التّمظهر السياسيّ للموت في السّودان: قراءة في الأقدار والمصائر
The Political Manifestation of Death in Sudan: A Reading in Destiny and Fate
الملخّص
أبعد من العرض السردي لأدبيات فلسفة «الموت»، وهو الموضوع الذي شغل الفلاسفة ولايزال، تقدم هذه الدراسة سبرًا لأغوار «الموت» في السياق السوداني المعاصر في رمزيته، وخاصةً في ارتباطه بسياسة هذا البلد وبتاريخه السياسي إذ يتمظهر فيه الموت بصوره المتعددة، الحسية والرمزية، وبأسبابه المختلفة. تطرح الورقة سؤالها الجوهري على النحو الآتي: على الرغم من أن الموت هو بلا شك ظاهرة اجتماعية، فبماذا سنخرج إن تناولنا مظهره السياسي؟ وهي تقدم إجابات بالعودة إلى تأثير الموت السياسي (بموت الزعيم السياسي ذاته، أو بنهايته السياسية من دون موته البيولوجي) في مسارات الحوادث التي عاشها السودان، وأبرزها «الحرب» التي ما إن تضع أوزارها حتى تعود لتندلع من جديد، ولا يخمد جمرها حتى تستعر مرةً أخرى في دورة يحتل الموت فيها مواضع التمفصل. ويبلغ الموت حد التحكم في صناعة السلام؛ إذ من غريب الوقائع أن كثيرين من المفاوضين الحكوميين السودانيين يختطفهم الموت وهم في المرحلة الأخيرة من المفاوضات مع الحركات التي حملت السلاح ضد حكم السودان المركزي، وقبل التوصل إلى توقيع اتفاقيات سلام.ّ
Abstract
Far removed from a narrative review of the literature on the philosophy of death, a subject that has long been of concern to philosophers and continues to be so, this study goes deeply into death in the context of the symbolism of contemporary Sudan, and in particular its connection with the politics of that county and its political history, since death is manifest in it in many forms, tangible and symbolic, and its many causes. The main question of the paper is that while death is undoubtedly a social phenomenon, what will we come up with if we handle it as a political phenomenon? The answers come from revisiting the political effect of death (with the death of a political leader or his political end without his biological end) on the course of events in Sudan, most importantly war, which no sooner ends than erupts again, or calms down only to flare up again, in a cycle where death is pivotal. Death controls the creation of peace, since strangely many Sudanese government negotiators have met their deaths in the final stage of talks with armed movements against the central Sudanese government and before the peace deal is signed.
- الموت في السودان
- الزعيم السياسي
- اتفاقيات السلام
- رمزية
- مفاوضون سودانيون
- Death
- Political Leaders
- Peace Treaties
- Symbolism
- Negotiators
قراءة في الأقدار والمصائر
أبعد من العرض السرديّ لأدبيّات فلسفة «الموت»، وهو الموضوع الذي شغل الفلاسفة ولايزال،
تقدّم هذه الدراسة سبرًا لأغوار «الموت» في السّياق السودانيّ المعاصر في رمزيّته، وخاصّةً في ارتباطه
بسياسة هذا البلد وبتاريخه السياسيّ إذ يتمظهر فيه الموت بصوره المتعدّدة، الحسيّة والرمزيّة،
وبأسبابه المختلفة.
تطرح الورقة سؤالها الجوهريّ على النّحو الآتي: على الرّغم من أنّ الموت هو بلا شكّ ظاهرة
اجتماعيّة، فبماذا سنخرج إن تناولنا مظهره السياسيّ؟ وهي تقدّم إجابات بالعودة إلى تأثير الموت
السياسيّ (بموت الزعيم السياسيّ ذاته، أو بنهايته السياسيّة من دون موته البيولوجيّ) في مسارات
الحوادث التي عاشها السّودان، وأبرزها «الحرب» التي ما إن تضع أوزارها حتّى تعود لتندلع من
جديد، ولا يخمد جمرها حتّى تستعر مرّةً أخرى في دورة يحتلّ الموت فيها مواضع التّمفصل. ويبلغ
الموت حدّ التحكّم في صناعة السلّام؛ إذ من غريب الوقائع أنّ كثيرين من المفاوضين الحكومييّن
السودانيين يختطفهم الموت وهم في المرحلة الأخيرة من المفاوضات مع الحركات التي حملت
السلّاح ضدّ حكم السودان المركزيّ، وقبل التوصّل إلى توقيع اتفاقيّات سلام.
مقدمة
حظي الموت، باعتباره موضوعًا مُ شْكلا ولصيق الإنسان والوجود، باهتمام كثير من العلوم؛ فقد
توزّعت دراسة الموت على كثير من التخصّصات العلميّة، منها: «الطبّ والتّمريض والصحّة العامّة،
والعلوم الاجتماعيّة والسلوكيّة، وعلى الأخصّ علم النفس وعلم الاجتماع والقانون، فضلا عن الدّين والفلسفة.
ولقد نشأ في العقود الأخيرة علم دراسة الموت والاحتضار (Thanatology)، وتطوّر هذا العلم حتّى أصبح
مقرّرًا دراسيًّا في الجامعات، كما نشُرت فيه مراجع كثيرة، وأصبح الموت مجالا جيّدًا للدّراسة والبحث ».
1 أحمد محمد عبد الخالق، قلق الموت، سلسلة عالم المعرفة، عدد 111، آذار / مارس 1987 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون
والآداب، 1987.7)، ص
خريف 2012
وعلى الرّغم من الاهتمام العلمي الذي وجده الموت، فإنّ الإنسان بطبيعته يخشى الموت وينفر من دراسته،
لأنّه موضوعٌ مزعج. وكما قال أحد المفك رين المعاصرين: إنّ ثمة شيئين لا يمكن أن يحدّق فيهما المرء: الشّمس
والموت! ولا يصدق ذلك على الإنسان العادي فحسب، بل إنّه يصدق أيضًا على المفك رين والفلاسفة، ومن هنا
يقول روبرت أولسن (R. Olson) إنّه «على الرّغم من أنّ معظم الفلاسفة الكبار درسوا مشكلة الموت بطريقة
أو بأخرى، فإنّ قلّةً منهم هم الذين درسوه دراسةً نسقيّة مستفيضة؛ فكثيرًا ما يرد إلينا رأي المفك ر كما هي الحال
عند اسبينوزا في عبارة واحدة، ومن ثمّ فإنّنا نجد الموت من الموضوعات المتكرّرة عند الشّعراء والأدباء والفنّانين
بصفةٍ عامّة أكثر ممّا نجده عند الفلاسفة المحترفين الذين يسعدهم- كما فعل الفلاسفة التجريبيّون المعاصرون
- استبعاده من حظيرة الفلسفة بحجّة أنّه يمكن أن يدرَس بكفاية أكثر على يد علماء النفس أو علماء الاجتماع في
الوقت الذي لم يُظهر هؤلاء العلماء أنفسهم ميلا لدراسة هذا الموضوع إلا حديثًا جدًّا ». وهذا ما يقودنا إلى السؤال: هل استطاع الموت أن يتوغّل عميقًا داخل حدود العلوم السياسيّة على وجه التّحديد؟ الإجابة الابتدائيّة والمستعجلة لا ترى أنّ الموت قد حظي باهتمامٍ خاصّ ومكثّف في العلوم السياسيّة الحديثة؛
إذ تناولته -بشكلٍ غير مباشر- البحوث الدستوريّة في نقاشاتها الاستثنائيّة بشأن انتهاء فترة رؤساء الدّول،
والموادّ التي تحويها الدساتير وتنصّ على انتهاء فترة حكم الرئيس بالموت. وتحدّث آخرون عن «الموت السّياسيّ»،
ومن هؤلاء الباحث السياسيّ جون كين في دراسته المعنونة Life After Political Death: The Fate of «
» Leaders After Leaving High Office والتي ترجمها الباحث السوري هيثم فرحات بعنوان: «الحياة بعد الموت السياسي: مصير الزعماء بعد رحيلهم عن مناصبهم العليا.» وفي هذه الدّراسة، يناقش كين موت «المنصب السياسيّ» لا موت السّياسيّ نفسه، والمفارقة أنّه عندما يدور
النقاش في الدول الديمقراطيّة على وجه الخصوص، حول الموت والسياسة، لا يكون منصبًّا على السياسيّ الذي
مات أو سوف يموت، إنمّا ينصرف- غالبًا- إلى موت السياسيّ ديمقراطيًّا لا بيولوجيًّا، مثلما هو الأمر في الدول
النامية أو في دول الشرق الأوسط التي لا يغادر فيها السّياسيّ منصبه إلا بالعزل أو الموت. هناك في الدول
الديمقراطية، يناقشون موت المنصب السياسيّ، وماذا يفعل السياسي بعد أن تتركه الديمقراطيّة. إنّ الموت هو بلا شكّ ظاهرة اجتماعيّة، لكن بماذا سنخرج إن تناولنا مظهره السياسيّ؟ لم أجد في النّطاق العربي -
