العودة إلى تفاصيل المؤلَّف ملاحظات حول تدريس علم الاقتصاد من واقع الخبرة الأكاديمية

ملاحظات حول تدريس علم الاقتصاد من واقع الخبرة الأكاديمية

Observations on the Teaching of Economics Based on Academic Experience

علي عبد القادر علي*

الملخّص

* اقتصادي تنمية، ومدير الأبحاث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

Abstract

This paper gives a condensed rapid review of the main components of economics typically taught in universities in the various states of the world, including universities in the Arab states. The aim is to present suggestions for an appropriate approach to teaching economics in higher education in Arab universities, especially in institutions specializing in graduate studies, which pave the way for creative and original contributions by means of a new generation of Arab academics. The paper proposes that Arab universities adopt the field of development economics as an entryway to the teaching of economics, without teaching the traditional components of the subject. The paper notes that understanding development as a process for expanding people’s real freedoms gives scope to achieve an aim that complements the curricula of the social sciences.

الكلمات المفتاحية:
  • علم الاقتصاد
  • تعليم
  • علوم اجتماعية
  • علوم سياسية
  • الجامعات العربية
  • التنمية
Keywords:
  • Economics
  • Arab Universities
  • Education
  • Development
  • Social Science
  • Political Science

قامت هذه الورقة باستعراض مكثف وسريع لأهم مكونات علم الاقتصاد الذي يُدرَّس بطريقة

نمطية في الجامعات بمختلف الدول في العالم، بما في ذلك جامعات الدول العربية. وهدفت الورقة

إلى تقديم مقترحات لمقاربة ملائمة لتدريس هذا العلم على مستوى الدراسات العليا في جامعات

الدول العربية، وخصوصًا في مؤسسة متخصصة في الدراسات العليا، تمهد الطريق إلى مساهمات

إبداعية وأصلية بواسطة جيل جديد من العلماء العرب. واقترحت الورقة أن تتبنى الجامعات

العربية مجال اقتصاديات التنمية كمدخل لتدريس علم الاقتصاد من دون أن يعني ذلك عدم تدريس

المكونات التقليدية. ولاحظت الورقة في هذا الصدد أن فهم التنمية على أنها عملية لتوسيع الحريات

الحقيقية التي يتمتع بها البشر تفسح المجال واسعًا لتحقيق هدف تكامل مناهج العلوم الاجتماعية.

مقدمة وخلفية

تشكّل «مادة الاقتصاد» محورًا مهامً من محاور التداخل والتكامل بين مناهج العلوم الاجتماعية. وكما

هو معروف، عادةً ما يتم تعريف علم الاقتصاد بطريقة مقتضبة بأنه ذلك العلم الذي يُعنى بدراسة

القوانين التي تحكم «تخصيص وتوزيع الموارد النادرة في استخدامات لا متناهية»، وهو تعريف مبتسر ولكنه شائع التداول. في إطار هذا التعريف تحدّد السؤال المركزي لكتابة هذه الورقة في: «ما فائدة علم الاقتصاد للمجتمعات العربية،

ومن بينها الجامعات في الدول العربية، وللعلوم الاجتماعية تدريسًا وبحثًا ومنهجًا؟» ولعلنا لسنا في حاجة إلى

ملاحظة أن الإجابة عن مثل هذا السؤال تتطلب التعرف أولا على محتوى «علم الاقتصاد» الذي يُدرّس في

خريف 2012

الجامعات في مختلف الدول على مستوى العالم، ومن بعد على أهم التحفظات المُثارة بشأن هذا العلم الاجتماعي،

ثم استكشاف المجالات التي يمكن ارتيادها والمساهمة الأصيلة فيها. ونُسارع لنلاحظ أن «علم الاقتصاد» الذي يُدرس حاليًا في الجامعات قد تطور على مدى زمني طويل من

أساسياته الاجتماعية عندما كان يعرف بالاقتصاد السياسي وعندما كان أهم المساهمين في تطوير مقترحاته

الأساسية من الفلاسفة والمؤرخين والنشطاء السياسيين على مرّ الحقب وفي مختلف بقاع الأرض. وحسب

معظم المراجع المعتمدة في تخصص «تاريخ علم الاقتصاد» أو «تاريخ النظرية الاقتصادية» أو «تاريخ الأفكار

الاقتصادية»، أ لصقت صفة «العلم» بهذا التخصص تحت وطأة تأثير الثورة النيوتونية في مجال دراسة طبيعة

الكون وكيفية عمله (تخصص الفيزياء.) على أساس الملاحظات أعلاه تتناول بقية أقسام هذه الورقة المواضيع التالية، تلبية لبنود اختصاصها: المكونات

المحورية لدراسة علم الاقتصاد، وهي مكونات تشتمل على النظرية الاقتصادية الجزئية، و النظرية الاقتصادية

الكلية، والطرق الكمية الاقتصادية؛ موضوع تمهيد الطريق الى الإبداع و التأصيل في علم الاقتصاد؛ موضوع

اقتصاديات التنمية كمجال رحب لتكامل العلوم الاجتماعية.

