الحداثة المحظورة: الحضارة والحجاب
The Forbidden Modern: Civilization and Veiling
الملخّص
تبحث هذه الدراسة في أهمية حركة الحجاب في تركيا، وذلك عبر تحليل متعدّد المستويات لعلاقات السلطة التي تتراوح بين العلاقات الأكثر خصوصية بين الجنسين، وصولًا إلى الصراع بين الحضارات. ويُستخدم حجاب المرأة كأداة تحليل تشبك خيوط علاقات السلطة المخفية بفعل «سيرورة التمدّن» بين «الشرق والغرب» وتحبك نسيج الإسلام السياسي، وتسلط الضوء على نماذج الحداثة الغربية من خلال موشور الإسلام السياسي. إنها إذًا دراسة ل «إدراج النوع الاجتماعي» في صيغة الإسلام السياسي من جهة والحداثة من جهة أخرى. ونزعم أن الإسلام السياسي المعاصر لا يمكن فهمه بشكل ملائم بمعزل عن المفاهيم المحلية عن الحداثة الغربية التي للمرأة فيها دور تنويري.
Abstract
This study examines the significance of the movement for the veil in Turkey by means of a multilevel analysis of power relations that range from the most private relations between the sexes to the conflict between civilizations. Women’s veiling is used as an analytical tool that draws together power relations hidden in the action of “the civilizing process” between “East and West” and weaves the fabric of political Islam and casts lights on the models of Western modernity through the prism of political Islam. It is therefore a study of “incorporating social gender” in the formulation of political Islam and of modernity. The paper argues that contemporary political Islam cannot be appropriately understood at a remove from the local concepts about Western modernity where women have an enlightenment role.
- حداثة
- تمدن
- حجاب
- النوع الاجتماعي
- Modernity
- Veiling
- Gender
- civilisation
ترجمة: علي برازي**
يرمز الحجاب – بما هو ارتداء لغطاء الرأس مع رداء طويل فضفاض – إلى استعادة التديّن
سياسيًا)***(، واستعادة نمط الحياة الإسلامي أكثر منه تسطيح لهذا التديّن ضمن التقاليد القائمة؛
فهو يمثّل الرمز الأبرز والمرأة ذات الدور الأحدث في الإسلام السياسي المعاصر. وليس هناك رمز غيره
يؤسس بهذه القوة ل«اختلاف» الإسلام بالنسبة إلى الغرب، حيث يعود جسد المرأة والنشاط الجنسي إلى الظهور
كموقع سياسي للتميّز من قوى التجانس والمساواة ومقاومتها في الحداثة الغربية. ويؤكد ارتداء المرأة المسلمة
للحجاب في الوقت الحاضر منعة الحدود التي لا يمكن تجاوزها بين الحضارتين الإسلامية والغربية. بمعنى
غطاء الرأس فقط، لأنها تُستخدم بالمعنى السياسي الدارج للتعبير عن نمط الملابس وليس غطاء الرأس فقط. (المترجم)
1 يُستخدم مصطلحا الحركات الإسلامية والإسلام السياسي الراديكالي بالمعنى نفسه في هذا النص، إذ توصف الحركات الإسلامية
المعاصرة بأنها فعل جمعي شكّل أيديولوجيته في أواخر سبعينيات القرن الماضي مفكرون إسلاميون من مختلف أنحاء العالم الإسلامي
(أمثال أبو الأعلى المودودي في الهند، وسيد قطب في مصر، وعلي شريعتي في إيران، وعولى بولاق في تركيا)، والثورة الإيرانية. ويُستخدم
مصطلح الراديكالية بمعنى العودة إلى الأصول – أصول الإسلام - لتوجيه النقد إلى الحداثة الغربية من جهة، ورغبةً في تحقيق تغيير شامل
لإقامة المجتمع الإسلامي من جهة أخرى. أما مصطلحا الإسلامي (Islamic) والإسلام السياسي (Islamism)، فلا اختلاف بينهما،
على الرغم من أن الأول يعني الثقافة الإسلامية والدِّين الإسلامي بشكل عام، والآخر يعني مشروع تحويل المجتمع من خلال التمكين
السياسي والاجتماعي.
