تأسس على فلسفة مبتكرة، وكان له دور كبير في استدماج مقولات جديدة في وضع السياسات العمومية، وفي تكوين المدرّسين أيضًا. تكوّن هذا الاتجاه من مجموعة من الأنثروبولوجيين والسوسيولوجيين الذين اشتغلوا بقضايا "فاعلية المدرسة وشروط تحسينها، وتلقوا دعمًا حكوميّا قويّا، ولكنهم تجنّبوا القضايا النظرية المرتبطة تقليديّا بسوسيولوجيا التربية". وعلى
هذا الأساس، ولدت بدايات سوسيولوجيا التجربة المدرسية الأولى. جسّد كتاب التجربة المدرسية حوارًا إبستيمولوجيّا بين الأسس المنهجية للممارسة الأنثروبولوجية
وطبيعة القضايا والأسئلة التي ينبغي لسوسيولوجيا التربية الجديدة أن تقاربها في سياق تحّولّات العلبة السوداء. بهذا المعنى، اتسمت الأبحاث الأولى بطابع براغماتي هدف إلى فصل الممارسة السوسيولوجية عن رهان تغيير العالم، وإسباغ نزعة إثنوغرافية، تروم وصف ما يحدث داخل الفصول الدراسية، على سوسيولوجيا التربية الجديدة هذه. وقد اعتبر ما يحدث في الفصول متغيّرات جوهرية، لفهم كيفية فشل
المدرسة نفسها في خدمة رهان المساواة في الفرص والحظوظ التعليمة. وبذلك تخلّصت سوسيولوجيا التربية، شيئًا فشيئًا، من حسّها النقدي، لمصلحة بناء موقع لها ضمن منطق السوق العلمية الجديدة.
(30) Lessard, p. 49. (31) Young, The Curriculum of the Future , pp. 40–45. (32) Young, "Du 'curriculum en tant que construction sociale' à la 'spécialisation intégrative'," p. 30. (33) Woods & Hammersley.
شكّلت التفاعلات الفصلية مدخلًا لكشف دور المفاعيل المدرسية (مفعول المدرّس، ومفعول المتعلّم، ومفعول المؤسسة... إلخ) في هندسة النجاح المدرسي؛ بعيدًا عن منطق تحليل الفرص التفاضلية المتعلقة بنجاح الطبقات الاجتماعية تربوًّيًا [...]، مقابل المزيد من الاقتراب من التجربة
المدرسية للمتعلّم والمدرّس. ويرجع الاهتمام بالتفاعلات الفصلية إلى أنّ تاريخ تطوّر الممارسة
السوسيولوجية حول التربية قد ظلّ بعيدًا عن التجربة المدرسية من جهة، وأكثر اقترانًا بالشروط السياسية لإنتاج الفعل التعليمي من جهة أخرى. ومن ثمّ، جوانب الفاعلين اليومية وتجاربهم، ومنطقياتهم، وتمّثلّاتهم، وممارساتهم، خارج نطاق الاهتمام السوسيولوجي لمصلحة المنطق العام لعلوم التربية وعلم النفس. في هذا المستوى، تعلّق أمر التركيز على التفاعلات الفصلية بنقد الشروط السياسية لتطوّر سوسيولوجيا المنهاج، التي ظلّت هي ذاتها بعيدة كل البعد عن "يوميّ" المتعلّمين
والمدرّسين، بوصفهم عناصر فاعلة في التجربة المدرسية، وبعيدة أيضًا عن ربطهم برهانات الإصلاح والتغيير الاجتماعَّيَين، عوضًا عن تفكيك شروط بنائهم للمعنى المدرسي والمهني وفهمها. نُظِر إلى المشتغلين بسوسيولوجيا المنهاج، بوصفهم "صنّاعًا للمشكلات " Problem Makers؛ تبعًا لمقولة مايكل يونغ Michael F. D. Young نفسه، التي نصّت على أنّ على الباحثين أن يصنعوا مشكلاتهم – إشكالياتهم بأنفسهم، لا أن يأخذوا مشكلات المعلمين أو صانعي السياسات التعليمية". بهذا المعنى، أضحى تفكيك المدرسة بحثًا عن الترسيمات الاجتماعية لبناء يوميّ
التجربة المدرسية وتشكيلها، في بعدها التربوي، وليس توريط الفاعلين في المنطق السياسي لرهان تغيير العالم. ففي نهاية المطاف، "لا يمكن فهم الأفعال وتفسيرها من دون البحث في أسبابها، حتى لو كانت هذه الأسباب هي ذاتها قابلة للتفسير من حيث العوامل التي لا يمكن الوصول إليها في وعي الفاعل". بتعبير آخر، أصبح الفاعل عنصرًا تحليليّا ضمن نسق تجربة مدرسية أكثر من كونه عنصرًا
فاعلًا داخل نسق تعليمي. ضمن مثل هذا البحث السوسيولوجي في المدرسة، وفي ما يحدث داخلها، حضرت التفاعلات اليومية بين المدرّس والمتعلّم، والثقافة المدرسية وثقافة المتعلّمين والمدرّسين، والنكتة والفكاهة داخل الفصول الدراسية، وتجربة المدرسة والتجربة المهنية، وغيرها، باعتبارها متغيّرات مبتكرة.
وعلى الرغم من أنها طرحت قضايا تداخل التخصّصات من جهة، والاستناد إلى مقاربات إثنوغرافية مستلهمة من الإرث الأنثروبولوجي الأميركي، فقد فتحت المجال أمام علماء الاجتماع لاكتشاف أشكال وترسيمات وتفاعلات اجتماعية، ظلّت غائبة عن اهتمامهم حتى ذلك الوقت. وقد يسّر ذلك
الاكتشافُ الانتقالَ من مقاربة المدرسة على أنها مؤسسة نحو النظر إليها باعتبارها تنظيمًا لتدبير الفعل الجمعي، وفقًا لرهانات واستعمالات وممارسات فاعلة، تستقبل تفاوتات تعليمية قائمة وتكاد تعيد هندستها في تفاوتات من نوع جديد تبعًا لمنطق تجارب الفاعلين.
