العودة إلى تفاصيل المؤلَّف جدلُ الوَالي والوليْ في التجربة الصوفيَّة المصريّة

جدلُ الوَالي والوليْ في التجربة الصوفيَّة المصريّة

The Dialectic of Master and Disciple in the Egyptian Sufi Experience

محمد حلمي عبد الوهاب*

الملخّص

تلعب الجماعات الصوفية في مصر دورًا على المستويات السياسية والاجتماعية والتنموية نظرًا إلى صلتها الوثيقة بالمجتمع وما ينتجه من مظاهر تنعكس على النواحي الدينية والحضارية التي جسدت في الحياة اليومية، وتحديدًا في التاريخ المصري الوسيطط الذي بدأ حين تحالفت جماعة صوفية من الأندلسيين وتعاضدت مع قبيلة لخم في الإسكندرية. وسرعان ما انفك التحالف وهُزمت لخمم لمصلحة الجماعة الأندلسية.ّ منذ ذلك الوقت أخذت الجماعات الصوفية تلعب دورها الخاص من خلال تأسيس شبكة من العلاقات والمؤسسات الطرقية التي ساهمت في بناء موقع متميز في ساحة الحياة العامة، وهو ما كان له أثره في ترتيب قنوات اتصال ما بين أرباب التصوف وتشكيلات السلطة والمجتمع.

Abstract

Sufi groups in Egypt play a role on the political, social, and development level given their firm link with society and the effects they produce on religion and culture in daily life, especially in the Middle Ages in Egypt, which began when a group of Andalusian Sufis allied and cooperated with the Lakhum tribe in Alexandria. This alliance soon broke apart and Lakhm were defeated to the benefit of the Andalusian group. From that time, Sufi groups have played a special role by founding a network of Tariqa relationships and institutions that helped construct a distinct situation in public life, which had an effect on the channels of communication between the Sufi masters and the structures of authority and society.

الكلمات المفتاحية:
  • والي
  • الصوفية المصرية
  • شيوخ الطريقة
  • طقوس العبادات
Keywords:
  • Saint
  • Sainthood
  • Egyptian Sufism
  • Lakhum Tribe

تلعب الجماعات الصوفيّة في مصر دورًا على المستويات السياسيّة والاجتماعية والتنمويّة نظرًا

إلى صلتها الوثيقة بالمجتمع وما ينتجه من مظاهر تنعكس على النواحي الدينيّة والحضاريّة التي

تجسّدت في الحياة اليوميّة، وتحديدًا في التاريخ المصري الوسيط الذي بدأ حين تحالفت جماعة صوفيّة

من الأندلسيين وتعاضدت مع قبيلة لخم في الإسكندرية. وسرعان ما انفكّ التحالف وهُزمت لخم

لمصلحة الجماعة الأندلسيّة. منذ ذلك الوقت أخذت الجماعات الصوفيّة تلعب دورها الخاص من خلال تأسيس شبكة من

العلاقات والمؤسّسات الطرقيّة التي ساهمت في بناء موقع متميّز في ساحة الحياة العامة، وهو ما كان

له أثره في ترتيب قنوات اتّصال ما بين أرباب التصوّف وتشكيلات السلطة والمجتمع.

مقدّمة

لا شك في أنّ دراسة التصوف الإسلامي في مصر تعد من الأهمية بمكان؛ لصلته الوثيقة بالمجتمع المصري لناحية تنظيمه السياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ، وانعكاس ذلك كله على النواحي الدينية

والحضارية في التاريخ المصري الوسيط، ومن ثم على درجة تقدم المجتمع أو تأخره في الوقت الراهن. والحال أننا عندما نتحدث عن التصوف الإسلامي، فإننا نتناول بالبحث والتحليل «نظامًا عمليًا ذا صبغة دينية

أو روحية، [مع ملاحظة] أن الأنظمة العملية [عادة ما] تتخذ من الفكر مرآة تتجلى فيها دائامً، وهي تجعل من ذلك أساسها النظري».

1 ت. ج د ي بور، تاريخ الفلسفة في الإسلام، نقله إلى العربية محمد عبد الهادي أبو ريدة، ط 2 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،

2010)، ص.93

خريف 2012

وعلى الرغم من ظهور العديد من الدراسات والكتابات الفقهية والفلسفية التي تناولت «التصوف المصري» في مراحله المختلفة، فإن معظمها اهتم بدراسة النواحي الفقهية والنظرية بالدرجة الأولى، فظلت تلك الدراسات متأرجحة ما بين دراسة لأفكار المتصوفة أنفسهم وبيان مدى صحتها أو خطئها من جهة، ودراسة طرقهم وخانقاواتهم وتنظيماتهم الاجتماعية من جهة أخرى. وفي ما عدا بعض الدراسات القليلة التي اهتمت بدراسة النواحي «السياسية والاجتماعية» للتصوف المصري - كعلاقة المتصوفة بالسلطة والمجتمع، وطبيعة تلك العلاقات التي كان لها أكبر الأثر في كثير من شؤون المجتمع الذي عاشوا فيه وارتبطوا بمنحى صعوده وهبوطه الروحي، بقي جل هذه الكتابات متخندقًا بين اتجاهين: فإمّا أن تقف مناوئة للتصوف من ناحية المبدأ والمنتهى، وإمّا أن تقف مساندة له من ناحية

المضمون والأهداف. ونتيجة لذلك، بدا واضحًا أنّ الكتابات التي اتسمت بالاعتدال تكاد تكون عديمة الوجود، وذلك يرجع في

المقام الأول والأخير إلى خطأ في المنهج الذي يُستخدم، وسيطرة فكر معين على الباحث أو الكاتب قبل البدء في

عرض موضوعه.

2 منها على سبيل المثال: توفيق الطويل، التصوف في مصر إبان العصر العثماني، السلسلة الفلسفية والاجتماعية؛ 3 (القاهرة: مكتبة

الآداب، 1946)؛ عامر النجار، الطرق الصوفية في مصر: نشأتها ونظمها وروادها الرفاعي، الجيلاني، البدوي، الشاذلي، الدسوقي

(القاهرة: دار المعارف، 1995)، وأحمد صبحي منصور، العقائد الدينية في مصر المملوكية بين الإسلام والتصوف، تاريخ المصريين؛ 186

(القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.)2000

3 من هذه الدراسات، على سبيل المثال، كتاب الدكتور فاروق أحمد مصطفى، البناء الاجتماعي للطريقة الحامدية الشاذلية في مصر:

دراسة في الأنثربولوجية الاجتماعية، الذي اعتمد مؤلفه الاتجاه البنائي الوظيفي كمنهج بحث معمول به في الأنثربولوجيا الاجتماعية

لبحث الطريقة الشاذلية. بيد أنها لم تعول، في المقابل، إلا على هذه الطريقة، ولم توسع من امتداداتها وجذورها التاريخية، ولم توظف أفكارًا

من مثل: البناء الاجتماعي- الضبط الاجتماعي- القرابة الشعائرية، أو تسقطها على التصوف خلال مراحل تكوينه وتطوره، وكان من

الممكن لها أن تربط مفهوم «القرابة الشعائرية» بسلسلة «الإسناد الصوفي»، وأن تربط كاريزما الولاية بسمات الشخصية الصوفية، بغض

النظر عن طبيعة انتماءاتها الطرقية.

أيضًا من الدراسات المهمة في تحليل الجوانب الاجتماعية للتصوف كتابات العلامة الراحل الدكتور سيد عويس الذي، على الرغم من أن

اهتمامه بطقوس التصوف كان يقع ضمن اشتغاله الأول بشرح العادات والتقاليد المصرية، إلا أنه في دراسته الرائدة «رسائل إلى الإمام

الشافعي: دراسة سوسيولجية» قدَّم تحليلا عميقًا لبناء السلطة عند المتصوفة كما يتجلى من خلال «الحكومة الباطنية»، وهو ربط بصورة

رصينة ما بين اللجوء إلى الأولياء ومفهوم «الجرائم غير المنظورة.»

ومن الدراسات المهمة كذلك، دراسة الدكتور محمد صبري الدالي بعنوان: الخطاب السياسي الصوفي في مصر: قراءة في خطاب عبد الوهاب

الشعراني للسلطة والمجتمع، وعمل فيها على قراءة موقف المجتمع من السلطة، ممثلا في شخص الشعراني، استنادًا إلى نظرية دور الفرد

في صناعة التاريخ، كما قدّم تحليلا جيدًا لسلطة الشيوخ في المجتمع المعاصر، غير أن التزامه بنظرية «البطل الفرد» أفضى في ما يبدو إلى

«شخصنة» السلطة ممثلة في الشعراني، على حساب الإطار المعرفي والأخلاقي للفكر الصوفي. وبطبيعة الحال ثمة العديد من الدراسات

غير المتخصصة ذات الطابع الصحافي التي تفتقد في كثير من الأحيان الرصانة العلمية أو الأصالة المنهجية، وإن كثر كتّابها وذاع صيتها

في الأوساط غير العلمية!

4 تكفي للدلالة على هذا الاتجاه عشرات الكتب ذات الصبغة السلفية الوهابية التي انتشرت مؤخرًا، والتي تشي بدءًا من مجرد عنوانها

بمعاداة التصوف كلية والنظر إليه باعتباره خارجًا عن أطر الإسلام الدينية والثقافية والحضارية. كنموذج لهذه الكتابات قارن ب:

عبد الرحمن الوكيل، هذه هي الصوفية، ط 3 (بيروت: دار الكتب العلمية،.)1979

5 فضلا عن الكتابات الصوفية التي تصدر عن شيوخ الطرق ورواد التصوف، ثمة اتجاه متنام للاهتمام بالتصوف لدى أصحاب

التوجهات العلمانية أو الليبرالية، وذلك يتم من خلال التركيز على منظومة القيم الصوفية ذات الصبغة الإنسانية، وفي مقدمتها وحدة

الأديان والتسامح، والإعلاء من شأنها في مواجهة القيم العنصرية التي تبشر بها التيارات الأصولية. كنموذج لهذه الكتابات قارن ب: نصر

حامد أبو زيد، هكذا تكلم إبن عربي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.)2002

6 قارن بالتقديم الذي كتبه عاصم الدسوقي، في: محمد صبري محمد يوسف، دور المتصوفة في تاريخ مصر في العصر العثماني (-1517

)1798 (الشرقية، [مصر]: دار التقوى للنشر والتوزيع، 1994)، ص.8-7

جدلُالوَالي والولي في التجربة الصوفيَّة المصريّة

فعلى الرغم من أن المتصوفة، كما صنفوا أنفسهم، وكما يتناولهم الباحثون منذ أول وهلة، فرقة دينية في الأساس، فإن هذا المدخل الديني - وإن كان صحيحًا في مظهره - مخادع وغير كاف لبحث تاريخهم بشكل جاد، لأن الحياة

التي عاشوها، والأمور التي مارسوها سرعان ما تكشف لنا عن حقائق وأمور جديدة تخرج في تقييمها العام عن هذا الإطار الصوفي/الديني التقليدي. ولما كان المتصوفة، في التحليل الأخير، يُكوّنون جزءًا كبيرًا من نسيج المجتمع الإسلامي بصفة عامة، والمصريّ

