العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مخاطر الطائفيّة على الربيع العربيّ

مخاطر الطائفيّة على الربيع العربيّ

The Risk of Sectarianism of the Arab Spring

وجيه قانصو *

الملخّص

يعالج البحث موضوع الطائفيّة بوصفها نظامًا علائقيًّا خاصًا يقوم بين السلطة والمجتمع من جهة، والمجتمع والفرد من جهة أخرى، وهي انعكاس لخريطة توزيع القوة، وأثرُ من آثار تعريف الفرد وتحديد موقعه ومكانته في المجتمع، والحدود المسموح له بممارسة فعله السياسي فيها، وهذا ما يجعل من الطائفية الوجه الآخر لغياب المواطنة والمترتبات التي ينتج عنها فشل الدولة في أداء مهماتها كدولة. تتعرض الدراسة لتعدد الإشكاليات الطائفيّة في العالم العربيّ بتعدد طوائفها الكبرى: بين شيعيّة أخذت تتضخم خصوصيتها إلى درجة التقوقع خارج مجال الدولة، ومسيحيّة متوجسة من واقعها فأخذت تبحث لنفسها عن أمانٍ داخليّ أو خارجيّ يحميها، وسُنيَّة لا تزال فكرة الحكم السلطانيّ -الذي يغلّب ثقافةً على أخرى مقابل التسليم بحكم مطلق- تداعب مخيلة الإسلاميّين.

Abstract

1  Judith Yaphe, The Middle East in 2015:The Impact of Regional Trends (Washington: National Defense University Press, 2002), pp. 213-230.

الكلمات المفتاحية:
  • الطائفية
  • السلطة
  • المسيحيون
  • الربيع العربي
Keywords:
  • Sectarianism
  • Power
  • Christians
  • Arab Spring

يعالج البحث موضوع الطائفيمّة بوصفها نظايًا علائقصًّا خاةًا يقوم بين السلطة والمجتمع من جه،

والمجتمع والفرد من جهة أخرى، وهي انعكاس لخريطة توزيع القوة، وأثر من آثار تعريف الفرد

وتحديد موقعه ومكانته في المجتمع، والحدود المسموح له بممارسة فعله السياسي فيها، وهذا ما يجعل

من الطائفية الوجه الآخر لغياب المواطنة والمترتبات التي ينتج عنها فشل الدولة في أداء مهماتها

كدولة. تتعرض الدراسة لتعدد الإشكاليات الطائفيبيّة في العالم العرينّ بتعدد طوائفها الكبرى: ب

شيعييّة أخذت تتضخم خصوصيتها إلى درجة التقوقع خارج مجال الدولة، ومسيحنّة متوجسة م

واقعها فأخذت تبحث لنفسها عن أمانٍداخلييّ أو خارجسّ يحميها، ويُنمَّة لا تزال فكرة الحك

السلطاني - الذي يغلّب ثقافةقً على أخرى مقابل التسليم بحكم مطل- تداعب مخيلة الإسلاميينّ. جاء حدث الثيّورات العربنّة الأخيرة من خارج سياق الفكر العربي المعاصر؛ بحكم أقّه لم يكن مسبوا

بأييّ خطاب فكررٍّ، أو يُؤيويٍّ، بعُرثّ عن هذه اليّورات، أو يستشرفها، أو شبُريّ بها، أو حتى هُماّد له.

وقد عطّ نى اجتماعُس الواقع العربي ببّورات تقديرات الباحثين بتلبّيعة في هذه الثةّر والسّفع الفجائيّة الدّلت قو

ة تسكّتقليديِّن حراكه، وسرمدييّة سياستّة لُصِّبات فيهّب عود الث.ه كما أنفّا حقَّزت الجميع على النظر عميفيًا

حقيقة هذا الواقع، والتعرمفّح إلى رُيّكاته الخفيّة، وديناميّاته الاجتماعةّة التي كانت موجوددً فيه على النّوام؛ دو

ظَلحُأن تَ، أو بالأحرى أن يدُنظر إليها بجةّيٍأو بتفحقّص دقي. يمكن القول، إندّ مثّ اليّورات العربقّة قد أحدث منطمًا رُغايضًا، ونبصًا خاجًّا، ومزاثًا غير مسبوق. وتمعّل جمي

ذلك في جيل الشيّباب، الذي خرج من رحم الواقع العربي، وكان ضحنّته في آٍ. غير أنهّه ضمَم يتُرغلمّات العا

ومرُكتسباته الأثيرية والةّقمية، وأنشأ لنفسه إرادةً جامحتً للةّغيير، وعزيمينً لتجاوز الماضي والحاضر المستحكم،

صيف 2012

والاستقلال عنهما، بل وتصفية الحساب معهما. وكان يحرتّكه السيّوق إلى طرح مجال سيا خٍمفُتلٍ؛ يسلب السةّلط

كلتّ أوصاف التّقديس والتّعالي الغيبي والرّبجيل اليّمزي، وهُظبِّر السُعد النّياسي للفرد بوصفه كائالًا فاعً في

الحقل العامرّ، بعد أن كان التمدّد على الاّولة والخروج على القانون هو مجال تحقيق ذاته الوحيد. وذلك هو م

سيكفل له الترّحيّر من قبضة العصبيّات الجماعخّة المتضتّمة، التي دَصهره في داخلها؛ فيسعى جايرًّا إلى توف

ارلشيّوط المجتمعسّة واليّياسرّة التي تضمن له حيّيته، وتحترم حصّز وجوده الخاّ. بيد أنثّ القلق على وجهة هذه الرّورات ومستقعّها يبقى مشروقًا، من جهة تُدرة قوى الذّغيير الجديدة على البّها

بمجتمعاتها إلى أقصى رهانات الديّيمقراطسّة؛ تلك التي لا يقتصر أثرها على تغيير رموز الجّلطة، أو إعادة إنتا

ظُّالنُم السنّياسية. ذلك أدّ الانتقال الكامل إلى اليّيمقراطةّة، يستدعي الانتقال إلى نقطة ارتكاز جديدٍ، وإلى

نقطة توازنٍواستقرار مختلفةٍ(Equilibrium point and steady state)، وإلى أطر تفكير جديدةٍ ذات

ات مختلفةّمرجعيٍ. أي التحودّل إلى باراديغم جديٍ؛ يطُعّ ةّياسيّة والسّظام المعزول الاجتماعيّل استنفار قوى الن

- الظّاهرة منها والخفيةّ - في إعادة التيّوازنات إلى الوضعسّة الدّابقة. ويعطي فكرة السّولة والعلاقة بين الةّلط

والمجتمع منطقا خمفُتليًا؛ يحول دون دخول المجتمع في منزلقات تقسيمةٍّ ة أخطر من ثقلّ وصراعات ديني

الاستبداد والفساد السنيّابقنْ. وهذا غير مرهوٍ بقابلية جيل خاصاٍّ، بل بقابلية المجتمع نفسه للاستجابة لهذ

الجيل، في تعديل منظومات ولاءاته وأُطر تضامناته الخاصمّة والعاتّة. وذلك حيّى يكبح بها جماح العصبتّا

الخاصنّة؛ التي أصبحت بعد سقوط الىّظام بلا رقيب ولا رادع، وتنزع بحسب طوب Utopy ثقافتها، إلى تحويل

إلى ساحة صراع وغلبةّالمجال السياسي العامٍ، وليس إلى ساحة تداول وشراكةٍ. إنسّ إزاحة المركز العّياسي بشكله المعهود؛ قد وضع المجتمهَ وجهًا لوجٍأمام نفسه، وأصبح كمن يبصر في

المرآة - ولأورّل مةٍّ - التوّشسّهات التي لحقت ببنيته اليّياسلّة، وحالات التكتّس التي كادت طُعّ ةّل دينامي

التيّكتّف واللغّىيير فيه. وتجيّ ذلك في نتائج انتخابات ما بعد الثورة؛ تلك التي كشفت عن الأرضيّة المجتمعةّ

الصقّعبة والمعرّدة التي تتحيّك فوقها عملتّة الوّحدّل الدّيمقراطي، وأزاحت الغطاء عن مشهٍ يحملٍّ مجتمعي

ذاكرةيً ديمقراطةّةً ضعيفدً. وهو مشهمٌ خُتمَتٌ بالوّصدّرات اليّينصّة ذات الطّبغة الّائفيفّة، التي تكاد تحصر الموق

السدّياسي في سيادة النّي - الطّائفة ونصرة الدنّاعين إليها. بل إثّ عدم تمثيل نخب التّورة الجديدة في البرلمانا

الجديدة؛ قد خلَة والطّقليديّة التفاف القوى التّ من إمكانييةّ جدَق مخاوفّائفيثّة على اللىّورة، ومن قدرتها ع

ةّيمقراطي في بداياته الأولى بأدوات ديمقراطيّإجهاض المسار الدةٍّ شكليٍ. إنسّ إزالة رأس النّلطة وتغيير النّظام؛ لا يعني أالّ المجتمع قد أصبح قابظُة ونّاخليّ بأطر تضامنه الدّر لأن يتغيُ م

ولاءاته العميقة، أو مدُستعمًّا لاحتضان تُنطلقات السّغيير الثّياسي والثّقافي والمجتمعي التي تحملها هذه التّورا.

فمخلنّفات التّظام القديم، هي موروثايٌ بنيوةّنٌ؛ لا تنحصر في شخص الحاكم وشكل الحكم، بل تطال تكوي

ة المّضامنيّالمجتمع والأشكال التُعربتّة عنه، ونظام توزيع الموارد فيه. وهي موروثاهلٌ لا يمكن استبداُا بسهولةٍ،

ولديها القدرة على المقاومة العنيدة لأيمّ تغيير؛ وذلك نتيجة استحواذها على شبكة مصالح، وإنشائها نظاا

طارئّا يحميها من أيًّا وقيميًّا تشريعيّعقائديٍ مستجدةٍّ. هذا إضافيً إلى قدرتها على تجديد نفسها من دون أن تتغ

2  See: David Truman, The Governmental Process , 2nd Edition (New York: Alfred Knopf Inc, 1971), pp. 27-33.

مخاطر الانحراف الطائفي على الثورات العربية

بشكل جذري. إنجّ هذه الموروثات، وإن كانت نتايًا تاريخسيًّا لترتيب سيافيٍّ وثقاٍّ في مراحلْننيّ معي

بكُمِّرةٍ من التبيّاريخ العر - الإسلامي؛ قد أصبحت أرضيةّدً ومحدِّيًا لأيّ تكوين دولتاٍّ جديد. ولا يضيره

إزاحة نظام أو حاكم، واستبدال كلنٍّ منهما بآخر؛ طالما أتّ سقوف الولاء ومبادئ اليّوزيع ومرجعرّات الأم،

محفوظةةٌ ومصون.ٌ لقد تركت إزاحة النسّظام السّياسي ذي الطبيعة العُّلطانية المجتمفَ مكشورًا في العراء. وعتّضته للتّشمّت؛ بحك

ه منّخلو " سستام "ٍّسياسي، يحوي كتاُلًَ سياسيةّةً وسيطتً ذات مصّحدات عابرة للولاءات الخالىّة، وتقوم ع

أدلوجةٍ وطنيةةٍّ عامٍرةّ متحرٍ من الثيّقافات الفرعتّة. وهو ما جعل البّضامنات الدائييّة، أو المجتمعات الأهلةِّ

تتصدسّر واجهة القوى اليّياسيرّة، وتص محلفّ استقطاب واصطفا شعبينيّدْ، ومحدِّنًا للخطاب وبرنامج الشّقا

السنيّياسي القادمتْ. وهي تضامنارٌ ليست أمأًا ضيف إلى المجتمع، أو فعُرض عليه من خارجه، أو واقيًا إكراهاًّ

يتململ منه الفرد، ويسعى جاهدرًا إلى التحءّر من إملاءاته؛ بقدر ما هي ثمرة انتماٍاتي إلى جماعةّ عصبيٍذات معتقدٍ

دينييٍّ أو مذهبيٍّ، لاسنمّا أةّ المجتمع لم يملك سوى تلك الجماعة أداةً لمواجهة الحكم السلطاني. فكانت لفترٍ

طويلةٍ ملاذ الفرد النهائيسّ، ومجاله السيّياطّ الوحيد؛ بعد أن عَّلت السنّلطة ساحات المّقاش العاتّ، وأحكم

إغلاق قنوات الاتتّصال بين الحاكم والمجتمع. وذلك ما جعل هذه التّضامنات صورة معّحدات المجتم

الوحيدة، وثقافته السيّياسيّة الت حتُدمَّد بها رُنطلقات تنظيم المجتمع وإدارة موارده؛ الأمر الذي يجعلها تصير أما

ثابتخًا وراستًا في المجتمع، بعد أن يشمله اللغّييير الكزّ، وتكتسب مع اليّمن دينامةّصً خاةّتً بها لل - أقلم مع أي

ترتيب سياسينٍّ، بقطع الدّظر عن أدلوجة التوّرلة التي يحملها هذا البّتي. ضامنات البلّا تزال التدائِة المّة أو الجماعات الأهليّيُِ عة في المجتمعّة والمتنوّ الوحيد عن ثقافة الجماعات الخاصَِّعرب

وعن ذاكرتها ونظم مصالحها. وإندّ تصنُّرها واجهة السّقاش والحراك اليّياسنيّسْ؛ قد نقل الحياة اليّياسنّة م

تنافس بين رؤى وبرامج ذات طابع عقلانييٍّ وقيممٍّ عاشٍّ في إدارة المّأن العالّ، إلى مجال صراع الأقلىّيات ع

السمّلطة، إلّا بغلبة أقةّيٍعلى أخرى، أو بتقاسم حصصها ومواردها. وهو ما جعل الهوييّة الوطنةّة الجامع،

ل من تكوينّتتحوٍ ومتماسكٍّ مستقلٍ، إلى تعايش انتماءات خاصحّة لا تقبل الانصهار أو الاندماج في بوتقة موةَّد

وموحلِّدة. كهّ ذلك قد مهّد لترلّ - بل لتصدعّ - المجال السمّياسي العاسّ، الذي يجعل من الفعل الالّياسي عمً

مستقاليًّ عن الفعل الاجتماعي أو الشخصي بطبيعته ووظيفته وغايته، ويضمن في الوقت نفسه استمرار الجامعةّ

ة عملهاّولة الإجماع على مشروعيّ منها الدّالتي تستمد. ولا تتعدبيّى الطائفة في المجتمع العر - ببنية انتظامها العصبييّاتي وأرثوذكسثّتها الدّقافية والةّيني - كونها هذا

3   راجع: هشام شرابي، النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1993)، ص 21 -.23

4  ف ألين تورينّعرُ ي " السستام " السياسي بأنه المجتمع السياسي الذي يقوم بدور الوسيط بين الدولة والمجتمع المدني. راجع: ألين تورين،

ما هي الديمقراطية، ترجمة حسن قبيسي (بيروت: دار الساقي، 1995)، ص 59 -.65

5  يستعمل وجيه كوثراني مصطلح " المجتمع الأهلي " لتوصيف العلاقة بين المجتمع المحكوم لعلاقات القرابة والروابط التقليدية

والدولة، لغرض تمييزه عن مصطلح المجتمع المدني الحديث، وللإشارة إلى أنعّ التضامنات الاجتماعية في العالم العربي لا تزال ذات طاب

صّ وخايّ، ولم ترتق إلى مستوى التضامنات الطوعلّة ذات الاهتمامات والتطمّعات العانيّة والجامعة. راجع: وجيه كوثرا، مشروع

النهوض العربي، أزمة الانتقال من الاجتماع السلطاني إلى الاجتماع الوطني (بيروت: دار الطليعة، 1995)، ص 85 -.90

6   راجع: برتراند بادي، الدولتان: الدولة والمجتمع في الغرب وفي دار الإسلام، ترجمة نخلة فريفر، ط 1 (المركز الثقافي العربي،.)1996

راجع أيضوًا: فيليب بر، علم الاجتماع السياسي (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات، 1998)، ص 75 -.88

صيف 2012

المتّحد التّجزيئي والتّقسيمي أحيانًا للمجتمع، والتّضامن الجزئي الذي يستمدّ عصبه وتماسُك ه من روابطَ داخليّة

خاصّة به، متُيّزه عن الروابط الج زئيّة الأخرى، وتقيه من ابتلاع المجتمع الأوسع له. فلو أخذنا الطائفة، بمعناها

اللّغوي التّداولي؛ لوجدنا أ ا تدل على جزء المجتمع، أو على الوحدة الاجتماعيّة الخاصّة داخل المجتمع. ففي

