العودة إلى تفاصيل المؤلَّف التيارات الإيكولوجية الراهنة: تمرين في التصنيف والنمذجة

التيارات الإيكولوجية الراهنة: تمرين في التصنيف والنمذجة

Current Ecological Trends: An Exercise in Classification and Typology

* Mohamed Hilal Elhassani محمد هلال الحسني|

الملخّص

* باحث دكتوراه في علم الاجتماع، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة مولاي إسماعيل، مكناس، المغرب.

Abstract

Book Title : Current Ecological Trends: An Exercise in Classification and Typology . Author : Khalid Chahbar. Publisher : Rabat: Dar Al Qalam. Date of Publication : 2024. Pages : 192.

الكلمات المفتاحية:
  • الأزمة البيئية
  • التيارات الإيكولوجية
  • الرأسمالية
  • الإيكولوجيا الاشتراكية
  • التعددية
Keywords:
  • Enviromental Crisis
  • Ecological Currents
  • Capitalism
  • Ecosocialism
  • Pluralism

عنوان الكتاب: المؤلّف:

خالد شهبار. النّاشر:

الرباط: دار القلم للطباعة والنّشر. سنة النشر: عدد الصفحات:

Current Ecological Trends: An Exercise

in Classification and Typology

التيارات الإيكولوجية الراهنة: تمرين في التصنيف والنمذجة.

PhD Researcher in Sociology, Faculty of Letters and Human Sciences, Moulay Ismail University, Meknes, Morocco. Email: hilal78elhassani@gmail.com

مقدمة

يتناول كتاب التيارات الإيكولوجية الراهنة: تمرين في التصنيف والنمذجة الإيكولوجيا في حدود الزمن الراهن، وبصيغة الجمع لا المفرد، وباعتبار ذلك التصنيف مسألة ذهنية خالصة. ويفصح حضورُ عناصر الزّمن والتعدّد والاختلاف على نحو متزامن في العنوان عن حالة التعقيد التي يوجد عليها زمن ما بعد الحداثة الموسوم بالفوضى والتسارع واللايقين، من جهة، ويعكس هول المخاطر التي أصابت كوكب الأرض خلال حقبة الأنثروبوسين Anthropocene، من جهة أخرى؛ ذلك أن وضع الكوكب الراهن هو نتاج صراع غير متكافئ بين أنظمة شمولية نزعت نحو تغيير وجه العالم بالقوة خلال القرن العشرين، ولا تزال تواصل نزوعها ذاك إلى اليوم عبر المزيد من تقنيات التدمير من جهة، ومجتمعات محلية، وحركات اجتماعية لا تكفّ عن مقاومة ضروب الهدم الجارية في ميادين الصراع المختلفة، الزراعية والصناعية والثقافية والسياسية وغيرها، من جهة أخرى. ففي حين يقدّم الطرف الأول وعودًا بتغيير واقعنا الراهن إلى الأفضل، سواء بالتصنيع المفرط، أو بتحويل الإنسان إلى كائن هجين Cyborg، يناضل الطرف الآخر لحفظ

(((يقصد بالأنثروبوسين عصر الإنسان؛ أي الحقبة التي أصبح فيها للأنشطة البشرية تأثيرٌ وخيم في البيئة بحكم الاستعمال

المكثف للوقود الأحفوري، والانتشار الواسع للتحديث الزراعي وغير ذلك. للمزيد من التفاصيل، ينظر:

Carolyn Merchant, The Anthropocene and the Humanities: From Climate Change to a New Age of Sustainability (New Heaven/ London: Yake University Press, 2020), p. 28.

(((نُحتت الكلمة في عام 1960، للدلالة على كائن يجمع بين

السمات السيبرانية، ومنها القسم الأول من الكلمة Cyb، والسمات العضوية، ومنها القسم الثاني من الكلمة Org.

