العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الإسلام الطرقي ومستويات التأصيل

الإسلام الطرقي ومستويات التأصيل

Tariqa Islam: Layers of Authentication

حسن مرزوقي*

الملخّص

ما معنى التصوف في صيغته الطرقية؟ وكيف تتشكل بنية «العقل الطرقي » بين التأصيل النصّي والاجتهاد العملي؟ هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها من دون العودة إلى طقوس العبادات وتفرعها إلى أنواع ) الورد، الوظيفة، الهيللة، والأذكار (حين بدأت تأخذ حيزها المكاني والتنظيمي في أزمنة مختلفة تأسست من فترة مبكرة قادها الكلاباذي) القرن العاشرالميلادي (وانتقلت إلى السهروردي) القرن الثاني عشر الميلادي( وصولًا إلى الشعراني (القرن الخامس عشر الميلادي). أدى هذا الخيط الصوفي الممتد زمنيًّا إلى تكوين هياكل منهجية تتكيف مع ظروف البيئة المكانية، وتعتمد على هيئات محلية وشيوخ طرق يعلمون الناس أصول التعبد (الطهارة، الهدوء، الصمت، الخشوع، الخضوع)، وهو ما ساهم في تأسيس مدارس خاصة في الفقه تتميز عن تلك المتداولة في المرجعيات المذهبية.ّ ما هو فقه الطريقة؟ وما هي أحكامه؟ هذا ما تحاول الدراسة توضيحه وتفسيره تاريخيًّا وعقائديًّا.

Abstract

What does Sufism mean in its Tariqa form? How is Tariqa rationality formed between textual authentication and practical spiritual striving? These questions cannot be answered without returning to the rites of worship and their division into kinds (wird, wazifa, haylala, dhikr) when they began to take on their spatial and organizational space at various times that were instituted at an early period under al-Kalabadhi (10th century AD) and were transmitted to al-Suhrawardi (12th century AD) on to al-Shaarani (15th century AD). This Sufi thread through time led to the formation of methodological structures in accord with spatial environmental conditions and which relied on local organizations and sheikhs of the Tariqas who taught the people the essentials of worship (purity, calmness, silence, reverence, submission). This helped form special schools of fiqh distinct from those found in the doctrinal authorities. What then is the fiqh of the Tariqa and its rulings? This study tries to explain this historically and in terms of the belief.

الكلمات المفتاحية:
  • إسلام طرقي
  • تصوف
  • صوفية
  • شيوخ الطرق
  • فقه الطريقة
  • طقوس العبادات
Keywords:
  • Tariqa Islam
  • Sufism
  • Sheikhs of the Tariqas
  • Tariqa Fiqh
  • Rites of Worship

ما معنى التصوّف في صيغته الطرقيّة؟ وكيف تتشكّل بنية «العقل الطرقي » بين التأصيل النصّي

والاجتهاد العملي؟ هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها من دون العودة إلى طقوس العبادات وتفرّعها إلى أنواع

(الورد، الوظيفة، الهيللة، والأذكار) حين بدأت تأخذ حيّزها المكاني والتنظيمي في أزمنة مختلفة

تأسّست من فترة مبكرة قادها الكلاباذي (القرن العاشرالميلادي) وانتقلت إلى السهروردي

(القرن الثاني عشر الميلادي) وصولا إلى الشعراني (القرن الخامس عشر الميلادي.) أدى هذا الخيط الصوفي الممتدّ زمنيًّا إلى تكوين هياكل منهجيّة تتكيّف مع ظروف البيئة المكانيّة،

وتعتمد على هيئات محليّة وشيوخ طرق يعلّمون الناس أصول التعبّد (الطهارة، الهدوء، الصمت،

الخشوع، الخضوع)، وهو ما ساهم في تأسيس مدارس خاصة في الفقه تتميّز عن تلك المتداولة في

المرجعيات المذهبيّة. ما هو فقه الطريقة؟ وما هي أحكامه؟ هذا ما تحاول الدراسة توضيحه وتفسيره تاريخيًّا وعقائديًّا.

لا شك في أن التصوّف بصيغته الطرقية-أي كما يبدو في الطرق الصوفية اليوم- يختلف اختلافًا بيّنًا

عن التصوّف النظري الفلسفي كما صاغه أقطاب التصوف الإسلامي. ولعلّ التحوّل المهم في الفكر

الصوفي يتمثل في بداية مأسسته منذ أن أ صبح التصوف مجموعة من الطقوس المكوّنة من الأذكار والأوراد الدوريّة

التي تقام في الزوايا. أي عندما أصبحت الزّاوية المؤسسة الثقافية الاجتماعية الوحيدة التي تعبر عن التصوف،

حينها تشكل لون ثقافي جديد في الحقل الثقافي الإسلامي اكتسب استقلاليته عن التصوف الفلسفي، من ناحية، وعن الدين الرسمي من ناحية أخرى. وأصبح يكتسح مجالات الثقافة الشعبية في بعض الأقاليم الإسلامية،

* باحث تونسي.

خريف 2012

بخاصّة في منطقة المغرب العربي، حيث يعتبر من أهّم التعبيرات عن الدين الشعبي، بل ومكونًا جوهريًا

للهوية المغاربية. سنحاول في هذه الدراسة أن نبحث في الشروط المعرفيّة والرمزية والسوسيولوجية التي جعلت هذا النوع من

التعبير الثقافي عن الدين «إسلامًا مستقلا » ومتماسًا في آن واحد مع الإسلام الرسمي. فإضافة إلى الشروط

السياسيّة والتاريخية التي بحث فيها المؤرخون، نحاول الحفر في الشروط البنيوية التي تجعل من الطريقة جسام

اجتماعيًا قائم الذات في المجتمع العربي الإسلامي، لنقف على الشروط المعرفية والأنثروبولوجية التي جعلت

الإسلام الطرقي ينتج نفسه باستمرار. وللإجابة عن هذه الإشكالية نحاول أن نجرب فرضية نعتبر فيها الإسلام الطرقي خطابًا دينيًا موازيًا لخطابات

دينية أخرى، وللثقافة الطرقية بنية رمزيّة مشابهة في عمقها لكثير من الإنتاجات الثقافية، ثمّ للزّاوية كجسم

اجتماعي قد يماثل في شكل انتظامه أجسامًا اجتماعية يتعايش معها في «الكون الاجتماعي» نفسه. وتفضي بنا هذه الفرضية إلى تناول خمسة محاور نعتقد أنها جامعة للمستويات التي تتأصل على أساسها

الطريقة الصوفية: المحور الإبستيمولوجي ونظرية المعرفة وبنية العقل القياسي الصوفي.

محور الطقوس الطرقية وخصوصيتها.

محور الفقه الطرقي ومأسسة العلاقة بين الأفراد.

المحور الأنثروبولوجي والبنية الرمزية للعالم الطرقي.

المحور السوسيولوجي وبنية الحقل الطرقي.

أما المدونة التي سنشتغل عليها، فهي أساسًا بعض النصوص من التراث الطرقي السنّي وبخاصة المغاربي،

وكذلك اعتمدنا على ملاحظاتنا وتتبعنا لطرق صوفية معاصرة وهي القاسمية والإسماعيلية والمحمدية في مدينة

الرديف في الجنوب الغربي التونسي.

بنية « العقل الطرقي»

يُعتبر القسم الذي خصّصه محمد عابد الجابري لدراسة « النسق المعرفي العرفاني» في مشروعه «بنية العقل العربي»

من أهمّ المحاولات الجادة التي درست «إبستيمولوجيا التصوّف الإسلامي». فقد نظر في البنى المعرفية المؤسسة

للخطاب الصّوفي وفكّك النظرة التي قدمها للكون والآليات التي يشتغل بها. وإجمالا فإن النسق القياسي

الذي حكم «العقل البياني» وتحكم في فروعه المعرفية تحكم كذلك في العقل العرفاني إلى حد بعيد. ولكن آلية

اشتغال القياس في الخطاب البياني (اللغة – علم الكلام – التفسير) اختلفت عن آلية القياس في العقل العرفاني.

ولعل هذا المشترك الإبستيمولوجي (القياس) بين الخطابين هو الذي حدا بالجابري إلى اختزال العقلين في

ثنائيات لا تختلف في منطقها وإنما تختلف في مرجعيتها؛ فثنائية اللفظ والمعنى مثلا في العقل البياني تقابلها ثنائية

الظاهر والباطن. وثنائية الحقيقة والمجاز البلاغية أو التفسير والتأويل الكلامية تقابلها ثنائية الشريعة والحقيقة

1 لطفي عيسى، الولاية والمجتمع، ط 2 (بيروت: دار الفارابي، 2006)، ص 18، L’Intérieur du Maghreb: Jacques Berque, و

XVe-XIXe siècle, bibliothèque des histoires ([Paris]: Gallimard, 1978), p. 543.

2 محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،

1986)، الباب الرابع.

في الخطاب العرفاني، وذلك لأن المجال المعرفي ليس مختلفًا. فإذا ما كان الأول يشتغل بالمعرفة النصيّة وقدرتها

على توجيه التفكير، فإن الثاني يشتغل بالمعرفة الذوقية وقدرتها على توجيه تجربة تكون ذوقيّة.

وأيضًا لأن المنطلق المنهجي والتحليلي الذي ينطلق منه مشروع الجابري البنيوي الذي كان في بداياته فتحًا

معرفيًا، اعتمد مفهوم الإبستيمية الفوكوي الذي دشنه الجابري في الخطاب الفلسفي العربي الحديث وأصبح

مدرسة مغاربية في التحليل سيطرت في ثمانينيات القرن الماضي على كثير من البحوث. ولكن سرعان ما تم نقد الجابري ومدرسته، وبخاصة مع انتشار الدراسات ذات التعدد المنهجي. لكن على رغم أهمية الحفر في بنية العقل، فإننا نحاول أن نبرهن في دراستنا على أن استمرارية الفكر داخل الجماعة لا تردًّ فقط إلى ديناميكية الفكرة نفسها مهما كانت قدرة النسق الإبستيمولوجي الذي تتأسس عليه.

فلابد للفكرة من أكتاف تحملها، ومن هيئة اجتماعية تستسيغها وتجد فيها إجابة عن إشكاليات معاشها ومعادها. ومن هنا نرى أن الإسلام الطرقي بصيغه الشعبية يمثل مرحلة مأسسة للتصوف الفلسفي وتسييج حدوده المعرفية وينهض في بنية خطابه الديني على العقل القياسي نفسه الذي يشّد العقل البياني والعقل العرفاني. هذا

العقل هو الذي - كما سنرى- ن الخطاب الطرقي من الانسجام مع بنية الثقافة العربية الإسلامية. وإن بدا مكّ

في ظاهر الخطاب مختلفًا، فإنّه يتماهى مع البنية العميقة للتفكير الإسلامي. ويمكن رصد بنية القياس في الخطاب

الطرقي في ثلاثة مستويات على الأقل: مستوى العقيدة ومستوى الطقوس ومستوى الأحكام.

الطريقة والشريعة

يستند الخطاب الطرقي في فهمه للدين إلى الموروث الصوفي من ناحية، وإلى النصوص الدينية الكبرى (القرآن – مدونات الحديث....) من ناحية أخرى. فالموروث الصوفي يصر في شتى مراحل تشكلاته التاريخية على إظهار الخصوصّية الفكرية للإسلام الطرقي باعتبارها خصوصية عرفانيّة ذوقية ليتمايز عن خطابات أخرى في الفضاء

الإسلامي، وبخاصة الإسلام الرسمي ذي الأساس الفقهي الكلامي الذي ضبط أفقه المفاهيمي والتأسيسي في مجال الشريعة والنصوص الرسميّة. هذا التمايز الظاهري بين الخطابين، الطرقي والرسمي (الفقهي)، اللذين يشتركان كما أسلفنا في تقاسم عقل قياسي يصوغ الخطاب الطرقي ويؤصله. مثلما يشد بنية العقل الإسلامي البياني (الكلامي والفقهي) ويمكن أن ننتبع هذا الاشتراك في النقاط التالية: التأصيل النصي في الباب الأوّل من كتابعوارف المعارف، وعنوانه «في ذكر منشأ علوم الصوفيّة»، يبدأ السهروردي (ت 588 ه/

1192 م) بأحاديث نبويّة يفرسّ بعض ألفاظها على أنّ المقصود بها الطريقة التي جاء في الحديث «مثل ما بعثني

الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكانت طائفة منها قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها طائفة أخّاذات أمسكت الماء فنفخ الله تعالى بها الناس [....]». يعلق السهروردي: «فنفوس

العلماء الزاهدين من الصوفية والشيوخ تزكت وقلوبهم صفت فاختصت بمزيد الفائدة فصاروا أخاذات».

وفي حديث آخر «حين نزلت الآية [تعيها آذان واعية] قال رسول الله (صىلّ الله عليه وسلّم) لعلي: سألت

3 أبو حفص عمر بن محمد السهروردي، عوارف المعارف، ط 2 (بيروت: دار الكتاب العربي، 1983)، ص 11.

خريف 2012

الله سبحانه وتعالى أن يجعلها أذنك يا علي [....]». يقدّم السهروردي تفسيرًا لعبارة «آذان واعية» بعدما يعدّد

اختصاصات العلوم الإسلامية وفضائلها يقول: «فسالت أودية قلوب علماء التفسير والحديث والفقه بقدرها، وسالت أودية قلوب الصوفيّة من العلماء الزاهدين في الدنيا المتمسكين بحقائق التقوى بقدرها».

وبعد أن يحدد اختصاص هؤلاء (الصوفية) وهو علم الباطن، مفرسًّا بعض الآيات تفسيرًا صوفيّا، نجد أنّ

المؤلف يشعر بحرج في تأصيله للتصوّف. ولأنّه لا يعثر على كلمة صوفي في القرآن يقول في آخر الباب: «واعلم

أنّ كل حال شريف نعزوه إلى الصوفية في هذا الكتاب هو حال المقرّب والصوفي هو المقرب وليس في القرآن اسم

الصوفي [....] ولا يعرف في طرفي بلاد الإسلام شرقًا وغربًا هذا الاسم لأهل القرب وإنمّا يعرف للمتمرسين.

وكم من الرجال المقربين في بلاد المغرب [والملاحظ بدأ بالمغرب] وبلاد تركستان وما وراء النهر ولا يسمَّون

صوفيّة، لأنهم لا يتزيّون بزي الصوفية [....] فمشايخ الصوفية الذين أسماؤهم في الطبقات وغير ذلك من

الكتب كلهم كانوا في طريق المقربين». يجد السهروردي نفسه في حاجة إلى القيام بجهد تأويلي للنص والمصطلح، لأن فروع العلوم الشرعية، بل كل فروع الثقافة الإسلامية لا يمكن تشريعها إلا من النصّ ومن ثمّ تبرير الاستقلال الاصطلاحي. والملاحظ

في هذا النصّ المصالحة التي يعقدها الكاتب بين علوم الظاهر (الفقه- التفسير) والتصوف. ووظيفة المصالحة

التوحيد في أصل واحد، وفق جهد قياسي تأصيلي. هذا المثال للتأصيل لا يتعلق بالمضمون الديني فقط لأن المضمون الديني التوحيدي لا يختلف عامّ ثبت في عقيدة الفرقة التي تنتمي إليها الطريقة. فعقيدة الطريقة التي يعرضها عبد الوهاب الشعراني (ت 828 ه/ 1424 م)

مثلا في كتابه الأنوار القدسيّة في معرفة قواعد الصوفيّة لا تختلف عن العقيدة السنيّة الأشعرية في باب التوحيد

والنبوة والمعاد وفي مسألة الذات والصفات. وهذا أمر معلوم لأنّ اختلاف المتصوفة عمومًا ليس في العقيدة

الدينية، فهذا يدخل ضمن باب الإيمان، لأنّ ما يؤسسه التصوّف هو طريقة معرفة الحقيقة الدينية التي هي حقيقة

ذوقية. وهذا التقليد الطرقي بدأ منذ تأسس ما يسمى بالتصوف السنّي. فنجد أبا بكر الكلاباذي في فترة مبكرة

نسبيًا (ت 380 ه/ 990 م) يربط ربط ا عضويًا بين أقوال المتصوفة ومذهب السنّة في شتى المسائل ولم يذكر

خلافًا مع العقيدة السنّية، ثم أضاف في كل مسألة نوع المعرفة التي اختصوا بها. السند السند من الأصول التأسيسية لكل طريقة صوفية، إذ توصل سلسلة السند الشيخ الحالي وصاحب الوقت بسلسلة الشيوخ الذين نقلوا الطريقة إليه وأخذ عنهم الطريق. وكل شيخ لا يملك إسنادًا صريحًا من الشيخ

الذي قبله، بوصية أو شهود، مشكوك في مشيخته. يقول الشيخ إسماعيل الهادفي شيخ الطريقة الإسماعيلية في

توزر من الجنوب التونسي: «لا ينال الإمامة في هذا الشأن إلا من كان حصل له إذن من شيخه في هداية العباد

4 المصدر نفسه، ص.13

5 المصدر نفسه، ص 18.