2 الشكل الحديث للحجاب الإسلامي هو عبارة عن غطاء للرأس يغطي الشعر بالكامل والرقبة والجزء الأعلى من الصدر، وعباءة
طويلة فضفاضة بلون رصين تصل إلى الكعبين.
خريف 2012
آخر، يكشف جسد المرأة المغطى مركزية مسألة النوع الاجتماعي والجنس في النقد الإسلامي للحداثة الغربية، إذ يُشهر الإسلام السياسي المرأة كدلالة على الاحتشام والفضيلة. وعلى المنوال نفسه، تقود مشاركة المرأة وتسييسها
إلى تشكيل هوية لها عامة وجمعية تنأى بنفسها عن تحديدات الأدوار المستقلة المرتبطة بالنوع الاجتماعي ضمن الفضاء المنزلي. وبالتالي، يتخلل الحجاب الإسلامي، بوصفه رمزًا معاصرًا لأسلمة أسلوب الحياة وتسييس
الدِّين، علاقات السلطة بين الإسلام والغرب، الحداثة والتقليد، العلمانية والدِّين، فضلا عن المرأة والرجل
بحد ذاتهما. تبحث هذه الدراسة في أهمية حركة الحجاب في تركيا، وذلك عبر تحليل متعدّد المستويات لعلاقات السلطة التي
تتراوح بين العلاقات الأكثر خصوصية بين الجنسين، وصولا إلى الصراع بين الحضارات. ويُستخدم حجاب
المرأة كأداة تحليل تشبك خيوط علاقات السلطة المخفية بفعل «سيرورة التمدّن» بين «الشرق والغرب»،
وتحبك نسيج الإسلام السياسي، وتسلط الضوء على نماذج الحداثة الغربية من خلال موشور الإسلام السياسي. إنها إذًا دراسة ل «إدراج النوع الاجتماعي » في صيغة الإسلام السياسي من جهة والحداثة من جهة أخرى. ونزعم أن الإسلام السياسي المعاصر لا يمكن فهمه بشكل ملائم بمعزل عن المفاهيم المحلية عن الحداثة الغربية التي للمرأة فيها دور تنويري. نشأ هذا المشروع البحثي نتيجة حدث لافت هو انتشار ارتداء الحجاب الإسلامي بين الطالبات الجامعيات في
تركيا في فترة ما بعد عام 1983؛ فقد أصبحت قضية الحجاب قوةً حاسمة في تجذ ر الحركة الإسلامية عندما مُنعت الطالبات المحجبات من دخول الجامعة، إذ إن المنع دفعهن إلى التعبئة وتنظيم اعتصامات وتظاهرات.
ويمكن إذًا اعتبار ارتداء الحجاب بمنزلة حركة اجتماعية تعربّ الطالبات المسلمات من خلالها عن مطالبهن بصورة
جماعية وعلنية، ويحددن أهداف عملهن بصورة مستقلة. وقد أضحت حركة الحجاب مصدر صراع واستقطاب سياسيين بين العلمانيين والإسلاميين؛ صراع أقحم المفكرين وأساتذة الجامعات ووسائل الإعلام والأحزاب السياسية في جدل حاد. غير أن هذا الجدل كشف في المقام الأول عمق الانقسامات الثقافية والاجتماعية بين العلمانيين الإسلاميين عمومًا والنساء على وجه الخصوص، وبنيّ، بطريقة ما، الدرجة التي بلغها استنساخ
المواجهات بين «المتغربنين» و«الإسلاميين» في صفوف المواطنين ذوي الانتماء الواحد قوميًا ودينًا وجنسًا. كما
نشأت هذه الدراسة عن «قلقي الشخصي»، بوصفي مثقفة تركية وامرأة في آن. أولا، تفنّد الإسلاميات المتعلمات الرواية الأكثر شعبية في تركيا والرابطة بين التعليم والتحديث من جهة وتحرر
المرأة من جهة أخرى؛ فافتراض أن التقاليد والدِّين يتراجعان أمام تقدّم الحداثة، وهو تقدم ثوري يُنظر إليه كنتيجة
طبيعية للتربية العلمية العلمانية، لم يعُد مقبولا. ثانيًا، إنني، بوصفي نتاجًا للحداثة العلمانية التركية، أشعر بالحيرة
حقًا إزاء ظهور هذه الشخصية الإسلامية الجديدة للمرأة التي تتقاسم الطبقة والتعليم والمهن نفسها لكنها تصر
3 إن تصنيفات الغرب والشرق، عوضًا عن أن تشير إلى كيانات جغرافية ثابتة، تعني التعبيرات الثقافية غير المستقلة عن علاقات الهيمنة
بين دول الغرب المتطورة والدول غير الغربية (يطلق عليها أسماء مختلفة بحسب الأزمنة الأيديولوجية، كالدول الشرقية والعالم الثالث
ومؤخرًا العالم الإسلامي). ولما كان الشرق جزءًا لا يتجزأ من تطور الهوية الغربية، فإن الغرب على نحو مماثل يندرج ضمن التاريخ المكون
للشرق. للاطلاع على إشكاليات هذه التصنيفات، انظر (New York: Pantheon Books, 1978: Orientalism)Edward W. Said, 4 Gender at the Crossroads of Knowledge: Feminist Anthropology in the Postmodern Era, Edited and with an Introduction by Micaela di Leonardo (Berkeley: University of California Press, 1991), pp. 30-31.