التوازنات الإيكولوجية، ولتجذير الإنسان في الطبيعة. هذا هو السياق العام الذي يتناول فيه المؤلّف بالتفكير النقدي سياقات انبثاق الوعي الإيكولوجي بالأزمة البيئية، وعناصر الاختلاف والائتلاف الكامنة بين التيارات الإيكولوجية المعاصرة في تصورها، حيث يفحص جدوى تمسّك بعضها بالنظام الرأسمالي ودعوى استغناء بعضها الآخر عنه، فضلًا عن أهمية استرجاعنا لعلاقة الاستقلاب القائمة بين الإنسان والطبيعة. وتمثّل الأزمة البيئية محور التفكير في مقدّمة الكتاب، وتحضر ضمنيًا في ثنايا شبكة مفاهيمه

الرئيسة (نمط إنتاج رأس المال، ومركزية الإنسان، والطبيعة... إلخ)، وفي قلب إشكاليته المركزية كذلك، حيث يحاول الإجابة عن سؤالين: أيجدر الاكتفاء بإصلاح نمط الإنتاج الرأسمالي أم يتعين تغييره والاستعاضة عنه بنمط إنتاجي بديل؟ أينبغي الاعتراف بالشخصية القانونية للطبيعة على غرار الإنسان أم يلزم اعتبارها موضوعًا للقانون؟ وإذا ما بدت الأزمة البيئية اليوم موضوع جدل على صعيد الفكر والتمثل، فإنها على مستوى الواقع أقرب إلى المسلّمات. ذلك ما أبرزه المؤلّف منذ البداية بتطرقه إلى تجليات الأزمة، وأوجه التباين القائمة في تصوّرها لدى الإيكولوجيا السطحية والإيكولوجيا العميقة. فإذا كان الاتجاه الأول يتبنّى خيار إصلاح الآثار المترتبة على النظام الرأسمالي، ويسلّم بمركزية الإنسان وبتبعية الطبيعة له، فإن الاتجاه الثاني

(3) Chantal Delsol, La haine du monde: Totalitarismes et postmodernité (Paris: Les Editions Du Cerf, 2016), pp. 15–23.

ينطلق من موقف راديكالي يعزو دمار البيئة إلى طبيعة النظام الرأسمالي، ويجزم باستحالة وقف الأزمة الإيكولوجية الرّاهنة ما لم يقوّض

هذا النظام، وما لم يتنازل الإنسان عن مركزيته التي يزعمها لنفسه في الكون، ليتساوى مع بقية الكائنات. ولمّا كانت المشكلات البيئية كونية في أبعادها،

وعلى صلة بمصير البشر قاطبةً، فقد جعل المؤلّف من بيانها، ومن إْطلْاع القارئ العربي على تعددية التفكير الإيكولوجي الناشئ حولها، وعلى حدود تصنيفات الفيلسوف الفرنسي لوك فيري ونقده لها، أحد أهدافه الصريحة في هذا الكتاب، آملًا أن يساهم كل ذلك في ظهور إيكولوجيا عربية وجنوبية تمتح من حضاراتها وتواريخها ومن شروط وجودها المختلفة (ص. 17)–16

بنية الكتاب وأفكاره الرئيسة

يستعرض الفصل الأول دواعي نشأة الوعي الإيكولوجي المعاصر، اعتمادًا على ما ذكره فيري في فلسفته الإيكولوجية؛ حيث يحصرها، أولًا، في حالة الإجماع القائم بين مختلف التيارات الإيكولوجية على شمولية مخاطر التغيرات البيئية على مجتمعاتنا المعاصرة برمّتها،

وفي اتفاقها، كلّ بحسب تصوره، على التصدي لتهديداتها المحدقة بنظام الحياة. ويربطها، ثانيًا،

بما أصبح عليه الإنسان المعاصر في الغرب من

عُريٍروحي، وتوحّد مع الذات، في إثر انهيار

الأنساق الكبرى كالشيوعية والتمثلات المسيحية

(4) Luc Ferry, Les sept écologies: Pour une alternative au catastrophisme antimoderne

(Paris: Editions de l’Observatoire; Humensis, 2021); Luc Ferry, La philosophie de l’écologie: Croissance verte ou décroissance? Collection: Sagesse d’hier et d’aujourd’hui (Paris: Flammarion, 2013).