بصفة خاصة، فقد كان لهم دورهم السياسي، ووضعهم الاقتصادي، ومكانتهم الاجتماعية، وإسهاماتهم الفكرية على مدى الحقب التاريخية المتتابعة. ومما يزيد من أهمية التركيز على جملة الأدوار السياسية والاجتماعية - بل والتنموية أيضًا- لجماعات المتصوفة، ما تحتله هذه الجماعات من حضور لافت في المشهد السياسي والاجتماعي المصري المعاصر، وما تتمتع به من ثقل رمزي وازن، بخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ التجربة الصوفية يمكنها أن تغير، ليس حياة المتصوف فحسب، وإنما طبيعة اندماجه في المجتمع ككل أيضًا. ولعل ذلك هو ما دفع البعض إلى القول: «إن التصوف هو دعامة المتعالي وسنده عندما يتهاوى الأمل في كل ما هو مجتمعي». وغني عن القول إن تلك الأوضاع والأدوار والإسهامات التي قام بها المتصوفة طوال التاريخ الإسلامي تحتاج

منا إلى مزيد من البحث والاستقصاء لبيان حجمها وتقييمها، وصولا إلى توضيح مدى تأثيرها في التاريخ العام، إن بالسلب أو بالإيجاب. وأكبر دليل على ذلك هو أن الطرق الصوفية كانت بمثابة المدارس الروحية التي نشأت في الإسلام من أجل تربية السالكين تربية إسلامية صحيحة؛ فكل مدرسة من هذه المدارس عُرفت باسم مؤسسها، وانفردت بمنهجها في الإصلاح والإرشاد. وبالتالي، فإن أهمية الطرق الصوفية في الإسلام «راجعة إلى أنها تمثل لنا الجانب العملي من التصوف، وهو جانب ارتبط بحياة المجتمعات الإسلامية وجماهير الناس فيها

عبر عصور التاريخ ارتباطًا مباشرًا ». أضف إلى ذلك أيضًا، أن الولي، أولا وأخيرًا، إنسان لا يعيش على هامش الكون، بل هو قريب من الله وقريب

من الناس. ومن ثم كان تأكيد المتصوفة الدائم أن خدمة الخلق جزء لا يتجزأ من عبادة الحق، فقرب الولي من الناس، كما شأن موضوعات كراماته، يُعَدُّ في جوهره امتدادًا لقرب الأنبياء من الخلق على علو مكانتهم

وسمو منزلتهم. بمعنى آخر، إن الأولياء ينتمون إلى التاريخ، والولاية تلقي بظلالها على التاريخ أيضًا؛ تتأثر به وتؤثر فيه. واتساقًا مع ما سبق، سننطلق في دراستنا هذه من الناحية التاريخية، فنسلط الضوء على موقع التصوف المصري

في السياق التاريخي أولا، ثم نبدأ تحليل جملة الانعكاسات السياسية والحراك الاجتماعي لوضعية الطرقية الصوفية تاريخيًا.

7 تشير الإحصائيات غير الرسمية إلى وجود 72 طريقة صوفية ينضوي تحتها قرابة 18 مليون مريد.

8 جان شوفيلي، التصوف والمتصوفة، ترجمة عبد القادر قنيني (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 1999)، ص.134

9 أبو الوفا الغنيمي التفتازاني، الطرق الصوفية في مصر، رسائل المجلس الأعلى للطرق الصوفية؛ رقم 2 (القاهرة: المجلس الأعلى للطرق

الصوفية، 1991)، ص.9

خريف 2012

التصوف المصري في سياق تاريخي

تكاد تجمع المصادر التاريخية والدراسات الصوفية على أن ذا النون المصري (ت 245 ه) من هو أول غرس بذور التصوف في مصر، وعلى أنه شاركه في غرسها - إبان القرن الثالث الهجري- صوفيان آخران

لهما مكانتهما الروحية العظيمة، هما أبو بكر الزقاق المصري (ت 313 ه) وأبو الحسن بن بنان الحامّل (ت 316 ه). على أن أول ظهور لطوائف الصوفية في مصر كان في نهاية القرن الثاني للهجرة، حين ظهرت بالإسكندرية عام 198 ه 813/م أول جماعة للصوفية تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ترأس عليها رجل يقال له أبو عبد الله الصوفي. ففي تلك الأثناء، ثار الجند للمرة الثانية ضد الوالي الحسن بن عبيد الأنصاري، فاستخلف عمر بن هلال على الإسكندرية ثم عزله الوالي، فلما عُزل كتب إليه عبد العزيز الجروي (رئيس

الشرطة السابق) يأمره بالوثب على الإسكندرية والدعاء له بها، وأن خيُ رج الفضل بن عبد الله منها. فبعث عمر بن هلال إلى الأندلسيين فدعاهم إلى القيام معه، فأخرج الفضل ودعا إلى الجروي، فوثب أهل الإسكندرية على الأندلسيين، فأخرجوهم وردّوا الفضل عليهم، ثم انتهت الأمور بعزل خليفة المطلب بالإسكندرية

على يد عمر بن هلال، فأقبل الأندلسيون عليه، وكان قد بلغه عنهم بعض فساد، فأمر بإخراجهم من الإسكندرية. ثم تحالفت جماعة الصوفية مع الأندلسيين فصاروا يدًا واحدة، واعتضدوا بلخم (أقوى قبيلة في الإسكندرية)،

فخوصم أبو عبد الرحمن الصوفي إلى عمر بن هلال، فوجد في نفسه من ذلك، فألف بين الأندلسيين ولخم، ورجاهم أن يدركوا عمر بن هلال، فساروا إليه وهم زهاء عشرة آلاف، وحاصروه في قصره، وقتلوه في ذي القعدة 200 ه. ثم فسد أمر لخم والأندلسيين عند مقتله، فتقاتلا فهُزمت لخم، وولى الأندلسيون

10 ذو النون المصري: هو ثوبان بن إبراهيم، كان أوحد وقته علامً، وورعًا، وحالا، وأدبًا. سعي به إلى المتوكل، فاستحضره من مصر، فلما

دخل عليه ووعظه بكى وردّه إلى مصر مكرمًا. وكان المتوكل إذا ذكر بين يديه أهل الورع يبكي ويقول: إذا ذكر أهل الورع فحيهلا بذي

النون [أي أسرع بذكره، فإنه أفضلهم]. قارن ب: عبد الكريم بن هوازن القشيري، الرسالة القشيرية، تحقيق عبد الحليم محمود ومحمود ابن

الشريف (طهران: انتشارات بيدار، 1931[])، ص 38-37. [طبعة مصورة عن طبعة دار الشعب، القاهرة، 1350 ه.]

11 أبو بكر الزقاق: هو أحمد بن نصر الزقاق الكبير، كان من أقران الجنيد، ومن أكابر مصر. قال الكتاني: لما مات الزقاق انقطعت حجة

الفقراء في دخولهم مصر (بمعنى أن الفقراء الذين يدخلون مصر بعد وفاته يتهمون بأن دخولهم مصر إنما يكون للاستزادة المادية ليس إلا،

على اعتبار أن الاستفادة الروحية قد انعدمت بوفاته). وقال السخاوي: هو آخر من كان قائامً بناموس الفقراء في مصر. راجع ترجمته في:

عبد الرؤوف محمد بن علي المناوي، الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية، حققه وضبطه وعلق عليه وعرف أعلامه وأعد فهارسه

محمد فتحي أبو بكر، 5 مج (القاهرة: مكتبة الدار العربية للكتاب، 2009)، مج 2، ص 384-382. ومما اشتهر عنه من أمر مقاطعته

السلطة أنه تاه في صحراء سيناء خمسة عشر يومًا، فلما وقع على الطريق استقبله جندي، فسقاه شربة ماء، فعادت قسوتها على قلبه ثلاثين

عامًا! انظر: القشيري، ص.79

12 أبو الحسن بنان الحامّل: واسطي الأصل، نزل مصر وأقام فيها، وكان يضُرب بعبادته المثل، وهو من جلة المشايخ القائلين بالحق،

الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر. صحب الجنيد البغدادي وغيره من مشايخ وقته، وهو أستاذ النوريّ ومن أقرانه. كان كبير القدر،

لا يقبل من الدولة شيئًا، وقد امتُح ن في ذات الله فصبر. ومن كراماته أنه أُلقي به بين يدي السبع (بأمر خمارويه بن أحمد بن طولون لما اشتدّ

الحمال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، فجعل السبع يشمه ولا يضره! فلما أ خرج، قيل له: ما الذي كان في قلبك حين شمّك السبع؟

قال: كنتُ أفكر في اختلاف العلماء في سؤر السبع (أي في رطوبة فمه: هل هي طاهرة أم لا؟). انظر: المصدر نفسه، ص 91. وراجع ترجمته

في: المناوي، مج 2، ص.410-407

13 أبو عمر محمد بن يوسف الكندي، كتاب الولاة وكتاب القضاة، مهذبها ومصححها رفن كست (بيروت: مطبعة الآباء اليسوعيين،

1908)، ص 162، وكامل مصطفى الشيبي، الصلة بين التصوف والتشيع، ط 2 (القاهرة، دار المعارف، 1969)، ص.232

14 الكندي، ص.162-153

جدلُالوَالي والولي في التجربة الصوفيَّة المصريّة

أبا عبد الرحمن الصوفي عنوة على الإسكندرية، فبالغ في الفساد والقتل، فعزلوه وول وا رجلا منهم

يُعرف بالكناني. وعلى ما يبدو، فإن هذه الجماعة كانت تحيط بعيسى بن المنكدر الذي ويلّ قضاء مصر في عهد الخليفة المأمون

العباسي، فكانوا يأتونه وهو في مجلس الحكم يشتكون من ضياع الإسلام، فيترك المجلس ويمضي معهم لتفقّد

شكواهم، ثم لم يزالوا به حتى جعلوه يكتب للمأمون بما لا يرضيه فخلعه. ومما أُثر عنه أيضًا، أنهم تسببوا في خلع بعض الولاة، كأبي إسحاق المعتصم أحد ولاة مصر في عهد المأمون،

مقتفين بذلك «أثر سلفهم من كبار الصوفية في هذه النزعة العملية وفي الإيمان بجدوى العمل السياسي، ولم

يمنعهم تصوفهم من المشاركة الفعلية في أمور الدنيا واعتبروا التصوف عقيدة وجهادًا». وإلى حدود العام 200 ه لم يُعرف المتصوفة كفرقة أو طائفة مميزة عن باقي الطوائف والفرق الإسلامية الأخرى،

بل غلب على الرعيل الأول منهم طابع الزهد، كما كان أكثرهم يجمع بين الاشتغال بالفقه والتصوف. ومن

أشهر زهاد الفقهاء حتى ذلك الوقت: عبد الرحمن بن حجيرة الخولاني (ت 83 ه) الذي عُرف بزهده وعلمه،

حتى قيل إن رجلا من أهل مصر سأل ابن عباس عن مسألة فقال له: تسألني وفيكم ابن حجيرة؟!، ويزيد بن

حبيب (ت 128 ه) الذي كان مفتيًا لأهل مصر، وكان الليث بن سعد يقول عنه: «هو عالمنا وسيدنا»، وحيوة

بن شريح بن صفوان التجيبي (ت 158 ه) الذي كان يأخذ عطاء في السنة ستين دينارًا، فلا يطلع إلى منزله حتى

يتصدق بها، ثم يجيء إلى منزله فيجدها تحت فراشه، وبلغ ذلك ابن عم له فأخذ عطاءه فتصدق به كله وجاء إلى

تحت فراشه فلم يجد شيئًا، فشكا إلى حيوة فقال: أنا أعطيت ربي بيقين وأنت أعطيته تجربة [اختبارًا]!!، والليث

بن سعد (ت 175 ه) الذي قال عنه الشافعي: «الليث أفقه من مالك بن أنس، إلا أن أصحابه لم يقوموا به!»