(34) Ibid., p. 9. (35) Delamont, p. 328. (36) Woods & Hammersley, p. 10.
تزامن الاهتمام بالفصول الدراسية في بريطانيا مع تطوّر إصلاحات بيداغوجية شملت نظام التقويم الذي كان مستخدمًا خلال ستينيات القرن العشرين وسبعينياته. وعلى عكس حلقة صنّاع المشكلات، وجد الإثنوغرافيون أنفسهم أكثر اهتمامًا بالشروط الذاتية والموضوعية لتلقي الفاعلين واستدماجهم في هذه الإصلاحات على المستوى البيداغوجي، ضمن نسق مهننة القطاع. إضافة إلى ذلك، بدا واضحًا أنّ قياس فاعلية العلاقة بين وضع الإصلاحات التربوية وممارسات الفاعلين وتحليلها لا يمكن أن يتَّمَا، إلا من خلال "الملاحظة المباشرة لوقائع الفصل الدراسي، والبحث عن اختلافات وانقطاعات حقيقية في العملية التعليمية على مستوى التفاعل بين المتعلّم والمدرّس". ووفقًا لهذا المعنى، اقترنت شرعية الممارسة السوسيولوجية الجديدة، سياسًّيًا واقتصادًّيًا، بالنسبة إلى الفصول الدراسية، بتخفيف الحدة النقدية، واتخاذ موقف "إيجابي" من سلسلة عمليات مهننة قطاع التعليم في سياق الشرط النيوليبرالي. من منظور مقارن، ثمة اختلاف واضح في الأسس الإبستيمولوجية للممارسة السوسيولوجية حول التربية بين تيار سوسيولوجيا المنهاج، الذي أفل بريقه قبل أن ينطلق لشروط سياسية مقترنة بنسق الممارسة النقدية التي تبناها، وتيار سوسيولوجيا التفاعلات الفصلية الذي استفاد من "تجربة صنّاع المشكلات" ليعلن عن انطلاقة جديدة لسوسيولوجيا التربية في اتجاه الارتهان بالأسس المنهجية والنظرية للتجربة المدرسية. ومع ذلك، شكّلت كٌّلٌ من السوسيولوجيتين لحظة تاريخية مهمّة ضمن مسار تطوّر – ارتباط سوسيولوجيا التربية بقضايا المدرسة والتمدرس. وأسهمت النقاشات التي أثارتاها من جهة في إعادة الاعتبار للممارسة السوسيولوجية ضمن نسق إنتاج المعرفة، ودفعتا في اتجاه استدماجها ضمن برامج تكوين المدرّسين من جهة أخرى. ولكنّ النتيجة الأهمّ التي تولّدت من ظهورهما وتطوّرهما هي حدوث لحظة سوسيولوجية فريدة، تمّ فيها فتح المجال أمام المدرّسين للمشاركة، من خلال قيادة التغييرَين الاجتماعي والتربوي، أو تفكيك فصولهم الدراسية وفهم ما يحدث فيها، في سلسلة عمليات إصلاح/ تفكيك المدرسة التي طالما ظلّوا مبعَدين عنها، تحت ثقل حتموية النظريات الشمولية التي جعلتهم "فاعلين من دون فعل". وعلى المنوال نفسه للعنوان الفرعي لكتاب المعرفة والضبط، "اتجاهات جديدة لأجل سوسيولوجيا التربية" New Directions for the Sociology of Education، تعلّق الأمر ب "بيانات" ظلّت طموحة في تسطير أجنداتها وتحديد أدوارها المستقبلية، وعزّزت الثقة بسلطة سوسيولوجيا التربية، وهدفها واتجاهها نحو كسر البردايمات التقليدية.
(37) Rob Walker, "The Sociology of Education and Life in School Classrooms," International Review of Education / Internationale Zeitschrift Für Erziehungswissenschaft /Revue Internationale de l’Education , vol. 18, no. 1 (1972), p. 37. (38) Ibid. (39) Woods & Hammersley, p. 24. (40) Julie McLeod, "The 'New Sociology of Education', Then and Now: Looking Back to the 1970s and ahead to Today," Curric u lum Perspectives , vol. 43 (2023), p. 185.