5 رغم الوقع السلبي الذي قد تتركه كلمة «تغربُنْ» على الأذن، فقد استخدمتها في ترجمة Westernism (وتعني اتّباع الأسلوب الغربي في
الثقافة وغيرها)، لتمييزها من «غربنة» (Westernization) و«استغراب» (Occidentalism) في مقابل استشراق. (المترجم)
في الوقت نفسه على تطلعاتها نحو هويةٍ ومُثلٍ إسلامية، وبالتالي أصبح القاسم المشترك وإمكانية التواصل بين
هاتين الشخصيتين للمرأة من نفس الدِّين والجنسية والجنس من المسائل التي تقوم عليها هذه الدراسة. لذلك
سأحاول إيجاد رابط بين «القلق الشخصي» و«القضية العامة»، بين «التاريخ الشخصي» و«التاريخ العام»؛ أي محاولة ترجمة تجربتي الشخصية إلى لغة عاملِ الاجتماع رايت ميلز، باستخدام «المخيال الاجتماعي». يتحدث الجزءالأولمن هذه الدراسة عن الدلالة الاجتماعية للجدل السياسي الدائر بشأن الحجاب الإسلامي،
بينما يناقش الجزء الثانيالصعوبات المنهجية الناجمة عن التحوّل في التأصيل النظري التاريخي نحو التركيز على
الواسطة والمعنى في سياق شديد الاستقطاب والتسييس. وهذه الصعوبات لا تقتصر على الزمان والمكان، بل تتعداهما إلى شروط البحث، وهي تقود عوضًا عن ذلك إلى سؤال أكثر عمومية يتعلق بمكان الباحث، وإلى الربط بين المثقفين والمعرفة، التي بلغت ذروتها في مشكلة علم الاجتماع القديمة المتعلقة بالربط بين التحليل
والالتزام، بين البنية والواسطة. ويستعرض الجزء الثالثالأسلوب التركي في التحديث (الذي بدأ على يد
النخب التركية العثمانية في القرن التاسع عشر وأسفر عن تأسيس دولة قومية علمانية على يد مصطفى كمال أتاتورك عام 1923) من أجل فهم النزاع المعاصر بين الإسلاميين والحداثويين من منظور تاريخي. وهو يعيد دراسة الأثر التغييري للتحديث في الفضاءين العام والخاص، وفي العلاقات بين الرجل والمرأة، وفي التعريف الذاتي للأتراك. كما يطرح إشكالية مفهوم «الحضارة العالمية» المحبَّب لدى النخب الإصلاحية التركية وأصبح
مرادفًا للثقافة الأوروبية الغربية. أما الجزء الرابع، فيؤكد ضرورة تحديد موقع المرأة ودارسته بوصفها رمزًا وفاعلا
مركزيًا في هذا «المشروع الحضاري». وينتقل الجزء الخامسإلى مناقشة أهمية الحركات الإسلامية، وخصوصًا
حركة الحجاب الإسلامي، لجهة مناهضتها ومقاومتها لهذا المشروع الحضاري؛ فهو يبنيّ سبب عدم إمكان فصل
الهوية الإسلامية – المبنية على مفاهيم النوع الاجتماعي- عن أفكار وتصوّرات الحداثة الغربية. ويبحث الجزء
السادسفي النقد الضمني الذي يوجهه الإسلام السياسي إلى أساليب الحياة العلمانية الذي أدى إلى إخفاء المرأة
على مستوى الجسد وفي المشاركة العامة. وأخيرًا، يبحث الجزء الأخير في تصارع أجندات المرأة الإسلامية من
خلال المشاركة في التربية العلمانية والسياسة الدِّينية من جهة، والالتزام بمبادئ المشترك الإسلامي من جهة
أخرى؛ إذ بينما تشدّد الأولى على ضرورة المشاركة العامة، تجيز الأخرى فردانية المرأة، التي تشتمل أخلاقياتها
تحديدًا على الأصالة المجتمعية والإسلامية.