بحسب اط-ّلاعي المحدود دراسةً أولت هذا الجانب اهتمامها مثلما فعل المفكّر المغربي عبد الله ساعف في دراسته المنشورة في صحيفة العرب الأسبوعي عام 2008، وهي من ترجمة سعيد بوخليط، بعنوان: «الموت والسّياسة:
الشّهداء وما بعدهم.. ما الذي يصنع الموقف السياسي الصّلب؟». وعلى الرغم من أنّ ساعف اتّكأ على نموذج
«الشّهداء» ليبرهن قيمة التّمظهر السياسيّ للموت في المجتمع المغربي، فإنّه أعلن- مثلنا - من البداية صعوبة
هذا الرضّب البحثيّ المتعلّق بربط الموت بالسّياسة وغرابته. ويقول عبد الله ساعف: «لماذا نتقدّم هنا بتأملّات،
تبدو للوهلة الأولى أهنّا لا تنهض، سواء على السّياسة والفلسفة أو الشعر؟ كيف نقنع بالتخيلّ عن محاور الواقع
السّاخنة، حيث النظريّة إجمالا، تنتج حقائق ملحّة وتنفتح على ممارسات فوريّة بخصوص الديموقراطية ثمّ
التخلّف، وكذا التشك ل المغربيّ اقتصاديًّا واجتماعيًّا؟ كيف نقدّم الدليل، بمشروعيّة التفكير لحظةً في تيمات غير
راهنة، تفتقد الفعاليّة ظاهريًّا، ثمّ بالتأكيد ميتافيزيقية، بقدر ما يصعب ضبطها، مثل الموت، في الوقت الذي
2 جاك شورون، الموت في الفكر الغربي، سلسلة عالم المعرفة، عدد 76، نيسان / أبريل 1984 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة
والفنون والآداب، 1984.11)، ص
التّمظهر السياسيّ للموت في السّودان
يتحتّم فيه صراع بلا هوادة ضدّ الاجتّاهات التي تروم نحو التصوّف واللاعقلانيّة، وقد هيمنت في الأيّام الأخيرة
على مجموع سجالاتنا الأيديولوجيّة عبر كثرة الخطابات الجديدة بشأن الثقافة الشعبيّة، وإعادة تكييف هذيان
الوجود نيّ، الدفاع عن هذا الحقّ المثير في الإطناب بخصوص الموت، يبدو بالفعل مفارقًا. لا يتعلّق الأمر بإطالة
الكلام ميتافيزيقيًّا لكن حول الموت، على طريقة هيدغر الذي تأمّلها باعتبارها قضيّة محض سياسيّة، أو بالانقياد
أيضًا وراء تأملّات فلسفيّة أدبيّة من نوع تلك التي جاء بها رينيه دي لا شارييه (R. de la Charrière) في
عمله المعنون ب La divagation de la pensée politique، وهو يبحث لكي يستخلص بعض المواقف والسلوكات السياسيّة، ثمّ إظهارها باعتبارها جوابًا متنوّعًا عن قضيّة الموت الميتافيزيقيّة. يتحدّث ساعف في دراسته عن «الخاصيّة الهاجسيّة لتيمة الموت» عند تشي غيفارا، ثمّ يطرح عددًا من الأسئلة
تحوم حول الموت والسّياسة، مثل: كيف فك ر المغاربة في موتهم أو عاشوه؟ ما هي طبيعة الرصّاعات التي تتمحور
حول بعض الميتات الرمزيّة وقواعدها؟ تسعى قراءتنا إلى النّظر إلى الموضوع من جانبٍ فلسفي تأمليّ واجتماعيّ سياسيّ، من دون أن تغفل الوقائع
التاريخيّة، كإطار علميّ يستعين بالمنهج المقارن، للمساعدة في التوصّل إلى إجابة بشأن صحّة التّمظهر السياسي
للموت في السودان، وإمكانيّته ووضوحه. وهي لا تستصحب مقولات لسياسييّن ومفك رين سودانييّن يتحدّثون
عن تعرّض «السّياسة الوطنيّة» للموت فحسب، بل تحاول أيضًا أن تقتفي أثر الموت السياسيّ في أفراد كانوا قبل
موتهم -وما زالوا بعد ذلك- مؤثّرين في عالم السّياسة. وتهتم قراءتنا أيضًا بأثر الموت الجماعي - المتمثّل في
«الحرب-» في تشكيل واقع السودان السياسيّ ومستقبله على السّواء. ستحاول هذه القراءة تفحّص الأقدار والمصائر التي آلت إليها الدولة السودانيّة المعاصرة، وآل إليها أيضًا
سياسيّون وزعماء، لم يكن موتهم يعني هزيمتهم في الحياة، بقدر ما كان يعني انتصارًا لوجهة النّظر الأخرى. إن
النّظرة الانهزاميّة الأوّلية التي نرى بها علاقتنا مع الموت حينما نقف أمامه وجهًا لوجه، يراها بعض الفلاسفة -
مثل الوجوديّ الفرنسي جون بول سارتر- انتصارًا لوجهة نظر «الآخر». ويقول سارتر: «مشروعي نحو موتٍ
ما هو أمرٌ يمكن فهمهالانتحار، الاستشهاد، النزعة البطوليّة؛ لكن مشروعي نحو موتي باعتباره إمكانيّة
غير محدّدة لعدم تحقيقي المزيد من الحضور في العالم ليس قابلا للفهم؛ إذ إنّ هذا المشروع سيكون تدميرًا لكلّ
المشروعات. وهكذا فإنّ الموت لا يمكن أن يكون إمكانيتي الصّحيحة، بل إنّه لن يكون حتّى واحدة من
إمكانيّاتي، غير أنّ الموت ليس فحسب إبطالا لمشروعاتي أو مشروعًا يدمّر المشروعات كافّةً، وإنمّا هو كذلك
انتصار لوجهةنظر الآخر وهذا هو ما يُعتقد أنّ مالرو كان يعنيه حينما قال إنّ الموت يحوّل الحياة إلى مصير». تأكيدًا لما سبق، يبدو أنّ الصّعوبات لا تواجه بحوث قلق الموت فحسب، بل إهنّا تقابل أيضًا أيّ بحوث نفسيّة أو
اجتماعيّة متعلّقة بالموت بوجهٍعامّ. ففي الدّراسة الاجتماعيّة القيّمة التي أجراها د. سيد عويس على نظرة القادة
الثقافييّن المصرييّن لظاهرة الموت والموتى، واجه هذا المؤلّف الصّعوبات ذاتها التي تتّصل كما قسّمها، بجانبين،
هما: النّظرة إلى البحث الاجتماعيّ، والنّظرة إلى موضوع الدّراسة.
في ما يختصّ بالجانب الأوّل، ظهر اختلالٌ كبير في نظرة بعض المستجوبين إلى طبيعة البحث الاجتماعي. ولا أدلّ
3 عبد الله ساعف، «الموت والسياسة»، صحيفة العرب الأسبوعي،:2008/6/14
http://www.alarab.co.uk/previouspages/Alarab%20Weekly/2008/06/14-06/w10.pdf
4 جاك شورون، الموت في الفكر الغربي، مرجع سبق ذكره، ص.279
خريف 2012
على ذلك من عدم ردّ بعضهم الاستمارات المتعلّقة بالبحث، ورفْض آخرين التّعاون فيه. وفي ما يختصّ بالجانب
الثاني، صنّف هذا المؤل ف نظرة المستجوبين إلى موضوع الدراسة كما يلي: نظرة صدٍّ واعتراض؛ نظرة تشاؤم؛
نظرة استهتار؛ نظرة اهتّام؛ نظرة مدح؛ نظرة تعاون. إنّ القراءة التي نقدمها ليست بحثًا اجتماعيًّا ولا سياسيًّا بشأن الموت، إهنّا فقط تأمّل قد يخلط الفلسفة بالواقع،
ونخشى- مثل سيد عويس- أن يقابَل بالتّشاؤم أو الاستهتار، أو الاهتّام، ونتمنّى فقط أن يحظى بنظرة مدحٍ أو
تعاون، أو ما نحتاج إليه جميعنا: نظرة نقد.
ظواهر سياسيّة مميتة
لم تستطع ثورات الربيع العربي - التي ميّزت العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين - الوصول إلى تخوم
السّودان، على الرّغم من ملاصقته لمصر وليبيا، وقربه من تونس واليمن. وقد أشار كثيرون إلى أنّ الشّعب
السوداني أخذ نصيبه من الربيع العربيّ باكرًا، واستبق شعوب المنطقة في الثورة على حك امه منذ ستينيّات القرن
الماضي عبر ثورة تشرين الأول/ أكتوبر 1964، وانتفاضة نيسان/ أبريل 1985، بينما يؤكّد آخرون أنّ وجود
الإسلامييّن على سدّة الحكم في السودان هو الذي عطّل الثورة فيه، أو هو على الأقلّ السّبب الذي يعمل على
تأخيرها باعتبار وجود الإسلامييّن الفاعل في الدّفع بثورات الربيع العربيّ إلى نهاياتها. إلا أنّ المؤكّد أنّ السودان
لم يكن بعيدًا عن أيادي التّغيير التي لا تزال تعمل حتّى الآن على إعادة تشكيل لوحته الجيوسياسيّة؛ فقد بدأ
السودان يتغريّ جغرافيًّا منذ انفصال جنوبه عن شماله، وما زالت الماكينة السياسيّة في الداخل تدور، والبطن حبلى
بمتغريّات كثيرة، والأطراف الجنوبيّة والغربيّة ما زالت تشغل البال الوطنيّ، بل والدوليّ أيضًا. إنّ الأمر الذي يبدو غريبًا هو أنّ قوّةً تفوق قدرات البشر كالموت باتت تبدو في السودان لاعبًا سياسيًّا وذا
تأثير كبير في تفاصيل اللّعبة السياسيّة ونتائجها المستقبليّة. نقول هذا الكلام نظرًا إلى «ميتات سياسيّة» كبيرة
هزّت الدولة السودانيّة الحديثة، إضافةً إلى ظواهرَ سياسيّة خطيرة، مثل غياب الديمقراطيّة في الدولة والأحزاب
السياسيّة، والشّيخوخة التي تضرب رؤساء الأحزاب السودانيّة أو أغلبهم. وهي ظواهر تؤثّر في المشهد السياسي
السودانيّ، وتُدني فاعليه الكبار - وربمّا تُدني المشهد بأكمله - من الموت المحقّق.