6 اخترنا السهروردي والشعراني باعتبارهما من أهم المرجعيات الأساسية في التأصيل الطرقي عند شيوخ الطرق إلى اليوم.

7 أبو المواهب عبد الوهاب بن أحمد الشعراني، الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية، حققه وقدم له طه عبد الباقي سرور ومحمد

عيد الشافعي (بيروت: مكتبة المعارف، 1993)، ج 1، ص.26-20

8 جمع الكلاباذي أقوال المتصوفة السنّة في شتى المسائل ولم يقف على خلاف مع العقيدة السنيّة الأشعرية، وذلك أثناء شرحه للمعرفة

التي اختص بها المتصوفة. انظر: أبو بكر محمد بن اسحق الكلاباذي، التعرف لمذهب أهل التصوف، تحقيق أحمد شمس الدين (بيروت:

دار الكتب العلمية،.)1993

وإرشاد الناس ونشر الطريق بصفة لا غموض فيها ولا التواء بالإذن الموروث بالسنّد واحد عن واحد إلى

رسول الله». وفي الكتاب نفسه يدون محاوره (الشيخ منور الميداني وهو ابن الشيخ الميداني أستاذ الشيخ إسماعيل الهادفي وهو

من أجازه في البداية لنشر طريقة الشيخ الميداني التي تسمى بالطريقة المدائنية) قائلا: « سند الطريق: إمامنا سيدنا

ومولانا الأستاذ الشيخ إسماعيل بن عثمان الهادفي رضي الله عنه وأرضاه [....] عن شيخه سيدي محمد الميداني

القصيبي المديوني عن سيدي أحمد العلاوي» [سلسلة الإسناد نلاحظ فيها من المشهورين سيدي أحمد زروق،

ابن عطاء السكندري، أبو العباس المرسي، أبو الحسن الشاذلي، عبد السلام بن مشيش] وصولا إلى «سيدي

الحسن السبط عن سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عن سيد الوجود وبحر الجود ونور الشهود سيدنا

محمد صىلّ الله عليه وسلّم». الطريقة القاسمية تبدأ سندها بسيدي أبي القاسم البلخيري (قدس الله سرّه)

عن سيدي إسماعيل الهادفي [....] إلخ وصولا إلى الرسول. ملاحظات عدة على مسألة الإسناد لقد استندت الطريقة إلى أصل قار في الثقافة العربّية الإسلامية بجميع تلويناتها المذهبية وتفرعاتها المعرفيّة

وهو أصل الإسناد. فتم قياس الطريقة على النواة الصلبة في الفكر الديني وهي ردّ المتن إلى سنده والتثبت من

سلسلة الإسناد، لأن أي انقطاع فيها يضعف الحديث أو يكذبّه. كذلك فإن أي انقطاع في إسناد الطريق يهدّدها

بالزوال أصلا. يمثل السلف والانتساب إلى الرسول وعترته الشريفة مصدرًا دينيًا مه لبروز أي جسم سياسي أو اجتماعي في

تاريخ الحضارة العربية الإسلامية. وهو سمة أساسية في تأسيس الطرق والظاهرة الأوليائية والأجسام السياسية

أيضًا في المغرب العربي. لذلك كثيرًا ما يردّ المتصوفة علومهم إلى بعض الصحابة وخاصّة علي بن أبي طالب،

ومنهم من يردّها إلى الرسول. والملاحظ في سند هذه الطريقة أهنّا ردّت إسنادها إلى الحسن ولم تذكر الحسين،

ربامّ لأنّ رمزية الحسين في المخيال الجمعي الإسلامي تعتبر «ملْكية شيعية» لا يزاحمها فيها المخيال السنّي. إضافة

إلى أن شخصية الحسن كانت مسالمة، أو على الأقل هكذا رسمها المخيال الجمعي السنّي، أو فلنقل مهادنة لبني

أمية مقارنة بالحسين وما حدث معه، أو هكذا تم اختزال الشخصيتين في المخيال السياسي الإسلامي. فاتصل

الإسناد بالفرع الهادئ في أحفاد الرسول والأقل فاعلية في المخيال العربي. تخلق بنية الإسناد التي تتبعها الطريقة مسارًا للمعرفة الصوفيّة الباطنية تشبه مسار الشريعة التي وصلت من

السلف بالراوية والإسناد. هذا المسار يختلف في مضمونه الذوقي الباطني عن المضمون الشرعي الظاهري،

لكنه يتفق معه في قناة التواصل الثقافي في الحقل الإسلامي، بخاصّة أنّ الإسناد خاصية عربية إسلامية بامتياز. فكل من النصوص التأصيلية وأصل الإسناد، قاعدة للنظر وللتأصيل في الفكر العربي الإسلامي. وقد حاول

الإسلام الطرقي بعمليّة قياسية ذهنية تقريب بنية الطريقة وأصلها إلى الشريعة فاشتركا في كيفية تداول المعرفة

الدينية وإن اختلفا في مضمون هذه المعرفة.

9 اسماعيل الهادفي، منن الرحمان في مذاكرات قطب الزمان ([تونس]: مكتبة الربع توزر، [د. ت.])، ص.197

10 المصدر نفسه، ص.20

11 «وينبغي للمريد أن يعرف سند شيخه الذي لقبه إلى النبي (ص) لما ذكره غير واحد من الأئمة من أن الاعتناء بالسند من خصائص

هذه الأمة.. ولأنه أصل هذا الشأن وما عداه متفرع منه، ومن لا سند له في الطريق فهو دعي فيها على التحقيق». انظر: محمد بن عبد الله

التيجاني، الفتح الرباني فيما يحتاج إليه المريد التيجاني (بيروت: المكتبة الثقافية، 1999[])، ص.36

خريف 2012

الطقوس الطرقيّة

لا يختلف أهل الطريق طبعًا عن بقية المسلمين في العبادات، ولكن لهم سلوكات وممارسات دينية أخرى تميّزهم

عن غيرهم من المسلمين، وتدخل في باب «الذكر» ولم تنّص عليها النصوص الإسلامية الرسميّة. ويعتبر

«الذكر» المصطلح الجامع للطقوس الطرقية حتى جعلوه من اختصاصهم من دون غيرهم لما أكسبوه من فنون

أداء وتفريع وأوقات وهيئات سلوكية. بل إن الشعراني يقدم ذكر المتصوفة على الصلاة نفسها في بعض الأحيان.

«فأفضل أوراد المريد الذكر، ولأن الصلاة وإن كانت عظيمة، فقد لا تجوز في بعض الأوقات التي يجوز فيها

الذكر، بخلاف ذكر الله عز وجل لا يُمنع منه في حالة من الأحوال»، فاعتبر الذكر هو أصل العبادة في

الإسلام وعودة المتصوفة إلى الأصل تعطيهم شرعية التأصيل لكل ما سيأتي من طقوس. ونظرًا إلى أهمية الذكر لدى الطرق، فإن ما يجب أن يتميز فيه الشيخ عن سلفه أنه يضيف بعض الأذكار الخاصة

به ويبقي على الأخرى الموروثة. وتختلف أذكاره عما سبقها ويكون قد أخذها عن مصدر إلهي مقدّس بواسطة

إلهام أو عن الرسول بواسطة رؤيا أو مشاهدة. فعندما نتأمّل كيفية أدائها وزمانها وشروطها نلاحظ أن أهل

الطريق استقلوا بعبادات موازية للعبادات الدينية الرسمية. وبها تميّزوا وانتظموا جسامً دينيًّا مختلفًا. لأنّ الطقوس

من الممارسات الثقافية المهمّة التي تساهم في توحيد المجموعة الدينيّة. وسنرى في القسم الثاني من هذا البحث

أبعادها الرمزيّة ومساهمتها في بناء المخيال الطرقي.

ولكن ما يهمنا هنا هو حضور العقل القياسي في التأسيس لهذه الطقوس وجعلها تنهض على الشروط نفسها التي

تنهض عليها الطقوس الدينية الرسميّة. وسنأخذ نموذجًا الطريقة التيجانية لنتتبع البناء القياسي على الأقل في

ثلاث نقاط وهي: أنواع الطقوس وأزمنتها وكيفيتها. أنواع الطقوس يمارس المريد في الزاوية أنواعًا من العبادات منها ما هو مشترك مع جميع المسلمين كالصلاة المكتوبة أو النافلة أو

قيام الليل أو قراءة القرآن، ومنها ما يختص به أهل الطريق، وأهمّها: الورد: هو مجموعة من الآيات المنتقاة والأذكار التي يأمر بها الشيخ مريده ليلتزم بها في أوقات معلومة. ويأخذ

المريد أوراده من الشيخ أو من المقدم المخوّل من طرف الشيخ ليعطي أوراده إلى مريده. ولكل طريقة أورادها.

فتختلف من ناحية العبارة (الصلاة على الرسول والآيات والتوحيد والأدعية) ولكنّها تشترك في المضمون وفي

إلزاميتها. والورد هو ما أخذه الشيخ عن الرسول بعد الفتح عليه بمقام الولاية ووصوله إلى درجة القطبانية

والمشيخة. فهي الرسالة الروحية التي يضطلع بها الشيخ، ولذلك نجد لكل طريقة أورادها. يقول صاحب

الفتح الربّانيفي شروط الطريقة الأحمدية (التيجانية): «[الشرط] العشرون: أن لا يتصدر لإعطاء الورد من غير

إذن صحيح، بذلك قال سيّدنا رضي الله عنه [الشيخ التيجاني]: ذكر أهل الكشف أمورًا إنْ فعل الواحدة منها

ولم يتب منها يموت على سوء الخاتمة والعياذ بالله، وهي دعوى الولاية بالكذب وادعاء المشيخة وهو التصدّر

لإعطاء الورد عن غير إذن». فقاس أهل الطريقة الورد المعطى إلى الشيخ من الله ورسوله على الوحي بالنسبة

إلى الرسول. وحكم الكاذب على الشيخ كحكم الكاذب على الرسول. ويمثّل أخذ الورد الانتماء الفعلي للطريقة

12 الشعراني، ج 1، ص.163

13 المصدر نفسه، ص 86، حيث أن الذكر الذي أقره الشيخ الكتاني على مريديه قد أمره به الرسول في رؤيا رآها.

14 التيجاني، ص.79

15 المصدر نفسه، ص.40

ويذكر مرة واحدة في اليوم. ومثلما تم قياس الورد على النبوة في مستوى المصدر الإلهي أو النبوي فإنه تم قياس

الأداء أيضًا على النص القرآني، يورد الكاتب نفسه حجة: «في البخاري سئل أنس كيف كانت قراءة رسول الله

(ص) فقال كانت وردًا»، وإن الأداء السيئ للدعاء والورد لا يحصل به صاحبه الأجر والمنفعة الروحية مثلها

مثل الأداء الملحون للقرآن «ونقل أن بعضهم دعا الله بدعاء نحو ستين سنة فلم يستجب له فسأل بعض العارفين

عن ذلك وعرض عليه الدعاء فوجده ملحونًا فأصلحه له فدعا به فاستجيب له في الحين»، إضافة إلى مسألة

الجهر بالورد مع الجماعة والسر ومسألة اللباس وستر العورة عند ترتيل الذكر، إلى غير ذلك من شكليات الأداء

التي هي استنساخ طقوسي من الصلاة المكتوبة. فنحن مرة أخرى أمام قياس على الطقوس المنصوص عليها في

الإسلام الفقهي الرسمي في مستوى العبادات. الوظيفة: هي مجموعة من الأدعية لكل دعاء اسمه تتكون عند التيجانية من صلاة الفاتح ومعها جوهرة الكمال

وأدعية أخرى. وتكون مرتين في اليوم « مرة في الصباح ومرة في المساء فتكون حينئذ كالورد». الهيللة: تسمّى هيللة يوم الجمعة، تُذكر ألف مرة ولا تنقص عن الألف. هذا طقس أسبوعي نجد مثله في طرق

أخرى، فكل طريقة لها ما يسمّى باللقاء. اللقاء الأسبوعي للذكر يسمّى عند الطريقتين الإسماعيلية والقاسمية

العمارة ويقام مرتين في الأسبوع (ليلة الجمعة وليلة الاثنين). والهيللة كذلك من المميّزات الطقوسية للإسلام

الطرقي. فكل طريقة تختص بطقس أسبوعي يقام جماعيّا. وعادة ما يكون احتفاليًا، أي يأخذ إيقاعًا معينًا وينتهي

بما يسمّيه أهل الطريق التخمّر (أي الغياب عن الوعي) ويلتزم فيه المريدون حركات جسمانية وصوتيّة منسجمة.

الأذكار: وهي الأدعية التي لا يلتزم فيها المريد بوقت أو عدد. وهي طوعية من دون أمر. تشبه في العبادات

الرسمية المستحبات أو النوافل. تنظيم الطقوس تخضع هذه الطقوس الطرقية لصرامة في الأداء. وتنتظم زمانيًا ومكانيًا وعدديًا كالتالي: التنظيم الزماني: هناك طقوس يومية مثل الأذكار العادية والأوراد والوظيفة. وهناك طقوس أسبوعية كهيللة الجمعة عند التيجانية والعمارة عند الإسماعيلية والقاسمية، وهناك مناسبات سنويّة. فالكثير من الطرق، ومنها

الطريقة القاسمية، تحتفل احتفالا سنويًّا بالمولد النبوي الشريف (ومعلوم أنّ هذه المناسبة ليست من الأعياد

الدينيّة الرسميّة في الإسلام بل هناك مذاهب تحرمها كالمذهب السلفي الوهابي وتعتبرها بدعة)، فيكون مناسبة

لزيارة الشيخ والزاوية الأم. وتندرج ضمن طقوس الحج الطرقي. هذا الترتيب الزمني للطقوس الطرقية يتبع نموذج التنظيم الزمني للعبادات الرسميّة، فهناك عبادات يومية وأخرى أسبوعية (الجمعة) وأخرى سنويّة.

وهذا الانتظام الزمني سيمثل لنا مدخلا مهامً في القسم الثاني من البحث لفهم المخيال الطرقي. وهو في نظرنا تماثل في بنية الزمن الديني بين الإسلام الطرقي والإسلام الرسمي. وكلاهما يعتمد الدورية الزمنية في إطار التصور الديني للزمن.

16 المصدر نفسه، ص.43

17 المصدر نفسه، ص.50

18 «..ومن انتظم في سلك الطريقة في وقت ورد من هذه الأوراد وجب عليه ذكره ولو كان آخر الوقت الضروري له». انظر: المصدر

نفسه، ص.51

19 Mircea Eliade: Le Sacré et le profane , collection Folio. Essais; 82 ([Paris]: Gallimard, 2005), et Le Mythe de l›éternel retour: Archétypes et répétition, collection Folio. Essais; 120, nouv. éd. rev. et augm ([Paris]: Gallimard, 1989).

خريف 2012

التنظيم المكاني: تعتبر الزاوية أطهر مكان لإقامة الذكر، وقد ضبطت الطرق الصوفية أذكارًا يتلوها المريدون

عندما يجتمعون في الزاوية. فيقول الشعراني: «وقد رتبت في الزاوية أن يقولوا كل يوم قبل صلاة الصبح أربعين مرة »[....]. ومن الشروط الأخرى استقبال القبلة، وهو أمر مهم في الذكر «ويتأكد العمل على هذا الشرط،

فقد كان الأجلّة من أصحاب الشيخ يؤكدون على العمل به حتى كأنّه شرط صحّة». ويشترط في المكان الذي

تذكر فيه الوظيفة – عند بعض الطرق - أن يسع ستة أشخاص خلاف الذاكر. الهيئة والكيفية تفترض الطريقة تغييرًا كليّا للمريد بالتزامه بما تتميّز به عن بقية التعبيرات الدينية، بدءًا بتغيير الشكل، وفي هذا

يقول الشعراني: «ومن شأنه إذا دخل في عهد طريق القوم أن يغريّ هيئة لباسه المخالف لهيئة لباس الفقراء». هذه

الشروط العامّة للدّخول في الطريق تصبح أكثر تحديدًا وتقييدًا في مسألة الطقوس وأهمّ هذه الشروط:

الطهارة: «طهارة الحدث إمّا بالماء أو التيمم بموجب على الحدّ الشرعي في ذلك للصلاة [....] طهارة الخبث من

الجسد والثوب والمكان على الحدّ المحدد فيه في الصلاة [....] ستر العورة على الحدّ المحدود فيه في الصلاة شرعًا». الهدوء والصمت: «لأن من أدب أهل الحضرة الصمت عن عبارات اللسان فمن لم يصمت وقع في

سوء الأدب».