المكونات المحورية لدراسة علم الاقتصاد

في معظم الجامعات في العالم، وخصوصًا نظام التعليم الجامعي الأميركي الذي أصبح نموذجًا يحتذى، تتم

دراسة «علم الاقتصاد» بالاستناد إلى النظرية الاقتصادية «النيوكلاسيكية» من خلال ثلاثة مكونات رئيسة:

النظرية الاقتصادية الجزئية، والنظرية الاقتصادية الكلية، والطرق الكمية الاقتصادية. – النظرية الاقتصادية الجزئية عادةً ما تشتمل المقررات التي تُدرّس في مختلف الجامعات حول النظرية الاقتصادية الجزئية على موضوعات

تأسيسية عن سلوك الوحدات الاقتصادية في المجتمع، خصوصًا المنتجين والمستهلكين، وتجميع سلوك هذه

الوحدات باعتبارها ممثلة لكل الوحدات للوصول إلى وصف لمفهوم السوق، بمعنى تفاعل المنتجين والمستهلكين

لكل سلعة أو خدمة على حدة ولجميع السلع والخدمات، توطئة للتوصل إلى مفهوم التوازن العام لكل الأسواق

ومن ثم للمجتمع. هذا ويوضح استعراض أي من الكتب المدرسية في هذا المجال أن الموضوعات التي يتم تناولها، ويمكن

تدريسها، خصوصًا على مستوى الدراسات العليا، تشتمل على ما يلي: نظرية المنتج أو المنشأة الإنتاجية: وتشتمل على التحديد النظري لخصائص الفن الإنتاجي المستخدم، بمعنى

الشروط الفنية التي ينبغي توافرها فيما يتعلق بطبيعة الفن الإنتاجي المستخدم، وعلاقة ما يتم إنتاجه من سلع

وخدمات بما يتم استخدامه من عناصر للإنتاج (بمعنى دوال نمطية للإنتاج) وعلى محفزات سلوك المنتج،

خصوصًا افتراض تعظيم المنتج لأرباحه، بمعنى الفرق بين ما سيحصل عليه من بيعه للسلع والخدمات التي

يُنتجها وتكلفة إنتاج هذه السلع، أو بتقليل تكلفة الإنتاج تحت ظل قيود الفن الإنتاجي وما يترتب على مثل هذا

الشرط من تبعات تحليلية تحت مختلف الظروف وتحت الشروط النمطية لدوال الإنتاج والتكلفة.

1 انظر، على سبيل المثال: ed. (New York: Norton, 1992). rd 3 Microeconomic Analysis,.Hal R. Varian,

ملاحظات حول تدريس علم الاقتصاد من واقع الخبرة الأكاديمية

هذا ويشتمل التناول المتعمق لدراسة نظرية المنتج أو المنشأة الإنتاجية التدريب على تبادلية مفهومي «تعظيم الربح» و«تقليل التكاليف» كحافز للمنتج واستخلاص تبعات مثل هذه التبادلية من خلال «دوال الربح» و«دوال التكلفة.» وكما هو معروف، تهدف نظرية المنتج أو المنشأة الإنتاجية إلى التحديد النظري للعوامل المحددة لعرض السلع والخدمات، وهو أحد جانبي السوق لكل سلعة أو خدمة. نظرية المستهلك: تُعنى بالتحديد النظري لطبيعة تفضيلات الفرد المستهلك فيما يتعلق بالسلع والخدمات التي

يمكنه الحصول عليها، والقيود الاقتصادية التي تواجهه في ما يتعلق بتفعيل هذه التفضيلات، وعلى محفزات سلوك المستهلك، خصوصًا افتراض تعظيم تفضيلاته (بمعنى تحقيق أقصى مستوى للسعادة الشخصية)، تحت

القيود الاقتصادية التي يواجهها، وما يترتب على كل ذلك من تبعات تحليلية تحت مختلف الشروط النمطية لدوال التفضيل والقيود الاقتصادية. هذا ويشمل التناول المتعمق لدراسة نظرية المستهلك التدريب على تبادلية مفهومي «تعظيم التفضيلات»

و«تقليل النفقات الاستهلاكية» كحافز لسلوك المستهلك واستخلاص تبعات مثل هذا التناول من خلال دال تي المنفعة غير المباشرة والإنفاق الاستهلاكي. وكما هو معروف، تهدف نظرية المستهلك إلى التحديد النظري للعوامل المحددة لطلب السلع والخدمات هو الجانب المقابل للعرض في كل سوق. وبالإضافة إلى دراسة خصائص دوال الطلب تحت الافتراضات النمطية للنظرية، يمكن أن تتناول نظرية المستهلك قضايا تتعلق بعملية الاختيار التي يقوم بها المستهلك تحت ظروف عدم اليقين. نظرية الأسواق: تُعنى بالوصف النظري، والشروط المحدّدة، لمختلف هياكل الأسواق، خصوصًا في ما يتعلق

بتأثير كل من الفاعلين الاقتصاديين في عمل الأسواق في أسعار السلع والخدمات وعناصر الإنتاج. وتشتمل الأسواق حسب النظرية الاقتصادية الجزئية على الأسواق التنافسية، حيث يفترض صغر حجم كل المتعاملين في الأسواق بمعنى عدم تأثيرهم في الأسعار، والأسواق الاحتكارية للسلع والخدمات أو لعناصر الإنتاج التي تمثل الطرف النقيض لافتراض الأسواق التنافسية حيث يؤثر منتج واحد في أسعار السلعة أو الخدمة التي يُنتجها، وأسواق احتكار القلة، وأسواق الاحتكار التنافسية. قضايا التوازن والرفاه: استنادًا إلى التفاصيل النظرية أعلاه، تُعنى النظرية الاقتصادية الجزئية بقضية تجميع ما

يترتب على سلوك الوحدات الجزئية من منتجين ومستهلكين ممثلين للمجتمعات، للوصول إلى كيفية وصف حالة الاقتصاد العام، خصوصًا في ما يتعلق بإمكانية تحقيقه للتوازن العام، بمعنى توازن كل الأسواق بطريقة

آنية، أكان الاقتصاد تبادليًا أم إنتاجيًا، وتحليل خصائص الاقتصاد الذي يتحقق فيه التوازن العام، خصوصًا في

ما يتعلق بالرفاه المجتمعي وما يُثيره وجود سلع وخدمات عامة وتحقق تفاعل بين المنتجين أو المستهلكين في مثل

هذه الخصائص. ويترتب على كل هذه التعقيدات قضايا تتعلق بالسياسات التي تهتم بإعادة التوازن العام.