على الرّغم من بطش الموت ودلالته الأكيدة على الضّعف البشريّ وأثره السيئ في الإنسان خوفًا وحزنًا ونقصًا،
فإنّ الموت يبدو في أحايينَ كثيرة - وعند كثيرٍ من النّاس- ح مفضلّا للعديد من المشكلات الشخصيّة والعامّة؛
فحينما يلجأ كاتب الرّواية أو القصّة إلى «تمويت» إحدى شخصيّاته على الورق، يرتاح من صداع «الحبكة» ولا
يستطيع أحدٌ أن يحاكمه قضائيًّا لأنّ المسألة برمّتها تنتمي إلى عالم الخيال، وكثيرون في هذا العالم يودُّون لو أ تيحت
لهم فرصة اللّعب بالموت للقضاء على الآخرين والهروب من المسؤوليّة.
ليس في العالم من يقف أمام الموت، الكلّ عنده سواء، تموت حضارات ودول، وتموت أحزاب، فما بالنا بالأفراد!
لكن، هل نظرنا إلى الموت بوصفه لاعبًا سياسيًّا يستخدم قوّته في تحريك الملعب السّياسي لبلد ما أو لمنظومةٍ ما؟
هل يبلغ الضّعف والعجز بالإنسان أن يترك الموت ليساهم في حلّ مشكلاته التي لم يستطع مواجهتها؟ يتّضح أثر «الموت الم سيَّس» جليًّا في أنظمة الحكم الملكيّة، حينما يُغيّب الموت ملكًا تنتهي حياته كشخص، وتحل
نهاية أسرته الحاكمة والموالين له والمستفيدين من حكمه، وتبدأ مرحلة سياسيّة جديدة، خاصّةً إذا كان السّياسي
5 أحمد محمد عبد الخالق، قلق الموت، مرجع سبق ذكره، ص.22
التّمظهر السياسيّ للموت في السّودان
الذي اختاره الموت قابضًا على الحكم بديكتاتوريّة لا مُتنفَّس معها، أو متكل سًا على علاقات ورؤى قديمة
بسنوات متقدّمة في العمر تؤهّله للتّقاعد لا لإدارة دفّة حكم. حتّى الأنظمة الجمهوريّة، حين يستبدّ فيها بالرّأي والسّلطة حزب أو رئيس، يصبح الموت - عند المعارضين
والنّاقمين والمظلومين - أمنية الأماني، حتّى إذا وقع، أصبح المشهد السياسيّ قاب قوسين أو أدنى من قيادةٍ
جديدة تتوخّى حذر الموت بالعدل والديمقراطية والتّجديد. يمكننا أن نلاحظ مع عبد الله ساعف ما يلي: «الصّلة القائمة مبكرًا جدًّا، من خلال النظريّة السياسيّة، بين
مستوى تطوّر المجتمع والموت يمكن أن تساعد بشكلٍ أفضل في تطويق طبيعة الحدّ الذي ستشكّله داخل مجتمعٍ
متحرّر. سيصف ابن خلدون - على سبيل المثال - مطولّا ملامح المجتمع العادل والمتسامح، بمثل هذه المفاهيم:
«تشجّع السّلطة المتسامحة مواطنيها، وتثير فيهم رغبة كبيرة للاشتغال. يزداد عدد السك ان والديموغرافية في
أقصى توسّعها». مقاطع المقدّمة التي تصف مجتمعًا آخذ ا في التفكّك قياسًا لسلطة تنتشر وفق روح التّخريب
وبخاصيّات قمعيّة، هي معروفة جدًّا. نصّ ابن خلدون متميّز كثيرًا، ممّا يحتّم إعادة استنساخه ثانيةً بالكامل:
«...كلّ هذا متعلّق بإفلاس الدولة. تقوم اضطرابات، ينساب الدّم، تندلع الأوبئة، السّبب الرئيس هو فساد
المحيط نتيجة فائض في عدد السكّان: يتفشّى الفساد والرّوائح الخبيثة. في حين، يغذّي الهواء الفكر الحيواني
الروح الحيوانيّة ويبقى في تماس معه. إذا فسد، ينفذ الشرّ إلى المزاج. في الحالات الجسيمة، تصاب الرّئتان.
توجد لدينا عندئذٍ أوبئة رئويّة. حتّى، ولو كان تغريّ الهواء ضعيفًا، ينمو التعفّن ويزداد: تهاجم الحمّى الرتّكيب
الإنساني، ثمّ يسقطالنّاس مرضى ويموتون... ») شيء دالّ أنّ ابن خلدون يدرك المجتمع العادل الذي يتمّ
تسييره بشكلٍ جيّد، مثل فضاءٍ مناسب لنموّ الحياة، ثمّ المجتمعات القمعيّة كمجالٍرحب للموت. بإمكاننا،
الانتباه للمقاييس التي أوردها ابن خلدون، لكي يموّه على تفيشّ الموت في المجتمع القمعي: «من الرضّ وري
قطعًا توفير فضاءات حرّة واسعة بين المناطق الآهلة، لكي تتيح للهواء الانتشار». لن تدّعي هذه القراءة إحاطتها بالمنهج العلميّ للوقوف على ظاهرة الموت السياسيّة في السّودان، وإنمّا هي تلفت
الانتباه إلى زاوية غير مرئيّة في المشهد السياسي في هذا البلد فحسب، وربمّا يأتي لاحقًا من يتعمّق في هذا الاجت اه
ويعطيه حقّه من التّمحيص والدّراسة والنّظر. ولا تخفي هذه القراءة اعتمادها على الخيال بوصفه رافدًا للمعرفة
ومحفّزًا لها، مثلما نُقل عن أينشتاين قوله: «الخيال أهمّ من المعرفة». واستعانت هذه القراءة في جزء كبير منها
بالمنهج التاريخيّ لاستقراء ظاهرة الموت الاجتماعيّة في تمظهرها السّياسيّ.
حضور الموت في الملعب السّياسي السّوداني
السّودان في قلب الظّاهرة في حالة السّودان، لا يقف الموت بعيدًا كلاعب سياسيّ، وهذا ما يبدو جليًّا في المشهد السّودانيّ الذي يقول أبناؤه
قبل الغرباء إنّه ظلّ يدور في حلقة مفرغة أو نفقٍطويل مظلم دخله البلد منذ أن نال استقلاله من الاحتلال
الإنكليزي عام 1956 من دون أن يلمس الشّعب استقرارًا سياسيًّا ونهضة حضاريّة واضحة، ولا أن يرى
- مثل نظرائه في المنطقة - بنى تحتيّة أساسيّة تمكّن الدولة من تلبية أشواق مواطنيها.
6 عبد الله ساعف، مرجع سبق ذكره.
خريف 2012
عندما يقول خبيرٌ استراتيجي مثل البروفيسور حسن مكي إنّ السودان يتغريّ، فإنّه يعني ذلك حقًّا. وحين يُسأل
عن خليفة الرّئيس البشير، يزيد مكي القول إيضاحًا: «الحياة والموت بيد الله، ليس فقط موت الأشخاص ولكن
لكلّ أجلٍ كتاب، سواء حقبة سياسيّة أو اجتماعيّة أو اقتصاديّة، والمتغريّات كبيرة والمطلوبات أيضًا كبيرة،
وتجديد القيادات هو الذي يكشف عن حيويّة الأمم». ويؤكّد أيضًا: «السّودان كلّه سيتغريّ ولكلّ أجلٍ كتاب،
ولو كان تاريخ السودان السياسيّ محطّة نهايته الأزهري ما كان وصل الأزهري، ولو كان محطّة نهايته النميري ما
كان وصل النميري نفسه، والتاريخ في حالة صيرورة وفي حالة تغيرُّ، واللّطف الإلهي يع عن نفسه في أشكالٍ
مختلفة، الحكيم هو من استطاع أن يقرأ اللّطف الإلهي في لحظات تجلّياته». أمّا زعيم حزب الأمّة الإمام الصّادق المهدي، فيبدو أكثر صراحةً وتعبيرًا عن قوّة الموت الباطشة وتأثيراتها
في السّاحة السودانيّة؛ فقد صرّح لصحيفة الرأي العامفي 15 كانون الثاني / يناير 2011 قائلا: «السّودان
الآن على فراش الموت». ومرّ عام كامل وما زال المهدي يؤمن بالقضيّة والتّوصيف والكلمات ذاتها،
إذ تنقل عنه الصحيفة نفسها في عدد يوم 19 آذار / مارس 2012 قوله: «السّودان يحتضر، ولا مجال
لانتظار الانتخابات». بحسب فلسفة الموت عند وليد علي عبد المجيد، فإنّ «علم الاجتماع غالبًا ما ينظر إلى الموت على أنّه انتقال أو
تحوّل من حالةٍ إلى أخرى، أمّا علم الموت، فإنّه يدرس ما يتّصل بالموت والاحتضار مرتبطًا بالمجال النّفسيّ
والاجتماعيّ»، فهل يتحوّل الموت- في الحالة السودانيّة- من ظاهرة اجتماعيّة معهودة التّشخيص والتّوصيف
عالميًّا وعلميًّا، إلى ظاهرة سياسيّة بدأت تطلّ برأسها في البلدان النّامية المفتقرة إلى الديمقراطيّة؟ حرب الموت ليس أدلّ على الموت من الحرب. ويقول سيغموند فرويد في هذا الشأن: «ومن الواضح أنّ من شأن الحرب أن تجتاح هذه المعالجة التقليديّة للموت. فلا حاجة لتكرار الحديث عن الموت فنحن مضطرّون لأن نؤمن به لأن
الناس يموتون حقًّا. ولم يعودوا يموتون الواحد بعد الآخر، وإنمّا يموت الكثير منهم في وقت واحد وغالبًا ما
يموت عشرات آلاف في يومٍ واحد، كذلك لم يعد الموت موتًا عرضيًّا. ومن المؤكّد أنّه لا يزال مسألة صدفة إذا
كانت رصاصة معيّنة تصيب هذا الرّجل أو ذاك. ولكن الذي يبقى على قيد الحياة يمكن بسهولة أن يصاب
برصاصةٍ أخرى، ويضع الرتّاكم نهاية للانطباع بأنّ الموت عرضيّ. لقد أصبحت الحياة في الحقيقة مثيرةً للاهتمام
من جديد، لقد استعادت الحياة أهمّيتها كاملة». ظلّ الموت يحوم حول السّياسة السودانية منذ استقلال السودان كدولة وطنيّة حديثة عام 1956، أو بعبارة أدقّ،
بدأ الأمر قبل الاستقلال، ربمّا بحوادث تمرّد توريت عام 1955؛ الرشّ ارة التي لم ينسها الشماليّون والجنوبيّون
على حدٍّ سواء. منذ ذلك الحين، لم يتوقّف الموت المتجيلّ في الحرب عن حصد الأرواح ورسم مستقبل السّياسة
7 حسن مكي، صحيفة الانتباهة، حوار نشر في عدد.2012/4/1
8 المرجع نفسه.