الخشوع والخضوع: فيجلس « لقراءة الورد بتأدب وخضوع [....] ومن الشروط [الشرط الثالث عند التيجانية]

استحضار صورة الشيخ رضي الله عنه حال قراءة الأوراد والاستمداد منه، فقد ذكر في الجواهر أن من شروط

الورد لمن قدر عليه استحضار صورة القدرة، يعني سيدنا رضي الله عنه، وأنّه جالس بين يديه.» وأما الكيفية فهي كذلك مشابهة لكيفيات أداء الصلوات والعبادات المكتوبة، فالذكر يفرض شروط ا في الهيئة

وهي «الجلوس لقراءة الورد بتأدب وخضوع بأن يضع راحتيه على فخذيه ويغمض عينيه مطرقًا برأسه وسط

حجره [....] وأحسن كيفيات الجلوس كهيئة الصلاة أو التربيع أو الإقعاد بمعنى الجلوس على العقبين». فلما كان الورد هو أصل الطقوس في الطريقة، حُققت له شروط وكيفيات صارمة تشبه كيفيات الصلاة وشروطها

باعتبارها أصل العبادات الرسميّة. وأصحاب الطريقة يؤصلون لهذه الآداب بالأحاديث التي وردت في آداب الصلاة

المكتوبة. فمثلا ترتيل الورد يقاس على ترتيل القرآن «فلا يسرع في قراءتها ولا يلحن فيها». وفي البخاري عن قتادة:

«سئل أنس كيف كانت قراءة رسول الله (ص) قال كانت وردًا »، فيصبح الأصل هو الورد والفرع هو القرآن.

ويتم التأصيل لهذه الطقوس على أنها فريضة على المريد والمنتمي إلى الطريق دون سواه وذلك بقياسها بسلوك السلف.

يقول التيجاني: «قال سيدي المختار الكنتي [في الكوكب الوقاد] ما نصه: حكم أوراد السلف حكم الفرائض بالالتزام

والعهود والنذر فيجب إعادتها كالفريضة. قال تعالى: «وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم [....]» (الآية).

20 الشعراني، الأنوار القدسية.

21 التيجاني، ص.41

22 المصدر نفسه، ص 47. «(الشرط) الثاني: طهارة الخبث من الجسد والثوب والمكان [....] وقال الرماح في تحفة الإخوان: وللذكر

آداب لابد من ملاحظتها: أن يكون على طهارة كاملة من حدث وخبث.»

23 المصدر نفسه، ص 41. «[الشرط] الرابع: عدم الكلام إلا لعذر ويستثنى من ذلك إجابة الوالد والوالدة والزوجة لزوجها[...]

وينبغي أن لا يتكلم إذا علم أن الإشارة تغني عن الكلام فإن لم تغن فيأتي بالقليل [....] وإن زاد عن ذلك بطل ورده.»

24 المصدر نفسه، ص.41

25 المصدر نفسه، ص 43. وفي مثال آخر يورد التيجاني حديث ستر العورة ليؤصل الشرط الثالث في قراءة الورد وهو ستر العورة،

المصدر المذكور، ص.47

26 المصدر نفسه، ص.46

فقه الطريقة وأحكامها

نعني بفقه الطريقة الأحكام والقوانين التي يفرضها الشيخ على مريديه ولا يلتزم بها إلا من كان في الطريق. وهي أحكام الخاصة التي تنظم الجماعة الطرقية وتميزها عن غيرها. وقد أطلقنا عليها اسم الفقه لأنها – كما سنلاحظ - يتم صوغها وفرضها مثل المنظومة الفقهية الرسمية، على رغم أن التنافر بين الفقيه (الشريعة) والصوفية ميز التراث الإسلامي وما زالت تداعياته إلى اليوم. ويمكن أن نتحدث عن ثلاثة مستويات على الأقل لهذه الأحكام، منها ما يتصل بالانتماء ومنها ما يتصل بالأصول ومنها ما يتصل بالعبادات. الشيخ أصل الانتماء لما كان الشيخ هو الأصل الأوّل في الطرق الصوفية، كان الاعتقاد في الشيخ مبدأ أساسيًا للانتماء. نقل عن

الشعراني قوله: «ويقبح على المريد أن ينتسب إلى مذهب أحد غير شيخه. بل يقلّد شيخه فقط». لأن الشيخ هو الذي يوصله إلى عالم الحقيقة، وهذا المقام هو دائرة الاعتقاد الحقيقية في الطريق ولا يجب عليه أن ينزل دونها: «وإذا انحط الفقير عن درج الحقيقة إلى رخص الشريعة فقد فسخ عهده مع الله تعالى». يؤسس الإسلام الطرقي أحكامًا خاصّة به تنظّم مبدأ الانتماء إليه. وهي أحكام لا تلزم إلاّ المنتمين إلى الحقل

الطرقي. وعمود الأحكام هو مفهوم الشيخ، فعليه تدور بقية الأحكام، لذلك تضبط الطريقة وظيفة الشيخ ورتبته.... وهنا يظهر مبدأ قياس عقدي بنيوي ومهم. وذلك بتأصيل مفهوم الشيخ على مفهوم النبي وتأسيس المشيخة على النبوة. وهذا معلوم في السياق الصوفي عامّة؛ «فكما أنّه لم يكن وجود العالم بين إلهين ولا المكلف

بين رسولين أو لا امرأة بين زوجين فكذلك المريد لا يكون بين شيخين». لذا أطنبت الأدبيات الطرقية في التشديد على الأحكام المتعلقّة بالشيوخ واعتبرت الالتزام بها أساس الانتماء. ويمكن رصد الأحكام المتعلقة بالانتماء في مستويين: أحكام الاعتقاد وأحكام عدم الاعتقاد: الاعتقاد في الشيخ الواحد: قال البسطامي: «من لم يكن له أستاذ واحد فهو مشرك في الطريق. والمشرك شيخه الشيطان». فلا يجوز الاعتقاد بأكثر من شيخ. والاعتقاد بالشيخ يستوجب طاعته وطاعة كل من ينوبه كالمقدّم.

يقول الشيخ التيجاني: «وعليكم بطاعة المقدّم في الورد مهما أمركم بمعروف أو نهاكم عن منكر أو سعى في

إصلاح ذات بينكم». وعلى المريد «أن يحب من يحب شيخه ويبغض من يبغض شيخه». وبهذا تتنزّل كل

الأحكام المتعلقّة بالزيارة للشيخ والوليمة والاستشارة في شؤون الحياة مهما تكن شخصية أو هامشية. قال

27 ولعل التنافر يبلغ اليوم مداه في ما نلاحظه في أول ما تقوم به الحركات الإسلامية السنّية الراديكالية التي إذا تيسرت لها الغلبة تسعى

إلى هدم أضرحة الأولياء الصالحين، بحجة البدعة والخروج عن أحكام الشريعة، مثلما حدث في ليبيا ومالي وأيضًا في بعض المناطق في

تونس ومصر.

28 الشعراني، ج 1، ص.62

29 « [....] وقد كان أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه يقول: من لم يكن له أستاذ واحد فهو مشرك في الطريق والمشرك شيخه الشيطان.»

انظر: المصدر نفسه، ج 1، ص.64

30 المصدر نفسه، ج 1، ص.64

31 في لائحة آداب الطريقة القاسمية نجد أكثر من ستين بندا جلها مرتبطة بالشيخ. أما الطريقة المحمدية فيضبط شيخها عبد الحفيظ

طبابي مئة وخمسين بندا كلها تقريبًا مرتبطة بالشيخ بشكل مباشر أو غير مباشر.

32 أثناء البحث الميداني عن الطريقة القاسمية، وفي إطار الحوارات التي أجريتها مع مجموعة من النخبة المثقفة في القرية والتي كانت

لها توجهات فكرية ومرجعيات فلسفية وثقافية حداثية، فجأة أصبحوا مريدين للشيخ أبي القاسم شيخ الطريقة القاسمية. أحدهم باع

مكتبته الثمينة التي تحتوي عيون المشاريع الفكرية العربية (حسين مروة والجابري وأركون وعلي حرب.... إلخ) لأن الشيخ زار بيته وأشار

عليه ببيعها.

خريف 2012

الشيخ إسماعيل الهادفي عن المريد إنه «يتبع شيخًا عارفًا بالمسالك يقيه في طريقه المهالك يذكر الله إذا رآه ويوصله

إلى مولاه». أحكام عدم الاعتقاد: وتبدأ بعدم الانتقاد، ففي الشرط السادس عشر للطريقة التيجانية « أن لا ينتقد على الشيخ

رضي الله عنه في جميع أقواله وأفعاله وذلك لأن انتقاد المريد على شيخه يجلب له الهلاك ويترتب عليه طرده من

أهل حزبه». وكما رأينا، لا يجوز للمريد أن يتصل بشيخ آخر غير شيخه. وهذا من الدواعي الأساسية لإبطال

الانتماء والمخالفة للطريقة. وقد نبّه عليها جميع شيوخ الطريق، فالشيخ التيجاني يمنع مريديه من زيارة أولياء

آخرين الأحياء منهم وحتى الأموات. ويعتبر الاتصال بشيخ آخر من أهمّ الممنوعات في أحكام الانتماء.

وعليها يبطل الانتماء ويسقط الرابط بين المريد وشيخه والجماعة الطرقية وينعدم الاعتقاد بالشيخ. ذلك لأن رتبة المشيخة هي أعلى رتبة في طريق الصوفية، وهي نيابة النبوّة في الدعاء إلى الله. وعلى هذا القياس تُبنى

أحكام الطريقة. ويوجز الشعراني المسألة قائلا: «إن العبد إذا دخل طريق القوم وتبحر فيه أعطاه الله عزّ وجلّ هناك

قوّة الاستنباط نظير الأحكام الإلهية الظاهرة على حدّ سواء. فيستنبط الطريق واجبات ومكروهات». نلاحظ

أن المصطلحات المعتمدة (استنباطات، مكروهات، واجبات وغيرها) هي المصطلحات الفقهية المعتمدة في باب

الشريعة. بل إن الشعراني يذهب إلى درجة قصوى في تقديم أحكام الشيخ وأوامره على ما سواها من أحكام

لأنه «[....] من شأنه إذا وجهه شيخه في حاجة ورأى الصلاة تقام في مسجد في الطريق فلا يعرج على الجماعة بل

يمضي في حاجة شيخه ثم يصلي بعد ذلك في الوقت [....]» وذلك قياسًا على أمر الرسول لجماعة من أصحابه عندما

بعث بهم في حاجة «لايصلينّ أحد منكم العصر إلاّ في بني قريظة »[....] فنرى أن أحكام الطريقة تتجاوز حتى

أحكام الصلاة - عماد الدين. فأمْر الشيخ مقدّم على أمر الفقيه والطريقة مقدمة على الشريعة عند المنتسبين إليها.

إنها أحكام موازية لأحكام الدين الرسمي بناء على مستويات متعددة من  القياس. إن «تشديد» المتن الطرقي على أحكام الانتماء غايته تأسيس مفهوم الشيخ عقديًا ورمزيًا وسوسيولوجيًا. لأنه

بتأسيس عقيدة الشيخ لدى الجماعة الطرقية تتولد منه كل الأحكام الأخرى وذلك قياسًا على النبوّة. فتأسيس

عقيدة النبوة قضى بأن النبي جاء بأحكام مسنودًا بوحي وعلى المسلمين اتباعها. فشرعية الاتباع وحجته مأتاهما

الاعتقاد بالنبي والإذعان لأحكامه، وعدم مفارقته إلى اتباع غيره. وقد تفنن العقل الطرقي في ترسيخ مقولات

تصب في هذا الإطار من قبيل «من لا شيخ له فشيخه الشيطان» و«من مات ولم يعرف شيخ زمانه مات ميتة

جاهلية» و«من لا شيخ له فهو لقيط». والمتأمل في أحكام الانتماء إلى الطريقة في التراث الطرقي المغاربي بخاصة يجد أن كامّ كبريًا من هذا التراث هو

تراث مناقبي تناول مناقب الشيوخ وأحكم طرقهم ودوّن حركاتهم وسكناتهم وكراماتهم بخطاب أدبي اختلطت

33 الهادفي، ص.39

34 التيجاني، ص.23

35 المصدر نفسه، ص.12

36 الشعراني، ج 2، ص.88

37 يقول الشعراني: «إعلم رحمك الله أن حقيقة الصوفي فقيه عمل بعلمه لا غير فأورثه الله تعالى بعلمه الاطلاع على دقائق الشريعة

وأسرارها حتى صار أحدهم مجتهدًا في الطريق والأسرار كما هو شأن الأئمة المجتهدين في الفروع الشرعية ولذلك شرعوا في الطريق

واجبات ومحرمات ومندوبات ومكروهات». انظر: أبو المواهب عبد الوهاب بن أحمد الشعراني، اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر

(بيروت: دار صادر، 2003)، ج 2، ص.341

38 محمد بن الطيب، إسلام المتصوفة، الإسلام واحدًا ومتعددًا (بيروت: دار الطليعة ورابطة العقلانيين العرب، 2007)، ص.133

فيه الأسطورة بالتاريخ، والعناصر الدينية بالعناصر النفسية والاجتماعية والأنثروبولوجية التي يمكن أن تكون

مدخلا ممتازًا لتاريخ الذهنيات في المغرب العربي. مما سبق نلاحظ أن النظامين اتحدا في أصل ثابت هو أصل الانتماء. فهو أصل معرفي – أيديولوجي ومؤسساتي

(عليه تنبني مؤسسة الزاوية) وبمجرد الاعتراف به شيخًا بالسند والأتباع والكرامة، تأسست معه باقي

الأصول والأحكام. بل إن تسمية الطرق الصوفية بأسماء شيوخها تعتبر من السمات المميزة لكثير من الطرق

الصوفية المغاربية. أحكام الطقوس الطرقيّة لقد عامل أهل الطريقة الطقوس الخاصّة بهم معاملة العبادات المكتوبة في الدين. فحدّدوا لها أحكامًا وضوابط

لأدائها على أحسن حال حتى تنال القبول. واعتمدوا المنطق نفسه المتخذ في باب الشريعة لبناء تلك الأحكام،

إذ بدأوا بتأصيل فضل تلك الطقوس ثم حددوا وظائفها العقدّية، ومن ثم تسنّت لهم إحاطتها بصرامة الأداء

واتّباع الأحكام. واذا ما وجدوا تعارضًا بينها وبين المقولات الفقهية الكبرى وفّقوا بين الحكمين. فضل الطقوس: صلاة الفاتح في الطريقة التيجانية تعدل ستة آلاف ختمة من القرآن. وأمّا من أخذ الورد

وداوم عليه إلى الممات ف «دخل الجنّة بغير حساب ولا عقاب هو ووالده وأزواجه وذريته إن سلم الجميع من

الانتقاد» أي انتقاد الشيخ، فلا حصول للفضل إذا لم يحصل الاعتقاد بالشيخ وفضله. الأحكام الخاصة والتفصيلية: لما تأسس الأصل الأوّل الذي عليه بنيت بقية الأصول تيسر صوغ الأحكامّ

التفصيلية، فالشروط الخاصّة بالشخص عند التيجانية ثلاثة، واللازمة للأوراد سبعة. ومن لم يستكمل الحادي

والعشرين شرطًا التي أعدها على الترتيب ليس من أهل الطريقة (التيجانية) أي ليس من أهلها الكاملين

الراسخين فيها. ومرة أخرى نلاحظ العبارة الفقهية المعتمدة. ومن هذه الأحكام مسألة التقديم والتأخير في الأوراد. « فمن أراد أن يقدّم ورد الصباح فليقدمه بعد العشاء

بساعة قدر ما يقرأ القارئ خمسة أحزاب». ولا يجوز ترك الورد مطلقًا لأهميّته فهو الشرط العملي للانتماء بعد

الشرط الاعتقادي (وهو الشيخ). لذلك إذا ما نسيه، عليه القضاء. أمّا ذكر الجمعة بعد العصر الهيللة «إذا فات

وقته فلا يقضى بخلاف الورد والوظيفة فإهنمّا يقضيان أبدًا وأمّا المريض والحائض والنفساء فهم مخريّون في قراءة

الورد وعدمها [....] ووجه تركه للحائض ما هو معلوم من إسقاط الصلاة عنها مدّة الحائض». هذه الأمثلة المأخوذة من الطريقة التيجانية (وكل الطرق لها المنطق نفسه في أحكامها) تظهر القياس في صوغ

39 يعتبر لطفي عيسى من المتخصصين المميزين في دراسة المناقب. انظر على سبيل المثال: لطفي عيسى: «مغرب المتصوفة، الانعكاسات

السياسية والحراك الاجتماعي من القرن 10 م إلى القرن 17 م،» (أطروحة دكتوراه الدولة، مركز النشر الجامعي، كلية العلوم الإنسانية

والاجتماعية، تونس، 2005)؛ كتاب السير: مقاربات لمدونات المناقب والتراجم والأخبار (تونس: دار المعرفة للنشر، 2007)؛ مدخل

لدراسة مميزات الذهنية المغاربية خلال القرن السابع عشر (تونس: دار سراس، 1994)، وأخبار المناقب في المعجزة والكرامة والتاريخ

(تونس: دار سراس،.)1993

40 في المثال الميداني الذي اشتغلنا عليه، وهو الطريقة القاسمية في مدينة الرديف في الجنوب التونسي، تسمت هذه الطريقة باسم الشيخ

أبي القاسم الذي خلف الشيخ إسماعيل بعد وفاته عام 1994. وكانت تسمى الطريقة الإسماعيلية وكان تابعًا للطريقة المدانية نسبة إلى

شيخها محد القصيبي المديوني الذي كان بدوره منتميًا إلى الطريقة العلاوية نسبة إلى الشيخ أحمد العلاوي المستغانمي. فكلما استقل الشيخ

بطريقة بالسند أو بوفاة الشيخ المربي تسمّت الطريقة الناشئة باسم الشيخ الجديد.