ثانيًا: المدرّس في منظور سوسيولوجيات التربية الجديدة
1. المدرّس والتغيّر التربوي
دافعت المقاربات النقدية للمنهاج عن أهمّية بناء التكوين النقدي للمدرّسين في تعزيز فرصة نقل معرفةٍ متكافئة، أو ضمان عدم تعزيز المنهاج للتفاوتات الاجتماعية. لذلك، قامت دعوتها على استدماج سوسيولوجيا التربية، لا على أنها تخصّص ثانوي لحلّ المشكلات الاجتماعية داخل المدارس، وإنما باعتبارها فلسفة في التفكير النقدي في رهانات المعرفة المدرسية، وجدواها واستعمالاتها في سياق نسق بناء التفاوتات الطبقية. في هذا المستوى، كان الرهان مزدوج الأبعاد، إبستيمولوجيّا وتربويّا؛
حيث هدف إلى تخليص حضور السوسيولوجيا داخل مؤسسات التكوين من الحمولات التدخّلية لعلوم التربية من جهة، واستدماج الفهم والتحليل الاجتماعَّيَين في التعامل مع النسق البيداغوجي من
جهة أخرى. ومع ذلك، وُصمت هذه المقاربات بأنها منحازة إلى أفراد الفئات المهمّشة، وحاملة لهم التغيير على حساب الإصلاح. علاوةً على هذا، قيل "إنّ المدرّسين الذين يلجون المدارس، وروح 'المعرفة والضبط' تجري في عروقهم، يظلّون على استعداد دائم ل 'تهدئة الشباب البريطانيين إلى حين قدوم تروتسكي"!'. في حقيقة الأمر، أقحم المدرّسون في جدل التغيّر التربوي، بحثًا عن رهان الشرعية الاجتماعية بين
المهنيين، لا عن الشرعية الأكاديمية للمعرفة السوسيولوجية الجديدة. وقُدّم كتاب المعرفة والضبط على أنه "إنجيل جديد" للمدرّسين، في مواجهة "شيطان" المنهاج الذي حوّلهم إلى مساهمين مباشرين في إنتاج التفاوتات الاجتماعية وتعزيزها ولعنتها، تبعًا لنسق ممارساتهم المهنية. بطبيعة الحال، وفيما وراء رهان تعزيز حضور المعرفة السوسيولوجية، ضمن نسق تكوين المهنيين وممارستهم، شكّل هذا النهج وسيلة أوّلية لتفادي المواجهة المباشرة مع الفاعل السياسي، ضمن معسكر غربي يتصيّد النزعات الماركسية داخل العالمَين الأكاديمي والاجتماعي، على أنها تهديد لهوية البلد من
الناحيتَين الاقتصادية والجيوسياسية. يمكن القول إنّ الفلسفة النقدية، التي قامت عليها سوسيولوجيا المنهاج، قد تأسست على رهان تعزيز التفكير في القضايا البيداغوجية والسياسات التعليمية والمعرفة المدرسية، بوصفها بناءات اجتماعية، غير منفصلة عن منطق بناء الهيمنة بالضرورة، وليست بناءات بيداغوجية خالصة. بهذا الفهم، تصبح
الممارسة السوسيولوجية في مواجهةٍ مباشرة مع النسق السياسي القائم. وبدلًا من أن تُؤِسِّس لنهج مستعرض، يستدمج السوسيولوجيات الجديدة في فهم البناء الاجتماعي لنسق التفاوتات التعليمية وتفكيكها، من خلال تنظيم المعرفة المدرسية، استشعر "خطرها" على فلسفة مشروع الإصلاح نفسه جميع الفاعلين ببريطانيا (باعتراف يونغ نفسه لاحقًا). وعلى هذا الأساس، لم تفشل الفلسفة
(41) Young, The Curriculum of the Future , p. 41. (42) Ibid., pp. 40–41. (43) Ibid., pp. 41–43.
الجديدة لسوسيولوجيا التربية في بناء شرعيّتها السياسية والأكاديمية، وإنما وجدت نفسها تخوض في
مسار طويل من العداء السياسي ترجم منذ ثمانينيات القرن العشرين في صيغة معارضة الحكومات المتعاقبة لإدماجها في برامج تكوين المدرّسين، وإضعاف الممارسة السوسيولوجية النقدية وتفكيك تجربة الباحثين السوسيولوجية.
2. تجربة المدرّس المهنية وسؤال التفاوتات التعليمية
من خلال العودة إلى الوجه الثاني لتطوّر سوسيولوجيات التربية الجديدة مع تيار الإثنوغرافيين، نجد الوضع مختلفًا. لم تتّخذ المقاربات الإثنوغرافية للتجربة المدرسية أي موقف نقدي من الشرط الموضوعي المتعلق بتطوّر سوسيولوجيا التربية ببريطانيا من جهة، وموقعها ضمن برامج تكوين المدرّسين من جهة أخرى. لقد كان القائمون عليها يبحثون أساسًا عن تجذير التمايز بين أبحاث التجربة
المدرسية وأبحاث سوسيولوجيا المنهاج، التي نُظر إليها على أنها "استندت على نحوٍ فضفاض إلى أبحاث ومقابلات مع المدرّسين في الفصول الدراسية، وانحصر الجزء الأكبر من أبحاثها في المنهاج الدراسي". بهذا المعنى، لم يحضر المدرّسون على أنهم غاية "صانعي المشكلات" وهدفهم، بقدر ما جرى التعامل معهم على أنهم وسيلة لتصريف موقفهم الأكاديمي من الاستعمالات السياسية والاجتماعية للمعرفة المدرسية. وقد استند ذلك الموقف ذاته إلى "فرضيتَين اثنتين. أولًا، يرتبط انتقاء المعرفة وتنظيمها داخل النظام التعليمي ارتباطًا وثيقًا بالطريقة التي يجري بها توزيع السلطة في المجتمع. ثانيًا، تُحاول مجموعات مختلفة ذات مصالح متباينة، أو في حالات تنافس أو صراع، التأثير
في محتوى التعليم وضمان أن يسود مفهومها للتعليم والمناهج الدراسية". لهذا، على الرغم من اهتمام سوسيولوجيا تجربة المدرّس المهنية برهان فتح العلبة السوداء، فقد ظلّت تبحث عن تحليلات وتفسيرات من خارج المدرسة لقضايا التفاوتات واللامساواة في التحصيل والنجاح الدراسيَين بين
المتعلّمين. بل علاوة على ذلك، ومن منظور فاعليّتهم في تحقيق التغيّر التربوي، لم يُهتمّ بإسهام
عقلانيات المدرّسين أنفسهم، وممارساتهم ومنطقيات فعلهم في إدامة النسق المدرسي للتفاوتات التعليمية. لقد تشكّلت إثنوغرافيا المدرسة أساسًا، بتعبير روّادها، لتجاوز الصورنة الرياضية والجهاز المفهومي العلمي المتخصّص، وللتركيز على دراسة الوحدات الميكروسكوبية، القابلة للملاحظة، والتناول بمقاربة وصفية وهرمنيوطيقية. ومع ذلك، لا بد من الإشارة إلى أنّ السياق السياسي لميلاد إثنوغرافيات التفاعلات الفصلية ببريطانيا قد اقترن بأفول سوسيولوجيا المنهاج خلال نهاية سبعينيات
(44) Ibid., p. 39. (45) Delamont, p. 328. (46) Claude Trottier & Claude Lessard, "La place de l’enseignement de la sociologie de l’éducation dans les programmes de formation des enseignants au Québec: Etude de cas inspirée d’une sociologie du curriculum," Éducation et Sociétés , vol. 9, no. 1 (2002), p. 54. (47) Peter Woods, Inside Schools: Ethnography in Educational Research (London: Routledge & Kegan Paul, 1986).