9 الصادق المهدي، صحيفة الرأي العام،.2011/1/15
10 الصادق المهدي، صحيفة الرأي العام،.2012/3/20
11 وليد علي عبد المجيد، مجموعة مقالات عن «فلسفة الحياة والموت» على مدوّنته الإلكترونيّة: http://phdwalid.blogspot.com
12 سيغموند فرويد، أفكار لأزمنة الحرب والموت (بيروت: دار الطليعة، 1981)، ص.27
التّمظهر السياسيّ للموت في السّودان
في السودان والمنطقة، ولم تفارق «حرب الجمهوريّة الأولى» أشواق «الجمهوريّة الثانية» حتّى الآن، بل توَاصَل
الموت في حرب الجنوب، توقّف قليلا بعد توقيع اتفاقيّة السلّام في 2005، ثمّ اندلع مجدّدًا عقب مقتل جون
قرنق. وأعاد الموت ذاكرة الشمالييّن إلى حوادث تمرّد توريت، فوقع ما وقع يوم «الاثنين الأسود» في الخرطوم
بتداعياته التي لم تستثنِجنوبيًّا أو شماليًّا. ساد الهدوء مرّةً أخرى، إالّ أنّ الموت المتجيلّ في الحرب اجتّه غربًا فكانت
مشكلة دارفور، حيث حصد الموت أعدادًا كبيرة من الضحايا بلغت الآلاف، باعتراف المتمرّدين والحكومة
السودانيّة، إلى أن بدأ الموت يبتعد قليلا عن الإقليم المنكوب في ظلّ «الجمهوريّة الثانية»، كما وصف نائب
الرّئيس السّوداني علي عثمان محمد طه سودان ما بعد الانفصال. من يقف أمام الموت دائامً يبوء بالخسران، أمّا الذي يرجع من خسارة الموت المعلن بما يخفي من المكاسب، فهو
المولع باقتناص الحكمة، وهو المستفيد آخرًا من الموت على الرّغم من الأحزان. لذلك لا يبدو غريبًا للمراقب
أن يُفسح المتنازعون الطّريق للموت حتّى يستخدم سياسة القوّة حين تغيب قوّة السّياسة. عندما تتوقّف الحرب
اللّعينة وتتخىلّ عن مصادقة الموت، يتأكّد العالمون ببواطن الأمور أنّ ثمّة سياسييّن حكماء قرّروا أن يقولوا كلمتهم. ما زالت فكرة استخدام الموت في السّياسة مستمرّة حتّى الآن، وهي تتمظهر بشكلٍ واضح في المفاوضات التي
كانت تتمّ بين الخرطوم وجوبا من حين إلى آخرَ لحلّ القضايا العالقة بعد انفصال جنوب السّودان عن الشمّال؛
فكلمّا اقترب أوان المفاوضات بين الدّولة القديمة والدولة الجديدة يعلو صوت الموت قليلا بين البلدين للفوز
بأراضٍ جديدة من خلال التّفاوض. إلا أنّ الرياح لا تجري كما يُشتهى دومًا؛ إذ ربمّا تؤدّي سياسة الموت هنا
إلى موت السّياسة وبالتّالي انهيار التّفاوض نفسه. وهذا ما حدث فعلا فترة من الوقت بعد احتلال قوّات جيش
جنوب السّودان مدينة هجليج السودانيّة الغنيّة بالنّفط، إذ أبت الدّولتان الجلوس إلى طاولة المفاوضات بعد أوّل
حرب اشتعلت بينهما عقب الانفصال إالّ بضغطٍ من قرار مجلس الأمن رقم.2046 وهكذا، يُعِدّ علماء الاجتماع «الحرب» إحدى المشكلات الأخلاقيّة التي ترتبط بالموت ارتباطًا وثيقًا، فيقولون:
«إذا كان الموت أمرًا غير مرغوب فيه، فإنّ السّؤال عن مدى أخلاقيّة الحروب هو أمر لابدّ من فحصه، لاسيمّا إذا
تعلّق الأمر بمدى أخلاقيّة قتل النّساء والأطفال غير المشاركين في الحرب من ناحية، ومدى أخلاقيّة استخدام
أساليب التّعذيب من ناحيةٍ أخرى ». الاغتيالات السياسيّة في السّودان حينما تتعثّر كلّ أدوات الحياة أمام بعض السياسييّن، يلجأ اليائسون منهم، أو المفرطون في الط موح، إلى حلٍّ أخير
لمشكلاتهم مع منافسيهم، فيصبح الموت هو الأداة الأنسب لاقتلاع الجذور. عندما يلجأ السّياسي إلى الموت ينتقل
إلى ما نُطلِق عليه تسمية «الاغتيال السّياسي» أو «القتل خارج القضاء»، كما يقول الحقوقيّون. والاغتيال السّياسي
كما تعرّفه الموسوعات هو «الوصف الذي يُستخدَم لعمليّة القتل المنظ مة والمتعمّدة التي تستهدف شخصيّة مهمّة
ذات تأثير سياسي أو قيادي. ويكون مرتكز عمليّة الاغتيال عادةً أسبابًا عقائديّة أو سياسيّة أو انتقاميّة تستهدف
13 تشير تسمية «الاثنين الأسود» إلى حوادث القتل والتخريب والنهب والحرق للممتلكات التي وقعت في الخرطوم يوم الاثنين 1
آب / أغسطس 2005، بعد الإعلان الرسمي عن مقتل جون قرنق (نائب رئيس الجمهورية ورئيس حكومة جنوب السودان وزعيم
الحركة الشعبية لتحرير السودان) في حادث تحطم طائرة كان على متنها على الحدود بين السودان وأوغندا في 30 تموز / يوليو.2005
14 وليد علي عبد المجيد، «المفهوم الأخلاقي للموت»، 2012/3/18، مقالة على مدوّنته الإلكترونيّة:
http://phdwalid.blogspot.com/2012/03/blog-post_18.html.
خريف 2012
شخصًا معيّنًا يُعدّه منظّمو عمليّة الاغتيال عائقًا في طريق انتشار أوسع لأفكارهم أو أهدافهم». وقد تمتدّ يد
«التّمويت» إلى رؤساء دولٍأملا بتغيير النظام السّياسيّ بكامله. الاغتيالات، لا سيمّا السياسيّة منها، لا تجد في العادة تأييدًا بسبب كلفتها الجنائيّة والسياسيّة؛ فكثير من تجارب
الاغتيال لم تُفلح في تغييرٍ مأمول للواقع، إن لم تزد الحسابات السياسيّة تعقيدًا. وعلى الرّغم من ذلك كلّه، فإهنّا لم
تتوقّف منذ فجر التاريخ وحتّى الآن. يُعتبر موت الزّعيم الجنوبي الشّهير جون قرنق آخر اغتيال لزعيم سياسي في المنطقة؛ إذ لا يقربه في المدّة إالّ
رئيس الوزراء اللبنانيّ رفيق الحريري الذي اغتيل في تفجير مروّع في بيروت في شباط / فبراير 2005، بينما كان
موت جون قرنق في تحطّم طائرته مثيرًا للرّيبة في 30 تمّوز / يوليو من العام نفسه. في سباق البقاء، وفي سياق النّفي، لا توجد دولة في العالم تنافس الآخرين في اللّجوء إلى حل «الموت» مثل إسرائيل؛
فهي تستخدم الاغتيال السياسي - كما وصف كثير من الخبراء - ب«طريقة منهجيّة ومنظ مة». وحين يتحدّث
الباحث الإسرائيلي آرييه نادلر عن ظاهرة الاغتيال، يعرّفها بأهنّا «نشاط إرهابيّ ينطلق من دوافع أيديولوجيّة.»