وكان أمراء مصر لا يقضون أمرًا من دونه، وإذا خالفه أحد في شيء كاتب فيه الخليفة، وقد أراد الخليفة المنصور

أن يوليه مصر إلا أنه أبى. ومن المعلوم أن ثمة أسبابًا سياسية ساهمت بدورها في انتشار التصوف بمصر، وفي مقدمتها ارتفاع وتيرة

الاضطهاد والتنكيل بآل بيت النبي (ﷺ) من العلويين. ونحن نعلم أن كثيرًا منهم أتوا إلى مصر ليكونوا بعيدين

عن حملة الاضطهادات والمضايقات الواسعة التي نالتهم على أيدي الخلفاء العباسيين. وفي مقدمة من أتوا إليها: السيدة نفيسة (رضي الله عنها)، برفقة زوجها إسحاق بن جعفر الصادق، هربًا من

اضطهاد العباسيين. ولم نسمع أن أحدًا تعرّض للعلويين في مصر بسوء طوال ذلك العهد إلى أن كان زمن

الخليفة المتوكل على الله العباسي (-232 247 ه)، وكان يبغض العلويين، فأرسل كتابًا هو وابنه المنتصر -

15 المصدر نفسه، ص 164-162. وقارن أيضًا ب: أحمد بن أبي يعقوب اليعقوبي، تاريخ أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن

واضح الكاتب العباسي المعروف باليعقوبي، تحرير مارتن ثيودور هوتسما، 2 ج (ليدن: مطبعة بريل، 1883)، ج 2، ص.532-531

16 اليعقوبي، ج 2، ص.174

17 في تاريخ اليعقوبي أن يحيى بن أكثم وشى بالمعتصم إلى المأمون وقال له إنه بلغني أنه يحاول الخلع، فوجه إليه يأمره بالقدوم، وأن

يكون مقيامً حتى يوافيه، فسار على مائتي بغل اشتراها، واستخلف على الفسطاط عبدويه بن جبلة. انظر: المصدر نفسه، ج 2، ص.597

18 توفيق بن عامر، «الصوفية والعقيدة الجبرية،» دراسات فلسفية وأدبية: تكامل أصناف المعرفة، العددان 5 – 6 (1981-1980)،

ص.94

19 قارن ب: هويدا عبد العظيم رمضان، المجتمع في مصر الإسلامية من الفتح العربي إلى العصر الفاطمي، 2 ج (القاهرة: الهيئة المصرية

العامة للكتاب، 1994)، ج 2، ص 152 و.169-168

20 أبو العباس أحمد بن علي المقريزي، الخطط والآثار في مصر والقاهرة والنيل وما يتعلق بها من الأخبار ([القاهرة: د.ن].، 1916)،

ج 2، ص.441

خريف 2012

صاحب أقطاع مصر آنذاك- إلى والي مصر إسحاق بن يحيى يأمره بإخراج آل علي بن أبي طالب من مصر؛

فأُخرجوا من الفسطاط في رجب عام 236 مروا بالخروج إلى المدينة في شوال ه إلى العراق وهناك أُ 236 ه،

أما الذين بقوا في مصر من العلويين فقد اُضطروا إلى الاختفاء. ولما قُتل المتوكل في شوال 274 ه وبويع ابنه المنتصر بالخلافة، أقر يزيد بن عبد الله على ولايته بمصر وأرسل إليه

كتابًا يقضي فيه بألا يمتلك علوي ضيعة، ولا يركب فرسًا، ولا يسافر من الفسطاط إلى طرف من أطرافها، وأن

يُمنعوا من اتخاذ العبيد إلا العبد الواحد، وإن كانت بينه وبين أحد من الطالبين خصومة من سائر الناس قُبل

قول خصمه فيه ولم يُطالَب ببينة. وفي الأحوال كلها، استمرت حركة التصوف في مصر في القرنين الرابع والخامس الهجريين، فكان من

أبرز رجالاتها: أبو علي الروذباري (ت 322 ه)، أبو الحسن الدينوري الصائغ (ت 331 ه)، أبو الخير

الأقطع التيناتي (ت 343 ه)، أبو علي بن الكاتب (ت 340 ونيف)، أبو بكر الرملي النابلسي (ت 363

ه)، أبو القاسم الصامت (ت 427 ه)، ابن الترجمان (ت 448 ه).

وبحلول القرن السادس للهجرة، ظهرت مدرسة صوفية كبيرة بصعيد مصر أسسها الشيخ عبد الرحيم القنائي

(ت 592 ه)، أحد الزهاد المشهورين والعباد المذكورين، ثم قام عليها من بعده صوفي مصري آخر له مكانته

في عصره، وهو الشيخ أبو الحسن الصباغ (ت 613 ه).

21 سيدة إسماعيل كاشف، مصر في فجر الإسلام: من الفتح العربي إلى قيام الدولة الطولونية (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،

1999)، ص.155-154

22 الكندي، ص 204، والمقريزي، ج 2، ص 339. ومن اللافت للنظر في هذا السياق ما يذكره الكندي في الولاة والقضاةص (-213

214) من أن أحد العلويين، ويقال لهابن الصوفي العلوي، ثار بصعيد مصر عام 253 ه ودخل إسنا في عام 255 ه فنهبها وقتل أهلها،

فبعث إليه أحمد بن طولون جيشا لقتاله، وانتهى أمره بأن ذهب إلى المدينة المنورة حيث أمضى فيها بقية أيامه. ويحكي المقريزي في الخطط

أن يزيد بن عبد الله، أمير مصر، ضرب رجلا من الجند في شيء وجب عليه، فأقسم عليه بحق الحسن والحسين إلا عفا عنه، فزاده ثلاثين

درّة، ورفع ذلك صاحب البريد إلى المتوكل، فورد الكتاب على يزيد بضرب ذلك الجندي مئة سوط. وحمل بعد ذلك إلى العراق في شوال

234 ه.

23 بغدادي الأصل، أقام بمصر ومات فيها. صحب كلا من الجنيد، والنوري، وابن الجلاء. كان من أظرف المشايخ وأعلمهم بالطريقة،

سئل ذات يوم عمن يسمع الملاهي ويقول: هي لي حلال، لأني وصلت إلى درجة لا تؤثر فيّاختلاف الأحوال. فقال: نعم، قد وصل،

ولكن إلى سقر!! انظر: القشيري، ص.99

24 علي بن محمد بن سهل الدينوري. أقام بمصر، ومات فيها. وكان قد أنكر على تكين، أمير مصر، شيئًا فنفاه إلى القدس فلما وصل إليها

قال: كأني بالبائس – يعني تكين- وقد جيء به في تابوت إلى هنا، فإذا أدني من الباب عثر البغل ووقع التابوت فبال عليه! فكان ما ذكره

فقال للتابوت: جئت بالبائس إلى المكان الذي نفانا إليه. ثم ركب وعاد إلى مصر. انظر: جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي،

حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1967)، ج 1، ص.514

25 مغربي الأصل، سكن «تينات»، وله كرامات، وفراسة حادة، من أبرز أقواله: «ما بلغ أحد إلى حالة شريفة إلا بملازمة الموافقة

(للشريعة)، ومعانقة الأدب، وأداء الفرائض، وصحبة الصالحين». صحب ابن الجلاء وغيره، توفي بقرب قبر ذي النون المصري. انظر:

القشيري، ص.101

26 الحسن بن أحمد، صحب أبا علي الروذباري وأبا بكر المصري، وغيرهما. كان كبيرًا في حاله، قيل له ذات مرة: إلى أي الجنبتين أنت

أميل؟ إلى الفقر أم إلى الغنى؟ فقال: إلى أعلاهما رتبة، وأسناهما قدرًا، ثم أنشأ يقول: ولست بنظار إلى جانب الغنى، إذا كانت العلياء إلى

جانب الفقر/ وإني لصبّار على ما ينوبني، وحسبك أن الله أثنى على الصبر! انظر ترجمته المقتضبة جدًا في: المصدر نفسه، ص.104-103

27 السيوطي، ج 1، ص.515

28 المصدر نفسه، ج 1، ص.515

29 المصدر نفسه، ج 1، ص.515

30 أبو الفضل جعفر بن ثعلب الأدفوي، الطالع السعيد الجامع لأسماء الفضلاء والرواة بأعلى الصعيد، طبع على نفقة عبد الرحمن علي

قريط (القاهرة: المطبعة الجمالية، 1914)، ص.208-205

31 هو علي بن حميد بن إسماعيل، شيخ الدهر بلا منازع، كان حسن التربية للمريدين. من أقواله: يرزق العبد من اليقين بقدر ما رزق

من العقل. انظر ترجمته في: المصدر نفسه، ص.208-205

جدلُالوَالي والولي في التجربة الصوفيَّة المصريّة

أما القرن السابع الهجري الثالث عشر الميلادي، فقد جسّد بحق عصر ازدهار تصوف أصحاب الطرق المصرية،

فوفد إليها الشيخ أبو الفتح الواسطي من العراق، وأقام بالإسكندرية وبرشّ بالطريقة الرفاعية (نسبة إلى أحمد الرفاعي (ت 578 ه»). كما وفد إليها عام 634 ه من المغرب السيد أحمد البدوي، مؤسس الطريقة الأحمدية (ت 675 ه)، ووفد إليها من المغرب أيضًا الشيخ أبو الحسن الشاذلي، حوالى عام 642 ه، مؤسس الطريقة الشاذلية، وكان تلميذه أبو العباس المرسي (ت 686 ه) من أبرز القائمين على هذه الطريقة من بعده، ثم خلفه تلميذه ابن عطاء الله السكندري (ت 709 ه). وكذلك ظهر بها الشيخ إبراهيم الدسوقي القرشي (ت 676 ه)، مؤسس الطريقة البرهامية. وبحسب التفتازاني، فإن صوفية القرن الثالث حتى السابع الهجري، سواء المصريين أم الوافدين، يتسمون جميعًا

بالاعتدال في التصوف؛ إذ لم يقل واحد منهم بوحدة الوجود، كما كان تصوفهم بمنأى عن العناصر الأجنبية البعيدة عن روح الإسلام. هذا بالطبع إلى جانب أن صوفية الطرق من المصريين يجمعهم جميعًا طابع خاص، ألا وهو العناية بالجانب العملي

الخلقي من التصوف أكثر من العناية بالخوض في المسائل النظرية. والدليل على ذلك أن محيي الدين بن عربي وصدر الدين القونوي، حينما جاءا إلى مصر لم يجدا لدعوة طريقتهما المعروفة بالأكبرية أي صدى أو قبول يذكر. وكذلك الشأن بالنسبة إلى ابن سبعين الذي أقام في مصر فترة من حياته، ولكن طريقته السبعينية لم تحظ بانتشار واسع، وعلى العكس من هذا لقي المبشرون بالطرق الصوفية الأخرى الذين كانت دعوتهم عملية خلقية –

كالواسطي، والبدوي، والشاذلي، والدسوقي- لدعوتهم صدى وقبولا، ثم شيوعًا وانتشارًا بين أفراد الشعب

المصري منذ القرن السابع الهجري إلى يومنا هذا. ومع ذلك، فإن هذه النزعة العملية لم تحل دون الاهتمام بالجانب التأصيلي النظري على الإطلاق. وبحسب ما يؤكد المستشرق الإسباني ميغيل كروث إيرنانديث، يمكننا أن نميز بين ثلاثة عناصر أساسية ونحن بصدد دراسة ما يسمّى الواقع الروحي الإسلامي، وهذه العناصر هي: معلومات الوحي ومعناها الفقهي أو القانوني (الشريعة)؛ الجانب الروحي الديني الشخصي المنظم (الطريقة)؛ الحقيقة الروحية الجوهرية الكامنة في داخله (الحقيقة)؛ وإذا كانت الواجهة الدينية والشرعية بديهية، فليست الواجهة الداخلية بأقل من ذلك، ف «الطريقة الإسلامية، [....] هي دليل حي على الاختلاف مع التفسير الشرعي والحرفي والشعائري للشأن الديني».