للحياة والوجود، وتنامي حالة "الصّفر الدينيّ"

وانخفاض نسب الخصوبة، وما إلى ذلك. ثم يقرنها، ثالثًا، باهتمام الذات بذاتها وانشغالها المفرط بمصيرها وسعادتها، ورابعًا، ببروز ظاهرة "الحرمان الاجتماعي النّسبي" التي تمثّل حركة سياسية وثقافية مضادة، تُعبّر من خلالها

بعض الفئات الاجتماعية عن إحباطها الشديد إزاء تغيرات الواقع التي لا تصبّ في مصلحتها، وتُظهر عبرها الاهتمام بالبيئة بوصفه نوعًا من التعويض لتوكيد ذاتها. وبناء على آثار ما سبق، ظهرت التيارات الإيكولوجية المعاصرة بشتى أصنافها، وهي التي يعرضها الكتاب في ثمانية فصول، بدءًا من الثاني إلى العاشر. تتتابع عروض فصول الكتاب، بالاعتماد دائمًا على تنميط فيري للتيارات الإيكولوجية، حيث يتطرّق الفصل الثاني إلى تيار الكولابسولوجيين

Collapsologiste القائل بحتمية الانهيار البيئي الشامل، والذي يعتقد روّاده إمكانية الانهيار النسقي لنظام الحياة المعولمة المعاصرة بميادينها كافة في سائر بلدان العالم. وحججهم هي أن الحروب النووية، وانخفاض الموارد الطاقية، وضعف الأمن الغذائي، وتزايد حدة الاحتباس الحراري، يمكنها أن تقضي على نظام حياتنا المعاصرة كليًا، وأن تضع نهاية مفاجئة لعناصر

الحياة. ويقولون أيضًا بحتمية تداعي نظام الحياة على كوكب الأرض، وتهديده لمستقبل الأجيال المقبلة، ما لم يُحسن البشر تدبير مرحلة ما قبل

(((كلمة مركّبة اشتقت من الكلمة اللاتينية Collapsus، وتعني:

الانهيار والسقوط. استعملها أول مرة المهندس الزراعي بابلو سيرفيني Pablo Servigne وخبير مرونة النظم السوسيو– إيكولوجية رافائيل ستيفنز Raphaël Stevens في عام 2015 في

مؤلفهما  كيف يمكن أن ينهار كل شيء Comment tout peut s’effondrer، تحت اسم علم الانهيار الشامل Collapsologie.

الانهيار بتقليص النمو، ووقف الانبعاثات السامة الناجمة عن التصنيع، وما إلى ذلك. يتناول الفصلان الثالث والرابع تيار قارعي الُّنذُر Alarmistes باتجاهيه؛ الثوري والإصلاحي، اللذين يتفقان على قرب الانهيار الشامل المحتوم لنظام الحياة المعاصرة، في حين تختلف تصوراتهما لمواجهته. يرى الاتجاه الثوري ضرورة التعجيل بتأسيس مجتمع اللانمو الموسوم بالاستدامة، وبالإنتاج في حدود مقدّرات الكوكب، من أجل الخروج من الأزمة نهائيًا، في

حين يدعو الاتجاه الإصلاحي إلى تفادي ذلك الانهيار من دون خوض تجربة مجتمع اللانمو، وذلك عن طريق التنمية المستدامة، ونهج النمو الأخضر، والانتقال الإيكولوجي في ميادين الطاقة والزراعة البيولوجية وتدوير النفايات. أمّا الفصل الخامس، فيُعَرف بتيار الإيكولوجيا

الديكولونيالية Ecologie Décoloniale، الذي يرى رائداه فيليب ديسكولا  Philipe Descola ووالتر مينولو Walter Mignolo أن الأزمة البيئية الحالية غير مفصولة عن ظواهر العبودية والاستعمار التي شهدها العالم الحديث في امتداداتها المركّبة، والتي انعكست على واقع المستعمرات بالعديد من الانكسارات التاريخية والتشوهات المجتمعية. ويُسلّم أنصار هذا التيار بارتباط تدهور كوكب