أمّا حينما يحاول باحث إسرائيليّ آخر، مثل ميخال وولتسر، تسويغ دوافعها، فيقول عنها في دراسته «الديمقراطيّة
وسياسة الاغتيالات»: «عند تفحّص هذه الأيديولوجيا المبرّرة يمكن رؤية تميّزها بوجهين أساسييّن يرتبطان
مباشرةً بأمن الدّولة أولّا، وبالقيمة الدينيّة أو القوميّة للأرض. في الحالة الأولى، يحدث الانقسام الطبيعيّ
للمواقف بين اليمين واليسار، وهو يحتلّ مركزًا يتشابه مع أيّ خلاف حول أمور اجتماعيّة أو اقتصاديّة في دولٍ
لا يحتلّ الأمن مركزًا حيويًّا فيها، وفي المساهمة في أيّ خلاف داخليّ عميق». أمّا في السودان، فإنّ أغلب الاغتيالات السودانيّة كانت محاولات لم يُكتب لها النّجاح، مثل محاولة اغتيال وزير الشّباب
والرّياضة حاج ماجد سوار في مدينة كادوغلي في ولاية جنوب كردفان، بعد تعرّضه لإطلاق نار من مسلّحين. يقول الباحث السودانيّ ياسر أبو حسن في دراسته «تاريخ الاغتيالات السياسيّة في السودان»: «إنّ السودان يُعد
من الدول التي لم تعرف الاغتيالات السياسيّة، كما أنّ الحكومات المتعاقبة على حكم السّودان اتّسمت بالتّسامح
ولم يحدث أيّ نوعٍ من أنواع الاغتيالات السياسيّة، إال أنّ هنالك أحكامًا بالإعدام صدرت في حقّ سياسييّن عدّة
مرّات، خاصّةً في فترة الحكومات العسكريّة السّابقة. كان أوّل حكم بالإعدام السياسيّ نفّذه الرّئيس إبراهيم
عبود إثر المحاولة الانقلابيّة التي جرت عام 1958، كما نفّذت عدّة أحكام بالإعدام [...] في ف يترَ حكومة
النميري والإنقاذ بسبب محاولة تغيير نظام الحكم بالقوّة». ويضيف الباحث: «لم تشهد السّاحة السودانيّة عمليّة
اغتيال سياسي مدبّر وفق التعريف المعروف مثلما تحدث في كثير من بلدان العالم، ولكن هنالك بعض العمليّات
التي نُفّذت خلال حقبة سبعينيّات وثمانينيّات القرن الماضي بواسطة أيادٍ غير سودانيّة ».
15 لم تجلُ الحقيقة كاملة عن حادثة تحطم طائرة الهيلكوبتر الرئاسيّة الأوغنديّة التي كان جون قرنق عائدًا فيها من زيارة إلى أوغندا، حيث التقى
الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني. ولا يستبعد هذا الأخير أن تكون الحادثة مدبرة، وهو ما يجعلها عملية اغتيال لا محض حادثة مأساوية.
16 عصام البغدادي، «الاغتيالات السياسيّة في الرشّ»، ق الأوسط الحوار المتمدّن، العدد.)2004/3/24(783:
17 ياسر أبو حسن، «الاغتيالات السياسيّة في السودان وأثرها على الدبلوماسيّة السودانيّة»، مركز الراصد للبحوث والعلوم،
.http://www.arrasid.com/index.php/main/index/33/64/contents:د.ت
التّمظهر السياسيّ للموت في السّودان
موت السّياسي ومصير الدّول
توظيف الموت في السّياسة جيّد أن يلجأ نظام ما إلى توظيف الموت سياسيًا، فهذا غاية الحكمة بعد التّسليم بوقوع القدر. أمّا أن يصير الموت
هو الموظِّف للسّياسة، فهذا قلّة الحيلة الأدهى، والعجز الأمَرّ، والمؤرشّ إلى حالة اليأس من أيّ حلّ في الأفق
سوى الوقوف باستسلام أمام أيادي الموت الباطشة، وهو ما يدعو إلى تقليب النّظر مرارًا في أساس المشكلة
السودانيّة التي ما زالت تعوق مسيرة هذا البلد العربي الأفريقي الكبير والمميّز.
إنّ الموت (الاستشهاد) في نظر المفك ر عبد الله ساعف، بوصفه نقطة قطيعة لتأسيسات جديدة للحقل السياسيّ، «يبعث
الاجتّاهات، والتّمفصلات، ثمّ ينخر قوى سياسيّة من الداخل ».... فهل تحقّق ذلك، أو جزء منه، في الحالة السودانيّة؟
لقد بدا واضحًا أنّ موت جون قرنق عام 2005 كان عنصرًا سياسيًّا استطاع أن يؤثّر في نتائج اللّعبة السياسيّة في
السّودان والمنطقة عامّةً، خاصّةً في نظر الذين كانوا يعوّلون على جون قرنق في إنجاز مشروع «السّودان الجديد»،
الذي كان يبرشّ به منذ أن كان في أدغال الجنوب وإلى أن جلس على كرسيّ الحكم نائبًا للرّئيس السّوداني في القصر
الجمهوريّ في الخرطوم. لقد كان موت قرنق مخيّبًا أيضًا للكثير من الوحدوييّن السودانييّن، شمالييّن وجنوبييّن.
والأمر، كما يؤكّد البعض، يتعدّى خيبة الأمل إلى تأثير موته المباشر في سياسة وحدة السّودان التي كانت مفضّلة
لدى بعض القوى الدوليّة المستفيدة من السلّام في السودان، ومرفوضة لدى أطراف أخرى مثل إسرائيل،
لا سيمّا بعد أن رأى الكثيرون – وقاسوا بمؤرشّات عدّة - الحماسة الوحدويّة التي كان جون قرنق يبديها في
الخرطوم وظلّت تتصاعد بعد عودته من الحرب. لذلك، لا يخالج بعض المراقبين الشكّ في أنّ موت قرنق كان
مدبّرًا - من قوى تريد الانفصال - لتحويل مسار السّودان من حالة الاحتّاد إلى حالة التشظّي. وقد مات قرنق،
وما زال الوضع في الشمّال والجنوب محتقنًا بالنّزاعات السياسيّة والأزمات الاقتصاديّة، ومشوبًا بالحرب مرّة
وبالحذر كلّ مرّة. يماثل موت قرنق في تأثيره السياسيّ في مسيرة الحرب والسلّام في السّودان، موت خليل إبراهيم، قائد حركة
العدل والمساواة المتمرّدة في دارفور، الذي قُتل في 25 كانون الأوّل / ديسمبر 2011؛ إذ شكَّل موته صدمة
كبيرة لأعضاء الحركة، وأثّر في فاعليّتها ووجودها على الأرض، وأصبح الموت بذلك لاعبًا سياسيًّا في صالح
الحكومة السودانيّة لإعادة الاستقرار في دارفور.
سياسيّون: أموات في طريق السّلام
يسجّل التاريخ السياسيّ السودانيّ الحديث أكثر من حالة لسياسييّن أُسندت إليهم مسؤوليّات تفاوضيّة لكن
الموت قضى عليهم قبل أن يبلغوا تمام طريق السلّام. والغريب في الأمر أنّ أغلبهم مات في حوادث بوسائل
نقل، والأغرب من ذلك رحيلهم قبل تمام عامٍ واحد من إنجاز اتّفاقيات السلّام التي أبرموها مع المتمرّدين
على الدولة، أكان في مشكلة جنوب السّودان أم في دارفور. من هؤلاء الزّعماء المفاوضين نائب الرّئيس السوداني
المشير الزبير محمد صالح، الذي مات في حادثة تحط مت فيها طائرته في أحراش جنوب السودان في مدينة الناصر
18 عبد الله ساعف، مرجع سبق ذكره.
خريف 2012
في شباط / فبراير 1998، ومستشار الرئيس السوداني مجذوب الخليفة الذي مات في حزيران / يونيو 2007 عقب انقلاب سيارته على طريق الخرطوم – شندي بسبب انفجار إطارين من إطاراتها. لقد اشتهر الزبير ومجذوب بقيادة أدوار تفاوضيّة كبيرة انتهت بكليهما إلى إنجاز اتّفاقيّات سلام؛ فقد وقّع الزبير
مع فصائل جنوبيّة متمرّدة اتفاقيّة سلام الخرطوم في نيسان / أبريل 1997، ووقّع مجذوب مع متمرّدي دارفور
اتفاقيّة أبوجا للسلّام في أيار / مايو 2006. وشك ل موت الزبير خسارة كبيرة للدّولة وللاجتّاه السّلمي. وما
زال حادث تحطّم طائرته مثيرًا للجدل، حال جميع حوادث الطّيران التي شهدها السّودان أخيرًا. فهو كان ذا
شخصيّة قياديّة طاغية، وكانت له صولات وجولات مع الجنوبييّن للتوصّل إلى سلام في المنطقة. وكذلك الحال
مع مجذوب، إذ سارعت الأمم المتّحدة إلى نعيه، ووصفته راضية عاشوري، المتحدّثة باسم المبعوث الخاص
للأمين العام للأمم المتّحدة إلى السودان حينها، بأنّه «مفاوض دؤوب وسياسيّ من الدّرجة الأولى لمساهمته في
الحلّ السّلمي للرصّاع في دارفور ». تميّز مجذوب – مثل الزبير- بشخصيّة قويّة ونافذة، و«كان يشك ل دولةً داخل دولة، فله جيشه من الأنصار وله
خزانته وأمواله وله سطوته في التّعيينات والإعفاءات [...] ومن الط رائف التي حتُكى: أنّ بعض الوزراء الذين
تمّ تعيينهم في وزارات ولائيّة نائية، وكانوا غير راضين عن هذه التّعيينات النّائية.. ذهبوا للفريق الزبير- عليه
رحمة الله - وقالوا له: «انتوا حاقرين بينا نحنا فقط...ناس مجذوب ديل ما يمشوا الولايات». فضحك الفريق الزبير بعفويّته المشهودة وقال لهم: «خلوها الولايات، ناس مجذوب ديل لو لاقين طريقة في كراسينا دي كان نطوا
فيها». لذلك كان الإعلام يطلق على د. مجذوب خليفة عندما كان واليًا على الخرطوم «الرئيس في شكل والٍ »
أو «والي رابط ماكينة رئيس». وقد أزعجت هذه الصفة الرئاسيّة لمجذوب بعض الدوائر القياديّة في الإنقاذ،
عندما شعرت بأنّ مجذوب ربمّا يطمح إلى خلافة الرّئيس، وذلك عبر حشد الأنصار والمؤيّدين وتجييشهم،
لذلك تمّ تحجيمه قصدًا عبر تعيينه وزيرًا للزّراعة في الوقت الذي كانت كثير من الدّوائر تشير إلى احتمال تعيينه
مستشارًا سياسيًّا للرّئيس في رئاسة الجمهوريّة، وقبل مجذوب التّكليف.. وأحسبه قد نام فوق رأي كما يقول
أهلنا البسطاء؟ ولكن يبقى لنا سؤال: «هل نام آخرون على رأي آخر فانفجر فقه الرضّ ورة وأطاح بالرّجل؟ الله
يعلم وربمّا آخرون».