2 عادة ما تقوم الكتب المدرسية برصد افتراضات «المنافسة الكاملة» كتجانس وحدات السلع وكثرة المشاركين بحيث لا يكون لأحد

منهم تأثير في الأسعار؛ وسهولة الدخول إلى، والخروج من، السوق، بالإضافة إلى ذلك افتراض كمال المعلومات الذي ينص على أن كل

المشاركين في السوق تتوافر لديهم معلومات كاملة عن الأسعار الراهنة والمبادلات الجارية وتقنيات الإنتاج، وكل أنواع المعلومات التي

تمكنّهم من تعظيم الأرباح والمنفعة.

خريف 2012

ومن دون الدخول في تفاصيل فنية، يترتب على تناول قضايا التوازن والرفاه تعريف لأمثلية باريتو: «فيما بين مجموعة من الحالات المجتمعية، يمكن تعريف حالة منها بأنها مثلى من وجهة نظر باريتو إذا لم توجد حالة مجتمعية أخرى» يتمتع فيها فرد واحد من الأفراد برفاهية أعلى، بينما يتمتع بقية الأفراد بنفس مستوى الرفاهية. وفي النظرية الاقتصادية الحديثة ينظر إلى حالة أمثلية باريتو على أنها تصف كفاءة الاقتصاد. كذلك الحال دون الدخول في تفاصيل فنية يمكن تعريف الاقتصاد التنافسي بأنه ذلك النظام الاقتصادي الذي لا يستطيع في إطاره أن يؤثر فرد واحد، من خلال سلوكه الفردي، على الأسعار السائدة في السوق، بمعنى أن كل فرد أو متعامل في السوق يُعد صغير الوزن لمثل هذا التأثير. ويُعبر عن مثل هذا التعريف أن كل متعامل

في مثل هذا الاقتصاد يسلك باعتبار أن الأسعار السائدة معطاة له. وفي إطار الاقتصاد التنافسي، فإن قائمة للأسعار، سعر واحد لكل سلعة، يترتب عليها تساوي إجمالي الطلب على، مع إجمالي العرض من، كل سلعة تمثل حالة لتوازن الاقتصاد بمعنى أنه ليس هنالك ما يستدعي تغير الأسعار انخفاضًا أو ارتفاعًا. على أساس هذا الفهم تم صوغ «النظرية الأساسية الأولى في اقتصاديات الرفاه»، على النحو التالي: «إذا كان لدينا اقتصاد تنافسي، حيث يقوم كل الأفراد بالاختيار الحر حسب متطلبات مصالحهم الشخصية الراشدة، وتحت بعض الشروط الفنية، فإن حالة التوازن التي سيُحقّقها الاقتصاد ستكون مثلى كما في تعريف أمثلية باريتو.» – النظرية الاقتصادية الكلية عادةً ما تشتمل المقررات التي تُدرّس في مختلف الجامعات حول النظرية الاقتصادية الكلية على موضوعات

تأسيسية حول كيفية عمل الاقتصاد ككل، حيث تستند دراسة هذه الموضوعات إلى ما عرف بأنه متطابقة الدخل في الاقتصاد. وكما هو معروف، تقول هذه المتطابقة إن قيمة الإنتاج الذي يتم في اقتصاد معين في زمن معين، بمعنى إجمالي الدخل في الاقتصاد، عادةً ما يتم استخدامها لأغراض الاستهلاك الخاص والاستثمار الخاص

والإنفاق الحكومي (استهلاكًا واستثمارًا) والتصدير لبقية العالم والتوريد من بقية العالم. على أساس هذا التجميع

من مستوى الأفراد ومنشآت الإنتاج إلى مستوى الاقتصاد ككل، تسعى نظرية الاقتصاد الكلي للتعرف على القوانين الاقتصادية التي تحكم عمل الاقتصاد في المديين القصير والطويل. تتمحور المواضيع التي تشتمل عليها النظرية على المدى القصير على تلك التي تُعنى بتوازن الاقتصاد منظورًا

إليه من خلال قطاعات تجميعية، وذلك بعد تحديد العوامل التي تؤثر في جانبي العرض والطلب لكل قطاع يتم تناوله، وذلك بافتراض قواعد سلوكية على المستوى الكلي للاقتصاد ومتطلبات توازنية مستمدة من متطابقة الدخل. هذا وعادةً ما تشتمل الأسواق، على المستوى الكلي للاقتصاد، على سوق السلع والخدمات، وسوق

العمل، وسوق النقود. هذا واعتمادًا على العوامل المدرجة في محدّدات جانبي الطلب والعرض لكل سوق، عادة

ما يهتم تحليل المدى الزمني القصير بأدوات السياسات التي من شأن استخدامها إعادة التوازن إلى الاقتصاد متى ما اختل مثل هذا التوازن. واشتهرت في هذا الصدد ثلاث سياسات نمطية هي: السياسة المالية (المستمدة من وجود للقطاع الحكومي على مستوى الاقتصاد ككل)، والسياسات النقدية (المستمدة من وجود سلطة نقدية لتنظيم التعامل بالنقود)، وسياسات سعر الصرف (المستمدة من تعامل الاقتصاد مع العالم الخارجي تصديرًا واستيرادًا.)