القرن العشرين، ومعايشة الرفض والاستبعاد والعداء السياسي والأكاديمي لهذه الموجة الجديدة من الممارسة السوسيولوجية للتربية. لهذا، جرى الرهان على إعادة تصويب النظرة السلبية المكوّنة
حول سوسيولوجيات التربية الجديدة من خلال تخفيف (وحتى التخلي عن) الطابع النقدي لمصلحة البعد التحليلي لإنتاج المعرفة السوسيولوجية. ومن ثمّ، هدفت الأبحاث الأولى إلى الاستفادة من المنهج المتعدد التخصّصات لعلوم التربية، في اتجاه جعل التجربة المدرسية مدخلًا تحليليّا، تلتقي
بموجبه السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا مع علوم التربية عند نقطة منطق الفعل التعليمي داخل الفصول الدراسية، في أفق تجويد الممارسات البيداغوجية. بهذا المعنى، لم تصبح سوسيولوجيات التربية الجديدة جزءًا من الفلسفة العامة لعلوم التربية – في نزعتها التدخّلية – بل تحوّلت إلى جزء من ممارسة
علوم التربية نفسها (مع تطوّر سوسيولوجيا المدرسة). وسواء أتعلّق الأمر بقضايا البحث ومنطلقات
الدراسة أم بالمنهاج والتقنيات البحثية، فقد سجّلت هذه الممارسات السوسيولوجية الجديدة نجاحًا
في تعزيز الشرعية السياسية والاجتماعية لسوسيولوجيا التربية وسوسيولوجيا المدرسة، ضمن برامج تكوين المدرّسين منذ تسعينيات القرن العشرين. ولكنّ ذلك لم يكن إلا وفق نهج تحليلي "يضحّي"
بالطابع النقدي للممارسة السوسيولوجية التي ميّزت اللحظة المعاصرة والمرحلة الجديدة لمصلحة
القبول السياسي والأكاديمي ل "الثقافة الثالثة"، وتعزيز مشاركتها في سلسلة عمليات الإصلاح السياسي والاقتصادي للنسق التعليمي، تبعًا لفلسفة قوانين السوق الجديدة دائمًا. استند تفكيك التجربة المدرسية سوسيولوجًّيًا إلى "اتساقٍبين مناهجها وتقنيات البحث فيها (الملاحظة،
والمقابلات، وسير الحياة) وأساسها النظري [...]؛ ما جعل منطلقات ممارسة الإثنوغرافيين 'هادئة' وممِّكِنة لهم من الازدهار"، مقارنةً بأفول "صنّاع المشكلات" تبعًا للأساس النقدي والنظري لممارستهم السوسيولوجية. بتعبير آخر، مكّن مدخل التجربة المدرسية من الاهتمام بفاعلية المدرّسين داخل النسق التعليمي، من منظور ممارساتهم البيداغوجية والمهنية، وليس على أساس مواقفهم الاجتماعية والسياسية من المعرفة المدرسية. لهذا، يمكن القول إنّ منطق التحليل استهدف "نقد" [في
صورةٍ ناعمة] ممارسات المدرّسين، وبيان مركزيّتها في تحديد الشروط الذاتية والموضوعية لتنظيم نسق التفاوتات التعليمية من داخل الفصول الدراسية. وفي هذا المستوى، تصبح الشرعية الاجتماعية، التي يمكن إسنادها إلى سوسيولوجيا التربية وانتظام الطلب السياسي عليها، أكثر تآلفًا مع رهان "مهننة الممارسات البيداغوجية" بالنسبة إلى المدرّسين. لذلك، استُدمجت مقولات "التجربة المدرسية"، سواء ضمن مسار التكوين الأساس أو التكوين المستمرّ للمدرّسين، باعتبارها إطارًا تحليليّا جديدًا
للردّ على أتباع "ربط تنظيم المعرفة المدرسية برهان الهيمنة" والدفاع عن دور سيرورة المهننة في الحد من التفاوتات التعليمية التي تكون الممارسات المهنية والبيداغوجية للمهنيين مسؤولة عن صناعتها مدرسيّا.
(48) Delamont, pp. 327–329. (49) Jerome Kagan, The Three Cultures: Natural Sciences, Social Sciences and the Humanities in the 21st Century (Cambridge: Cambridge University Press, 2009). (50) Delamont, p. 329.