مشكلة الوقت والتّراب في السّودان
جغرافيا الموت لو كان للموت السياسيّ مكان في السودان، لكان امتداد جغرافيته في الأطراف أوسع بكل تأكيد من امتداده في
المركز، ولسجّل الجنوب والغرب أكثف حاصدة «جغرافية» للأرواح في تاريخ السّياسة السودانيّة الحديثة. ولن
يكون الداخل مبرَّأً من المسؤوليّة، كما لن تكون الأيادي الخارجيّة كذلك، لأنّ سياسة «شدّ الأطراف » – كما
يقول كثيرون- كانت - ولا تزال - استراتيجيا مجرّبة ومفضّلة عند أعداء السودان لإشغال ساسته وإثخان
جسده بالجروح والموت والتمرّد، ومن ثَمّ إدمان الحديث عن الشرعيّة السياسيّة للمركز، والتّهميش الذي
19 إسماعيل آدم، «مصرعمجذوب خليفة رجل الخرطوم القويّ في دارفور في حادث سير»، الشرق الأوسط،.2007/6/28
20 عبد الرحيم عمر محي الدين، الترابي والإنقاذ: صراع الهويّة والهوى، ط 4 (دمشق: مطبعة عكرمة،.)2009
التّمظهر السياسيّ للموت في السّودان
يطاول الأطراف. ولطالما كان «النّقاش المناطقيّ» في السودان مثارًا للجدل ول «الدّجل» أيضًا؛ فعلى الرّغم
من حساسيّته كموضوع سياسيّ، فإنّ سياسييّن وكتلا وجماعات حزبيّة تتناوله بحقّ وبغير حقّ، فتصيب قليلا
حينما تؤرشّ إلى وجود أزمة في الحكم والتّنمية، وتخطئ كثيرًا حينما يعوزها الاستدلال والاحتجاج، فتلجأ إلى لي
رقبة الأرقام والإحصاءات باجتّاه الرّغبة في الاهتّام بالتّهميش، مثلما فعل واضعو الكتاب الأسود: اختلال ميزان
تقسيم السّلطة والثّروة في السّودان، ذلك الكتاب الذي اشتغل على حركة «المكان» من دون اعتبار لمتغريّات
الزّمان والظّروف والأنظمة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة. إنّ مشكلات الحضارة والنّهضة لا تتركّز فقط على «المكان»، مثلما كتب المفك ر الجزائري مالك بن نبي، وإنمّا
تشمل أيضًا «الإنسان، والوقت، والتراب». يقول ابن نبي في كتابه شروط النهضة: «لكي نقيم بناء نهضة لا
يكون ذلك بأن نكدّس المنتجات، وإنمّا بأن نحلّ هذه المشكلات الثلّاث من أساسها». لئن كان الوقت بحسب مالك بن نبي مشكلةً تحتاج إلى حلّ، فهو في السودان ربمّا يفوق المشكلة وصفًا، إلا
أنّ الناظر في سجالّت التاريخ والأيّام يلاحظ بطش الموت في أشهرٍ معيّنة من السّنة. ولئن كانت كثرة من
السودانييّن تعتقد أنّ «شهر آذار / مارس هو شهر الكوارث»، فإنّ شهر آب / أغسطس هو شهر الموت
السياسيّ في السودان، إذ وقعت فيه على فتراتٍ متفاوتة أحداث سياسيّة كثيرة ومؤثّرة. تأريخ الموت قبل أن يتذوّق السودان حلاوة الاستقلال، أطلّ على الحياة السياسيّة آخر أشهر آب / أغسطس، وأطلّت معه
طلائع التمرّد الأوّل في جنوب السودان في 18 آب / أغسطس 1955، فوقعت مجزرة توريت التي أودت بحياة
المئات من السودانييّن، وعمّقت شرخًا بين الشمالييّن والجنوبييّن لم تستطع المساعي الحكوميّة والشعبيّة رأبه،
حتّى أنّ البعض لا يصف الحادثة بالمجزرة في حقّ الشمالييّن، وإنمّا هي في حسبانهم «أوّل عمليّة تطهير عرقيّ في
السودان». وهي الحوادث ذاتها التي كتب فيها الشّاعر السوداني الرّاحل الهادي آدم قصيدته المشهورة «توريت يا
وكر الدّسائس والخديعة والدّم». لقد كان التأثير الأخطر لهذا الموت الجماعيّ أنّه تحوّل إلى «لا شعور» ساهم مع
عددٍ من العوامل في تقسيم السّودان وعدم استقراره. وفي هذا السّياق الزّمنيّ والاجتماعيّ المؤلم لا ننسى مقتل
جون قرنق، ولا ننسى تداعياته التي حرّكت اللاشعور ودفعت به إلى العلن، فحدث ما حدث يوم «الاثنين
الأسود» والأيّام التي تلته. وكلّها حوادث موت احتواها شهر آب / أغسطس، وساهمت بقدر كبير في رسم
خارطة المستقبل السّياسيّ في السّودان.
لم يتوقّف الموت السّياسي عن «مصادقة» شهر آب / أغسطس، فها هو يطلّ في حوادث المولد إبان عهد الرئيس السوداني
عبود في 21 آب / أغسطس 1961، حين أزهقت أرواح العديد من الأنصار، وانتهت حياة الإمام الصديق بعد ذلك
بأسابيع، وبالتحديد في تشرين الأول / أكتوبر 1961، فكانت وفاته خسارة لمعسكر معارضة حكم عبود العسكريّ.
وفي آب / أغسطس 1969، تويف الرئيس الأوّل إسماعيل الأزهري، وكاد إعلان وفاته في مستشفى الخرطوم
أن يؤدّي إلى احتجاجات ضدّ حكومة الرئيس جعفر نميري، التي أحاطت ببيت الزعيم الأزهري في أم درمان
بالمدرّعات، ونقلته إلى سجن كوبر. وفي آب / أغسطس 1973 اندلعت انتفاضة شعبان ضدّ نظام نميري أيضًا.
21 مالك بن نبي، شروط النهضة (دمشق: دار الفكر، 1986.45)، ص
خريف 2012
أمّا الموت الذي اختلطت فيه السّياسة بالاقتصاد، فكان في آب / أغسطس 1984، بعدما ضرب الجفاف
والتصحّر مناطق واسعة من غرب السودان، إذ حصد الجفاف أرواح الكثيرين، وشهدت العاصمة السودانيّة
أكبر موجات نزوحٍ إليها، وهو ما كان مفاجئًا لإمكانات الخرطوم المحدودة وغير القادرة على استيعاب تلك
الأعداد التي كانت تقدَّر بالآلاف. وقد أثّر ذلك الجفاف والنّزوح الذي أعقبه في ميزان التّنمية، أكان في المركز
أم في الأطراف. ولم تنقض سنوات الجفاف حتّى كانت موجة الفيضانات والسّيول الشّهيرة في آب / أغسطس
1988، فازدادت الحكومة المرهقة حينها رهقًا على رهق.
متى يفكّر السّياسي في الموت؟
ميلاد الأنظمة السياسيّة وموتها حينما تدقّ ساعة الرّحيل، يعرف الجميع أنّ الموت لا يطلب من أحد تحديد «وقت الزّيارة». نعتقد أنّ الوقت، أو
بالأدقّ وقتنا، لم يعد همَّ الموتى، إنمّا همُّ الأحياء الذين يحرصون على تأريخ الموت. وتبدو لحظة الموت مثل الميلاد
في العناية والكتابة، نحرص على إثبات تاريخ الوفاة على شواهد القبور مثلما تحرص الحكومة على إثبات تاريخ
ميلادنا في سجالّتها. السّؤال الذي ينتظرنا لنطرحه: هل في الإمكان أن نعامل السّياسة في السودان مثلما نعامل
الإنسان، نحتفي بميلاده وموته؟ تشير الإجابة الأوّلية إلى أنّ السودانييّن شديدو الاحتفال بميلاد الأنظمة
السياسيّة لا بوفاتها، ويعلون دائامً من تأريخ بداية أيّ نظام سياسيّ جديد، ويدفنون تاريخ نهايته وذكراها مع
جثّته؛ لذلك، لا يكاد كثيرون – خاصّةً الأجيال الجديدة - يتذكّرون تواريخ نهاية نظمنا السياسيّة التي حكمت
السودان طوال الستيّن سنة الأخيرة، فلا يستحضر البعض نهاية نظام أوّل حكم ديمقراطيّ إال على أنّه بداية لأوّل
عهدٍ عسكريّ في السودان قام على كتقيّ الفريق عبود، ولا يستحضر نهاية عهد عبود إلا على أنّه بداية لعودة
الحياة الحزبيّة لتسيير دفّة السياسة مجدّدًا. وهكذا، تبدو تواريخ وأنظمة 25 أيار / مايو، و 30 حزيران / يونيو،
قريبة من الذّاكرة دائامً. ولن ننسى أيضًا تاريخ 9 تمّوز / يوليو 2011 بوصفه بدايةً للسّودان الجديد المنفصل عن
الجنوب بموجب الاستفتاء الذي مارسه مواطنو جنوب السّودان. ويبدو أنّ حرص الأنظمة السياسيّة على حياتها يدفعها إلى الاحتفال دومًا بأعياد ميلادها، وهذا ما يساعد على
ترسيخ تواريخ بداياتها في أذهان الناس، إلا أنّ ذاكرة السودانييّن كذلك ظلّت عصيّةً على نسيان نهايات الأنظمة
العسكريّة بالذّات، لارتباطها بثورات وانتفاضاتٍ شعبيّة سبقت ثورات الربيع العربيّ المفاجئة بسنواتٍ طويلة.