32 انظر ترجمته ومناقبه في: محمد بن حسن وادي أبو الهدى الصيادي، قلادة الجواهر في ذكر الغوث الرفاعي وأتباعه الأكابر، أخرج آياته

وأحاديثه الشيخ عبد الوارث محمد علي (بيروت: دار الكتب العلمية،.)1999

33 انظر في ترجمتيهما: أبو المواهب عبد الوهاب بن أحمد الشعراني، الطبقات الكبرى المسماة بلواقح الأنوار في طبقات الأخبار، 2 ج

(القاهرة: المطبعة الشرفية، 1881)، ج 1، ص.158-143

34 قارن ب: أبو الوفا الغنيمي التفتازاني، ابن عطاء الله السكندري وتصوفه، ط 2 (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1969)، ص 35 التفتازاني، الطرق الصوفية في مصر، ص.25-24

36 كروث إيرنانديث، تاريخ الفكر في العالم الإسلامي، ترجمة عبد العال صالح؛ مراجعة جمال عبد الرحمن؛ تقديم عبد الحميد مدكور،

المشروع القومي للترجمة؛ 1322 (القاهرة، المركز القومي للترجمة، 2009)، مج:1 منذ البدايات حتى القرن الثاني عشر، ص.236

خريف 2012

يتحصل مما سبق أن القرن السابع الهجري كان من أكثر القرون التي عكست هذه الحقيقة بصورة لافتة، فضلا عن أنه شهد نزوح كثير من الصوفية إلى مصر، لاسيما أبي الحسن الشاذلي وأبي العباس المرسي والسيد أحمد البدوي وغيرهم. كما اشتهر بالصوفية كثيرٌ من أئمة الإسلام، وأعيان العلماء، والسلاطين والملوك والوزراء والأمراء:

فعُرف من الصوفية من أهل العلم والفضل شيوخ الإسلام: العز بن عبد السلام، وابن حجر الهيتمي، وبدر الدين

بن جماعة، وابن دقيق العيد، وابن زكريا الأنصاري، وغيرهم. ومن الأئمة: الحافظ المنذري، وابن الحاجب، وابن الصلاح، وابن شداد (شيخ صلاح الدين الأيوبي الذي جعل داره خانقاه للصوفية من بعده)، والفيروزابادي (صاحبالقاموس المحيط) وغيرهم. ومن مشايخ الأزهر الشريف: الشيخ الحفني، والشرقاوي، والعروسي، والباجوري، والمهدي العباسي وغيرهم. ومن الملوك والسلاطين: صلاح الدين يوسف بن أيوب، والظاهر بيبرس، والظاهر برقوق، والأشرف قايتباي، وغيرهم. وهكذا يبدو لنا أن النفوذ المتنامي لسلطة المتصوفة كان يتجلى في قدرتهم على توجيه العامة والتأثير فيهم، أو من خلال حظوتهم لدى ممثلي السلطة السياسية على الأخص. فواقع الأمر يشهد أن «الأيوبيين والمماليك والمغول والعثمانيين كانوا- بانتظام- أنصار الأولياء وحماتهم، أحياء كانوا أو منتقلين إلى الدار الآخرة. ولو تجاوزنا هؤلاء الحكام، فسوف نجد من خلفهم جلساءهم ونصحاءهم، ونعني بهم طبقة الصوفية الأرستقراطية [...] إن دور عمر السهروردي مع الخليفة الناصر، أو دور الشيخ «المنبجي»مع بيبرس، أو «ابن عربي» مع الملك السلجوقي «كيكاؤوس»، هذه الأدوار إن هي إلا دلائل تشهد على ما تفعله «الصفوة» من تأثيرات واعية ومقصودة في عمليات التغيير التي تحدث في المجتمعات». على أن التصوف سرعان ما خفت بريقه، ودخل طور الانحطاط في ما بعد القرن السابع الهجري، لاسيما في الناحية النظرية؛ إذ اكتفى المتصوفة المتأخرون بوضع الشروح والملخصات على المؤلفات السابقة من دون أن يكون في ذلك شيء من التجديد أو الابتكار. وأبلغ مثال على ذلك مؤلفات عبد الرزاق القاشاني إبان القرن الثامن الهجريّ (ت 739 ه)، فإنها على كثرتها الكاثرة ليست إلا شروحًا لمذهب ابن عربي في كتابه فصوص

الحكم، وابن الفارض في قصيدته «التائية الكبرى.» وهكذا لحق بالتصوف الإسلاميّ تدهور بعد ازدهار حتى وصل إلى مرحلة من الانحطاط بدا فيها غير قادر على

القيام من عثرته مجددًا. ومع ذلك، لم تعدم الحياة الروحية في الإسلام بعض النفوس الصافية، والقلوب الطاهرة،

والبصائر المشرقة التي كانت ولا تزال تظهر من حين إلى حين، ولو أنّ أصحابها يؤثرون التستر والاستخفاء على الظهور والادعاء.

37 عاصم محمد رزق، خانقاوات الصوفية في مصر، صفحات من تاريخ مصر؛ 31، 2 ج (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1997)، ج:1 في

العصرين الأيوبي والمملوكي، ص.95

38 محمد توفيق البكري، «نشأة التصوف والصوفية،» (مخطوط رقم 3838، دار الكتب المصرية)، ص.22-18

39 ميشيل شودكيفيتش، الولاية، ترجمة أحمد الطيب، المشروع القومي للترجمة؛ 236 (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2000)، ص 40 محمد مصطفى حلمي، الحياة الروحية في الإسلام، تقديم محمد حلمي عبد الوهاب، في الفكر النهضوي الإسلامي؛ 2 (بيروت: دار

الكتاب اللبناني؛ القاهرة: دار الكتاب المصري؛ الإسكندرية: مكتبة الإسكندرية، 2011)، ص.194-190

جدلُالوَالي والولي في التجربة الصوفيَّة المصريّة

الانعكاسات السياسية والاجتماعية للحضور الصوفيّ

ثمة ثوابت عديدة في ما يتعلق بطبيعة العلاقة التي ربطت السلطة السياسية بالمتصوفة طوال إسلام العصر

الوسيط، واستمرت على حالها في العصور الحديثة لجهة تبعية المؤسسات الطرقية في الغالب للأنظمة الحاكمة

وإجادة استثمار الأخيرة لها، وفي مقدمتها: إن المتصوفة لم يكونوا يومًا بمعزل عما يجري من حولهم، وإنما شاركوا في الأحداث بقدر ما عنّ لهم، وفي أحيان

كثيرة أعلنوا مقاطعتهم السلطة القائمة على الملأ، ودفعوا ثمن انحيازهم إلى الطبقات المهمشة والمقهورة غاليًا. ظلت السلطة الزمنية، سياسية كانت أو دينية، تبدي على الدوام قلقا متزايدًا جراء اتساع نفوذ الأولياء اجتماعيًا،

خصوصًا أنها كانت تأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن خطر الممارسة الصوفية يتجاوز نطاق المريد ليشمل التجربة

الصوفية بأسرها، وأن قرار البحث عن «فتح الله» أمر يُقلق الجماعة وسلطاتها المعنوية والسياسية، ما دامت حياة

المتصوف تتقدم بحسب ما جف به القلم في الغيب، وليس وفقًا لمعطيات السلطة ورسمها البياني، وإنما بحسب

الصحبة المستمرة واستجابة الله، أي بعيدًا عن سلطة القرار السياسي. أضف إلى ذلك أيضًا أن بروز الولي في المجتمع، إلى جانب كل من الوالي والفقيه، كان يقلق السلطة السياسية

والدينية على حد سواء، بحكم كونه لا يتوافق مع معايير الانتقاء التي تفرضها الدولة؛ فكل مستقبل من هذا

القبيل يمكن أن يبلور انتفاضة كامنة، فضلا عن أن الولي يضع، بمجرد وجوده، وحدة أنماط التفكير والحكم

موضع تساؤل لدى أولئك الذين قصروا حياتهم على هذا العالم بدل أن يصرفوها إلى الله، علاوة على اضطلاعه

بمهام تقع في القلب من العمل السياسي، كالحيلولة دون تجاوزات السلطة واعتباطها، ورفع الأذى عن الخلق،

ومقاومة أساليب التعسف والجور كافة. لذا كانت السلطة السياسية تنظر إلى المتصوفة على الدوام باعتبارهم إما

حلفاء استراتيجيين وإما أعداء متوقعين! كان الأولياء باستمرار يجسدون الملاذ الأخير للفقراء والضعفاء من سطوة الحكام والأغنياء ونفوذهم وعندما

تحول التصوف إلى مجرد دروشة في العصور المتأخرة، عمل الولاة على توظيف شيوخ الطرق في خدمة مصالحهم،

واستتباب الأمر لهم، وإضافة الشرعية على حكمهم، وقد تطلب ذلك الترابط عملية تركيز وتحديد قاسية

لمجالات تنفُّذ كلّ واحد منهما. لذلك، فإن العلاقة بين الطرفين خضعت كثيرًا لمبدأ التعارض في المصالح، مع الإصرار على اعتماد الهياكل

والطرق المؤسساتية ذاتها للنجاح في خطة الاستقرار وبقاء الأوضاع على ما هي عليه، من دون أن يفضي ذلك

حتامً إلى تحطيم الطرف الآخر، وآية ذلك أنه نادرًا ما صرح أي رمز من رموز السلطة بعدائية مفرطة أو بتحقير

مزر لأحد مقامات الأولياء، حتى في أحرج لحظات المواجهة. يبدو هذا التلازم الذي تجذر تاريخيًا، أوضح ما يكون في التماهي المطلق ما بين السلطتين السياسية والدينية،

41 لمزيد من التفاصيل، قارن ب: محمد حلمي عبد الوهاب، ولاة وأولياء السلطة والمتصوفة في إسلام العصر الوسيط، تقديم رضوان

السيد (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.)2009

42 عبد الله حمودي، الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة، ترجمة عبد المجيد جحفة، المعرفة الاجتماعية؛

217، ط 3 (الدار البيضاء: دار توبقال، 2003)، ص.117

43 قارن ب: المنتصر بن المرابط بن أبي لحية، نور الأرماش في مناقب القشاش، دراسة وتحقيق لطفي عيسى وحسين بو جرة (تونس:

المكتبة العتيقة، 1998)، مقدمة المحققان، ص.42

خريف 2012

«فعلى المستوى السياسي تبرز رغبة الزاوية في التعبير عن أنها تمثل سلطة موازية (للسلطة القائمة)، فكما كان يقوم «الديوان» بتعيين الداي الجديد، فإن «ديوان الأولياء» قام هو الآخر بإسناد «سلطنة الولاية» (إلى شخص ما.) أما على المستوى التنظيمي، فإن «قمة الهرم لكل منهما كانت تتمتع بنفوذ مطلق، وهو ما يفرسّ التشخيص الذي