3 انظر، على سبيل المثال: ed. (New York, NY: Worth Publishers, 2010). th , 7 Macroeconomics N. Gregory Mankiw,

ملاحظات حول تدريس علم الاقتصاد من واقع الخبرة الأكاديمية

وبعد، تتمحور المواضيع التي تشتمل عليها نظرية الاقتصاد الكلي على المدى الزمني الطويل حول تلك التي تُعنى باستكشاف القوانين التي تحكم سلوك الاقتصاد ككل، حسب تغير الزمن. وتشتمل أهم هذه المواضيع على النظرية الفرعية للنمو الاقتصادي التي تنطلق من متطابقة الدخل على المستوى الكلي، وعلى النظرية الفرعية لتوزيع الدخل على عناصر الإنتاج التي استُخدمت وجرى تطوير حالة التوزيع مع الزمن. – الطرق الكمية الاقتصادية عادةً ما تشتمل المقررات التي تُدرّس في مختلف الجامعات في تخصص الاقتصاد، خصوصًا على مستوى

الدراسات العُليا، على مقرّر واحد أو أكثر بشأن الأدوات الكمية المطلوبة للتمكن من فهم وتحليل الظواهر

الاقتصادية على المستويين الجزئي والكلي. هذا وعادةً ما تنقسم مقرّرات الطرق الكمية إلى مقررات فرعية في

الرياضيات وفي طرق الاقتصاد القياسي. تهدف المقرّرات الفرعية في الرياضيات إلى توفير أرضية كافية تمكن الطلاب من فهم، ومتابعة، النتائج النظرية

التي ينطوي عليها تحليل الظواهر الاقتصادية على المستويين الجزئي والكلي، وذلك بطريقة منضبطة منهجيًا.

هذا وعادةً ما تشتمل الكتب المدرسية المؤلفة لأغراض مثل هذه المقررات الفرعية على خليط ملائم من مختلف الأدوات الرياضية، بما في ذلك أوليات المنطق، وحساب المجموعات، والتفاضل والتكامل، والدوال التفاضلية، وأوليات حساب المصفوفات. تهدف المقررات الفرعية في طرق الاقتصاد القياسي إلى توفير أرضية كافية تمكن الطلاب من فهم، ومتابعة، النتائج التطبيقية التي يتم التوصل إليها عند اختبار صحة مختلف المقترحات النظرية، جزئية كانت أو كلية، حول كيفية عمل الاقتصاد من واقع التجارب العملية والواقعية. هذا وعادة ما تشتمل الكتب المدرسية المؤلفة لأغراض مثل هذا المقرر على استعراض لأهم المفاهيم الإحصائية، تم من بعد ذلك تركز على طرق تقدير العلاقات الاقتصادية وما تنطوي عليه هذه الطرق من مشكلات مفاهيمية وكيفية حل هذه المشكلات للتوصل إلى نتائج تقدير تتسم بالمتانة الإحصائية. وكما هو معروف، تتمحور طرق الاقتصاد القياسي حول تحليل الانحدار، سواء المبسط أو المتعدد، وتتمثل أهم مشكلات التقدير في عدم توافر الافتراضات الإحصائية النظرية حول التوزيع الإحصائي لمتبقيات دالة التقدير وعلاقتها بالمتغيرات المستخدمة في التقدير، وعلاقة المتغيرات ببعضها البعض، والمشكلات التي تُثيرها طريقة تقدير أنظمة المعادلات الآنية، والمشكلات التي تُثيرها المتغيرات ذات القيم غير المتصلة.

تمهيد الطريق إلى الإبداع والتأصيل في علم الاقتصاد

ربما ليس بمستغرَب ملاحظة أن النظرية الاقتصادية المهيمنة منذ بدايات القرن العشرين قد تعرّضت للنقد

التفصيلي عبر الزمن، ولا تزال. في مجال نظرية الاقتصاد الجزئي والتوازن العام، قدم كتاب حديث بعنوان ما وراء نطاق اليد الخفية: تأسيس

4 انظر، على سبيل المثال: ed. (New York: rd 3 Fundamental Methods of Mathematical Economics, Alpha C. Chiang, McGraw-Hill, 1984). 5 انظر، على سبيل المثال: (New York: Macmillan; London: Collier Macmillan, Introduction to Econometrics G.S. Maddala,

خريف 2012

لعلم اقتصاد جديد صدر عام 2011 نقدًا لعلم الاقتصاد المهيمن، وطرح منظورًا بديلا يهتم بالتحليل

الموضوعي للمجتمع والاقتصاد، حيث احتلّت فكرة النظر للاقتصاد على أنه جزء لا يتجزّأ من المجتمع وقواه

السياسية مكانًا مهم. ويتطلب تبنّي مثل هذا المنظور الفكاك من أسر المنهجية المتوارثة في علم الاقتصاد

التي تركّز في التحليل على افتراض أن الناس يسلكون بأنانية، مما يتطلب في الحد الأدنى التعامل مع الأعراف المجتمعية والهويات المختلفة وكيفية تأثيرها في الاقتصاد والتأثر به. وهيُ يئ مثل هذا المنظور إمكانية ارتياد آفاق

جديدة لصوغ نظرية تكون أقرب إلى ما يُشاهد على أرض الواقع عن كيفية سلوك الاقتصادات بمختلف

مراحلها التنموية. ينطلق هذا النقد الحديث العهد للنظرية الاقتصادية، التي تكمن خلف علم الاقتصاد، على ملاحظة أن نتائجها المعيارية تعتمد على افتراض وجود أسواق تنافسية كاملة وحرة، وملاحظة أن السوق الحر غير موجود، ولا

