العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الدّور التنمويّ للدولة: دراسة مقارنة للخبرة المصرية المعاصرة على مشارف ثورة 25 يناير

الدّور التنمويّ للدولة: دراسة مقارنة للخبرة المصرية المعاصرة على مشارف ثورة 25 يناير

The Development Role of the State: A Comparative Study of the Contemporary Egyptian Experience

محمد عبد الشفيع عيسى *

الملخّص

تعالج هذه الدراسة الدّور التّنمويّ للدولة في مصر، منذ قيام ثورة 23 يوليو 1952 حتى ثورة 25 يناير 2011، وتولي اهتمامًا خاصًا للمرحلة الممتدة من 1971 حتى 2011، نظرا لما يصفه الكاتب بـ"تصفية الدور التنموي للدولة"، وما كان له من أثرٍ سلبيّ حاسم على الهيكل الاقتصادي المصري طوال الأعوام الأربعين الأخيرة. وتظهر الدراسة أنّ النظام الاقتصادي ارتكز خلال هذه الأعوام على دعامتين: أولاهما قوى السوق الحرة، وثانيتهما القطاع الخاص الكبير. تقترح الدراسة، مع قيام ثورة 25 يناير 2011، خمسة أبعادٍ أساسيّة للتغيير تتعلق بالتّنمية الشّاملة، والتّخطيط الوطنيّ، والتّركيز على الصناعة التحويليّة، وإنتاج الخدمات العلميّة-التكنولوجيّة، واستعادة الوظيفة الاقتصاديّة والاجتماعيّة الإشرافيّة للدولة والقطاع العام، بالتعاضد مع القطاع الخاص المنتج والقطاع التعاونيّ، وتعبئة "الفائض الاقتصاديّ" من خلال سياسات توزيعيّة تتسم بالنجاعة والعدالة.

Abstract

This study deals with the development role of the Egyptian state in the period from the July 23 revolution of 1952 until the January 25 revolution of 2011. It gives particular importance to the period from 1971 to 2011, given what the author describes as “the elimination of the development role of the state” and the pronounced negative effect this had on the economic structure of Egypt over the past 40 years. The author illustrates how the economic system in this period was based on two main pillars: free market forces and a large private sector. In light of the revolution of January 25, 2011, the study proposes five key dimensions for change related to comprehensive development: national planning, a focus on manufacturing industry, the production of scientific and technological services, the restoration of the social and economic oversight role of the state and the public sector in close cooperation with the productive private sector and the cooperative sector, and the mobilization of “the economic surplus” by efficient and fair distribution policies.

الكلمات المفتاحية:
  • التخطيط الوطني
  • الصناعات التحويلية
  • التنمية الشاملة
  • قوى السوق الحرة
  • الفائض الاقتصادي
Keywords:
  • The State
  • Egypt
  • July 23 Revolution
  • January 25 Revolution
  • Development

دراسة مقارنة للخبرة المصريّة المعاصرة على مشارف ثورة 25 يناير

تعالج هذه الدراسة الدّور التّنمويّ للدولة في مصر، منذ قيام ثورة 23 يوليو 1952 حتى ثورة

25 يناير 2011، وتولي اهتمامًا خاصًا للمرحلة الممتدة من 1971 حتى 2011، نظرا لما يصفه

الكاتب ب " تصفية الدور التنموي للدولة "، وما كان له من أثر سلبيّ حاسم على الهيكل الاقتصادي

المصري طوال الأعوام الأربعين الأخيرة. وتظهر الدراسة أنّ النظام الاقتصادي ارتكز خلال هذه

الأعوام على دعامتين: أولاهما قوى السوق الحرة، وثانيتهما القطاع الخاص الكبير. تقترح الدراسة،

مع قيام ثورة 25 يناير 2011، خمسة أبعاد أساسيّة للتغيير تتعلق بالتّنمية الشّاملة، والتّخطيط

الوطنيّ، والرتّكيز على الصناعة التحويليّة، وإنتاج الخدمات العلميّة -التكنولوجيّة، واستعادة

الوظيفة الاقتصاديّة والاجتماعيّة الإشرافيّة للدولة والقطاع العام، بالتعاضد مع القطاع الخاص

المنتج والقطاع التعاونيّ، وتعبئة "ّالفائض الاقتصادي " من خلال سياسات توزيعيّة تتسم بالنجاعة

والعدالة. حينما نَدلف إلى هذا الموضوع، نستدعي الظروف الخاصة بالبلاد النامية، في مرحلة ما بعد الاستعمار،

حيث تتسع الفجوة مع الدول المُتقدّمة اقتصاديًّا، عبر الزمن، على مستوى الدّخل، والهياكل

الاقتصادية، ومدى الاعتمادية الذاتية، والتطوّر التكنولوجي، ويصير من المهم تحقيق ما يُشبه " القفزة النوعيّة "

في الأداء الاقتصاديّ الكُّ، من خلال تعبئة الطاقات الوطنية، وما يتيسرّ من خارجها، والقيام بما س ه البعض

" الدفعة القوية " في بدايات العملية التنموية.

أولا: الدور التنموي للدولة: نظرة عامة

وبنظرة متجرّدة، على المستوى التاريخي العام، يتب وجود دور مع للسلطة العامة وجهاز الدولة، في توفير

الشروط الأوّلية لتعبئة الفائض الاقتصاديّ المُتاح، وتراكُم رأس المال، وتخصيص الموارد بطريقة ناجعة، في

اتجاه بناء هيكل اقتصاديّ صناعيّ، ثم "ّما بعد صناعي "، على قاعدة من التوازن الاجتماعيّ النسبيّ، والتمحور

صيف 2012

الوطني حول الذات. ودلّت التجربة التاريخية للدول ذات التصنيع المُبكر -في حالة بريطانيا وفرنسا بالذات - على توافر هذه الشروط، اعتمادًا على الاستعمار خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر وما بعدهما، وعلى

استغلال الطبقة العاملة في مرحلة الثورة الصناعيّة خلال القرن الثامن عشر، فكانت الطريق مهدا أمام " المشروع

الخاص " للقيام بعملية " التنمية ". وكان للبلدان " ذات الاستيطان الحديث " في أميركا الشمالية وأوقيانوسيا،

سياقٌ خاص بعملية التطوّر الصناعيّ، اعتمادًا على هجرة البشر والموارد الرأسمالية من " الدول الأم "، فتيسرّ ت

الطريق أيضًا أمام " المشروع الخاص "، أو " الرأسمالي " بتعبير أدق. أما في بعض بلدان غرب أوروبا ذات التجربة

اللاحقة في التطور الصناعي - ولا سيما ألمانيا وإيطاليا – فقد كان دور الدولة حاسامً للحاق بمن سبقها أوروبيًّا

وأميركيًّا. وقُلْ مثل ذلك عن اليابان، سواء في " عصر الميجي "، اعتبارًا من ستينيات القرن التاسع عشر، أو في

مرحلة " التنمية السريعة " بعد الحرب العالمية الثانية. وجريًا على السُنّة اليابانيّة، جاءت تجارب التنمية في منطقة شرق آسيا، خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن

العشرين، في سياق دوليّ خاص جدًا، اعتمادًا على الدور الحاكم للدولة، استغلاالً" للعمل الرخيص "، وتصدير

المصنوعات إلى الولايات المتحدة بالذات. وهذه حالة كوريا الجنوبية وتايوان، وغيرهما. وكانت الدولة في تجارب أميركا اللاتينية، حاضرةً بقوة في المشهد التنموي، منذ أواسط القرن العشرين حتى الآن، بأشكال متفاوتة، عبر المراحل المختلفة، وبخاصة مرحلة ما يُسمى " التصنيع بإحلال الواردات " في

الخمسينيات والستينيات من القرن المُنصرم، ثم في المرحلة الأخيرة (أوائل القرن الحادي والعشرين). وأبرز ما

يُميّزها قفزة البرازيل التنموية، في عهد رئيسها السابق لولاّ دي سيلفا. ولا ننسى، في عرضنا الإطار التاريخيّ للتنمية -بالتركيز على دور الدولة- علامات بارزة على هذا الدور

في تجارب الدّول الرائدة في " العالم الثالث " السابق، عبر الشق الأفريقي - الآسيويّ، خلال الخمسينيات

والستينيات وشطر من السبعينيات من القرن العشرين، اعتمادًا على التصنيع بإحلال الواردات، وعلى المعونة

السوفياتية و " الصينيّة ". وتلك حال مصر الناصريّة، والهند بقيادة نهرو، وغيرهما كثير. أما في الاتحاد السوفياتي السابق، والصين، فقد كان دور الدولة لازمًا ولازبًا -بحكم الأيديولوجيا- بلا مراء.

وعلى الرغم من التقلّبات، ظلت " الدولة " أبرز فاعل تنموي في الصين الشعبيّة حتى الآن. وما لنا لا نقول إنّ دور الدولة في عقر دار العالم الرأسمالي -أوروبا الغربية والشمالية، والولايات المتحدة

الأميركية- ظهر، ثم تعاظم على وقع أزمة الكساد الكبير في الثلاثينيات من القرن المنصرم، ثم تعاظم عل ام

على سياسة اقتصادية جديدة نقلت محور الثقل من " المشروع الرأسمالي " إلى " الدولة المتدخلة "، تحت لواء ما

سُمّي بالكينزية، والكينزية الجديدة، حتى نهاية السبعينيات أو مطلع الثمانينيات من القرن الماضي. ثم ها هي

الرأسمالية العالمية تستشعر الخطر المقيم، نتيجة استفحال الدور الاقتصادي - الاجتماعيّ للدولة في الغرب

الرأسمالي، في ما سُمّي أيضًا " دولة الرفاه "، ونتيجة عدوى محتملة للأيديولوجيا الاشتراكية والماركسية،

فاستيقظت حمّى الاتجاهات المحافظة، بل المُغالية في محافظتها، فبرزت-على وقع " أزمة التضخم الركودي "،

بعد استعصاء إمدادات الطاقة و " الصدمة النفطيّة الأولى " في أواسط السبعينيات- نزعة " استنكافية " واضحة

وضوح الشمس في رائعة النهار، تبتعد عن تدخلية دولة الرفاه، وتُلقي اللوم – في تلك الأزمة- على سلوك

هذه الدولة بالذات، عبر تنامي إنفاقها الاجتماعي على الفقراء والضعفاء، وتلقي اللوم أيضا على تنامي الوزن

الدور التنموي للدولة: دراسة مقارنة للخبرة المصرية المعاصرة على مشارف ثورة 25 يناير

النسبي للدول النامية في تحقيق السيادة على مواردها الذاتية. حينذاك، تشعّبت نزعة الاستنكاف عن الكينزية،

في اتجاهين: نزعة، في الجانب الاقتصادي، إلى تبني آراء غلُاة الليبراليين، " أعداء الدولة "، ورُعاة " الحكومة الدنيا "، من

أنصار المدرسة الفكرية المُسماة بالنقديين الجدُد، أتباع ميلتون فريدمان. وعلى الدرب سار دُعاة " اقتصاديات العرض " - تشجيعًا لأصحاب المشروعات الكبيرة - لمعارضة اقتصاديات الطلب " ذات المنحى

الكينزي " المحبذ للإنفاق على التشغيل، ورفع الميل العام للاستهلاك. وتمثّلت " اقتصاديات العرض " في " الريغانية الاقتصادية " أوائل الثمانينيات من القرن العشرين، في الولايات المتحدة، بالتزامن مع " التاتشرية " في بريطانيا. وفي هذا السياق، تبلورت (الليبرالية الجديدة) الداعية إلى استبعاد دور الدولة، بواسطة كوكبة " الليبراليين الجُدد ". وكان لأولئك باعٌ طويلٌ -من خلال طواقم صندوق النقد الدوليّ والبنك الدولي-ّ في

دعوة البلدان النامية المدينة (من دَين) إلى التقشف، لتوفير الموارد عبر ضبط الإنفاق الاجتماعيّ، والحدَ

من الواردات، حتى الضرورية منها، والسماح بمعدّل مرتفع نسبيًا للبطالة، مقابل مراقبة نسبية للتضخّم.

والأهم: إطلاق العنان للقطاع الخاص، وقوى السوق، واستبعاد التدخّل العام والمنهجية التخطيطية، إيمانًا " أيديولوجيًا "، بأفضلية القطاع الخاص على القطاع العام، وأفضلية قوى السوق على الخطة، والاقتصاد

المُسمّى بالحُر على الموجّه. وذلك فحوى " برامج التكيّف الهيكلي " التي انتشرت انتشار النار في الهشيم عبر

أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، خلال الثمانينيات والتسعينيات، تحت رعاية صندوق النقد الدولي - الوكيل عن الولايات المتحدة وأوروبا الغربيّة – من غير مُنازع. أما الاتجاه الآخر للاستنكافية السياسيّة الجديدة، فبرز في نزعة سياسيّة وفكرية موازية لنزعة " الليبراليين

الجُدد في الميدان الاقتصادي "؛ وتلك نزعة " المحافظين الجُدد " القاضية بتقليص نفوذ القوى المُع ة عن

الطبقات الشعبية والمتوسّطة، في أوساط النقابات والأحزاب وجماعات المصالح، على الصعيد الداخلي؛

واستئصال نفوذ القوى المُعارضة والمُعادية للهيمنة الغربيّة والأميركيّة على الصعيد الدولي.ّ وعلى هذين الجناحين، من" الليبرالية الجديدة " و " المُحافظين الجُدد "، مضت القوى المُسيطرة على النظام

العالميّ، حت كِم قبضتها على العالم عمومًا، والعالم النامي خصوصًا، وفي القلب منه بلدان الوطن العربيّ، خلال

الثلاثين أو الأربعين عامًا الأخيرة. فقيُضِ على البلدان الناميّة والعربيّة، أن حت لَّ المشروعات الخاصة محل القطاع

العام، وحت لّ قوى السوق محل الدولة، وتجعل " اللبّرلة " الشاملة بدالً من التخطيط، بله التوجيه الاقتصادي.

وحلّت شعارات التنمية البشريّة (والإنسانيّة!) محل التنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وأصبحت" مواجهة

الفقر " بديالً من تصحيح الخلل الهيكلي المُزمن في توزيع الثروة الوطنيّة والدخل المحلي. وفي ظل ذلك، تحققت

أحيانًا معدلّات مرتفعة للنمو الاقتصاديّ، خاضعة لمنطق التقلّبات والدورات الاقتصاديّة؛ بينما اتّسعت شقة

التفاوت بين المُنتجين اليدوييّن والذهنييّن، وبين مُّك رأس المال المُحقق من علاقة التزاوج مع السلطة، وعبر

شبكات الفساد المُعمَم، كما تكرّس واقع الانكشاف الاقتصاديّ للبلاد، والاعتماد على الخارج، تكنولوجيًّا

وماليًّا وغذائيًّا.

صيف 2012

ثانيًا: دور الدولة التنمويّ في تجارب شَرق آسيا

يمكن القول -في ضوء الدراسات التجريبيّة الموثّقة- إن " الدول النامية حديثة التصنيع "، و " المُصنّعة حديثًا " في

منطقة شرق آسيا، حققت إنجازها الإنمائي الرئيس، والقائم على الصناعات الموجّهة نحو التصدير -في مراحله

الأولى على الأقل- استنادًا إلى سياسة عامة، للصناعة والتجارة، معتمدة بصفة أساسية على تدخّل الدولة،

بدرجات متفاوتة، في الحياة الاقتصادية، وعلى تسهيلات تجارية موسّعة من الولايات المتحدة بالذات. وطبّقت " دول شرق آسيا " ممثلة بصفة خاصة بكوريا الجنوبية وتايوان (مع إدراك الوضع الخاص للصين)، نوعًا

من " الاقتصاد الموجّه " عن طريق فرض الانضباط على قوى السوق والقطاع الخاص، في اتجاه بناء قطاع صناعي

تصديريّ قوي، مع ميل إلى التعميق الصناعيّ والتكنولوجيّ عبر الزمن، وتطبيق سياسة " احتجاز السوق

المحلية " بصفة انتقائية في قطاعات معيّنة للإحلال محل الواردات.