41 التيجاني، ص.70

42 المصدر نفسه، ص.82

43 لاحظنا هذا مع الطرق الثلاث التي اشتغلنا عليها في منطقة الرديف وهي الإسماعيلية والقاسمية والمحمدية.

خريف 2012

الأحكام التفصيلية على الشريعة بالتأصيل على أصل وهو أقوال الشيخ. لذلك نجد المريد التيجاني صاحب

الفتح الربانييتتبع أقوال شيخه ويشرحها وإذا وجد فيها تعارضًا مع الأصول الكبرى للشريعة التجأ إلى

التوفيق. وهذه سمة أخرى من سمات التفكير الفقهي الذي قيست عليه أحكام الطريق. التوفيق في الأحكام يبدو أن تراكم الممارسات الطقوسية والطرقية أفرز تعرّجات واختلافات في الآراء بين الطرق وداخل الطريقة

الواحدة، فكان الاحتكام دائامً إلى الخطاب الطرقي الأول، أي خطاب الشيخ المؤسس، وعندما تقادم عهده

أصبح موضع تأويل واختلاف. وعندما يتعارض هذا النص مع المستجد من الأمور في تاريخ الزاوية أو مع

الخطاب الديني الرسمي، فإن الخطاب الطرقي ينحو نحو التوفيق بضرب من التأويل يجمع بين المتباعدات. فالشيخ التيجاني لا يجوّز قراءة ذكر «جوهرة الكمال» بالتيمم، «فوحده لا يجزي». ويجب معها الوضوء، أنكر

عليه خصومه ذلك لأنّه فضّلها حتى على الصلاة المكتوبة (الدين الرسمي). يعلل مريده ذلك قائلا: «فيجاب

عنه أن اشتراط الطهارة المائية لها لا يقتضي تفضيلها على ما ذكره [الخصم] بل هو من الأمور التعبدية ولعلّ لها

سرّ لا يحصل إلا بالوضوء».

و يبرر المريد شروطًا أخرى اشترطها الشيخ لإقامة الذكر كنشر إزار في الحلقة أو إيجاد مكان يسع ستة أشخاص

لأنّه المكان الذي يسع الرسول والخلفاء الأربعة ومعهم الشيخ. كما أنّ اختلاف حركات ذكر الهيللة بحسب

المناطق «لا يوجد من المعرفة والإتقان إلا في أهل الحواضر كأهل فاس ومن في معناهم وأمّا غيرهم من أهل

الصحارى ومن في معناهم من أهل البادية فتجنب العمل على تلك الطريقة أولى في حقهم بل الحق في منع ذلك

إلا على أهل الحواضر، نعم دعوى تقديم الكيفية التي عليها أهل فاس [حيث عاش الشيخ التيجاني»]. إن عملية التوفيق والترجيح الناشئة عن اختلاف الرأي حول بعض المسائل في الإسلام الطرقي ناتجة من تطوّر

الطريقة في سياقها التاريخي والمؤسساتي وورود وضعيات مختلفة عن زمن الجيل المؤسس (الشيخ المؤسس.)

فيأتي التوفيق بين الخطاب الرسمي التأسيسي للشيخ ومقتضى الحال أو مقتضى الشريعة. وهذا العقل التوفيقي

من الاستراتيجيات الأصيلة للعقل الفقهي لتخطي صعوبات الراهن وإجراء الخطاب وتمريره. والتوفيق

في الأحكام وبين الأصل الثابت والمستجد الطارئ كذلك من الإجراءات الذهنيّة التي تساعد على استمرار

الخطاب الديني عامّة. ولما لاحظنا وجود العقل التوفيقي نفسه في الإسلام الطرقي والإسلام الرسمي، نرى مرّة

أخرى أنّ هذا الخطاب ما كان له ليستمر في الفضاء الإسلامي لولا ارتكازه إلى النواة المعرفية الصلبة الإسلامية

وبنية تفكيرها، وهي النواة الفقهية بعقلها القياسي وإمكاناتها التوفيقية. نخرج بعد هذا العرض السريع لبنية العقل الطرقي إلى النتائج التالية: ما كان الإسلام الطرقي ليضمن شروط استمراره الإبستيمولوجية في الفضاء العربي الإسلامي لولا محاكاته

للبنية العقلية الفقهيّة القائمة على القياس كأصل معرفي جامع ومهيمن على الخطاب الإسلامي الرسمي. وعليه

فإن الجزء [خطاب الجماعة] كي يستمر داخل الكل (خطاب الأمة) لا بدّ من أن يشترك معه في العمق البنيوي

النظري. ولا بأس في أن يختلف معه في المضمون الظاهري. وفي حالة التعارض يتّم التوفيق. فلابد من القياس

على الأصول النظريّة لتأسيس الفروع (تأصيل الولاية على النبوة والذكر على الصلاة ثم يسهل بعد تأسيس

44 المصدر نفسه، ص.14-13

45 المصدر نفسه، ص.91

46 المصدر نفسه، ص.86

متطلبات الطقس الديني الطرقي من طهارة وكيفيّة أداء وتوفيق). وأمّا التوفيق ففي الفروع كي لا يظهر

الانزياح عن المشرك البنيوي.

انتهى الإسلام الطرقي من حيث بدأ التصوف النظري. فهذا التصوف بدأ تأسيسه النظري بالصراع المعرفي

التاريخي مع الفكر الفقهي والعقل القياسي وانطلق نحو عقل عرفاني لا يقيس على أصل وإنما يلامس حقيقة

الأصل. حينها كان تصوفًا فرديًا وتجربة شخصية غاية في الفرادة. ثم انتهى منذ القرن الحادي عشر للهجرة

عندما استوى طريقة وجسامًاجتماعيًا، محمولا على أعناق جماعات تمضي به تشق تاريخها. فأسس لنفسه شرعة

وطقوسًا وأصّلها بحسب النموذج الفقهي في القياس. وفي الحالة المغاربية اختط طريقه المخصوصة في الأسلمة،

بل وفي نشر «انتشار الإسلام السنّي المالكي مغربًا وتوسيع قاعدة الاعتماد على أحكامه بين غالبية سكان هذا

المجال».

تدشّن بنية العقل الطرقي القائمة على الأصل القياسي، مصالحة معرفيّة مع الإسلام الرسمي وتقييدًا إبستيمولوجيا

للتصوّف النظري المعارض و«المندفع». وهذه المصالحة المعرفية مع الفقهاء [العقل الفقهي] واكبتها مصالحة

سياسيّة مع الحكم السياسي المسنود من الفقهاء. ونموذجه في ذلك الفضاء المغاربي الذي تميّز بالتناغم الكبير

بين الحاكم والفقيه. ولعلنا بفهمنا للعقل الطرقي نصل إلى الشروط السياسية والمعرفيّة العميقة لازدهار

الطريقة في هذه المنطقة، إضافة إلى الشروط التاريخيّة والاجتماعية.

بنية المخيال الطرقي

يهدف بحثنا إلى الحفر في القاع الرمزي الذي يستند إليه الخطاب الطرقي. فبعد أن حدّدنا بنية العقل الطرقي،

نحاول أن ندرس بنية العالم الطرقي. ونعني بالعالم الطرقي تصوّرات «أهل الطريقة للزمان والمكان وللأنا

وللآخر، أي رؤيتهم للعالم. هذه الرؤية ما زالت تنتج خطابًا دينيًا موازيًا لخطابات دينية أخرى. فهل أنّ التباينات

الظاهرة في مضمون الخطاب الديني الطرقي وبقية الخطابات الدينية تعني اختلافًا في بنية المخيال الذي يستند

إليه كل خطاب، أم أنّنا أمام مخيال إسلامي ذي بنية رمزية عميقة تعربّ عن نفسها في خطابات دينية مختلفة...؟ أولاّ نقصد بالمخيال مخزن الصور والرموز والأساطير التي تختزنها الذاكرة الفردّية أو الجماعيّة في ثقافة ما. هذا

المخيال هو ما ترسّب في الثقافة من تمثلات للعالم. هذه الصور والنماذج الرمزيّة توجه المواقف السلوكية لدى

الأفراد والجماعات. فلنقل أهنّا توّجه الخطاب وبالتالي توجه العقل. وهذا يعني أنّه لا يوجد تعارض بين المخيال

والعقل في الثقافة البشريّة، «كما أنّ الحديث عن المتخيّل لا يعني البتة التبرّم من الواقع والتعالي عليه، لأ ن لرموز

المتخيل قدرة خارقة على التغلغل في الواقع لدرجة تصبح فيه قوة ماديّة تحدث تأثيرًا بالغًا في الناس بسبب

سحرها وجاذبيتها».

47 ابن الطيب، ص 95 وما بعدها.

48 عيسى، «مغرب المتصوفة،» ص.12

49 نللي سلامة العامري، الولاية والمجتمع: مساهمة في التاريخ الديني والإجتماعي لإفريقية في العهد الحفصي (بيروت: دار الفارابي،

2006)، ص 490.

50 عيسى، المصدر نفسه، ص.506

51 المصدر نفسه، ص.526

52 Malek Chebel, L’Imaginaire arabo-musulman , sociologie d’aujourd›hui (Paris: Presses universitaires de France, 1993), p. 329.

53 نحن نميل إلى استعمال مصطلح المخيال (L’imaginaire) لأن صيغة مفعال تحيل على الآلة وهنا نحن أمام آلة أو جهاز ينتج الصور

والرموز ويهضمها.

54 محمد نور الدين أفاية، الغرب المتخيل: صور الآخر في الفكر العربي الإسلامي الوسيط (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2001)، ص.32

خريف 2012

هذا المخيال له بنيته وآليات اشتغاله كما للعقل آلية اشتغال في المقابل. فأمّا آلة العقل فهي الخطاب واللغة، وأمّا آلية

المخيال فهي الصورة التي تختفي وراء الخطاب اللغوي ووراء بنية الوعي. ولقد مثّل مفهوم الصورة مفتاحًا مركزيًا

لفهم الثقافات عند الأنثروبولوجيين. وقد وظّف جيلبير ديران (G. Durand) هذا المفهوم ليصل إلى تفكيك

البنى الأنثروبولوجية المتحكّمة في الثقافة عمومًا، وذهب إلى أنّ المخيال يتكوّن من صور ظاهرة نراها ونستعملها

ونتمثلها في سلوكنا (اللباس أو الهيئة....) وهي تعربّ عن رموز نتفق في معناها ونتداولها على ذلك المعنى. تلك

الرموز تنتظم في نماذج أصليّة (Archetypes) (وهي نماذج رمزية ثابتة في ثقافة ما في مرحلة تاريخية ما. مثلا

النموذج الأصلي للمسلم هو صاحب لحية ويرتدي عمامة، وصورة الهنود الحمر لها نماذج أصلية راسخة في الثقافة

الأميركية). تترتب تلك النماذج الأصلية ضمن نسق أسطوري يستجيب بدوره إلى مخططات ذهنية ثلاثة هي مخطط

الصعود ومخطط النزول (أو العمق والكمون) والمخطط الموقّع (من الإيقاع) الدوري. ويرى ديران أنّ الإنسان يتمثّل العالم بطريقتين: طريقة مباشرة تكون فيها العلامة حينها علامة اعتباطية (مستوى

اللغة) ودورها إشاري يعربّ عن العالم كما هو. والطريقة الثانية تتمثّل فيها الأشياء الغائبة من خلال استحضار

الصورة فيكون دور العلاقة حينها استعاريّا فتحيل على واقع يصعب تقديمه.

سنحاول بإيجاز استخراج ملامح المخيال الذي يعربّ عنه الخطاب الطرقي، ويمكن أن نقتصر على ثلاث نقاط

نراها مهمّة ولافتة في الخطاب الطرقي. النقطة الأولىتتعلق بالنسق التصاعدي في بنية الخطاب اللغوي،

والنقطة الثانية تتعلق بالنسق الدائري في تنظيم الزمان والمكان، والنقطة الثالثة متعلقة بالنسق الدوري في

الخطاب الطقوسي. رمزيّات الصعود إنّ التماثل الوظيفي بين الشيخ والنبي في مستوى الخطاب الديني لا يعني تماثلا في النسق الرمزي المتحكم

بالصورتين وكيفية حضورهما في المخيال العربي الإسلامي. فالنبي مرتبط بالسماء ارتباط نزول من خلال رابط

الوحي المحمول بواسطة جبريل. هذا الفهم الديني يجعل الاتجاه النوراني من الأعلى إلى الأسفل. وهنا تحتشد في

النص الديني كل الصور الدالة على اتجاه النزول، تظهر في الحقل الدلالي لمعنى النزول في صورة الظلام والفراغ

والحفر وكل النماذج الأصلية الدالة على الدواخل. فعلاقة المقدّس بالمدنس في صورة النبي المرسل هي علاقة

إنزال واختراق تظهر من خلال الاتجاه من الأعلى إلى الأسفل. هذ الاتجاه نراه مقلوبًا في صورة الشيخ وعلاقته

بالمقدّس. فلئن اشترك مع النبي في الصور ورمزيات النور والصعود والقيادة، فإن الاتجاه المتحكم في النسق

الرمزي الذي يتخذه الشيخ في الوعي الطرقي هو الاتجاه من الأسفل إلى الأعلى، يبدأ من حيث انتهى النبي

للعودة إلى الأصل العلوي المتحكم في اتجاهات الرموز منه وإليه. هذا الانقلاب الرمزي في الاتجاهات من المقدس وإليه يفرسّ الخطاب الديني الظّاهر والأصولي في الإسلام

الصوفي عمومًا والإسلام الطرقي بخاصّة. هذا الإسلام الذي يبني نظريته دائامً من داخل المنظومة الإيمانية يمثل

55 ميرسيا إلياد، صور ورموز، ترجمة حسيب كاسوحة (دمشق: منشورات وزارة الثقافة السورية،.)1998

56 Gilbert Durand, Les Structures Anthropologiques de l’imaginaire , Psycho Sup, 11ème éd. (Paris: Dunod, 1993), p.

عرضنا هذا المفهوم وحاولنا تطبيقه على صورة القيامة في الثقافة العربية الإسلامية، انظر: حسن مرزوقي، «صورة القيامة في التفسير:

الطبري والرازي أنموذجًا،» (دراسة أعدت لنيل شهادة الدراسات المعمقة، كلية الأداب منوبة)، الباب الثالث.

57 محمد نور الدين أفاية، «الرموز والمتخيل: نموذج جيلبير ديران،» الفكر العربي المعاصر، العددان 53-52 (أيار/مايو – حزيران/

يونيو 1988)، ص.100

الدائرة العليا أو الأرقى في المنظومة الإيمانية وهي دائرة الإحسان. ومرحلة الإحسان هي التي تبدأ حيث ينتهي

الايمان ليدخل في مراقي الحقيقة والإحسان. ومدار التحكم والقيادة في هذا المجال للولي أو الشيخ. مثلما أن

مدار الإسلام [الشريعة] استأثر بها الفقيه ودائرة الإيمان والعقيدة استأثر بها المتكلم واستأثر الصوفي بالإحسان

ومجال العرفان. «لأنّه من كشف له الغطاء عن هذا النوع من العلم فإنمّا يفتح له في الغيب - الأعلى، حتى لاحظ

ملك الملْك بعد أن قوّم ثم هذّب ثم أدّب ثم نقى ثم طهّر ثم طيّب ثم وسّع ثم عوّذ. فتمت ولاية الله له وصلح

في المجلس الأعلى من مجالس الأولياء بين يديه». يبدو اتجاه الصعود في هذا التحديد للولي (الشيخ) في ثلاثة مستويات خطابية: - الدلالة اللغوية المباشرة لكلمة «الأعلى.» - بنية الخطاب القائم على التصاعد في دلالة الأفعال المسطرة وإيقاعها التصاعدي. - بنية الصورة المتدرجة في النظافة والطهارة، فنحن أمام أداة أو آلة تبدأ بالتقويم والتنظيف والتطهير والتطييب

والحماية (عوّذ بالتعاويذ) لينتهي بين يدي ملك الملْك..... ويمكن فهم رمزية الصعود من بنية التقابل التالية: التقابل الأول بين الولي والنبي: يعرّف الجرجاني النبي بأنه «من أوحي إليه بملك أو أ لهم في قلبه أو نبه بالرؤيا

الصالحة. فالرسول أفضل بالوحي الخاص الذي فوق وحي النبوة لأ ن الرسول هو من أوحى إليه جبريل خاصّة

بتنزيل الكتاب من الله» فنلاحظ رمزية الاتجاه من الأعلى إلى الأسفل من خلال الدلالات المباشرة (تنزيل،

بعثه، تبليغ) أو غير المباشرة (وحي، جبريل.) في حين يعرّف الولاية ب «العارف بالله وصفاته بحسب ما يمكن المواظب على الطاعات المجتنب عن المعاصي

المعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات. «والولاية» من الولي وهو القرب فهي قرابة حكيمة حاصلة

من العتق أو من الموالاة». ويبدو الاتجاه المعاكس لاتجاه النبي أولّا من خلال التعريف بالضدّ، فالانهماك

والانغماس يحيلان على الاتجاه السفلي. وعكسه الصعود والخروج. وثانيًا من خلال التعريف الإيحائي بواسطة

كلمة «القرب» المرتبطة بالمقدّس. فهذه التعريفات تحيل على هذين النسقين الرمزيين المتقابلين في الاتجاه والمتفقين

في المضمون الرمزي (الطهارة، الصفاء، النور.) التقابل الثانيبين عالمين: وهذا شائع في الخطاب الديني عمومًا والخطاب الصوفي الطرقي خصوصًا. يقول

الشيخ المرصفي: «لا يفتح على المريد بشيء من المواهب وهو يستحضر في ذهنه شيئًا من الكون. إذ الفتح لا

يكون إلا لمن شهد الحق تعالى بقلبه وغاب عامّ سواه». هذه المقابلة تتّم بين مستويين: الأسفل والأعلى. أمّا

58 جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم «[....] فقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟، قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله

وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت، فعجبنا له يسأله

ويصدقه!فقال: فأخبرني عن الإيمان؟، قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال:

صدقت..قال: فأخبرني عن الإحسان؟، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك [....]» (الحديث) وهو يعتبر من الأدلة

المؤسِّسة للخطاب الطرقي.