في مستوى آخر، أسهم هذا النهج التحليلي، المستند إلى شروط الممارسة الأنثروبولوجية والإثنوغرافية، في تعزيز الشرعية التربوية للممارسة السوسيولوجية. فلطالما اقترن النقد السوسيولوجي لعلوم التربية بتآلف البعد التدخلي مع منطلقات مهننة الممارسات التربوية، على حساب تفكيك نسق إنتاج التفاوتات التعليمية، باسم الضوابط البيداغوجية. وفي مقابل ذلك، عوّض نهج التجربة المدرسية منطق التدخّل
بمنطق النقد الجذري؛ أو على الأقل سمح، من خلال إيلاء التحليل الميكروي الأولوية على حساب النقد الماكروي، بتحقيق مصالحة إبستيمولوجية ومنهجية بين سوسيولوجيا التربية وعلوم التربية في اتجاه استدماج المعرفة السوسيولوجية ضمن برامج تكوين المدرّسين. أما المدرّسون، في سياق
نهاية السرديات الكبرى وتراجع الطابع النظري والمنهجي للممارسة السوسيولوجية، فقد وجدوا في الأبحاث السوسيولوجية الجديدة فرصة للتعبير عن "ذواتهم المهنية والتربوية"، من داخل فصولهم الدراسية. وإضافة إلى ذلك، انتقل إقبالهم على دورات سوسيولوجيا التربية وبرامجها، مدفوعين برهان البحث عن حلول تدخّلية لمشكلات الفصول الدراسية، من منطق "النضال لتغيير العالم التربوي" (سوسيولوجيا المنهاج) نحو أولوية فهم دينامية تنظيم الفصول الدراسية وفهمها والتعبير عن تجاربهم والبحث عن حلول تدخّلية للمشكلات التربوية (الممارسات الإثنوغرافية الجديدة). ومع ذلك، ومع "تضخّم" البحوث المتعلقة بالتفاعلات الفصلية والمفاعيل المدرسية، قُِّدِم "تحليل ينزع معظم المبرّرات التقليدية لأنشطة المدرّسين، ويعرض الظروف التقييدية للفصول الدراسية، ويقدّم
روايات عن عدم تماسك المدرّسين وهيمنتهم وتحيّزهم في علاقاتهم مع المتعلّمين؛ الأمر الذي من
المرجّح أن يجعلهم يرفضون هذا التحليل أو لا يستسيغون شعورًا بالذنب، غير مريح، بسبب الضرر
الذي يلحقونه بالأطفال، أو التقليل من قيمتهم".
3. ما الذي قدمته سوسيولوجيات التربية الجديدة للمدرّس؟
يمكن، بطبيعة الحال، تقديم جواب مباشر عن هذا السؤال بالقول إنّ الممارسات السوسيولوجية الجديدة قد جعلت المدرّس في قلب الاهتمام العلمي والاجتماعي، بعد أن كان مهَّمَشًا ضمن نسق
سوسيولوجيات التربية الكلاسيكية والمعاصرة؛ تلك التي ظلّت في جوهرها سوسيولوجيات من دون مدرسة بفاعليها المختلفين. ومن خلال استحضار الشروط السياسية والاقتصادية لثمانينيات القرن العشرين، وصولًا إلى اليوم، يمكن تقديم إجابة أكثر تركيبًا بالقول إنها "شدّدت على كرامة المدرّسين
وأهمّيتهم في تحقيق الرقي الإنساني، وقدّمت أسبابًا واضحة لرفض تعدّي الضوابط البيروقراطية
وآليات التربية الموجّهة نحو توسيع الضبط الاجتماعي والثقافي والاقتصادي النخبوي لسيرورات
التربية". وفي ذلك، ظلّت تروم "فتح أعينهم" لفهم واقعهم المهني والتربوي، ولتحفيزهم أيضًا على المشاركة في تفكيك تمفصلات إنتاجهم الذاتية والموضوعية، جاعلةً منهم أحد خطوط الدفاع الأخيرة في وجه سيرورة لبرلة الفعاليات الإنسانية وسلعنتها.
(51) Richard J. Bates, "Educational Critique, The New Sociology of Education, and the Work of Teachers," The Journal of Education , vol. 163, no. 4 (1981), p. 309. (52) Richard J. Bates, "What can The New Sociology of Education do for Teachers?" Discourse: Studies in the Cultural Politics of Education , vol. 1, no. 2 (1981), pp. 46–47.
يمكن تحديد ستة مستويات من أوجه الاستفادة من سوسيولوجيا المنهاج و/ أو إثنوغرافيات التفاعلات الفصلية، في تقعيد ممارسات سوسيولوجية موجّهة نحو فهم الشروط الذاتية والموضوعية ل "شرط التدريس"، وتحليله والنظر إليه على أنه بناء اجتماعي لا ينفصل عن بناء التجربة المدرسية نفسها. 1. تقييم الممارسة المؤسساتية، وذلك بالدفاع عن استدماج القضايا الاجتماعية ضمن سيرورة التقييم المؤسساتي، على النحو الذي يتجاوز مجرد تقييم الأداء المعرفي والتربوي والمؤسساتي الذي تُركز
عليه علوم التربية وعلم النفس، من خلال ربط مختلف جوانب التعليم، بوصفه نشاطًا ومؤسسة، بقضايا المعرفة والضبط ووظائفها داخل المجتمع الأوسع. وفي هذا المستوى، جرى القطع مع الأطر التقليدية لتقييم مردودية المؤسسات التعليمية، تبعًا للمنطق الاقتصادي والتقنوي للتدبير،
والحفاظ على الطابع الممارسات المهنية الحرفي، الضامن لهامش أكبر من الحرية للمدرّسين في
تنظيم الشروط الموضوعية لسير الفعل التعليمي من جهة، والمستدمج لتجارب المدرّسين في سيرورة
التقييم نفسه، تبعًا لمركزية المعنى المهني في تنظيم شروط بناء التجربة المدرسية من جهة أخرى. 2. تبرير الممارسة المؤسساتية، عن طريق تقديم الأساس العلمي لتبرير بعض الممارسات التربوية الهادفة إلى تحقيق رهان تحسين التعلم بالنسبة إلى المتعلّمين، وتعزيز فرص تحقيق العدالة التعليمية للفئات المهمّشة. تستند هذه القاعدة إلى نسق البناء الاجتماعي المتفاوت للطبقات
الاجتماعية، وتطوّر حدّة لامساواة المواقع داخل المجتمع. وعلى هذا الأساس، يصبح "تدخّل"
المدرّس مرتبطًا بالتقييم الانعكاسي للمعرفة المدرسية والممارسات البيداغوجية، في اتجاه
انتقاء ما هو كفيل بتعزيز نموذج المساواة في المواقع التربوية قبل الحظوظ والفرص التعليمية. 3. إبراز أهمّية تنظيرات المدرّسين، بالتركيز على نظرتهم الضمنية إلى ما يقومون به وتفكيرهم
فيها، وجعلها في صدارة تقييم الممارسات والإجراءات التربوية، وتحقيق رهان المصالحة بين التنظير والممارسة بربط التحقّق من التنظير الأكاديمي بصلاحية الممارسات العملية. وقد هدف هذا النهج المبتكر إلى المصالحة بين سوسيولوجيا التربية والممارسات المهنية وتخفيف الحدود الفاصلة بين العالم الأكاديمي للمنظّرين والعالم المهني للمدرّسين من جهة، وتحويل
الممارسين إلى باحثين مشاركين في فهم عالمهم المدرسي والمهني وتفكيكه من جهة أخرى. ومن ثمّ، يكون تعزيز منطق تقييم الممارسات المهنية الانعكاسي، في ضوء الأطر النظرية للمعرفة
العلمية، في ترابط مع تحّولّات الواقع التربوي المتجذّر..4 إبراز ترابط المعرفة المدرسية، من خلال السعي لتعزيز ربط المدرّس للمعرفة المدرسية والأنشطة
الفصلية بتجربة المتعلّمين الملموسة، لا بالمطالب البنى المؤسساتية المجرّدة. ويهدف هذا
(53) Ibid., p. 47. (54) Ibid., pp. 47–48. (55) Ibid., p. 48. (56) Ibid., pp. 48–49.