وكان نشاط الشركات الكبرى ذات الطابع العائليّ في كوريا الجنوبية، والمُس ة ب " الشايبول "، تحت إشراف

الحكومة ومراقبتها، مثاالً نموذجيًا لما نقصده. وعمومًا، يمكن القول إن الإنجاز الاقتصادي "ّالشرق آسيوي " منذ منتصف السبعينيات حتى منتصف

التسعينيات، وهو ما وصفه البنك الدولي في كتاب شهير بالمعجزة، ارتبط ببعديْن: أولهما الدور الملحوظ للدولة

ضمن النموذج الإنمائيّ الذي استلهم إلى حدٍ كبيرٍ معالم المثال اليابانيّ، وجرى التعبير النظريّ عن ذلك في ما

يُسمى مفهوم " الدولة التنمويّة ". وأما البعد الثاني، فيتمثل في العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة الأميركيّة، وفق المنظور الذي طوّره عدد من

دارسي أميركا اللاتينية، وهي العلاقة التي توسم باسم " التبعيّة ". وإن " الدولة التنمويّة " والعلاقة الخاصة -أو " التبعيّة " -، لم تكونا متعارضتين تعارضًا تامًّا، كما لم تكونا متطابقتين

تطابقًا تامًا أيضًا. وفي إطار هذه الوضعية ذات الوجهين، تحقق الإنجاز الآسيوي الكبير. في ضوء ما سبق مباشرة، يمكن تفسير " الإنجاز -عجزة المُ " في شرق آسيا، بعاملين أساسيين هما: الدور الفاعل

للدولة، وطريقة التعامل مع المتغيرات الدوليّة. وبينما قدّم صانعو سياسات البنك الدوليّ وصندوق النقد الدوليّ قراءةً خاصة لتجربة النموّ الشرق آسيوي

-اعتمادًا على رفع " قوى السوق " إلى مرتبة القوّة الدافعة الوحيدة تقريبًا للنموّ الاقتصادي - فإن قراءةً أخرى

أكثر دقةّ للتجربة تقود إلى نتيجةٍ مختلفة؛ وهي أنّ تدخّل الدولة، وبتعبير أدق: الدور الفاعل للدولة، وطريقة

التعامل مع المُتغ ات العالميّة، مثّلت القوة الدافعة الرئيسة للنمو الاقتصاديّ في شرق آسيا. الدور الفاعل للدولة ونركّز على تحليل دور الدولة من خلال نقاط مُتسلسلة، بالتطبيق على كوريا الجنوبية وتايوان بصفة خاصة:

1 انظر: محمد عبد الشفيع عيسى، العالم الثالث والتحدي التكنولوجي الغربي (بيروت: دار الطليعة، 1984)، ص 131 -.188 2 انظر: محمد عبد الشفيع عيسى، " عولمة الاقتصاد في شرق آسيا "، في: آسيا والعولمة (القاهرة: مركز الدراسات الآسيوية، كلية الاقتصاد

والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2003)، ص 69-45.

الدور التنموي للدولة: دراسة مقارنة للخبرة المصرية المعاصرة على مشارف ثورة 25 يناير

تدخّل الدولة، أو "توجيه الاقتصاد:"

كما أشرنا سابقًا، ليس تدخّل الدولة في حد ذاته ما يُفسر الإنجاز الآسيويّ في ميدان التصنيع والتنمية، لكنه

-بالدقة- التدخّل " الفاعل "، الذي - كما يقول ريس جنكينز في إحدى دراساته المهمة – سمح بتبني سياسة

صناعية محددة، تتميز بأربع س مات رئيسة هي: المرونة، والانتقائيّة، والتناسق، والتركيز على دفع عملية التطوير

والارتقاء بدالً من مجرد الضبط أو التوجيه. وتتمثّل المرونة في الرغبة، والمقدرة على تغيير السياسات إذا ثبت عدم جدواها، كما هي الحال بالنسبة إلى بعض مشروعات الصناعة الثقيلة في كوريا الجنوبيّة في أوائل الثمانينيات.

وأما " الانتقائية "، فتتمثل في توجيه الحوافز الحكوميّة بطريقةٍ" تمييزية " بين الأنشطة والقطاعات الاقتصاديّة،

بحسب المعايير التي تضعها الدولة. وأهم هذه الحوافز ما يتعلق من جهة أولى بالحماية التجاريّة -الجمركيّة

وغير الجمركيّة- للإنتاج المحلي من السلع المُماثلة للواردات، ومن جهة ثانية بتوفير الائتمان المُتاح من القروض

الأجنبية، وبأسعار فائدة منخفضة نسبيًّا، للقطاعات والأنشطة المرغوبة دون غيرها. وأما التناسق، فقد تحقق من خلال " توافق عام " حول أهداف السياسة الصناعيّة، بما حيُ قّق التجانس بين

السياسات المُتّبعة، ويوفر الانسجام بين كافة " الأطراف الفاعلة " في الميدان الاقتصاديّ والصناعيّ. ومن أهم

المقوّمات التي وفّرت هذا التناسق هو إقامة كيان مركزيّ أُنيطت به مَهمّة التخطيط للتنمية والتصنيع في كل من

كوريا وتايوان. ثمّ يأتي تركيز الدولة على تعزيز التطوّر قبل ممارسة " الضبط "، استنادًا بصفة خاصة إلى السيطرة على الجهاز

المصرفيّ. ونلُاحظ هنا، بالنسبة إلى كوريا الجنوبية، أنّ الدولة تملّكت أغلبية رأس المال في كل البنوك الرئيسة حتى مطلع الثمانينيات، واستطاعت من هذه الطريق أن تُسيطر على أكثر من ثُل ثي الموارد القابلة للاستثمار؛ وبالنسبة إلى تايوان فإنّ الدولة كانت تملك معظم البنوك الرئيسة، واستطاعت من ثمّ السيطرة على النظام الماليّ ككل.

المتطلّب الأوّلي الرئيس لحدوث التدخل الفاعل:

يتمثّل هذا المتطلّب في " قوة الدولة " إزاء الجماعات الاجتماعيّة المختلفة، وبتعبير آخر: الاستقلالية النسبيّة للدولة.

وينصرف مفهوم " الاستقلالية النسبيّة للدولة " - بحسب ريس جنكينز - إلى " قدرة الدولة " على اتّباع سياسات

تصُبّ في مصلحة الاقتصاد وفق رؤية القطاع الخاص ككل، حتى وإن كانت تتعارض مع مصالح شرائح بعينها

من هذا القطاع. وتتصف هذه القدرة بالنسبيّة، بمعنى أنّ الدولة لا يُمكن أن تتصرف بما يناقض المصالح طويلة

الأجل للمجموعة الاجتماعية المسيطرة في مجملها.

3 Rhys Jenkins, “The Political Economy of Industrialization: A Comparison of Latin American and East Asian Newly Industrializing Countries”, In: development and change, (London and New Delhi: SAGE, 1991) vol. 22, pp. 197 - 233. 4 Ibid, p.206. 5 Ibid, p.202.

صيف 2012

متطلّبات مترتبة على ما سبق:

وأهمها إعادة بناء جهاز الدولة، ليتوافق مع المهمة التنمويّة في ميدان التصنيع بصفة خاصة. وتقوم " إعادة البناء "

على الأسس الآتية: بناء جهاز بيروقراطى قادر على تنفيذ سياسة الحكومة. توفير حدٍ أدنى مع من التجانس والتناسق بين أجهزة الدولة المختلفة، بدءًا بإنشاء جهاز مركزيّ

ضابط على غرار " مجلس التخطيط الاقتصادي " (EPB (Economic Planning Board " في كوريا

الجنوبية، ومجلس التعاون الاقتصادي الدولي والتنمية (CIECD) في تايوان. توفير حدٍ أدنى من استقلالية جهاز الدولة في مواجهة المجتمع السياسيّ، بدءًا بنزع " التسييس " نسبيًا عن

الجهاز الحكوميّ. ويترتب على ذلك عدم ربط الجهاز الحكوميّ باعتبارات التشكيلة الحزبية أو السياسيّة

القائمة، سواء في تكوينه العضوي أم في توجّهات النشاط. توفير الأدوات اللازمة لقيام الدولة بدورها. وتمثَّل ذلك، كما أشرنا، في السيطرة على النظام المصرفيّ،

باعتباره مدخالً حاكامً لتمويل التنمية والتصنيع، وبخاصة من قناة الاقتراض الأجنبي. وفي جمهورية كوريا (الجنوبية)، على وجه التحديد، تحك مت الدولة تمامًا في عملية استقبال القروض الأجنبية

" [....] وهذه إما أ ا قروضٌ مٌقدّمة للحكومة الكوريّة نفسها، وإما أ ا مُقدّمة للقطاع الخاص، لكنها مضمونة

السداد من جانب الحكومة الكوريّة - وفي الحالين تقبض الدولة الكوريّة على القروض الأجنبية، منذ لحظة

وصولها إلى " المصب " داخل البلد، ثم تقبض عليها مرة أخرى حال إعادة تدفّقها إلى المستثمرين الكبار الخواص من " المنبع " المحلي. وبعبارة أخرى، فإن الدولة الكورية وحدها تصبح هي الضامن لمقدرة الشركات الخاصة للوصول إلى القروض الأجنبية والتسهيلات الائتمانية ".

"الالتزام السياسيّ" بقضية التنمية:

إنّ الاستقلالية النسبيّة العالية للدولة؛ والتشكيل الداخلي المناسب لجهاز الدولة؛ وتدخّل الدولة الفاعل في

الحياة الاقتصاديّة، تمثل معًا، ما يُمكن أن نعده " الشرط الضروري " للنموّ الصناعيّ السريع، لكنه ليس شرط ا

كافيًا، إذ يُضاف إليه التزام قوي من جانب الدولة بالإنماء الاقتصاديّ، كونه " رسالة مقدّسة " يتع الوفاء

بها؛ وهذا ما حدث في كلٍّ من كوريا وتايوان إلى حد بعيد. إذ كان هذا الالتزام " تعهدًا تعاقديًا " ضمنيًا، داخل

صيغة معيّنة للتحالف أو " الشراكة " بين الدولة والقطاع الخاص. وفي هذه الصيغة، كانت الدولة هي الأقوى،

بقدرتها على أن تقرر التوجهات الرئيسة التي يجب أن يسير عليها القطاع الخاص، وعلى أن تحمل هذا القطاع على تنفيذها، بكل ما تملك من أدوات، ابتداءً من احتكار مرفق التمويل، وانتهاءً بالإرغام العيني المجسّد، الذي

يصل إلى حد سجن المخالفين.

6 محمد عبد الشفيع عيسى، " دور الموارد الأجنبية فى التجربة الائتمانية الكورية "، بحث مقدّم للمؤتمر السنوي الأول للدراسات

الآسيوية، مركز الدراسات الآسيوية، جامعة القاهرة، 1995، ونشر فى كتاب المؤتمر: سليم محمد سالم (محرر)، النموذج الكوري للتنمية

(القاهرة: مركز الدراسات الآسيوية، جامعة القاهرة، 1996)، ص 526 – 573،.543

7 Rhys Jenkins, op.cit, p.214.

الدور التنموي للدولة: دراسة مقارنة للخبرة المصرية المعاصرة على مشارف ثورة 25 يناير

النتيجة الرئيسة المُستخلصة من ذلك أنّ التنمية، بل ومجرد " النمو "، لا يمكن تحقيقه من خلال صيغة تقليدية

للعمل المشترك بين الدولة والقطاع الخاص، حين تتحوّل الدولة إلى مجرد " ميس "، تتو استكشاف رغبات رأس

المال الخاص المحلي والأجنبي، وتُباد ر بتلبيتها، بدءًا من تيسير إجراءات " الدخول " إلى سوق الاستثمار، وانتهاء

بسخاء الإعفاءات الضريبيّة، سواء على أساس " زمني " أم على أساس "ّنوعي "، وهو ما رأيناه في الحالة المصريّة

عبر تجربتها التاريخيّة مع الاستثمار الأجنبي (الإعفاء الضريبيّ لمُدد معيّنة في القانون رقم 8 لعام 1998، وما

تلاه من تشريعات، والإعفاء من ضرائب معيّنة - هي الضرائب غير المباشرة – في قانون " المناطق الاقتصاديّة

الخاصة " لعام.)2002

"الدولة التنمويّة" (الاستبداديّة:)

خلُاصة النقاط السابقة، أنّ الدولة في النموذج الشرق آسيويّ، وفق المثال الكوري - التايوانيّ، هي دولة

مُلتزمة بقضية التنمية، باعتبار أنّ الإنجاز الاقتصاديّ يُمثل قاعدة " الشرعية السياسيّة " للنظام السياسيّ، الذي

اتخذ سمْتًا استبداديًا أو تسلّطيًا مؤكَّدا خلال مرحلة الانطلاقة التنموية الأولى، وبخاصة باتجاه الطبقة العاملة

وحقوقها الاقتصاديّة والنقابيّة والسياسيّة. تحدد مركز الوظيفة التنمويّة للدولة في ما يُمكن أن يُطلق عليه وصف

" السيطرة على شروط التراكم "، تراكم رأس المال؛ ويندرج ضمن ذلك، ما يلي: تحويل الفائض الاقتصاديّ من الزراعة إلى الصناعة، أو من الريف إلى المدينة. وحت قق هذا من خلال

سياسة " التسليم الإجباري لمحاصيل الحبوب "، بأسعار منخفضة من المزارعين الذين تملّكوا الأرض

بمقتضى الإصلاح الزراعيّ في كلًّ من كوريا وتايوان، وهو الإصلاح الذي فرض نفسه على جدول

أعمال التغيير الاقتصادي - الاجتماعيّ بعد هزيمة اليابانييّن في الحرب العالمية الثانية، وانتهاءً باحتلالهم

للبلدين، بما كان يُمثّله هذا الاحتلال من ثقل اقتصاديّ. ممارسة السيطرة على عنصر العمل، وبخاصة من خلال تحديد مستويات الأجور والعناصر غير الأجريّة

من تكلفة العمل، وتقييد حق التنظيم النقابيّ، ومنع الإضرابات العُ. لية التأثير في مستويات الربحية " التفاضلية " بين الأنشطة الاقتصاديّة، لصالح التصنيع والتصدير، عبر

الزمن، من خلال سياسة ذات طابع "ّانتقائي " في مجالين: الحماية التجاريّة للإنتاج المحلي، وتخصيص

الائتمان الرخيص، كما أشرنا. طريقة التعامل مع المتغيرات الدوليّة في كوريا وتايوان تختلف الآراء بشأن هذه الطريقة، وبشأن محصّلتها، وأهمها رأيان متقابلان: أولهما، أنّ الإنجاز المُحقق

في البلدين الآسيوييّن المذكورين، يمثّل نوعًا من " التنمية التابعة " في إطار تقسيم العمل الدوليّ الرأسمالي،ّ

وأنّه لم يحقق التماسك والتكامل لهيكل الإنتاج المحلي بما يُرسّخ الاعتماد النسبيّ على الذات، ولم يرق بالتطور

التكنولوجي والصناعيّ إلى المستوى الكفيل بالفكاك من إسار الوضعية " الهامشية " فّي النظام الاقتصادي

العالميّ. ويستند هذا الرأي إلى موقع بلدان الشرق الأقصى الآسيويّة في النظام الدوليّ، خلال مرحلة الحرب

الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، مع التسليم ب " الذكاء " الذي اتّسم به سلوك النظام