اتسمت به بعض المواجهات، [....] كما أن قاعدة الهرم كانت متكونة من الرواتبية والمخازنية والمماليك بالنسبة إلى جهاز الدولة، ومن المحجورين والمنذورين والفقراء بالنسبة إلى جهاز الزاوية. أما على المستوى الجبائي، فقد كانت الدولة تستخلص مجابيها بالاعتماد علىالمحلة [الضرائب]، كما كانت الزاوية هي الأخرى، في جمع مداخيلها، تعتمد على قافلة الفتوح». أخيرًا - وليس آخرًا - لم تحل هذه الثوابت مطلقًا دون وقوع مواجهات دامية أحيانًا بين الطرفين، فتاريخ

المتصوفة شهد كثيرًا من التوترات مع تظاهرات السلطة في الإسلام، إذ يكرر أحاديث عن صراعات كانت

تستوعبها السلطة حينًا عبر رضوخ جزئيٍ أمام واقعةٍ ما لمتصوف يحتد ويحتج وينذر ويهدد، كما يكرر أحاديث

عن صدامات لم تستوعب قط، وهو ما أدى إلى اضطهاد المتصوف المحتج، مثلما يكرر أحاديث أخرى عن متصوفة قنعوا ورضخوا للسلطة، بعد أن استُوعبوا كلية ضمن أطر النظام الحاكم وقواعده! ومن ثم، تأثرت العلاقة بينهما - من دون شك - بمجرى التحولات العميقة التي لحقت بأنظمة الحكم تاريخيًا،

وببنيتي الاقتصاد والمجتمع، وبتطور كلتا السلطتين - شكلا ومضمونًا - ضمن سياقهما التاريخي. وفي الأحوال كلها، لم تكفّ السلطة السياسية على الإطلاق عن إضافة المزيد من الهيبة إلى الأولياء، وعن توظيف وجاهتهم حتى في حسم الصراع الداخلي بين الجماعة أو الطريقة الصوفية الواحدة عن طريق ترجيح كفة طرف دون آخر. وفي المقابل، أجادت السلطة في كثير من الأحيان توظيف وجاهة الأولياء لترجيح كفة طرف سياسي دون آخر في الاستئثار بالحكم والوصول إلى سدته، حتى تحول الولي - في العصر العثماني بصفة خاصة - إلى نبع لالتقاط البركة حيًا وميتًا. ويبقى القول إن أي محاولة لتوثيق علائق السلطة بالمتصوفة في التجربة المصرية تظل ناقصة ما لم تسع في جوهرها إلى رصد جملة الانعكاسات السياسية التي أفضت إليها، أو نتجت منها، ومدى ارتباط ذلك بفضاء الحراك الاجتماعي الذي كان سائدًا آنذاك. لكن هذا الأمر يكاد يكون مستحيلا لندرة المعلومات التاريخية المتعلقة بهذه الناحية من جهة، ولأنه لا يمكن الاكتفاء برصد طبيعة علاقة المتصوفة بالسلطة السياسية وتطورها، لتحديد موقعهم من المجتمع بصفة عامة، وإنما يتعين الوقوف عند علاقتهم ببقية الأطراف الفاعلين داخل المجتمع كله من جهة أخرى. وأول هؤلاء الأطراف هم الذين يندرجون داخل الفضاء الصوفي نفسه، ويشملون عموم الأتباع والمريدين والمجاذيب، وتيارات الفكر الأخرى، بخاصة تلك التي كان لها ثقل ما داخل الرقعة الاجتماعية والسياسية والفكرية. وبحسب كوزر لويس، فإن الصوفي شخص يبدو غير مقتنع تمامًا بالمؤسسات الدينية القائمة، كما أنه يسائل

الحقيقة الدينية نفسها، انطلاقًا من بديهية يعتبرها أكثر عمقًا من الأفكار المعمول بها في عصره. ومن هنا ترتبط عضوية المتصوفة، تمامًا كما المثقف العضوي الذي برشّ به غرامشي، بدرجة انخراطهم في السيرورة التي تؤسس

44 المصدر نفسه، ص.42

45 قارن ب: سامي خرطبيل، أسطورة الحلاج (بيروت: دار ابن خلدون، 1979)، ص.62

جدلُالوَالي والولي في التجربة الصوفيَّة المصريّة

بها طبقة اجتماعية ما هيمنتها. بمعنى آخر، لا تقاس مكانة الصوفي الدينية والاجتماعية والثقافية بحجم العمل الذي يقدمه، وإنما بمستوى فعالية الدور الذي يمارسه في المجتمع. وحتى لا يأخذنا البحث كل مأخذ، سنسعى إلى الاكتفاء بإيراد بعض النماذج الكاشفة التي تعكس في مجملها قوة الحضور الصوفي في السياق المجتمعي العام، تأسيسًا على إيجابية رموزها وفعاليتهم تاريخيًا، بخاصة أن «تقديس

الأولياء لا يزال حافظًا ما كان له من سلطان على قلوب الناس، كأنما هو أكثر إرضاء لنفوس مَن يمارسونه وأكثر

إبلاغًا لثلج القلب وطمأنينته من الأوامر الدينية التي نصت عليها الشريعة وفرضتها». لقد آمن المتصوفة بأن أخلق السبل للاحتفاظ بحيويتهم الدينية والسياسية في المجتمع هي ألا ينحصر جهدهم في تحقيق الكمال الذاتي، بقدر ما ينبني على ضرورة تجسيد المثال النابض والعبرة المفيدة في الواقع الحي. وبحسب ما يذكر إميل سيوران في كتابهالتحللالذي عقد فيه فصلا كاملا بعنوان «الولاية وتكشيرات المطلق »،

فإن وسواس الاشتغال بالصلاح قلّ أن يؤشر إلى حصول «البركة»، لأنه لا يخلو من تعشّق للمرضي وجموح تجاه

الغواية. فالتركيز على أمور الصلاح لا يمكن أن يطاول غير من خيّبتْ آمالهم تناقضات الواقع المعيش، فانساقوا

يبحثون عن بدائل تنطوي على شيء من الغرابة (الأسطورية) وتخفي أسرارًا مجهولة! وبحسب سيوران أيضًا؛ فإننا نلحظ في الاهتمام بسير المتصوفة شعورًا بالسلوى وتحفّزًا لارتياد مسالك للجنون

غير مألوفة، وهذا الشعور لا تستقيم مقارنته بحالات التحفز المترتبة على الإثارة، تلك التي ينطوي عليها الواقع المعيش مهما تناهت تعقيداته! إن محاولتنا هذه ترمي إلى الكشف عن جملة «الانعكاسات السياسية والاجتماعية» المترتبة على الحضور الصوفي في التجربة المصرية، مع درايتنا ويقيننا التامين بأن طرح هذا الموضوع، وعلى مدى زمنيّ واسع، هو في الواقع

محاولة أولية للكشف عن خصوصيات الممارسة السياسية في علاقتها بالتشكيلة الاجتماعية وبالمنظومة الثقافية والفكرية للطرقية الصوفية المصرية. إننا نعي تمامًا أن بروز الطرق والمؤسسات الصوفية التي كان لها دور طلائعي، سواء في الحد من الفوضى

الاجتماعية داخليًا أم في تعبئة مختلف الأوساط والشرائح الفاعلة لمجابهة الأخطار الخارجية التي تتهددها وتجاوز

السلبيات المترتبة على انهيار مجمل التوازنات التقليدية. كل ذلك مثّل نقلة نوعية في تاريخ التصوف الإسلامي

الذي وجد في مصر أرضًا خصبة للتطور المتلاحق سياسيًا ودينيًا واجتماعيًا. فقد استطاعت الطرقية المصرية أن

تقيم شبكة من العلاقات التي أنجزت معطيات وأخبارًا وسيرًا وتراجم بدت لنا على صلة وثيقة بسيرة هذا

العلم، وقدمت لنا صورة نابضة بالحركة عن واقع «التصوف المصري» والكيفية التي واجه بها الصفوة من رجاله الاضطرابات التي عاينتها الأرضية الاجتماعية طوال إسلام العصر الوسيط وحتى نهاية الدولة العثمانية. فمن ناحية، أدّت تجارب رموز التصوف دورًا بالغًا في نحت ما قد تستقيم تسميته ب «محاولة إعادة تملك

الإسلام» من خلال كشف تلك التجارب تحديدًا عن الوسائل العملية التي استنبطتها مجتمعاتها في تمثل أحكام

46 قارن ب: طيبي غماري، «هوية الصوفي أبو العباس أحمد التيجاني نموذجًا،» إضافات (المجلة العربية لعلم الاجتماع)، العدد 12

(خريف 2010)، ص.163

47 هاملتون جب [وآخرون]، وجهة الإسلام: نظرة في الحركات الحديثة في العالم الإسلامي، ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة؛ تقديم

مصطفى لبيب عبد الغني، المشروع القومي للترجمة؛ 1290 (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2008)، ص.113

48 Emil Cioran, Précis de décomposition (Paris: Gallimard, 1949), pp. 177-200. (Reédité chez Gallimard, Paris, 1977).

خريف 2012

الدين، وكيفية ملاءمة تلك الأحكام مع حاجات هذه المجتمعات الحياتية، وهواجس الخلاص الأخروية. ومن ناحية أخرى، اضطلعت المؤسسات الطرقية بجملة من الأدوار السياسية والاجتماعية، مقتلعة لنفسها

موقعًا أساسيًّا على ساحة الحياة العامة، ومحددة بشكل واضح مجمل التطورات السياسية والدينية والاجتماعية

التي كانت شاهدة عليها. غير أننا سنركز، بدرجة أكبر، على رصد وتعقب طبيعة التطورات التي شهدتها علاقات أرباب التصوف بالسلطة

والمجتمع. كما سنحاول الوقوف، ما أمكن ذلك، عند الأدوار الاجتماعية والدينية التي كانت لرموز الصوفية

وللمؤسسات التابعة لهم، بخاصة تلك التي كانت تخضع مباشرة لسلطتهم، كالزوايا والخنقاوات وغيرها، مع

ملاحظة أن ما يسمى بتصوف الزوايا تدرج تاريخيًا باتجاه الوقوف في صف الشرعية الحاكمة، بخاصة بعدما

كانت الأخيرة تنجح في تجاوز أزماتها السياسية وما ينتج منها من اضطرابات داخلية أو خارجية، مخضعة

بأساليب محدثة غير مسبوقة جيوب الممانعة والمعارضة، وملزمة الجميع، بمن فيهم أصحاب الطرق الصوفية،

باحترام سيادتها والخضوع لسلطانها. ما زال هذا التقليد قائامً إلى يومنا هذا، ويكفي أن نشير إلى المهام السياسية التي اضطلعت بها الطرقية المصرية

إبان ثورة 25 كانون الثاني/ يناير 2011 لندرك مدى تجذُّ ر هذه العقائديات وتغلغلها في الممارسات العملية. ففي التصوف بالذات، نلحظ أن ثمة مراوحة بين ما هو شخصي وحميمي في التجارب المعبأة لرجالاته، وما

ينخرط ضمن نبض المجتمع ويستجيب لأفقه الذهني وحاجاته الروحية، مراوحة يمكن فهمها ببساطة آسرة

من خلال مقاصد الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون من التأملات التي صاغها حول التصوف ضمن مؤلفه