الأرض بالسيطرة الاستعمارية، وبعلاقات الهيمنة التي طوقت دول الجنوب، ولا تزال، طوال الفترة الكولونيالية حتى اليوم، معتقدين أن بناء تصور إيكولوجي صحيح للعالم لن يستقيم من دون خلفية سياسية وتاريخية تسعى لنزع الاستعمار ومناهضة مخلّفاته المتعددة. يكشف الفصل السادس تفاصيل مشروع تيار النباتيين Véganisme، الذي يمثّله بيتر سينغر

Peter Singer، وفلورنس بورغا Florence

Burgat، وأيمريك كارون Ayemric Caron، وغيرهم. وينقسم هذا التيار أيضًا إلى اتجاهين: اتّجاه أول يمثله النباتيون الذين يعيشون نظام حياتهم اليومية على نحو فردي منعزل عن أيّ تعبئة جماعية، ووفقًا لنمط عيش نباتي تحكمه

قيم صحية ودينية وأخلاقية؛ واتجاه ثانٍيمثله النباتيون المناضلون، أي الذين ينتسبون إلى أحزاب سياسية، وحركات ثقافية، وجمعيات مدنية، تدافع عن حقوق الحيوان، وتتطلع إلى توسيع قاعدة النباتيين، وإقامة نظام نباتي خالص. يستعرض الفصل السابع بعض منطلقات تيار

L’écoféminisme، النسوية

الإيكولوجيا ويذكر من بين رواده فرانسوا دوبون Françoise

d’Eaubonne، وماري ميلور Mary Mellor،

وأرييل صالا  Ariel Salleh. وتشترك اتجاهات الإيكولوجيا النسوية هذه في العديد من المسلّمات، من قبيل الإيمان بوجود ترابط صميم بين السيطرة على الطبيعة والهيمنة الذكورية على النساء، والاقتناع بأن تحرر المرأة من الاضطهاد رهين بتحرر الطبيعة من أشكال الاستغلال كافة، واعتبار حرية النساء شيئًا قابلًا للتحقق على نحو متمايز من الحرية في تصوّرها الذكوري. ومن

حججهم في ذلك أن من شأن السعي لمساواة الإناث الكلية مع الذكور في الحرية، على نحو ما تدعو إليه سيمون دي بوفوار Simon de Beauvoir، تعزيز المنظور الذكوري للحرية، والتنكر لطبيعة تصوراته الأنثوية. أما الفصل الثامن، فيُعرّف بخصائص تيار

العصرانية الإيكولوجية Ecomodernisme، الذي تأسّس في إثر إصدار ثمانية عشر إيكولوجيًا، من

بينهم مايكل شيلنبرجر Michael Shellenberger،

وستيوارت براند Stewart Brand، ومايكل برونغار Michael Braungart "بيان عام 2015. وينبني " التيار على دعامتين: أولاهما، فك ارتباط متلازمة النمو المقرون بحتمية تدمير البيئة، باعتبارها الحجة التي تقيم عليها الإيكولوجيات التشاؤمية مجمل طروحاتها؛ وثانيتهما، اعتماد اقتصاد دائري بدلًا من الاقتصاد الخطي المفتوح. ويرتكز الاقتصاد الدائري على ثلاث ركائز رئيسة: أولاها محاكاة الطبيعة، بجعل طريقة اشتغاله مماثلةً لأنظمتها الحيوية، وكل ما ينتج ويستهلك ضمنه قابلًا لإعادة التدوير؛ وثانيتها إعادة التدوير على نحو

مكثف وفعال، بمنتجات لا تدمر البيئة، ولا تَفقِد جودتها من فرط الاستعمال؛ وثالثتها إعادة تنظيم المدن بحسّ إيكولوجي عميق، ويتعلق الأمر