الحاكم في كلًّ من كوريا وتايوان، لتحقيق أقصى استفادة محلية ممكنة من العلاقة" الخاصة " مع الولايات

صيف 2012

المتحدة الأميركية، وبما يُعظ م الدور الإنمائيّ للعامل المحلي، ممثاّلً في جهاز الدولة وقيادتها السياسيّة

وأجهزتها البيروقراطية. أما الرأي الثاني، فيؤكد أنّ ك من كوريا وتايوان نجحتا في خلق هيكل اقتصاديّ مترابط إلى حدٍ بعيد، ويحمل

عددًا لا بأس به من خصائص " الاقتصاد ذاتيّ التمركز "، وأنهما قطعتا شوط ا على طريق اللحاق بالبلدان الرأسمالية المتقدمة من أجل تحقيق " التنمية المستقلة "، لا التنمية التابعة. الحق أنّه ما من شك في أنّ النموذج الكوري - التايوانيّ قد حقّق إنجازًا باهرًا، ربما يرقى إلى مرتبة التطوّر

الاستثنائي ضمن العالم الثالث السابق، غير أنّ ذلك لا ينفي وجود عددٍ من الثغرات الكامنة في صلب النموذج، انطلاقًا من تحكّم مصالح الشركات الكُبرى للقطاع الخاص في تحديد مسارات التطور الاقتصاديّ، والانفتاح الواسع على الاقتصاد العالميّ. ولئن كان ما يُشبه المُعجزة قد تحقّق من خلال الدور الفاعل للدولة في المجال الاقتصاديّ، وطريقة التعامل

مع المتغيرات الدوليّة، فإن " شبه المعجزة " أسفر عن أزمة طاحنة في ما بعد. ونشير هنا إلى ما سُمّي ب " الأزمة

الاقتصاديّة الآسيويّة "، التي ظهرت بوادرها في عام 1996، ثم انفجرت في منتصف عام 1997، وضربت

أهمّ نماذج " الجيل الأول " (كوريا)، وأهم بلدان الجيل الثاني (تايلند وأندونيسيا وماليزيا)، ومسّت مسًّا خفيفًا

" الدولتين القارتين "، الصين والهند، ممثلتيْ الجيل الثالث. حدثت تلك الأزمة، ثم استفحلت حينما تغلغلت قواعد " الليبرالية الجديدة " في عملية صنع السياسة العامة من جانبٍ أول، وحينما تبلورت هيكلية " النظام الدوليّ الجديد "، على قاعدة " القوة العُظمى الوحيدة " من جانب

ثانٍ، مقلّصةً هامش المناورة الذي كان مُتاحًا في ظل " القطبية الثنائيّة " ومرحلة الحرب الباردة. ويمكن القول إن

" الانفتاح غير المشروط – " تقريبًا- الذي حدث في المرحلة التالية لازدهار " الدولة التنمويّة " هو بداية الطريق

إلى " الأزمة ". وحدث التعافي من أزمة 1996 - 1997، لكن معظم اقتصادات شرق آسيا، بل والاقتصاد الياباني نفسه، ودع عنك " الاقتصاد الصيني "، ظلّت في وضع " انكشاف " نسبيّ، متفاوت المستويات والدرجات،

إزاء تطورات الاقتصاد العالميّ في مركزه الأميركيّ بالذات، وهو ما اتّضح جليًا في الأزمة المالية

العالميّة في أواخر عام 2008، وما تلاها من أحداث جِسام ذات تأثير بالغ في النظام الماليّ العالمي.

والآن، وقد برز دور الدولة الأساس في سياق الخبرة الإنمائيّة " الشرق - آسيويّة "، ما هي أبرز مقوّمات

ذلك الدور في دولة المقارنة - مصر العربيّة - عبر المحطات الفاصلة الكُبرى في مسيرة تطوّرها الاقتصادي

والاجتماعي، خلال العقود الستة المنصرمة، اعتبارًا من ثورة 23 تموز/يوليو 1952، بقيادة جمال عبد الناصر؟ هذا ما نتناوله في ما يلي، بدءًا بمرحلة أو " محطة " ثورة 23 تموز/يوليو بقيادة عبد الناصر.)1970-1952(

8 صلاح العمروسي، " المعجزة الآسيوية وقضايا الاقتصاد السياسي للتنمية - الدروس المستفادة "، ورقة خلفية غير منشورة فى إطار

دراسة " مستقبل الجنوب ": مشروع مصر 2020، منتدى العالم الثالث – القاهرة، (1999.13)، ص

الدور التنموي للدولة: دراسة مقارنة للخبرة المصرية المعاصرة على مشارف ثورة 25 يناير

ثالثًا: الدور التنمويّ للدولة في مصر في ظل ثورة يوليو (مع التركيز على دور القطاع العام)

يُعتربَ النظام الاقتصاديّ في مصر قبل 23 تموز / يوليو 1952، بمنزلة "ّنظامٍ فرعي " تابعٍ تبعيةً تامةً داخل

الاقتصاد الرأسمالي العالميّ، باعتبار مصر شبه مستعمرة داخل الإمبراطورية البريطانية. فسيادة الملكية الخاصة

للأرض الزراعيّة ضمنت وجود طبقةٍ من كبار الم ك ترتبط مصالحها باقتصاد " وحيد المحصول "، قائم على

التخصص في إنتاج سلعةٍ أولية تصديرية ذات أهمية إستراتيجية للصناعة البريطانية، وهي سلعة القطن. كما أن ضآلة الوزن النسبي للقطاع الصناعيّ في هيكل الناتج المحلي الإجمالي، استتبعها فتح السوق المصريّة أمام السلع

البريطانيّة والأوروبيّة، سواء منها الاستهلاكية أم الوسيطة والإنتاجيّة. وهكذا، فإن أهمية مصر باعتبارها مزرعةً للقطن، وسوقًا للمصنوعات الأجنبية، كانت المحدد الرئيس للنظام الاقتصاديّ المحلي، القائم على القطاع الخاص و " السوق المفتوحة ". وكانت سيادة القطاع الخاص و " اقتصاد السوق " تكمّلها " هامشيّة " القطاع العام ووظيفة الدولة، وبخاصة

مع تركّز الملكية العامة في الأنشطة التي لا تدر ربحًا سريعًا، أو التي توفر البنية الأساسية اللازمة لممارسة الأنشطة الخاصة. وبعد وقوع ثورة 23 يوليو -1952 بقيادة جمال عبد الناصر الاستثنائية - تغ ت سياسة الدولة إزاء القطاعين

الخاص والعام تغ ا جذريًا، كجزء من السياسة الاقتصاديّة والاجتماعيّة للثورة، سعيًا إلى تحقيق غايات التنمية

والعدل الاجتماعيّ. لكن هذا التغ لم حيُدث طفرةً، وإنمّا جرى على مراحل زمنية متدرّجة: مرحلة " الحرية الاقتصاديّة "، وتمتد منذ عام 1952 حتى عام.1956 مرحلة الاقتصاد الموجّه، وتمتد منذ عام 1957 حتى عام.1960 مرحلة غلبة القطاع العام على النظام الاقتصاديّ، وإثبات وجوده عمليًا، منذ عام 1961 حتى عام.1971 وفي ما يلي نستعرض هذه المراحل بإيجاز. القطاعان العام والخاص في مرحلة "الحرية الاقتصاديّة" (1952 -:)1956 تمثّلت السياسة الاقتصاديّة للدولة في تلك المرحلة في تبنّي " الحرية الاقتصاديّة " باعتبارها أساسًا للنشاط

الاقتصاديّ، وانعكس ذلك من خلال المحاولات المتعددة لتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار الإنتاجيّ،

سواء في ذلك القطاع الخاص المحلي أو الأجنبي، إضافة إلى العمل على توفير الدراسات اللازمة عن المشروعات المقترحة، وكذا المشاركة في تمويل التنفيذ. وعلى الرغم مما قامت به الدولة من إجراءات لتشجيع رأس المال المحلي والأجنبي للاستثمار في المجال الإنتاجيّ، فإنّ متوسط ما أضيف إلى الاستثمارات خلال عامي 1953 و 1952 لم يتجاوز 6.8 مليون

صيف 2012

جنيه، مقابل 10.3 مليون جنيه كمتوسط للعامين 1952 و 1951، كما أن رأس مال الشركات المساهمة انخفض من 2 مليون جنيه في عام 1952 إلى 1.9 مليون جنيه في عام 1953، في الوقت الذي زادت فيه مدّخرات القطاع الخاص من 58 مليون جنيه إلى 64 مليون جنيه. أما رأس المال الأجنبي، فلم يز د المبلغ الذي استثمره في الفترة بين عام 1954 وعام 1958 على 1.9 مليون جنيه. ونظرًا إلى تباطؤ نمو نشاط القطاع الخاص في المجال الإنتاجيّ، تصدّت الدولة لمهمة مباشرة النشاط الإنتاجي

في ميادين رائدة محددة، انطلاقًا من الإطار التنظيمي الذي عملت على توفيره، وبخاصة بإقامة المجلس الدائم لتنمية الإنتاج القوميّ. القطاعان العام والخاص في مرحلة الاقتصاد الموجّه (1957 - 1960) في الفترة بين عام 1957 وعام 1960، حدثت تغيرات كبيرة في الوزن النسبيّ لكلٍّ من القطاعين العام والخاص،

لصالح القطاع العام. وتميّزت هذه المرحلة بطابعها الانتقاليّ، حيث انطلقت بالقطاع العام إلى آفاق جديدة لم

يشهدها في المرحلة السابقة، وكانت التمهيد للدفعة الكبرى التي شهدها القطاع العام في المرحلة اللاحقة. وفي ما يلي أبرز الخطوات التي حددت طابع المرحلة الانتقاليّة محل البحث:

التّمصير:

بعد انتهاء العدوان الثلاثيّ البريطانيّ الفرنسيّ الإسرائيلي – في أواخر عام 1956، قامت حكومة الثورة بمجموعة

من الإجراءات لاستكمال مهامها الوطنية بمواجهة الوجود الاقتصادي الأجنبي – البريطاني والفرنسي بخاصة. وتمثل ذلك في إجراءات التمصير للبنوك وشركات التأمين وعمليات التجارة الخارجية – فصدر القانون رقم 23 لعام 1957 بشأن البنوك والتأمين، والقانون رقم 23 بشأن أعمال الوكالة التجارية. وقضت هذه القوانين بأن تكون البنوك وشركات التأمين ووكالات الاستيراد مملوكة بالكامل للمصريين، على أن يبدأ التمصير فورًا بالنسبة إلى ما يملكه منها البريطانيون والفرنسيون، على أن يمنح غيرهم من الأجانب مهلة

خمس سنوات. وآلت هذه المصالح الممّة لا إلى القطاع الخاص، لكن إلى الدولة ممثلةً بالمؤسسة الاقتصادية.

وإضافة إلى ذلك فقد اشترت المؤسسة من هيئة " الحراسة " الحصص التي كان يملكها " الأعداء "، وبلغت 20 شركة، وقُدّرت قيمة الحصص في آخر كانون الأول / ديسمبر 1957 بنحو 24 مليون جنيه. كما قامت المؤسسة بشراء موجودات 19 شركة أخرى من الشركات الخاضعة للحراسة.

9 عبد الرازق حسن، " عرض للتطور الاقتصادي للجمهورية العربية المتحدة منذ 1952 "، المجلة المصرية للعلوم السياسية، العدد 29

(آب/أغسطس.)1963 10 راجع: الشركات المساهمة التي صدر قرار بتأسيسها في الفترة من 1954 إلى 1958، في: نشرة البنك الصناعي، المجلد الثالث،

العدد 2.)1962(11 محمد صبحي الإتربي، نشأة وتطور القطاع العام في الاقتصاد المصري (القاهرة: المركز العربي للدراسات السياسية والاقتصادية،

1968)، ص.73

الدور التنموي للدولة: دراسة مقارنة للخبرة المصرية المعاصرة على مشارف ثورة 25 يناير

إنشاء المؤسسة الاقتصادية:

أنشئت المؤسسة الاقتصادية - باعتبارها مؤسسةً عامة - بمقتضى القانون رقم 20 لعام 1957، والمعدل بالقانون رقم 138 لعام 1957، لتقوم نيابة عن الحكومة بالتوجيه والإشراف على المؤسسات العامة الأخرى.

وبذلك تكوّنت نُواة قطاع عام له دور موجّه ومُسيطر في مجال الائتمان والتمويل - حيث سيطرت المؤسسة على

أربعة بنوك تجارية تمثّل في مجموعها نحو %45 من نشاط الجهاز المصرفي، وعلى كبُرى شركات التأمين في مصر -

إضافة إلى دور ريادي في مجال الصناعات الثقيلة، وبخاصة صناعة الحديد والصلب، والكيماويات، وفي بعض

الصناعات الخفيفة المهمة، ومنها " الشركة الشرقية للدخان " - كبُرى شركات التبغ آنئذٍ - وفي صناعة ذات طابع خاص، ممثلة بشركة السكر والتقطير المصرية.

التصنيع:

منذ بداية عام 1957، بدأ يشتد عود حركة التصنيع لتُصبح أحد الأبعاد الجوهرية في إقامة الهيكل الاقتصادي.

وتطبيقًا لذلك، أعدّت وزارة الصناعة في عام 1957 برنامج " السنوات الخمس للتصنيع "، وقدّرت تكاليفه

بنحو 250 مليون جنيه، كما أ نشئت من أجل تنفيذ هذا البرنامج " الهيئة العامة لتنفيذ برنامج السنوات الخمس للصناعة"، وهي مؤسسة عامة تختص بتنفيذ مشروعات برنامج السنوات الخمس، إمّا بنفسها، أو

بواسطة غيرها. وصمم مشروع السنوات الخمس على أساس هدف عام هو مُضاعفة نصيب الفرد من الدخل القومي خلال

عشرين سنة، على أن تقوم الصناعة بالعبء الأكبر في هذا المضمار. وتضمنت تقديرات البرنامج مشروعات تبلغ قيمتها الإجمالية 220.736.000 جنيه، كما رصد احتياط ا قدره 29.700.000 جنيه. أما على صعيد التنفيذ فبلغ إجمالي قيمة المشروعات التي تم التعاقد عليها حتى آخر حزيران/يونيو 1960 نحو 304.132.702 جنيه، وترجع الزيادة في القيمة الإجمالية للتنفيذ على القيمة التقديرية للبرنامج إلى أسباب عدة، منها إحداث توسّعات في أحجام بعض المشروعات بأكثر مما كان مُدرجًا في

التقديرات الأصلية. وهكذا، إذا كانت عملية التمصير قد مثّلت نواةً أولى لتكوين القطاع العام، حيث أضيفت المشروعات التي كانت تملكها بريطانيا وفرنسا أساسًا إلى الملكية العامة المصرية من خلال " المؤسسة الاقتصادية "، فإن هذه

النواة توسّعت بعملية أخرى واسعة النطاق هي عملية إنشاء مشروعات عامة صناعية من خلال " الهيئة العامة

لتنفيذ برنامج السنوات الخمس للصناعة "، وبالتعاون مع دول بعينها في ذلك الوقت. وأول معالم هذا التعاون: " الاتفاق بشأن التعاون الاقتصادي والفني " مع الاتحاد السوفياتي، الموقّع بتاريخ 29 كانون الثاني/يناير 1958، ثم " الاتفاق بشأن التعاون الاقتصادي والفني " مع جمهورية ألمانيا الديمقراطية في 29 آب / أغسطس 1958، واتفاقية تسهيلات الدفع " مع اليابان في 13 أيلول / سبتمبر 1958 – وأخيرًا اتفاقية التعاون الاقتصادي مع

ألمانيا الاتحادية في 7 أيار / مايو.1958

12 المرجع السابق، ص -78.79

صيف 2012

ولا يعني ما سبق أن الدولة قد نفضت يدها حينئذٍ من القطاع الخاص، بل العكس هو الصحيح. فإن الخطة

الخمسية التي أُعدّت في عام 1959، واعتُمدت نهائيًا في آب / أغسطس 1960 باعتبارها خطةً للسنوات

الخمس 61/1960 – 65/1964، أعطت دورًا كبيرًا، بل ومسيطرًا للقطاع الخاص، وفي وثيقة الخطة نقرأ

هذه الحقيقة بالتفصيل. إذ استهدفت الخ طة جعل نسبة مُساهمة القطاع الخاص في توليد إجمالي الدخل القومي في

السنة الخامسة والأخيرة للخطة 65/64، هي نفسها تقريبًا النسبة السائدة في السنة الأولى 60/59، إذ بلغت

النسبة الأخيرة %81، أما النسبة الأولى فقد قدرت ب%80، وبدأ تنفيذ الخطة الخمسية، وكان القطاع الخاص يسيطر على نحو %90 من الإنتاج الصناعي، و%95 من الإنتاج الزراعي. وهكذا يتضح أن الخطة الخمسية الأولى وضعت في ظل فرضين رئيسين: افتراض إمكان وضع خطة متكاملة توضح فيها الأهداف التفصيلية للجانب الأكبر من القطاعات الاقتصادية، بينما تحمل جوانب عديدة من الخطة طابع التخطيط التأشيري كما أن الخطة قد تكوّنت من مجموعة من المشروعات التي قدّمتها مختلف المصالح الحكومية داخل

إطار عام وضعته " لجنة التخطيط القومي "، وبذلك يمكن النظر إليها على أنها مجموعة من المشروعات الاستثمارية التي تم تجميعها وتنسيقها في وثيقة واحدة. افتراض استمرار قيام جهاز السوق بتخصيص الموارد، وعدم وجود جهاز مركزي يؤدي هذه العملية.