المغزى السوسيولوجي لظاهرة الحجاب
يُعَدّ ارتداء الحجاب قضية سياسية في الدول المسلمة والدول الأوروبية الغربية على السواء؛ فهو يبُرز قوى
التجاذب بين قيم المجتمع الجوهرية الممتدة من علمانية الفضاء العام ومنزلة الدِّين في التعليم والحقوق الفردية،
وصولا إلى التعددية الثقافية والمذهبية. وقد برزت ظاهرة ارتداء الطالبات المسلمات الحجاب كقضية خلافية
لأنه المظهر الأبرز الذي يذكّر بالتديّن والأدوار التقليدية للمرأة في بيئات اجتماعية حديثة، كالحرم الجامعي
6 Charles Wright Mills, The Sociological Imagination (London: Penguin Books, 1971).
7 على سبيل المثال، أشارت صحيفة لوموند إلى أن فرنسا تشهد «نزاعًا قضائيًا سياسيًا شبه فلسفي» وشديد الحماسة بشأن حق الطالبات
المسلمات بتغطية رؤوسهن في الجامعات الفرنسية، وهي الحادثة التي غالبًا ما يشار إليها في وسائل الإعلام باسم «قضية المناديل»
[«الإشاربات»]. ومؤخرًا حُظر جميع «علامات التباهي» في الجامعات بموجب القانون («تعميم بايرو»، 20 أيلول/ سبتمبر.)1994
للاطلاع على الجدل بشأن «فرنسا الإسلام»، انظر 13/10/1994: Le Monde,.
خريف 2012
ومراكز المدن والمنظمات السياسية وأماكن العمل الصناعية. ويُنظر إلى الحجاب عمومًا بوصفه قوة من قوى
«الظلامية»، وغالبًا ما تجري مطابقته مع «خنوع» المرأة، وبالتالي يف بأنه تمويه للتعارض الحاد بين الدِّين
والحداثة، وإهانة لأفكار «تحرر المرأة» و«التقدم العالمي». لذلك، كثيرًا ما يف انتعاش الحركات الإسلامية
في مختلف بقاع العالم الإسلامي بأنه تحدٍّ للحداثة الغربية القائمة على فكرة أحادية تجاه التقدم التطوري المنظور
إليه من ناحية ثنائية التعارض، بين الدِّين والعلمانية؛ بين الفضاء العام والفضاء الخاص؛ بين الخصوصية المحلية
والعالمية. كما يجسّد الحجاب الإسلامي ساحة صراع بين مفهومين متعارضين هما الذات والمجتمع، الغربي
والإسلامي. ويمكن القول مجازًا إن جسد المرأة المغطى يعيد تنشيط الحركات الإسلامية المعاصرة ويميّزها من
المشروع العلماني. لذلك، لا نزعم هنا أن مسألة الحجاب ليست مسألة ثانوية بالنسبة إلى الحركات الإسلامية فحسب، بل إنها،
على العكس، تبُرز مركزية مسألة النوع الاجتماعي في التحديد الذاتي للهوية الإسلامية وما تعنيه من نقد ضمني
للغرب. وبالتالي، فإن الحجاب رمز خطابي يساعد في إيصال المعاني السياسية. وبناء عليه، لا يمكن فهم أهمية
الحركات الإسلامية المعاصرة، على ما نعتقد، إلا من خلال علاقتها الإشكالية بالحداثة الغربية، وهي علاقة
تتّخذ شكلها وتكتسب معناها من خلال أجساد النساء وأصواتهن. وبالتالي، يتحدد الإسلام السياسي عبر البناء
الانتقائي للهوية لا عبر هوية غير متغريّة – أي تاريخية وخارج أي سياق أو ثابتة. وبالنتيجة، يمكن القول إن
الحركات الإسلامية المعاصرة تتعامل مع قضايا المرأة والاحتشام والنشاط الجنسي وتعالجها على أنها نتيجة من
نتائج الاعتماد الكبير على الحداثة لا على أنها نتيجة الولاء للدِّين الإسلامي. يحمل الحجاب بشكله المعاصر رسالة سياسية بشأن الإسلام السياسي عمومًا، وتأكيدًا لهوية المرأة المسلمة على
وجه الخصوص. وهو بهذا المعنى يختلف عن استخدام المرأة المسلمة للوشاح التقليدي. ففي حين يدخل