تاج العروسولسان العرب: بعض الشيّ ء طائفةٌ منه، والطّائفة هي القطعة من الشيء، أو هي الواحد إلى

الألف، كما عن ابن مجاهد، أو الإثنان فصاعدًا، كما عن عطاء في تفسير الآية: ﴿وَلْيَشْهَدْ عذَاهبَاُمَ طَائفَةٌ مِنْ

املُْؤْمِنينَ﴾ [النورِ: 2]. وهذه الآية، وإن كانت تُشير إلى كتلة من البشر يجمعها رابط وظيفي موقّت، يتمثّل في

وظيفة الشهادة على إقامة الحدّ؛ فإنّ مفهوم الط ائفة واستعمالاتها، أخذ يتطوّر ويستقرّ على تسمية كلّ جماعة من

النّاس، أو على كلّ وحدة اجتماعيّة تقوم بين أفرادها روابط ثابتة وصلبة، كما في الحديث النبوي: " لا تزال طائفة

من أُمّتي على الحق ". هذا يعني أنّ الطائفة أقلّ من المجتمع وأكثر من الفرد، ولا بدّ لها من جامع يجمعها يُميّزها عن غيرها من

الجماعات، ويخلق حيّزها الخاصّ والمستقلّ داخل المجتمع الأوسع. إذ تحمل الطائفة في ثناياها معنى التّقسيم

والفرز داخل المجتمع؛ لتتميّز في داخله الجماعات ذات الثّقافة الخاصّة والعصبيّة الجامعة. وهي تسميةٌ رسُ عان

ما أخذت تُطلَق حصرًا منذ القرن التّاسع عشر، أي إثر عهد التّنظيمات ونظام الملل العثمانينّيْ، على الانتماءات

الدّينيّة والمعتقدات المذهبيّة الخاصّة داخل كلّ دينٍ، وتختصّ بها. وهو ما حوَّل المعتقد أو الموقف ال هوتي أو

التّأويليّ، من رؤية تتعلّق بخلاص أخرويٍّ، أو من Confession، إلى عصبيّة جامعةٍ وناظمةٍ لشؤون الأفراد

المنتمين إليها. وهي عصبيّةٌ يُصنَّف من خلالها الأفراد تصنيفًا سياسيًّا وإداريًّا، وتكون هي سبيل الفرد الوحيد

في السّياسة والمناصب السّياسية. ذلك ما جعل من الطّائفة - بعد عصر التّنظيمات وقانون الملل العثمانيّي -

مرجعيةً لا يمكن تجاوزها، ليس في إدارة شؤون المقدّس فحسب، بل وأيضًا في تدبير أكثر شؤون الفرد المنتمي

إليها، وتسيير أكثر مسائل الحياة العامّة. من هنا، تبرز الط ائفة بصفتها وحدةً تضامنيّةً تلي بنية الدّولة، والشّكل المباشر الذي يطفو على السّطح، ويستعيد

حيويّته وفاعليّته ودوره المحدِّد لأيّ انتظام سياسيٍّ قادم؛ وذلك عقب تزعزع بنية الدّولة أو اهتزاز النّظام وغياب

الرّمز الحاكم. وهي الصورة المتوقّعة في مشهد الثّورات العربيّة الأخيرة، التي لا تمثّل مفاجأةً لنا؛ بقدر ما تثير

فينا مخاوفَ من أن تُوقِعَ المجتمعَ في منزلقات صراعاتها، وتطبع المجال السّياسي العامّ بطابعها بعد أن تحوِّله من

ساحةٍ جامعيّة وشراكةٍ، إلى ساحة قهر وغلبةٍ للإرادات، وإلى منبر للتّنافس والتمّايز الثّقافي، توظَّف فيهما كلّ

أسلحة الدّمار المقدّس.

7  راجع: ابن منظور، لسان العرب، نشر أدب الحوزة، قم، 1405 ه 1984/م. ج 9، ص 225، راجع أيضًا: الزبيدي، تاج العروس

(بيروت: دار الفكر، 1994)، ج 12، ص.359

8  حول هذا الحديث، راجع: أحمد بن حنبل، المسند (بيروت: دار صادر، د.ت)، ج 3، ص 3.،.345

9  كثُر استعمال هذه المفردة في الأدبيات السياسية في بلاد الشام، ابتداءً ببطرس البستاني، وناصيف اليازجي وشبلي الشميل في القرن

التاسع عشر، وصوالً إلى ميشال شيحا وفيليب حتّى وكمال الحاج وكمال الصليبي. راجع: كمال الصليبي، (بيروت تاريخ لبنان الحديث:

دار النهار للنشر،.)1969 10  كما هي حال نظام الملل في العهد العثماني أواخر القرن التاسع عشر، وحال القائمقاميتين في جبل لبنان، وحال متصرفية جبل لبنان،

وحال الكيان اللبناني الحالي ودستوره الذي لا يكتفي بالاعتراف بالطوائف بصفتها كيانات دينية، بل يتعامل مع مؤسساتها بصفتها

مرجعيات قانونية يوكل إليها حصرًا إدارة شؤون الأفراد الشخصية وأحوالهم. راجع: سليمان تقي الدين، المسألة الطائفية في لبنان

(بيروت: دار ابن خلدون، 1997). وراجع أيضًا: جورج قرم، تعدّد الأديان وأنظمة الحكم (بيروت: دار النهار، 1977)، ص.34

مخاطر الانحراف الطائفي على الثورات العربية

لن نكتفي هنا بتوصيف مخاطر الطائفيّة، بصيغتها المستقرّة في عالمنا العربي؛ ونعني الجزء الشرقيّ منه تحديدًا،

وبالأساس بلاد لبنان وسورية والعراق. بل إنّنا نريد أن نُب أنّ الطائفية ليست استمراريّةً خالصةً لتكوينٍ

عصبيّاتي جاء من التّاريخ العربي السّحيق فحسب. أي هي ليست ظاهرةً أنثربولوجيّةً أو ثقافيّةً فقط؛ بقدر ما

هي ثمرة ترتيب سياسيٍّ، ولازمةٌ من لوازم نمط حكم سياسيٍّ هو الحكم السلطاني الذي ساد طوال التاريخ

الإسلامي، ونتيجةُ العلاقة التي استقرّت منذ العصر الإسلامي الأوّل بين السلطة والمجتمع، واكتسبت وظائف

ومكوّنات إضافيّةً مع دول الاستقلال والنّهضة العربيّتني. وإذا كانت الطائفة تسميةً لوحدةٍ اجتماعيّةٍ ذات متّحدٍ دينيٍّ خاصٍّ؛ فإنّ الطّائفيّة هي توصيفٌ وتسميةٌ لوضع

سياسيٍّ مع يكون للطّائفة فيه وظيفةٌ تتعدّى بنيتها الثّقافيّة ومضمونها الدّيني ونُظم القرابة في داخلها. ويترتّب

على ذلك أنّ الطائفيّة هي التّمظهر الموضوعي للنّظام السّياسي المعتمد، والتّجيل التّاريخي لمنطق خاصٍّ في العلاقة

بين السّلطة والمجتمع. ا يعني أنّ الطّائفيّة هي مُصطلحٌ سياسيٌّ أكثر ا هي مصطلحٌ ثقافيٌّ، ومفهوم دينيٌّ؛ وإن

كان البُعد الأوّل في المصطلح، لا يتنكّر للبعدين الثّانينَيْ، ولا يلغي دلالتهما. وعليه، فإنّ الط ائفية هي توصيفٌ لنظام علائقيٍّ خاصٍّ، يقوم بين السّلطة والمجتمع من جهة، وبين المجتمع

والفرد من جهةٍ أخرى. وهي انعكاسٌ لخارطة توزيع القوّة، وأثرٌ من آثار تعريف الفرد وتحديد موقعه ومكانته

في المجتمع والحدود المباحة له في ممارسة فعله السّياسي. إ ا الفاصل والحاجب بينه وبين المواطنة، أو هي الوجه

الآخر لغياب المواطنة والمترتّبات التي ينتج عنها فشل الدّولة في أداء مهامّها كدولةٍ. فالطائفيّة تعرّف بالسّلب

أكثر منه بالإيجاب؛ بحكم أ ا نتيجة واقع متأزّم، ونتيجةٌ طبيعيّةٌ لإخفاق سياسيٍّ، وحالةٌ عدَميّةٌ يفتقر إليها

الواقع السّياسي والاجتماعي. إ ا مؤٌّ على ال دولة، قوّةً وضعفًا، وجودًا وعدمًا. من هنا، فإنّ بحثنا غير معنيٍّ بالط ائفة بصفتها كيانًا دينيًّا خاصًّا ومتميزًا داخل المجتمع؛ بل هو معنيٌّ بوظيفة

الطّوائف، وبالمنطق السياسي الذي يهَبُ لهذه الوحدات الاجتماعيّة دورًا سياسيًّا محدّدًا، وربمّا فِعالً مفجِّرًا

وصاعقًا في الأوضاع المتأزّمة والحالات الانتقاليّة، كما هي الحال في الرّبيع العربي. سنعمد هنا إلى النّظر في محاورَ أربعة: أولّها: إظهار مصدر التضامنات وأصلها في المجتمع العربي، اللّذين تستمدّ منهما التّكوينات الط ائفيّة وظائفها

الاجتماعيّة وتفاعلاتها النّفسية وأدوارها السّياسيّة. ثانيها: منطق العلاقة المستقرّة التي حكمت الدّولة والمجتمع العربي - الإسلامي في التّاريخ الإسلامي، أو

السّلطة والفرد؛ والتي جعلت من العصبيّات الخاصّة والتّضامنات البدائيّة أو الجماعات الأهليّة ملاذًا آمنًا ومجاالً

رحبًا للتّعبير وإثبات الذّات. ثالثها: خصوصيّة العلاقة بين الدّولة المعاصرة والمجتمع في فترة ما بعد الاستقلال، ونتائج إخفاق الدّولة العربيّة

في تحقيق رهانات النّهضة ومقتضيات الحداثة، وأثر ذلك في تضخّم الخصوصيّات الدّينيّة وتهديدها بتشظ ي

المجتمع وزوال أصل الدّولة. رابعها: المُنزلقات الطائفيّة الرّاهنة ومخاطرها في معركة الرّبيع العربي؛ للانتقال بالمجتمع إلى الدّيمقراطيّة.

صيف 2012

أولا: الطّائفة والقبيلة

لا أبالغ بالقول، إنّ الطّائفة التي يقوم الانتماء فيها على الشّعور الدّيني وعلى صدفة الولادة، التي أصبحت ثمرة

من ثمار روابط النّسب والدّم؛ قد صارت تمثّل في البيئة العربيّة الشّكل المتطوِّر والحديثَ لرابطة القبيلة، من ناحية

انتظامها الدّاخلي والوظيفة الاجتماعيّة والنّفسيّة التي تحملها. فبعد أن كانت القبيلة في دوائرها الصّغرى أو

الكبرى، الأساسَ الوحيدَ للتّضامنات العربيّة قبل الإسلام؛ صارت شكال اجتماعيًّا مشروعًا في الإسلام، لاسيمّا

بعد أن اعرتُِف به كمرجعيّةٍ شبه حصريّةٍ في انتظام الأفراد وفضّ النّزاعات الدّاخليّة. وقد استمرّ هذا النوع

من التّضامن طوال فترات التّاريخ الإسلامي؛ ليكون المرجعيّة الوحيدة المعايشة، أو المنافسة لمرجعيّة الدّعوة

الدّينية نفسها. ولا يُشترط في قيام القبيلة من الأساس وحدة النّسب، بل يمكن لها أن تستند إلى ح لفٍ، أو ولاءٍ، أو نظام

مصالح، كما هي حال قبيلة قريش. إذ تنشأ من خلال تلك الرّوابط عصبيّةٌ تشبه عصبيّة القبيلة، ويُميَّزُ فيها

بشكل قطعيٍّ بين من هو داخل القبيلة ومن هو خارجها. ا يعني أنّ أساس رابطة القبيلة هو العصبيّة، التي

قد تقوم على النّسب، أو تنشأ بين الأفراد بسبب حل مة المصالح و / أو طول المعاشرة. ولهذا فقد رأى ابن خلدون

أنّ العصبيّةَ ثمرةٌ للنّسب، وليست منحصرةً بال ورة في القرابة الدمويّة. فإذا " وُجدت ثمرات النّسب فكأنّه

وجد ". وهو يوجب صلةً تشبه صلة الأرحام، تتطلّب " المناصرة والنّعرة ". فانتماء جماعةٍ إلى جدٍّ مشرتَكٍ

" أمرٌ وهميٌّ لا حقيقة له "؛ إذ ليست هناك دماء صافية تنتقل من الخل ف إلى السّلف. لهذا فإنّ النّسب عند ابن

خلدون " ليس الانتماء إلى جدٍّ مشرتَكٍ"، بل المقصود به " الانتماء إلى جماعة معيّنة، عصبة ما، وكلّ ما كان باعثًا على

الأنفة التي تلحق النّفس من اهتضام جارها أو قريبها أو نسيبها بوجهٍمن وجوه النّسب ". وعليه، فإنّ الرّابطة القبليّة ليست نتاجًا غريزيًّا يستتبع رابطة الدّم وجودًا وعدمًا؛ بل هي نتيجةٌ تاريخيّةٌ بطيئةٌ لقيام

مصلحةٍ مشرتَكةٍ دائمةٍ للجماعة. وهي مصلحةٌ كانت تفرضها الظّروف المادّية القاسية للعرب، وقد استدعت

منهم تضامنًا قويًّا للكفاح من أجل ظروفٍ معيشيّةٍ أحسن. فطالما كانت القوى المُحرّكة للعصبيّة هي المصلحة

المشتركة؛ فإنّ الجماعة ستكون مُتماسكةً ومُتضامنةً، وعصبيّتها قويّةً صامدةً. أمّا إذا تحوّلت المصلحة المشرتَ كةُ إلى

مصالحَ شخصيّة؛ فإنّ التّضامن الذي كان قائما بالأمس، سينقلب إلى فُرقة ونزاع، ويطغى الأنا الشخصي على

الأنا العصبي وتفسد العصبيّة.

11  راجع: أيمن إبراهيم، الإسلام والسلطان والملك (دمشق: دار الحصاد، 1998)، ص 73 - 105. راجع أيضًا: محمد عابد الجابري،

العقل السياسي العربي (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1991)، ص 79 -.99

12 راجع: حسين الحاج حسن، حضارة العرب في عصر الجاهلية (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 1997)، ص.72-69 وراجع أيضًا: رضوان السيد، مفاهيم الجماعات في الإسلام (بيروت: دار المنتخب العربي، 1993)، ص.30-24

13  راجع: هشام شرابي، النظام الأبوي...، مصدر سبق ذكره، ص 48-47. وراجع أيضًا: جان ميزونوف، دينامية الجماعات (بيروت:

منشورات عويدات، 1983)، ص.48-46

14  ابن خلدون، المقدّمة، الطبعة الرابعة (بيروت: دار إحيار التراث العربي، د.ت)، ص.130

15  المصدر نفسه. 16  المصدر نفسه.