الرهان إلى تعزيز الفاعلية النقدية للمدرّس في التعامل مع المعرفة المدرسية، وتنظيم سيرورة
النقل المعرفي للتآلف مع الشروط الاجتماعية لبناء الرساميل الثقافية غير المتكافئة بين المتعلّمين. وفي هذا المستوى، يلتقي نموذج المدرّس المقاوم للبناء الاجتماعي للمنهاج الدراسي من جهة،
والمدرّس الناقد لتجربته المدرسية ومفعول ممارساته المهنية في "توطين" التفاوتات التعليمية
وشرعنتها. 5. توضيح إمكانات إصلاح المنهاج عن طريق دعم المدرّسين في الإصلاحات والابتكارات التي
تتحدّى التسلسل الهرمي القائم للمعرفة في المدارس، على أساس أهمّية المعرفة والأسئلة التي
تنشأ من الواقع الاجتماعي الملموس لتجربة المتعلّم في العيش في العالم. وقد مثّل هذا المبدأ منطلق النظر السوسيولوجي إلى المنهاج، وفاعلية المدرّسين في سلسلة عمليات الإصلاح،
إلا أنه عكس لاحقًا أهمّية الاهتمام بتجارب المدرّسين من حيث مركزية المفاعيل المدرسية
والتفاعلات الفصلية في مقاومة نسق الإصلاح، أو الحدّ من فاعليته باسم الأساس البيداغوجي
للممارسات التربوية. ولذلك، سواء أكان المدرّسون قد اعتُبِروا مقاومين أم مساهمين، فهم
يظلّون حجر الزاوية ضمن نسق مختلف الإصلاحات التربوية..6 إبراز الأساس المنطقي للتدريس، بوصفه "شراكة" عن طريق بناء أساس جديد لنشاط التدريس؛ إنه أساس نشط وانعكاسي وداعم لمصالح المتعلّمين والمجتمعات التي يخدمها المدرّسون
ظاهريًا. لقد حََّمّلت سوسيولوجيات التربية الجديدة تحدّيًا مزدوجًا للمدرّسين. ففي منطلق
هذا النهج، تمّ تشجيعهم على التشكيك في الرهانات الاجتماعية والسياسية للمعرفة، والدفاع
عن الفئات المهمّشة من ناحية، وفي الأبحاث الإثنوغرافية رُبط نسق بناء تجاربهم المدرسية
وتفاعلاتهم الفصلية بالمنطق العام لتشكيل التفاوتات التعليمية من ناحية أخرى. ومع ذلك، قدّمت هذه السوسيولوجيات أكبر "هدية" للمدرّسين، خلال عصر ما بعد السرديات الكبرى؛
إذ نقلتهم من كونهم عناصر "هامشية" ضمن المناطق الرمادية لتدبير يوميّ الفعل التعليمي نحو
الدفاع عن كونهم فاعلين مباشرين في صناعة تجاربهم المهنية وهندسة النسق العام للتجربة
المدرسية. بتعبير آخر، جرى الكشف عن الشروط الميكروية التي تجعل المدرّس فاعلًا في تدبير
الفعل الجمعي المنظم، وتشكيل المنطق العام للتفاوتات التعليمية، تبعًا لمَا للمعرفة المدرسية
من سلطة شرعية بيداغوجية؛ وسواء أكان مقاومًا أم صانعًا للتفاوتات، فإنه يظلّ أحد مداخل
تطوير الشروط الموضوعية لسوسيولوجيا المدرسة. بين منطق المقاومة ومنطق الفاعلية في تدبير شرط التفاوتات التعليمية، يكمن رهان آخر في تركيز سوسيولوجيات التربية الجديدة على المدرّس. فعقب فتح "العلبة السوداء"، كان واضحًا أنّ التركيز
على فاعلية المدرّس في إحداث التغيير التربوي لم ينطلق من فراغ. وفي نهاية المطاف، يمثّل المدرّس
(57) Ibid., pp. 49–51. (58) Ibid. (59) Ibid.