بمدن الرّبع ساعة التي تلبّي احتياجاتنا في ظروف

مناسبة، وتظل مرافقها متعددة الخدمات، ومهَّيَأة

للاستعمال المتعدد بلا انقطاع. وقد اتخذ فيري هذا التيار الإيكولوجي، كما يعرض المؤلّف، مرجعًا لنقد التيارات الأخرى التي تعترض على مركزية الإنسان، وتحرّض على نهج "اللانمو"؛

ذلك لأنه يؤمن بفاعلية الإنسان، وبقدرته على ابتكار تكنولوجيا قمينة بالجمع بين دينامية النظام الرأسمالي والحفاظ على توازنات النظام البيئي، سواء بسواء. يقدّم المؤلّف في الفصلين التاسع والعاشر نقده الخاص لتصوّر فيري للأزمة البيئية، وتصنيفه

للتيارات الإيكولوجية الراهنة، مؤاخذًا له على عدم الاعتراف بوجود تيار إيكولوجي ثامن هو تيار الإيكولوجيا الاشتراكية Écosocialisme. وقد حرص المؤلّف في بداية هذا الفصل على

(6) John Asafu–Adjaye et al., "An Ecomodernist Manifesto," Ecomodernism (April 2015), accessed on 4/9/2025, at: https://acr.ps/1L9BPhy

تجذير السؤال الإيكولوجي في المتن الماركسي تفنيدًا لبعض القراءات التي تنزع عن كارل ماركس أيّ سبق إيكولوجي، وتحشره في زمرة المشروع الأيديولوجي الرامي إلى تمكين الإنسان من استغلال الطبيعة، ومن أدوات السيطرة عليها. وقد أكّد سبْق ماركس لتناول المسألة الإيكولوجية من خلال تحليله الدقيق لجدلية العلاقة بين التاريخ الطبيعي والتاريخ البشري، واّطلّاعه عن قرب على الانتقادات التي قدّمها عالم الزراعة الألماني يوستوس فون ليبيغ Justus von Liebig بخصوص التقنيات ذات الإنتاجية العالية التي أدّى استخدامها المكثف في بريطانيا، منذ القرن التاسع عشر، إلى تحويل الزراعة الحديثة إلى نظام من النهب (ص. 128)–127 يُقدم أنصار هذا التيار، أمثال جون بيلامي فوستر John Bellamy Foster وأندري غورز، وغيرهما، الإيكولوجيا الاشتراكية للإنسانية ولعموم الكائنات على وجه الأرض مشروعًا

قِيَميًا وأخلاقيًا يحفظ بقاءها ومصيرها في الحاضر والمستقبل؛ إذ تتغيا تحقيق قيم المساواة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، انطلاقًا من نظام اقتصادي غير رأسمالي، يندمج في الطبيعة وفي الحياة الاجتماعية، ويعطي القيمة الاستعمالية للأشياء الأولوية على قيمتها التبادلية من خلال الإنتاج في حدود الاستجابة للاحتياجات الاجتماعية الأساسية، لا من أجل مراكمة الأرباح، أو لإشباع رغبات نرجسية.

خاتمة نقاشية

يخالف الكتاب المؤلّفات المتداولة في العالم العربي عن البيئة وموضوعاتها، من قبيل الكتب

التعريفية، التي تُطلع القارئ العربي على معنى البيئة وعلمها وأهمية إجراء تداخل بين المعارف العلمية والممارسات الاجتماعية الكفيلة بالمحافظة عليها، من جهة، وكتب التربية البيئية، التي تتّخذ الوسط التربوي بأسلاكه المختلفة ميدانًا للتدرج في بناء المواطن الإيكولوجي الحائز القيم والقواعد القمينة بجعله يُفكر ويتصرف بما يلائم المجتمع والبيئة المحيطة، من جهة أخرى. فخلافًا لهذين النوعين من الكتب، يمثّل كتاب شهبار إضافةً نوعية في ميدان الإيكولوجيا وقضايا البيئة في الوطن العربي؛ إذ ينقل القضايا الاجتماعية إلى مستوياتها الإيكولوجية الأكثر تعقيدًا، بحيث يميط اللثام عن جذورها الأساسية؛ أي الخيارات السياسية المتخذة في الميادين الاقتصادية والاجتماعية،