17  راجع: محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون: العصبية والدولة، معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، ط 6 (بيروت: مركز

دراسات الوحدة العربية،.)1994

مخاطر الانحراف الطائفي على الثورات العربية

بهذا، فإنّ القبيلة، من جهة وظائفيّتها العصبيّاتيّة؛ هي إطارٌ تضامُنيٌّ، ونمط مُتَحدٍّ، وهي قابلة لأن تتحقّق

بأشكال أوسع وأعمّ. وهذا ما جعل عبد الله العروي يُطلق معنى " العشيرة " (وتؤدّي هنا وظيفيًّا معنى القبيلة)

" على كلّ جماعةٍ أكانت عائلةً أو قبيلةً أو حرفةً أو حيًّا أو زاويةً"؛ مادامت تمثِّل حصنًا منيعًا للفرد، وتدفع عنه

أذى الغير أو ضرره مهما كان ذلك الغير. فالأساس في الرّابطة؛ هو توفّر عصبيّة قويّةٍ تشدّ أفراد الجماعة، وترسم

حدودًا واضحةً بين الدّاخل والخارج، بين النّحن والهم، وتؤمّن للفرد حمايةً كاملةً، مقابل انصياعه الكامل

لمقرّرات الجماعة وطاعته الفوريّة لها دون نقاش أو مراجعةٍ. ولا نحتاج هنا إلى عناءٍ كبير، لنثبت الشّبه العميق- بل التّطابق- بين الجماعة القبليّة والجماعة الطائفية. إذ يقرِّر

ناصيف نصار أنّه: " كما توجد نعرةٌ قبليّةٌ وعصبيّةٌ قبليّةٌ، توجد طائفيّةٌ وعصبيّةٌ طائفيّةٌ [...] وكما أنّ الانتماء

القبلي يكون بالتّوالد والوراثة، كذلك الطائفي يقوم بالدرجة الأولى على التّوالد والوراثة [...]. كما أنّ ش دّة

الارتباط القبلي؛ تقتضي الالتحام والم ناصرة في سبيل تأمين سلامة القبيلة وغايتها. كذلك تقتضي شِدّة الارتباط

الطائفي الالتحام والمناصرة في سبيل تأمين سلامة الطائفة وازدهارها. أمّا الأساس النّهائي في الرّابطة القبليّة؛

فإنّه يُشبه الأساس النهائي في الرّابطة الطائفية. من حيث كونه لا عقليًّا، أي وجدانيًّا وعاطفيًّا، ولا يقوم على

مُقدّمات برهانيّة وعقليّة ". إنّ قيام الطّائفة على أساس الشّعور الدّيني، وقيام القبيلة على أساس الشّعور العائلي ورابطة الدّم؛ قد يخلق

بحسب البعض تمايُزًا نوعيًّا ووظائفيًّا بينهما. وهو فارقٌ أصبح هامشيًّا بحسب رأيي؛ لاسيمّا بعد أن بيّنا أنّ

القبيلة لا تُقيمها رابطة الدّم فقط، بل تقوم عصبيّتها على تحالفات وولاءات ومصالحَ مشتركة، تكون مساوية

لقوّة عصبيّة البداوة، أو أشدّ منها. ثمّ أنّ الط ائفة التي تقوم على أساس دينيٍّ؛ قد استطاعت هضم الفارق بين

" الشّعور الدّيني والشّعور العائلي " واستيعابه. وذلك بعد أن حوّلت المشترك العقدي والإيماني، من تجربة اختبار

مع المطلق أو المتعالي، ومن انضباط أخلاقي وتقَوِيٍّ بهدف كسب الآخرة، إلى أب رمزيٍّ ينتسب إليه أبناء

الطائفة آليًّا برباط الدّم والنّسب والولادة. بل إنّ الطائفة قد استطاعت أن تتحصّن من نقد العقل وتحولّات

التاريخ؛ من خلال تحصّنها بمضامينَ عقائديّة مستمدّة من الوحي وليس العقل أو التاريخ، لاسيمّا بعد أن كانت

في فترةٍ من التّاريخ ثمرةً من ثماره. وهكذا أصبحت الطائفة فوق التّاريخ ومُتعاليةً على تقلّباته. وقد أظهرت أحداث الثّورات العربيّة الأخيرة، أنّ أشدَّ العصبيّات التي يجد فيها الفرد ملاذَه وأمانَه ومستقر

هُويّته ومجال حرّيته؛ هي متمثّلة في الكيانات الدينيّة أو المذهبيّة، وخصوصًا داخل المجتمعات ذات التعدّد

الدّيني الكثيف، كما في لبنان وسورية والعراق ومصر. وهي كياناتٌ لم تعد تنحصر في الرّابط الذي يجمع جماعة

المؤمنين حول معتقدٍ أو ممارسة شعيرةٍ وطقس، أي حول معتَقدٍ إيمانيٍّ(Confession)؛ بل إ ا تطوّرت لتصبح

كيانًا مغلقًا ومستق ذا سيادةٍ خاصّة به، ونظام مصالح يُسيّجه، وأصول التزامات وولاءات بداخله مصحوبة

18  عبد الله العروي، مفهوم الحرّية، ط 6 (الدار البيضاء -بيروت: المركز الثقافي العربي، 1998)، ص 19 -.23

19  شفيق رضوان، علم النفس الاجتماعي (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشّر، 1996)، ص 79 - 103. راجع أيضًا:

الجابري، فكر ابن خلدون: العصبية والدولة، مصدر سبق ذكره.

20  راجع: ناصيف نصار، نحو مجتمع جديد: مقدّمات أساسية في نقد المجتمع الطائفي (بيروت: دار الطليعة، 1995)،

ص 138 -.144

21  التعبير لبول تيليتش. راجع: بول تيليتش، بواعث الإيمان، ترجمة سعيد الغانمي (بغداد: منشورات الجمل، 2007)، ص 7 -.22

صيف 2012

بإجراءات ثواب محُفّزةٍ وإجراءات عقاب صارمةٍ، تطابق العصبيّة القبلية بالنحو الذي فصّلناه سابقًا. معنى

ذلك أنّ الطّائفة قد انتقلت من معتَقدٍ إيمانيٍّ(Confession) مولَج في إدارة الشّأن المعتقدي والروحي؛ إلى

كيانٍاجتماعيٍّ مغلق، له مهامّ سياسيّة تهدف إلى إدارة شؤون الأفراد والجماعات التي تنتمي إليه بكلّ السّبل

والوسائل المُتاحة، ورعايتها وحمايتها. حتّى لو كان ذلك على حساب الدلّالات الأخلاقيّة والتَّقَويَّة للمذهب،

أو على حساب خلفيّاته النّظرية وبناءاته ال هوتية التي تصبح- في أكثر حالات التّنافس على الموارد والتّنازع

على السّيادة - ثانويّةً وهامشيّةً وقابلةً للتّأويل والاستثناء.

ثانيًا: الطّائفة بين العصبيّة القبليّة والدّعوة الدّينيّة

إنّ هذا التّطابق بين عصبيّة الطائفة التي تقوم على الأساس الدّيني، وعصبيّة القبيلة التي تقوم على أساس النّسب؛

يمكن فهمه من خلال جدليّة العلاقة التي قامت بين القبيلة والإسلام في فترته التأسيسيّة الأولى. فالإسلام

أبقى على الاعتراف بالقبيلة أو العشيرة؛ ليس بصفتها جماعةً مندمجةً في ما بينها فحسب، بل لكونها مرجعيّة في

فضّ النّزاعات، واقتسام الموارد، وتوزيع العطاءات، وتو المناصب والمهامّ الإدارية والعسكرية داخل النّظام

السّياسي الجديد الذي تأسّس في المدينة المنوّرة. أي إنّ الإسلام قد اعترف بها وحدةً اجتماعيّةً مستقلّةً ذات وظيفةٍ

سياسيّةٍ تتوسّط بشكل حصري الفرد والسّلطة. وقد تج ذلك الاعتراف بالقبيلة، وذلك التعويل على كسب ولاء القبائل وإدماجها، في سياق الدّعوة الإسلاميّة.

وذلك بغرض انتشار الدّعوة الجديدة ومِنعتها؛ لاسيمّا وقد انتقلت في مرحلةٍ من مراحلها، من دعوة الأفراد إلى

دعوة الجماعات والكتل المتضامنة، المتمثّلة في القبائل والعشائر، والمدن أو القرى المجاورة لمك ة ذات التّكوين

القبلي أيضًا. فكان الاختراق السّياسي الأوّل مع ممثلّي الأوس والخزرج في يثرب؛ أولئك الذين بايعوا النّبي

بصفتهم ممثّلين للقبيلتين، وليس بصفتهم الشّخصيّة، وناصروا الدّعوة الجديدة. ثمّ كانت " صحيفة المدينة " التي

مثّلت الإطار السياسي النّاظم لحياة أهل المدينة، والسّابقة التّأسيسيّة الأولى في تعايش الدّعوة الدينيّة والقبيلة.

إذ قامت تلك الوثيقة في كلّ بنودها على الاحترام الكامل لسيادة البطون والعشائر ووحدتها، والاعتراف بها

شخصيّةً معنويّةً لا بدّ من إشراكها في أيّ تحالفٍ ومعاهدةٍ خارجيّتنيْ، ومُراعاة مكانتها ودورها وحتّى مرجعيّتها

في أيّ تدبير داخليٍّ. لم تكن " الصحيفة " عقدًا بين أشخاص؛ وإنمّا بين وحدات قبليّة حتُترم سيادتها بموجب

العقد احترامًا كامالً لا مساس به. وقد رُسِّخت في تلك العقد شرعيّة العصبيّة القبليّة ومرجعيّتها الحصريّة

في نُظم الاختلاف وإدارة العلاقات بين الأفراد؛ وهي الوحدة الاجتماعية الوحيدة المعرتَ ف بها إلى جانب

عموميّة الدّعوة الدّينيّة التي تؤطّر المجال العامّ وحتُدّد وجهته. وقد ظلّ خطاب الدعوة حتّى اللحظة الأخيرة

22  تج ذلك في الاصطفاف الطائفي في موضوع الثورات العربية، إذ تلقّى الشارع العربي ذو الأكثريّة السُنّية الثورة البحرينية أو الحراك

المطلبي للشيعة في السعودية بفتور ولا مبالاة، وتحمّس هذا الشارع لحكم صدّام حسين على الرغم من تهوّره وبطشه الشديد، وتداعى

بالمقابل أكثر الشّيعة لدعم النظام السوري على الرغم من قسوته الشّديدة. ما يُظهر تقدّم العصبية وتحك مها في الموقف الشعبي، بقطع النظر

عن الإشكال الديني أو الانتهاك الأخلاقي لهذا الموقف.

23  أيمن إبراهيم، الإسلام والسلطان والملك، مصدر سبق ذكره، ص.57 - 49

24ّا جاء في " صحيفة المدينة ": " كلّ عشيرة تبقى على ربعتها يتعاقلون معاقلهم الأولى "، ما يجعل العشيرة هي المسؤولة عن كل عقل أو

فداء يطال أحد أفرادها. كما تقر " الصّحيفة " مبدأ النصرة داخل كلّ وحدة قبلية. راجع: ابن هشام، السيرة النبويّة (القاهرة: مطبعة المدني،

1966)، الجزء الثاني، ص.266

مخاطر الانحراف الطائفي على الثورات العربية

خطابًا موجّهًا إلى القبائل. وكان الانتماء إلى الأمّة، ودخول النّاس في دين الله أفواجًا، وإعلان القبيلة اعتناقها

للدّين الجديد؛ يقع من خلال شيوخ القبائل، أو من خلال سادات القبيلة الذين ينوبون عنها في ذلك، وليس

من خلال الأفراد. لقد نقل الإسلام القبيلة من كيانٍمنفلت خارِجَه، إلى كيانٍمنضبطٍ داخله. وأصبح إطارًا ناظامً له، ووهبه أفُقًا

كونيًّا ومدى سياسيًّا عريضًا. وقب لَِ أن يتعايش معه، ويحفظ خصوصيّته وسيادته، ومنحه وظائفَ سياسيّة؛ وهو

ما جعله محدِّدًا من محُدّدات العقل السياسي، وتجلّيًا من تجلّيات التّاريخ السّياسي للإسلام. فإذا كانت العقيدة

الدّينية المنطلق الأخلاقيّ والأفق الكونيّ للكيان السّياسي الجديد؛ فقد ظلّت القبيلة القاعدة الاجتماعيّة شبه

الوحيدة التي لا بدّ للعقيدة من أن تنفذ عبرها إلى المجتمع، وتتلبّس لبوسها لتتّخذ لنفسها حيّزًا ماديًّا من القوّة

والمنعة، وتحقّقًا ملموسًا وحِسيًّا في حركة التّاريخ. إنّ تلازم العصبيّة والدّعوة الدّينية وضرورة اجتماعهما لقيام المُلك؛ هو أمرٌ كشف عنه ابن خلدون، لما عدّ الدّينّ

ناقلا للعصبيّة من إطار ضيّق إلى إطار أوسع. إذ يعيش العرب في بواديهم وقِفارهم أحرارًا لا يخضعون لأيّ

سلطةٍ، ولا يحصل لهم الملك " إ بصبغةٍ دينيّةٍ من نبوّة أو ولايةٍ أو أثر عظيم من الدّين ". كما أنّ الدّعوة الدّينيّة

لا توجد من غير عصبيّةٍ؛ وذلك استنادًا إلى قول النبي: " ما بعث الله نبيًّا إ في مِنعةٍ من قومه ". فالعلاقة بين

العصبيّة والدّين، هي علاقة تآزر وتعاضدٍ وتكامل؛ ذلك أنّ العصبيّة لا تتطوّر إلى عصبيّةٍ جامعةٍ ذات وظيفةٍ

سياسيّةٍ، إلا بتدخّل عامل آخرَ هو الدّعوة الدّينيّة. لذلك يقول ابن خلدون: " الدّولُ عامّةُ الاستيلاءِ، عَظيمة

المُلك؛ أصلُها الدّين إمّا من نبوّةٍ أو دعوة حق ". هذا يعني أنّ بدايات الإسلام السّياسي كانت تقوم على الحاجب بين الفرد والسلطة؛ بحكم أنّ القبيلة هي الكائن

الّعي الوحيد المُعرتَف به في المجال السياسي، وهي النّاطق الرّسميّ باسمه، والمُمثّل الوحيد له، وهي مجال

تعبيره واحتجاجه الوحيد. هذا ما فرض أصالة هذا التّكوين وشرعيّته وصلاحيّته في تأطير الأفراد، وفرض

أيضًا مرجعيّته الأساسيّة في موضوعات السّلطة والسّيطرة وتوزيع الموارد. كان موقع الفرد ودوره في الإسلام السّياسي المُبكِّر، محصورًا في دائرة الأخلاق والعقيدة؛ أي في نصُرة الدّعوة

ونشرها وحمايتها. غير أنّ فرديّته كانت تذوب وتختفي في مجال السّياسة وموضوع السّلطة؛ إذ كان للقبيلة كلمتُها

الأولى والنهائيّة. وقد ظهر ذلك بوضوح في الجدل السّياسي الأوّل بعد وفاة النبيّ، بشأن من يخلفه بعد موته.

وما غلب عليه هو جدل القبائل والعشائر والعائلات، وتنازعها جميعًا على السّلطة؛ ليس جدل أفراد وصحابةٍ.

لم يقرّر الإسلام أن يقيم منذ البداية أصالةً سياسيّةً للفرد، بأن حيُ رّره عبر العقيدة من عصبيّة القبيلة أو مصادرتها

له، ولا ا ذ من المسألة موقفًا محايدًا. بل ظلّت العقيدة تتحرّك من خلال العصبيّة، وظلّت القبيلة المجال الوحيد

للتّعبير والتّمثيل السّياسييّن للفرد؛ بحيث ظلّ المجال السّياسيّ العامّ حلبة صراع وتنافس بين عصبيّات قبليّةٍ،

25  راجع: ابن هشام، المصدر نفسه، ج 4، ص 851. راجع أيضًا: مونتغمري وات، الفكر السياسي الإسلامي (بيروت: دار الحداثة،

1979)، ص 40 -.46

راجع أيضًا:

W. Montgomery Watt, Muhammad: The Prophet and Stateman (Oxford: Oxford University Press, 1974), pp. 222-226.

26  الجابري، العقل السياسي العربي، مرجع سبق ذكره، ص 78 - 99، 129 -.165

27  راجع: مقدّمة ابن خلدون، مصدر سبق ذكره، ص.151

صيف 2012

أو عشائريّةٍ، أو عائليّةٍ محوريّةٍ، أو تنافس بين دعوات دينيّةٍ ومذهبيّةٍ تحالفت مع عصبيّةٍ قبليّةٍ، لتكسب رهان

السّجال والسّيادة الدّينية العليا بالخصوص. وهو ما جعل من الدّين مرجعيّةً أخلاقيّةً للدّولة؛ من دون أن يقدّم

أدلوجة دولةٍ سياسيّةٍ. في حين ظلّ التّداول السّياسي للسّلطة والحكم يقوم على العصبيّة؛ بحسب ما تمليه ظروف

القوّة والغلبة والقهر لطرفٍ على آخر. وهو ما جعله يتّخذ سمة الحكم السلطاني، الذي يتعايش في داخله الدين

مع حكم مطلق لسلالة عائلةٍ معيّنةٍ. ماذا يعني هذا كلّه بالنّسبة إلى بحثنا؟ يعني أواّلً أنّ الشّكل التّضامنيّ الوحيد الذي يلي الدّولة، منذ زمن النبوّة

وحتّى زماننا، كان ممثَلّا في العصبيّة ذات البنية القبليّة؛ وهي وظيفة تميل كلّ البُنى التقليدية والموروثة إلى أن تمارسها

وتتصدّى لها. ومع غياب الشّكل التّاريخي للعشيرة وتحلّله؛ تنشأ داخل المجتمع تضامنات أخرى ترث مكوّنات

العشيرة النّفسيّة ووظائفها السّوسيولوجيّة ومهامّها السّياسيّة. وفي مقدّمتها التّضامنات القائمة على الموقف الدّيني،