الأشهر منبعا الأخلاق والدين، حين ناقش مسألة «الإلزام الأخلاقي»، مُشددًا على أنّ الطابع الاجتماعي لهذه

القيمة الحاضرة في حياة كل فرد مردّه إلى حاجة النفس البشرية - أيًّا كانت - للتشابك مع غيرها ضمن نسيج

مرصوص تضامني. لذلك، فإنّ الإلزام الأخلاقي الذي غالبًا ما نتصوّره رابطة بين الأفراد ما هو في حقيقة

الأمر- وبحسب برغسون - سوى رابطة بين الفرد وذاته. على أنّ مثل هذا التشابك المبني على الامتثال لمجموعة من القيم والأخلاقيات الهادفة إلى تنظيم سلوك الأفراد

تجاه بعضهم بعضًا، لا يحتاج في واقع الأمر إلى مثُلٍ منقطعة عن الواقع مهما أوغلت تلك المثل في العمق وحلقت

عاليًا في التأمل، بقدر ما هو في أمسّ الحاجة إلى تجارب سلوكية ميدانية تبرهن على فعالية تلك القيم ونجاعتها

التي لا تضاهى. ولأنّ النفوس قلمّا تتهافت على هذا الشأن وتتنافس فيه، فإنّ برغسون نحا إلى وصف

49 قارن ب: لطفي عيسى، «مغرب المتصوفة، الانعكاسات السياسية والحراك الاجتماعي من القرن 10 م إلى القرن 17 م،» (أطروحة

دكتوراه الدولة، مركز النشر الجامعي، كلية العلوم الانسانية والاجتماعية، تونس، 2005)، ص.16

50 المصدر نفسه، ص.18

51 المصدر نفسه، ص.11

52 هنري برغسون، منبعا الأخلاق والدين، تعريب سامي الدروبي وعبد الله الدائم، ط 2 (بيروت: دار العلم للملايين، 1984)،

ص.41

53 وهو ما أكده المتصوفة أنفسهم في أكثر من موضع، فها هو رويم البغدادي (ت 303 ه) ينصح لأحد مريديه بالقول: «قعودك مع كل

طبقة من الناس أسلم من قعودك مع الصوفية، فإن كل الخلق قعدوا على الرسوم وقعدت هذه الطائفة على الحقائق، وطالب الخلق كلهم

أنفسهم بظواهر الشرع وطالب هؤلاء أنفسهم بحقيقة الورع، ومداومة الصدق، فمن قعد معهم وخالفهم في شيء مما يتحققون به نزع

الله نور الإيمان من قلبه»! قارن ب: القشيري، ص 77. وها هو ابن الزيات يختتم إحدى قصائده بالأبيات التالية: ملك الهوى ر قَّ النفوس

فكلنا، لا يعتني إلا بما هو مالك/ نور الحقيقة نصب عينك لامع، لكنْ يصدك عنه قلبٌ حالكُ/ هيهات! في أهل الحقيقة قلةٌ، صَعُبَ

الطريقُ فقلَّ فيه السالكُ!! قارن ب: أبو يعقوب بن يحيى التادلي بن الزيات،، تحقيق أحمد التوفيق، بحوث التشوف الى رجال التصوف

ودراسات؛ 22، ط 2 (الرباط: جامعة محمد الخامس، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1997)، ص.40

جدلُالوَالي والولي في التجربة الصوفيَّة المصريّة

المتصوفة بأصحاب النفوس المنفتحة الذين «لو قلتُ أنّ نفوسهم تشمل الإنسانية كلها ما ذهبتُ بعيدًا ولا

وفيتها حقها»!! وعلى ذلك، فالمتصوفة وحدهم هم القادرون على رفع التحدي، بخاصة أنّ عبقريتهم لا تكمن في العقل الذي يناقش ثم يقبل ويرد، بل هي مؤسسة على القوة الفياضة لأحاسيسهم وقدرتهم الاستثنائية على التحمل والمغالبة

والصبر الطويل. أما بطولتهم الحقيقية فتكمن في ما وقرَ في نفوسهم من أنّ ثمة سيلا يسري داخلهم ليربطهم

بذات عليا ثم لا يفتأ، بشكل موازٍ، يدفعهم إلى الالتصاق بمشاغل الناس والاكتواء بعذاباتهم. أضف إلى ذلك أيضًا، أنّ أولوية الإحساس بالآخر وعدم التواني عن شد أزره، بل والانقطاع الكلي لخدمته هنمياإ اللهخا نم يّقنيو هتيناسنإب هساسحإ اللهخا نم ديعتسي ةديدج ةصرف نم هنيكتوم هتلزا نع زواجتلا عم بقدراته، هي القيم التي احتفظت بها الذاكرة الجماعية حول تجارب رجال التصوف الإسلامي. إن خلق «الأعذار»، الذي لطالما شدّدت على ضرورة الالتزام به جموع المتصوفة حتى مع أكثر خصومهم عداوة،

هو الذي يضفي قيمة كبرى على محاولة استعادتنا النموذج الصوفي في الوقت الراهن. ومع ذلك فإنه على الرغم من التسامح المفرط الذي أبداه المتصوفة مع خصومهم التاريخيين، فإنهم لم يميلوا إلى التشدد والتطرف سوى في علاقتهم بأرباب السلطة، إذ اتخذوا مقاطعتهم خيارًا استراتيجيًا، إلا في ما ندر، ولهذا كان المهمشون والفقراء

يلوذون بهم من جور السلطة ويستجيرون بهم من ظلم الحكام، بوصفهم الملاذ أو الحصن الأخير ضد تغول السلطة وبطشها. فها هي السيدة نفيسة، وقد استغاث الناس بها من جور ابن طولون، تقف في موكبه وتصرخ في وجهه قائلة: يا ابن طولون! ملكتم فأسرتم، وقدرتم فقهرتم، وخولتم فعسفتم، وردت إليكم الأرزاق فقطعتم هذا، وقد علمتم أن سهام الأسحار نافذة غير مخطئة، لاسيما من قلوب أوجعتموها، وأكباد جوعتموها، وأجساد عريتموها، فمحال أن يموت المظلوم ويبقى الظالم، اعملوا ما شئتم فإنا صابرون، وجوروا فإنا بالله مستجيرون (كذا)، واظلموا فإنا لله متظلمون، ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾، فعدل لوقته. وعلى الرغم من استحالة لقائها أحمد بن طولون (لقيام الدولة الطولونية في مصر عام 254 ه 868/م، أي بعد

وفاتها)، فإن ذلك لا يبرر نفي البعض الواقعة جملة وتفصيلا، خاصة أن نسبة الخطأ قد تتعلق باسم الوالي فقط

فيما يبقى مضمون الواقعة صحيحًا، فضلا عن أن مضمون ما جاء فيها يتوافق ومرويات أخرى في هذا السياق

صحت نسبتها إلى السيدة نفيسة وغيرها من أولياء الله. ويكفي أن نذكر من بين هؤلاء كلا من: عميرة بن أبي ناجية، أبو يحيى الرعيني مولاهم المصري الزاهد (ت 153 ه)؛ النضر بن عبد الجبار، أبو الأسود المرادي المصري الزاهد (ت 219 ه)؛ علي بن جعفر البغدادي المتصوف محمد بن أحمد بن سهل؛ أبو بكر الرملي النابلسي، وحالة الأخير تستوجب التوقف عندها، لأنه دفع حياته ثمنًا لمعارضته السلطة في عصره. كان النابلسي يكره الفاطميين، حتى أنه قال فيهم ذات مرة: «لو كان معي عشرة أسهم، لرميت الروم بسهم،

54 برغسون، ص.69

55 عيسى، المقدمة، ص.12

56 القرآن الكريم، «سورة الشعراء،» الآية.227

57 حول نفي الواقعة قارن ب: رمضان، ج 2، ص.54

خريف 2012

ورميت بني عبيد بتسعة»! فلما سمع بذلك المعز صاحب مصر في ذلك الوقت أمر جنوده فسلخوه حيًا وحشو

جلده تبنًا وصلبوه! وكان ذلك عام 363 ه/ 973 م. وعلى ما يبدو، فإن السلطة تذرعت بقول النابلسي هذا بغية تصفيته بعد أن يئست من استقطابه لمصلحتها،

والدليل على ذلك أنه سبق له أن رفض مالا أهداه إليه كافور الإخشيدي، وقال للرسول: قل لكافور: قال الله

تعالى: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾، فالاستعانة بالله وكفى. وفي مصير مشابه، تم إعدام الشاعر التركي الكبير عماد نسيمي في حلب عام 820 ه 1417/م، وتفيد الروايات

الواردة بهذا الشأن أنه كان يترنم بموشحات في التوحيد فيما كانوا يسلخونه وهو حي!. ولذلك، فإنّ الجماعات الصوفية تعد «أكثر الحركات مأسوية [....] ونحن لا يمكن أن نفهم ذلك الوجد العارم

إلا على أنه إحساس هائل بالتناقض، أو معاناة لمأزق لا فكاك منه، وتعبير عن الأزمات العامة أو الشخصية التي

كانت تواجه اختيارات الأشخاص». إن التصوف الإسلامي يعد من دون شك بمثابة النداء الحار الذي يطالبنا ب«الرجوع إلى الينابيع العميقة

لشعورنا وقلوبنا [....] وفي عالم مضطرب، شديد الغليان، يتمسك الصوفي، في وجوده الصامت، بإثبات أن

علاقة شخصية مع الله تبقى احتمالا ممكنًا. ومثل هذه العلاقة تفرض نفسها على الأقل مع ذلك المتعالي فوق كل

أنواع السلطات، والأيديولوجيات، والآراء الفجة التبسيطية». لكن ذلك لا يمنع من القول: إن عددًا لا بأس به من شيوخ الصوفية في العصر المملوكي كانوا يعاونون السلاطين

في جهادهم ضد الأعداء، كما هو معروف عن الحسن الشاذلي. بل إن ابن إياس يذكر في تاريخه ما يفيد بأن

سلاطين المماليك، بصفة خاصة، كانوا يستدعون شيوخ الصوفية للخروج معهم في غزواتهم، وهذا يدلنا على

أن الصوفية لم تكن بمعزل عن مجريات الأمور في المجتمعات الإسلامية، كما يروج البعض. ونظرًا إلى المكانة التي كان عليها شيوخ الصوفية في ذلك العصر بخاصة، وصفهم ابن جبير بأنهم «الملوك بهذه

البلاد؛ لأن الله قد كفاهم مؤن الدنيا وفضولها، وفرّغ خاطرهم لعبادته من الفكر في أسباب المعايش، وأسكنهم

في قصور تذكرهم بقصور الجنان، وهم (مع ذلك) على طريقة شريفة وسنة في المعاشرة عجيبة [....] وهم أهل

أدب ومعرفة، وترتيب أمورهم عجيب، لأنّ حياة الصوفي الحقة كانت قامت على أساس من التقشف في الملبس

والمأكل وغير ذلك من أمور الدنيا مما عبر عنه العارف بالله إبراهيم الدسوقي – في ما ذكره الشعراني- بقوله: «إن

قوته الجوع، ومطره الدموع، ووطره الرجوع!»