والتي تبدو في الكثير من البلدان العربية مفارِقة للظروف الطبيعية والمناخية، وللمحدّدات الاجتماعية والديموغرافية والثقافية، فتصبّ

نتائجها في مصلحة الأقلية من النخب، في حين تعاكس طموحات السواد الأعظم من الفئات الاجتماعية للحصول على ظروف عيش أفضل. وإضافةإلى تقديمه التيارات الإيكولوجية المعاصرة

على نحوٍ نسبي يحرّرها من توتاليتارية فكرة التقدّم

وأيديولوجيته، يُضفي الكتاب صفة البداهة على جذور الأزمة البيئية القائمة بردّها إلى طبيعة النظام الرأسمالي، وإلى اقتصاد النمو والتراكم. ويبيّن

أن رهان بعض تيارات الإيكولوجيا السطحية على التنمية المستدامة، والتحديث التقني والنمو

(((ينظر ماثلًا: أحمد رشيد وهناء الحسن رشيد، علم البيئة

(بيروت: معهد الإنماء العربي،.)1976 (((ينظر ماثلًا: فوزي بوخريص وعبد الله هرهار، التربية البيئية

بالمغرب وإشكالية بناء المواطن الإيكولوجي: من العقد الاجتماعي إلى العقد الطبيعي (الرباط: نت برس،.)2021

الأخضر، من أجل الخروج من الأزمة، يبقى رهانًا واهمًا، وترميقًا ساذجًا لوضع كارثي يستدعي تدخّلًا حاسمًا. ويعتبر أن الخيار الاستراتيجي لتجاوزها هو الإيكولوجيا الاشتراكية الموسومة بنزوعها إلى الحفاظ على مقدّرات كوكب الأرض، وتعزيز قوانين الاسترداد والاستقلاب، وقيم التبادل بين الإنسان والطبيعة. لكن على الرغم من طرح الكتاب لتيار الإيكولوجيا الاشتراكية بديلًا مفترضًا من النظام الرأسمالي المفرط الإنتاجية، فإن صواب اختياره لا يعفيه من النقد، ولا سيما فيما يتعلق بإرجاع أصول هذا التيار إلى كتابات ماركس؛ ذلك أن إيمانويل دي كادت

Ángel di وأنخيل دي ماورو Emanuel de Kadt

Mauro، ماثلًا، يريان أن كتب ماركس، وبخاصة منها رأس المال، لا تتضمن أيّ إشارة إلى مفهوم الإيكولوجيا، وأن إقحام هذا المفهوم عنوةً في النسق الفكري الذي بناه ماركس لا تسويغ له؛ نظرًا

إلى غياب أيّ أساس جدلي لانبثاقه. وفضلًا عن ذلك، كيف يمكن أن يحضر مفهوم الإيكولوجيا في المتن الماركسي جنبًا إلى جنب مع مفهوم

التقدّم، الذي يحضر في تفكير ماركس ذاته بوصفه مفهومًا مبنيًا على تصوّر خطّي وتراكمي وغائي

على صلة بمجتمع المعرفة الموسوم بالحرية، وبما بلغته تطورات البحث العلمي في العلوم التجريبية، الفزيائية والطبيعية، حينها؟ ويُضاف إلى النقد السابق أن تيار الإيكولوجيا الاشتراكية لا يزال مطالبًا بإظهار الفاعلية؛ أي

القدرة على تقديم إجابات ناجعة عن بعض المسائل العالقة، والتي تخص، من حيث الجوهر،

(9) David Johns, Joel Kovel & Michael Löwy, "Has Ecosocialism Passed on the Tough Questions?" Capitalism Nature Socialism , vol. 14, no. 2 (2003), pp. 120–128.