الأخير ضمن إطار تقاليد تناقلتها الأجيال، يشك ل الأول استعادةً فاعلةً من جانب المرأة تنقل من عالم التقاليد
إلى المعاصرة وتوصل رسالة سياسية. والحجاب هو أيضًا رسالة سياسية للمرأة، واستعادة فاعلة من جانبها
للتديّن الإسلامي وأسلوب في الحياة، أكثر من كونه إعادة إنتاج للتقاليد القائمة. وهو بهذا المعنى لا يعربّ عن
خضوع سلبي لمعايير مجتمعية سائدة بل يثبت اهتمامًا فاعلا بالنص الإسلامي. وتدّعي المرأة المتعلمة من الطبقتين
الدنيا والمتوسطة معرفة الإسلام «الحقيقي»، وبالتالي تميّز نفسها من المرأة التقليدية غير المتعلمة. وأكثر ما ترفضه
أولئك الشابات المسلمات هو نموذج أمهاتهن اللواتي يعملن على تأبيد التقاليد والدِّين التقليدي في حياتهن
المنزلية من دون أي مطالبة بالمعرفة والممارسة. وللمفارقة، فإن الطالبات المحجبات اللواتي يعود فضل موقعهن
الطبقي المكتسب حديثًا والاعتراف الاجتماعي بهن إلى التحاقهن بالمؤسسة التعليمية العلمانية، يعززن قدراتهن
من خلال مطالبتهن بالمعرفة والسياسة الإسلاميتين. وتكتسب الطالبات المحجبات، بوصفهن طرفًا جديدًا
أنثويًا وفاعلا في الإسلام السياسي، «رأس المال الرمزي » ويطمحن إليه من مصدرين مختلفين: مصدر ديني
8 من أجل تحليل التمايز بين الأزياء الإسلامية التقليدية المتنسكة والدلالات الرمزية للغطاء في مصر، انظر: Reveal Andrea B. Rugh,
and Conceal: Dress in Contemporary Egypt, Line Drawings by Elizabeth Rodenbeck; Photographs by William A. Rugh, Contemporary Issues in the Middle East (Syracuse, NY: Syracuse University Press, 1986), and Sherifa Zuhur, Revealing Reveiling: Islamist Gender Ideology in Contemporary Egypt (Albany, NY: State University of New York Press, 1992). 9 Pierre Bourdieu: La Distinction: Critique sociale du jugement, le sens commun; 58 (Paris: Editions de Minuit, 1979), et Distinction: A Social Critique of the Judgement of Taste, Translated by Richard Nice (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1984).
وآخر علماني. ويشير ظهورهن المكتسب مؤخرًا، في الحرم الجامعي أو في الحركات الإسلامية، إلى امتلاك المرأة
رأس المال الرمزي الجديد هذا، وظهور شخصية جديدة هي المثقفة الإسلامية. علاوة على ذلك، ترمز مشاركة المرأة في الحركات الإسلامية إلى حس جديد بالانتماء يبرشّ بظهور طائفة جديدة من المؤمنين. وإذا كانت الطريقة التقليدية لتغطية المرء لنفسه تختلف من بلد مسلم إلى آخر بحسب «الزي الشعبي»، فإن الزي الإسلامي المعاصر متشابه في جميع الدول الإسلامية؛ فمن خلال رمزية حجاب المرأة يتم بناء القاسم المشترك للهوية والأمة الإسلامية وتكوينها على مستوى عابر للقوميات. خلاصة القول، إن حجاب المرأة ليس صيرورةً سلسة متدرجة ومتواصلة تخرج من إسار التقاليد، بل على العكس، هي حصيلة لتفسير جديد للدِّين الإسلامي قدّمته فئات اجتماعية جرى تمدينها حديثًا، شقت طريقها بعيدًا عن التفسيرات والممارسات الشعبية التقليدية، وسيّست الدِّين كتأكيد لهويتها الجمعية في وجه الحداثة.