58 قارن ب: السيوطي، ج 1، ص.515

59 عز الدين بن الأثير، الكامل في التاريخ، عني بمراجعة أصوله والتعليق عليه نخبة من العلماء، 10 مج، ط 4 (بيروت: دار الكتاب

العربي، 1983)، مج 7، ص.58

60 قارن ب: لويس ماسنيون، آلام الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي، ترجمة الحسين مصطفى حلاج (بيروت: قدمس للنشر، 2004)،

ص.83-82

61 علي حرب، «التصوف الإسلامي هل هو نفي العقل أم عجزه عن التحقق؟: بحث في عقلانية الجنيد،» الفكر العربي (بيروت)، العدد

15 (حزيران/ يونيو 1980)، ص.103

62 شوفيلي، ص.133

63 تاج الدين أبو الفضل أحمد بن محمد بن عطا الله، لطائف المنن (القاهرة: [د. ن].، 1904)، ص.42

64 أبو البركات محمد بن أحمد بن ياس، بدائع الزهور في وقائع الدهور (القاهرة: [د. ن].، 1894)، ج 3، ص.22

65 التفتازاني، الطرق الصوفية في مصر، ص.27-26

66 حسين مؤنس، ابن بطوطة ورحلاته (القاهرة: دار المعارف، 1980)، ص.83

جدلُالوَالي والولي في التجربة الصوفيَّة المصريّة

واللافت للنظر في هذا السياق أن دراويش المتصوفة المتأخرين امتلكوا سلطة كبيرة على العامة والخاصة في آن معًا إلى درجة فاقت كل تصوُّر! ويكفي للدليل على ذلك قول الوازن الفاسي: «ولقد شاهدتُ بعينيْ رأسي،

في ساحة بين القرصْين بالقاهرة، أحدَ هؤلاء الأشخاص يستحْوذُ على امرأةٍ شابةٍ في غاية الجمال، كانت قد

خرجت من الح م، فأضْجعهَا في وسط الساحة ووَاقعها. ولم يك دْ يقومُ عنها حتّى أسرعَ الناسُ إليها يتمسَّحُون

بثياهبِا وكأ ا أداةُ نُسْكٍ وعبادةٍ لما لامسَها رجلٌَّ صالح، ويُُِّ الناسُ بعضَهم إلى بعض بأنّ الصالح إنمّا تظاهَرِ

بمُضاجَعتها ولكنهُ لم يقعْ شيءٌ من ذلك. ولمِا بلغَ الخبر إلى الزوج اعتبرَهُ نعمة عظيمة، وحمدَ اللهََّعلى ذلك وأقام

وليمة وأفراحًا كثيرة على ما أصابَهُ من خير! ولقد همَّ القُضَاةُ والفقهاءُ بمُعاقبَةِ هذا الدينِء بكلِّ الوسائل، لكنّ

العَامّة كادَتْ أن تفْتك بهم، لأنهُ، كما قلتُ سابقًا، يتمتّعُ كلُّ واحدٍِ من هؤلاء القوم بإجلالٍكبيرٍ عند الجمهور،

وينالُ منهُ هباتٍ وهدايا ثمينة!» أما في ما يتعلق بانعكاسات الحضور الصوفي على الحراك الاجتماعي، فإن نظرة دقيقة إلى التفاصيل الصغيرة التي أتى إلى ذكرها المؤرخون وهم بصدد وصف المؤسسات الطرقية، كفيلة جدًا بالوقوف على مدى التحول الذي

لحق بفلسفة الزهد والفقر عند الجماعات الصوفية. وليس عبثًا أن تدور جل الكرامات المنسوبة حول الطعام والشراب وغير ذلك من اللذات المنتقاة من الواقع بعبقرية فريدة. إن الدور الذي أدّته كل من الخانقاوات والتكايا والزوايا طوال هذه المرحلة ارتكز إلى الإسهام السياسي والديني

والاجتماعي، حتى بالنسبة إلى غير المسلمين. وهذه الافتراضات تجد كامل مصداقيتها في مسارعة أهل الكتاب من يهود ونصارى إلى الاحتماء بزوايا الأولياء حالما باشر الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (411-386 ه-996/ 1021 م) وواليه على أفريقيا باديس مع حلول عام 395 ه/ 1005 م ما نعتته المصادر ب «تفرقة الذمام» وأمره النصارى ب «شد الزنانير ولبس الغيار». ثم إردافه ذلك مع حلول خريف عام 403 ه/ 1012 م بقرار يقضي بإرغام النصارى على لبس «السواد وتعليق صلبان الخشب في أعناقهم!» مغاليًا في أحكامه في السنة التالية

لم ألزم اليهود بتعليق الأجراس في أعناقهم كلما توجهوا إلى الاغتسال في الحامّم، وفرض على النصارى الحفاظ اّ على صلبانهم عند التردد على هذا الفضاء العمومي نفسه، منتهيًا إلى أمرهم بالخروج عن بلدانهم والتوجه إلى

بلاد الروم. والأكيد بعد ذلك كله أن جملة هذه التضييقات اضطرت العديد من هؤلاء إلى القبول بالخروج عن ديانتهم

الأصلية والدخول في الإسلام حفظًا لأنفسهم ومصالحهم، في حين لجأ من أصرّ على البقاء على ملته إلى التحصّن

بالصلحاء والاستنجاد بهم، إذ سرعان ما اتسعت النشاطات التي تقوم بها الخانقاوات بصورة لافتة، تدل على ذلك الوظائف التي كانت تنطوي عليها، وفي مقدمتها: شيخ الخانقاه وإمامها وناظر وقفها، مدرسو المذاهب الفقهية ومعيدوهم، الكحال، الجرائحي، الطبائعي، خازن الكتب، كاتب الغيبة، الشاهد، المؤذن، المزملاتي، مشرف الحامّم، مشرف المطبخ، الطباخ، خادم الشيخ، خادم الربعات الشريفة، البواب، الفرّاش، سواق الساقية،

والوقاد.... إلخ.

67 الحسن بن محمد الوزان، وصف أفريقيا، ترجمه عن الفرنسية محمد حجي ومحمد الاخضر، منشورات الجمعية المغربية للتأليف

والترجمة والنشر، 2 ج، ط 2 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1983)، ج 1، ص.272

68 قارن ب،: أبو المحاسن يوسف بن تغري برديِالنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ج 4، ص 173-17، ومحمد عبد الله عنان،

الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية، ط 3 (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1983)، ص.139-136

خريف 2012

يدل هذا الكم الهائل من الوظائف على حجم ما كان في هذه الخانقاوات من وظائف متنوعة. وكان يتقاضى كل واحد من هؤلاء نظير عمله أجرًا نقديًا راعى فيه الوقف أن يتناسب مع وضعه الاجتماعي وثرائه المالي،

بالإضافة إلى ما كانوا يشتركون فيه جميعًا من وجبات الطعام والملبس وغير ذلك من الأرزاق الوافرة التي كانت

توزع عليهم. على أن صوفية هذه الخانقاوات - لا سيما الرعيل الأول منهم - كانوا «يشاركون مشاركة إيجابية في حياة المجتمع العلمية، فكان شيوخها الأوائل من حملة علوم الشريعة يمتازون بعلوم التزكية وتصفية النفس، ما جعل الإقبال عليها كبيرًا إلى أن انحط أمرها في آخر المطاف وسكنها الأراذل بعد الصفوة». لكن على ما يبدو، فإن المتصوفة سرعان ما شبعوا «من خبز اللذات المتوهمة، وارتووا من ينبوع خيالاتهم غير المعقولة. ولما جاء الحين الذي تحول فيه التصوف من بحث فردي إلى بحث جماعي، كانت السلطة قد أوجدت التكايا لتستوعب هؤلاء ولتطفئ أي عنصر شغب فيهم، عبر إشرافها وعبر تقديمها للخبز والماء الحقيقيين لهم مجانًا». على أن ذلك لم يمنع تمامًا من ظهور شخصيات كبرى في تاريخ التصوف المصري تمتعت بقدر كبير من الاستقلالية

إزاء السلطة القائمة، فضلا عن بروز بعض الشخصيات الصوفية في فضاء البلاط السلطاني، كما كانت عليه حال فخر الدين الفارسي (622-528 ه) مع الملك الكامل، على سبيل المثال. ومع ذلك، لم تكن السلطة لتعبأ - أحيانًا - بمكانة كهذه، كما لم تتعفف عن إطاحة أقرب الأقربين إذا رأت في ذلك تحقيقًا لمصلحتها الشخصية، فالسلطة هي السلطة، لا تكف مطلقًا عن إعادة إنتاج عملية «البغي»

69 رزق، ج:1 في العصرين الأيوبي والمملوكي، ص 23. ومن المعلوم أن أول خانقاه أنشئت في مصر باتفاق هي الخانقاه الصلاحية،

نسبة إلى صلاح الدين الأيوبي، الذي أمر بإنشائها لخدمة الفقراء من الصوفية ووقف عليها أوقافًا كثيرة فعُرفت بدويرة الصوفية بعد أن

كانت تُعرف بدار سعيد السعداء، وهو الأستاذ قنبر – أو عنبر- عتيق الخليفة المنتصر بالله الفاطمي الذي قُتل في 544 ه- 1149 م.

ولذلك تُعتبر بمثابة أول تنظيم رئاسي للطرق الصوفية المصرية. قارن ب،: التفتازانيِالطرق الصوفية في مصر، ص 25. ولا تزال بقايا هذه

الخانقاه قائمة حتى الآن بحي الجمالية وتعرف بجامع الخانقاه. قارن ب: المقريزي، جِ 2، ص 13. وبحسب المقريزي؛ فقد كان سكانها من

الصوفية يعرفون بالعلم والصلاح، وترجى بركتهم، وولي مشيختها الأكابر والأعيان كأولاد شيخ الشيوخ بن حمويه مع ما كان لهم من

الوزارة والإمارة وتدبير الدولة وقيادة الجيوش وتقدمة العساكر، كما وليها ذو الرياستين الوزير الصاحب قاضي القضاة تاج الدين ابن

بنت الأعز، وجماعة من الأعيان ونزل بها الأكابر من الصوفية. انظر: المقريزي، ج 4، ص.274-273

70 قارن ب: دولت عبد اللهِ، معاهد تزكية النفوس فى مصر فى العصر الأيوبى والمملوكي (القاهرة: مطبعة حسان، 1980)، ص.23

وطبقًا لما أشار إليه القلقشندي في القرنين الثامن والتاسع الهجريين، الرابع والخامس عشر الميلاديين، فقد اعتبُرت «مشيخة الخوانق»،

التي لم تختلف كثيرًا عن «مشيخة المدارس»، من بين الوظائف التي يصدر بها مرسوم من ديوان الإنشاء السلطاني، واشترط في من يلي هذا

المنصب أن يكون من جماعة الصوفية ممن عرفوا بصحبة المشايخ، وألا يكون قد اتخذ من التصوف حرفة. قارن ب: أبو العباس أحمد بن عليِ

القلقشندي، صبح الأعشى في صناعة الإنشا (القاهرة: المطبعة الأميرية، 1913)، ج 1، ص 370 وج 11، ص 247-246. وممن ولي

مشيخة هذه الخانقاه من العلماء: شمس الدين الأيكي في القرن السابع الهجري، وبرهان الدين بن أيوب الأبناسي الشافعي (ت 802 ه)،

وسراج الدين عمر بن حسن العبادي الشافعي (ت 885 ه)، وجمال الدين الكوراني (ت 894 ه)، وزين الدين بن عبد الرحمن القناوي

الشافعي الذي وليها بعد الكوراني، وعبد القادر النقيب الذي وليها عام 903 ه. انظر في تفصيل ذلك: المقريزي، ج 4، ص 304، وابن

ياس، ج 1، ص 81 وج 2، ص 196-195، 260 و.332

71 خرطبيل، ص.63

72 فخر الدين الفارسي من كبار الشخصيات المجهولة تمامًا في تاريخ الإسلام، على الرغم مما له من مكانة كبيرة على نحو ما ترشح به

كتاباته والتي أعمل حاليًا على تحقيقها. ومن أبرزها: الإعانة على دفع الإغانة، ونسل الأسرار وسر الإسكار، وجمحة النهى في لمحة المها

... وغيرها.