يُتوقَّع أن يكون موجودًا، في واقع الحال في كل العالم. ومن دون الدخول في تفاصيل فنية، ترتّب على مثل هذا النقد اعتبار أن الخطوة الأولى والأساسية في إعادة صوغ

علم الاقتصاد ليصبح علامًاجتماعيًا تتمثل في ما يلي: - الإدراك أن مجموعة خيارات الأفعال المتاحة للأفراد والمنشآت الإنتاجية تتسع لأكثر مما صوّره علم الاقتصاد

السائد. بالإضافة إلى ذلك، هنالك حاجة لمراجعة الافتراضيات المتعلقة بتفضيلات الناس وكيفية تحديدها والتعبير عنها عن طريق بديهيات ربما تجد القبول العام، وافتراض أن هذه التفضيلات معطاة وأنها لا تتغير مع تغير الظروف. - ملاحظة أن النموذج الاقتصادي النمطي يعمل في إطار استبعاد كل ما يتعلق بالأعراف المجتمعية والثقافة

والمعتقدات الجماعية. وعلى الرغم من عدم إنكار وجود مثل هذه العوامل في الكتابات الاقتصادية، إال أنها تعامَل

كأن لم يكن لها تأثير أصيل في عمل الاقتصاد. ويحاجج الكتاب المشار إليه بأن الأعراف المجتمعية والثقافة، في كثير من الأحيان، تؤدي أدوارًا أهم من عدد كبير من المتغيرات الاقتصادية المتعارف عليها في تحديد كفاءة عمل

الاقتصادات وفي كيفية تحقيق النمو الاقتصادي السريع. - ملاحظة أن آلية السوق تفشل في كثير من الحالات في تحقيق مواءمة الحوافز الفردية مع المصالح المجتمعية، وهو ما يتطلب الصوغ القصدي لكيفية مكافأة الأفراد ومعاقبتهم لمختلف أنماط السلوك لضمان مثل هذه المواءمة. هنالك حاجة إلى النظر إلى سلوك الأفراد المرتكز على احتياجات التفاعل الاقتصادي في المجتمع، ومن ثم هنالك حاجة إلى افتراض أن للأفراد «نزوعًا نحو الصالح العام»، خصوصًا فيما يتعلق بصالح الجماعات الاجتماعية،

وأن مثل هذا التوجه من شأنه أن يقرب نظريات علم الاقتصاد إلى الواقع المعيش. - ملاحظة أن القانون يُمثل أهم الأدوات التي تستخدمها الحكومات في التأثير في السياسة الاقتصادية، أو

بمعنى أعم التدخلات الحكومية المستندة إلى القانون. وتعني هذه الملاحظة أن الفهم الصحيح لدور القانون في الاقتصاد يُعدّ حرجًا في صوغ السياسات الملائمة وفي توجيه الاقتصاد ليحقق مختلف الأهداف. كذلك الحال

فيما يتعلق بالفهم الصحيح للتفاعل بين القانون والتدخل الحكومي من خلال السياسات. وفي هذا الصدد

هنالك حاجة إلى الانتقال من النظر إلى القانون كمعدّل للعوائد الاقتصادية التي يتوقّعها الأفراد من نشاطهم

KaushikBasu, Beyond the Invisible Hand: Groundwork for a New Economics (Princeton, NJ: Princeton 6 انظر: University Press, 2011).

ملاحظات حول تدريس علم الاقتصاد من واقع الخبرة الأكاديمية

الاقتصادي، ومن ثم تأثيره في خياراتهم العملية، إلى النظر إلى القانون على أنه يؤثر في سلوك الأفراد بإنتاجه بؤرًا

جديدة لمثل هذا السلوك من خلال تغييره للمعتقدات حول ما سيفعله الآخرون في المجتمع. - ملاحظة أن آلية السوق لا تتصف بالضرورة بخاصية تعويض العاملين حسب إنتاجيتهم (الأجر الأعلى لأولئك ذوي الإنتاجية الأعلى)، وأنه يمكن للسوق الحر تعويض الفرد حسب انتمائه العرقي أو الديني، بمعنى التعويض حسب الهوية، من دون اعتبار للعوامل المتعلقة بالإنتاجية. مثل هذا التمييز في سوق تنافسي حر

يتطلب تدخلا قصديًا بواسطة الحكومة أو بفعل جماعي، لتصحيح عدم الإنصاف المترتب على عمل آلية السوق. - ملاحظة أن الشعور بالهوية يمكن أن يؤثر في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. يمكن تطوير نماذج تحليلية تأخذ في الاعتبار انتماءات الأفراد إلى جماعات اجتماعية مكونة على أساس الهوية، حيث يمكن تطوير مثل هذه النماذج على أساس افتراضين تأسيسيين هما: أن غريزة التعاون، أو الدافع للصالح العام، هي غريزة متأصلة عند بني الإنسان، وأن التعاون، أو العمل للصالح العام، ينمو ويترعرع كلما تم تبادله (بمعنى المعاملة بالمثل) بين الأفراد والمجموعات داخل المجتمع. - ملاحظة أن علم الاقتصاد المهيمن يقول إن الأفراد في سلوكهم لتعظيم مصالحهم الشخصية يمكن أن يخلقوا مجتمعًا كفيًا يخدم مصالحهم الجماعية، تحت شروط فنية ومفاهيمية. ولكن بفهم طبيعة الشروط الفنية والمفاهيمية

اتضح أنه لكي يتمكن المجتمع من تحقيق الكفاءة، والعدالة والإنصاف، لا بدّ من وجود أنظمة حكم ملائمة (جهاز

الدولة) ومؤسسات وأعراف مجتمعية، بما في ذلك القوانين التي من شأنها تيسير عمل آلية السوق بطريقة فعالة. وفي

