العودة إلى تفاصيل المؤلَّف ثقافة الطائفية: الطائفة والتاريخ والعنف في لبنان القرن التاسع عشر تحت الحكم العثماني

ثقافة الطائفية: الطائفة والتاريخ والعنف في لبنان القرن التاسع عشر تحت الحكم العثماني

نيروز ساتيك *

الملخّص

الكاتب: أسامة مقدسي ترجمة: ثائر ديب مكان النشر: بيروت الناشر: دار الآداب تاريخ النشر: 2005 عدد الصفحات: 311

الكلمات المفتاحية:
  • المهمشون
  • النخبة السياسية
  • الطائفية
  • المجتمع المحلي

الطّائفة والتّاريخ والعنف في لبنان القرن التّاسع عشر تحت الحكم العثماني

الكاتب

: أسامة المقدسي. ترجمة

:ثائر ديب. مكان النشر

:بيروت. الناشر

: دار الآداب تاريخ النشر عدد الصّفحات 311: اهتمّ عددٌ من المؤرّخين منذ منتصف

السبعينيّات من القرن الماضي بإعادة كتابة

التاريخ العثماني لأسباب تتعلّق بأيديولوجية كتابته

واعتمادها على مصادر المستشرقين. واختلفت هذه

الكتابات في تناولها مواضيع الدّراسة، ومناهج

بحثها. فقد ركّزت بعض الكتابات على تناول قضيّة

اجتماعيّة والتأريخ لسيرورة أحداثها ونشأتها.

ومن أبرز هذه القضايا مسألة الطائفيّة التي تناولها

العديد من المؤرّخين العرب والأجانب، ولكن

أسامة مقدسي في كتابه " ثقافة الطائفية، الطّائفة

والتّاريخ والعنف في لبنان القرن التّاسع عشر تحت

الحكم العثماني " قدّم رؤية جدّية وجديدة في مناقشة

مسألة الطائفيّة، والتي تندرج ضمن كتابات الجيل

الثّالث من المؤرّخين بحسب تصنيف المؤرّخ رضوان

السيّد، والذين ركّزوا على الجانب الثّقافي - السّياسي

والأيديولوجي (قضايا الدّولة والأمّة والسّلطة).

الأهمّية والإشكاليّات

ركّزت الكتابات السّابقة على التّحليل الاقتصادي -

الاجتماعي للظّاهرة المدروسة كما في كتابات دومينيك

شوفاليه " مجتمع جبل لبنان في عصر الثورة الصناعيّة

في أوروبا "، ووجيه كوثراني " الا اهات الاجتماعيّة

والسياسيّة في جبل لبنان والمشرق العربي من المتصرفيّة

العثمانيّة إلى دولة لبنان الكبير ". بينما حدّد مسعود

ضاهر في كتابه" الجذور التاريخيّة للمسألة الطائفيّة

اللبنانيّة 1697 - 1861 " تاريخًا للطائفيّة يتّضح من

عنوان الكتاب، وتعامل معها وكأ ا أصيلة في المجتمع

اللبناني، ليعمل على " التنبيش في جذورها ". وتهدف الدّراسة " لإعادة بناء تاريخ الهويّة الطائفيّة