إنه السمة الأبرز للحركة الإسلامية المعاصرة، التي ترتكز على هذا التوتّر المحوري بين الإسلام السياسي والتقليد والحداثة. وقد برز الفارق بين صورتي المرأة المسلمة والمعنى الجديد للحجاب بحدّة في إثر «الخلاف حول الوشاح» الذي اندلع عام 1984 في تركيا؛ فقيام نساء الشريحة الدنيا من الطبقة المتوسطة اللواتي يعشن على هامش حياة المدن الحديثة بارتداء الوشاح التقليدي لم يلفت انتباه أحد تقريبًا، واعتبُر من بقايا ممارسة التقاليد. أمّا
تبنّي طلاب الجامعات الزي الإسلامي، وهو ظاهرة برزت بعد عام 1983، فقد اعترُبِ وسيلة احتيال
استخدمتها الحركة الإسلامية الأصولية الصاعدة، وأثارت في وقت لاحق نزاعًا سياسيًا شديد الاستقطاب بين
الإسلاميين والعلمانيين. ولتمييز الطريقة الإسلامية من الطريقة التقليدية في الغطاء، أطلقت وسائل الإعلام الجماهيري التركية على
ظاهرة ارتداء الحجاب الجديدة اسم «حركة العمائم». وكلمة عمامة، التي أ طلقت على حركة ارتداء الحجاب
الجديدة، تحمل أكثر من دلالة، وتوحي بأن مشاركة المرأة في الحركات الإسلامية تشك ل انتهاكًا. والعمامة عبارة
عن غطاء للرأس إسلامي الأصل، يتألف من منديل طويل من الحرير أو القطن أو الكتان. لكنها تُستخدم
في اللغة التركية الحديثة ككلمة فرنسية تدل على موضة في غطاء الرأس اعتُمدت بدورها من اللغة التركية
العثمانية. وبذلك خضعت كلمة «عمامة» نفسها للتحوّل، عبر التأثير المتبادل والتداخل في الكلمات والممارسات
بين الإرث العثماني التركي والغرب. وإطلاق مصطلح «حركة العمائم» على موجة ارتداء الطالبات المسلمات
للحجاب يميزها من الوشاح التقليدي، ويوحي بالزي والتغيير – بمعنى أنها طريقة عصرية للامتلاك وليس
مجرد تأبيد للتقاليد. ومن جهة أخرى، تشير العمامة إلى لباس ديني للرأس يستخدمه الرجال. وعلى الرغم من
أنها تذكّر بسلطة رجال الدِّين (العلماء)، فإنها تُستخدم لتمييز التسييس الدِّيني للنساء وتمكينهن. لذلك تكشف
تسمية «العمامة» بحد ذاتها الطبيعة الهجينة والمعيبة لموجة الحجاب الإسلامي القائمة على ديناميات السلطة بين
الشرق والغرب، والتقليد والمعاصرة، والرجل والمرأة. وعلى العكس من ممارسة ارتداء الحجاب الإسلامي،
10 لتحليل حوادث هذا الجدل وفتراته، انظر Emelie A. Olson, “Muslim Identity and Secularism in Contemporary Turkey:: «The Headscarf Dispute»,» Anthropological Quarterly, vol. 58, no. 4: Self and Society in the Middle East (October
11 لا يستخدم الإسلاميون أنفسُهم مصطلح العمامة، وينتقدونه ويفضّلون غطاء المرأة (tessettur بالتركية الحديثة)، أو الوشاح
(basortusu).
خريف 2012
الذي ينطوي على دلالة خاصة - هي «العودة إلى التقاليد»، «العودة إلى الأصول»، «خضوع المرأة» - ويبرز
ثنائيات متعارضة من قبيل «الإسلام يختلف جوهريًا عن الغرب» و«الاستغراب – كنقيض للاستشراق - شرط
لتحرر المرأة»، تمثّل تسمية «العمامة» الطبيعة الهجينة والمعيبة للإسلام السياسي عمومًا ومشاركة المرأة في الحركة
الإسلامية على وجه الخصوص.