غياب أنظمة الحُكم، والقوانين والمؤسسات والأعراف المجتمعية أو أي أشكال أخرى للفعل الجماعي، يمكن لآلية السوق أن تقود المجتمع إلى فوضى عارمة تتفشى في إطارها ظواهر عدم العدالة والفقر لمستويات غير مطاقة. وبعد، قدم كتاب حديث آخر بعنوان الغرائز الحيوانية: كيف تحرك العوامل النفسية الاقتصاد؟ وما أهمية ذلك

للرأسمالية على مستوى العالم، صدر عام 2009 في أعقاب الأزمة المالية العالمية التي لا تزال آثارها تتفاعل حتى

الآن، نقدًا للنظرية المهيمنة في الاقتصاد الكلي. يستند هذا النقد على ملاحظة أن نظرية الاقتصاد الكلي المهيمنة

تنطلق من افتراض رشاد الأفراد، والمؤسسات الإنتاجية، في سلوكهم الاقتصادي، وتهتم بتفسير الانحرافات الوقتية والهامشية من نظام نظرية التوازن العام كما في مقترح اليد الخفية. ويلاحظ في هذا الصدد أن الاقتصاد الكلي يعمل في واقع الحال ليس على افتراض رشاد سلوك الفاعلين الاقتصاديين فقط، وإنما على أساس تفشي مظاهر الغرائز الحيوانية التي يُقصد بها علاقة هؤلاء الفاعلين

الاقتصاديين بحالات عدم اليقين والغموض والالتباس، التي تكتنف عمل الاقتصاد ككل في الواقع المعيش. يتطلب الاعتراف بأن الغرائز الحيوانية تؤثر تأثيرًا حقيقيًا، في عمل الاقتصاد، المشاهد في واقع الحال، أن يُعاد

صوغ نظرية الاقتصاد الكلي لتأخذ في الاعتبار كيفية تأثير هذه الغرائز في اتخاذ القرارات الاقتصادية. هذا وتشتمل الغرائز الحيوانية التي تم التعرف عليها حتى الآن، وربما من واقع الاقتصاد الأميركي واقتصاديات الدول المتقدمة، على ما يلي: الثقة ومضاعفاتها: ويُقصد بها، حسب أصلها اللاتيني، «الاعتقاد الجازم»، وهو أمر يتعارض مع الافتراض

George A. Akerlof and Robert J. Shiller, Animal Spirits: How Human Psychology Drives the Economy, and Why 7 انظر: it Matters for Global Capitalism (Princeton: Princeton University Press, 2009).

خريف 2012

المحوري للنظرية الاقتصادية فيما يتعلق بالسلوك الرشيد الذي يستخدم كل المعلومات المتاحة لاتخاذ القرارات.

وكما للإنفاق الحكومي في النظرية الاقتصادية الكلية من مضاعفات، كذلك للثقة مضاعفات. الإنصاف: بمعنى المفاهيم التي يحملها الناس عما يعتبرونه معاملة منصفة من الأطراف الأخرى، ويتعلق الأمر بتحديد

مستويات الأجور والأسعار. ويلاحَظ في هذا الصدد أن النظرية السائدة في تحديد الأجور على مستوى الاقتصاد

تتجاهل تمامًا اعتبارات الإنصاف، بينما توضح الممارسات العملية في الاقتصاد المعيش الأهمية الطاغية لهذا الأمر. الفساد والسلوك غير الاجتماعي: يتأثر سلوك الاقتصاد الكلي عبر الزمن بتفشي أنواع السلوك غير الاجتماعي من

غشّ واحتيال، خصوصًا فيما يتعلق بأسواق رأس المال، وهو أمر يتعلق بالالتزام الفردي باتباع مبادئ السلوك

القويم في المجتمع والفرص التي يُتيحها هذا المجتمع للفساد وكل أنواع النهب. الوهم أو الخداع أو السراب النقدي: هنالك حاجة إلى إعادة الاعتبار إلى الدور الذي يلعبه الوهم النقدي، بمعنى

السلوك على أساس القيم الاسمية وليس على أساس القيم الحقيقية للعقود بمختلف أنواعها، في الاقتصاد الكلي

وفي سلوكه عبر الزمن. القصص والحكايات والروايات: يؤدي صوغ التجارب الفردية وروايتها وتبادلها في مختلف مجالات النشاط

الاقتصادي دورًا مهامً في تهيئة المزاج العام للفاعلين الاقتصاديين الذي له دور مهم في أداء الاقتصاد الكلي من

خلال أجهزة الإعلام المختلفة. يزعم الكتاب أن إعادة صوغ النظرية الاقتصادية الكلية، لتأخذ في الاعتبار مظاهر الغرائز الحيوانية كمحدّدات

للسلوك في الواقع الاقتصادي المعيش تمكن من فهم دورها في الإجابة عن ثمانية أسئلة محورية حول: لماذا تقع

الاقتصاديات في حالات الكساد؟ لماذا يتمتع رؤساء البنوك المركزية بقوة تؤثر في الاقتصاد الكلي؟ لماذا يوجد أفراد

لا يحصلون على وظائف؟ لماذا توجد مقايضة بين التضخم والبطالة في المدى الزمني الطويل؟ لماذا يتميز الادخار

للمستقبل بقدر كبير من الاعتباطية؟ لماذا تتمتع أسعار الأصول واستثمارات الشركات الكبرى بالتذبذب؟ لماذا تمر

أسواق العقار بدورات للنهوض والانهيار؟ لماذا يستمر الفقر في أوساط الأقليات المحرومة لأجيال؟ هذا ونسارع لنلاحظ أن المطالبة بإعادة النظر في نظرية الاقتصاد الكلي قد استوحيت من أزمة الاقتصاد الأميركي

الحديثة العهد، إلا أنها ذات دلالة بالغة في ما يتعلق بآفاق المساهمات التأصيلية في مجال الاقتصاد وارتباطاته

بالعلوم الاجتماعية الأخرى، واستكشاف خصائص متفردة للمجتمعات العربية تؤثر في عمل الاقتصاد المعيش.