التي لا يمكن لها أن تستمرّ إ حين تجد لنفسها عصبيّةً ما تحميها وتتبنّاها داخل المجتمع، أو حين حتُاكي في بنيتها

الداخليّة نمط العصبيّة القبليّة وتتمثّلها في علاقة الأفراد المنتمين إليها. أي تنشئ لنفسها عصبيّةً جديدةً في قوّة

عصبيّة القبيلة وحميّة النّسب؛ تتمثّل عبرها الملّة، أو المذهب، أو الموقف الدّيني في جماعة متآزرةٍ ومتعاضدةٍ؛ ترسم

حدودًا واضحةً، وتمايزًا وتفاضال جلييّن، بين من هم داخل هذه الجماعة، ومن هم خارجها، وتصرّف المدلول

انلديني لصالح تلك العصبيّة الناشئة داخل هذا المذهب أو النِّحلة. وذلك على نحو يتحوّل فيه فقه مذهب معي

وأدبيّاته، من فقه المسلم وأدبيّات الإسلام، إلى فقه أهل ذلك المذهب وأدبيّاته. وقد كاد هذا أن يحوّل الإسلام من

جامعيّة كونية، تفجّرت في عصر النبيّ وزمن الخلفاء الراشدين، إلى دين م لل ونحل ومذاهب مسكونة بعقيدة الملّة

أو الفرقة النّاجية، ويتصارع جميعها بأسلحة فتك عقليّة ونقليّة. كلّ ذلك من أجل أن تنتزع ملّةٌ معيّنةٌ السّيادة الدّينية

العُليا من الجميع، وتتفرّد بها؛ مرسّخةً بذلك واقعًا انقساميًّا مُتشرذمًا، لم تعد السّياسة وحدها تُساهم في إحداثه

وخلقه، بل أصبح العقل الفقهي والذّهنيّة الكلاميّة شريكين أساسييّن في تثبيت هذا الواقع وشرعنته. إنّ ما نشهده من تكوينات طائفيّةٍ مُعارصِةٍ؛ هو استمرارٌ متقدِّمٌ لذلك التّعايش بين الدّعوة الدّينية والعصبيّة،

أو ذلك التلّازم بينهما في مجال السّياسة والحكم. فالسّلطة لا تكون إ بمشروعيّةٍ دينيّةٍ، ولا تتحقّق إ بعصبيّةٍ

معيّنةٍ. والطائفة المُعارصِة التي تقوم على أساس الشّعور، أو الموقف الديني الخاصّ؛ تُعربِّ عن استمرار ذلك

التّحالف وال ابط الوثيق بين الدّعوة الدّينيّة والعصبيّة القبليّة، أو الملازمة السياسيّة بينهما. إذ لا يمكن لأيّ

دعوةٍ مذهبيّة، أو موقفٍ كلاميٍّ، أو تيّار ديني خاصّ داخل الفضاء الإسلامي، إ الاستعانة بعصبيّةٍ خاصّةٍ؛

لكي يكتسب حيّز وجودٍ سياسيٍّ، وحيُدث أثرًا تاريخيًّا فاعالً. وتج ذلك في أكثر الدّول التي تعاقبت على مر

التّاريخ الإسلامي، إن لم يكن كلّها؛ من أمويّةٍ وعبّاسيّةٍ وعلويّةٍ وفاطميّةٍ وبويهيّةٍ وعثمانيّةٍ وصفويّةٍ وقاجاريّةٍ

وغيرها... وهو ما سهّل انتقال دولة الخلافة الأولى إلى دولة إمبراطوريّةٍ، أو دولة حكم سلطانيٍّ.

28 راجع: الجابري، العقل السياسي العربي، مرجع سبق ذكره، ص 329، وأيضًا: كمال عبد اللطيف، التفكير في العلمانية: إعادة بناء

المجال السياسي في الفكر العربي (أفريقيا الشرق،.)2002

29   هنالك أبواب في الفقه عن أحكام الزواج من المذاهب الإسلامية المُخالفة، ومدى صحّة المعاملات معهم، وفي كتب العقيدة: عن

سلامة عقيدة المخالف، وعما إذا كان ينال رحمة الله وخلاصه، ومباحث انقسام الأمّة إلى بضع وسبعين فرقة، كلّها في النار ما عدا واحدة،

وهي الفرقة التي يعتقد صاحب كلّ مذهب أنه ينتمي إليها. ما يجعل الفرقة تتحوّل من موقف ومعتقد دينييّن، إلى انتماءٍ قومي تُغذّيه، يقوم

على رابطة النّسب والولادة وتأويلات الاصطفاء الدينية.

30  مع قيام كلّ حكم سلطاني لعائلة خاصّة، تنبري الأدبيات الدينية في تثبيت مشروعيّة هذه العائلة إمّا بالنصّ عليها من النبيّ، أو بأن

النبيّ تنبّأ بظهورها وباركها. راجع: جورج طراب شي، من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، النّشأة المستأنفة (بيروت: دار الساقي،.)2010

مخاطر الانحراف الطائفي على الثورات العربية

ويساعدنا ذلك على فهم تفاعل الطّوائف المعاصرة في العالم العربي، وتفسير سلوك أبنائها، وتوقّعاتهم تجاه

حدثٍ سياسيٍّ مع؛ بحيث لا يكفي فيه الاعتماد على بناءاتها النّظريّة ومنطلقاتها الغيبيّة والأخلاقيّة، بل

ينبغي استحضار ذلك المحدّد الخفيّ الذي يكشف عن وجهه في فترة الأزمات والتوتّرات فقط، ويتضمّن بنية

الجماعات النفسيّة ونمط انضباطها الداخلي ونظام ولاءاتها وميكانيزماتها الدفاعيّة والهجوميّة. وهو استحضار

جيُنّبنا الوقوع في فخّ إرجاع جدل العلاقة بين الطّوائف وممثّيلها لدى الدّولة إلى العناوين الخادعة، مثل علاقة

الدّين بالدّولة؛ كما يجنّبنا إرجاع الجدل بين الط وائف والمذاهب إلى جدل الفرقة النّاجية والضالّة، مثلما يحصل بين

الشّيعة والسُنّة، أو بين المسيحيّة والإسلام. هذا في حين أنّ المشهد تحرّكه تفاعلاتٌ عَصب يّاتيّة أخرى، تقف وراءِ

التّحشيد التّاريخي أو الأخلاقي لظلم فرقةٍ أو القول بصوابها وبضلال أخرى؛ بحيث تصبح معها كلّ إرشادات

التّقوى والورع هامشيّةً وذات تأثير ثانويٍّ.

ثالثًا: الإمبراطوريّة الإسلاميّة ونموّ طوبى اللادولة

ورث العرب بعد الفتوحات الكبرى، أجهزة الدّولتين البيزنطيّة والفارسيّة. وهي أجهزةٌ متماثلةٌ إلى حدٍّ كبير من

جهة انبنائها على الحقّ الإلهي، وسلطة الفرد المُطلقة التي تستهدف الشّهرة والقهر والرّفاهية. فبحسب العروي،

تساكَن في الدّولة الإسلامية الدّهريّة العربيّةُ والرّوح أو الأخلاقيّة الإسلاميّة والتّنظيم الهرمي الآسيوي؛ ا

سهّل التّكوين الإمبراطوري لتلك الدّولة. وهو تكوين يقوم على معايير سلطنة مطلقةٍ للحاكم، وفاصل

نوعيٍّ بين الحاكم والمحكوم، حيث لا وسائطَ سياسيّة، ولا نقاط اتّصال ومحاورة، ويتأسّس على مشروعيّةٍ

تُستمَدّ من مصدر علويٍّ خارج المجتمع، بعيدًا عن إقرار الفرد أو تأييده؛ وهو تأييد الفقيه لها من خلال تطبيق

الّيعة. وذلك ما أدّى إلى إضعاف دور القبيلة في مجريات الحكم، وإلى تذرية الفرد وتركه مكشوفًا في العراء

من دون أيّ حمايةٍ. لقد أحدث التّكوين الإمبراطوري الجديد للدّولة الإسلاميّة، شرخًا بين المجتمع والدّولة التي انحصرت في

الحاكم ومزاجه الشّخصي؛ وهو ما جعلها طرفًا منفصال عن المجتمع، وعبئًا عليه. وذلك ما عزّز طوبى التّغيير

والصلّاح؛ فصارت كلّ التطلّعات الفكريّة والجماعيّة والفرديّة تُبنى خارج الدّولة، وعلى حسابها، بعدما تيقّن

الجميع أن لا مجال لتحقيقها داخل الدّولة. أدّى هذا على المستوى النّظري والأيديولوجي، إلى تحويل الخلافة القائمة في أصلها الأخلاقي والتَّقَويّ على

تغيير الفرد لأجل صلاحه الأخروي، إلى طوبى ينتظر الفقيه المعجزة، أو التدخّل الربّاني لتحقّقها. أي أنّه كان

يطمح إلى تحقُّقها بوسائلَ غير سياسيّة، وعبر قنوات من خارج الدّولة؛ تصبح بمقتضاها الدّولة شرعيّةً، تكتفي

بتطبيق الّيعة مقابل انتزاع الحاكم الشرعيّة من الفقيه في ممارسة الحكم المطلق. وبذلك أخرج الفقيه تطلّعات

الدّين من الدّولة، التي جعلها واقعة خارج مجال الدّين؛ مع اعترافٍ كامل بشرعيّتها، لحيازتها المنعَة والقوّةِ.

31  وهو تكوين استُعير في ديوانيته ونظامه وآليّات ممارسته من الدولة الفارسية القائمة على عهد أردشير. راجع: عبد الله العروي،

مفهوم الدولة، المركز الثقافي العربي. وذهب كمال عبد اللطيف إلى أنّ فقه الماوردي فيأحكامه السلطانية ينسجم بالكامل مع عهد أردشير

الذي قام عليه الحكم الفارسي قبل الإسلام. راجع: عبد اللطيف، التّفكير في العلمانية، مرجع سبق ذكره.

32  العروي، مفهوم الدولة، مرجع سبق ذكره.

صيف 2012

أمّا الفيلسوف، وجميع أصحاب النّزعات التقَويّة، مثل الصوفيّة؛ فقد انسحبوا بالكامل من الدّولة، وأخذوا في

بنائها خارج مجال الدّولة، حين تحوّل الخلاص عندهم إلى فعل فرديٍّ يقع خارج الدّولة. وانسحب الفقيه من

مجال السّياسة، كما انسحب الفيلسوف من مجال الدّولة؛ فتعزّزت طوبى ال دولة، وبقيت البنية الإمبراطورية

خارج تطلّعات الفرد ومجال تعبيره وتحقيق ذاته. نتيجة ذلك، تساكنت الحكمة مع الفقه ومع التصوّف، وول، دت

بحسب العروي: " فردانيّة فيلسوف تُع عن رفضٍ شامل للحكم السّلطاني المطلق. في حين انتهت طوباويّة

الفقهاء بقبول ذلك الحكم كضرورةٍ وقتيّةٍ، مع التطلّع إلى زواله بعون الله وتوفيقه ". وذلك ما جعل جوهر

التّجربة السّياسية الإسلاميّة، هو التّخارج من جهة بين الدّولة والقيمة، بين التّاريخ والحرّية، بين قانون الجماعة

ووجدان الفرد، بين الأخلاق والقيمة؛ وبين الواقع والدّولة من جهة أخرى.

رابعًا: فشل التّحديث وانتعاش الطّائفيّة

استمرّ هذا الأمر مع الدّولة العربيّة الحديثة التي قامت عقبَ الاستقلال، وأخذت على عاتقها تحديث الدّولة

والمجتمع. ثمّ سرعان ما تهاوتْ لديها إرادة التّحديث تلك؛ بحكم عدم تأمينها ال وط التّاريخيّة والموضوعيّة

للتّحديث، وبقائها مماثلةً ومحُاكيةً لنمط الحكم السّلطاني في بنيتها ومنطق السّلطة المتوارث. وما لبثت أن تخلّتِ

عن مشروعها الأصلي، بعد أن فقدتْ ص دقيّتَها، وانكفأت على مشروع تنمية مصالحها الخاصّة؛ بتكريس

استمرار الاحتفاظ بالسّلطة المُطلقة، والتحكّم الشّامل في المجتمع. ولا يعني هذا غيابًا كامالً للإصلاحات؛ غير أ ا إصلاحاتٌ أعطت النُّخبةَ الحاكمة نفوذًا مضاعفًا، من دون أن

تغ شيئًا من الفجوة الفاصلة بين جهاز الدّولة والمجتمع. فالبيروقراطيّة مثال، التي تعكس في أساسها عقلنة

الدّولة، وترمُز إلى تحقيق موضوعيّة الدّولة بانفصال عن ذات السّلطان، وموضوعيّة القانون بانفصال عن ذات

القاضي؛ قد ظلّت محتفظةً بالعلاقات الموروثة. إذ ظلّت العلاقات بين الموظّفين علاقات إحسانٍوولاءٍ،

وظلّ سلوك كلّ موظّفٍ مرتبطًا بذاته وبشخصيّة من جيُاوِره بشأن خدمة معيّنة. كما أدّى تطوير وتحديث جهاز

الدّولة، الذي قُصد منه تمكين الدّولة من ممارسة دورها العامّ؛ إلى تحديث أجهزة القمع والقوّة العسكرية لديها،

من دون أن حتُدث بُنى للإنتاج والخدمات. وكان عجْزُ الدّولة عن الردّ على حاجات تطوّر الجماعة، وعدم استنادها إلى أدلوجةٍ جامعةٍ وعصبيّةٍ وطنيةٍ

33   مثالً: رأى ابن باجة أنّ البحث عن السّعادة واجب على الفرد العاقل، وأنّ واجب الفرد على نفسه مُقدّم على واجبات الدولة

والمجتمع عليه. أمّا المتصوّف فيغيب عن الدولة والمجتمع معًا.

34  راجع: عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقديّة (الدوحة/بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص

300 - 357. راجع أيضًا: العروي، مفهوم الدولة، مرجع سبق ذكره.

35  المرجع نفسه.

36  راجع: برهان غليون، المحنة العربية، الدولة ضدّ الأمّة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1993)، ص.250-207

راجع أيضًا: بشارة، المجتمع المدني، مرجع سبق ذكره.