الوساطة والصراع والانعكاس الذاتي
أجبرتنا نظريات التحديث على البحث عن، وإيجاد، مسارات متناظرة وخطية للتطور تحدث بصورة مستقلة تقريبًا عن السياق التاريخي والجغرافي. أما اليوم، فإن البندول المعرفي (الإبستيمولوجي) يتأرجح بين المنطق
التطوري والوضعية المنهجية من جهة والتساؤل عن الوساطة والتحليل اللاحق للتفسيرات التخصصية المقيدة بسياقها للحداثة والذات من جهة أخرى. تنطوي هذه النقلة على إمكان تحرري أكيد في دراسة البلدان «غير الغربية». إن الابتعاد عن التأصيل التاريخي الشامل للتحديث والتحرير يفتح المجال أمام دراسة التراكيب الذاتية للمعاني والهويات الثقافية والنزاعات الاجتماعية، وهو باختصار، يساعد في معاينة التمفصلات المحددة بين الحداثة والبنيان المحلي. إن الانتقال نحو أشكال جديدة من التداخل والتهجين بين الخصوصي والعمومي، المحلي والعالمي، يضعنا على أرض غير معيّنة أو غير محدَّدة أو غير مع عنها بلغة اجتماعية علمية. وهذه الحالة تؤدي إلى ميل عام لتسمية جميع
أشكال التهجين المحريّة والمفارقات المربكة إمّا مؤشرات ضيقة الأفق إلى «مرض التخلف» وإمّا ماهية ثقافيةِ
على المقلب الآخر، أو ببساطة نسبية ما بعد حداثوية. ثم إن هذه النقلة تجلب معها مشكلة التأطير المفاهيمي، وتستلزم روابط جديدة بين اللغة التجريبية واللغة النظرية. كما تستدعي إعادة تحديد موقع الباحث في السياق
«المحلي» واللغة الأم. إن إضعاف الدراسات النقدية المتعلّقة بالتحديث والتحرير يغريّ دور المثقفين من ناقلين
ومدافعين عن القيم الكونية إلى مترجمين للحقائق الاجتماعية الهجينة والمتناقضة والمتعددة الاتجاهات. ولا
يمكن ترجمة هذا الاهتمام الجديد إلى وعي اجتماعي إالّ عبر توسط لغة مرتبطة بسياقها. إن العنوان التركي الأصلي لهذه الدراسة وعنوان الكتاب المأخوذة منه (المحرم الحديث) على سبيل المثال، يوضح صعوبات تجاوز الحدود الثقافية واللغات القومية: فكلمة «محرم» تعني حرفيًا الحميمية، والألفة، والسرية،
وفضاء المرأة، وما هو محظور على نظر الغرباء، مثلما تعني أيضًا أسرة الرجل. وفي النص، يبنيّ مفهوم «المحرم»
صعوبة جعل هذا الفضاء «الخصوصي» خصوصيًا بالمعنى الغربي المعاصر. ويغدو هذا المفهوم أكثر من مجرد
مسألة ترجمة بسيطة، ومستوى في التحليل، ومفتاح لفهم قضايا الحميمية والفصل الجنسي والأخلاق العامة في
المجتمع المسلم. ومن شأن استخدام المفهوم الغربي «الفضاء الخصوصي» بدلا من المحرم أن يؤدي إلى إخفاء تميّز الفضاء المنزلي في البيئة الإسلامية. لذلك، فإن فهم الخصوصيات من الداخل يتطلب وعيًا سوسيولوجيًا
وفهامً نظريًا واسعًا.
12 للاطلاع على نقد الماهية الثقافية وعلاقتها بما بعد الحداثة، انظر: Phronesis Islams and Modernities, Aziz Al-Azmeh,
(London; New York: Verso, 1993). 13 Zygmunt Bauman, Legislators and Interpreters: On Modernity, Post-Modernity, and Intellectuals (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1987).