اقتصاديات التنمية: المجال الرحب لتكامل العلوم الاجتماعية

مهما يكن من أمر تطور النظرية الاقتصادية المهيمنة في حضن الدول المتقدمة، ومهما يكن من أمر الإنجاز النظري

الرائع في البرهان على صحة مقولة آدم سميث حول اليد الخفية وآلية السوق، تحت شروط نظرية حاكمة، بدأت

المعاهد تركز في دراساتها العُليا وفي بحوثها الاقتصادية على مجال اقتصاديات التنمية، وهو مجال أخذ يستعيد

مكانته العلمية من جديد في أهم الجامعات في العالم. وعلى هذا الأساس يقترح أن يتبنى معهد الدوحة مجال

اقتصاديات التنمية كمدخل لهيكل تدريس علم الاقتصاد، من دون أن يعني ذلك عدم تدريس المكونات لهذا

ملاحظات حول تدريس علم الاقتصاد من واقع الخبرة الأكاديمية

العلم، وذلك بهدف تحقيق غايته الرامية إلى تعزيز تكاملية العلوم الاجتماعية وتأكيد المنهج العابر للتخصصات

في هذه العلوم. وتوطئة لتبرير هذا التوجّه، يلاحَظ أن كروغمان زعم في مساهمة بعنوان «نحو ثورة مضادة للثورة المضادة

لاقتصاديات التنمية» أن اقتصاديات التنمية كفرع متخصص من فروع علم الاقتصاد لم يعد له وجود. ولتفسير هذا

الزعم أطلق صفة «النظرية الراقية للتنمية» على مجموعة الأفكار المحورية لاقتصاديات التنمية التي تبلورت خلال

الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين. ويعتقد أن «النظرية الراقية للتنمية» قد تم تجاهلها فيما بعد لأن الذين

قالوا بها لم يتمكنوا من تبيان رسائلهم النظرية بقدر كاف من الوضوح التحليلي، ولم يتمكنوا من صوغ أفكارهم

في شكل نماذج رياضية حسب التطورات التي حدثت في منهجية علم الاقتصاد النظري. ويرى كروغمان أن مرد

هذا الفشل قد كمن في صعوبة نمذجة الاقتصاديات ذات المنافسة غير الكاملة التي تترتب على وجود وفورات

خارجية وعوائد متزايدة الحجم، وهي الظواهر الاقتصادية التي ركزت عليها النظرية الراقية للتنمية كأهم خصائص

اقتصاديات الدول النامية. وعلى الرغم من هذا النقد، تمت الإشادة بمجموعة الأفكار المحورية التي قالت بها

النظرية الراقية للتنمية، وملاحظة أن هذه الأفكار لا تزال صحيحة من الناحية النظرية، وأنها ستظل ذات قيمة عالية

لأغراض التطبيق. هذا وقد دعا كروغمان إلى إعادة الحيوية للنظرية الراقية للتنمية وذلك من خلال تطوير نماذج

نظرية للاقتصاديات التي تتصف بعوائد متزايدة للحجم، وحذر في الوقت نفسه من الاتباع الحرفي لمقولات النظرية

النيوكلاسيكية، خصوصًا في ما يتعلق بقضايا إحداث التنمية وبدور الدولة في المجال الاقتصادي. وفي تعليق على هذا النقد لاحظ استيغلتز (1993) أن قراءة كروغمان لتاريخ المساهمات التنظيرية في مجال

اقتصاديات التنمية تتسم بقدر لا بأس فيه من المحدودية، وأن الدول النامية توفر مجموعة غنية من المشاهدات

والحقائق التي تحتاج إلى تفسير، وأن التحدي الذي يواجه النظرية الاقتصادية هو تطوير النماذج التي من شأنها

تفسير أكبر عدد من المشاهدات والحقائق، وليس فقط تلك النماذج التي يمكنها تناول الظاهرة التقنية للعوائد

المتزايدة للحجم. كذلك لاحظ استيغلتز أن النقد الموجه إلى النظرية النيوكلاسيكية لا يقتصر فقط على عدم

قدرتها على التعامل مع العوائد المتزايدة للحجم وإنما يشتمل، وبطريقة جذرية، أيضًا على النقد الموجه نحو

افتراضاتها فيما يتعلق بمحتوى معلومات النموذج التنافسي الذي تعتمد عليه النظرية، وهي افتراضات تتصف

بعدم المعقولية وعدم الواقعية. ويلاحظ في هذا الصدد أن عدم توافر المعلومات المطلوبة للنموذج التنافسي، أو

توافرها بطريقة غير كاملة، يتسبب في أن تفقد النظرية النيوكلاسيكية قوتها، خصوصًا فيما يتعلق بالتخصيص

الأمثل للموارد الاقتصادية، ومن ثم تفقد قوة مقترحها الخاص بتحقيق الكفاءة في تخصيص هذه الموارد. وفي

البلدان النامية، أكثر منها في البلدان المتقدمة، يكتسب افتراض «توافر المعلومات» المطلوبة لعمل النموذج

التنافسي أهمية حرجة، إذ عادة ما تتفشى في هذه الدول ظواهر عدم كمال المعلومات وعدم وجود الأسواق. وفي الاتجاه نفسه يُعتبر كتاب أمارتيا سن بعنوان التنمية حرية الذي صدر عام 1999 وتُرجم إلى اللغة

8 Paul Krugman, “Towards a Counter-Counter-Revolution in Development Theory,” in: Michael Bruno and Boris Pleskovic, eds., Proceedings of the World Bank Annual Conference on Development Economics, 1993: Supplement to the World Bank Economic Review and The World Bank Research Observer (Washington, DC: World Bank, 1994). 9 Joseph E. Stiglitz, «Comment on Towards a Counter-Counterrevolution in DevelopmentTheory,» in: Bruno and Pleskovic, eds., Proceedings of the World Bank Annual Conference.