بدايات التأميم:

إلحاقًا بالخطوات الثلاث السابقة: التمصير؛ وإنشاء المؤسسة الاقتصادية؛ وبرنامج السنوات الخمس للتصنيع،

جاءت خطوة رابعة في المرحلة محل البحث، وهي تأميم بعض المصالح، وبذلك جرى تدعيم نُواة القطاع العام، وذلك على حساب القطاع الخاص. فلقد اتضح للحكومة أن الاعتماد على القطاع الخاص في تنفيذ الخطة لا يستند إلى أساس حقيقي، بخاصة في ضوء سجل تجربة هذه الحكومة مع هذا القطاع منذ عام 1952، وبصفة أخص في ضوء سجل هذه التجربة بعد بدء تنفيذ برنامج السنوات الخمس للتصنيع، أي منذ أواخر عام 1958، حيث حجب القطاع الخاص موارده عن مشروعات التنمية الصناعية الواردة في البرنامج، بل وأخذ حيُ اصر مشروعات القطاع العام الوليد، وأخذ يسحب الأموال منه عن طريق عقود الاستيراد والتوريد والمقاولات. وقد بدأ يستقر في إدراك الدولة بعد إعداد الخُطة الخمسية الأولى- ثم بعد مباشرة تنفيذ، ها- أنّ تنفيذ هذه الخطة

بكفاءة وفاعلية يتطلّب سيطرة الدولة على معظم وسائل الإنتاج الصناعي، وعلى قمم النظام المالي والائتماني. وتطبيقًا لهذه القناعة الجديدة، اتخذت الدولة خطوة حاسمة وجذرية في شباط / فبراير 1960، وذلك بتأميم كل من بنك مصر والبنك الأهلي المصري (القانونان رقم 39 ورقم 40 لعام 1960). ولتقدير أهمية هاتين المؤسستين المصرفيتين، نشير إلى أن بنك مصر كان يسيطر قبل تأميمه على نحو %20 من الإنتاج الصناعي.

13 المرجع السابق، ص.114

الدور التنموي للدولة: دراسة مقارنة للخبرة المصرية المعاصرة على مشارف ثورة 25 يناير

وكانت أصوله تبلغ نحو ثلث أصول البنوك التجارية مجتمعة، وودائعه أكثر من %40 من مجموع ودائعها. أما البنك الأهلي المصري فقد كان بمنزلة البنك المركزي الذي يشرف على الجهاز المصرفي ويقوم بطباعة النقود وتحديد سياسة الائتمان وتحتفظ الحكومة لديه بحساباتها. وتلزم هنا الإشارة إلى القانون رقم 250 الصادر في 1960/7/19، الذي أنشأ (البنك المركزي) وتفرغ البنك الأهلي للعمليات المصرفية العادية. وقد تبعت هذه الخطوة خطوات أخرى خلال عام 1960 على طريق التأميم، أهمها: تأميم الممتلكات البلجيكية في مصر: وقد تم هذا التأميم إثر الأحداث السياسية في الكونغو أواخر

عام.1960 تأميم بعض المصالح الأخرى وإنشاء بعض المؤسسات العامة، مما لا يتسع المقام لعرضه. وعلى الرغم من اتساع نُواة القطاع العام، سواء بالتمصير أم بالتأميم أم إنشاء المشروعات العامة، إلا أن الهيكل النسبي للمتغيرات الاقتصادية يشير إلى زيادة وزن القطاع الخاص داخل الهيكل حتى عام 1960، وهو ما

يتمثل بتوزيع القيمة المُضافة الصافية وتوزيع القوّة العاملة. حيث بلغ نصيب القطاع الخاص من القيمة المضافة

الصافية في عام 1959 – 1960 ما قيمته 1142 مليون جنيه، بينما لم يتجاوز نصيب القطاع العام 235.5 مليون جنيه، وبلغ مجموع القوة العاملة في القطاع الخاص 6069 ألف مشتغل، بينما بلغ مجموعها في القطاع العام 834 ألف مشتغل. وجاءت تقديرات الخطة الخمسية الأولى، كما أشرنا، لتُحافظ على دور القطاع الخاص،

لكن مع إعطاء دور متميز إلى القطاع العام. مرحلة غلبة القطاع العام على النظام الاقتصادي وإثبات الوجود

القطاع العام في ظل عمليات التأميم (1961 -:)1964

نجد من الضروري الإشارة مرة أخرى إلى مشروع الخطة الخمسية الأولى الذي صدر به قرار جمهوري في آب/ أغسطس 1960، باعتباره مرحلة أولى من خطة عشرية تستهدف مُضاعفة الدخل القومي عن طريق تنمية

الاقتصاد الوطني في كافة قطاعاته، مع التركيز على التصنيع... وقد اعتمدت تقديرات هذا المشروع على قيام القطاع الخاص بتوفير نسبة عالية من مجمل الادخار المحلي لتحقيق أهداف الخطة. لكن البدء بتنفيذ الخطة كشف، وبخاصة منذ عام 1961، أن هناك تناقضًا أساسيًا بين العملية التخطيطية

وسيطرة القطاع الخاص على الصناعة ومصادر التمويل المحلي. وتج ذلك في عدم مقدرة رأس المال المحلي الخاص على مواكبة خطى التنمية الاقتصادية والاجتماعية كما رسمها مشروع الخطة الخمسية. ونتيجة ذلك، استقر في إدراك القيادة السياسية حينئذ أن تحقيق أهداف الخطة بات يتطلّب سيطرة الدولة على الهياكل الرئيسة للإنتاج بعامة، والإنتاج الصناعي بخاصة. وسعيًا إلى بناء الإطار المؤسسي لسيطرة الدولة، بدأ

منذ مستهل عام 1961 العمل على إقامة هيكل تنظيمي لهذه السيطرة، ولو في شكلها الأولي. ولذا فقد صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 249 لعام 1961، بإنشاء " مؤسسة مصر "، على أن يتكوّن رأسمالها

من حصص بنك مصر في الشركات التابعة له، وهكذا نزل بنك مصر إلى مستوى بنك تجاري تابع للمؤسسة

صيف 2012

العامة. ثم صدر القرار الجمهوري رقم 250 لعام 1961، بإنشاء " مؤسسة النصر " التي يتكوّن رأسمالها من

حصص الهيئة العامة لتنفيذ برنامج السنوات الخمس للصناعة في الشركات التي أنشأتها، وبذلك وجدت ثلاث مؤسسات رئيسة للقطاع العام، هي: المؤسسة الاقتصادية، ومؤسسة مصر، ومؤسسة النصر. ومنذ تموز / يوليو 1961 تمت أكبر حركة للتأميم، وبمقتضاها قام أول مرة الجسم العريض للقطاع العام في مصر في الأعوام 1961 - 1964. ويستكمل مفهوم القطاع باعتباره قوّة ضاربة، بتناول بعض أهم الإجراءات الاقتصادية المحيطة بالقطاع العام

الوليد. وأهم هذه الإجراءات والأبعاد ما يلي: تحديد الحد الأقصى للملكية الفردية الزراعية بما لا يزيد على مئة فدان، وتؤول ملكية الأراضي التي

تتجاوز الحد الأقصى إلى الدولة، وذلك بموجب القانون رقم 127 لعام 1961 الصادر في 25 تموز/

يوليو. وقد قضى القانون رقم 128 لعام 1961 بإعفاء الفلاحين الذين استفادوا من قوانين الإصلاح

الزراعي من نصف الثمن، ومن كل الفوائد، على أن تتحمل الدولة هذا القدر، ثم جرى إعفاء الفلاحين

(بمقتضى القانون رقم 138 لعام 1964 الصادر في 24 آذار/مارس 1964) من ثلاثة أرباع أقساط

الأرض. تخصيص %25 من الأرباح الصافية للشركات، كدخول موزعة على الموظفين والعمال في هذه الشركات،

على أن توزع نسبة %10 منها في شكل نقدي، ويخصص الباقي للخدمات الاجتماعية والإسكان، وقد

تم ذلك بالقانون رقم 111 لعام.1961 تحديد يوم العمل بسبع ساعات، بموجب القانون رقم 133 لعام.1961 تحديد الحد الأدنى لأجور العمال في شركات القطاع العام (25 قرشًا كأجر يومي للعامل الذي يتجاوز

عمره ستة عشر عامًا)، وتحديد الحد الأقصى للمرتب الذي يحصل عليه الفرد مقابل عمله في الحكومة،

أو في القطاع العام بمبلغ 5000 جنيه في السنة. وقد تم الأول بقرار رئيس الجمهورية رقم 262 لعام

1962، الصادر في 13 كانون الثاني/يناير 1962، وتم الثاني بالقانون رقم 111 لعام 1961، الصادر

في 19 تموز/يوليو.1961 وبموجب القانون رقم 115 لعام 1961، في 19 تموز/يوليو تم تعديل أسعار وفئات الضريبة على الدخل، بزيادتها بالنسبة إلى الشرائح الكبيرة، حيث رفعت فئات الضريبة على فئات الدخل التي تبلغ 4000 جنيه فأكثر في السنة، فأصبحت تتراوح بين %25 و.%90 وبموجب القانون رقم 168 لعام 1961، الصادر في 1961/11/5، تم تخفيض إيجار المساكن بنسبة

%20 من قيمة الأجرة السائدة حينذاك للمباني التي أنشئت بعد العمل بالقانون رقم 55 لعام 1958،

على أن يسري ذلك ابتداء من شهر كانون الأول/ديسمبر 1961. وإذا كان كل ما سبق، يقودنا إلى الاستنتاج بتصاعد الوظيفة الاجتماعية للدولة، ومن أهم علاماتها تزايد إسهام القطاع العام في توليد الدخل القومي، فإن هذا الاستنتاج لا يعدو أن يكون وجهًا واحدًا للحقيقة؛ أما الوجه

14 انظر: وزارة الخزانة، جداول استخدامات وإيرادات الشركات التابعة للمؤسسات للسنة المالية 1967 –.1968

الدور التنموي للدولة: دراسة مقارنة للخبرة المصرية المعاصرة على مشارف ثورة 25 يناير

الثاني فهو أن القطاع الخاص لم يفتأ يؤدي دورًا كبيرًا في توليد الدخل القومي أيضًا، إذ كان القطاع الخاص يُسيطر

على الإنتاج الزراعي، وعلى أغلب التجارة الداخلية، وكل الخدمات الشخصية. ومن هذا يتبين لنا أن المساهمة الرئيسة للقطاع العام في الدخل القومي إنما تأتي من دوره القيادي في قطاع الصناعة،

أي إن القطاع العام الصناعي أدّى دور " حامل " النموّ في فترة الخطة الخمسية الأولى، بينما حدد توجيه الدولة

للقطاع الخاص الزراعي والتجاري والخدماتي طرق وقنوات المساهمة في توليد الناتج القومي، وهو التوجيه

الذي كرسته الخطة وإجراءات وقوانين " التحول الاشتراكي " والدور القيادى للقطاع العام الصناعي. وانطلاقًا من القطاع العام الصناعي وتوجيه الدولة للقطاع الخاص، أخذ الناتج المحلي يحقق زيادات متواصلة

في الفترة محل البحث – كما زادت العمالة بمعدلات عالية، إضافة إلى تغيرات هيكلية أخرى، على نحو ما يتضح

من المؤشرات الآتية: زيادة إجمالي الدخل المحلي في فترة الخطة الخمسية 61/60 - 65/64 بنسبة %37.1، مسجلا معدلا

سنويًا قدره %6.5 في المتوسط، وذلك بتنفيذ استثمارات قدرها 1513 مليون جنيه - وتجدر الاشارة إلى

أن تنفيذ الاستثمارات قد اعتمد أساسًا على المدّخرات المحلية، وبلغ العجز الإجمالي في تمويل الاستثمار

نحو 417.4 مليون جنيه، بنسبة %27.6 من إجمالي الاستثمار، وتم تدبيره من المصادر الأجنبية. زيادة العمالة بنحو 1327 ألف مشتغل، أي بمتوسط سنوي يبلغ 265 ألف مشتغل؛ مع زيادة أجر

المشتغل، حيث ارتفع متوسط الأجر من نحو 80.5 جنيه في السنة الأولى إلى 112.3 جنيه في السنة

الأخيرة. التغير في الأهمية النسبية للأجور وعوائد التملّك في الخطة الخمسية الأولى: إذ زادت الأهمية النسبية

لمجموع الأجور في الاقتصاد القومي من %42.8 في سنة الأساس إلى %46.7 في السنة الخامسة من

الخطة، أما الأهمية النسبية لمجموع عوائد التملك فانخفضت من %57.2 في سنة الأساس إلى %53.3

في السنة الخامسة. التوزيع القطاعي للاستثمارات، متميّزًا بزيادة النصيب النسبي لقطاع الصناعة والكهرباء، الذي حظي

بما نسبته %34.1 من الاستثمارات في الخطة وقدرها 516.5 مليون جنيه.