الحديثة في جبل لبنان العثماني " من خلال سردٍ تاريخي

لفترةٍ انفتح فيها المجتمع المح اللّبناني على خطابات

الإصلاح العثمانيّة والأوروبيّة، واللتين ا ذتا

الدّين في إطار خطاب حداثوي مسرحًا للمواجهة

الكولونيالية بينهما. جاءت أعمال العنف الطائفي

في عام 1860 وسط هذه الظّروف والخطابات،

لذلك عمد بعض الباحثين إلى شرح الّوط التي

استطاعت بها الطائفيّة " كتراث " العودة إلى الظّهور في

المجتمع (ص. 23) يندرج كتاب مقدسي من الناحية المنهجيّة في فضاء

ما بات يُعرف بدراسات التّابع (Subaltern

Studies)، والتي تحاول أن تكتشف سرديّات

محلّية طمستها السرديّة الكبرى المهيمنة، والمقصود

بالسرديّة الكبرى، كما يستخدمها المفك ر الفرنسي

ما بعد الحداثي جون فرانسوا ليوتار، تلك

الأيديولوجيّات التاريخانية التي ترسم مخطّطًا للتاريخ

يسير بموجبه لتحقيق غايةٍ ثاويةٍ فيه، ويتمّ في ضوء

هذا المخطّط فهم غائيّة التاريخ. وهي أيديولوجيّات

أوروبيّة التّمركز في رؤية التّاريخ، وتروي فيها برمّتها

منظورات استشراقيّة للآخر. ويندرج في هذا الإطار

مقاربة الظاهرة القوميّة بصفتها ظاهرة تحمل في

طيّاتها النّموذج التاريخي الأوروبي، لذا جهدت هذه

المدرسة في ملاحقة ظواهر الدولة الحديثة والخيال

الحديث ومسألة الأمّة والقوميّة في الهند الكولونياليّة

وعدَتّها آثارًا استعماريّة تجعل المحلييّن تابعين ثقافيًّا

وسياسيًّا للمستعمر، وهو ما يطلق عليه مقدسي اسم

النّخبة المحلّية، ولا شكّ في أنّ المدرسة قد جهدت

أيضًا في محاولة استعادة ما أسمته أصوات المفقودين

لإعادة النّظر في ا اهات من المقاومة كانت سوف

تنتج حداثة بديلة. ويستخدم المقدسي هذا المفهوم

بشكل مفتاحي كاشفًا أنّ الغائب الوحيد من بين كل

القوى الاجتماعيّة الفاعلة في تلك الفترة كان سكّان

صيف 2012

الجبل. ويفسرّ ذلك أنّ الباحث قد اعتمد كثيرًا على

الوثائق والشّهادات التي سردت الأحداث من خلال

إحياء الوقائع وال كيز على سيرورتها كما حدثت دون

تدخّل منه، وتب دور النّخب المحلّية وارتباطاتها

مع الدّول الأوروبيّة وعلاقتها مع السّلطة السياسيّة

سواء أكانت عثمانيّة أم مصريّة وسرد طبيعة العلاقات

الاجتماعيّة السّائدة في الجبل. ومن هذا الأساس يتلخّص عمل هذا الكتاب في

رصد لحظة إنتاج الطائفيّة في جبل لبنان، منطلقًا من

فرضيّة مغايرة تعدّ الطائفيّة سرديّة ثقافيّة نابعة من

تأويل القوى المحلّية لفكرة الأمّة النقيّة كما وُلدت في

أوروبا في ظلِّ فترةٍ تاريخيّة تداخلت فيها الخطابات

وتعدّدت فيها مراكز في الفضاء الاجتماعي الواحد،

وممركزًا مقولة السّلطة - المعرفة في صلب إعادة

القراءة التاريخيّة.

يتألّف الكتاب من ثمانية فصول تتناول سرد وقائع في

مراحل تاريخيّة متعدّدة في جبل لبنان منذ نهاية القرن

الثّامن عشر إلى عام 1860. انتقل الكاتب من فصل

إلى فصل موضّحًا تطوّر رؤى القوى الاجتماعيّة في

كلّ فصل ع سبقه. والتي حدّدت في النّهاية سلوك

الأفراد في أعمال العنف الطّائفي. كما يوضّح في كلّ

مرحلة طبيعة السّلطة السياسيّة القائمة في الجبل

وخطابها السّياسي، محدّدًا معارفها ومصالحها، بحيث

تبرز خصائص سيرورة الأحداث والوقائع نفسها.