"الحلقة المفقودة" في الربط بين الفئات المهمّشة والفئات المحظوظة. وهكذا، يظلّ رهان "الثورة"،
ضمن مدخل تفكيك الهيمنة، في يده هو بوصفه عنصرًا فاعلًا في تنظيم المعرفة المدرسية وتحرير
وعي المهمّشين في سياق تعمّق حدّة التفاوتات الاجتماعية والتعليمية. لهذا، نُظر إلى المدرّس على
أنه "مخلّص" للمدرسة من لعنة التفاوتات الاجتماعية؛ إن هو اضطلع بدوره في فضح منطق اللعب والتآلف الحاصل بين الاقتصادي والسياسي في هندسة نسق الهيمنة لمصلحة المحظوظين الحقيقيين. ومع ذلك، في المستوى نفسه، وفي سياق تعمّق سيرورة رسملة الفعاليات الإنسانية ولبرلتها، بما فيها
التربية والمدرسة، كشف تفكيك تمفصلات بناء التجربة المدرسية أنّ المدرّس نفسه منخرط، على
نحوٍ ما، في رهان تحسين الشرط الطبقي أكثر من خدمة الرهان التنويري. وضمن هذا المنظور، تحوّل الفاعل في التغيير التربوي إلى فاعل في الصناعة المدرسية للتفاوتات التعليمية، تبعًا لنسق
الممارسات المهنية نفسها. بهذا المعنى، تظلّ الحدود الفاصلة بين حرفية الممارسات البيداغوجية ومهننتها، وتقييم نسق التجربة المهنية للمدرّسين أساس إعادة التفكير في تأثير التآلف الحاصل بين المفاعيل الاجتماعية والمفاعيل المدرسية في بناء شبكة توافقات استراتيجية بين الفئات المحظوظة والمدرّسين، لمواجهة تضخّم نسق
التمدرس وتعزيز فرص المتعلّمين الجيّدين في تحقيق النجاح المدرسي، وتهميش بقية الفئات داخل
المؤسسات التعليمية. وتأسيسًا على كل ذلك، وفيما وراء منطق مقاومة المعرفة المدرسية وتنظيم
التجربة المدرسية، ف "إن المدارس لا تتجاهل ببساطة أوجه التفاوتات الموجودة مسبقًا، بل تنتج أيضًا أوجه عدم مساواة محددة مرتبطة بطريقة تنظيمها وإدارتها"، على نحو يصبح فيه المدرّس بموجبها الصانعَ والمبرّر والمشرعن والمقيم لنسق التفاوتات التعليمية.
خاتمة
قصارى القول، حريّ بنا أن نؤكّد أنّ مصطلح "سوسيولوجيات التربية الجديدة"، في مقابل "سوسيولوجيات التربية الكلاسيكية والمعاصرة"، يفتح مج لًا لطرح الكثير من الأسئلة والملاحظات الإبستيمولوجية عن طبيعة التوصيف الذي يقدّمه من جهة، والرهانات التي يشتغل بها من جهة أخرى. فقد اقترن ميلاد سوسيولوجيا المنهاج في سياق تطوّر سوسيولوجيا إعادة الإنتاج بفرنسا،
وفقًا لأسس الفعل التعليمي النقدية نفسها؛ بل إنّ بورديو نفسه قد أسهم بمقالَين في كتاب المعرفة والضبط. ومن ثمّ، فإنّ الأمر يتعلّق بسوسيولوجيا معاصرة للتربية، انخرطت في المنحى نفسه لنقد قضايا الحراك الاجتماعي وحركية الفئات الاجتماعية ولامساواة المواقع والفرص التعليمية. ولكنّ عنصر الجدّة في هذه السوسيولوجيات يكمن في اختراقها العلبة السوداء من ناحية، وتركيزها على أهمّية المعرفة المدرسية في تنظيم نسق التفاوتات الطبقية من ناحية ثانية. ويكمن أيضًا في رهانها
على "المدرّس" في إحداث التغيّر التربوي ضمن منطق إنتاج التفاوتات القائم من ناحية أخرى. ومع
ذلك، يمكن توصيف إثنوغرافيات التجربة المدرسية، بوصفها مقاربة إثنوغرافية للتفاعلات الفصلية،
(60) Georges Felouzis, Les inégalités scolaires (Paris: Presses Universitaires de France, 2020), p. 66.
بكونها المنحى الحقيقي للسوسيولوجيا الجديدة للتربية التي ربطت اهتمامها بمسائل التمدرس، عوضًا عن الاهتمام بمتغيّرات التنشئة الاجتماعية، ودفعت في اتجاه إرساء الأسس الإبستيمولوجية ل "سوسيولوجيا المدرسة". بغضّ النظر عن السجالات السياسية والأكاديمية التي أسهمت في أفول بريق منظور "صانعي المشكلات"، وتراجع القول بأهمّية إرساء مكانة جوهرية للمدرّس في صناعة السياسات العمومية في مجال التعليم، ومع تطوّر النظر السوسيولوجي للمدرسة ضمن ممارسات حلقة "الإثنوغرافيين"، نجحت سوسيولوجيات التربية الجديدة، في المقام الأول، في تأكيد أهمّية المقاربة السوسيولوجية في تكوين المدرّسين وفهم نسق الممارسات المهنية والبيداغوجية داخل المدارس، ونجحت في المقام الثاني في جعل الفاعل السياسي ينتقل من مستوى رفض المعرفة السوسيولوجية واستبعادها نحو الاعتراف، وردّ الاعتبار إلى حقل معرفي له دور تاريخي كبير في كشف الترابط الدائم بين تفاوتات المواقع الاجتماعية وتفاوتات الفرص والحظوظ التعليمية في هندسة "مدرسة الهشاشة" في سياق شروط اللايقين، والتهميش والخوف من المستقبل المنظّم لتفاعل الإنسان مع تحّولّات العوالم الجديدة. أما في المقام الثالث، فقد نجحت سوسيولوجيات التربية الجديدة في الدفع في اتجاه تبنّي ممارسة سوسيولوجية محايدة ومفرغة من الرهانات النقدية لتغيير العالم، وأكثر قربًا من المنطق الإمبريقي للعلوم الاجتماعية. أمّا بالنسبة إلى المدرّس، فإن ما نجحت في تحقيقه الفلسفة العامة للسوسيولوجيات الجديدة للتربية، هو الدفاع عن مبدأ "اختراق المدرسة" وربط الممارسات البيداغوجية والمهنية بقضايا العدالة الاجتماعية والرفاه والمساواة في سياق تحّولّات المجتمع. وبهذا، أسهمت رهانات الانعكاسية النقدية وتقييم التجربة المهنية، على نحو ذاتي، في إثارة انتباه المدرّسين إلى أهمّية "العلوم الاجتماعية" في تعيين مناطق الظل داخل النسق التعليمي وفهم كيفية نشأتها وتفكيك منطق اشتغالها، وانتباههم إلى ضرورة إعادة التفكير في الشروط الذاتية والموضوعية