القطاع العام في فترة (1971-1965)

حينما انقضت الخطة الخمسية الأولى، كان القطاع العام قد أثبت وجوده بوصفه القوة الرئيسة المنفّذة لأهداف

الخطة. وابتداء من عام 1965 بدا أنه توافر للاقتصاد القومي الأساس التنظيمي الذي يمكّنه من تحقيق معدلّات

نموّ منتظمة. غير أن دراسة مؤشرات الأداء للاقتصاد القومي أسفرت عن صعوبة العمل على مضاعفة الدخل

القومي في عشر سنوات، وهو الهدف الذي قرره مشروع الخطة العشرية (60/1959 - 70/1969). واتضح

15 كمال أحمد الجنزوري، " التخطيط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في التجربة المصرية "، في: دراسات في تنسيق الخطط والتكامل

الاقتصادي العربي، (القاهرة: معهد البحوث والدراسات العربية، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1978)، ص.47

16 الجمهورية العربية المتحدة، وزارة التخطيط، متابعة وتقييم الخطة الخمسية الأولى (-61/60 65/64)، الجزء الأول، متابعة وتقييم

المعالم الأساسية للتنمية في الخطة الخمسية الأولى، شباط/فبراير 1966، ص.55

17 المصدر نفسه، ص.94

صيف 2012

ذلك بجلاء من تقرير " متابعة وتقييم النمو الاقتصادي في الجمهورية العربية المتحدة عن السنة 66/1965 "،

الذي ذكر بوضوح أنه من غير الممكن تحقيق هدف مضاعفة الدخل القومي في عشر سنوات. ولذلك وُض عت

خطة سباعية جديدة تشمل الفترة من 66/1965 إلى 72/1971. وبعد بداية التنفيذ جرى العدول عن الخطة

السباعية إلى خطة ثلاثية للإنجاز تشمل الفترة من 68/67 إلى.70/69 لكن في عام 1967، وقع ذلك الحدث الذي أثّر في مسار التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي تأثيرًا

أساسيًا، وهو العدوان الإسرائيلي والنكسة العسكرية. وحينئذ تغ ت الأولويات، بحيث حلّت متطلّبات

المواجهة العسكرية محل متطلّبات زيادة الإنتاج. وهكذا أخذت الأوضاع الاقتصادية تتهيّأ لتقليص الدور

المحوري للقطاع العام وتوسيع دور القطاع الخاص، وذلك بمواجهة مشكلات اقتصادية أخذت تتفاقم رويدًا

رويدًا على هيئة انخفاض مضطرد في معدلات النمو الاقتصادي. ونظرًا إلى عدم قدرة الاقتصاد القومي – في ظل الظروف الجديدة - على مواجهة هذه المشكلات بآلياته

" القديمة "، آليات الخطة الملزمة والدور المركزي للدولة والقطاع العام، ونظرًا إلى التحول في التركيبة الطبقية

للسلطة بعد وفاة جمال عبد الناصر في 28 أيلول/سبتمبر 1970، والتبدّل الجذري في الأيديولوجية السياسية،

فإن النظام السياسي التالي، بعد عام 1971، في ظل الحقبة المتطاولة للسادات - مبارك، قد غير من تلك الآليات

تدريجيًا، واعتمد آليات أخرى مغايرة، تقوم على إعطاء دور حاكم لقوى السوق ولرأس المال الخاص. وقد تبلور

هذا منذ عام 1975 – عقب حرب تشرين الأول/أكتوبر- في ما صار يسمى سياسة " الانفتاح الاقتصادي "،

القاضية بتقليص الوزن النسبي للقطاع العام، وتخ الدولة تدريجيًا عن وظيفتها التنموية اقتصاديًا واجتماعيًا،

وإطلاق العنان لقوى السوق، من دون ضوابط حقيقية، وتوسيع دور القطاع الخاص الكبير – غير المنتج -

ليصبح القوة القائدة للاقتصاد. وأدّت السياسة الجديدة، التي استمرت عمومًا طوال أربعين عامًا، خلال عهد

السادات – مبارك (2010-1971)، وحتى ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011، إلى تصفية الإرث التنموي

الذي أوجدته ثورة تموز/يوليو وقائدها عبد الناصر، الذي قام على التصنيع والعدالة الاجتماعية. وحلت

محل التجربة التنموية لثورة تموز/يوليو وعبد الناصر، تجربة قائمة على التبعية للنظام الرأسمالي العالمي، وعلى

استبدال التصنيع بقطاعات مُدرّة للدخل السريع في بعض المجالات الخدماتية، واستئثار الأقلية الاجتماعية

الممثلة لشريحة من القطاع الخاص الكبير بشطر غالب من الدخل القومي. وعودة إلى الإرث التنموي للدولة في عصر الثورة- ثورة 23 يوليو، نقدم في ما يلي نظرة أكثر تفصيال، بالتركيز

على جوهر العملية التنموية، وهو التحول الهيكلي، من منظور الوزن النسبي المرتفع لقطاع لصناعة التحويلية

بين القطاعات المولدة للناتج المحلي الإجمالي.

تجربة التحول الهيكلي التصنيعي المُبكرة في مصر (1965/1957)

بالعودة إلى التجربة المصرية خلال فترة (1957 - 1967) نُحيل إلى بعض معالم تجربة التحول الهيكلي والتصنيع،

كما سجلتها أبحاث معهد التخطيط القومي، وبخاصة بحث " الصناعات التحويلية في الاقتصاد المصري " الذي

أجري في عام 1981، وصدر في نيسان/أبريل 1982 ضمن سلسلة " قضايا التخطيط والتنمية ".

18 معهد التخطيط القومي، الصناعات التحويلية في الاقتصاد المصري، الجزء الأول، " تطور دور الصناعات التحويلية في الاقتصاد

المصري "، سلسلة قضايا التخطيط والتنمية فى مصر، رقم 201 (نيسان/أبريل 1982)، جدول رقم 4، ص.23

الدور التنموي للدولة: دراسة مقارنة للخبرة المصرية المعاصرة على مشارف ثورة 25 يناير

وجريًا على سُنّة أبحاث التحول الهيكلي من منظور الصناعة التحويلية في الفكر الاقتصادي التنموي حينئذٍ،

قام باحثو المعهد بتقسيم القطاع الصناعي إلى ثلاثة فروع: الصناعات الاستهلاكية، والصناعات الوسيطة، والصناعات الرأسمالية (صناعات السلع الرأسمالية)، بالتطبيق على برنامج السنوات الخمس للصناعة، الذي أدمج في الخطة الخمسية الأولى باعتباره " البرنامج الصناعي الأول " (62/1957). ولنبدأ باستثمارات

البرنامج، حيث بلغت قيمة الاستثمارات المُحققة خلال الفترة الممتدة من تشرين الثاني/نوفمبر 1957 حتى حزيرن/يونيو 1960 لإجمالي الصناعة التحويلية 124 مليون جنيه، منها 42.1 مليون جنيه تم توجيهها إلى الصناعات الاستهلاكية، بنسبة %34 من الإجمالي: (من بينها 33.2 مليون جنيه لصناعة الغزل والنسيج، بنسبة %26.8 من إجمالي استثمارات البرنامج). وتم توجيه 72.7 مليون جنيه للصناعات الوسيطة (بنسبة %58.6 من الإجمالي)، وأهمها: المطاط الصناعي (الكاوتشوك)، الذي وجّهت إليه 40.4 مليون جنيه، بنسبة %32.6،

والمنتجات المعدنية الأساسية (وأهمها في ما يبدو: صناعة الحديد والصلب)، حيث وجّهت إليها 30.7 مليون

جنيه، بنسبة %24.8 من الإجمالي، وهو ما يعني صب ربع استثمارات البرنامج الصناعي لهذا الفرع المهم من " الصناعة الثقيلة "... بعد أن تم صب الربع أيضًا إلى أهم صناعة تقليدية وذات ميزة نسبية أصيلة تاريخيًا في

مصر، وهي " الغزل والنسيج ". أما صناعات السلع الرأسمالية فأخذت 9.2 مليون جنيه، بنسبة %7.4 من الإجمالي، ووجّه المبلغ بأكمله إلى

القطاع الفرعي للمعدّات والآلات الكهربائية (وهي في ما يبدو: صناعة تجميع السلع المعمّرة ذات الاستخدام

لنسب متفاوتة من المكوّن المحلي: الأجزاء وقطع الغيار.) ويمضي بحث معهد التخطيط القومي، المشار إليه، بصدد توزيع الاستثمارات على الصناعات التحويلية خلال

الفترة من 61/1960 إلى 75/1974، قائالً: " اتبعت الدولة سياسة استثمارية في قطاع الصناعة التحويلية تهدف إلى زيادة الأهمية النسبية للصناعات الإنتاجية – بشقيّها: الصناعات الوسيطة والصناعات الرأسمالية،

وفي ذات الوقت لم تهمل الدولة تخصيص استثمارات مناسبة لقطاع الصناعات الاستهلاكية ". ويتضح من بيانات البحث – خلال فترة الخطة الخمسية الأولى 61/1960 – 65/1964 عن " التغير الهيكلي للاستثمارات المنفذة في فروع الصناعات التحويلية "، أن الصناعات الاستهلاكية نالت %37.7 تقريبًا، وأهمها

مجموعتان: مجموعة " الغزل والنسيج والملابس الجاهزة والأحذية "، التي أخذت %18.9 تقريبًا من إجمالي

الاستثمارات الصناعية التحويلية في الخطة، ومجموعة " الصناعات الغذائية والمشروبات والتبغ " بنسبة %14 تقريبًا. أما الصناعات الإنتاجية فاستحوذت على %62.3 من الاستثمارات المنفّذة، منها %48.3 تقريبًا للصناعات

الوسيطة، وأهمها مجموعة " المنتجات المعدنية الأساسية " بنسبة %22.7، والصناعات الكيماوية.)%16.3(

أما صناعات السلع الرأسمالية فأخذت %14 من إجمالي الاستثمارات، تقاسمتها بالتقريب مجموعتان:

أولاهما " صناعة وإصلاح الماكينات الكهربائية وغير الكهربائية " بنسبة %7.6، و " صناعة وسائل النقل "

بنسبة%6.4 (ولنتذكر هنا إنشاء شركة النصر لصناعة السيارات خلال فترة الخطة، بالتعاون مع شركة

" فيات " الإيطالية).

19 المصدر السابق، جدول رقم 7، ص.29 20 المصدر نفسه، جدول 10، ص.36

صيف 2012

ونلُاحظ هنا أن التحول الهيكلي والتصنيع بحسب برنامج الدولة -اعتمادًا في جانب رئيس منه على الشركات المؤممة حديثًا، أو الم نشأة ابتداءً في إطار " القطاع العام " - تضمن إقامة المشروعات الصناعية، وبخاصة في فروع " الصناعة الثقيلة "، بافتراض طول " فترة الاجتناء "، وبالتالي طول " فترة الانتظار " قبل تحقيق عائد اقتصادي على الاستثمار. ومن هنا، تشير البيانات إلى أن نصيب الصناعات الإنتاجية بشقيّها، من الدخل المحقق في الصناعة

التحويلية منخفض نسبيًا، بالمقارنة مع حصتها من الاستثمارات المنفّذة، حيث بلغ ذلك النصيب من الدخل %32 تقريبًا، مقابل نحو %68 للصناعات الاستهلاكية... ويدل ذلك على أهمية قيام الدولة بالمشروعات ذات الربحية المنخفضة وفترة الانتظار الطويلة، مما لا يستطيع القيام به القطاع الخاص بسهولة. هذا، وقد تبنّت مصر في تجربتها التنموية المخططة خلال النصف الثاني من الخمسينيات والنصف الأول من الستينيات، نموذجا محددًا للتصنيع، هو " نموذج إحلال الواردات "، أي التوجّه نحو إنتاج السلع الذي كان يجري استيرادها سابقًا، لسد حاجة العرض المحلي، استفادة من توافر السوق، واستغناءً عن تلمّس الأسواق الخارجية في ظرف دولي مضطرب. وأهم ميزة لإحلال الواردات هي اكتساب الخبرة الوطنية في مجال الممارسة الإنتاجية التصنيعية، سعيًا إلى " الاعتماد على الذات " كذراع طويلة للاستقلال الاقتصادي المساند للاستقلال السياسي الوليد في عصر " حركة التحرر الوطني ". لكن لإحلال الواردات عيبين أساسيين: 1 - الجنوح نحو التركيز على الصناعة التحويلية؛ والإهمال النسبي للزراعة، بما فيها الزراعة الغذائية. -2 تزايد استيراد السلع الوسيطة والرأسمالية لسد حاجة الإنتاج المحلي من الصناعات الاستهلاكية التي يركز عليها " إحلال الواردات " في مرحلته الأولى، بما فيها " السلع المعمرة "، مع ما يرتبط به ذلك من تبنّي سعر صرف مُغالى فيه للعملة الوطنية، لخفض تكلفة الاستيراد لكل من الأغذية والسلع الاستثمارية: الوسيطة والرأسمالية. لذا ينصح خبُراء التنمية بأن إحلال الواردات في صناعات السلع الاستهلاكية يجب أن يكون مرحليًا فقط، وأن يتبعه الإحلال في صناعات سلع الإنتاج، سعيًا إلى التعميق الصناعي والتكنولوجي، وترسيخ الاستقلالية الاقتصادية النسبية إزاء العالم الخارجي. ولما كانت مصر، وهي في أوجّ انطلاقتها التنموية مع انتصاف عقد الستينيات، قد عاجلتها ضربة عدوان 1967،

فأوقفت، الانطلاقة المذكورة، أو عط لتها، فإنها بالتالي لم تحقق الانتقال من المرحلة الأولى لإحلال الواردات إلى المرحلة الثانية، كما يقتضي منطق التدرّج في التعميق الصناعي. ولذلك، تشير البيانات إلى أمرين متقابلين: ارتفاع الميل إلى الاستيراد في فترة التصنيع المذكورة، في مجال السلع الاستثمارية... وهذا أمر أشرنا إليه في سياق عيوب إحلال الواردات.

الدور التنموي للدولة: دراسة مقارنة للخبرة المصرية المعاصرة على مشارف ثورة 25 يناير

يؤدي تزايد الاستيراد، على الرغم من تكلفته النقدية المرتفعة، إلى عائد اقتصادي ك واجتماعي، يتمثل في دفع عملية التحول الهيكلي – التصنيعي على طريق الاعتماد النسبي على الذات. وبعبارة أخرى، إن الاستيراد الذي لم يفترض فيه " حفز الصادرات " أصالً، بحكم الإستراتيجية التنموية المتّبعة لإحلال الوارد، فإنه يمكن أن يُساعد في حفز الإستراتيجية القائمة على " إشباع الحاجات المحلية "، وعلى

" التوجّه النسبي نحو الداخل ". وتأكيدًا للأمر الأول، فإن واردات السلع الوسيطة والرأسمالية كانت تمثل %81 من إجمالي الواردات المصرية في عام 70/1969، بقيمة تبلغ نحو 260.4 مليون جنيه، مقابل نسبة %19 للواردات الاستهلاكية، وبقيمة مقدّرة بنحو 64.4 مليون جنيه. وكان ذلك تأكيدًا لحقيقة ارتفاع مرونة سلع الاستثمار المستوردة، مقدّرة بنحو 2.8، مقابل 1.3 للسلع الاستهلاكية، أما الأمر الثانيفقد سبقت البرهنة عليه من خلال ارتفاع وتيرة التحول الهيكلي – التصنيعي في سياق التنمية المخططة للاقتصاد المصري في تجربته الرائدة عقب ثورة 23 تموز/ يوليو، خلال النصف الثاني من خمسينيات القرن العشرين، والنصف الأول من ستينياته. تصفية دور الدولة التنموي (1971 –)2011 تتفق المصادر كلها تقريبًا على أن تصفية دور الدولة التنموي، اعتبارًا من عام 1971، تحت مظلة ما سُمّي

بسياسة " الانفتاح الاقتصادي " - من خلال إطلاق العنان لقوى السوق باعتبارها أداةً حاكمة لتخصيص

الموارد وتوزيع الدخول، والاعتماد شبه الك على شريحة غير مُنتجة من القطاع الخاص الكبيير، مع تصفية

الهيكل العريض للقطاع العام الصناعي – كان لكل ذلك أثرٌ سلبيٌ حاسمٌ في الهيكل الاقتصادي المصري. وظل

الاقتصاد المصري يعاني خ الً هيكليًا جسيامً طوال الأعوام الأربعين الأخيرة، التي شهدت انطلاقة تنموية كبرى

في منطقتي شرق آسيا وأميركا اللاتينية، تمك نت من خلالها دول نامية عدة كانت في ظرف مشابه لمصر حتى أواخر الستينيات، من أن تخوض تجربة التحول الهيكلي الجذرى بنجاح. ويُقاس التحوّل الهيكلي للاقتصاد بالتغير – عبر الزمن – في الأهمية النسبية للقطاعات الإنتاجية المختلفة، من

حيث أنصبتها من الناتج المحلي الإجمالي والعمالة والاستثمارات والتجارة – مع الأخذ بالحسبان حدوث تغيرات مناظرة في مواقع الأنشطة الاقتصادية، وفي البيئة المؤسسية. ويتمثل المحور المحدد لعملية التحول الهيكلي في عملية التصنيع، بمعنى إقامة قطاع صناعي تحويلي يمتلك وزنًا نسبيًا متزايدًا في هيكل الناتج المحلي الإجمالي، بما يكفل ثقال مؤثرًا في تحديد اتجاهات هذا الهيكل ككل، على المدى

الطويل. ويرى العديد من مراجع الفكر التنموي أن النصيب النسبي للقطاع التحويلي ينبغي ألا يقل في فترة الانتقال التنموي عن 25 إلى %30 من الناتج المحلي الإجمالي، من أجل أن يمارس دوره الرائد المفترض. ويلُاحظ أنه على الرغم من التحوّل الهيكلي الأساس، الذي شهدته الاقتصادات المتقدمة خلال العقود

21 المصدر السابق، الجدول رقم 21 و 22، ص 57 -.59

22 See: Olga Memedovic et.al, “Structural Change in the World Economy: Main Features and Trends”, Working Paper 24/2009, UNIDO, Research and Statistics Branch,P.3.