المسير نحو الحداثة: نظام الوجاهة وأفوله

يحاول المؤلّف من خلال حفره في الرّسائل والوثائق

والتّسجيلات التاريخيّة كشف النّقاب عن طبيعة

النّظام الاجتماعي السّائد في جبل لبنان قبل انخراطه

في مرحلة الطائفيّة، والذي لم ينفصل عن محيطه

المتمثّل في سوريا الكبرى. ويتوصّل المقدسي في الفصل الثالث إلى أنَّ المؤسّسة

الاجتماعيّة في الجبل حكمها قبل عام 1960 نظام

صارم، يقوم على المرتبة والمكانة، وحاصل على

مشروعيّته من خلال ما أسماه " حكم المعرفة على

الجهل "، هكذا تكمن في القمّة جماعة النّخبة التي

ضمّت الوجهاء ومؤرّخيهم وموظّفي الحكومة

العثمانيّة التي سيطرت على المعرفة الدينيّة والدنيويّة

وعدتّها أساسًا لتنظيم المجتمع على نحو تراتبي، بينما

يقبع في القاع القرويّون من الدّروز والموارنة الذين

عدّهم أهل القمّة جُهّاالً. وعلى الرّغم ا تضمّنه هذا النّظام من العنف

والاستغلال لمجاميع الف حين إلا أنّه أنتج فضاء

سياسيًّا وعامًّا يستوعب اختلافات العقيدة، وكان

الانتماء فيه إلى طائفة متشابكًا مع عددٍ من الهويّات

الدنيويّة الأخرى (كالعائلة والقرية والمرتبة)،

وفي حياة النّاس قامت فكرة الدّين على " التسليم

والسّكينة ورعايا سلبيّون شكّلوا أساس سياسات

الوجاهة اللا طائفيّة "، فهو في نهاية المطاف نظام

اجتماعيٌّ قائمٌ على القيم والمصالح المشتركة والخاصّة

بنخبةٍ سياسيّة ملوّنة. صحيحٌ أنَّ شيوخ عقل الدروز وكهنة الموارنة

امتلكوا القوّة الرمزيّة الضّامنة للتراتبيّة الاجتماعيّة،

واكتسبوا هذه القوّة من خلال معرفتهم الدّقيقة

بتفاصيل الكتب المقدّسة، واحتكارهم تفسيرها

وتوجيهها، ومع ذلك لم تكن هذه القوّة في يوم

من الأيّام تتعدّى الوجاهة والتّمثيل الاجتماعي،

فقد كانت " المرتبة لا الدّيانة هي المؤّ الأهمّ على

المكانة النخبويّة في جبل لبنان "، وقد كانت تهمة

الخيانة مرتبطةً بأولئك الذين خرجوا عن ولائهم

للوجاهات، وحتّى حين غزت القوّات المصريّة بلاد

الشّام في ثلاثينيّات القرن التّاسع عشر، وتبنّت خطابًا

إسلاميًّا تكفيريًّا ضدّ الدّروز الثائرين المستفيدين من

النّظام القديم، إلا أنَّ لفظ " الكافر " حينها لم يطل

الموارنة المسيحييّن الذين فضّلوا الاستكانة ومهادنة

النّظام الجديد. كانت بداية نهاية نظام الوجاهة في تاريخ جبل

لبنان مع الثورة ضدَّ حكم إبراهيم باشا في أواسط

ثلاثينيّات القرن التاسع عشر الذي تحالف مع

الكنيسة المارونيّة لقمع الثّورة وأمدَّ رعاياها

بالسلّاح، واستعمل مترجمين منهم للتّحقيق مع

المعتقلين الدّروز، إلا أنّه ومع صدور المرسوم العثماني

(خطّ كلخانة شريف) عام 1839، الذي تضمّن

المساواة بين المسلمين وغيرهم من الطّوائف الدينيّة،

انخرطت كلّ النّخب المحلّية في الثورة محاولة منها

لاستعادة عناصر القوّة التي وفّرها النّظام الاجتماعي

القديم، وللاستفادة من الامتيازات الأجنبيّة التي

تعاظمت في تلك الفترة، إضافةً إلى عوامل أخرى

مثل التّجنيد الإجباري وتجريد الأهالي من السلّاح.

(الفصل الرابع) خرج النّظام الاجتماعي للوجاهة من مرحلة الحكم

المصري مترهاّلً وأجهز عليه بروز قناصل الدّول

الأوروبيّة في مرحلة الامتيازات الأجنبيّة، والتي

ولّدت خارطة قوى محلّية سياسيّة جديدة لم تكن

الحكومة العثمانيّة سوى واحدة منها، وقد سعت

النّخبة المارونيّة إلى التنسيق مع القوى الأوروبيّة ممثّلة

بالنّمسا وفرنسا، بينما نسّقت النّخبة الدرزيّة الوارثة

للنّظام الاجتماعي القديم مع بريطانيا، وبرز لأوّل

مرّة تدخّل الكنيسة في الشّؤون السياسيّة ليصبح

أحد أهمّ المؤّات على الانقلاب بشكل كامل

على النّظام الاجتماعي القديم (الفصل الخامس.)