37  راجع: برتراند بادي، سوسيولوجيا الدولة (بيروت: مركز الإنماء القومي،.)1986

مخاطر الانحراف الطائفي على الثورات العربية

موحِّدةٍ؛ قد جعلها كما لو كانت مُنظّمة جديدة مُضافة إلى المُنظّمات الطّائفيّة والإقليميّة الموجودة، وليس مؤسّسة

جامعةً وبديلةً من كلّ المنظّمات. وهذا ما يعني أنّ الدّولة لم تُصبح دولة المجتمع أو الأمّة؛ بل أصبحت الوحش

الذي يفترس حرّية الأفراد وينهب اقتصاد الأمّة. أصبح أُفق المجتمع- نتيجة ذلك -دولة؛ بعدما عزّز في داخله الانتماءات البدائيّة والأهليّة لتعويضأفقَ ال

تهميش الدّولة له. ولجأ الفرد إلى تضامنات عصبيّاتيّة صغيرة تحميه، وتحقّق له حيّزًا خاصًّا من تطلّعاته وآماله،

بعدما كان مستعبدًا داخل الدولة. فكان أساس ولاء الفرد وانتمائه وإثبات ذاته؛ يتحقّق خارج الدولة وضدّها

في آنٍواحدٍ. وكان الفرد يجد مجال حرّيته خارج الدولة وداخل المجتمع وبين أهله وعشيرته وأهل طائفته وملّته؛

الأمر الذي يُمكّنه من العيش طوال حياته وراء متاريس تعزله عزالً تامًّا عن الحكم المطلق، بحيث أنّه كلمّا

استظلّ بها ازداد قوّة وطمأنينة، وكلمّا استقلّ بذاته ضعف واستُعبد. لقد أنتج الواقع العربي المُغلق وذو الأفق المسدود جملةً من الظّواهر الخطيرة، التي لا يمكن تجاوزها بسهولة؛

حتّى لو أُزيح رأس السّلطة، أو تغ الحاكم، وأهمّها: تنامي عُزلة الفرد عن الدّولة: إذ أدّى الفصل بين الدّولة والفرد، إلى اتّساع الفجوة بينهما. فلم خيُ ضع الحكّام

سُلطتهم للمنافسة السّياسيّة، ولم يسمحوا بالتّعبير العامّ؛ كما أ م لم يطالبوا المواطنين -في المقابل- بأن يشاطروهم

أيديولوجيّتهم بشكل حميم، ولم يحرصوا على ولاء الفرد الذي صار منصبًّا على الأمّة والعشيرة والط ائفة. وعلى

خلاف ذلك، اكتفى الحكّام بعدم الاكتراث المعمَّم بالمواطنين؛ بما أنّ المطلوب بالنّسبة إليهم هو انتماؤهم العامّ

إلى الدّولة، دون السّعي إلى إعادة صياغة عقليّة أولئك المواطنين، أو الوقوف معهم على أرضيّة مشرتَكةٍ، أو

مجال سياسيٍّ جامع، تجري عن طريقه صياغة المطالب وبناء قنوات اتّصال بين الطّرفين. فلا الدّولة انغمست

في المجتمع وعكست تطلّعاته، ولا تجربة الفرد مع جهاز الدّولة تغ ت؛ مادام لايزال يربط علاقاته الحقيقيّة

بروابط خارج الدّولة، تمثّل الطّائفة أهمّ مؤسّساتها. أدّى هذا الأمر إلى تولّد طوبى الحرّية التي ترى في الدّولة عالم القهر والاستعباد، وتتحمّلها على مضضٍ؛ مُتحيِّنة

الفرصة لتقويضها، في انتظار حلول الدّولة الفُضلى. وهو ما جعل التّجربة السّياسيّة مستمرّةً في " التّساكن

المشحون بالبغضاء والخوف والاحتقار، بين الدّولة والحرّية. تجربة لا توفّر أرضيّة ملُائمة للبحث عن سبل

موضوعيّة لتجسيد الحرّية في الدولة ". وذلك ما قاد إلى الفصل بين القيمة والأخلاق من جهة، وبين الواقع

والدّولة من جهةٍ أخرى؛ وجعل أيديولوجيّات التّغيير في العالم العربي الم عاصر، كالماركسيّة والليبراليّة، تتأثّر

بطوباويّة الفقيه والفيلسوف والمتصوّف في العصر الإسلامي، وتطرح آفاقًا وحلوالً للمجتمع وحريّة الفرد،

وتحقّقها داخل الدّولة الفُضلى التي ينتظرها الجميع، خارج مجال الدّولة الواقعيّة. تنامي الهويّات الدّينيّة: إخفاق الأنظمة العربيّة في خلق إجماع وطنيٍّ، أو قوميٍّ، يدعم الشّعور بالانتماء إلى جماعةٍ

38  راجع: غليون، المحنة العربية، مرجع سبق ذكره، ص 307 - 289

39  العروي، مفهوم الحرية، مرجع سبق ذكره، ص.24 - 11

40  العروي، مفهوم الدولة، مرجع سبق ذكره.

41  المرجع نفسه. 42  راجع: المرجع نفسه، ص 202 -.208

صيف 2012

واحدةٍ ضدّ الانتماءات الجُزئيّة المتعدّدة. ونتيجة لذلك، انعدمت الأطر الوطنيّة المع ة عن إرادة جميع الأفراد

التي تتيح التّعبير المتساوي لكلّ الإرادات داخل الدّولة المركزية، وتلاشت أيّ فرصة لتكوين " سستام " أو مجال

سياسيٍّ، يكفل تشغيل المجتمع بأكمله، وليس جزءًا منه أو بعضه. وكان ذلك الأمر الذي دفع المجتمع إلى

إعادة إنتاج نفسه بعزلةٍ عن الدَّولة، وإحياء البُنى الأكثر تقليديّةً من طائفيّةٍ وعشائريّةٍ، بواسطة " الأيديولوجيا

والأسطورة والثَّقافة ". نتيجة لذلك، ازدهرت الهويّات السُّنيّة والشِّيعيّة والإسلاميّة والمسيحيّة؛ بحكم أ ا

أجسامٌ عضويّةٌ، تقف حاجزًا بين الفرد والدّولة. إذ عاش الأفراد بين الأهل والعشيرة والقرية، ولم يكن للدّولة

مدخلٌ سانحٌ إلى حياتهم؛ فلا المجتمع كان حينها حاضرًا، ولا الدَّولة كانت حاضرةً بنحو كل. ولا يعني تشبُّث المُجتمع بأطره التّقليديّة، أنّه حافظ على وحدته؛ فالذي يحفظ المجتمع هو الدّولة بصفتها نقطة

ارتكاز الثّقافة الواحدة، والمرجعيّة السّياسيّة الواحدة. وبتقصير الدّولة في تدعيم الشّعور بالانتماء العامّ؛ يتشظ ى

المجتمع، ويكون تشبّثه بسلطاته ومرجعيّاته التّقليديّة، ترجمةً لواقع انقساميٍّ ذي طبيعة عموديّةٍ بين شرائح

المجتمع. ومن شأن الانتماءات الدّينيّة، أن تتحوّل مع ذلك الواقع إلى " عصبويّات " تعكس التفتّت والانقسام

والتشّرذم الاجتماعي وتكرّسه؛ ليتحوّل المجتمع بذلك من مجتمع منشغل بتطلّعات جامعةٍ، إلى هويّات متجاورةٍ،

وهواجس جزئيّة متناقضة، ومرجعيات متعدّدة ذات أصول ثقافيّة ودينيّةٍ مغايرةٍ. وهو واقع يتسبّب في تنامي

العدوانيات بين كيانات المجتمع، وتقوم داخل كلّ دائرة تضامنٍتقليديّةٍ (وهي الطّوائف في زماننا) مرجعيّة

سياسيّةٌ تنافس مرجعيّة الدّولة الرّسميّة. تشتدّ هذه الحالة، مع صيرورة المناصب العُليا حكرًا على عصبة اجتماعيّةٍ خاصّةٍ، أو تختزن بشكل مُبطَنٍغلبة

ثقافةٍ، أو ملّةٍ، أو طائفة دينيّةٍ خاصٍّةٍ داخل المجتمع؛ وهو ما يجعل المجال العامّ ساحة تنافس وصراع وميدان

غلبةٍ وقهر لجهةٍ على أخرى. أي تنتفي جامعية الدّولة التي هي أساس مشروعيّتها، وتنتعش " العُصبات " القديمة

والمرجعيّات الطّائفيّة، لا بصفتها مُعتقدات ومرجعيّات تقَويّة وأخلاقيّة، بل بصفتها أطرًا سياسيّة، وأحزابًا

تضامنيّة غير طوعيّة، تحمي أفراد كلّ طائفة لا من الدّولة فحسب، بل من الملل والط وائف الأخرى، وتكون

المنبر والمجال الوحيد لتحصيل الحقوق والاستفادة من الموارد العامّة. انقضاض الطّائفة على الدّولة والفرد معًا: اكتسبت الطائفة أبعادًا، وتحمّلت وظائف ليست لها في الأصل،

واستحالت تكوينات قادرة على منافسة الدّولة في الكثير من مهامّها، وعلى زعزعة احتكارها الحصريّ للإكراه

المشروع، وباتت في بعض الأحيان تحتكر بعض ما للدّولة. وقد أنتجت الكيانات الطائفيّة شعورًا وولاءً طائفيَنّيْ؛ تضاءلت حيالها سائر أنواع الارتباط الاجتماعي،

وأحاطت بالفرد من كلّ جانب، واستقرّت في لاوعيه، إلى درجة أنّ الكثيرين من الحزبييّن العلمانييّن، الذين

ظنّوا أ م تخلّصوا من رواسب الطائفة وتطهّروا من إملاءاتها، ظلّوا أسرى تصوّراتها وهواجسها وتطلّعاتها

43  بشارة، المجتمع المدني، ص.346 - 345

44  المرجع نفسه. 45  من قبيل بعض المبادرات ذات الطبيعة الثقافية أو الإثنيّة الخاصّة في ممارسة مهامّ الدولة وفق مرجعياتها الخاصّة، فتنشئ لذلك

الغرض جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر، وتقيم الحدود، وتطبّق أحكام الردّة، وتنفّذ أحكام الشرف، وتحتكر مهمّة الدفاع

عن الوطن...

مخاطر الانحراف الطائفي على الثورات العربية

الخاصّة والضيّقة. وقد بلغت الطائفيّة في الامتداد والعمق حدًّا يصعب تجاوزه؛ بحيث أصبحت -كما هو حاصل

في لبنان - أيديولوجيّة الدّولة نفسها، والإطار الذي يشعر الفرد من خلاله بوجوده السّياسي. وإنّ وقوع الطائفة حاجزًا لا وسيطًا، بين الفرد والدّولة؛ قد عطّل قُدرة الدّولة على ممارسة عموميّتها وجامعيّتها،

وضيّق على الفرد حراكه في اجتراح مجال تضامني أوسع من خصوصيّته المذهبيّة. فالطائفة لم تعد تحمي الفرد؛ بل

أصبحت - كما هي الحال في لبنان وسوريا والعراق- حتُكِم قبضتها عليه، وحتُاصره من كلّ الجهات، وتعزِله عن مجتمعه، لتُصبح هي مجتمعه الوحيد. وأخذت تنشئ في داخلها استبداديّات وإجراءات تأنيب وعقاب. من هنا، فإنّ عدم ابتلاء لبنان مثال باستبدادٍ مركزيٍّ حادٍّ، كما هي الحال في أكثر البلاد العربية؛ لا يعني أنّ الحرّية

التي تضمن للفرد التّعبير عن رأيه وتحميه من إعلان موقفه، هي مُتحقّقةٌ فعال. فضعف المركز السّياسي، أي

الدّولة؛ قد أدّى إلى تول د أشكال استبدادٍ جديدةٍ داخل الطّوائف، أخذت تستمدّ مشروعيّتها من محاكاتها المخيال

الجمعي - الدّيني، والتّعالي به مثلما يحصل الآن. وصارت تُضيّق على الفرد حراكه، وتُقلّص خياراته. صارت أزمة لبنان الفعليّة متجسّدةً في طوائفه نفسها؛ بعد أن انتقلت هذه الط وائف من كونها وحدات اجتماعيّة

تحمل كلٌّ منها منظومةً اعتقاديّةً وبنيةً اجتماعيّةً خاصّتين، إلى كيانات سياسيّة ذات سيادة، لكلٍّ منها مقوّمات

انتماءٍ، وسِمات هُويّةٍ، ونُظم ولاءٍ، ومرجعيّات مشروعيّةٍ خاصّةٍ بها. وهو تحوّلٌ بنيويٌّ ووظيفيٌّ عميقٌ؛ كان من

شأنه أن نقل الطّائفة من اعتبارها رمزًا لخصوصيّة ثقافيّةٍ وتضامنيّةٍ، تحمي الفرد، وتضيِّق شموليّة الدّولة، وتحد

من تضخّم نفوذها؛ إلى كائن مركزيٍّ حادٍّ، يسجن الفرد داخله ويضيّق حيّز وجوده وتحقّقه، وينتزع من الدّولة

أكثر صلاحيّاتها ومهامّها. وكانت الطّائفة بذلك سببًا مباشرًا لإقامة مركزيّات وأقطاب سياسيّة؛ لا تستمد

وهجها من قوّة التّمثيل الشّعبي، أو القدرة على تأدية دور الوسيط الشفّاف والأمين بين الفرد والجماعات من

جهة، وبين الفرد والدّولة من جهة أخرى. بل هي تستمدّه من قدرتها على تمثيل مخيال كلّ جماعةٍ، والاستناد

المكثّف إلى تطلّعاتها وهواجسها الممزوجة بالخوف والعدوانيّة ضدّ الطّوائف الأخرى. هذا ما جعل الطّائفة بوضعيّتها السّياسيّة الرّاهنة، تتقدّم على الدّولة، وتكون مرجعيّتها ومصدر مشروعيّتها. بل

إ ا تكاد تكون الدّولةَ؛ بعد أن قامت في داخلها نُظمُ ولاء مغلقة، وتوفّر موارد خاصّة بها، وقواعد ذاتيّة لتوزيع

هذه الموارد. وهذا حاصل في لبنان بشكل مباشر؛ إثر تفتّت مركزيّة الدّولة إلى مركزيّات طائفيّة، وتحوّل الدّولة

إلى كائنٍهشّ فاقد لأيّ استقلاليّةٍ ذاتيّةٍ. كما أنّه حاصلٌ بشكل غير مباشر في كلّ الدّول التي تكون فيها السّلطة

تمثيالً / أو تغليبًا لثقافةٍ ما، ومصالح خاصّة، وملّة معيّنة، وعائلة بعينها في المجتمع. وهذا يمكن تلمّس معالمه

-ولو بدرجات ونسب متفاوتةٍ- في النّظام السّوري الحالي، والنّظام العراقي السّابق والحالي، ومملكة البحرين... وقد يصل تضخّم الخصوصيّات إلى مرحلةٍ لا يقتصر فيها على تقويض الدّولة وسلبها أكثر وظائفها ومهامّها؛

بل يصل الأمر إلى تجاوز الهويّة الوطنيّة وتقويضها، ليس بطريقة تغليب ثقافة خاصّة أو هيمنتها على باقي

الثّقافات، بل بطريقة إنشاء تضامنات عابرة للمجال الوطني، وتشكيل هويّات كونيّةٍ أو دوليّةٍ تستقي تطلّعاتها

الأيديولوجية وآفاقها السياسيّة من مرجعيات منفصلةٍ وأجنبيّةٍ عن مجال الحياة السياسية والثقافية في كلّ بلد.

46   تمثّل ذلك بشكل خاصّ في أطروحات ميشال شيحا وفيليب حتي وكمال الحاج وكمال الصليبي، منظّري طائفية الكيان اللبناني.

يقول الحاج: " ليست الطائفية التعصّب، بل هي وجود ظاهر لجوهر باطن هو الدين، وبما أنّ الإنسان كائن ديني أساسًا، ما يجعل الطائفية

واجبة الوجود ". راجع: تقيّ الدين، المسألة الطائفية في لبنان، ص 17 - 42. راجع أيضًا: نصّار، نحو مجتمع جديد، ص.131 - 101

صيف 2012

ذلك ما يحوّل الطائفة من كائن اجتماعي خاصٍّ إلى كائنٍفوق- دولتي، ذي طبيعة أسطوريّة، وملتصق بمحور

دوليٍّ يُرهق المجتمع بالتزامات وأولويّات لا تستجيب لحاجاته، وأدلوجة سياسيّةٍ لا تستقي من البنية ضرورات

الحياة العامّة وواقعها في البلد الخاص.

خامسًا: المنزلقات الطائفيّة في الرّبيع العربي

تلك هي صورة التّجربة السّياسية في العالم العربي قبل الثّورات العربيّة، وهي تجربةٌ ليست حصيلةً مرحليّة

لمأزق الدّولة العربيّة الحديثة أو المعاصرة؛ بل تآزرَ في تكوينها وترسيخها جدل الدّولة - الدّين - المجتمع في

التّاريخ الإسلامي كلّه، وتركت آثارها في المجتمع، بأن قسّمته إلى كيانات مغلقة وصلبةٍ، وحوّلته إلى انتماءات

متجاورةٍ لا يجمعها مشرتَكٌ ثقافيٌّعميقٌ، أو عصبيّة مصالح موحَّدة يدفعها إلى التّنافس في ما بينها على إدارتها

أو تنميتها. كما أ ا رسّخت نمط وعي بالدّولة، بصفتها كائنًا معزوال عن المجتمع ومتعاليًا عليه، وثقيالً على

الفرد وغريبًا عنه، لا يحتفظ منه في ذاكرته إ بالشّخصنة والملاحقة. وهي آثارٌ تصلّبت وجمدت وطال بها الأمد؛

بحيث لا يغ ها عزل حاكم، أو سقوط نظام. وتشكّل تحدّيًا مباشرًا لأفق الرّبيع العربي، بل إ ا تهدّد المجتمع

بعد أن انفكّت قبضة السّلطة الحديديّة الملتفّة حول عنقه. والتّهديد يتمثّل في انفلات التّكوينات الخاصّة من

عقالها، وتحوّل المجتمع إلى ساحة صراع بين الخصوصيّات؛ وعندها تصبح السّياسة ميدان غلبةٍ وقهر لخصوصيّةٍ

على أخرى. وكما ذكرنا في بداية البحث؛ فإنّ الطّائفيّة تقوم على السّلب وتُعرَّف به، بمعنى أ ا تحرضُ لتعوّض غياب شيءٍ

يفتقده المجتمع، ويلوذ بها الفرد بعد أن سدّت منافذ تحقّقه الموضوعيّة. وهي باختصار الشيّ ء الذي ينتعش

بغياب الدّولة، والمؤّ الجليّ والحّ على فشل الدّولة في ممارسة مهامّها. إنّ التخ عن الطائفيّة، لا يكون

إلا بالإيجاب والإيجاد، وليس بإزاحة قيادة فاسدةٍ أو قلب نظام حكم فاشل. إنّه يتحقّق باستعادة الدّولة مهامّها

الأساسيّة في تعزيز عنصرَي الإجماع الثقافي: وهما الانتماء إلى عقيدة وطنيّةٍ واحدةٍ والمشاركة السّياسية، أي مساهمة

الجميع في تكوين السّلطة وحقّهم فيها، وفي فتح الدولة المجال واسعًا لحرّية كلّ الأفراد وذاتيّاتهم وإمكاناتهم

الثقافيّة والسياسية والاقتصاديّة. ومن شأن ذلك أن يؤدّي إلى نقل تطلّعات الجماعات وآمالهم ومجال تعبيرهم

من خارج الدولة إلى داخلها؛ لتُصبح الدولة راعيةَ الحرّيات وحاميتها، وحافظةً لمجال الخصوصيّات، وللمجال

الذي تتوزّع منافعه وعواقبه بالتّساوي بين الجميع. لهذا، فإنّ تحطيم الأطر التّقليديّة سيظهر في صورة التخ عن الذّات وتشريدها واستلابها وضياعها، وفي صورة

تحطيم للدّرع الطبيعيّة التي تحمي كلّ فردٍ من الأسر والاستعباد؛ إذا كانت نتيجته رمي الفرد وحيدًا أعزلَ ومجرّدًا

من كلّ وسيلة دفاعيّة أمام الدّولة وأجهزتها الأمنيّة. فمن مصلحة الفرد التمسّك بالدّور السياسي لطائفته؛ طالما

لا توجد هناك أطرٌ أخرى أكثر فاعليّةً في تنظيم مشاركة الفرد في حياة الجماعة، وفي الدّفاع عن حقوقه ومصالحه.