ويتذكّر السودانيّون سنويًّا هذه النّهايات السياسيّة المشرِّفة لهم، وتبدو قريبة من مثَلهم السّائر “ موت الجماعة
عرس»؛ فموت الأنظمة العسكريّة الاستبداديّة عرس أيضًا. أحيانًا يتذكّرون هذه الثّورات بعنفوان، وأحيانًا
بخجل، لكن المؤكّد أنّ الاحتفاء بها يجري بصورة شعبيّة وطوعيّة لا يدَ للحكومات فيها. أسئلة عسيرة عربيًا حينما طارد الموت الرّئيس الليبي الرّاحل العقيد معمّر القذّافي، وانفرجت أسارير الشّعب الليبيّ بموت نظام
سياسيّ كامل كان يبنيه العقيد القذّافي ويسيطر عليه بقبضةٍ من حديد، لم يصدّق البعض أنّ كلّ ذلك العهد البائد
قد وىلّ إلى غير رجعة، فاجتّهوا إلى السّخرية والنّكتة. وقال قائل في النّكتة السياسيّة التي تناقلتها مواقع الإنترنت:
«المادّة 534 من الدستور الليبيّ ليست موجودة في أيّ دستور في العالم تقول: في حالة وفاة رئيس الدولة تعقد
لجنة طارئة لتحضير روح الرئيس لقيادة الدولة كمرحلة انتقاليّة وفي حالة عدم التمكّن من عمليّة التحضير أو
التّمظهر السياسيّ للموت في السّودان
اعتذار روح الرئيس، يلغى منصب رئيس الدولة ويلغى الدستور، ويتمّ توزيع الشّعب على الدول المجاورة
توزيعًا عادلاً». ربمّا تمنّى بعض الرّؤساء لو استطاعوا بالفعل استنساخ مثل هذه «المادّة الخياليّة» في دساتير بلدانهم حتّى ينعموا
بأطول فترة ممكنة من الحكم، حتى بعد موتهم، لكنّها في النّهاية مزحة، وأمنية تقارب المستحيل، وتقف أمامها
لعبة الموت السياسيّة بالمرصاد. إنّ صدق الخطاب والممارسة السياسيّة - كما يعتقد المفكّر عبد الله ساعف- ينطوي على تقبّل فكرة الموت السّياسي
والموت البيولوجيّ أيضًا. ويقول ساعف في هذا الشأن: «لا تهمّ نتيجة الفعل السياسي دون تجربة الموت، فلن
يكون الفاعل السياسي على الأكثر إلا سياسيًّا. يتحدّد صدق الخطاب وكذا الموقف السّياسي، على أساس جاهزيّة
السياسييّن لكي يتحمّلوا المجازفة بحياتهم. السّياسة، وهي تتبنّى إمكانيّة سلبها الذاتي داخل مشروع التحوّل
المجتمعي، فإهنّا تشتغل في عالم للتّجاوز ينحلّ معه الفرد إلى فعل بطوليّ».. إنّ هذا الفعل السياسيّ البطولي، الم قدم
على الموت بصدرٍ رحب، والذي يشير إليه ساعف لم يتحقّق في العقود الأخيرة من العالم العربيّ، بل تحوّل هذا
الفعل البطوليّ بكامله إلى أفراد الشّعب ممثلّا في ثورات الرّبيع العربي التي اندلعت أخيرًا بدايةً بتونس ومصر
وليبيا، إذ ضحّى الكثير من الأفراد بأرواحهم من أجل إنهاء حيوات سياسيّة خانقة وغير متقبّلة لموتها السياسي
ولا البيولوجيّ، ولهذا «ينبني العالم المأتمي لمستخدم السّياسة حول انشغالات انتهازيّة صغيرة، من أجل رهانات
ذات أهمّية محدودة مثل إعادة تنظيم أجهزة سياسيّة تجاوزها التاريخ، الرصّاع على الرتّكة ليس فقط سياسيًّا،
لكن أيضًا فيما يتعلّق بالممتلكات. وتهتمّ المنظومات الفلسفيّة في تعدّديّتها بسمة مشتركة، هي إبقاء الموت داخل
وضعيّة محض تجريديّة، حقيقة مرعبة، حتميّة بعيدة لا مفرَّ منها. هذا الفعل البيولوجي الذي نعطيه ماهيّة
أنطولوجيّة تفرسّه مفاهيم سياسيّة: تماثل الموت في المجتمعات القمعيّة مع الهيمنة، غياب الحرّية ثمّ الإخفاق. في الموقع الإلكتروني «إجابات غوغل»، سُئل الزوّار في 28 تشرين الأول/ أكتوبر 2010: «هل سيكون بلدك في
خطر في حال موت الزّعماء الحالييّن؟»، فأجابت زائرة تدعى هیام: «لا أبدًا... لأنو في دیمقراطیه لا عسکر ولا
انقلابات بانتخابات وأحزاب والناس أحرار ولسنا نعاني من قحط في الرجال». وأجاب ناندالي: «مش هتتغير
ولو اتغيرت هتتغير للأسوأ لأن اللي هيجي أنيل من اللي قبليه». أمّا المستخدم TO.BE، فيقول: «لا، عادي»،
ومثله حسن الشيخ: «لا تأثير أبدًا»، بينما قال مريول معلول: «لا تزيد صلاحًا وازدهارًا». وقالت مستخدمة
تسمي نفسها «صريحة جدّا»: «طبعًا! الدول العربيّة لدينا قائمة على عروشالرجل الدولي فهي دولة الرجل...
ونحن ما ملكت يمينه أو شماله... اللهمّ احفظه لا لأينّ أحبّه بل لأينّ أحبّ بلدي وأخشى على أمنها!»، أمّا
« the tudors » و«ديووو العراقيّة»، فينفيان ويقولان: «لا»، ومحمود مصراوي يقول: «في حالة موت الزّعماء
الحالييّن ستكون بلدي في خير والله أعلم». وتؤكد «ربا غمزه عين» قائلة: «نعم، مهما كان الزعيم سيّئًا أم جيّدًا
يضمن بعضًا من جوانب الحياة للناس مثل الاقتصاد والأمن». وماجد الفرطوسي يقول: «لا خطر أبدًا، ولكن
الخطر من الفكر التكفيري الإرهابي الذي رأْسه في القرن الثامن وأقدامه في القرن الواحد والعشرين، ويفكّر في
قتل كلّ من خالفه في فكره ومعتقداته، هذا أخطر وأعنف، وكذلك الذين يفك رون كيف يملؤون جيوبهم من
أموال الشّعب».
22 http://ejabat.google.com/ejabat/thread?tid=65cc460e57551e43
23 عبد الله ساعف، مرجع سبق ذكره.
24 http://ejabat.google.com/ejabat/thread?tid=538662a790f33e27.
خريف 2012
مثل هذه الأسئلة التي تمسّ الجناب الرّئاسيّ والقياديّ في بلداننا العربيّة والأفريقيّة، لا تُطْرَح في العادة بديمقراطيّة
ذات شفافيّة، مع أنّ موت السياسيّ واقع لا محالة، مثله مثل المواطن البسيط، غير أنّ وفاته مكلفة للحزب، وربمّا
مكلفة للدّولة والنّظام إن كان الفساد والاستبداد والأحادية هي السلوكات السياسيّة السّائدة. وإذا ط رحت مثل
هذه الأسئلة، فإهنّا غالبًا تقتصر على المجالس الخاصّة والمغلقة، ويفك ر في إجاباتها عادةً المحكومون، ولا يفكّر
فيها الحاكمون، على الرّغم من أهنّم الأَولْى لضمان الاستقرار والتّسلسل القيادي. لقد سبق فعلا أن أشار الرّئيس اليوغسلافي جوزيف بروز تيتو إلى أنّ «الموت السياسيّ يُعَدّ أكثر أنواع الموت
فظاعةً»، ويبدو هذا الشّعور – عند الحكّام العرب وغير العرب- مفهومًا تمامًا لأنّ «المخاطر الملموسة من فقدان
السّلطة معروفة تمامًا، فرهبة الهزيمة ليست مرتبطة بالتخيلّ القسري عن السّياسات التي تمّ النّضال من أجلها
بزخم وهدف كبيرين وحسب، بل ارتبط الخوف من الموت السياسي بفقدان عمل التحدّي المستمرّ، وبالنّوح
على تطويل الأيام، إذ قُسِّمت الدقائق بصورة دقيقة، وبالمذكّرات اليوميّة الفارغة والهواتف الصّامتة، وبالعجز
عن تعويض الوقت الضّائع بصحبة العائلات والأحبّة، وبالصّعوبة العاطفيّة والمخاوف من اكتئاب مطبق (عاناه
الرئيس الأميركي الأسبق جونسون، على سبيل المثال) سببه عالم رجوليّ أصبحت فيه البلادة متطلّبًا للتوظيف،
وعُدّت الإقرارات بالضّعف فيه عبئًا». والأغرب من كلّ ذلك ما قام به الرّئيس تيتو تعضيدًا لمقولته المهوّلة
لفظاعة الموت السّياسيّ، فهو «لم يصبغ شعره وحسب، بل تباهى بأسنانه الصناعيّة ناصعة البياض، واستخدم
مصباحًا شمسيًّا لزيادة اسمراره، وكأنّه أراد بناء ذات متعاظمة لا تعترف بالموت؛ فقرَن تيتو بذلك الرّحيل عن
المنصب بالموت الجسديّ، فمن هنا ضَمنَ ولاية للمنصب أبديّة، وأمرَ بتغيير دستوريّ للقيادة الجماعيّة، فبعد
استمراره (هكذا ظنّ) لا يستطيع أحد أن يصادر شهرته ويقاومها، أو أن يشوّه سمعته». إلا أنّ الأمر الغائب عن أنظمتنا السياسيّة العربيّة المتكلّسة على نفسها أنّ هناك حياة بعد الموت السياسيّ، في إمكان
«السياسيّ الميّت ديمقراطيًّا» أن يحياها في ما تبقّى من عمره. ويبنيّ جون كين أن: «ثمّة إقرارًا عامًّا متزايدًا بوجود
حياة بعد الموت السّياسي، وبإمكانيّة عودة الزّعماء السياسييّن السابقين من خلال طرائق تشك ك في قدرتهم على
إعادة الدّخول إلى نظام الحكم والتدخّل في هيكليّاته وسياساته، إلا أنّ الأمر اللافت يكمن في الأعداد المتزايدة
من أصحاب المناصب السّابقة الذين يستغلّون التوجّهات الإقليميّة والعالميّة من خلال الانخراط في أنظمة
حكم، ومصالحَ تجاريّة، ولجان دراسة ومشورة، وجمعيّات خيريّة، وقضايا إعلاميّة وعامّة، عابرة للحدود، ومع
هذا، يمكن الشّعور في عصرنا الرّاهن بهذا التصوّر الكامل لإمكانيّة اعتبار المجتمع المدني مرتعًا خصبًا لأصحاب
المناصب السّابقين؛ فيُعدّ إغراق المجتمعات المعاصرة إعلاميًّا من العوامل المؤثّرة التي متُك ن الزّعماء السّابقين الكبار
من التمتّع بالحياة بعد الموت السياسيّ من خلال تحولّهم إلى شخصيّات مشهورة، وهذا يعلّل اكتشاف أعداد متزايدة
من الزّعماء السياسييّن الكبار المبهورين بجاذبيّة النجوميّة أنّ ثمّة حياة مديدة يمكن عيشها بعد تويلّ مناصبَ عليا،
فيدركون أنّ عدم تجانس مجتمعاتهم المدنيّة المشبعة إعلاميًّا يؤمِّن لهم خيارات واحتمالات قيادتهم للآخرين بطرائق
جديدة خارج إطار الحكم، ويصادقون الشّهرة من خلال البحث عن أدوار نجوميّة في سلسلة محاضرات عالميّة على
سبيل المثال، وإنشاء مؤسّسات خيريّة، وعرض خدماتهم على المصالح التجاريّة، وتوقيع عقود كتب مربحة».