ولكن الفكرة الأساسيّة تتمثّل في أنّ تلك النّخب

عمدت إلى تقديم نفسها للقوى الأوروبيّة على أ ا

الممثّل الأساسي للطّوائف في جبل لبنان، وقد أدّى

ذلك في حالات كثيرة إلى سلسلةٍ من العنف الطّائفي

الذي كان أساسه التّنافس وهو ما سيغ المشهد

برمّته لاحقًا. مع تصاعد العنف الذي أعقب اندحار المصرييّن عن

الشّام، والا امات التي وجّهتها أوروبا الاستعماريّة

إلى الدولة العثمانيّة بالتّقصير في حماية الأقلّيات،

انساقت إسطنبول لتوصيف الّاع في الجبل بلغة

القبائل والطّوائف المتصارعة وبمصطلحات دينيّة

وقبليّة، ليُفهم المشروع الإصلاحي العثماني من قبل

السكّان على أنّه مشروع طائفي. ويسرد الباحث

وقائع المفاوضات بين السّلطنة العثمانيّة والدّول

الأوروبيّة لحلّ القضيّة في جبل لبنان، والتي انتهت

بشطر جبل لبنان إلى شطرين مسيحي ودرزي،

والذي لم يلبٍّ طموحات كلّ نخبة، ولكنّها تكيّفت

في النّهاية مع الأمر الواقع. لقد أدّى ضرب نظام الوجاهة وتدخّل القوى

الأوروبيّة لخلق جبل لبنان ذي حدودٍوإدارةٍ

طائفيّة إلى بروز شكل من أشكال " السّياسات

المحلّية " تنبّهت بموجبها القوى المحلّية إلى ما

تمتلكه من رأسمال ديني، تو ت من خلاله أ ا

لاعب أساسيٌّ في العالم الحديث، وقد ترجمت هذه

القوى هذا الاعتقاد إلى مزيدٍ من التّحالفات مع

القوى الأوروبيّة المختلفة، وإلى سياسات خطاب

رفعت شعار الحقّ في تمثيل كلّ جماعة لنفسها، أي

اعتبار نفسها جماعة سياسيّة، وبذلت كلّ نخبة جهدًا

كبيرًا لتسخير ال اث في خدمةِ قضاياها الخاصّة،

واستلزم ذلك منها " لقاءات وممارسة ضغوطٍ

أخلاقيّة ومادّية متواصلة من قبل زعماء كلّ طائفة

للتغلّب على المنافسين المحلّيين والفروق المناطقيّة

والولاءات العائليّة ".

ولكنَّ القوى المحلّية على أيّ حال لم تكن تقصد في

سياساتها المحلّية الجديدة سوى تحصيل مزيدٍ من

الحظوظ في نظام الوجاهة الاجتماعي، وما لم تقصده

ولم يخطر على بالِأحد أن تؤدّي سياسات الهويّة إلى

انخراط القوى الاجتماعيّة القابعة في القاع في المطالبة

بالتمثيل، وبالتحديد الف حين الموارنة. برز لأوّل مرّة في تاريخ الجبل بيطارٌ من العامّة يُدعى

طانيوس شاهين، فهم أنَّ التّنظيمات تنطوي على

المساواة داخل الطّوائف فضالً عن المساواة بينها،

على خلاف الفهم العثماني الذي رأى في التّنظيمات

مشروعًا للتّحديث العلماني محافظًا على المستوى

الاجتماعي، وعلى خلاف فهم النّخبة والكنيسة

المارونيّة وعلى خلاف حتّى فهم القوى الأوروبيّة،

وقد عمل شاهين على تجييش جموع الف حين الموارنة

في عددٍ كبير من القرى، والذين استفادوا من تراكم

السلّاح منذ عهد الحكم المصريّ (الفصل السّادس.)

رفع طانيوس شاهين قبل أحداث 1860 خطابًا

دينيًّا ممزوجًا بالحرّية والعدالة الاجتماعيّة، واستطاع

صيف 2012

بشعبيّته الكبيرة بين الف حين الموارنة وتمرّده على

الوجهاء الدّروز والموارنة معًا، تحدّي الكنيسة،

وتقويض محاولتها لتقديم نفسها ممثاّلً عن جماعة

متخيّلة هي الطائفة المارونيّة، ا حدا بها إلى

التّحالف مع الوجهاء الموارنة (أمراء آل الخازن)،

محاولةً من الجميع إنقاذ ما يمكن إنقاذه من بقايا

الوجاهة الاجتماعيّة.