لاحظ أن استيغلتز حاز جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية لعام 2001.

AmartyaSen, Development as Freedom (Oxford; New York: Oxford University Press, 1999). 10 انظر:

لاحظ أن سن حاز جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية لعام.1998

خريف 2012

العربية عام 2004 تلخيصًا مكثفًا لأهم مساهماته في نقد نظرية الرفاه التقليدية في تطبيقها على قضايا التنمية.

تتلخص الفكرة المحورية لمساهمات سن في أنه «يمكن النظر إلى التنمية على أنها عملية لتوسيع الحريات الحقيقية

التي يتمتع بها البشر». ويتعارض مثل هذا المنظور الذي يركز على حريات الإنسان مع المقاربات الضيقة للتنمية

كتلك التي تعتبر التنمية على أنها نمو الناتج القومي الإجمالي، أو أنها ازدياد متوسط دخل الفرد، أو أنها التصنيع

أو أنها التقدم التقني أو أنها التحديث الاجتماعي. وعلى الرغم من أن بعض هذه المقاربات تمثل وسائل لتوسيع

حريات البشر، فإن الحريات تعتمد على محددات أخرى، كالترتيبات الاجتماعية، لتوفير خدمات الصحة

والتعليم، والحقوق السياسية والمدنية التي تهيئ الفرص للمشاركة في الجدل حول القضايا العامة ومساءلة

أولي الأمر. فإذا كان توسيع الحريات الحقيقية التي يتمتع بها الناس هي ما تعنى به عملية التنمية، فهنالك ما يبرر التركيز

على هذه الغاية النهائية عوضًا عن الاهتمام ببعض الوسائل التي تخدمها كمتوسط دخل الفرد أو التصنيع أو

التحديث. وفي مثل هذا المنظور تتطلب التنمية القضاء على أهم مصادر عدم الحرية كالفقر، وانعدام الفرص

الاقتصادية، والحرمان الاجتماعي، وإهمال الخدمات العامة، ومظاهر القمع بواسطة أجهزة الدول. تتأتى الأهمية المحورية للحرية في عملية التنمية من مصدرين: الأوليُعنى بتقييم أداء السجل التنموي، بمعنى

أن التقدم الذي يتم إحرازه من خلال العملية التنموية لا بد أن يتم تقييمه بالنظر إلى ما إذا كانت الحريات التي

يتمتع بها الناس قد تم تعضيدها وتوسعيها. والمصدر الثانييُعنى بكفاءة الأداء التنموي، بمعنى أن كل تقدم

حيُرز في مجال التنمية لا بد أن يكون قد ارتكز على التفاعل الحر بواسطة البشر واشتراكهم في إحراز التقدم المعني

كشركاء، وليس كأطراف مستقبلة لنتائج البرامج التنموية التي تطبق عليهم بواسطة طرف آخر. ويلاحَظ في هذا الصدد أن فائدة الثروة تكمن في أنها تمكننا من القيام بعدد من الأفعال، ومن ثم تحقيق عدد من

الحريات، إلا أن هذه العلاقة ليست استقصائية، بمعنى أن هنالك مؤثرات أخرى في حياة الأفراد، كما أنها ليست

منتظمة، بمعنى أن وقع الثروة يتباين مع المؤثرات الأخرى. ومن ثم، فإن الإطار المفاهيمي الملائم للتنمية لابد

أن يتعدى عملية تراكم الثروة لينظر إلى أبعاد حياتية أخرى تهم الناس ويثمّنها الناس. بالنظر إلى التنمية ك«عملية لتوسيع حريات البشر»، ينصبُّ الاهتمام على توسيع «استطاعة»، أو «مقدرة»، الناس

ليحيوا حياة يثمّنونها، أو يرغبون في تحقيقها، أو حياة لديهم من الأسباب ما يدعوهم لتثمينها. ويلعب مفهوم

«الاستطاعة» دورًا محوريًا في التحليل كبديل من مفهوم الدخل في تعريف رفاه الناس وما يسعون إلى تحقيقه، وفي

تقييم الأداء التنموي عمومًا. ويلاحظ في خصوص استخدام «الاستطاعة» لتقييم الأداء التنموي أنه لم يقصد به

وجود معيار وحيد ومحدد لمقارنة وترتيب التجارب التنموية المختلفة. ففي ظل تباين مكونات الحرية، وفي ظل

الحاجة إلى الأخذ بعين الاعتبار تفاوت الحريات الشخصية للأفراد، فإنه لا مناص من وجود اتجاهات متضاربة

في تجارب التنمية تحول دون التوصل إلى ترتيب كامل لمختلف هذه التجارب. وعلى هذا الأساس، فإن النظر

إلى التنمية على أنها عملية لتوسيع حريات البشر يرمي إلى إيلاء مختلف جوانب عملية التنمية الاهتمام الذي يليق

بكل منها، وهو ما يُمثل مدخلا مفاهيميًا للمساهمة في تحقيق هدف تكامل مناهج العلوم الاجتماعية.