فالطائفيّة تبدو بمنزلة فقدان كلّ ضمانةٍ على الحياة، وضياع لآليّة التّعاون والتّضامن العائلي والأسري؛ إذا لم يتبع

47  اعتبر تشارلز تيللي في كتابه الديمقراطية، أنّ من أهمّ مظاهر الإطاحة بالديمقراطية هي: " انعزال شبكات الثقة عن السياسة العامّة،

وظهور المراكز ذات الاستقلال الذاتي التي لها سلطة الإرغام والإكراه ":. راجع الديمقراطية، ترجمة محمد طباخ (بيروت: المنظّمة العربية

للترجمة، 2007)، ص 333 -.335

مخاطر الانحراف الطائفي على الثورات العربية

ذلك ظهور مؤسّسات تضامنٍجماعيٍّ أعلى في مستواها النقابيّ والمدنيّ. هكذا يمكن القول: إنّ معضلة الطائفية المُعاصرة - بصفتها أكثر مُنزلقات ما بعد الثّورات العربيّة خطورة -

تتمثّل، من زاوية نظر عامّة (General Prospective)، في ثلاثة تكوينات طائفيّة كبُرى. وهذه التّكوينات هي

الشيعيّة والمسيحيّة والسُنّية. ولكلٍّ منها هواجس ومخاوف وتطلّعاتٌ ووضعيّاتٌ ومنطلقاتٌ ثقافيّةٌ وسياسيّة

خاصّةٌ بها. وذلك ما يجعل من كلّ هذه التّكوينات إشكاليّةً قائمةً بذاتها، تمنعُ من الانخراط الفعلي في مشروع

الدّولة الحديثة، ومن الاندماج في المجال الجامع الذي يحضن الخصوصيّات ويحفظها، ويبقى في الوقت نفسه

على مسافةٍ متساويةٍ منها. هيإشكاليّات ثلاث، لا يكفي في فهمها توصيفها من خارجها، ولا يكفي في معالجتها

إطلاق وصفات عامّةٍ قبل تفحّص خصوصيّة كلٍّ منها، والتعرّف إلى انغلاقاتها الثقافيّة وتأزّماتها العصبيّاتيّة

التي انتهت إليها بفعل الانسداد التّاريخي الذي وصل إليه الواقع العربي العامّ والخاص. وسنعرض هنا باختصار لكلٍّ من هذه الإشكاليّات، بما له علاقة بقضيّة الطائفية ومشروع الدّولة الحديثة. الإشكاليّة الشيعيّة إنّ المعضلة الشيعيّة عمومًا، شأنها شأن المذاهب الإسلامية الأخرى كلّها؛ هي معضلة التّاريخ الإسلامي نفسه،

وثمرة السّياقات السياسيّة واللاهوتية التي أنتجت هذه المذاهب، وجعلتها تستقرّ على هيئة أرثوذكسيّة خاصّة

بها. فتصبح في منعطف تاريخي مع، أكثر من موقفٍ لاهوتيٍّ أو منهجيّةٍ متميزةٍ في تأويل النصّ، أو رواية

خاصّة للحدث النبوي؛ بل إ ا تتحوّل إلى عصبيّةٍ خاصّةٍ، تقيم تمييزًا حادًّا بين من هو داخلها ومن هو خارجها،

بين " النّحن " و " الهُم ". وهي عصبيّةٌ أخذت تُطوِّع النصّ الدّيني لصالحها، وتنشئ منه أحكامًا دينيّة تُعزّز تلك

العصبية بمسوغات فقهيّة ولاهوتيّة متعدّدة. وهو ما أضاف إلى المذهب وظائفَ اجتماعيّةً وخصائص نفسيّة

ومه ت سياسيّةً؛ من شأنها أن تعكس التلّازمات التي تجذّرت في التاريخ الإسلامي، بين العصبية القبلية

والدّعوة الدّينية، في كلّ حركةٍ سياسيّةٍ أو تضامنٍاجتماعيٍّ. وهو ما حوَّل كلّ مذهب- بتآزر البنية الإمبراطوريّة

للدّولة الإسلامية - إلى قبيلةٍ أو عشيرةٍ إسلاميّةٍ جديدةٍ؛ تجعل لاعقل عصبيّة الانتماء القبلي ولاوعيها، مُدعَّمنَيْ

ومسنوديْن بمبانٍكلاميّةٍ وفقهيّةٍ مؤسَّسة تأسيسًا عقليًّا ومنطقيًّا. أي عقلٌ يستنفذ طاقته، ويستخدم كلّ إمكاناته

لتظهير ودعم لاعقل عصبيّاتي، ظلّ مصدر تهديدٍ لوحدة المجتمع وتماسُكِه. ومع اعتناق الدّولة الصفويّة - تلك التي تتطابق في بنيتها مع نمط الحكم السُّلطاني السّائد في آسيا الصُِّغرى -

المذهبَ الشّيعي الإمامي، وتحوّل أكثر المجتمع الإيراني إلى التشيّع؛ وجد المذهب الإمامي مرتَكزًا اجتماعيًّا ثابتًا،

ومجاالً سياسيًّا صلبًا، يضمن من خلالهما استمراريّته، ويُنمّي مقولاته واجتهاداته السياسيّة، ويختبرها في آنٍ. غير

48  برهان غليون، المسألة الطائفيّة ومشكلة الأقلّيات (الدوحة/بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2012

49  يُشير محمد أركون إلى الدور النفسي للأرثوذكسية في تدعيم صلابة الجماعات الدوغمائية، بما يعزّز عصبيتها ويقوّي حاجز " النحن "

و " الهُم " مع المعتقدات والجماعات الأخرى. راجع: محمد أركون، الفكر الإسلامي: قراءة علمية، ترجمة هاشم صالح (بيروت: المركز

الثقافي العربي، مركز الإنماء القومي، 1996)، ص 5 -.12

50   من قبيل فكرة الملّة الناجية التي استندت إلى روايةٍ عن النبيّ. وقد أدّت هذه الفكرة وظيفة عصبوية بامتياز، إذ رسمت حدًّا بين

" نحن " و " الغير "، وأغلق منافذ التفكير العلمي على منظومتها الفكرية، وتفرّع منها أحكام دينية من زواج وطلاق والصلّاة خلف الإمام

ومعاملات وإرث، تميّز بين المنتمين إلى الفرقة الناجية ومخالفيهم. ما حوّل المذهب إلى قوميّة ذات عصبية شديدة، تتأزر لحمة النسب

وتجانس الثقافة، وتأويلات المقدّس.

صيف 2012

أنّ الصّعود الصّفوي في مواجهة الدّولة العثمانيّة؛ قد عزّز الحساسيّة السُنّية الشيعيّة بتدبير متعمَّدٍ من الطّرفين،

وأخذت تبرز ا اهاتٌ في تكفير الطّرف الآخر وإخراجه من الملّة، من جهة تمثيل كلّ دولةٍ للإسلام القويم

ورعايتها له. تركت هذه المسألة أثرًا كبيرًا في الشّيعة العرب؛ الذين عانوا -داخل محيطهم السُنّي- من معضلة الاعتراف

بهم، بوصفهم جماعةً ذات خصوصيّة دينيّةٍ أو مذهبيّةٍ، أو مذهبًا إسلاميًّا مشروعًا. ولما كانت السّلطة السّياسيةّ

بتكوينها السّلطاني، تقوم على غلبة عائلة خاصّةٍ، تعتمد ثقافةً ومعتقدًا خاصًّا بها، تعمل على تعميمه في المجتمع؛

فإنّ باقي الثّقافات والمعتقدات مازالت تشكو من وطأة التّهميش والإقصاء، وأحيانًا من خوف الإلغاء ورُهاب

الإبادة. وهذا ما حصل في فترة الخلافة العثمانيّة، واستمرّ في تكوينات ما بعد الاستقلال، التي مثَّلت - علنًا أو

ضمنًا - غلبة ثقافةٍ خاصّةٍ في المجتمع. وهو ما جعل الدّولة تنظيامً أو حزبًا خاصًّا يُضاف إلى الأحزاب الخاصّة؛

وليس كيانًا مختصًّا حصرًا بإدارة الشّأن العامّ، وبتجذير الثقافة الجامعة العابرة للخصوصيّات. كان طموح شيعة الخليج عمومًا، وما زال، الاعتراف بهم وحدات اجتماعيّة - دينيّةً مشروعةً. وهو طموحٌ أقل

بكثير من طموح الاعتراف بهم بصفتهم مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات مع غيرهم. وقد عانى شيعة العراق الاستبعاد السّياسي والإداري والتّنموي القاسي في المملكة الهاشميّة الجديدة؛ على الرّغم من أ م كانوا

يمثّلون أغلبيّةً سُكانيّةً في العراق منذ بداية القرن العشرين. أمّا في لبنان، فقد عانى الشّيعة إهماال مريبًا من

الدّولة لهم، وأحسّوا بغربةٍ عنها بحكم الخلل في المعيار السّياسي والميزان الحقوقي في الاستفادة من موارد الدّولة. وقد ولَّدَت هذه الأمور مجتمعةً لدى الشّيعة العرب مشكلة الانتماء إلى محيطٍ لا يكتفي بالتّنكّر لحقّهم السياسي،

بل يكاد لا يعترف بهم بصفتهم كيانات اجتماعيّة ذات خصوصيّة دينيّة معيّنة. وكانت في ذلك مدعَّمَةً بذكريات

شيعيّة -ٍمتفرّقةٍ في التّاريخ حقيقيّةً كانت أو مُضخَّمةً أو خمُ-ً حول الاضطهاد، أو الإلغاء، أو حتّى الإبادة تلقَة

الجماعيّة التي مورست في حقّهم. وهو ما جعل الم عضلة الشيعيّة مركّبةً من معضلتين: معضلة الانتماء إلى المجتمع

والاندماج فيه، ومعضلة الهُويّة السّياسية التي لا مكانَ لهم فيها؛ وذلك بحكم إقصائهم وتهميشهم المتعمَّدَيْن.

وساهم هذا الأمر في تشبّث الشّيعة بخصوصيّتهم وتضخيمها، إلى حدّ توَل دِ عزلةٍ شديدةِ الكثافة لدى الطائفة

الشيعيّة عن المجتمع المحيط بها، ونشوء تراتبيّات وحالات انتظام ومركزيّات أمر وسلطةٍ ومرجعيّات سياسيّة

ودينية. وكان من شأنها أن عوّضت على الشّيعة غربة الدّولة عنهم، واغترابهم عنها. ووجدت ضرورة ترحيل

الدّولة من بنيتهم الثقافيّة، والتّشكيك في مشروعيّة الفعل السّياسي وصيرورتهما، طوبى مهدويّةً تتحقّق آخر

الزّمان بمعجزةٍ وتدخّل إلهييّن. وهو ما عزّز أفُق ال دولة في الوجود الشّيعي العربي، وص الشّيعة تكتلّات

مجتمعيّةً خاصّةً ومغلقةً؛ تتهيّب الاندماج في المجتمع الأوسع، وتتحفّظ على أيّ فعل سياسيٍّ ذي مرمى سلطويٍّ،

بحكم التّشكيك في مشروعيّة أيّ سلطةٍ أو حكم غير سلطة الإمام المنتظر.

51  راجع في هذا المجال كتاب علي شريعتي: التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي، الذي يحكي فيه تلاعبات الدولة الصفوية بالمذهب

الشّيعي، وتنميتها للغلوّ الشيعي، قبالة المذاهب الأخرى في سياق معركتها مع الدولة العثمانيّة. راجع: علي شريعتي، التشيّع العلوي

والتشيّع الصفوي (بيروت: دار الأمير، 2002). وراجع أيضًا: وجيه كوثراني، مشروع النهوض العربي (بيروت: دار الطليعة، 1995)،

ص 57 -.63

52  راجع: تشارلز تريب، صفحات من تاريخ العراق المعاصر (بيروت: الدار العربية للعلوم، 2006). راجع أيضًا:

Faleh Jabar, The Shiite Movement in Iraq (London: Saqi, 2003).

مخاطر الانحراف الطائفي على الثورات العربية

ولم يحُلْ هذا دون تولّد مبادرات سياسيّةٍ شيعيّةٍ تتصدّى للفعل السّياسي، وتضع السّلطة ضمن أهدافها وغاياتها.

وهو ما حصل في العراق، مع ظهور " حزب الدّعوة الإسلامية " في أواخر خمسينيّات القرن العشرين، بتأثير

من فكر " الإخوان المسلمين "، الذي نظ ر لاستلام السّلطة السّياسية في سياق إقامة الدولة الإسلامية. غير أنّه

مشروعٌ لم يقدِّم نظريّةً للدّولة الجامعة؛ بقدر ما عمل على شرعنة الفعل السّياسي الذي يُسوّغ للشّيعة استلام

السلطة، ويُغلّب ثقافتهم الخاصّة على غيرهم. وهو ما حصل أيضًا في لبنان، في حركة المحرومين التي أطلقها

موسى الصّدر، بهدف المطالبة بحقوقهم الاجتماعيّة والحقوقيّة المهدورة. وهي مبادرةٌ كان غرضها دفع الشّيعة

إلى الاندماج في الكيان اللّبناني. غير أنّ منطقها كان منطق الأقلّية المثقَل ة بهواجس الحرمان والإقصاء، وبعقدة

الثّقافة الخاصّة التي تسعى جاهدة إلى إثبات ذاتها واكتساب الاعتراف بها من غيرها، بل والبحث عن تاريخها

الخاصّ بها. ولم يكن منطق الدّخول في الدّولة الجامعة، واعتناق عقيدة المواطنة والثّقافة الوطنيّة الجامعة. وهو

ما أوصل هذه المشروعات إلى الطّريق المسدود؛ إذ تحوّلت بعد دخولها السّلطة، من حركاتِ مطالَبةٍ واحتجاج

وتغيير وثورةٍ، إلى كيانات سياسيّةٍ ذات عمق طائفيٍّ، تمثّل مصالح طائفتها وترعاها، وتقف حاجزًا منيعًا أمام

تكوين عصبيّةٍ وطنيّةٍ جامعةٍ، أو متّحدات سياسيّةٍ عابرةٍ للطّوائف. إنّ المتغ الكبير الذي أربك الواقع الشّيعي العربي، ووضعَه أمام ثنائيّات متعارضة ومتناقضةٍ في آنٍ؛ هو نجاح

الثّورة الإسلاميّة في إيران. إذ هي لم تكتف بشرعنة الفعل السّياسي؛ بل شرعنت كذلك ممارسة السّلطة والحكم

بشكل منفصل ومستقلٍّ عن الإمام. حدث ذلك بفعل التّفويض الكامل والمطلق للإمام " المعصوم " إلى الفقيه