لقد أفسحت سياسات النّخب التي استثمرت

لأوّل مرّة الهويّة الدينيّة المجال أمام شكل جديد

من " سياسات الطائفيّة التي تركّزت على إعادة

تعريف جبل لبنان جغرافيًّا وسياسيًّا وثقافيًّا "،

وكانت " إحدى النّتائج غير المقصودة التي ترتبّت

على جدالاتهم هي انفتاح الإمكانيّة النظريّة أمام

الأهالي التابعين لأن يطالبوا بدور سياسي واحتلال

مكانٍفي المشهد الطائفي "، وهكذا استقرّت الفترة

الفاصلة بين سقوط النّظام المصري وأحداث 1860

بتصاعد حالةٍ من الوعي الطّائفي وتحويل المشاكل

النّاجمة عن تعاملات الناس اليوميّة مثل حوادث

الصّيد (ص 109) أو شجار بين أطفال (ص. 182)

أو حالات تحرّش كاهن بأطفال دروز (ص. 213)

إلى قضايا طائفيّة.

خصّص الباحث الفصلين السّابع والثامن لسرد

أحداث العنف في عام 1860 وما بعدها ووضعها

في سياقها التاريخي والاجتماعي. إذ تج التوتّر

وأعمال العنف الاجتماعي في المناطق المتجانسة من

الناحية الديموغرافيّة التي يسكنها الموارنة فقط مثل

كسروان على أنّه صراع اجتماعي طبقي في الدّرجة

الأولى. بينما تج ال اع في المقاطعات المختلطة على

أنّه صراع طائفي.

خطيئة الحداثة: قومنة الطّائفة

يكمن مبتدأ الحكاية الطائفيّة عند المقدسي في سِير

وقصص الرحّالة والمبّين المسيحييّن الذين جاؤوا

إلى جبل لبنان في نهاية القرن الثامن عشر وبداية

القرن التّاسع عشر، مستفيدين من نظام الامتيازات

الأجنبيّة في الدولة العثمانيّة، فقد نظر هؤلاء إلى

سكّان الجبل بعدسةٍ شوفينية أوروبيّة على أ م

مثل سكّان الجبال الأوروبييّن، متميّزين بذلك عن

بقيّة " المحلّيين " الغارقين في الجهلِ والتخلّف، وقد

أسّست هذه النظرة طبقةً من المثقّفين تتميّز بانتمائها

لأوروبا شكالً وثقافةً، بمفعول البعثات التبشيريّة

اليسوعيّة. (الفصلين الأوّل والثاني)

ولّدت هذه المدارس نظرةً حديثة لأهالي جبل

لبنان إلى أنفسهم، بل إنَّ المقدسي يتناول بصفحات

معدودة تبدّل شكل الثقافة السياسيّة عبر حقبتين:

حقبة ما قبل الغزو المصري، وحقبة تقسيم جبل

لبنان وإعادة ابتكاره بمعاييرَ طائفيّة. لقد كانت الثقافة السياسيّة العثمانيّة في جبل لبنان

مرتكزة على الزّمن اللا خطّي، فكل " عقاب كان

ينطوي ضمنًا على استعدادٍمسبق للمسامحة،

وكلّ نفي كان خيُفّفُ بمعرفة أنَّ العودة والصّفح

وشيكان. وكلّ وضع راهن يمكن في النهاية أن

يفسح المجال لماضٍقابل لل ميم والاستعادة "

(84 ص)، وقد أدّى التعليم المح الحديث الذي

حمله المبّون اليسوعيون والذين هدفوا من خلاله

إلى " تجديد وهداية " شعب كامل واحتاج مرحلة

بلغت ثلاثين عامًا (1830 - 1860)، إلى " إفساد

المحل "، وإدخال مفاهيم العلم الحديث إلى جماعة

سكانيّة منعزلة هم الموارنة بالتّحديد.