59 محمد بن علي الحكيم الترمذي، كتاب ختم الأولياء (بيروت: دار الكتب العلمية، 1999)، ص 22، الأفعال نفسها يكررها

الترمذي ص 25 ثم يقول: «فتمت ولاية الله له بهذه الخصال العشر فنقل مرتبته إلى مالك الملك فرتب له بين يديه وصار يناجيه كفاحا.»

60 علي بن محمد الجرجاني، التعريفات (بيروت: دار الكتاب اللبناني؛ دار الكتاب المصري، 1991)، ص.249

61 المصدر نفسه، ص.266

62 الشعراني، ج 1، ص.86

خريف 2012

الأسفل فتتصل به رمزيات الظلام والحفرة وكل ما يسميه ديران النسق الأسطوري الليلي. والنسق الأعلى تتعلّق

به رمزيات النور والسيف والقيادة وكل ما يسميّه ديران النسق النهاري. رمزية المركز تُعتبر رمزيات الصعود سمة أنثروبولوجية قارة في الخطاب الديني. ففي عالم المقدّس لا بدّ من أن ننطلق من

مركز وقطب يكون إمّا شخصًا كاريزماتيًا كشيخ في الطريقة، وإمّا من مكان مقدّس كالزاوية باعتبارها مركزًا

مكانّيًا تتكثّف فيه دلالة القداسة وسط محيط مدنّس. يقول المرصفي: «من جلس بين فقراء الزاوية والتفت

إلى معلوم دنيوي وقف عن السير وأفسد ضعفاء فقراء الزاوية وكان عليه وزر ذلك فيجب عليه الخروج من

الزاوية». ويقول الشعراني: «إنما جعلت الزاوية للعبادة وكف البصر عن رؤية الشهوات، فمن جلس على

باب الزاوية فلا فرق بينه وبين الجالس في السوق». فهذا المكان غاية في القداسة تقابله أمكنة مدنسة [السوق]

تنتمي إلى الزمن اليومي الذي لا يحمل أي دلالة مقدسة. وباب الزاوية يفصل بين فضاءين وجوديين: فضاء

أصلي وحقيقي وفضاء مزيف. أما المركز الزمني أو نقطة التمركز الزمني في البنية الزمنية للطريقة، فيتمثل في لحظة الذكر. فهي لحظة غير تاريخية،

أي غير فيزيائية، وإنمّا تتميّز بامتلاء رمزي لارتباطها بدلالة المقدّس «فإذا ذكر المريد ربّه بشدّة وعزم، طويت له

مقامات الطريق بسرعة من غير بطء». هذه المركزية الكاريزماتية (الشيخ) والمكانية (الزاوية) والزمنيّة (لحظة

الذكر) هي مركز رمزيات الصعود التي تنظم بنية المخيال الطرقي. رمزية الصعود المنطلقة من مركز رمزية قديمة في الأديان تعود إلى أعماق التاريخ. كما أهنّا منتشرة في كل الثقافات.

يقول ميريسا إلياد: «بوسعنا أن نذهب إلى أبعد من ذلك فنقول: بالإمكان أن نبرهن أنّ رمزية المحور الكوني

كانت معروفة في ما مضى عند أبناء الثقافات الموغلة في القدم. وتأتي في طليعتهم الشعوب القديمة القاطنة في

القطب الشمالي وفي أميركا ا الّ» تينية. ويذكر إلياد وضعيات مشابهة لما نلاحظه في العالم الطرقي، ولكن في

ثقافات أخرى بعيدة عنها في الزمان والمكان، ما يثبت أنّ المخيال الطرقي يكتسب قوّته من اعتماده الأنساق

الرمزية الصلبة في الثقافة الإنسانية. لأن رمزية المركز تمثل مسألة بنيوية في ثقافة الإنسان. كما أن مسألة المركز

المقدّس تمثل فكرة أساسيّة في التراث الديني والأسطوري.

ولعلّ اعتماد الطريقة رمزيّة الصعود ورمزية المركز في الخطاب الذي تؤسسه من ناحية، وفي تنظيمها الفضاء من

ناحية أخرى، يجعلها تعبيرًا دينيًا مستقلا، ولكن يستند في بناه العميقة إلى البنى الصلبة في المخيال الديني. لذلك

أول ما تطالعنا رمزيات المركز في التسميات التي تطلق على الشيخ من قبيل «القطب» فهو المركز الذي تدور

عليه الأشياء، والقطب هو الشيخ الذي يدور حوله عالم الطريقة. وأمّا زاوية الشيخ فهي بدورها تخضع لمفهوم

المركزيّة ومرتبطة بأشكال توسيع دوائر المقدّس عند المعتقدين في قداسة المكان وكثافته الدلالية والرمزية. فخلوة

الشيخ تمثل بالنسبة إلى المريد مركزًا. لذا تلحّ آداب الزوايا على عدم دخول خلوة الشيخ من دون إذن. ثم يصبح

بيت اللقاء (وهو البيت الذي تقام فيه الطقوس من ذكر وحضرة صوفية) الدائرة من الثانية في التقديس. وبعد

63 المصدر نفسه، ج 1، ص.82

64 المصدر نفسه، ج 1، ص.84

65 المصدر نفسه، ج 1، ص.88

66 إلياد، ص 60 وما بعدها.

67 Mircea Eliade, Traité d’histoire des religions, préface de Georges Dumézil, payothèque (Paris: Payot, 1974), p. 145.

ذلك الزاوية، وصولا إلى المدينة التي تقع فيها الزاوية. لذلك لاحظنا أن زوار الشيخ أبي القاسم البلخيري شيخ الطريقة القاسمية في الرديف يخلعون نعالهم في شوارع المدينة ويمشون حفاة باعتبارها مدينة الشيخ، ثم يأخذون حفنة تراب وماء من الزاوية عندما يعودون إلى مدنهم. رمزية المركز مرتبطة بالشيخ وحضوره في الزمان والمكان، لأن حضوره يمثّل غياب جميع الحضور ويمدّ بمركزيته

الحلقة أو الزاوية أو الحيز الزمني بدلالته المقدّسة المتعالية. هذه الدلالة تستدعي دلالة الصفاء لأ ن المكان المحيط

بالمركز مكان طاهر والزمان زمان أصلي صاف. لذلك فإنّ لحظة الذكر متعالية على الزمان، إنها لحظة الوجود

الحقيقي والأصلي لأنها مرتبطة بالمقدس وحضوره في المكان. ولعلّ التسميات المكانية في الزاوية توحي برمزيات حضور المقدس في الفضاء كبيت اللقاء أو الحضرة (الإلهية.) والقوة الرمزية لدلالة المركز في عالم الطريقة تتمثّل في كونه نقطة الانطلاق والصعود نحو الأعلى والتعالي عن

الفضاء المدنّس. يقول الشعراني: «فاعلم أنّه لا ينبغي للمريد قطع مجلس الذكر قبل أن تحصل له الغيبة عن

الكون لأنّ من قطعه قبل هذه الغيبة فكأنّه لم يذكر الله شيئًا من حيث الثمرة التي هي الرقي».... ولتطهير

المكان المدنس لا بد من أن ننزّل فيه المقدس. ويحضر المقدّس في المكان المدنّس ليدشن لحظة جديدة حقيقية،

فيستدعي المريد شيخه وإخوته ليقيموا حلقة ذكر في بيته لتدشين ذلك الفعل الاجتماعي (زواج، بناء بيت، ختان، نجاح....) أو لمباركة المكان وتطهيره وربط السياق التاريخي بالسياق المقدّس. بعبارة أخرى تنزيل

المقدّس في التاريخ على حد عبارة محمد أركون. و لعّل من الآداب الملحّة في الطريقة «أن لا يسافر [المريد] ولا يتزوّج ولا يفعل فعلا من الأمور المهمّة إلا بإذنه

[أي الشيخ] ومنها أن لا يمشي أمامه ولا يساويه إلا في ظلام فيتقدم عليه ليحفظه من الطوارق». وهكذا، فإذا ما ساهمت رمزية الصعود في تحقيق انتظام رمزي بين الأرض والسماء في تمثّل العالم في الحقل

الطرقي، فإن رمزية المركز تحقق الانتظام الرمزي للعالم الأرضي لتحديد أمكنة المقدّس وأزمنته وإقصاء فضاءات

المدنس وأوقاته. فتقحم الزمن المقدّس في التاريخ بزحزحة ذلك المركز من إطار الخطاب الديني النظري الفكري

إلى الإطار السلوكي اليومي (آداب الزاوية، آداب مجلس الذكر ووقت الذكر....). هذه الدائرية في النظرة إلى الزمان والمكان تترسخ بنسق دوري، تعمقه الطقوس الطرقيّة المختلفة - جزئيًا أو كليًا - عن الطقوس التي

يفرضها الدين الرسمي. النسق الدوري رأينا أن الخطاب الطقوسي الخاص بأهل الطريق يمثل خطابًا طقوسيًا موازيًا أو مستقلا عن الخطاب الطقوسي

الرسمي. ولاحظنا في القسم الأوّل من الدراسة كيفية اشتغال العقل الطرقي وتنظيمه لتلك الشعائر. وفي هذا

القسم نتجاوز البعد الفقهي الديني في التأصيل لننظر في بنية التأصيل الرمزي ومنطقه. أي نبين كيفيّة اشتغال

المخيال الطرقي لإنتاج خطاب طقوسي يلقى قبولا ويؤسس «فقهًا». لأننا نعتقد أن المعقولية الفقهية الممثّلة في

العقل القياسي لا بدّ لها من بنية رمزية تسندها، تلك البنية تحتكم في هيكلتها إلى المخيال الديني عامّة والإسلامي

خاصة. ومن ملامح هذه البنية الرمزيّة انتظام الطقوس دوريًّا. أي ضبط مواقيت محددّة تشّد أطراف الزمن

الديني لدى المريد فيدور زمنه على إيقاع تلك المواقيت. وتتوزع هذه الدورية كالآتي:

68 الشعراني، ج 1، ص.87

69 التيجاني، ص.31

خريف 2012

- دورية يومية كالأوراد التي ذكرنا وقتها في الطريقة التيجانية. -دوريّة أسبوعية عند الطريقة التيجانية لإقامة هيللة الجمعة، ونجد عند الطريقة القاسميّة العمارة [ذكر يشبه

الهيللة] ليلة الجمعة وليلة الاثنين.

-دورية سنويّة، فنجد عند الطريقة القاسمية طرقًا أخرى عديدة. فمناسبة المولد النبوي مناسبة دوريّة ليحج

المريدون إلى شيخهم. هذه الدوريّة الطقوسيّة في الحقل الطرقي هي نفسها دوريّة الطقوس الرسميّة (الصلاة المكتوبة، الجمعة، الأعياد

الرسميّة....). فيصبح النسق الطقوسي الدوري في الخطاب الطرقي وسيلة مهمة من وسائل التأصيل الرمزي

للإسلام الطرقي حينما يماثل في بنيته الرمزية البنى الصلبة في المخيال الديني [الأعياد الرسمية الأسبوعية

والسنوية]. فلا أهميّة لأيّ طقس ديني إذا لم يكن دوريّا.

وأمّا مضمون الطقس الدوري، فوظيفته ملء زمن المريد بدلالة دينيّة طرقيّة، أي التميّز على الدلالة الدينية

العامّة للزمن الديني. وذلك بإضافة مفهوم الشيخ باعتباره مصلح الزمن ومخرجه من الفوضى والضياع وضابط

حركته. لذلك يشترط في لحظات الذكر المتعالية عن الزمن التاريخي أن يتمّ استحضار الشيخ كما رأينا. وتبدو

الدوريّة كذلك في الحركة الدوريّة لطريقة أداء الذكر. فالشيخ يقيم الأذكار على نحو تكراري (تكرار الاستغفار

مائة مرة مثلا....). وهنا تلتقي الدوريّة مع الدائرية في بنية الذكر على الأقل في:

حلقة الذكر التي يفترض فيها شكل الدائرة في كثير من الطرق وأحيانًا نصف الدائرة. والشيخ يقف في وسط

الحلقة. وتبدو الدورية والدائرية في حلقة الأذكار الجماعية كالهيللة عند التيجانية أو العمارة عند القاسميّة.

فالعمارة مثلا تتّم بقيام المريدين يقودهم الشيخ وهم متجهون إليه أحيانًا، هو في الوسط إذا كان المقام يسمح

(العدد صغير) وفي أغلب الأوقات يكون في المقدمة ملتفتًا إليهم (عكس اتجاه الإمام في الصلاة). ثم يبدأ توجيه

حركة الأجساد انحناءً وقيامًا. ويتدرّج في سرعة الصوت وقوته إلى أن يصل إلى أقصاه، لذلك يبتدئ الصوت

بلا إله إلاّ الله وينتهي في آخر العمارة بصوت واحد آه آه آه... وبهذا تجسد حلقة الذكر الالتزام الجماعي بالنسق

الدائري والدوري صوتًا وحركة. وسيلة الذكر « السبحة»، وشكلها دائري أيضًا وحركة حباتها تتعاقب دوريًا. وتبدأ بذلك المسجد (حبة في

السبحة على شكل مسجد) الذي يمثل منطلق العدّ في الذكر وينتهي به، وبعد كل 33 حبة هناك قبة صغيرة

تُشعر الذاكر بأنّه وصل إلى ثلث الأداء. وعندما يتّم دورته على جميع الحبات بذكر الاستغفار يبدأ دورة جديدة

من الذكر بعبارة التوحيد أو عبارة الصلاة على الرسول بحسب ما يشترطه الشيخ. فتستمر حركة الذكر بهذه

الدورية في حبّات السبحة ودائامً تتّم العودة إلى الأصل، إلى المنطلق، بشكل دوري في كل «سبحة» مؤدّاة. وتعرب

السبحة عن التجسيد الفردي للنسقين الدوري والدائري. وهكذا يتم تشبيه بنية الحلقة (الذكر الجماعي) ببنية السبحة (الذكر الفردي). وإذا ما كان الشيخ يحضر في الذكر

الجماعي بجسده وروحه في الحلقة، فإنه في الذكر الفردي يستحضر المريد. كما أنّ المسجد المصغر في السبحة،

بانتصابه أعلى من بقية الحبات متميّزًا عنها، يماثل انتصاب الشيخ متميّزًا عن بقية المريدين، يبدأ منه الصوت

70 «العمارة» أو الذكر الجماعي الذي تقيمه الطريقة القاسمية أصبح جزءًا من حياة المدينة لأن أصوات الذكر تنتشر في محيط الزاوية وفي

أرجاء المدينة وتسمعه الكثير من الأحياء سماعًا دوريًا.

71 السبحة هي وسيلة الذكر، ولكن يُقصد بها عدد المرات أيضًا، فيشترط الشيخ على مريده سبحتين: لا إله إلا الله وسبحة استغفار مثلا

والمقصود بالسبحة مئة حبة أي مئة مرة. وكل دورة هي تكرار الذكر مئة مرة. وهي تحمل دلالة الدوارن في الفعل.

ويعود إليه في حركة دوريّة فيها اتباع لصوته. فتتقاطع دائرية المكان مع دورية الحركة داخل العالم الرمزي الطرقي.