صيف 2012

الزمنية الأخيرة، من خلال تزايد الوزن النسبي للقطاع الثالث (الخدمات) بالمقارنة مع كل من القطاعين الأولّي

(الزراعي والمنجمي)، والثانوي (الصناعي التحويلي)، في ما يعرف بعملية " التثليث "، فقد أخذت هذه العملية في السير عكس الاتجاه نسبيًا، من " التثليث " إلى استعادة الوزن والدور المتزايد لكل من الصناعة التحويلية

والزراعة خلال العقد الأخير. وإن كان حسم الأمر يتطلب فترة زمنية أطول للتأكد من أن الاتجاه المذكور ذو طبيعة تاريخية طويلة الأجل حقًا. ويتج التباطؤ في وتيرة التغير للوزن النسبي للصناعة التحويلية – باعتباره محورًا لعملية التنمية – من البيانات

عن الاقتصاد المصري، والمأخوذة من مصادر محلية ودولية على السواء. إذ تشير البيانات الم ستقاه من " وزارة التخطيط " المصرية عن الهيكل القطاعي للناتج المحلي الإجمالي إلى أن الوزن النسبي للصناعة التحويلية لم يتجاوز %12.7 عام 1981 - 82، ثم خلال ربع قرن تقريبًا لم يصل ذلك الوزن النسبي إلى أكثر من %17.2 (عام

)2007/2006، ثم انخفض إلى %16.8 عام /2009 2010. ووفقًا لبعض المُعطيات البحثية، ظلت النسبة الأخيرة ثابتة وبصفة مستمرة تقريبًا خلال الفترات الزمنية

المختلفة لمدة عقدين (1975 - 1995)، وزادت بأقل من نقطتين مئويتين في عام 2000 (%19.35) لتنخفض مرة أخرى إلى 18.93 بعد ذلك، أما طبقًا لبيانات منظ مة التجارة العالمية، فإن النصيب النسبي للصناعة (الصناعة التحويلية بالمعنى المحدد + التعدين)، مع استبعاد النفط ومنتجاته، انخفض من %19.5 عام 99/1998 إلى %18.4 عام 2004/2003. وعلى سبيل الإيضاح حول ما جرى خلال الثلاثين أو الأربعين سنة الأخيرة، ولبيان التباطؤ المقارن لوتيرة التحوّل الهيكلي للاقتصاد المصري، من منظور الوزن النسبي للصناعة التحويلية، نشير إلى ما ذكرته أبحاث

" معهد التخطيط القومي " في وقت سابق عن النصيب النسبي لقطاع (الصناعة والتعدين)، في الناتج المحلي الإجمالي - بتكلفة عوامل الإنتاج الثابتة، بأسعار 65/1964، وذلك خلال السنوات العشر الممتدة بين عامي 56/55 و 1965/1964، (حيث لم يكن النفط يمثل شيئًا مذكورًا في هيكل الناتج المحلي الإجمالي). وتشير

هذه البيانات إلى أن هذا النصيب قد ارتفع من %13.4 عام 56/1955 إلى %20.1 عام 61/60 – بفعل تنفيذ برنامج السنوات الخمس للصناعة، البادئ في عام 1957، والمندمج في الخطة الخمسية الأولى (61/60)65/64 - – وارتفع إلى %21.6 عام 65/1964، العام الأخير من الخطة. وهو ما يعنى تحقيق زيادة بنسبة تتجاوز %50 خلال السنوات العشر المشار إليها، بمعدل نموّ وسطي يفوق %5 سنويًا.

23 Ibid, PP. 6-8.

24 انظر: معهد التخطيط القومي، " بعض الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد المصري من الجوانب القطاعية والنوعية والدولية "، سلسلة

قضايا التخطيط والتنمية رقم (220)، آذار/مارس 2010، الفصل الثاني، جدول رقم 1 و.13

25 وزارة التنمية الاقتصادية eg. gov. map. www، نقالً عن: كريمة محمد الصغير، " مبحث تمهيدي عن وضع الاقتصاد الكلي "،

ورقة خلفية للبحث الحالي (2011)، ص 2، شكل.2 26 معهد التخطيط القومي، " بعض الاختلالات الهيكلية... "، مصدر سبق ذكره، الفصل الثان، جدول 4، ص.18 27 منظمة التجارة العالمية، جهاز مراجعة السياسات التجارية، " تقرير المراجعة الثالثة للسياسة التجارية لمصر " (حزيران / يونيو

1999)، جدول 1، ص.18

28 معهد التخطيط القومي، الصناعات التحويلية في الاقتصاد المصري، الجزء الأول، مصدر سبق ذكره، جدول 1، ص.3

الدور التنموي للدولة: دراسة مقارنة للخبرة المصرية المعاصرة على مشارف ثورة 25 يناير

وفي ضوء هذه المقارنة ذات البُعد التاريخي، يمكن القول إن الاقتصاد المصري شهد خلال العقود الزمنية

الأخيرة ما يمكن وصفه ب " التقهقر الهيكلي ". ليس غريبًا إذ ا، في ظل هذا " التقهقر الهيكلي " للاقتصاد المصري، أن

يتراجع مركز مصر على سلّم التنافسية العالمية، وفق المعايير الدولية السائدة، وبخاصة لدى " المنتدى الاقتصادي العالمي "، المعروف بمنتدى دافوس. ونجد في التقارير السنوية ل " المجلس الوطني المصري للتنافسية "، تفصيال للتراجع المذكور، ومنها مثالًالتقرير السادس لعام 2009، حيث يذكر ما يلي: شهد مركز مصر تراجعًا بين الدول المشاركة في مؤشر التنافسية العالمية الذي يُصدره " المنتدى الاقتصادي

العالمي " من المرتبة 77 من بين 131 دولة في العام السابق – 2008 - إلى المرتبة 81 من بين 134 دولة في عام 2009. تراجعتْ مرتبة مصر وفقًا للمؤشرات الفرعية الثلاثة لمؤشر التنافسية لعام 2009/2008، مقارنةً بالعام

السابق. إذ انخفض ترتيب مصر أربعة مراكز وفقًا لركيزة " المتطلّبات الأساسية للنمو " (التي تضم المؤشرات الفرعية الخاصة بكل من: المؤسسات، البُنية الأساسية، الاستقرار الاقتصادي، الصحة والتعليم الأولّي.)

وتراجعت ثلاثة مراكز وفقًا لركيزة " معززات الكفاءة " (Enhancers InnovAtion) (التي تضم المؤشرات الفرعية الخاصة بكل من: التعليم الثانوي والعالى، وكفاءة أسواق السلع، وكفاءة سوق العمل، وتطوّر سوق

المال، والجاهزية التكنولوجية، وحجم السوق)، أما بالنسبة إلى الركيزة الثالثة للتنافسية – ركيزة الابتكار والتطوير (التي تضم المؤشرين الخاصين بالابتكار وتعقد المؤسسات) فتراجعت مصر أحد عشر مركزًا. ومما له دلالة مهمة هنا، ثبات موقع الاقتصاد المصري في مركز متأخر، أو متقهقر، على مدارج التنافسية العالمية، وفق مؤشر " دافوس "، إذ يفيد " تقرير التنافسية العالمية " لعام 2011/2010 إلى استمرار وقوف مصر عند المرتبة رقم 81 من بين 139 بلدًا شملها التقرير المذكور (مع ملاحظة زيادة عدد البلدان المشمولة في التقرير عما كان عليه الحال في التقارير السابقة)، مع وصول نسبة عجز الموازنة العامة إلى الناتج المحلي الإجمالي في عام 2009/2008 إلى %6.6، ومعدل للتضخم مقدّر بنحو %16.2، مقابل %11.7 كمتوسط لمنطقة الشرق

الأوسط وشمال أفريقيا، ونسبة للدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي %80. وانعكس الخلل والتقهقر الهيكلي للناتج المحلي الإجمالي، من وجهة نظر الصناعة التحويلية، على التجارة الخارجية السلعية المصرية، تصديرًا واستيرادًا، لكنه ليس انعكاسًا مباشرًا. فانخفاض الوزن النسبي للصناعة

التحويلية في هيكل الناتج لم يتبعه تلقائيًا انخفاضُ الوزن النسبي للمنتجات المصنّعة في هيكل الصادرات

السلعية الكلية، بل نجد على العكس أن هذه المنتجات المصنعة تمثل أهمية نسبية مرتفعة عبر الزمن. وفي سلسلة زمنية أوردتها " منظمة التجارة العالمية " عن مصر، ممتدة إلى نحو عشر سنوات (2003-1995). وجدنا أن حصة المنتجات المصنّعة قد بلغت%40.3 من إجمالي الصادرات السلعية في عام 1995 – وهي أعلى قيمة

29 المجلس الوطني المصري للتنافسية، " التقرير الساري للتنافسية المصرية: ما بعد الأزمة المالية: التنافسية والقيمة المستدامة "، القاهرة،

حزيران/يونيو 2009، ص.41 30 المصدر نفسه، ص.44

31 World Economic Forum, “Global Competitiveness Report 2010-2011”, PP. 5-39.

صيف 2012

مسجلة خلال الفترة، وإن انخفضت بشكل مضطرد تقريبًا لتصل إلى %30.5 عام 2003. وهكذا، على

الرغم من نقص نسبي %10 خلال الفترة المشار إليها، فإن نصيب المصنوعات من الصادرات ظل مرتفعًا نسبيًا،

بالمقارنة مع نصف تلك النسبة تقريبًا لحصة الصناعة التحويلية من الناتج المحلي الإجمالي. ولعل ارتفاع الأهمية النسبية للمصنوعات من تجارة التصدير يمكن إرجاعه إلى ضيق قاعدة الناتج المحلي الموجّه

إلى التصدير في القطاعات غير الصناعة التحويلية (عدا النفط والغاز)، أو انخفاض المرونة التصديرية للناتج من القطاعين الزراعي والخدماتي. ويُساعد في ارتفاع الأهمية النسبية للمصنوعات من الصادرات الكلّية، امتلاك

الاقتصاد المصري لميزة نسبية - ظاهرة – في بعض الفروع الصناعية، بعضها تقليدي، مثل المنسوجات والملابس؛ وبعضها مستحدث، مثل الحديد والإسمنت. أما من حيث الاستيراد، فإن النصيب النسبي للواردات من المنتجات المصنعة من إجمالي الواردات السلعية كان يمثل ذروة عالية في عام 1995، حيث بلغ %60.6، وظل ينخفض بشكل مضطرد، لكنه لم يقل عن %48.4 عام 2003، أي حوالى النصف من الواردات السلعية. وربما يكون التفسير هنا أكثر بساطة منه في حالة الصادرات، فزيادة الأهمية النسبية لواردات المنتجات المصنعة

يعود بصفة مباشرة إلى حدٍ بعيد إلى انخفاض الأهمية النسبية للقطاع التحويلي في الناتج المحلي، فما لا يجري إنتاجه لسد الاحتياجات المحلية يتم استيراده، وبخاصة من فرعيْ السلع الوسيطة، والسلع الرأسمالية.

رابعًا: على مشارف ثورة 25 يناير: ما قبل وما بعد؟

غياب الإستراتيجية والرؤية التنموية

لعله من الصعوبة بمكان أن تعثر على إستراتيجية متكاملة للتنمية ودور الدولة الإنمائي في مصر، خلال الفترة السابقة على ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011، على غرار تلك الإستراتيجيات التي صاغتها وطبّقتها بعض دول شرق وجنوب شرق آسيا، مثل كوريا الجنوبية وماليزيا، ودع عنك اليابان وعددًا

من دول أميركا اللاتينية، مثل البرازيل. ففي تلك الدول توافرت تصوّرات محددة للمستقبل، تساندها

خطط مرحلية، وحزم سياسات وإجراءات، ومنظومات للحوافز الإيجابية والسلبية، إضافة إلى مؤسسات للتفكير ولصنع السياسات واتخاذ القرارات، وأجهزة تنفيذية مثل وزارة التجارة الدولية والصناعة (ميتي) في اليابان. وكان قد استقر في يقين المسؤولين عن إدارة الاقتصاد المصري حينئذ، في ما يبدو، أن الاقتصاد كفيل بتسيير ذاته آليًا، سيرًا على مقولة آدم سميث حول " اليد الخفية "، انطلاقًا من المفعول التلقائي لقوى السوق ونشاط

المشروع الخاص في إطار من الحركة " الحرة " للمنتوجات وعوامل الإنتاج والسيولة النقدية ورؤوس الأموال، عبر الحدود، من البلاد وإليها.