لتشكيل الفعل التعليمي واقتران عدم حيادية المعرفة المدرسية بالطابع "النسبي" للممارسات البيداغوجية. ووفقًا لهذا المنظور، صار المدرّس، بالفعل والقوة، "باحثًا مشاركًا"؛ ليس في مناشدة حلول ووصفات تدخّلية جاهزة للمشكلات التربوية، وإنما في البحث عن الفهم الدقيق والتحليل المركّب لشروط إنتاج الفعل الجمعي المنظّم داخل المدرسة وتدبيره. وبطبيعة الحال، سواء أنجحت سوسيولوجيات التربية الجديدة في "إيقاظ" هذه "الكفايات"، أو لم تنجح في ذلك ضمن تجربة المدرّس، فإنه يحسب لها أنها دافعت عن مركزيته في "التخفيف من لعنة التفاوتات" من جهة، وتشكيله خطّ الدفاع الأخير في مواجهة سيرورة لبرلة الفعاليات التربوية وسلعنتها من جهة أخرى. ودفعت أيضًا، في الآن نفسه، في اتجاه إعادة التفكير في العلاقة الجدلية بين "المسألة التعليمية" و"المسألة المدرسية" و"المسألة الاجتماعية" في عصر اللايقين.
المراجع
References Bates, Richard. "Educational Critique, The New Sociology of Education, and the Work of Teachers." The Journal of Education. vol. 163, no. 4 (1981). _______. "What can The New Sociology of Education do for Teachers?" Discourse: Studies in the Cultural Politics of Education. vol. 1, no. 2 (1981). Bourdieu, Pierre & Jean–Claude Passeron. La Reproduction. Éléments pour une théorie du système d’enseignement. Paris: Minuit, 1970. Danduran, Pierre & Émile Ollivier. "Les paradigmes perdus: Essai sur la sociologie de l’éducation et son objet." Sociologie et sociétés. vol. 19, no. 2 (Octobre 1987). Delamont, Sara. "Two 'New' Sociologies of Education: A Comment on Heap’s 'Discourse in the Production of Classroom Knowledge'." Curriculum Inquiry. vol. 16, no. 3 (1986). Felouzis, Georges. Les inégalités scolaires. Paris: Presses Universitaires de France,
Forquin, Jean–Claude. "La 'nouvelle Sociologie de l’Éducation' En Grande–Bretagne: Orientations, Apports Théoriques, Évolution (1970–1980)." Revue Française de Pédagogie. vol. 63 (1983). Kagan, Jerome. The Three Cultures: Natural Sciences, Social Sciences and the Humanities in the 21st Century. Cambridge: Cambridge University Press, 2009. Lessard, Claude. "La sociologie de l’éducation dans les sciences de l’éducation québécoise." Cahiers de recherche sociologique. no. 64 (Hiver 2018). McLeod, Julie. "The 'New Sociology of Education', Then and Now: Looking back to the 1970s and ahead to Today." Curriculum Perspectives. vol. 43, no. 2 (2023). Pajak, Edward. "Willard Waller’s Sociology of Teaching Reconsidered: 'What Does Teaching Do to Teachers?'" American Educational Research Journal. vol. 49, no. 6
Polanyi, Karl. The Great Transformation. New York: Farrar & Rinehart, 1944. Saha, Lawrence. "The 'New' Sociology of Education and the Study of Learning Environments: Prospects and Problems." Acta Sociologica. vol. 21, no. 1 (1978). Snow, Charles Percy. The Two Cultures and the Scientific Revolution. New York: Cambridge University Press, 1959. Trottier, Claude & Claude Lessard. "La place de l’enseignement de la sociologie de l’éducation dans les programmes de formation des enseignants au Québec: étude de cas inspirée d’une sociologie du curriculum." Éducation et Sociétés. vol. 9, no. 1 (2002). Trottier, Claude. "La 'Nouvelle' sociologie de l’éducation en Grande–Bretagne: Un mouvement de pensée en voie de dissolution?" Revue française de pédagogie. vol. 78
Walker, Rob. "The Sociology of Education and Life in School Classrooms." International Review of Education/ Internationale Zeitschrift Für Erziehungswissenschaft/ Revue Internationale de l’Education. vol. 18, no. 1 (1972). Waller, Willard. The Sociology of Teaching. New York: J. Wiley & Sons, 1932. Woods, Peter. Inside Schools: Ethnography in Educational Research. London: Routledge & Kegan Paul, 1986. Woods, Peter & Martyn Hammersley (eds.). School Experience: Explorations in the Sociology of Education. New York: St. Martins Press, 1977. Young, Michael. The Curriculum of the Future: From the 'New Sociology of Education' to a Critical Theory of Learning. Lewes: Falmer Press, 2002 [1998]. ________. "Du 'curriculum en tant que construction sociale' à la 'spécialisation intégrative'. Quelques réflexions sur la sociologie du curriculum au Royaume–Uni (1971–1999)." Revue française de pédagogie. vol. 135 (2001) (Culture et éducation: Colloque en hommage à Jean–Claude Forquin). Young, Michael (ed.). Knowledge and Control: New Directions for the Sociology of Education. London: Collier–Macmillan, 1971.