المتصدّي والجامع للّوط؛ وذلك وفق نظرية ما أصبح يُعرف بولاية الفقيه. لم يكن تفاعل الشّيعة العرب مع

الثّورة الإيرانيّة داخالً في الباب النّظري، ولم يكن من باب الحاجة إلى نظريّةٍ سياسيّةٍ، أو أدلوجة دولةٍ تسوّغ

لهم العمل السّياسي أو السّلطوي داخل مجالهم العربي؛ فولاية الفقيه لا تصل ح إ داخل مجتمع متجانس ثقافيًّا

ومذهبيًّا، أو تغلب عليه الثّقافة الشّيعية. بل إنّ ذلك التّفاعل كان من زاوية الحاجة إلى مستندٍ سياسيٍّ خارجي،

يعوّضهم غربتهم واغترابهم عن محيطهم السّياسي والدّيني معًا، ويخفّف عنهم وطأة الضّغوط الدّاخلية، ويخلق

فيهم شعورًا بالثّقة والقوّة داخل الواقع العربي المُتخَم بالتّنافس والتّنازع الطائفيَنّيْ. كان تفاعل الشّيعة العرب مع الثّورة الإيرانيّة شامالً؛ غير أنّ هذا التعاطف لم يقدّم لهم أجوبةً، أو برامجَ عمل،

أو حتّى أيديولوجيّات سياسيّة تُساعدهم على حلّ معضلتهم الاجتماعية والسياسيّة. بل زاد ذلك التّعاطف

وتلك المناصرة من سعة الهُوّة مع واقع الشّيعة المح، ومن اغترابهم عنه. كما ضخَّم لديهم خصوصيّتهم الثّقافيّة

والدّينية. ومنحهم - فضالً عن ذلك- قوّةً (أو شعورًا بها) لم تجد طريقًا لانخراطهم في مشروع الدّولة بحكم

غياب أيديولوجيّةٍ سياسيّةٍ تضبطها وتوجّهها، ولم تطرح عليهم-على الأقلّ- جديدًا. بل إ ا مشروع دولةٍ

تحوّلت إمّا إلى سبيل لمنافسة الثّقافات الأخرى أو لغلبتها داخل المجال الاجتماعي؛ أو إلى طريق للاكتفاء الذّاتي،

والعزلة المتزايدة عن الدّولة والرّغبة في الاستغناء عنها. وول د ذلك في بعض الحالات الرّغبة في انتزاع وظائفها

ومهامّها، بل وحتّى الانقضاض عليها. يعيش الشّيعة العرب، صراعًا ذاتيًّا بين محلّيةٍ تفرض عليهم التزامات اجتماعيةً وسياديّةً، وبين انتماءٍ مذهبيٍّ

53  هذا يعكس مساعي بعض المؤرّخين الشيعة إلى تدوين تاريخ مستقلّ وخاصّ بشيعة لبنان، أو شيعة العراق، أو شيعة الخليج. كما في

تاريخ جبل عامللمحمد جابر آل صفا. راجع: تقيّ الدين، المسألة الطائفية في لبنان، مرجع سبق ذكره، ص.36 - 30

صيف 2012

تعمل الجمهورية الإٍسلامية في إيران على تأطيره تأطيرًا أيديولوجيًّا؛ بحيث يتلاءم مع إستراتيجيّات ونُظم

مصالح الدّولة الجديدة، ويمُار س ضغطًا معنويًّا ودينيًّا مع من هم خارجها. وذلك ما أربك الوعي الشّيعي

خارج إيران، وأشعر كثيرين أ م مُعل قون في الهواء؛ فلا الواقع هيّأ لهم ظروف الاعتراف وشروط الحضور

الفاعل، ولا الخطاب الدّيني ذو ال كيب الأيديولوجي يُسهّل لهم مهمّة الاندماج في هذا الواقع والتّفاعل معه.

وهي معضلةٌ تنبّه إلى خطورتها الشّيخ محمد مهدي شمس الدّين، وحذّر بإصرار شديد من تحوّل الخصوصيّة

الشيعيّة إلى حالة تمايز ثقافيٍّللشيعة داخل محيطهم. كما نبّه إلى المنزلقات الأيديولوجيّة الخاصّة التي تعزلهم عن

محيطهم الخاصّ، وتمنعهم من الاندماج فيه. ولعلّ أهمّ ما ساهم به شمس الدين، هو تأسيس أيديولوجيّةٍ شرعيّةٍ

للفعل السّياسي؛ تقوم على " ولاية الأمّة على نفسها "، وتنزع الغطاء عن أيّ سلطة دينيّةٍ، وتجعل الفعل السّياسي

من متفرّعات نشاط المجتمع حصرًا؛ وذلك دون أن يرتبط بغايات أو طوبى أخلاقيّة، بل هو تجلٍّ مباشر للإجماع

السياسي العامّ للأمّة. الإشكاليّة المسيحيّة إنّ ما يسجَّل للمسيحييّن العرب، هو أ م كانوا طليعة الذين قدّموا مشروع الدّولة على أساس علمانيٍّ، أو عقلاني

وحديثٍ. وهم أوّل من نظَّر للانتماء القومي العربي غير الملاصق للانتماء الدّيني؛ ذاك الذي يحتضن الثّقافات

المتعدّدة، ويُسهّل قيام مجال سياسي جامع مستقلٍّ عن تأثير أيّ طرف اجتماعيٍّ أو دينيٍّ ووصايته. وأكثر من

ذلك، هم أوّل من روَّج لتغليب التّفكير العلمي على التّفكير الدّيني الجامد أو الأسطوري. وهذا نجده واضحًا

في كتابات فرح أنطون وشبلي الشّميل، ودعوات البستاني ونجيب عازوري. كانت غاية هذه الدّعوات إيجاد مجال سياسيٍّ مستقلٍّ عن المرجعيّة الإسلاميّة؛ يكون لهم فيه دورٌ مكوّنٌ وشريكٌ

متساو مع الّيك المُسلم. وهي دعوات جاءت كثمرة احتكاكٍمباشر مع الغرب، وتشكّلت بفعل الرّعاية

الغربيّة لبعض الملل المسيحيّة، وتنامي الشّعور بالهويّة السياسيّة المستقلّة التي تعترف بهم كائنات سياسيّة لا أهل

ذمّة أو مِالً معزولةً عن كلّ شأنٍعامٍّ. وكانت القوميّة العربيّة المنطلق الرّحب لهذه الدّعوات، التي لم يكتف

المسيحيّون العرب فيها بطرح هويّةٍ سياسيّةٍ مستقلّةٍ لهم؛ بل كانوا أوّل من عمل على بعث الثّقافة العربيّة وآدابها،

بهدف إيجاد مسوِّغ تاريخيٍّ خاصٍّ لتلك الهُويّة الجامعة والحاضنة بالتّساوي لجميع الملل والنّحل الأخرى. بيد أنّ الفصل بين المجال العربي ومرجعيّة الثقافة الإسلامية؛ قد بدا مستحيالً. كما أنّ إمكانيّة تأسيس دولةٍ

علمانيّةٍ على أنقاض خلافةٍ إسلاميّةٍ؛ كان مناقضًا للوعي العربي العامّ، الذي ألفَ نمطًِا خاصًّا من الحكم لزمن

طويل، وامتلك لاجهوزيّةً ثقافيّةً لتقبُّلِ شكل الحكم الجديد. لاسيمّا أنّ منطلقات تلك الدولة وأصولها، قد

جاءت من الغرب الذي بدأ المسلمون العرب يتوجّسون من دوافعه ومنطلقاته الماديّة الجديدة.

54  محمد مهدي شمس الدين، التجديد في الفكر الإسلامي (بيروت: دار المنهل اللبناني، 1997)، ص.201-119

55  كان أديب إسحاق أوّل مثقّف مسيحي يبعث مفهوم ابن خلدون عن العصبية، ويُعرّفه بمعنى الوطنية والقومية. وأوّل من استعمل

شعار تحيا الأمّة، الذي هو شعار فرنسي الأصل. وقد فك ر بطرس البستاني على أساس وجود أمّة سورية، وطبّق فكرة القومية على الوطن

السوري. مشيرًا إلى مفهوم أوسع للأمّة على أساس اللغة. كما دفع المسيحيون العرب باتجاه الح ق في الاستقلال الإداري الذاتي، ودشّنوا

تعريفًا سياسيًّا وعلمانيًّا للفكرة القومية. راجع: هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ط 4 (بيروت: دار النهار للنشر، 1991)، ص 56  من قبيل نقد الإصلاحييّن الإسلاميين، أمثال الطهطاوي وعبده والأفغاني، لدهرية الغرب ومادّيته وإلحاده وخوائه الروحي

وتفكّكه الاجتماعي.

مخاطر الانحراف الطائفي على الثورات العربية

هذا يعني أنّ دعوات المسيحييّن العرب إلى مجال سياسيٍّ مؤسَّس على مبادئ العقلانيّة الحديثة؛ قد جاءت مُبك،ً رة

أو خارج السّياق الثقافي العربي. ذلك السّياق الثّقافي الذي لم يكن في تكوينه الاجتماعي وبنيته الثّقافيّة، جاهزًا

لها بعد، ولعلّه لا يزال كذلك. ذلك ما تسبّب في شرخ واسع بين التطلّعات المسيحيّة المعاصرة، وردود الأفعال

الثّقافيّة والسياسيّة داخل الفضاء العربي، على ت ب الحداثة إليه من الباب الواسع. ا يعني أنّ عقدة الانتماء

المسيحي إلى هذا المجال، قد أخذت تتفاعل داخل واقع عربيٍّ عامٍّ؛ لا يزال منهمك ا في حلّ معضلة الجمع أو

التّوفيق بين ماضيه الخاصّ به وحاضره ذي المرجعيات الوافدة. دفعت هذه الحالة النُّخَب المسيحيّة إلى بلورة أيديولوجيّة قوميّة خاصّة، كما في لبنان ومصر؛ أو إلى التّنقيب

عن أصول ومنطلقات حضاريّة غير عربيّة، أو سابقة على الإسلام، كما في فكرة " الهلال الخصيب "؛ أو إلى

البحث عن خصوصيّتهم وتمايزهم الثقافي الذي يجعل منهم أمّة أو ملّة متميّزة. وهي كلّها تعبيرٌ عن السّعي

إلى إيجاد حيّز ثقافيٍّمختلفٍ ومتمايز عن تفاعلات الحيّز العربي العامّ. وهو ما أعاد فيهم الانكفاء إلى هويّتهم

وخصوصيّتهم الدّينية؛ تلك التي وجدوا فيها ملاذًا آمنًا يَقيهم من كلّ التقلّبات العربيّة التي لا يزال فيها الخطّ

السّلفي يتّسع ويشقّ طريقه بنجاح في مجال الحياة العامّة. وأدّى ذلك إلى واقع عربيٍّ مهدّدٍ بغلبة ثقافة سُنيَّةٍِ خاصّةٍ

وهيمنتها. هكذا أخذ الحديث عن خصوصيّة المسيحي وخوفه وريبته من محيطه السّياسي يتفاقم؛ فانسحب

" المثقّفون المسيحيّون تدريجيًّا من مُعترك الاندماج في الحياة العربية السياسيّة والفكرية. وسعى لبنان على الصّعيد

السياسي إلى بلورة موقفٍ محايد غير مُلتزم. وعلى الصّعيد الثقافي سعى إلى تنمية هويّةٍ منفصلة تستند إلى صوفيّةٍ

لبنانيّةٍ مسيحيّةٍ". وخلق انكفاء المسيحييّن على حفظ خصوصيّتهم، وسعيهم إلى تأمين ظهر حماية للجماعات المتوجّسة من

تفاعلات الواقع العربي السّياسي والثقافي، بعد اليأس من إقامة دولة علمانيّة؛ سلوكًا ووعيًا سياسيًّا ذا طبيعةٍ

أقلّويةٍ، لا يمكنه، ولا ينبغي له أن يتخ عن خصوصيّته وامتيازاته المكتَسبة لصالح أيّ كائنٍسياسيٍّ أعلى. وكان

ذلك إمّا بدافع الحفاظ على الخصوصيّة المسيحية والاستماتة في سبيل بقاء مكاسبها؛ أو بدافع تأمين تحالفات

داخليّة وخارجية لأجل حفظ تلك الخصوصيّة. وبذلك لم يعُد المجال السّياسي العامّ إ ساحةً للتنازع من

أجل البقاء، وليس ساحةً لتكامل الإرادات واندماجها. ولم يعُد المجتمع كذلك إ ميدانًا لتمايز الثّقافات وليس

لارتقائها داخل كائنٍثقافيٍّجامع. هكذا تخ المسيحيّون العرب عمومًا -طوعًا وكرهًا- عن مشروع الدّولة،

واستحوذ الانتماء الأقلّوي لديهم على العقل والفعل السياسييّن؛ فلم يعُد المجال العامّ بالنّسبة إليه سوى ساحة

امتياز عن الآخرين، أو حصن حمايةٍ منهم. ظلّ التوجّس الدائم من تقلّبات الواقع العربي قائامً، حتّى بعد سقوط الأنظمة. وهو توجّسٌ مفهوم وله

تسويغاته؛ بحكم تصدّر السلفيّة والخطاب الإسلامي واجهة النّتائج الانتخابيّة. أي أنّ المجتمع العربي لا يزال

يميل إلى تغليب ثقافة الأغلبيّة العددية على باقي الثّقافات، واعتمادها مرجعيّةً حاسمةً في إدارة السّلطة وتسيير

الشّأن العامّ. وقد أفرز هذا التوجّس خوفًا مُضخَاّمً؛ إلى درجة أنّه أخذ يطرح فكرة تحالف الأقلّيات لمواجهة مد

الأكثريّة السُنّية، أو التّحالف مع الحاكم المستبدّ لأنه يُقدّم ظهر حماية إلى الأقلّية المسيحيّة من فوران الأكثريّة

المنتقمة وعودتها.

57  هشام شرابي، المثقفون العرب، مرجع سبق ذكره، ص.95-76

58  هي تصريحات صدرت مؤخرًا عن البطريرك الماروني بشارة الراعي وبعض القادة المسيحييّن.

صيف 2012

الإشكاليّة السُنّية مثّل السُنّة بمذاهبهم الفقهيّة الأربعة وإطارهم الأشعريّ، طابع الإمبراطورية الإسلاميّة التي امتدّت إلى أكثر

من ألف عام؛ إذ ظلّ ذلك التّحالف بين الفقيه السُنّي والسّلطان ثابتًا ومستقرًّا وهو ما وفّر مشروعيّةً دينيّة

للسّلطان من جهة؛ ووفّر قاعدة اجتماعيّة مُريحة للمذاهب السُنّية من جهةٍ أخرى. أبقى هذا الأمر السُنّة ومرجعياتها إطارًا للدّولة. ومنح أهل السُنّة قُدرةً على التكيّف مع النّظام؛ مهما كانت

طبيعة العدالة والجور فيه. ا يعني التّعامل معه بواقعيّة أيًّا كانت وضعيّته الأخلاقيّة والقانونيّة. غير أنّ هذا

لم يكن ليستمرّ مع انهيار مؤسّسة الخلافة، وتحوُّل الدّولة من شكلها الإمبراطوري إلى شكلها البيروقراطي

الحديث؛ أي الدّولة التي يُفترض أن حت اكي نمط الدّولة الحديثة. ذلك أنّه لم يعد هناك مجالٌ لأن تُؤطَّر تأطيرًا

دينيًّا خاصًّا؛ فالدولة الحديثة لا تقوم على التّجانس الثّقافي، أو المرجعيّة الدينيّة، أو مرجعيّة ثقافة الأكثريّة، بقدر

ما هي راعيةٌ لفضاءٍ ثقافيٍّتعدُّديٍّ، تتساوى فيه كلّ الثّقافات والخصوصيّات بالرّعاية والحماية، بغضّ النّظر عن

كثرتها العدديّة. حوّل هذا الأمر المذاهبَ السُنّية، بأطرها الأشعريّة -الماتردية الكلاميّة، من إطار أيديولوجيٍّ وأخلاقيٍّ للدّولة،

إلى ثقافةٍ خاصّةٍ داخل المجتمع؛ أي إلى أقلّيةٍ من النّاحية السّياسيّة، حتّى لو كانت من ناحية عددها أكثريّةً في

معظم البلدان العربيّة. لم تعُد السُنّية إطارًا للدّولة، أو مرجعيّةً لها؛ ا تسبّب في ارتجاجات ثقافيّةٍ وعصبيّاتيّةٍ

عاليةٍ داخل المجتمع العربي. إذ شعُر جمهور السُنّة أنّ الحداثة هي تقويضٌ للبناء الثّقافيّالقائم، وهي سحبٌ