الكيفية التي يمكن بواسطتها تغيير مسار الحضارة البشرية، لا جعل وضعها أفضل قليلًا ممّا هو عليه في ظل الرأسمالية. ويكمن أساس تلك الفاعلية المطلوبة في وعي الإيكولوجيين الاشتراكيين بأنه يتعيّن عليهم أن يقدّموا إلى البشرية نمطًا جديدًا

للحياة، بحيث لا يكون انتق لًا من سيطرة الإنسان على الطبيعة إلى سيطرته على الإنسان، لأن التجارب الحضارية السابقة أثبتت أن من يتحكم في الطبيعة يتحكم في غيره من الناس العاجزين عن القيام بذلك. ويتعيّن عليهم أيضًا أن يكونوا

في تقابل مع إنفاذ سيطرة الاستعمار على حق الشعوب المستضعفة، ومع تعريض التربة وخيرات الأرض للاستنزاف والتفقير بغية تلبية الحاجات الاستهلاكية لمليارات البشر، دونما اكتراث بحاجات الأنواع الأخرى التي تشاركنا العيش على هذا الكوكب. تفيد أوجه النقد السابقة أن أهمية المشروع

الحضاري الذي تَعِد به الإيكولوجيا الاشتراكية

بوصفها بديلًا سياسيًا، آنيًا ومستقبليًا، تُلزِمنا التفكير

في شروط تنزيله وتحدّيات تطبيقه، في البلاد النامية أو المتقدمة سواء بسواء. وفي سبيل تطوير دعوة الكتاب إلى اجتراح إيكولوجيا عربية وجنوبية، يمكن الإشارة إلى قضايا ملحّة يتعين التفكير

فيها، من قبيل: تحدّي تفكيك علاقات التبعية

التي تحرِم معظمَ البلدان النامية من الاستقلالية في تدبير مواردها الوطنية، وفي تحديد اختياراتها الاقتصادية. وكذلك الأمر بالنسبة إلى تحدّي

(10) Paul Burkett, "Marx’s Ecology and the Limits of Contemporary Ecosocialism," Capitalism Nature Socialism , vol. 12, no. 3 (2001), pp. 126–133. (11) Adam Barbe, Dette publique et impérialisme au Maroc (1856–1956) , Thomas Piketty (Préface), 2 nde ed. (Casablanca: Editions La croisée des chemins, 2020),

رفع اليأس والبؤس عن العالم، فعلى الرغم من تزايد مشاعر السخط والرفض في صفوف العمال ونشطاء الحركات الاجتماعية ضد السياسات النيوليبرالية المطبّقة من سبعينيات القرن العشرين

إلى اليوم، ظلت مقاومة العمال وسائر المحرومين لهذا الوضع البئيس غير كافية لتغييره، لأنّها لا تزال محدودة ودفاعية، وتفتقد التركيز السياسي. إضافةً إلى ما سبق، يجدر بتيّار الإيكولوجيا

الاشتراكية أن يستدمج تحدّي احتواء الثقافات المحلية وحمايتها؛ إذ تعبّر العادات والتقاليد

الموروثة في مجالٍترابي معيّن عن علاقات

التبادل الأولية بين المجتمع والبيئة المحيطة، ما يسمح بحفظ شروط البقاء الأساسية وإعادة إنتاج المجتمع، في معنى إعادة إنتاجه ماديًا (بوصفه مجموعة بشرية) واجتماعيًا

(بوصفه علاقات اجتماعية). فنحن نجد ذلك التناغم الأولي، ماثلًا، في واحات وطننا العربي، متماثلًا إلى حدّ ما مع خصائص مشروع التيار الإيكولوجي الاشتراكي. ويبدو أن حمايته مشروطة بتخلّي هذا المشروع عن تعميم أيّ

تصوّر صارم للبناء الاجتماعي، من جهة،

وبالاعتراف ب "لدُونَة "الواحيين، وبدينامية

(1((الحسين شكراني وعبد الرزاق بلمير، تفكيك الرأسمالية:

بحث في تقويض المشترك البيئي الإنساني (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2023)، ص.275–260 ((1(اللدونة مصدر مشتق من الفعل لَدُنَ، وهو صفة للمادة