وهو تقاطع يميّز المخيال الديني عمومًا فنقف بذلك على وجه آخر من وجوه التأصيل للخطاب الطرقي هذه

المرة على قاعدة التأصيل الرمزي لمخيال طرقي يستقل في شكل تعبيره (طقوس خاصّة، كاريزيمات، فضاءات،

حكايات....) لكنّه يتفق في عمقه مع المخيال الديني (رمزيات المركز، والدوريّة والدائرية.).... نصل بعد هذا التشخيص السريع لملامح المخيال الطرقي إلى القول إنّ الخطاب الطرقي احترم البنى الكبرى للمخيال الديني وراح ينّوع خطابه الطقوسي معربًّا عن تلك البنى بشكل آخر ورمزيات أخرى خاصة به،

ولكنّها في دلالتها العميقة تتفق مع عمق الرؤية الدينية. فيحترم قاعدتها الرمزية مثلما احترم القاعدة الصلبة

للعقل الديني الفقهي، وهي أرضية القياس. هذان الشرطان لا يجيبان إجابة مقنعة عن سؤال التأصيل

ومستوياته، لأن الاعتراض المهم هو لماذا استمرّ هذا الخطاب في مناطق دون أخرى (المغرب الإسلامي مثلا)

على رغم توافر الشروط الفكرية والشروط الرمزيّة في جميع مناطق العالم الإسلامي. وهنا لا بدّ من البحث في

الشروط السوسيولوجية التي تبرر استمرار الخطاب، أي التحول من الدراسة التزامنية للخطاب الطرقي إلى الدراسة التاريخية لفهم المكونات الاجتماعية لهذا الخطاب. وبالتالي سننتقل من دراسة الخطاب ثم العالم الطرقي إلى دراسة الحقل الاجتماعي الطرقي.

المجتمع الطرقي

حاول دارسو الأديان تطبيق المنهج البنيوي الذي أثبت كفاءة هائلة في فهم اللغة والأسطورة والأدب. ولم اّ كان الدين إنتاجًا رمزيًّا مثله مثل اللغة والأسطورة، ومؤسسة اجتماعية مثل جميع المؤسسات الأخرى، كان

الدرس البنيوي ممكن الإجراء على الأديان. واعتبر النموذج البنيوي الدين نظامًا ثقافيًا يتأسس على مجموعة

من العلاقات تربط بين عناصره. وليست العناصر هي التي تعطي للنظام قيمته وإنما العلاقات بين عناصره هي منشأ النظام. ففي المرحلة الأولى يجب تفكيك تلك العلاقات لفهم أبعاد هذا النظام في بنيته الداخلية، وهذه هي مرحلة الدرس التزامني (Synchronique) التي تعقبها مرحلة الدرس التاريخي (Diachronique)، أي دراسة ذلك النظام في سياقه التاريخي. قمنا في هذه الدراسة بتفكيك النظام الفكري والبنية الرمزية المكونّة للخطاب الطرقي، والآن نحاول، بإيجاز،

البحث في الشروط الاجتماعية التي ساهمت في استمرار هذا الخطاب. فإذا ما أصّل الخطاب الطرقي نفسه

بالقياس فكريًّا وبالمخيال الدوري رمزيًّا فكيف أصّل نفسه اجتماعيًا؟

نجيب عن هذا السؤال من خلال تأمّل ثلاثة مستويات من التأسيس الاجتماعي مرتبطة بكيفية اشتغال الجسم

الطرقي داخل المجتمع، ويمكن أن نوجز تلك المستويات في المفاهيم الثلاثة التالية: الموقع والانتظام والصراع، وهي مفاهيم الانتظام لكل جسم اجتماعي. الموقع عندما نتأمل النصوص التي يتحدّث فيها شيوخ الطرق عن تاريخ الطريقة بخاصّة وتاريخ التصوّف عامّة،

نلاحظ هذا الإصرار المتعمّد على إظهار الموقع الهامشي وعلى تأكيد أهنّا ميزة تاريخيّة لهذا الجسم الاجتماعي،

ويمكن من خلال تعريفهم لأنفسهم أن نستخرج ثلاثة إمكانات للتأصيل التاريخي هي:

خريف 2012

الإسناد الملاحظ في سلسلة الإسناد الطرقي التي تؤصل للشيخ، أهنّا تُوصَل كلّها بالحسن ثم بأبيه علي بن أبي طالب

وصولا إلى الرسول. هذا التأصيل التاريخي لشيوخ الطرق والأولياء وظيفته الدينية استمداد القداسة من أصل القداسة الأولى وهو الرسول. ولكن لهذا السند كذلك دلالة تاريخية سياسيّة؛ فقد مثّل علي تاريخيًا صوت المعارضة والفقراء والزهاد في

المخيال العربي الإسلامي. ومن علي خرج فرعان معارضان للنظام الرسمي: فرع «ثوري» صدامي مثّله الحسين

الذي استحوذ الخط الشيعي فيه على كل رمزياته، فكثف الشيعة في تاريخهم الطويل رمزيات الحسين ولا يزالون

يوظفونها في حالات الحرب والسلم إلى اليوم. وخط «مهادن» مثّله رمز الحسن وموقفه السياسي التاريخي من

الدولة الأموية. هذا الخط استثمره المدّ الصوفي ليؤصل به لنفسه، فنجد أسانيد الطرق توصل في جلّها بالحسن دون

الحسين، أو أن الشيوخ يُنسبون إلى الحسن، إما من ناحية الأب وإما من ناحية الأم؛ فالشيخ عبد القادر الجيلاني يعود

في نسبه إلى الحسن بن علي بن أبي طالب، كما أن شيخ التيجانية يعود نسبه إلى الحسن. يمكن أن نستخلص من فكرة السند والنسب «الحسني» العلَوي ما يلي: إحالة السند على مسألة النسب العائلي والقبلي، إذ يمثل النسب أصلا اجتماعيًا بنيويًا في التأسيس للفرد والجماعة

في المجتمع العربي، فتكتسب موقعًا يستمد من امتدادها التاريخي. وبحسب ذلك الامتداد في التاريخ والاتصال

بالمقدّس والأسطوري المؤسس، يكون الامتداد في المستقبل. لذا فإن الاتصال بالحسن إمّا إسنادًا للطريقة

وسلسلة أوليائها وإما بانتساب الشيخ دمويًا إلى الحسن، هو اتصال بمركز القداسة. ويتحوّل هذا النسب المقدّس

إلى حجيّة علميّة ودينيّة. والأمر عند الشيعة (في رمز الحسين) والمتصوفة (في رمز الحسن) سيّان، إذ يشتركان في

التأصيل التاريخي لهيئاتهم الاجتماعية بالانتساب إلى الرسول وفي التأصيل لمصادرهم المعرفية باعتبارها معارف لادنيّة وخفية يتوارثها الأئمة أو الأولياء. يمثّل الحسن الخط السلمي المهادن في تاريخ المعارضة للسلطة الأموية. وبسبب موقعه السياسي التاريخي ومبايعته

معاوية، أضحى الحسن رمزًا للمهادنة وعدم المواجهة، على عكس أخيه الحسين. هذه الصورة الأسطورية

(Portrait mythique) التي استقرت عليها شخصيّة الحسن في المخيال الإسلامي [خاصة الشيعي] تتناسب

مع خط الانزواء وعدم المشاركة في الحراك السياسي والاستقالة السياسية المعلنة في الخطاب الصوفي الطرقي. وإذا ما استقل الشيعة برمزية الحسين وصنعوا منها خطابًا سياسيًّا عقديًّا أجروه في التاريخ، فإن الإسلام الطرقي أجرى

نموذج الحسن. وصنع أتباع الحسين من التاريخ ثورة ونضالا، وصنع منه أتباع الحسن مهادنة وصلحًا، من الدولة

العربيّة الإسلامية إلى الاستعمار إلى الدولة الوطنية الحديثة، فهادنت الطرق الصوفية الأنظمة الحاكمة. وكانت واعية

بتفاوت ميزان القوى بينها وبين المركزيات السياسية الحاكمة، ونادرًا ما ثارت عليها، بل ساهمت في دخول

المستعمر في بعض البلاد وباركت الاستبداد (الانقلاب في السودان في عهد جعفر النميري.)

72 عبد القادر الجيلاني، الفتح الرباني والفيض الرحماني (بيروت: المكتبة الشعبية، 1988)، ص.3

73 وفي كتاب فتوح الغيب لسيدي عبد القادر الجيلاني يذكر المحقق أن نسب أبيه يرجع إلى الحسن ونسب أمه يرجع إلى الحسين. انظر:

عبد القادر الجيلاني، فتوح الغيب (تونس: مكتبة المنار، [د. ت.])، ص.187

74 انظر: التيجاني، ص.104

75 الجابري، «باب العرفان.»

76 عيسى، «مغرب المتصوفة،» ص.566

مهما تكن الدلالة الرمزية للتأصيل، فإنّ العودة بالأصل في الإسناد أو النسب إلى الحسن هي عودة عُرْف هامشي

في التاريخ الرسمي للإسلام، لا سيما الإسلام السنّي، لأنّه يمثل الفرع الأصلي في الإسلام الشيعي. وهذا

الإسلام مثّل في كثير من الفترات الخطاب الرسمي (البويهيون، الفاطميون، إيران اليوم). وأمّا الحسن، فيحضر

حضورًا هامشيًّا، لذا يمكن أن نقول إنّ الموقع الهامشي للإسلام الطرقي يظهر في هذا الاستناد إلى هوامش

الرموز التاريخية الإسلاميّة. وهذه النزعة ترجمة بعدية تبني مواقف اجتماعية وسياسيّة تعربّ عن جسم اجتماعي

سيظل محل مراهنة وتوظيف. الصوفية – أهل الصفة في إطار بحثه عن هوية تاريخية لهذا الجسم الاجتماعي، حاول الخطاب الطرقي أن يجد للطريقة امتدادها في

الإسلام الأول المؤسس لكل أشكال الخطاب الإسلامي (الفترة النبوية والخلافة الراشدة) في إطار عود للحظة

تدشينية في تاريخ الجماعة، فبحث في الهوامش الاجتماعية لتلك اللحظة الزمنية المتعالية عن التاريخ في

مستوى الوعي. وانتسب المتصوفة إلى أهل الصفة لنحت الاشتقاق الاصطلاحي (الصوفية) والاشتقاق الاجتماعي السلوكي.

فأهل الصفة هم أولئك الفقراء الذين «كانوا يسكنون المسجد على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم» وليست

لهم قبائل وعائلات تؤويهم وتحميهم فكانوا يقعون على هامش الحراك الاجتماعي، «وكانوا نحوًا من أربعمائة

رجل لم تكن لهم مساكن بالمدينة ولا عشائر، جمعوا أنفسهم في المسجد كاجتماع الصوفية قديامً وحديثًا في الزوايا

والربط وكانوا لا يرجعون إلى زرع ولا إلى ضرع ولا إلى تجارة وكانوا يحتطبون ويرضخون النوى بالنهار وبالليل

يشتغلون بالعبادة وتعلم القرآن وتلاوته». هذا الواقع الهامشي لهذه الفئة الاجتماعية سيفرز خطابه الزهدي في ما بعد إلى أن ينتهي خطابًا صوفيًا

نظريًا ثم خطابًا طرقيًا منتظامً في شكل كتل اجتماعية تقع على قارعة الدورة الاجتماعية الاقتصادية، وظلت

تنتظم في انزوائها بخطابها الديني الزهدي، فناسبت هامشية الجماعة في المجتمع هامشية النظرية في الخطاب

الإسلامي الرسمي. فقد ظلت النظرية الصوفية هامشية في صوغ الخطاب الإسلامي السائد، وبقي خطابًا نخبويًا حتى في صيغته

الطرقية، على رغم ما تتميز به الطرق من إقبال جماهيري في بعض المناطق. «وقيل: كان منهم طائفة بخرسان

يأوون إلى الكهوف والمغارات ولا يسكنون القرى والمدن ويسمونهم في خرسان (شكفتية) لأن [شكفت] اسم

الغار، وينسبونهم إلى المأوى والمستقر وأهل الشام يسمّونهم [صوعية] [....] اسم الصوفي مشتمل على جميع

المتفرق في هذه الأسماء المذكورة، أو هذا الاسم لم يكن في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وقيل كان في

زمن التابعين». التصوف كان في بدايته، كما هو معلوم، حركة احتجاجية صامتة ضد المجتمع اختارت هوامشه للتعبير عن

احتجاجها، وأصّلت هذه الحركة نفسها في ذلك الهامش واطمأنت إليه وبنت عليه خطابًا وفهامً للدين والحياة إذا

اغتنموا العزلة والوحدة واتخذوا لنفوسهم زوايا يجتمعون فيها تارة وينفردون أخرى، أسوة بأهل الصفة[....]

فصار لهم بمقتضى ذلك علوم يعرفونها وإشارات يتعاهدونها فحرروا لنفوسهم اصطلاحات تشير إلى معان

77 Mircea Eliade, Le Mythe de l›éternel retour, archétypes et répétition.

78 السهروردي، ص.62

79 المصدر نفسه، ص.63

خريف 2012

يعرفونها وتعرب عن أحوال يجدونها، فأخذ ذلك الخلف عن السلف، حتّى صار ذلك رسامً وخبرًا في كل عصر

وزمان. فهامشية الموقع الاجتماعية مكنت هذه الجماعة من أن تتشكل عبر تاريخها في شكل جسم اجتماعي ثقافي له خطابه وبنية تفكيره وموقفه واكتسبت لنفسها موطئ قدم داخل مجتمع متحوّل. ولا يمكن أن يشتغل

هذا الجسم خارج المواقع الهامشية، فإذا تعدّاها فقد توازنه في بنية المجتمع فعرّض هذا الجسم نفسه للهجوم، فهو

آمن ما دام يشتغل هناك بعيدًا عن المركز الرسمي مهادنًا له. الموقع الجيوسياسي إن هامشية الانتساب السياسي الرمزي ممثلة في الحسن وهامشية الموقع الاجتماعي والتاريخي لأهل الطريق، تتحكمان في توزيعهم الجغرافي في العالم الإسلامي. فلم تنتشر الطرق الصوفية في مركز القرار الديني والسياسي الكبرى (بغداد أو دمشق أو قرطبة....). ونجد انحسارًا لهذه الظاهرة في منطقة الجزيرة والحجاز إلى اليوم. لأن هذه

المنطقة مثلت تاريخيًّا مقر الإسلام الرسمي إضافة إلى تمكّن المذهب الحنبلي في المنطقة، وبخاصة في نسخته الوهابية،

الذي يقصي هذا الخطاب إقصاءً ولا يسمح بوجود الطرق والزوايا ويصل إلى حد تكفير أتباع الطرق. انتشرت الطرق الصوفية في الدوائر المحيطة بالمركز السياسي والديني، أي اتخذت موقعًا مع أجسام اجتماعية

أخرى معارضة للمركز في هوامش الجغرافيا. فانتشرت مع المدّ الشيعي في شرق العالم الإسلامي كما في غربه.

ولئن مثّل المدّ الشيعي دائامً هامش المعارضة العلنية الثائرة للمركز السياسي والديني، مستثمرًا خط الحسين

ورمزيته، فقد صمت الإسلام الطرقي ومثّل خط «الإعراض» وليس المعارضة، وخط الحسن. ولعل أهم دليل على ذلك منطقة الغرب الإسلامي التي مثلت هامشًا جغرافيًّا لممارسة المعارضة الدينية والسياسية منذ الأمويين

وصولا إلى الفاطميين. وفي هذه الأثناء عشش الإسلام الطرقي في هذا الهامش المناسب جدّا للاستمرار. يبدو أن دلالة الانزواء في الإسلام الطرقي باعتبارها مبدأً عقديًّا وسلوكيًّا تتناغم مع انزواء هذا الجسم

الاجتماعي. فاختار عبر تاريخه هوامش الدولة والمجتمع، وهو ما يكشف عن رؤية هذه الجماعة للمجال الجيوسياسي، فتختار موقع استقرارها بوعي أو بغير وعي في هوامشه. ويظهر ذلك في موقع الخطاب كما رأينا، وفي موقع الجماعة تاريخيًّا، ثم في موقع الزاوية. فأغلب الزوايا التي رأيناها تكون في أحياء شعبية لا ترتبط بمركز

المدينة. زاوية سيدي أبي الحسن الشاذلي في تونس العاصمة جاءت على أطراف المدينة القديمة، في حين يقع جامع الزيتونة، الممثل الرمزي للإسلام الرسمي، في مركز المدينة. كذلك زوايا الجنوب التونسي تقع في هوامش المدن وأحيائها المفقرة. ففي مدينة الرديف نجد ثلاث زوايا: القاسمية والإسماعيلية والمحمدية، وكلها بعيدة عن مركز المدينة في أحياء شعبية هامشية. نلاحظ بعد هذا أن اختيار الهامش الكاريزمي الرمزي (الحسن) والهامش التاريخي الاجتماعي والهامش

الجيوسياسي [منطقة المغرب مثلا] والهامش المجالي (الأحياء الشعبية) يمثل – سوسيولوجيًا - اختيارًا موفقًا

للتأصيل الاجتماعي في تاريخ الإسلام الطرقي، ليصنع بذلك نموذجًا مهامً من نماذج استراتيجيات البقاء

التاريخي للجماعة الثقافية الواحدة عبر حركة تماس إبستيمولوجي ورمزي وتنافر سوسيولوجي مع المركز بحسب المعطيات التارخية والجيوسياسية.