لقد كان دخول الحداثة إذن إلى جبل لبنان عامالً

أساسيًّا في تطييفه. صحيح أنّ المقدسي يسرد في

عمله عوامل أخرى مثل استخدام السلطة العثمانيّة

مصطلحات ومفاهيمَ قديمة لوصف الّاع بين

الدروز والموارنة، وإضفاء القناصل الأوروبييّن

" نوعًا من البنية المدروسة على الحوادث المشوّشة

التي تحدث على الأرض "، إلا أنّه لا يخفى على أي

قارئ نبيه مركزيّة الحداثة في خلق الفرد المنتمي إلى

جماعة متخيّلة نقيّة، وفي حالة جبل لبنان وُلدت

" ثقافة جديدة تفرد الانتماء الديني على أنّه الصّفة

العامّة والسياسيّة المحدّدة لذات حديثة ومواطن

حديث "، والأزمة الكبرى التي سرعان ما تنفجر

هي أنَّ السّياسات الطائفيّة والتي هي ذات نهايات

مفتوحة لا يمكن احتواؤها ضمن السرديّات المغلقة

التي أنتجتها أوروبا الحداثة، وهكذا يجادل المقدسي

المؤرّخين السابقين بأنّ ما عدّوه أعظم نجاح تحقّقه

الطائفيّة في أحداث عام 1860 في جبل لبنان،

كان في الحقيقة " أعظم فشل متُْنى به الهويّة الطائفيّة

الواحدة في محاولتها فرض نفسها في عالم انتقائي "،

وتمثّل ذلك في فشل أيٍّ من النّخب (الوجهاء دروزًا

وموارنة أو الكنيسة أو ثورة الفلاحين الموارنة) في

تقديم نفسها على أ ا الممثّل الّعي لجماعة متخيّلة

قائمة بحدّ ذاتها. لذا فإنّ المؤلّف في خاتمة كتابه، يدعو دعوة روّاد

مدرسة التابع نفسها، بتحقيق قطيعة جذريّة مع

النظام الطائفي لإنتاج حداثة بديلة موجودة في

تراث المجتمعات. وعند التدقيق في الجسم النظري

الذي يقترحه المقدسي ويباشر عبره تحليل ثقافة

الطائفيّة في جبل لبنان، سنلحظ أنّه من أنصار

أسبقيّة التغ الثقافي في نشوء ثقافة الطائفيّة على دور

التغ ات الاقتصاديّة وتضارب المصالح في نشوئها. ومن أجل مقارنة نقديّة توضّح المقصود، سنحاول

الاستعانة بأحداث العنف الطّائفي في دمشق

في الفترة التاريخيّة نفسها، فقد أدّى ازدياد نفوذ

التجّار المسيحييّن وفجأة في ظلّ نظام الامتيازات

الأجنبيّة وقوانين التنظيمات، إلى أحداث عنفٍ

طائفي استمرّت ثلاثة أيّام متتالية. أي أنّ ما

حدث هو تخلخل تدريجي في النّظام الاقتصادي

السّائد في المناطق المختلطة طائفيًّا، نتيجة الاختراق

الاستعماري، وفي المقابل فإنّ مدنًا مختلطةً طائفيًّا

كمدينة اللاذقيّة (ثلاثة أرباع سك انها من المسلمين

والرّبع الأخير من المسيحييّن)، لم تشهد

أعمال عنف طائفي من هذا القبيل، لأنّ نشاطها

الاقتصادي لم يكن قائامً على التّجارة فقط (والتّجارة

هناك كانت محدودة، ومتركّزة أساسًا على تجارة

التّبغ)، فلم تشهد تغ ات اقتصاديّة تُذكر. يتّضح من خلال هذه المقاربة بين مدينتين مختلطتين

طائفيًّا تخضعان للسّلطة السياسيّة نفسها - إحداهما

حدثت فيها تغ ات اقتصاديّة، بينما حافظت المدينة

الأخرى على طابعها الاقتصادي المتواضع -أنّ

العامل الاقتصادي هو الذي قاد إلى نعرات طائفيّة

محسوبة على الثّقافة، ونستنتج بالتالي أنّ حراكًا

اجتماعيًّا غير متوازنٍنتج من الاختراق الاستعماري

هو الذي قاد إلى هذا الوضع. إنَّ الغائب عن تحليل المقدسي هو إدراك مدى أهمّية

مركزيّة الدولة الحديثة وقوتّها كشرطٍ من شروط

نشوء الأمّة، وفي مجتمع مثل مجتمع جبل لبنان، حيث

غابت الدّولة المركزيّة بفعل التدخّل الاستعماري

سوف يكون من الطّبيعي أن يصبح المجتمع " غًابة

من الرأسماليّة التابعة ".