32 منظمة التجارة العالمية، تقرير المراجعة الثالثة للسياسة التجارية لمصر...، مصدر سبق ذكره، الجدول أ – 1/1، ص.135 33 المصدر السابق، جدول (أ) 2/1، ص.136

الدور التنموي للدولة: دراسة مقارنة للخبرة المصرية المعاصرة على مشارف ثورة 25 يناير

وربما يمكن العثور على إطار مرجعي للسياسات الاقتصادية المصرية في " حزم الأفكار " التي تتبنّاها طواقم

البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ومراكز البحث والتفكير المرتبطة بهما، سواء داخل مصر أم خارجها،

ووكالات المعونة للدول الكُبرى، انطلاقًا من الصيغة المعدّلة لما يُسمّى " توافق واشنطن "، وما تدل عليه من

" إيمان " بأصولية السوق، أو ما يُطلق عليه " النظرية الأرثوذكسية " التي نحت منحى " الليبرالية الجديدة ". وأجريت تعديلات حقًا على مذهب " الليبراليين الجُدد " بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2009/2008 في الولايات المتحدة بالذات -وليس في أوروبا على كل حال- من خلال تدخّل الدولة بالحزَم التحفيزية

للإنعاش الاقتصادي وتوسيع هامش التوظيف، وصوال إلى ما يُسمى حاليا بسياسة التيسير الكمي، بينما

سارت أوروبا على خُطى (الليبرالية الجديدة - القديمة) من خلال ما يُسمى بسياسة " التقشف "، التي يقع

عبؤها الأساس على العاملين في القطاعين الحكومي والخاص، من خلال تقليص العمالة ورفع معدلّات

الضريبة عليهم، وخفض الإعانات. وعلى الرغم من التعديلات المشار إليها في أميركا، فقد بقيت الليبرالية الجديدة بمنزلة المذهب الضمني المسيطر على عملية صنع السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية في الدول الصناعية الرأسمالية المتقدّمة،

وتربّعت على العرش رويدًا رويدًا، اعتبارًا من منتصف سبعينيات القرن المنصرم حتى الآن، على أنقاض

مذهب " التدخل " الكينزي وسياسة " دولة الرفاهة "، اللذين احتلا مقدّمة المسرح في أوروبا وأميركا الشمالية

واليابان طوال ثلاثة عقود تقريبًا (1945 -.)1975 وإن " كلمة السر " المفتاحية لليبرالية الجديدة هي " الحرية "، حرّية المشروع الخاص في النشاط المحلي، وفي

الحركة عبر الحدود، من دون قيود إلا في أضيق نطاق ممكن وللضرورات التي تتيح المحظورات. وفي مجال الربط بين التجارة الخارجية والصناعة المحلية بالذات، نحَتْ الليبرالية الجديدة نحوًا خاصًا، هو

الدعوة إلى احتذاء حذو التجربة الشرق - آسيوية في التصنيع القائم على تطوير الصادرات. وكانت هذه

قراءة أحادية للتجربة الآسيوية، بالنظر إلى أن هذه التجربة لم تقُم على " تطوير الصادرات " عن طريق آلية السوق الحرة داخليًا وخارجيًا، وإنما قامت، كما أشرنا، على تصوّر إستراتيجي، تُسانده دعائم متعددة،

وفي ظروف دولية مواتية في إطار مرحلة الحرب الباردة بالذات، إضافة إلى العمل على انتهاج سياسة صناعية متكاملة تمزج بين تطوير الصادرات والإحلال الانتقائي المتدرّج للواردات. وعلى الرغم من طابع

القراءة الأحادية للتجربة الآسيوية، أو " المعجزة "، مما كشفت عنه وقائع الأزمة الآسيوية 1996 - 1997 وما بعدها، فقد مضت طواقم البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومراكز البحث والتفكير المرتبطة بهما، ووكالات المعونة، تروّج للتنمية المرتبطة بالصادرات، وبالدعوة إلى تحرير التجارة الخارجية للدول

المصدرة تحريرًا كليًا. وقد استندت هذه الدعوة نظريًا إلى أن تحرير الاستيراد يفضي إلى تعزيز المنافسة ورفع

الكفاءة المحلية. ومع ذلك فإن الحكومات السابقة على ثورة 25 يناير لم تعدم محاولات لصياغة سياسات متفرقة، موجّهة

إلى قضايا جزئية، مثل دعوة الوزير المختص بالتجارة والصناعة إلى ما يُسمى " خطة مضاعفة الصادرات "

34  انظر: صلاح العمروسي، " خطة رشيد لمضاعفة الصادرات "؛ و " الفشل التصديري لحكومة نظيف "، مقالتان غير منشورتين.

صيف 2012

على مدى خمس سنوات، بين عامي 2009 و 2013، هذا إضافة إلى ما يمكن استنتاجه من جداول

التعرفة الجمركية وتعديلاتها، ومن بعض السياسات الفرعية المشتقة في حالات بعينها، مثل صناعة تجميع

السيارات محليًا. لكن، إن لم تكن للتجربة الاقتصادية المصرية في التجارة والصناعة إستراتيجية ما، قبل

25 يناير من ناحية البناء النظري المصرّح به، فهل امتلكت " إستراتيجية ضمنية "؟ من الناحية المبدئية، يمكن الإجابة بالنفي عن هذا السؤال، فإستراتيجية التجارة، إن وجدت، لا بد من أن

ترتبط بإستراتيجية للصناعة. فهل يمكن استقراء إستراتيجية ضمنية من واقع " التنفيذ " الصناعي خلال

الفترات السابقة على ثورة 25 يناير، وبخاصة خلال تلك الفترة الأخيرة التي ارتفعت فيها نبرة الحديث

عن النموّ الاقتصادي وتطوير الصادرات (2004 - 2010)؟ يواجهنا في الإجابة عن هذا السؤال واقع غياب وحضور. أمّا الغياب فهو غياب مشروع وطني كانت قد

جرت الدعوة إليه بصورة مكثفة من قبل معهد التخطيط القومي ومؤسسات بحثية مصرية عديدة وباحثين

مستقلين، وبخاصة منذ منتصف السبعينيات إلى منتصف الثمانينيات - ذلك هو مشروع " تصنيع الآلات

والمعدات الإنتاجية "، الذي كان يفترض أن يتم بالتعاون بين الهيئة العامة للتصنيع (هيئة التنمية الصناعية في

ما بعد)، وأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والهيئة القومية للإنتاج الحربي، والهيئة العربية للتصنيع

(العسكري)... بل و " مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار " بمجلس الوزراء، في وقت ما، أيضًا. وكان يُفترض أن يوفّر هذا المشروع عمقًا هيكليًا لعملية التصنيع المصرية، من خلال بناء صناعة للسلع

الوسيطة والرأسمالية، استنادًا إلى حصر إحصائي دقيق للإمكانات الإنتاجية المتوافرة لدى الجهات المصرية

ذات الصلة، ابتداءً من منجزات البحث العلمي والتكنولوجي، إلى صناعة الآلات والمعدّات والأجزاء

وآلات الورش لدى مصانع القطاع العام ذات الصلة حينئذٍ، مثل شركة المراجل التجارية، وشركة السكر

المصرية، وشركة النصر لصناعة السيارات، وشركة " سيماف "، ومصانع وشركات الهيئة القومية للإنتاج

الحربي، وبخاصة " مصنع 100 " الحربي، وشركة " بنها " للصناعات الإلكترونية، ومصنع " أبي زعبل

للكيماويات "،... وغيرها كثير. هذا هو جانب " الغياب "، أمّا " الحضور " فيخص سجل العمل الصناعي في مصر، كما يدوّنه -مثالً- الجهاز

المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في " النشرة السنوية للإنتاج الصناعي السلعي - القطاع العام / الأعمال

العام والقطاع الخاص ". ونرى في هذا الحضور -مبدئيًا- حركة تلقائية بغير توجيه نحو أي عملية مبرمجة

مفترضة للتحوّل الهيكلي التصنيعي التنموي. ولا يسمح المقام هنا بعرض مفصّل لهذه النقطة، ما يمكن

تناوله في مواضع أخرى. هكذا تناولنا غياب المنظور الإستراتيجي والرؤية التنموية، قبل ثورة 25 يناير، وكنّا قد تناولنا في القسم

السابق، طبيعة الهيكل الاقتصادي، من خلال مُعالجة واقع التقهقر في عملية التحوّل الهيكلي للاقتصاد

المصري، ويتبقى علينا أن نتناول البُعديْن الآخرين للتحليل الاقتصادي، وهما السياسة الاقتصادية

35  انظر: منظمة التجارة العالمية، " تقرير المراجعة الثالثة للسياسة التجارية لمصر... "، مصدر سبق ذكره، ص 110 و 96 -.113 36  انظر: الغرفة التجارية الأميركية بمصر (إعداد أرني كلو)، " تأثير الأزمة الاقتصادية على التجارة والاستثمارات الخارجية والتشغيل

في مصر "، شباط/فبراير 2010، ص 78 -.42

الدور التنموي للدولة: دراسة مقارنة للخبرة المصرية المعاصرة على مشارف ثورة 25 يناير

والنظام الاقتصادي. وفي ما يلي نركّز على موضوع السياسة الاقتصادية، من خلال واقع الاستبعاد المنهجي

لدور الدولة التنموي في مصر، في ما قبل ثورة 25 يناير، تأسيسًا على الفهم الخاص -والمغلوط- للحرّية

الاقتصادية، ثم ننتهي بنظرة إجمالية إلى النظام الاقتصادي

سياسة الحرية الاقتصادية و"استبعاد دور الدولة التنموي" (1971 - 2011)

بدأت مصر في عام 1971، وتحديدًا منذ عام 1974، عهدًا سياسيًا واقتصاديًا جديدًا، إذ ط بِّقت سياسة

" الانفتاح الاقتصادي "، التي قامت على فهم مصطلح " الحرية " فهامً محددًا، يقوم على دعامتين: - حرّية الحركة لرأس المال الخاص، المحلي والعربي والأجنبي. - حرية تحديد " أسعار " المُنتجات وعوامل الإنتاج من خلال التفاعل التلقائي لقوى السوق، أي العرض والطلب، من دون تدخّل من جهاز الدولة. لكن حرية الحركة لرأس المال الخاص الكبير أساسًا، فُه -في ما يبدو- نقيض التخطيط القومي، فتحرّك مَت

أصحاب رأس المال، وقاموا بتوجيهه إلى المجالات والأنشطة الأكثر تعظيامً للأرباح الخاصة، وكانت

النتيجة إهماالً نسبيًا للقطاعات السلعية، وبخاصة الزراعة والصناعة التحويلية - وتركيزًا على خدمات

التجارة والمال والعقارات. كما تم تشجيع هجرة العمالة المصرية إلى الخارج (ليبيا ودول الخليج العربي)

للتخلص من عبئها الداخلي والاستفادة من تحويلاتها المالية التي أخذت تصب في المسار المذكور نفسه. أما حرّية السوق ففُهمت باعتبارها نقيضًا للدور الاقتصادي والاجتماعي للدولة، وكانت النتيجة انسحاب

الدولة من عملية توجيه الاقتصاد وضبط الأسواق. ومع الحرية الخاصة، كان هناك أمران متلازمان: تفكيك القطاع العام وبيع الجزء الأكبر من شركاته بعد أن جرى تحميل شركاته عبء البيع للسلع بأقل

من تكلفتها الحقيقية، ومن ثم تحمّل خسارة مالية متصاعدة، جرت تغطيتها عن طريق الاستدانة المصرفية

و " السحب على المكشوف "... كما كان قد تم تحميل الشركات العامة عبء " التعيين الإجباري للخريجين "،

فامتلأت بالعمالة الزائدة والبطالة المقنّعة التي صارت عبئًا مقيّدًا للإنتاجية، ومصدرًا لتبديد الموارد النادرة.

وجرى إهمال الشركات العامة إنتاجيًا وتكنولوجيًا، ثم تمّ حرمانها من التوسعات الاستثمارية، ما مثّل

تمهيدًا لبيع الكثير منها بعد ذلك بثمن بخس لأصحاب رؤوس الأموال الكبيرة، الذين قاموا في حالات

كثيرة بتصفية النشاط الأصلي للشركات، والاستفادة من فرق بيع الأراضي والمضاربة عليها لتحقيق

مكاسب رأسمالية وأرباح " قدرية " غير مبررة، ولتصب من ثم في سيل تراكم الدخول والثروات الخاصة. أما الأمر الثاني فهو الاختلال في التوازن بين الأجور والأسعار، ما أدّى إلى خفض الدخل الحقيقي

للمشتغلين بالأجر في القطاعين العام والخاص، وبخاصة في الجهات الحكومية، في ظل معدلّات مرتفعة

نسبيًا للتضخم السعري. ومع اختلال العلاقة بين الأجور والأسعار لم تحدث زيادة في الإنتاجية تعوّض

ارتفاعات التكلفة وتصاعد الأسعار الجارية للسلع والخدمات.

صيف 2012

لكن الذي أحدث التوازن النسبي، ولو موقتًا، هو وجود مصادر مالية كبرى، أخذت ثقلها الحقيقي بعد

تصحيح أسعار النفط عقب حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973. وهذه المصادر، هي: تحويلات العاملين

في الخارج، والسياحة، وعائدات قناة السويس، والتمويل الأجنبي. ولكن أدّى انخفاض أسعار النفط بأواسط الثمانينيات (1986)، وانفجار أزمة الديون في العالم الثالث

(1985 - 1986)، وتباطؤ الصادرات في الدول الصناعية الغربية، والانخفاض النسبي للإنتاجية فيها،

إلى أزمة اقتصادية في عام 1986 وما بعدها. وانعكس ذلك على مصر، فثقُل عبء الديون الأجنبية،

وتزايدت فاتورة الواردات، وتفاقم عجز الموازنة العامة، وارتفعت معدلّات التضخم السعري. وجرى

تحمُّل كل ذلك بصعوبة شديدة خلال خمس سنوات (1986 - 1991) حتى وقّعت الحكومة المصرية

اتفاقًا مه مع صندوق النقد الدولي في أيار/مايو 1991، تم بمقتضاه التوافق على حُزمة من السياسات

الاقتصادية، يجمعها " برنامج التثبيت والتكيّف الهيكلي ". وكان هذا البرنامج موازيًا لبرامج أخرى جرى

تطبيقها في معظم الدول النامية في الفترة نفسها تحت إشراف صندوق النقد الدولي. وخلال الفترة بين عامي 1991 و 1998 - 1999 تقريبًا، أخذ يتحقق شيء من التوازن في الموازين الاسمية

للاقتصاد (وبخاصة الميزانية العامة وميزان المدفوعات وميزانية النقد الأجنبي)، انطلاقًا من خفض الإنفاق

الحكومي في المجال الاجتماعي الموجّه إلى الشرائح الفقيرة من المجتمع، وبخاصة في قطاعات التعليم والصحة،

إضافة إلى بيع شركات القطاع العام للتخلّص من خسائرها الإجبارية، وكذا خفّضتْ الواردات، بما فيها

واردات السلع الأساسية والسلع الوسيطة والرأسمالية (الآلات والمعدات) اللازمة لدوران عجلة الجهاز

الإنتاجي. وأدّى هذا التوازن (الاسمي) إلى تعميق الاختلال في الموازين العينية، أو الحقيقية للاقتصاد، من

خلال الإهمال " المتعمّد " للزراعة والصناعة التحويلية والخدمات العلمية - التكنولوجية. وكانت الفلسفة الكامنة من وراء برنامج التكيّف الهيكلي في مصر وسائر الدول النامية -غير النفطية

أساسًا- هي ضرورة ضبط مستوى الطلب الك، وخفض الإنفاق ومستويات السيولة ليتوازن مع

مستوى العرض الذي جرى تحجيمه ببيع القطاع العام، وخفض الواردات الوسيطة والرأسمالية. وتلك

هي الفلسفة الاقتصادية المُسماة بالفلسفة " الأرثوذكسية "، التي ترى ضبط كمية النقود مدخال للتوازن

الاقتصادي الك، انطلاقًا من " نظرية كمية النقود " في الفكر الاقتصادي الرأسمالى الكلاسيكي، ومن

" قانون ساي للأسواق "، القاضي بأن العرض يخلق الطلب المساوي له. وعلى الرغم من أن هذا القانون

قد فشل في حالة الدول المتقدّمة، إذ لم يخلق العرض طلبًا مساويًا، فحدثت أزمة الكساد الكبير (1929)،

إلا أنه جرت محاولة فرضه على الدول النامية، انطلاقًا من حجم منخفض للعرض، يستدعي حجامً موازيًا

مخفّضًا للطلب. وما جاء خفض مستوى الطلب، إلا من انخفاض طلب الفئات والشرائح الاجتماعية

الفقيرة، عن طريق رفع الأسعار بوجهها، والتثبيت النسبي لمعدلّات الأجور والمرتبات، مع خفض نفقات

الدولة الموجّهة لحمايتها اجتماعيًا. واعتبارًا من أواخر عام 1999، وبدايات عام 2000، ولمدة خمس سنوات تقريبًا -حتى -2004 جرت

محاولة دفع عجلة النمو الاقتصادي المتباطئة، من خلال أداتين: - خفض قيمة الجنيه المصري (سعر صرف العملة المحلية) من أجل زيادة الصادرات، لكن هذا الخفض لم

الدور التنموي للدولة: دراسة مقارنة للخبرة المصرية المعاصرة على مشارف ثورة 25 يناير

يؤدِّ إلى رفع الصادرات، بل زاد من تكلفة الواردات الأساسية، ورفع من تكلفة الائتمان الممنوح بالعملات

الأجنبية إلى فئة رجال الأعمال الكبار، ما أدّى إلى تناقص استثماراتهم الموجّهة إلى القطاعات المعتادة في النشاط