80 المصدر نفسه، ص.64

بنية الحقل الطرقي تندرج نظرية الحقل عند بيير بورديو ضمن نظريته الشاملة لدراسته المجتمع، وهي مفهوم «السيطرة» (Domination)؛ إذ يعتبر أن المجتمع «فضاء للاختلاف تختفي خلفه علاقات السيطرة لأنها مستبطنة في عمق الأفراد، ويرى ان مبدأ الانتظام الاجتماعي يقوم على وجود علاقات بين مسيطر ومسيطر عليه تختلف بحسب مصادر السيطرة وبحسب استراتيجيات الفواعل الاجتماعيين. بالتالي ليس الحقل سوى جزء من العالم الاجتماعي (Un bout de monde social) يحتكم إلى قوانين خاصة هي قوانين ذلك الوسط، كالحقل الصحافي أو الجامعي أو الأدبي وكلها تمثل «عوالم صغرى»، والحقل بذلك هو فضاء للسيطرة والصراع بين أفراد لاتخاذ مواقع قوية داخل الحقل. فالحقل إذًا هو فضاء ثقافي واجتماعي بين أفراد يفهمون قوانين ذلك الحقل وخصائصه، ويحسنون التصرف داخله. فلا يمكن رجل السياسة أن يجد موقعًا داخل حقل الطب إذا لم يتقن حقل العالم الطبي، ولا رجل الدين

أن يسيطر على حقل السياسة إذا لم يتقن قوانين لعبة الحقل السياسي. بناءً على هذا التعريف للحقل نرى أن الطريقة الصوفية تستجيب لهذا المفهوم ولمقوّماته؛ فهي حقل اجتماعي ثقافي

يحتوي على قانون لعبة تديره وتدير علاقات أفراده، وتسريّ استراتيجية الصراع والرهانات الداخلية والخارجية

التي يضعها الحقل أمام منتسبيه. لأن الطريقة حقل اجتماعي ينتسب إليه أفراد وفواعل اجتماعيون يقبلون بقوانين لعبته ويفهمونها. ويكتسب كل منتم إلى الحقل موقعًا داخله، ويخضع هذا الموقع إما للتطوير والصعود داخل

تراتبية العلاقات داخل الحقل، وإما للإقصاء من لعبة الحقل برمتها، وبالتالي يخسر رهاناته الفردية والجماعية. وسنحاول التعرف إلى «قانون اللعبة الطرقية» داخل الزاوية من خلال ملاحظاتنا للزوايا الثلاث موضوع بحثنا. سنكتفي في هذا المستوى من الدراسة بالتركيز على قانون الحقل الطرقي، باعتباره حقلا مستقلا عن غيره

من الحقول الاجتماعية والدينية الأخرى، إذ ينتسب المريد طواعية إلى الطريقة ويمارس طقوسًا ويأتي سلوكًا

اجتماعيًا وينشئ نوعًا من العلاقات، كما سنرى، تختلف عن بقية الحقول الاجتماعية الدينية. وهذه الخصائص

ترسخ استقلالية الحقل الطرقي داخل «الكون الاجتماعي» ليكتسب موطئ قدم على أرض المجتمع المتحركة كما هو الشأن بالنسبة إلى الطريقة القاسمية التي تحتل مكانتها داخل مجتمع مدينة الرديف ولها إشعاعها في كامل البلاد أيضًا. ويمكن أن نوجز مبادئ اللعبة داخل الحقل الطرقي في ثلاث نقاط: العلم الباطن مع أن الإس الم الطرقي هو جزء من الفكر الديني عامة، فإنه يختلف عنه في تصور المعرفة الدينية ومصادرها وفي نظرية التأويل للنصوص المؤسسة وكذلك في الطقوس والانتظام داخل الجماعة، كا

81 Philippe Cabin, Dans les coulisses de la domination,» Sciences Humaines, no. 105 (numéro special: Le Monde selon Bourdieu) (Mai 2000), p. 24. 82 «Petit vocabulaire bourdieusien,» Sciences Humaines , no. 15 (numéro special: L’Oeuvre de Pierre Bourdieu) (Février-Mars 2012), p. 108.

83 لأن نظرية الحقل عند بورديو تشتمل على محددات عدة أخرى ويمكن أن تكون موضوع دراسة مستقلة، تم تجريب نظرية الحقل على

الطريقة الصوفية. لذلك سنكتفي هنا بمفهوم «قانون اللعبة.»

84 Pierre Bourdieu, Propos sur le champ politique , introd. de Philippe Fritsch (Lyon: Presses universitaires de Lyon, 2000), p. 52.

خريف 2012

رأينا. وإذا جاز لنا توظيف نظرية الحقل نقول إن الطريقة الصوفية هي حقل ديني اجتماعي ينتمي إلى الحقل الديني عامة. فالعنوان الأول لاختلاف «أهل الطريق» عن غيرهم من المسلمين هو أنهم يتلقون معرفة باطنية هي أصل الحقيقة الدينية، بالتالي يسلكون الطريق الحقيقة للدين لأنهم يتجاوزون ظاهر الفهم وظاهر الإيمان إلى الإيمان الحقيقي. والمعرفة الدينية ليست معرفة جدل وحجاج بل هي معرفة ذوقية مبنية على اتّباع سبل الذوق التي

يفتحها الشيخ العارف بتعرجات طريق الحقيقة. كل هذه المميزات يجب على المريد أن يتلقاها ويؤمن بها ويدافع عنها، وبالتالي يمسك بأول محدد من محددات اللعبة الطرقية والتي بإيجادها يمكن أن يرتقي داخل هذا الحقل،

لذلك فإن مقياس «التنفذ» داخل الطريقة والوصول إلى المراتب العليا (مرتبة الم قدَّم مثلا وهو نائب الشيخ في

الزوايا الفرعية) يخضعان لمدى إتقان نظرية العلم الباطن. ما يهمنا نحن من هذا التلخيص الموجز لاختلاف الطريق عن الدين الرسمي هو الدلالات الاجتماعية لهذا الاختلاف ولهذه الخصوصية التي تضبط لعبة العقل. والدلالات هي التالية: دلالة سوسيولوجية خارجية: أي خارج الحقل وعلاقاته بالحقول الأخرى. فالمعرفة الباطنية هي رهان معرفي على الحقيقة الدينية، ولكن الترجمة السوسيولوجية لهذا الرهان تتمثل في استقلال جسم اجتماعي بموقف ديني أيديولوجي يمكن من خلاله خوض صراع هذا الجسم داخل المجتمع عبر تبني فكرة امتلاك الحقيقة الدينية وسحب البساط من تحت المؤسسة الدينية الرسمية التي تسيّج الحقيقة بخطاب السلطة. وهذا النوع من الصراع

يعتبره بيير بورديو أصيلا في تاريخ الحقل، إذ إن الرافضين لسلطة المهيمنين على الحقل عادة ما يتهمونهم بأنهم حادوا عن المبادئ الأصلية للحقل، وأنهم جاؤوا ليصححوا الأمور بالخروج عن المهيمنين. فنظرية العلم الباطن تعتبر أن الفهم الرسمي المسيطر على الحقل الديني حاد عن الحقيقة الباطنية والروحية للرسالة الدينية، وأن شيخ

الطريقة وأتباعه هم من يصححون الطريق. ولعل تسمية «الطريق» في حد ذاتها دال ة جدًا على مفهوم التصحيح

داخل الحقل الديني. دلالة سويولوجية داخلية: تبنّي المريد للعلم الباطن يعني الاعتقاد بخط معرفي باطني باعتباره الطريق الأصح

والموصل إلى الخلاص والمختلف عن غيره داخل الحقل الديني. هذا الاعتقاد يقوّي الرابط الاجتماعي داخل

المجموعة، ويعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية ليعطيها دلالة جديدة. لذلك تكثر المصاهرات بين أفراد الجماعة الطرقية على أساس الانتماء إلى الطريقة، وبالتالي الاعتقاد بالعقيدة الطرقية. كما لاحظنا أن عمليات التكافل

الاجتماعي داخل الطريقة يربطها أصحابها دائامً بمفاهيم باطنية وبطقس «الحضرة». فكلما هبّ المريدون ليعينوا

أخًا لهم في الطريقة (وهو سلوك اجتماعي متأصل في المدينة بحكم العلاقات القبلية، فأبناء العم يعينون بعضهم

85 الحقل الديني له خصوصيته أمام حقول اجتماعية أخرى (الحقل السياسي أو الاقتصادي...) ولكنه أيضًا أفرز حقولا صغيرة تنتمي إليه وهي

جزء من الحقل الاجتماعي، وهي تتبنى رؤية للدين وتعتبر نفسها هي الدين (الحقل الفقهي، الأحزاب الدينية، الطرق الصوفية...). وهذه الحقول

الصغرى وإن أبقت على المبادئ العامة للحقل الديني في شكل الانتظام وشرعياته النصية إلا أنها تصنع لنفسها قوانين داخلية خاصة بها. فالانتماء

إلى الطريقة الصوفية والارتقاء داخلها يختلفان عن الانتماء إلى مذهب فقهي أو إلى حزب ديني، لأن الرهانات الخاصة داخل كل حقل تختلف.

86 دوركهايم تحدث عن أهمية الطقوس في تمتين العلاقات الاجتماعية وعن أن العقائد الدينية في نهاية الأمر هي مقولات اجتماعية

أخذت دلالتها الثقافية الدينية بالطقوس أساسًا. انظر:

Emile Durkheim, Les formes élémentaires de la vie religieuse: Le Système totémique en Australie, bibliothèque de philosophie contemporaine, 4ème édition (Paris: Presses universitaires de France, 1960), p. 605.

بعضًا)، فإنهم بعدما يتمون تلك الإعانة ينهونها بإقامة طقس الحضرة (التي تعني دلالتها الدينية الحضور بين يدي الرسول وبين يدي الذات الإلهية). فطقس الحضرة هو سلوك جمعي يعطي الجماعة دلالة اجتماعية تجعلها تتصرّف كجسم مستقل اجتماعيًا عن غيره من الأجسام. من هنا يستبدل مفهوم العلم الباطن بنظام القرابة الذي

يحكم النظام الاجتماعي [الرابط القبلي الدموي] نظام قرابة جديدًا مبنيًا على الانتساب إلى الطريقة. وترحيل كل

السلوك الاجتماعي (التكافل، المصاهرة، الفائدة الاقتصادية....) من الفضاء القبلي إلى الفضاء الطرقي. العلم الباطن يأتي -كما يقول أصحاب الطريقة وشيوخها- بالمجاهدة والترقي ليبلغ المريد مراتب داخل الطريقة. وهذه «المجاهدة» في تلقّي هذا العلم تصنع منافسة داخلية لكسب رهانات «طرقية» بين المريدين، بل وتصنع أيضًا مجموعات متنافسة وزوايا فرعية تتنافس على البرهنة على المداومة على أذكارها ونشاطها، فتنال

الحظوة والتقريب إلى الشيخ. إن مفهوم المقامات الصوفية ليس سوى إعادة إنتاج للسلّم والهرم الاجتماعيين لتصنيف الأفراد؛ فداخل الزاوية نجد طبقة النخبة المقرّبين من الشيخ بنيْلهم نصيبًا كافيًا من هذا العلم الباطن

الذي يجلب لهم تلك الحظوة ونجد بعدهم طبقة من الفاعلين. ففي الزاوية شباب مهتمون بالإعلام وآخرون يهتمون باقتصاد الزاوية، وغيرهم بالحماية والخدمة، وبعضهم هم رسُل الشيخ إلى المناطق. وهناك المريدون

العاديون الذين لا ينتمون إلى تلك الدوائر الوظيفية. الانتماء إلى تلك الدوائر يُعتبر رهانًا مه يصنع المنافسة

ويدير العلاقات داخل الزاوية عبر إتقان قانون لعبة مفصلي، وهو إتقان المفردات والسلوك ذي الدلالة الباطنية.

والذي يحدد الدلالة الباطنية، هو شيخ الطريقة الذي يمكن اعتباره صامّم اللعبة الطرقية بأكملها. الشيخ: قطب رحى اللعبة كنا أطنبنا في الحديث عن الدور المعرفي والتنظيمي للشيخ أثناء حديثنا عن بنية العقل الطرقي الذي يُعتبر شرط

وجود الطريقة برمتها. هذا الشرط الواجب الوجود معرفيًا هو أيضًا شرط الوجود للجسم الاجتماعي. فالشيخ

الذي يشرف على التعاليم في الزاوية وتصدر منه كل المعارف والأوامر والقرارات هو قطب الرحى في الحقل الطرقي. فمركز الشيخ وتربّعه على مقام الولاية هو أقصى رهان طرقي للفاعلين الصاعدين في الدرجات الأولى

من السلّم الطرقي وهم «المُقدَّمون» (جمع: مقدَّم وهو خليفة الشيخ في الزاوية الفرعية.) الشيخ هو الذي يضبط لعبة الحقل برمتها ويتحكم فيها مادام المريديون يتبعونه من دون انشقاق. فهو الذي يدير التنافس والصراع من أجل الرهانات الطرقية المحكومة – كما رأينا في الفقرة السابقة - بمبدأ العلم الباطن. لذلك فإن العلاقة بالشيخ ليست في مستواها الاجتماعي مجرد علاقة طالب علم بشيخه وإنما هي علاقة تابع بزعيم، فهي علاقة أيديولوجية على الشاكلة الحزبية أو المذهبية أو الطائفية. ومن هنا فإن من واجب المريد الدفاع

87 في تقاليد مدينة الرديف هناك تقليد يسمى «التويزة»، وهو مبادرة أبناء العم إلى مساعدة ابن عمهم مجانًا في بناء البيت، وبخاصة

السقف، وكذلك النساء إلى نفش الصوف أو إعداد المؤونة السنوية، مقابل وليمة يجب أن يسال فيها الدم (ذبح خروف أو سواه). الطريقة

الصوفية في الرديف أبقت على هذا التقليد ولكنها ربطته بمفهوم البركة وبمركزية المقدس التي تحدثنا عنها أثناء حديثنا عن بنية المخيال

الطرقي.

88 في مدينة الرديف تلعب القبيلة دورًا كبيرًا في ربط العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فينفّع أهل القبيلة تجارها أو سياسييها

أو متنفذيها. لاحظنا مثلا أن هناك طبيبًا لا ينتمي إلى المدينة وليست له قبيلة، فبمجرد انضمامه إلى الطريقة القاسمية أصبح جل مريدي

الطريقة يذهبون إلى عيادته. في المقابل نجد أطباء من أبناء المدينة تقتصر جل قائمة مرضاهم على أبناء قبيلتهم. هذه سمة عامة لأن هناك

استثناءات تلعب فيها الكفاءة والنجاعة دورًا كبيرًا في استمالة الحرفاء.

89 مثال الطريقة القاسمية، كان الشيخ أبو القاسم متحكامً في طريقته وأتباعه إلى أن انشق عليه الشيخ عبد الحفيظ طبابي عام 2002

وأسس الطريقة المحمدية، فخرج بعض المريدين من الطريقة القاسمية وانضموا إلى الطريقة الناشئة.

خريف 2012

عن شيخه، بل إن كسب الرهانات «الطرقية» داخل الزاوية والترقي في سلم المراتب الصوفية مرهونان بمدى اتّباع الشيخ والدفاع عنه خارج الحقل الطرقي، أي خارج الزاوية. ولعل هذا البعد يقوي الرابطة بين الجماعة

ويجعلها كتلة متلاحمة داخل المجتمع. كما أن مركزية الشيخ هي القانون المركزي لخوض صراع الجماعة الطرقية ضد جماعة طرقية أخرى، للسيطرة على الحقل الطرقي واحتكاره على أساس احتكار الشيخ الحقيقة. وهو مبدأ تأسس منذ البدايات الأولى لتأسيس الجماعة الصوفية. يقول القشيري: «ويقبح على المريد أن ينتسب إلى مذهب أحد غير شيخه بل يقلد شيخه فقط». من هنا اعتبرنا الشيخ مركز اللعبة وأفقها والمحيط بها والمتحكم فيها. إنه يمتلك الكاريزما الضرورية لتلتف الجماعة حوله وتخط خطاها في التاريخ بتوحيد هويتها الجماعية ضمن هوية فردية تذوب فيها بقية الهويات. وهذا المبدأ لا يخص الطريقة وحدها، بل يتعلق بالكثير من الأجسام الاجتماعية الأخرى كالأحزاب والمذاهب والطوائف. وهنا تندرج دراسة الطريقة ضمن دراسة شاملة لكيفية تشكل الجماعات داخل المجتمع الواحد. يبرهن كل من مبدأ العلم الباطن والاعتقاد بالشيخ على أن الحقل الطرقي له مبادئ لعبة من الضروري إتقانها (هناك مبادئ أخرى مرتبطة بالاستثمار المادي للربح الرمزي، وتتجسد في الطقوس وفي الاحتفال والوليمة والتبرع والهدية....). هذه اللعبة تتخذ بعدًا معرفيًا يتمثل في المعرفة اللادنية التي يفيض بها الشيخ وييسر طريق

المريد إليها، وبتحصيلها يتم الفرز داخل الطريقة بين المقامات والرهانات «الطرقية.» هذا الشكل المعرفي يأخذ شكلاًاعتقاديًا أيديولوجيًا يتمثل في الدفاع عن رمز الانتظام داخل الحقل وهو الشيخ.