ما الذي نستطيع أن نستخلصه من هذا الكتاب؟

يعدّ كتاب أسامة مقدسي من المساهمات الجدّية

والجديدة في بحث مسألة الطائفيّة، وتأتي أهمّيته

من إثارة أسئلة جديدة لم تكن مطروحة بهذا

الشّكل من قبل. ونستطيع أن نستنتج من الكتاب

أنّ الطائفيّة وحوادثها، تنشأ عندما يحصل انقلاب

في النّمط الاجتماعي السّائد في مجتمع ما، وما يرافق

ذلك من تغ ثقافي متعدّد الا اهات والجوانب

في بنية المجتمع، والتي تهدّد بنية النظام السّياسي

القائم. ولذلك يحاول هذا النّظام القيام ببعض

الإصلاحات بقصد استيعاب موجة التّغيير مترافقة

مع ضغوطٍ خارجيّة تحاول الاستفادة من الوضع

القائم. ولكن الذي يتسبّب في وقوع أعمال العنف

الطّائفي أو عدمها هو دور النّخب المحلّية ووعيها

الثقافي والحضاري لدورها في تلك الظّروف، ويبقى

ذلك مرتبطًا بمصالحها ودور السّلطة السياسيّة

الحاكمة. أمّا من يسيّس تلك الهويّات الاجتماعيّة

سواء عن عمدٍ أو عن غير عمد فهو مصالح الدّول

التي تبني شبكات زبائنيّة لها، وتصل فعاليّتها إلى

ذروتها في التدخّل الخارجي.

صيف 2012

الهوامش

أورده: وجيه كوثراني، الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين

الطويل دراسات في البحث والبحث التاريخي (بيروت: دار

الطليعة، 2000.90)، ص دومينيك شوفاليه، مجتمع جبل لبنان في عصر الثورة

الصناعية في أوروبا، ترجمة: منى عبد الله عاقوري، ط 2

(بيروت: دار النهار،.)2001 وجيه كوثراني، الاتجاهات الاجتماعيّة والسياسية في جبل

لبنان والمشرق العربي من المتصرفية العثمانية إلى دولة لبنان

الكبير (بيروت: منشورات بحسون الثقافية،.)1986 مسعود الضاهر، الجذور التاريخية للمسألة الطائفية اللبنانية

1861 - 1697 (بيروت: معهد الإنماء العربي،.)1981 تيموثي ميتشل، " مدرسة دراسات التابع ومسألة الحداثة "

(121-100 ص)، ترجمة بشير السباعي، في:

Alif: Journal of Comparative Poetics , No. 18, Post- Colonial Discourse in South Asia/ 1998.

استخدم هذا المصطلح الباحث جمال باروت في حلقة بحث

عن الهيكل الدّياني والمذهبي السوري قدّمها في شهر أيار/

مايو 2011 في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

وفي مؤتمر " الثورة العربية والديمقراطية: جذور النزعات

الطائفية وسبل مكافحتها " في الدوحة كانون الثاني/يناير

لم يدخل الكاتب في التفاعلات داخل الطائفة الدرزية

واكتفى بالطائفة المارونية. وقد اعترف بذلك في مقدّمة

كتابه، وردّ ذلك إلى النقص في المعلومات. وتفضيله

أن يكتب جزءًا من التاريخ بدلا من ألا يكتب بأسلوبه

ومنهجه. من أجل الحصول على تفاصيل دقيقة لزيادة نفوذ التجّار

المسيحييّن في تلك الفترة، وجيه كوثراني: الاتجّاهات

الاجتماعيّة والسياسيّة، مرجع سبق ذكره، ص 44:. وأيضًا

خليل أنجالنك ودونالد كواترت، التاريخ الاقتصادي

والاجتماعي للدولة العثمانيّة، المجلّد الثاني 1600 -

1914، ترجمة قاسم عبده قاسم، ط 1 (بيروت: دار المدى

الإسلامي، 2007)، ص.598.600-599 المقصود بمدينة اللاذقية المركز دون الريف، يوسف حكيم،

سورية والعهد العثماني، ط 4 (بيروت: دار النهار، 1991)

ص.66 1 المرجع نفسه، ص.96-94 1 عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقدية (الدوحة /

بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،

، ص 2011.132)