جدلُالوَالي والولي في التجربة الصوفيَّة المصريّة

باستمرار، ويكفي دليلا على ذلك أن قرب السهروردي المقتول من الأمير غازي ابن صلاح الدين لم يحل دون الحكم عليه بالموت. فمتى وضعت السلطة مصلحتها نصب أعينها، كانت التضحية بالدوائر المقربة منها أمرًا

محتملا. ومن الأمثلة الدالة على ذلك أيضًا ما أورده صاحبترتيب المداركمن أن والي باديس على تونس أرسل وراء الولي محرز مَن يقول له: «إحذر من السيف»، فجاء ردّ الولي بليغًا على عادة كلام كبار الصلحاء: «الصراط

أحدّ منه ومن السلطان وأمره.» يتحصل مما سبق، أن البحث في التاريخ الاجتماعي والسياسي والثقافي للجماعات الصوفية يظل ناقصًا ما

دامت المعلومات المتعلقة بالمناقب تراثًا شفويًا أقرب ما يكون إلى الفولكلور الشعبي، وما بقي التراث الصوفي

مخطوطًا غير محقق بعد. هذا التراث الذي يبدو، للوهلة الأولى، ملامسًا للتاريخ، ولكنه ليس منه في آن معًا.

ملامس للتاريخ لأنه يتحدث عن شخصيات معروفة تاريخيًا، ولكنه ليس من التاريخ كذلك لأنه يتحدث

عن هذه الشخصيات بأسلوب وبمنهجية وبمعطيات تبدو بعيدة أحيانًا عن الحقيقة التاريخية، كما يسلّم!بها المؤرخون ونتيجة لذلك، يكتشف من يطالع تاريخ الطرقية الصوفية أنه يطالع التاريخ، ولكنه في الوقت نفسه

يطالع ما وراء التاريخ (La Méta histoire)، علامً بأن مساحة الماوراء التاريخي هي مساحة تمتد حتى تلامس مساحة التاريخ، وفي الوقت نفسه، ولكن في اتجاه ثان، تمتد حتى تلامس مساحة الماوراء الطبيعي/ الميتافيزيقيا

.) La Métaphysique (

73 أبو الفضل عياض بن موسى عياض، ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، تحقيق أحمد محمود (بيروت: دار

مكتبة الحياة، 1967)، ج 4، ص.713

74 قارن ب: غماري، ص.161

خريف 2012

المراجع

1 - العربية كتب ابن أبي لحية، المنتصر بن المرابط. نور الأرماش في مناقب القشاش. دراسة وتحقيق لطفي عيسى وحسينبو جرة.

تونس: المكتبة العتيقة،.1998 ابن الأثير، عز الدين. الكامل في التاريخ. عني بمراجعة أصوله والتعليق عليه نخبة من العلماء. 10 مج. ط.4

بيروت: دار الكتاب العربي،.1983 ابن اياس، أبو البركات محمد بن أحمد. بدائع الزهور في وقائع الدهور. القاهرة: [د. ن].،.1894 ابن عطا الله، تاج الدين أبو الفضل أحمد بن محمد. لطائف المنن. القاهرة: [د. ن].،.1904 أبو زيد، نصر حامد. هكذا تكلم إبن عربي. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.2002 أبو الهدى الصيادي، محمد بن حسن وادي. قلادة الجواهر في ذكر الغوث الرفاعي وأتباعه الأكابر. أخرج آياته

وأحاديثه الشيخ عبد الوارث محمد علي. بيروت: دار الكتب العلمية،.1999 الأدفوي، أبو الفضل جعفر بن ثعلب. الطالع السعيد الجامع لأسماء الفضلاء و الرواة بأعلى الصعيد. طبع على

نفقة عبد الرحمن علي قريط. القاهرة: المطبعة الجمالية،.1914 إيرنانديث، كروث. تاريخ الفكر في العالم الإسلامي. ترجمة عبد العال صالح؛ مراجعة جمال عبد الرحمن؛ تقديم

عبد الحميد مدكور. القاهرة، المركز القومي للترجمة، 2009 (المشروع القومي للترجمة؛ 1322) مج:1 منذ

البدايات حتى القرن الثاني عشر. برغسون، هنري. منبعا الأخلاق والدين. تعريب سامي الدروبي وعبد الله الدائم. ط 2. بيروت: دار العلم

للملايين،.1984 بور، ت. ج د ي. تاريخ الفلسفة في الإسلام. نقله إلى العربية محمد عبد الهادي أبو ريدة. ط 2. القاهرة: الهيئة

المصرية العامة للكتاب،.2010

التفتازاني، أبو الوفا الغنيمي. ابن عطاء الله السكندري وتصوفه. ط 2. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1969.

. الطرق الصوفية في مصر. القاهرة: المجلس الأعلى للطرق الصوفية، 1991 (رسائل المجلس

الأعلى للطرق الصوفية؛ رقم.)2 جب، هاملتون [وآخرون.] وجهة الإسلام: نظرة في الحركات الحديثة في العالم الإسلامي. ترجمة محمد عبد

الهادي أبو ريدة؛ تقديم مصطفى لبيب عبد الغني. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2008 (المشروع

القومي للترجمة؛.)1290 حلمي، محمد مصطفى. الحياة الروحية في الإسلام. تقديم محمد حلمي عبد الوهاب. بيروت: دار الكتاب

اللبناني؛ القاهرة: دار الكتاب المصري؛ الإسكندرية: مكتبة الإسكندرية، 2011 (في الفكر النهضوي

الإسلامي؛.)2

جدلُالوَالي والولي في التجربة الصوفيَّة المصريّة

ط 3. الدار البيضاء: دار توبقال، 2003 (المعرفة الاجتماعية؛.)217 خرطبيل، سامي. أسطورة الحلاج. بيروت: دار ابن خلدون،.1979

مصر؛ 31)، ج 1: في العصرين الأيوبي والمملوكي.

الهيئة المصرية العامة للكتاب،.1994

الفضل إبراهيم. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية،.1967

القاهرة: المطبعة الشرفية،.1881

للترجمة؛.)236 شوفيلي، جان. التصوف والمتصوفة. ترجمة عبد القادر قنيني. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.1999 الشيبي، كامل مصطفى. الصلة بين التصوف والتشيع. ط 2. القاهرة، دار المعارف،.1969

والاجتماعية؛.)3

بيروت: الشبكة العربية للأبحاث و النشر،.2009

محمود. بيروت: دار مكتبة الحياة،.1967

انتشارات بيدار،.]1931[

العامة للكتاب،.1999

مطبعة الآباء اليسوعيين،.1908

للنشر،.2004

حمودي، عبد الله. الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة. ترجمة عبد المجيد جحفة.

رزق، عاصم محمد، خانقاوات الصوفية في مصر. 2 ج. القاهرة، مكتبة مدبولي، 1997 (صفحات من تاريخ

رمضان، هويدا عبد العظيم. المجتمع في مصر الإسلامية من الفتح العربي إلى العصر الفاطمي. 2 ج. القاهرة:

السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر. حسن المحاضرة في اخبار مصر والقاهرة. تحقيق محمد أبو

الشعراني، أبو المواهب عبد الوهاب بن أحمد. الطبقات الكبرى المسماة بلواقح الأنوار في طبقات الأخبار. 2 ج.

شودكيفيتش، ميشيل. الولاية. ترجمة أحمد الطيب. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2000 (المشروع القومي

الطويل، توفيق. التصوف في مصر إبان العصر العثماني. القاهرة: مكتبة الآداب، 1946 (السلسة الفلسفية

عبد الوهاب، محمد حلمي. ولاة وأولياء السلطة والمتصوفة في إسلام العصر الوسيط. تقديم رضوان السيد.

عياض، أبو الفضل عياض بن موسى. ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك. تحقيق أحمد

القشيري، عبد الكريم بن هوازن. الرسالة القشيرية. تحقيق عبد الحليم محمود ومحمود بن الشريف. طهران،

كاشف، سيدة اسماعيل. مصر في فجر الإسلام: من الفتح العربي إلى قيام الدولة الطولونية. القاهرة: الهيئة المصرية

الكندي، أبو عمر محمد بن يوسف. كتاب الولاة وكتاب القضاة. مهذبها ومصححها رفن كست. بيروت:

ماسنيون، لويس. آلام الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي. ترجمة الحسين مصطفى حلاج. بيروت: قدمس

خريف 2012

المقريزي، أبو العباس أحمد بن علي. الخطط والآثار في مصر والقاهرة والنيل وما يتعلق بها من الأخبار. مصر:].[د.ن،.1916 المناوي، عبد الرؤوف محمد بن علي. الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية. حققه وضبطه وعلق عليه وعرف أعلامه وأعد فهارسه محمد فتحي أبو بكر. 5 مج. القاهرة: مكتبة الدار العربية للكتاب،.2009 منصور، أحمد صبحي. العقائد الدينية في مصر المملوكية بين الإسلام والتصوف. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2000 (تاريخ المصريين؛.)186 مؤنس، حسين. ابن بطوطة ورحلاته. القاهرة: دار المعارف،.1980 النجار، عامر. الطرق الصوفية في مصر: نشأتها ونظمها وروادها الرفاعي، الجيلاني، البدوي، الشاذلي، الدسوقي. القاهرة: دار المعارف،.1995 الوزان، الحسن بن محمد. وصف أفريقيا. ترجمه عن الفرنسية محمد حجي ومحمد الاخضر. 2 ج. ط 2. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1983 (منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر.) الوكيل، عبد الرحمن، هذه هي الصوفية. ط 3. بيروت: دار الكتب العلمية،.1979 اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب. تاريخ أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب ابن واضح الكاتب العباسي المعروف باليعقوبي. تحرير مارتن ثيودور هوتسما. 2 ج. ليدن: مطبعة بريل،.1883 يوسف، محمد صبري محمد. دور المتصوفة في تاريخ مصر في العصر العثماني (-1517.)1798 الشرقية، [مصر]: دار التقوى للنشر والتوزيع،.1994 دوريات ابن عامر، توفيق. «الصوفية والعقيدة الجبرية». دراسات فلسفية وأدبية: تكامل أصناف المعرفة، العددان 5 – 6، حرب، علي. «التصوف الإسلامي هل هو نفي العقل أم عجزه عن التحقق؟: بحث في عقلانية الجنيد». الفكر العربي (بيروت): العدد 15، حزيران/ يونيو.1980 غماري، طيبي. «هوية الصوفي أبو العباس أحمد التيجاني نموذجًا.» إضافات (المجلة العربية لعلم الاجتماع):

العدد 12، خريف.2010 أطروحة عيسى، لطفي. «مغرب المتصوفة، الانعكاسات السياسية والحراك الاجتماعي من القرن 10 م إلى القرن 17 م». (أطروحة دكتوراه الدولة، مركز النشر الجامعي، كلية العلوم الانسانية والاجتماعية، تونس،.)2005 2 - الأجنبية

Cioran, Emil. Précis de décomposition. Paris: Gallimard, 1949. ---------------. Paris: Gallimard, 1977. (Collection Tel; 18)