وتأخذ هذه العمليات أشكالا طقوسية متنوعة تظهر الاستقلال الرمزي والسوسيولوجي للجماعة عن سواها. ولكن هل الالتزام بقانون اللعبة ومبدأ الانتظام وحده يكفي لخوض الصراع داخل الحقل الطرقي ليحقق لنفسه الخصوصية والاستقلالية كحقل مستقل. بورديو يقول بوجوب امتلاك رأسمال رمزي يتماشى مع رهانات كل حقل للتمكن من اكتساب موقع داخله. لذلك ننتقل إلى المكوّن الأصيل والمهم من مكونات الحقل الطرقي

نسميه «الرأسمال الطرقي.» الرأسمال الطرقي لامّ كان الحقل الاجتماعي فضاء للهيمنة بين الأطراف المتصارعين والمتنافسين من أجل الرهانات التي يطرحها ذلك الحقل، ولاكتساب المواقع وتطويرها لاستمرار علاقات الهيمنة، كان لابد لكل فرد يتقن لعبة الحقل من أن يمتلك

رأسمالا رمزيًا أو ماديًا يمكّنه من الحفاظ على حظوظه داخل سياق الصراع وتحسين موقعه داخل الحقل. ويرى

بيير بورديو أن كل حقل يصنع رأسمالا رمزيًا خاصًا به عبر حالات الصراع بين الفواعل والمؤسسات المنخرطة

فيه، فتتراكم داخل الحقل مجموعة من العادات والسلوكات والخبرات المميزة له عن غيره، وهو ما يفترض توافر مؤهلات مخصوصة بشكل الصراع كي ينسجم الفاعل مع الحقل الذي ينتمي إليه ولا يمكن سحب رأسمال حقل معين على حقل آخر مختلف. قد تتشابه بعض الحقول ولكنها تظل تحافظ على خصوصية رأسمالها الرمزي.

90 ذهب بعض الشيوخ إلى منع مريديهم من زيارة أضرحة الأولياء. انظر: التيجاني، ص.23

91 الشعراني، ج 1، ص.62

92 رضوان السيد، مفاهيم الجماعة في الإسلام، ط 3 (بيروت: دار جداول،.)2011

93 Pierre Bourdieu, “Quelques propriétés du champ,» dans: Pierre Bourdieu, Questions de sociologie (Tunis: Cérès Productions, 1993), p. 114.

فالرأسمال الرمزي الذي يكتسبه طبيب في حقل الطب والاستراتيجيات التي تحدد موقعه ورهاناته تمت له

عبر تراكم تجاربه الناجحة في معالجة المرضى، الأمر الذي أكسبه عند المرضى رأسمالا رمزيًا مبنيًا على التكوين

العلمي بالدرجة الأولى وعلى التجربة العملية الناجحة ونظام العلاقات الاجتماعية التي ربطها عبر تجربته المهنية بالدرجة الثانية. كل تلك العناصر والمؤهلات تجعل هذا الطبيب الناجح يحسّن موقعه داخل الحقل الطبي (فربما

تتوسع عيادته أو يتأهل لشغل موقع كبير في الوزارة مثلا). هذا الرأسمال الرمزي (وأيضًا المادي) الذي اكتسبه

الطبيب لا ينفعه بالضرورة إذا توجه إلى حقل الفن مثلا أو حقل السياسة، لأن رهانات الفنان واستراتيجيات الصراع داخل الحقل الفني تتغير. وإذا نجح في حقل السياسة فليس لأنه اعتمد خبرته في الحقل الطبي وإنما لأنه

أتقن لعبة الحقل السياسي واكتسب فيه رأسمالا رمزيًا. بهذا الفهم لهذا المقوم المهم من مقومات الحقل يمكن أن نستخرج المكونات الأساسية لما يمكن تسميته «الرأسمال

الطرقي»، لأن الحقل الطرقي – على النحو الذي بيَّنا سابقًا- وكغيره من الحقول، يدفع المنخرطين فيه إلى تقاسم

رأسمال رمزي يعلم الأفراد المنتمون إلى الحقل قيمته وقد لا تكون له أي قيمة خارج ذلك الحقل. فالمريد الذي يتقن

تعاليم الطريقة ويتفانى في طاعة شيخه والدفاع عنه والتضحية بالمال والجهد يؤسس لدى بقية المريدين رأسمالا مهام بالنسبة إليهم، فيثمّنوه ويقدّروا قيمته في إطار الصراع على احتلال موقع داخل الطريقة، حتى إذا تمت تسمية ذلك

المريد «مقدمًا» أو نائبًا للمقدم فإن ذلك الرأسمال يكون مادة رمزية لاستثماره داخل الحقل الطرقي.

من خلال تتبّعنا لنماذج من المريدين في الزاوية القاسمية لاحظنا انقلابًا في موازين المواقع الاجتماعية داخل الزاوية،

أي تبدل قيمة الرساميل الرمزية لبعض الأشخاص الفاعلين اجتماعيًا. فقد لاحظنا وجود وجوه سياسية أو وجهاء

اجتماعيين أو أصحاب مال، بل وحتى بعض النجوم (مثل وجود حارس مرمى سابق للمنتخب التونسي وهو

مشهور في الذاكرة الرياضية). كل من هؤلاء يمتلك رأسمالا (رمزيًا أو ماديًا) في الحقل الذي أتى منه (الطب

والتجارة والرياضة)، وبمجرد دخول الزاوية يفقد تقريبًا كل ذلك الرأسمال فيصبح – وهذا لاحظناه عن كثب في

الزاوية القاسمية- العامل اليومي والفقير والمهمش اجتماعيًا، صاحب رأسمال وحظوة في الزاوية لأنه قضى فترة

طويلة في خدمة الشيخ وفي تطبيق كل التعاليم الطرقية. ويصبح ذلك الطبيب أو التاجر وغيره من النماذج التي لاحظناها يأتمر بأمر المقدم الذي لا يمتلك أي رأسمال مادي أو سياسي أو علمي أو رياضي أو غيره. في الحقل الطرقي يتحول المهيمن خارج هذا الحقل مهيمنًا عليه، ويتحول المهيمن عليه إلى موقع يمكنه من

الهيمنة النسبية. لذلك يتم توحيد الألقاب داخل الزاوية والكل ينادي الآخر بكلمة «سيدي». وتتفسخ الألقاب التي يحملونها خارج الزاوية. إنها فضاء لإعادة إنتاج تراتبية اجتماعية أخرى بناء على مقاييس مختلفة يفرضها الحقل الطرقي. وتظهر أهمية الرأسمال الطرقي في حالات الصراع داخل الجماعة الطرقية على موقع المشيخة باعتباره قمة المواقع وأعلاها في الحقل الطرقي، كالذي وقع داخل الطريقة الإسماعيلية بعد موت الشيخ إسماعيل عام 1994، إذ وقع الصراع بين الشيخ محمد بن عمر والشيخ أبي القاسم البلخيري لخلافة الشيخ إسماعيل. حينها اعتمدت مقاييس غير المقاييس الاجتماعية أو السياسية أو المادية، فاشتغل الحقل الطرقي وفق خصوصية الرأسمال الطرقي، وهو ما نتج منه ميلاد الطريقة القاسمية، فيما أبقى الشيخ محمد بن عمر على الطريقة الإسماعيلية وظل مقدمًا لها ولم يظفر بلقب المشيخة. الاستنهاض نفسه للرأسمال الطرقي تم في عام 2002 عندما انشق الشيخ

عبد الحفيظ عن الطريقة القاسمية، واعتمد هذا الشيخ الشاب التقي الورع منذ طفولته، وهو المثقف (خريج كلية الشريعة)، على رأسمال رمزي علمي وعملي يشهد له به الجميع، واستثمر هذا الرأسمال ليشكك في أهلية

خريف 2012

شيخه أبي القاسم (الأمّي الذي ليس له أي مستوى علمي بشهادة أتباعه أنفسهم). وادعى عبد الحفيظ المشيخة

لنفسه واتبعته نخبة من الشباب، وأسس طريقة أطلق عليها اسم الطريقة المحمدية. لقد نجحت الطريقة في إحكام بنية حقلها وضبط قوانين لعبته وأعادت إنتاج الصراع الاجتماعي والهرمية

الاجتماعية على نحو جديد يفسح المجال للفقراء والمهمشين لاسترجاع حظوظ رمزية وتعويضها بمقص في

«الحظوظ الاجتماعية» في مجتمع يمر بتحولات سوسيولوجية قاهرة. لذلك أعاد مفهوم «المقامات» الصوفية

(وهي مراتب يبلغها الصوفي في رحلته الذوقية نحو الحقيقة اللادنية) إنتاج مفهوم الطبقة الاجتماعية. فمن فاته

الترقي في الطبقات المجتمع تمنحه الزاوية فرصة أخرى للترقي.

خاتمة

حاولنا في هذه الدراسة أن نجيب عن سؤال أساسي وهو: ما الذي جعل الطرق تزدهر في الحالة المغاربية (وحتى

عالميًا) في العقدين الأخيرين، وبخاصة في تونس التي اعتقدنا أنها قطعت شوطا في التحديث واستطاعت أن

تتخطى بعض البنى التقليدية. وقد عمل الخطاب السياسي التونسي البورقيبي والدولة الوطنية على ترسيخ فكرة

القطع مع النموذج التقليدي للثقافة منذ أن أغلق جامع الزيتونة فجر الاستقلال. حاولنا أن نجيب عن هذه

الإشكالية من خلال تفكيك الجسم الطرقي من داخله. ونعتقد أن ما قمنا به من تحليل للمستويات التأصيلية

الأربعة (المعرفة والفقه والمخيال والحقل) كشف عن قدرة هذا الجسم الاجتماعي الحامل لثقافة دينية على استثمار

كل ما أمكنه ليعيش ويتواصل ويقدم خدمة لجزء من المجتمع وجد ضالته فيه. فاستثمر العقل القياسي في

مستوى المعرفة وأسس على ذلك الأساس منظومة فقهية خاصة به ثم اعتمد بنية المخيال الديني الضارب في

مشترك الثقافات الإنسانية [النسق الدائري والدوري وأنساق الصعود] ليبني رؤيته للعالم ويؤثثه على نحو لا

يخلو من انتظام في داخله، ثم كي يكون جسامً صلبًا استوى حقلا بمنطق الحقول الاجتماعية نفسه كي يحفظ

لنفسه وجوده في مجتمع متقلب. وفي كل ذلك وفّر لتابعيه الزعيم المخلص من خلال مركزية الشيخ الملهم الذي

يوفر الوظائف الرمزية التي يحتاجها الفرد في صراعه اليومي مع البقاء (فالشيخ طبيب الأرواح والأبدان، وهو

الأب والنبي والمعلم والزعيم والحامي والمطعم....). وهو ما لم توفره زعامات سياسية أخرى. فتم الفرار في

وجه من الوجوه من زعيم مستبد إلى زعيم مهيمن بأقل تكلفة ممكنة للصراع. هذه الدراسة تظل في حاجة إلى البحث في السيرورة التاريخية لهذه المحاور والمنطلقات التأصيلية، ومدى إمكان

بقائها أو اندثارها وفقًا لما يتلاطم حولها من أمواج التحولات التاريخية العاصفة. وأيًّا تكن النتيجة التي توصلنا

إليها، فإن تواصل الجسم الطرقي فاعلا ومنفعلا بالنظرية المعرفية نفسها القديمة ووظائفه الكلاسيكية، وإقبال

الناس عليه فارين من مجتمع هم صانعوه، إنما يمثلّان في نظرنا سببًا لأزمة قادمة أو نتيجة لأزمة مزمنة أو

كليهما معًا.

المراجع

الكتب ابن الطيب، محمد. إسلام المتصوفة. بيروت: دار الطليعة ورابطة العقلانيين العرب، 2007. (الإسلام واحدًا

ومتعددًا.)

أفاية، محمد نور الدين. الغرب المتخيل: صور الآخر في الفكر العربي الاسلامي الوسيط. بيروت: المركز الثقافي

العربي،.2001 إلياد، ميرسيا. صور ورموز. ترجمة حسيب كاسوحة. دمشق: منشورات وزارة الثقافة السورية،.1998 التيجاني، محمد بن عبد الله. الفتح الرباني فيما يحتاج إليه المريد التيجاني. بيروت: المكتبة الثقافية،.]1999[الجابري، محمد عابد. بنية العقل العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية. الدار البيضاء: المركز

الثقافي العربي،.1986 الجرجاني، علي بن محمد. التعريفات. بيروت: دار الكتاب اللبناني؛ دار الكتاب المصري،.1991 الجيلاني، عبد القادر. الفتح الرباني والفيض الرحماني. بيروت: المكتبة الشعبية،.1988. فتوح الغيب. تونس: مكتبة المنار، [د. ت.]. الحكيم الترمذي، محمد بن علي. كتاب ختم الأولياء. بيروت: دار الكتب العلمية،.1999 السهروردي، أبو حفص عمر بن محمد. عوارف المعارف. ط 2. بيروت: دار الكتاب العربي،.1983 السيد، رضوان. مفاهيم الجماعة في الإسلام. ط 3. بيروت: دار جداول،.2011 الشعراني، أبو المواهب عبد الوهاب بن أحمد. الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية. حققه وقدم له طه عبد

الباقي سرور ومحمد عيد الشافعي. بيروت: مكتبة المعارف،.1993. اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر. بيروت: دار صادر،.2003 العامري، نللي سلامة. الولاية والمجتمع: مساهمة في التاريخ الديني والإجتماعي لإفريقية في العهد الحفصي.

بيروت: دار الفارابي،.2006 عيسى، لطفي. أخبار المناقب في المعجزة والكرامة والتاريخ. تونس: دار سراس،.1993 ________. كتاب السير: مقاربات لمدونات المناقب والتراجم والأخبار. تونس: دار المعرفة للنشر،.2007 ________. مدخل لدراسة مميزات الذهنية المغاربية خلال القرن السابع عشر. تونس: دار سراس،.1994 ________. الولاية والمجتمع. ط 2. بيروت: دار الفارابي،.2006 الكلاباذي، أبو بكر محمد بن إسحق. التعرف لمذهب أهل التصوف. تحقيق أحمد شمس الدين. بيروت: دار

الكتب العلمية،.1993 الهادفي، إسماعيل. منن الرحمان في مذاكرات قطب الزمان. [تونس]: مكتبة الربع توزر، [د. ت.]. دورية أفاية، محمد نور الدين. «الرموز والمتخيل: نموذج جيلبير ديران». الفكر العربي المعاصر: العددان 53-52،

أيار/مايو – حزيران/ يونيو.1988

رسائل وأطروحات عيسى، لطفي. «مغرب المتصوفة، الانعكاسات السياسية والحراك الاجتماعي من القرن 10 م إلى القرن 17 م». (أطروحة دكتوراه الدولة، مركز النشر الجامعي، كلية العلوم الانسانية والاجتماعية، تونس،.)2005 مرزوقي، حسن. «صورة القيامة في التفسير: الطبري والرازي أنموذجًا.» (دراسة أعدت لنيل شهادة الدراسات المعمقة، كلية الأداب منوبة.)

Berque, Jacques. L’Intérieur du Maghreb: XVe-XIXe siècle. [Paris]: Gallimard, 1978. (biblio­

Bourdieu, Pierre. Propos sur le champpolitique. Introd.de Philippe Fritsch. Lyon: Presses uni­

Chebel, Malek. L’Imaginaire arabo-musulman. Paris: Presses universitaires de France, 1993.

Durand, Gilbert. Les Structures Anthropologiques de l’imaginaire. 11ème éd. Paris: Dunod,

Durkheim, Emile. Les formesélémentaires de la vie religieuse: Le Systèmetotémique en Aus­ tralie. 4 ème edition. Paris: Presses universitaires de France, 1960. (Bibliothèque de phi­

Eliade, Mircea. Le Mythe de l’éternel retour: Archétypes et répétition.Nouv. éd. rev. etaugm.

________. Le Sacré et le profane. [Paris]: Gallimard, 2005. (Collection Folio. Essais; 82) _______. Traitéd’histoire des religions.Préface de Georges Dumézil. Paris: Payot, 1974. (pay­

Cabin, Philippe. “Dans les coulisses de la domination.» Sciences Humaines: no. 105 (numéro

«Petit vocabulairebourdieusien.» Sciences Humaines: no. 15 (numéro special: L’Oeuvre de

خريف 2012

Books

thèque des histoires)

versitaires de Lyon, 2000. __________. Questions de sociologie.Tunis:Cérès Productions, 1993.

(Sociologie d’aujourd’hui)

1993. (Psycho Sup)

losophiecontemporaine)

[Paris]: Gallimard, 1989. (Collection Folio. Essais; 120)

othèque)

Periodicals

special: Le Monde selon Bourdieu), Mai 2000.

Pierre Bourdieu), Février-Mars 2012.