الاقتصادي (خدمات التجارة الداخلية والخارجية، والإسكان والعقار، والفنادق والمطاعم... إلخ.) - ارتفاع مستوى الديون العامة المحلية، بفعل اقتراض الحكومة من الجهاز المصرفي ومن صناديق التأمين

والمعاشات، لتمويل مشروعات البُنية الأساسية، التي توسّعت في نطاق القاهرة الكبرى توسعًا هائالً

(للإنفاق على الكبارى العلوية، وأنفاق المترو، وشبكات الهاتف والصرف الصحي) من دون أن توازيها توسّعات في الطاقة الإنتاجية في القطاعات السلعية، وبخاصة الزراعية والصناعية، وفي قطاع الخدمات

العلمية - التكنولوجية. ولما تبين الأثر السلبي لسياسة سعر الصرف والدين العام في النمو الاقتصادي، جاءت (حكومة رجال الأعمال) في عام 2004 لتفتح مرحلة أخرى، استمرت حتى أواخر 2008، تاريخ تفجر الأزمة المالية العالمية. وفي السنوات الخمس المذكورة تقريبًا، توافرت مجموعة من الظروف الخارجية المواتية للاقتصاد

المصري، فارتفع حجم الاستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر وزادت موارد الدولة الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي، بما في ذلك تحويلات العاملين في الخارج وإيرادات قناة السويس، كما ارتفع

دخل السياحة. وكانت النتيجة ارتفاعًا عامًا في معدل النمو الاقتصادي الك السنوي، قدّر بنحو.%7 لكن هذا المعدل خالطه أمران أساسيان: الأمر الأول، تركُز النموّ في القطاعات غير السلعية الأساسية، إذ

تمثلت القطاعات القائدة للنموّ في الإسكان والبناء والعقارات، وفي السياحة الأجنبية، والاتصالات الهاتفية

المحمولة. ومن خلال النموّ الانفجاري وذي الطابع " الفقاعي " في الأنشطة الاقتصادية لهذه القطاعات،

تراكمت ثروات هائلة لمجموعة من رجال الأعمال الكبار الذين استفادوا من تخصيص الأراضي بأسعار زهيدة، في المناطق البعيدة عن مركز العمران الراهن للقاهرة والمدن الكبرى. أما الأمر الثاني فهو أن النموّ الاقتصادي على المستوى الك لم يصاحبه تحسّن مناظر في مستويات المعيشة

للأغلبية الاجتماعية، بل وأدّى انفلات معدل التضخم السعري إلى التدني النسبي لمستويات المعيشة لشرائح

اجتماعية واسعة، وتعمّقت فجوة التفاوت في توزيع الدخول والثروات عبر الزمن. ثم جاءت الأزمة المالية

العامة (2008 - 2010) لتفاقم من أثر النموّ المشوّه، عن طريق تسارع ارتفاع معدل التضخم السعري،

وتزايد معدل بطالة الخريجين، والثبات النسبي لمستويات الأجور، إلى جانب التراكم غير المبرر للثروات لدى الدوائر الضيّقة من فئة " رجال الأعمال " المرتبطة عضويًا مع شبكة السلطة السياسية في أعلى مستوياتها،

وما تلاها في دوائر السلطة التنفيذية و " المحليات ". هذا كله عن تطبيقات " الحرية الاقتصادية " في المجال الداخلي. أما في المجال الخارجي، فتمثّلت " الحرية

الاقتصادية " في " التخلّص من قيود " التصدير والاستيراد، إذ فُتح الباب من أجل تصدير المنتجات المتاحة،

واستيراد مستلزمات " الإنتاج والآلات والمعدّات. وبينما قامت الدولة بالتخ عن هدف إقامة قواعد

إستراتيجية للزراعة والصناعة والتكنولوجيا، وتوفير " الحماية " اللازمة لها، بالوسائل الجمركية وغير الجمركية، فقد سمحت لقوى السوق بتحديد ما يُصدّر، وما لا يُصدّر، وما يُستورد، وما لا يُستورد،

صيف 2012

خضوعًا للاعتبارات السعرية السائدة في لحظة معيّنة من أجل تحديد " هيكل الناتج المحلي الإجمالي "، وبنيان المعاملات مع العالم الخارجي، من دون النظر إلى الاعتبارات الإستراتيجية العُليا في الأجل الطويل. وكان من نتائج ذلك: الانصراف عن زراعة القمح محليًا، لأن أسعار استيراد القمح و " الذُ رة " في السوق

الدولية، ربما كانت أكثر انخفاضًا من تكلفة الإنتاج المحلي، في ضوء الدعم الم قدّم من الحكومة الأميركية

وحكومات الدول الأوروبية إلى منتجي السلع الزراعية والغذائية، بما فيها القمح واللحوم، لجعل أسعار صادراتها في الأسواق الدولية، منخفضة بشكل اصطناعي، بحيث يزيد الطلب عليها في العالم الخارجي، وبخاصة في الدول النامية. وفي المقابل، سحبت حكومات هذه الدول النامية بما فيها مصر، الدعم، أو معظمه، عن المنتجين الزراعيين، وبخاصة دعم مستلزمات الإنتاج، فجعلت تكلفة الإنتاج ترتفع بشكل مُغالى فيه، وحملت المزارعين على الانصراف عن زراعة القمح والمحاصيل الغذائية الأساسية. وحدث

مثل ذلك مع القطن، إذ قامت الحكومة المصرية بشراء القطن قصير التيلة من الخارج، بخاصة الولايات المتحدة، وأعادت تأهيل مصانع الغزل والنسيج للتكيّف مع هذه النوعية من القطن، بينما أخذت توجّه

الإنتاج المحلي من القطن طويل التيلة ومرتفع الجودة إلى العالم الخارجي، ولا تستطيع المصانع المحلية استخدامه لعدم ملاءمة الآلات والمعدات المستوردة للتعامل مع هذه النوعية من القطن. أما في المجال الصناعي، فقد تم استيراد " التكنولوجيا "، واستيراد السلع المصنّعة والأجهزة والآلات

الصناعية، والسيارات ومعدّات النقل، محققة أرباحًا مرتفعة نسبيًا للمستوردين وأصحاب مصانع التجميع.

وفي المقابل، عزفت الدولة عن تشجيع إقامة صناعات وطنية كبُرى، وعن الاستفادة من القدرات المحلية للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي ومن شبكات آلاف المنتجين والحرفيين والمورّدين لإمداد المصانع

الوطنية باحتياجاتها من السلع الوسيطة والأجزاء وقطع الغيار والمكوّنات الأساسية. وهكذا كانت النتيجة افتقاد قاعدة زراعية وصناعية وتكنولوجية وطنية، من منظور إستراتيجي، بينما توافرت السلع المستوردة، والقمح المستورد، والغزل والنسيج والأقمشة والملابس الجاهزة، من دون القيام بمسعى كبير لتشجيع إنتاج بدائل الواردات، جنبًا إلى جنب تطوير الصادرات.

النظام الاقتصادي ما قبل ثورة يناير وما بعدها

تبدأ عملية السعي نحو التنمية الاقتصادية من التغيير الجذري للنظام الاقتصادي وآليات تشغيله. والنظام الاقتصادي عمومًا، بناءٌ مركب ومترابط من ثلاثة عناصر أساسية: هدف، وهيكل تنظيمي، وإطار اجتماعي. وعلى مدى أربعين عامًا متصلة، هي الفترة الزمنية - السياسية الممتدة بين عامي 1971 و 2011، ظل النظام

الاقتصادي قائامً على هدف " رفع معدلّات النمو الاقتصادي "، بالمعيار الكمي المتمثل بالزيادة النسبية للحجم

الكلي للناتج المحلي الإجمالي، عبر الزمن، من خلال التركيز على المصادر والقطاعات سريعة الإدرار للعائد

المالي في الأجل القصير والمتوسط، دونما اعتبار لبناء قواعد إنتاجية وتصنيعية في الأجل الطويل. وتركّزت هذه المصادر والقطاعات، خلال أربعة عقود، على المجالات " الخدمية " (الخدماتية) مرتفعة الإيرادات نسبيًا،

عبر قناة " ميزان المدفوعات "، وهي: النقل الدولي عبر قناة السويس، والسياحة الأجنبية، وتحويلات العاملين

الدور التنموي للدولة: دراسة مقارنة للخبرة المصرية المعاصرة على مشارف ثورة 25 يناير

المصريين في الخارج، وصادرات النفط والغاز الطبيعي، مع مساندة هذه المصادر الأربعة بمصدر خامس هو الاستثمار العربي والأجنبي. وتم توجيه الموارد المحصّلة من القنوات الخمس السابقة لميزان المدفوعات،

نحوالأنشطة الاقتصادية المحلية المحققة للعائد المالي قصير الأجل، وهي قطاعات الخدمات (أيضًا)، وبصفة خاصة: الخدمات التجارية، تجارة الاستيراد، والتجارة الداخلية، لا سيما " تجارة الجملة ". الخدمات المالية، عبر قنوات النظام المالي الثلاث: الجهاز المصرفي، وقطاع التأمين وسوق الأسهم. الخدمات المتّصلة، في منظومة مترابطة، بالعقارات، والمضاربة على " الأراضي "، والإسكان الفاخر،

ومنتجعات السياحة الترفيهية الداخلية والخارجية. خدمات الاتصالات، الاتصالات " المحمولة " على وجه التحديد. وفي الفترة الأخيرة، السابقة على ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011، تركزت القطاعات الأكثر دينامية في الهيكل الاقتصادي على الأنشطة المرتبطة ب " الفورة العقارية "، و " قطاع الاتصالات ". وفي " الفورة الأولى "، وجدنا النشاط الزائد في حيازة الأراضي المملوكة للدولة، والمضاربة عليها، والبناء لغرض السكن العائلي والبيع

التجاري ولإقامة المشاريع الخدمية المُدرّة للربحية السريعة العالية، كما وجدنا وتيرة سريعة لنمو الأنشطة المرتبطة

بالبناء و " التشييد "، ونذكر هنا قطاعَيْ الحديد والإسمنت، وتجارة السلع الوسيطة المرتبطة، مثل الأخشاب

والكيماويات والصباغة، وتجارة الأثاث المنزلي والأجهزة المنزلية المعمرة. أما " الفورة الثانية "، فتمثّلت باحتلال

قطاع الاتصالات المركز الأول بين القطاعات المولدة للناتج المحلي الإجمالي من حيث معدّل النمو.ّ هذا عن العنصر الأول من عناصر " النظام " الاقتصادي، وهو الهدف. وأما العنصر الثاني، وهو الهيكل التنظيمي، أو آلية تشغيل النظام، إذ ارتكز طوال الأربعين عامًا المشار إليها على دعامتين: أولاهما، " قوى

السوق الحرة "، وذلك عن طريق إطلاق الآلية التلقائية لقوى العرض والطلب. وقد تحقق ذلك، تدريجيًا،

لكن بانتظام وثبات، منذ مطلع السبعينيات، وبخاصة بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر، وبصفة أخص منذ

أواخر السبعينيات، مع تخ الدولة عن مظاهر رقابتها الصارمة على الأسواق، ابتداءً من ترك " التسعيرة

الجبرية " للسلع والخدمات الأساسية، وتحديد هامش الربح للسلع المستوردة، وانتهاءً بإهمال المتابعة الفاعلة

للمؤشرات السعرية والسوقية، بما تبعه ذلك من تكوّن القوى الاحتكارية التي تقوم بصنع الأسعار، وليس

استقبالها والانصياع لها فحسب. وارتبط كل ذلك بتخ الدولة، تدريجيًا عن منهجية التخطيط القومي

الشامل، التي استطاعت، على الرغم من عيوبها، إنجاز الخطة الخمسية (1961/1960 - 1965/1964)، التي اندمج فيها " برنامج التصنيع للسنوات الخمس "، الذي كان قد بدأ في عام 1957، بعد العدوان الثلاثي (البريطاني - الفرنسي - الإسرائيلي) في عام.1956 أما الدعامة الثانية لآلية تشغيل النظام الاقتصادي، فاستندت إلى " القطاع الخاص الكبير "، وارتبط ذلك مباشرة

بتفكيك الجسم الرئيس للقطاع العام الذي تو قيادة عملية التنمية، بصفة جزئية، منذ عام 1957، ثم بصفة

كلّية بعد حركة " التأميمات الكبرى " في عام 1961، كما تو بعد ذلك عملية الإعداد لحرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، ثم إعادة تعمير مدن القناة بعدها مباشرة. وتم تفكيك القطاع العام من خلال " الخصخصة "،

من دون أن يستطيع" القطاع الخاص الكبير " تعويض الفراغ الذي تركه القطاع العام في مجال التنمية الصناعية والزراعية. كما وقع تخ الدولة، تدريجيًا، عن جزء مهم من وظيفتها الاقتصادية - الاجتماعية، من حيث رسم الإستراتيجية

التنموية، وتفويض مهامها إلى كل من القطاعين والعام والخاص، من خلال الخطة وحُزمة من السياسات

التحفيزية في المجالات النقدية والمالية والاقتصادية، على غرار تجارب شرق آسيا وأميركا اللاتينية، من خلال

ما يُسمى " الدولة التنموية ". وأما العنصر الثالث للنظام الاقتصادي، فهو " الإطار الاجتماعي "، أو " الأساس الاجتماعي " للنظام. وقد

تمثّل هذا الأساس في ما يُسمّى " جماعة رجال الأعمال "، التي ارتبطت بعلاقة ترابط عضوي بين قوة المال وقوة

السلطة، مولّدة الفسادَ السياسي والإداري والاقتصادي. ومع قيام ثورة 25 يناير 2011، ارتفع شعار تغيير النظام الاقتصادي، ليعني، في ضوء ما سبق، تبنّي نظام

جديد، بهدف جديد، وآلية جديدة، وأساس اجتماعي جديد. والهدف هو: إحداث نقلة تنموية، بالمعايير

العالمية، عبر التركيز على إحداث ثورة تصنيعية وتكنولوجية، بديالً من الفورة العقارية العقارية - الاتصالية

المشار إليها سابقًا. أما الآلية فهي المنهجية التخطيطية، لتوجيه حركة السوق والقطاعين العام والخاص،

والقطاع التعاوني، ضمن إستراتيجية تنموية مرتكزة إلى القطاعات الأعلى إنتاجية في المدى الطويل، وبخاصة

الصناعة التحويلية، مع إعادة الاعتبار إلى القطاع الزراعي والخدمات العلمية والتكنولوجية، من خلال

استخدام حُزمة سياسات تحفيزية، كما فعلت كوريا وماليزيا والبرازيل مثال، مع وعي اختلاف الظروف. وأما

الأساس الاجتماعي للنظام الاقتصادي للثورة فهو كل قوى المجتمع الحيّة: من الطلبة والخريجين، ومن العمال

والموظفين، والحرفيين والمهنيين، ومن الفلاحين، والرأسمالية الوطنية. وفي عبارة محددة، تتمثّل بدائل النظام الاقتصادي المُرتجى بخمسة أبعاد أساسية: التنمية الشاملة (بدالً من النموّ الاقتصادي الكمي المحض.) التخطيط الوطني (بدال مما يُسمى " الاقتصاد الحر ".) الإنتاجية.)

السلطة السياسية.) تعبئة " الفائض الاقتصادي " من خلال سياسات توزيعية تتّسِم بالكفاءة والعدالة.

صيف 2012

التركيز على الصناعة التحويلية وإنتاج الخدمات العلمية - التكنولوجية (بدال من " الفوْرة " غير استعادة الوظيفة الاقتصادية والاجتماعية الإشرافية للدولة والقطاع العام - بالتعاضد مع القطاع

الخاص المنتج، والقطاع التعاوني (بدال من هيمنة شريحة معيّنة من القطاع الخاص الكبير، مُقرّبة من