25 جون كين، «الحياة بعد الموت السياسي: مصير الزعماء بعد رحيلهم عن مناصبهم العليا»، مجلة نزوى، العدد.)2011/8/24(67
26 المرجع نفسه.
27 المرجع السابق.
التّمظهر السياسيّ للموت في السّودان
مؤشّرات الموت أو الاحتضار
يصعب القول إنّ الموت بات ظاهرة سياسيّة في السّودان، لأنّ الأعمار والأقدار بيد الله، إلا أنّ قراءة الحاضر
والمصائر تفيد بأنّ الظاهرة تقترب من المشهد السّياسي. وتؤرشّ أعمار قيادات الأحزاب السودانيّة الكبيرة إلى
تفاقم أزمتين أساسيّتين: أزمة ديمقراطيّة في الدولة والأحزاب، وأزمة شيخوخة في قياداتها وزعاماتها. بالأمس القريب (في 22 آذار / مارس 2012)، توفي زعيم الحزب الشّيوعي السودانيّ محمد إبراهيم نقد
عن عمر يناهز 82 عامًا، بعد قيادته الحزب منذ عام 1971. وسيمثّل موته - في المستقبل- تغييرًا كبيرًا في
شكل الحزب الشّيوعي واجتّاهاته، وسيفسح المجال للرّئة الشبابيّة فيه أن تتنفّس بقوّة. وثمة أحزاب أخرى
تعاني الدّاء نفسه، فحزب المؤتمر الوطني لا يزال برئاسة المشير عمر البشير منذ عام 2000، كما أنه لا يزال
رئيسًا للسّودان منذ 30 حزيران / يونيو 1989، وهو المولود في الأوّل من كانون الثاني / يناير 1944. وعلى
الرّغم من إعلان البشير عدم ترشّحه للرّئاسة مرّةً أخرى، فإنّه يؤكّد وجود المشكلة ويشير إلى الإحساس بها.
في الجانب الآخر، ما زال زعيم المؤتمر الشّعبي حسن الترابي رئيسًا للحزب منذ 31 حزيران / يونيو 2001،
وزعيامً للإسلامييّن منذ ستينيّات القرن الماضي، وهو المولود في الأوّل من شباط / فبراير 1932. أما الإمام
الصادق المهدي، فهو الآخر من الجيل نفسه الذي تخط ى الخامسة والسّبعين من العمر، ومازال ممسكًا بمقاليد
حزب الأمّة منذ منتصف ستينيات القرن الماضي. كما أنّه تزعّم الحزب، بعد أن سُمِّي «حزب الأمة القوميّ»، منذ
آذار / مارس 1986، وهو المولود في 25 كانون الأوّل / ديسمبر 1935. وتشير السيّرة الذاتيّة لزعيم الط ائفة
الختميّة والحزب الاحتّادي الديمقراطي محمد عثمان الميرغني إلى أنّه أصبح زعيامً للحزب الاحتّادي بعد وفاة
زعيمه السّابق الشريف حسين الهندي في مستهلّ عام 1982، ولا يزال كذلك حتّى الآن، كما أنّه أصبح زعيام
للطّائفة الختميّة منذ وفاة والده عام 1968، وهو المولود في عام.1936
تحييد الموت عن المناصب الحزبيّة
لا تحاول هذه القراءة أن تغمط أقدار الرّجال ولا مساهماتهم الحزبيّة والوطنيّة، بل تشير فقط إلى الأزمات القياديّة
التي تجري في دماء الأحزاب السودانيّة وتؤثّر تأثيرًا مباشرًا في أوضاع البلد ومستقبله. وتحاول هذه القراءة أن
تقتفي الأثر السّياسيّ للموت الذي بدأ ينشب أظفاره في الرّموز السودانيّة القوميّة التاريخيّة، دينيّة كانت، أو
سياسيّة أو اقتصاديّة أو ثقافيّة. إنّ في إمكان القيادات التي عمّرت في حياتها الشخصيّة والحزبيّة أن تستبق لعبة الموت السياسيّة وتأثيراتها في
أحزابهم وبلدانهم، بتحييد الموت عن مناصبهم الحزبيّة، وإفساح المجال واسعًا لهواء التّجديد والتّغيير كي يحلّق
بأجنحة أحزابهم ومجموعاتهم السياسيّة من جديد، بعيدًا عن «الموت»، ا الّعب السّياسي الذي لا يحابي.
خاتمة
دلّ الشّعب السودانيّ، ولا يزال يدلّ، على مقولة الفيلسوف أرسطو «الإنسان في الأصل كائن سياسيّ». وضرب
السودانيّون، ولا يزالون يضربون، المثل في الانفعال بالسّياسة، التي ظلّ الانشغال بها يتجسّد في الوجدان الجمعي
خريف 2012
بحنين دائم إلى نموذجٍ سياسيّ رشيد مفتقَد منذ بزوغ السّودان دولةً مستقلّة عن الاحتلال الإنكليزي. يرتفع الانفعال إلى مستوى التعبير الشّعبي والرّسمي الذي يتحدّث دومًا عن السّياسة ومشكلاتها، ولا يهبط عند هذا الحدّ، بل يزداد تصاعدًا بالمراقبة الشعبيّة للممارسة السياسيّة التي تعمل عثراتها على شحن «مخزن الانفعال» مجدّدًا لتستمرّ الدّورة مرّةً أخرى؛ إلا أنّ المفارقة المحزنة هي أنّ كلّ هذه الحساسيّة السياسيّة المرتفعة عند السودانييّن تضلّ طريقها إلى واقعهم، ولا تتطوّر لتصبح استقرارًا وتنمية ونهضة؛ ولهذا يبدو واضحًا أثر الموت حين يرتبط بالسّياسة، مثل كفّة ميزان تمتلئ بالحيويّة السياسيّة تارة وبالموت تارة أخرى.
المراجع
أبو حسن، ياسر. «الاغتيالات السياسيّة في السودان وأثرها على الدبلوماسيّة السودانيّة»، مركز الراصد
للبحوث والعلوم، د.ت. <http://www.arrasid.com/index.php/main/index/33/64/ contents>
البغدادي، عصام. «الاغتيالات السياسيّة في الرشّ»، ق الأوسط الحوار المتمدّن، العدد.)2004/3/24(783: بن نبي، مالك. شروط النّهضة (دمشق: دار الفكر،.)1986 شورون، جاك. الموت في الفكر الغربي، سلسلة عالم المعرفة، عدد 76، نيسان / أبريل 1984 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.)1984 عبد الخالق، أحمد محمد. قلق الموت، سلسلة عالم المعرفة، عدد 111، آذار / مارس 1987 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.)1987 فرويد، سيغموند. أفكار لأزمنة الحرب والموت (بيروت: دار الطليعة،.)1981 كين، جون. «الحياة بعد الموت السياسي: مصير الزعماء بعد رحيلهم عن مناصبهم العليا»، مجلة نزوى، العدد
محي الدّين، عبد الرّحيم عمر. ال ابي والإنقاذ: صراع الهويّة والهوى، ط 4 (دمشق: مطبعة عكرمة،.)2009 محمد رؤوف القاسمي، «التنظيمات المسجدية،» في: دفاتر المركز الوطني للبحث في الأنثروبولوجيا المجتمعية والثقافية، ملف الحركة الجمعوية في الجزائر الواقع والآفاق، تنسيق الزبير عروس (وهران، رقم 13، 2005)، ص.100