للبساط من تحتهم. فكانت الحركات الإسلاميّة والإصلاحيّة الإسلاميّة، شكالً من أشكال الرّدود - العاقلة

حينًا وال عاقلة حينًا آخر - لمواجهة التّغيير القادم أو المتحوّل الجديد، والعودة إلى الوضعيّتين السياسيّة والثقافيّة

السّابقتنيْ. وما مقولة أنّ الإسلام دينٌ ودولةٌ، سوى عنوان أيديولوجي لا يحكي حقيقة الإسلام؛ بقدر ما يحكي

حقيقة الواقع السياسي الذي كان قائامً زمن السّلطنة. إنّه توصيفٌ للحكم السّلطاني القائم على مرجعيات سُنّية؛

أكثر ا هو تعبير توصيفٍ للإسلام نفسه. من هنا، كان سلوك الأكثريّة السُنّية سلوكًا أقلّويًّا أيضًا؛ بحكم أ ا كانت تُريد تغليب ثقافتها على باقي الثقافات،

ولا تتنازل عن اعتمادها مرجعيّةً للجميع، بمن فيهم الشّيعة والمسيحييّن والأقلّيات العربيّة الأخرى. وظلّت

الدّولة مكانًا للغلبة والتّنافس الثقافينّيْ، وليس مجاالً مستق وراعيًا لباقي الهويّات والانتماءات. فالّاكة مع

المسيحيّة لا تكون داخلةً في باب المواطنة، أو حقًّا مستق عن أيّ نصٍّ دينيٍّ؛ بل هي داخلة في باب التّسامُح

الإسلامي مع الأقلّيات. إ ا ثقافةٌ أقل ويّةٌ، على الرّغم من كثرتها العدديّة. إ ا هواجس الغلبة أكثر ا هي نقل

للديمقراطية، وهي آفاق الحكم السّلطاني الذي ما فتئ يقيم ملازمة بين الحكم المطلق وتيّار دينيٍّ خاصٍّ في

التّاريخ الإسلامي. من هنا تختلف الإشكاليّاتُ الطائفيّةُ المتعدّدة في العالم العربي: بين شيعيّة أخذت تتضخّم خصوصيّتها إلى درجة

التّقوقع خارج مجال الدّولة؛ ومسيحيّةٍ متوجّسةٍ من واقعها أخذت تبحث لنفسها عن أمانٍداخليٍّ أو خارجيٍّ

59  يرى العروي أنّ شعار " الإسلام دين ودولة "، هو تعبير عن التساكن الذي حصل بين سلطة مطلقة وتطبيق الشريعة الإسلامية في

شكليّتها لا مقاصدها، أي توصيف لواقع الحكم السلطاني في التاريخ الإسلامي، وليس شعارًا يُع عن خصوصيّة الإسلام نفسه باعتباره

دينًا ومعتقدًا. راجع: العروي، مفهوم الدولة، ص.170 - 164

مخاطر الانحراف الطائفي على الثورات العربية

يحميها، أي تبحث عن مجال خارج الدّولة؛ وسُنيَّة ما زالت فكرة الحكم السّلطاني الذي يغلّب ثقافةً على أخرى

مقابل التّسليم بحكم مطلَق، تُداعب مخيّلة الإسلامييّن. وهي هواجس مختلفةٌ ومتعدِّدةٌ؛ إ أ ا تلتقي وتتوافق

- من حيث لا تدري- على تحديدها للدّولة بأ ا ساحةُ تنافس، وميدانُ غلبةٍ بين الثّقافات والهويّات المتعدّدة.

قد تكون الدّولة ميدان تسويات أو تلفيق ثقافيٍّبينها؛ إ أ ا تبقى في نظر الجميع ذلك الكائنَ غير الأصيل،

أو غير الموضوعي، أو غير الواقعي، أو التّابع للمجتمع والمتفرّع عنه، الذي لا يحمل أيّ استقلاليّة خاصّة به.

فالوحدة التضامنيّة العُليا هي الطّائفة، والكائن الذي يعلوها هو كائنٌ وهميٌّ. والطّائفة هي السقف الأعلى لكلّ

التّضامنات؛ فلا تضامنات فوقها، بل تحالفاتٌ بين طوائف. وما الأحزاب إ تمثيالً لمصالح هذه الطّوائف،

وشكل انتظام سياسيٍّ لها فقط. وهنا تُطرح إشكاليّةٌ مثلّثة الرّؤوس: سُنّية مُصمِّمَة على هيمنة ثقافتها وتعميمها وجعلها إطارًا للدولة والسلطة،

بمسمّيات وشعارات شتّى؛ ومسيحيّة لديها نزعةٌ للانعزال عن محيطها السّياسي وقابليّةٌ للانفصال عنه؛ وشيعيّة

تملك بداخلها مانعيّةً ثقافيّةً وتوجّسًا نفسيًّا من الاندماج في المجال العامّ، وحالة توثّب للسّجال السياسي

والثقافي، وهي متشبّعةٌ بخصوصيّتها إلى حدّ القدرة على التكيّف التامّ مع الغياب عن السّاحة السّياسيّة، أو

الإلغاء الكامل للدولة. هذا هو الإشكال الطّائفي الخطير الذي يواجه الرّبيع العربي؛ دون أن يحمل إليه أجوبة،ً

أو هيُندس له علاجًا.

خاتمة

هكذا تب لنا أنّ المنزلق الطائفي في العالم العربي، ليس خط رًا محُدِقًا؛ بل هو خطرٌ قائمٌ وفاعلٌ. وهو يتحرّك في

الخفاء والعلن. ولا يأل و جهدًا في أن يستثمر غياب المركزيّ السّياسي، وضعف الدولة في المرحلة الانتقاليّة؛

ليستوعب الدولة ويبتلعها، وخيُضعها لسياساته، التي تحاصر الفرد وتكبّله بعدما فوّض إليها الفرد كلّ أموره،

وضمِن لنفسه من خلالها دنياه وآخرته. إذا كانت الطائفيّة ثمرةَ وضعيّة العلاقة مع السّلطة، فإنّ اضطراب هذه السّلطة في فترات الفراغ والحرج، مع

غياب مجال أو " سستام " سياسيٍّ ضابطٍ، يضمن التحكّم في المرحلة الانتقالية؛ سيؤدّي إلى انفلات الخصوصيّات

المتضخّمة من عقالها. إذ إ ا سترمي بكامل أسلحتها الأيديولوجية والتعبويّة في السّاحات العامّة؛ لتتحوّل تلك

السّاحات إلى ميادين صراع بين الثقافات، وإلى مجال تغلّب طائفةٍ على أخرى. إذا كانت الديمقراطيّة تقوم بحفظ كلٍّ من الفرد والجماعة والخصوصية، والتّوازن بين تلك المكوّنات؛ فإن

أكبر ما يهدّد هذه الدّيمقراطية في راهن الربيع العربي، هو الخصوصيّة الطائفيّة في وضعيّتها المتضخّمة التي

أخذت تنمو خارج الدولة وعلى حسابها، وتتغذّى من ضعفها، وتنتعش بموتها. وهو الأمر الذي يهدّد بإعادة

قيام كيانات سياسيّةٍ ذات طبيعةٍ تلفيقيّةٍ؛ تكون الطائفة - بشكل منصوص عليه، أو بشكل ضمنيٍّ وعُرفيٍّ -

60  يُعرِّف ألين تورين الديمقراطية بأنها: " المزج بين الفكر العقلاني والحرية الشَّخصيّة والهويّة الثَّقافيّة، أي الجمع بين مبادئ ثلاثة: مبدأ

التَّفرُّد؛ ومبدأ الخصوصية؛ ومبدأ الجامعية. بذلك فإنّ الدِّيمقراطية كمواطن حرّ فقط، بل كفرد ينتمي إلى تجمّعات اقتصاديّة أو ثقافيّة.

ما يعني أنّ الديمقراطية لا تغلُّب الجامع والشَّامل على الخصوصيات، عبارة عن مجمل الضَمّانات المؤسساتية الّتي تتيح الجمع بين وحدة

العقل الوسائلي، وبين تنوّع الذَّاكرات. راجع: ألين تورين،، مرجع سبق ذكره ما هي الديمقراطية.

صيف 2012

مرجعيّتَه الأساسيّة، بحجّة أنّ هذا ما يُريده الشّعب في صناديق الاقتراع. وهكذا تضيع فرصة بناء الدولة الحديثة

التي تتمثّل أهمّ بديهيّاتها في أ ا كائنٌ يؤطّر الثّقافات والولاءات الخاصّة، وينظّم العلاقة بينها وليس تابعًا لها،

ويقيم جسرًا بينها، ويستمدّ منها مادّته ومضمونه دون أن يكون خاضعًا لها. بيد أنّ خطر التّكوينات الطائفيّة في المرحلة الراهنة؛ يتج في محاصرتها للفرد ومصادرة فرديّته الحرّة التي يستعين

بها لممارسة مواطنيته عبر انخراطه الطوعي والحرّ واللاإكراهي في تضامنات طوعيّةٍ تمثّل بمجموعها ما يمكن

تسميته ب " المجتمع المدني ". لما لجأ الفرد إلى الطّائفة، لتُبعِد عنه استعباد الدّولة له؛ اكتشف أنّه أصبح عبدًا لكائنٍلا يقلّ ضراوةً وشراسةً عن

الدّولة نفسها. إذ ما فت ئت الكيانات الطِّائفيّة تنشئ في داخلها نظُم عقاب وثواب صارمةً، ومركزيات أمر داخلية

أكثر طلاقةً وسِعةً من سُلطة السلطان؛ حتّى كادت تنعدم سبُل تعبير الفرد الخاصّة به، ولم يعد لديه ملاذٌ يحميه

من الاستبداد الجديد المستجد.ّ من هنا، نلمس أهمّية بناء المجتمع المدني، الذي يبدأ بالتضامنات الطوعيّة العابرة للط وائف. ويعني ذلك بشكل

من الأشكال إعادة بناء المجتمع لنفسه؛ بصفته رهانًا وتحدّيًا قوييّن للرّبيع العربي، وسبيال وحيدًا ليستعيد به

الفرد فرديّته بمعزل عن انتمائه الثقافي الخاصّ، وليُوسّع له حيّز تحقّقه ومجال تعبيره. إنه الطّريق الحصريّ الذي

يعيد الفرد إلى حضن الدّولة؛ بعدما اغترب عنها، وانزوى في بداوة التعصّب وكهف العشيرة. وهو يُلغي كل

هوامش ال دولة، بعد أن يرسم حدود الدولة ويضبط أداءها ويضيّق هامشها. طبعًا، لا أريد هنا أن أرجّح

أسبقيّة المجتمع المدني على الدّولة الحديثة، لجهة أيهما السبب وأيهما المسبب عنه، أو أيهما أولى؛ إذ يبدو أنّ تحقّق

أحدهما، هو تحقّقٌ مباشرٌ وفوريٌّ للآخر. فالمجتمع المدنيّ لا ينشأ من ضعف الدَّولة، أو حتّى في غيابها؛ بل هو

وليد قوَّة الدَّولة، وثمرة موازنة هذه القوَّة. إنّه ليس نتاج هدم الدَّولة أو تراجعها أو زعزعتها؛ وإنَمّا هو نتاج

تحديد العلاقة بينها. ذلك ما يجعل ك من الدّولة والمجتمع المدني شرطًا لوجود الآخر، ويجعل الطائفيّة نتيجة

لغيابهما معًا. وهو ما يؤدّي بدوره إلى جعل الطائفيّة حالةً عدميّةً، وأفقَ الرّبيع العربيِّ حالة وجود حيٍّ. وإنّ رهان

هذا الرّبيع؛ لا يكمن في محاربة الطائفيّة، بل في إيجاد ذلك الحيّز الذي كانت الطائفيّة تتغذّى من غيابه وفقدانه.

61  راجع: برتراند بادي، سوسيولوجيا الدولة، مرجع سبق ذكره.

62  المرجع نفسه.

مخاطر الانحراف الطائفي على الثورات العربية

المراجع

باللغة العربيّة:

ابن منظور. لسان العرب (قم: أدب الحوزة، 1405 ه 1984/)، ج.9 ابن حنبل، أحمد. المسند (بيروت: دار صادر، د.ت)، ج.3 ابن خلدون. المقدّمة، ط 4 (بيروت: دار إحيار التراث العربي، د.ت.) إبراهيم، أيمن. الإسلام والسّلطان والملك (دمشق: دار الحصاد،.)1998 الإنماء القومي،.)1996 بادي، برتراند. سوسيولوجيا الدولة (بيروت: مركز الإنماء القومي،.)1986 الثقافي العربي،.)1996 برو، فيليب. علم الاجتماع السياسي (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات،.)1998 السياسات،.)2012

تقيّ الدين، سليمان. المسألة الطائفيّة في لبنان (بيروت: دار ابن خلدون،.)1997

والنشر،.)1997

الزبيدي، محمد بن محمد. تاج العروس (بيروت: دار الفكر، 1994)، ج.12

العربية،.)1993

ابن هشام، أبو محمد عبد الملك. السيّرة النبويّة (القاهرة: مطبعة المدني، 1966)، الجزء الثاني.

أركون، محمد. الفكر الإسلامي: قراءة علمية، ترجمة هاشم صالح (بيروت: المركز الثقافي العربي، مركز

بادي، برتراند. الدولتان: الدولة والمجتمع في الغرب وفي دار الإسلام، ترجمة نخلة فريفر، ط 1 (المركز

بشارة، عزمي. المجتمع المدني: دراسة نقديّة (الدوحة/بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة تورين، ألين. ما هي الديمقراطية، ترجمة حسن قبيسي (بيروت: دار الساقي،.)1995

تيليتش، بول. بواعث الإيمان، ترجمة سعيد الغانمي (بغداد: منشورات الجمل،.)2007 تيللي، تشارلز. الديمقراطية، ترجمة محمد طباخ (بيروت: المنظّمة العربية للترجمة،.)2007 تريب، تشارلز. صفحات من تاريخ العراق المعاصر (بيروت: الدار العربية للعلوم،.)2006 الجابري، محمد عابد. العقل السياسي العربي (بيروت: المركز الثقافي العربي،.)1991 حسن، حسين الحاج. حضارة العرب في عصر الجاهلية (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات رضوان، شفيق. علم النّفس الاجتماعي (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشّر،.)1996

السيد، رضوان. مفاهيم الجماعات في الإسلام (بيروت: دار المنتخب العربي،.)1993 شرابي، هشام. النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة

شريعتي، علي. التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي (بيروت: دار الأمير،.)2002 شمس الدّين، محمد مهدي. التّجديد في الفكر الإسلامي (بيروت: دار المنهل اللبناني، 1997)،

الصليبي، كمال. تاريخ لبنان الحديث (بيروت: دار النهار للنشّر،.)1969 عبد اللطيف، كمال. التفكير في العلمانية (أفريقيا الشرق،.)2002 العروي، عبد الله. مفهوم الحرّية (بيروت: المركز الثقافي العربي،.)1998 العروي، عبد الله. مفهوم الدولة (المركز الثقافي العربي.)

السياسات،.)2012 قرم، جورج. تعدّد الأديان وأنظمة الحكم (بيروت: دار النهار للنشر،.)1977 (بيروت: دار الطليعة،.)1995 ميزونوف، جان. ديناميّة الجماعات (بيروت: منشورات عويدات،.)1983

وات، مونتغمري. الفكر السّياسي الإسلامي (بيروت: دار الحداثة.) باللغات الأجنبيّة:

37. Truman, David. The Governmental Process , 2nd Edition (New York: Alfred Knopf

38. Watt, W. Montgomery. Muhammad: The Prophet and Stateman (Oxford: Oxford

39. Yaphe, Judith. The Middle East in 2015:The Impact of Regional Trends (Washington:

صيف 2012

طراب شي، جورج. من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، النّشأة المستأنفة (بيروت: دار الساقي،

غليون، برهان. المحنة العربيّة، الدولة ضدّ الأمّة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1993 غليون، برهان. المسألة الطائفيّة ومشكلة الأقليات (الدوحة/بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة

كوثراني، وجيه. مشروع النهوض العربي، أزمة الانتقال من الاجتماع السلطاني إلى الاجتماع الوطني

نصار، ناصيف. نحو مجتمع جديد، مقدّمات أساسية في نقد المجتمع الطائفي (بيروت: دار الطليعة،

36. Jabar , Faleh. The Shiite Movement in Iraq (London: Saqi,2003).

Inc, 1971).

University Press, 1974).

National Defense University Press, 2002).