التي يسهُل تغيير شكلها. وبنقل اللفظة إلى مستوى

المصطلح – المفهوم، يمكن أن تشير إلى خاصية التفكير في الأنظمة المعقدة، سواء أكان ذلك التفكير في إطار علوم الحياة أم علوم المعرفة. وقد استُعمل المفهوم لتحديد مستويات التطور

التي يعرفها الكائن الحي، فيما يخص تركيبة جيناته، وسلالته، ووظائفه، وغير ذلك من خصائصه. ينظر:

Marc–Williams Debono, "Le concept de plasticité: Un nouveau paradigme épistémologique," Dogma: Revue de Philosophie et des Sciences Humaines , no. 15 (2021), pp. 7–24.

pp. 10–125.

علاقاتهم المتبادلة مع محيطهم البيئي، من جهة أخرى. وأخيرًا، ينبغي لتيار الإيكولوجيا

الاشتراكية أن يستدمج تحدّي مواجهة انقراض عصر الإنسان؛ لأن صلب المشكلة لم يعُد منحصرًا في عاداتنا الإنتاجية والاستهلاكية

(14) John A. Smith & Anna Wilson, Radical Ecology in the Face of the Anthropocene Extinction: A New and Urgent Philosophy for Complexity in the Social Sciences (London/ New York: Routledge, 2024), pp. 141–142.

المراجع

العربية

بوخريص، فوزي وعبد الله هرهار. التربية البيئية بالمغرب وإشكالية بناء المواطن الإيكولوجي: من العقد الاجتماعي إلى العقد الطبيعي. الرباط: نت برس،.2021 شكراني، الحسين وعبد الرزاق بلمير. تفكيك الرأسمالية: بحث في تقويض المشترك البيئي والإنساني. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2023 رشيد، أحمد وهناء الحسن رشيد. علم البيئة. بيروت: معهد الإنماء العربي،.1976

الأجنبية

Asafu–Adjaye, John et al. "An Ecomodernist Manifesto." Ecomodernism (April 2015).

Barbe, Adam. Dette publique et impérialisme au Maroc (1856–1956). Thomas Piketty

Burkett, Paul. "Marx’s Ecology and the Limits of Contemporary Ecosocialism."

Chantal, Delsol. La haine du monde: Totalitarismes et postmodernité. Paris:

Debono, Marc–Williams. "Le concept de plasticité: Un nouveau paradigme épistémologique." Dogma: Revue de Philosophie et des Sciences Humaines. no. 15

Ferry, Luc. La philosophie de l’écologie: Croissance verte ou décroissance? Collection

_______. Les sept écologies: Pour une alternative au catastrophisme antimoderne.

التي قد تزيد أو تنقص من دون أن نتخلى عنها تمامًا، أو أن نقدر على تعويضها، بل يتعلق بخطر انقراض عصر الأنثروبوسين، من جرّاء احتمال عجز الكائن البشري عن التكيّف، وتطوير قدراته البيولوجية على التحوّل وفقًا لما تقتضيه تغيرات كوكب الأرض.

(15) Ibid., pp. 263–264; Merchant, p. 65.

References

at: https://acr.ps/1L9BPhy

(Préface). 2 nde ed. Casablanca: Editions La croisée des chemins, 2020.

Capitalism Nature Socialism. vol. 12, no. 3 (2001).

Les Editions Du Cerf, 2016.

Sagesse d’hier et d’aujourd’hui. Paris: Flammarion, 2013.

Paris: Editions de l’Observatoire; Humensis, 2021.

Johns, David, Joel Kovel & Michael Löwy. "Has Ecosocialism Passed on the Tough Questions?" Capitalism Nature Socialism. vol. 14, no. 2 (2003). Merchant, Carolyn. The Anthropocene and the Humanities: From Climate Change to a New Age of Sustainability. New Heaven/ London: Yake University Press, 2020. Smith, John A. & Anna Wilson. Radical Ecology in the Face of the Anthropocene Extinction. A New and Urgent Philosophy for Complexity in the Social Sciences. London/ New York: Routledge, 2024.