وعلى نحو مشابه، تحيل كلمة «حديث» حرفيًا إلى مجموعة القيم الغربية المتعلقة بالفردانية والعلمانية والمساواة
التي أنتجها عصر التنوير والثورة الصناعية والديمقراطية التعددية، وبالتالي ليس لها مقابل في اللغة التركية،
لكنها تمتلك حياة ومعنى خاصين بها في التاريخ التركي؛ فبدلا من الحداثة (Modernity) التي تعني وعيًا
معيّنًا للزمن الحاضر وحالة التطور، يُستخدم في قاموس المفردات التاريخية والسياسية مفهوم التحديث
(Modernization) الذي يعربّ عن إرادة سياسية بأن «تصبح حداثيًا». ويمكن تفسير التحديث بوصفه
جهدًا متواصلا للتغلب على التأخر في التطور العلمي والاقتصادي والسياسي. والحداثة الغربية كمفهوم هي
بالنتيجة جزءٌ جوهري من الحياة الثقافية والسياسية التركية المتغيرة مع الزمن وتبعًا للمناخ الأيديولوجي. ولا
يمكن إنجاز قراءة دقيقة للتاريخ، والوساطة الاجتماعية، والصراع الاجتماعي من دون أن يؤخذ في الاعتبار
هذا الاعتماد على مفهوم الحداثة. وتحمل الدراسات العامة (مثلا بشأن الاستغراب، التقدم، تحرر المرأة)، فضلا
عن الدراسات المقابلة للحركات المعارضة (كاليسارية والإسلامية)، أثر العلاقة الإشكالية مع الحداثة. فإذا
أردنا أن نفهم ممارسات الأطراف الاجتماعية الفاعلة والدراسات الوجودية والهويات الجمعية والنزاعات
السياسية ونفسر هذا الممارسات، علينا أولا أن نعترف بأنه لا بد من تفكيك البنى المحلية للحداثة على مستوى
الهويات الفردية والجمعية ذاتها. بمعنى آخر، لا يمكن تصوّر الحداثة ككيان جغرافي خارجي بالنسبة إلى التجربة
التركية، بل يجب على العكس دراستها كجزء من التجربة التاريخية والبنيان الاجتماعي والهوية الخاصة بالأطراف
الاجتماعية الفاعلة. وينبغي دراسة الحداثة في أوضاع غير غربية لتحديد دورها في صوغ التأصيلات النظرية
العامة، والهويات الجمعية والممارسات الاجتماعية. وهكذا، يجمع عنوان «المحرم الحديث» بين تصنيفين حضاريين متمايزين ومع ذلك متداخلين: الأول حميمي
خاص بالمرأة وسرّي، والآخر عام وشمولي ومفتوح. وهو يلمح مداورة إلى المواجهة والتفاعل غير المرغوب
فيهما بين الإسلام والحداثة في التاريخ التركي، ويلمح على الأخص إلى تقييم المرأة النقدي للحداثة ومشاركتها
المحظورة في الحياة العامة. ويسلّط هذا الفصل الضوء على التراكيب المحلية للذات والحداثة والارتباطات
الهجينة والحقائق الاجتماعية غير المتناظرة، ويفسرها كأشكال للممارسة الاجتماعية لا كانحرافات عن المسار
التطوري المتوقع في نظريات التحديث. وعلى النقض من ذلك، ينظر إلى التعارضات بين النظريات والممارسات
الاجتماعية كنقطة انطلاق للتبنيّ وليس مجرد محاذاة لغة اجتماعية عملية جاهزة مع ظاهرة اجتماعية معطاة وبالتالي
إخفاء التفاصيل الخاصة. تفرسّ النظريات الاجتماعية النمطية الحركات الإسلامية عمومًا والحجاب خصوصًا بإعطاء الأولوية إمّا للعوامل
الاجتماعية السياسية وإمّا لجوهر الدِّين نفسه، مفترضة أنها غريبة على سلسلة التحولّات التي حدثت في الغرب
كالإصلاح والعلمانية. يقود الموقف الأول إلى تفسيرات سببية تتحدث عن الركود الاقتصادي والاستبداد
السياسي والهجرة من الريف والانحلال القيمي في المدن بوصفها أسبابًا للإسلام السياسي الراديكالي. وعلى
الرغم من أن هذه المقاربات تصف البيئة الاجتماعية التي تتجذر فيها الحركات المعارضة، فإنها تعجز عن تفسير
كيف ولماذا يحظى الإسلام بمثل هذه الجاذبية إلى التمكين الثقافي والسياسي. أمّا المقاربات التي تعطي الأولوية
لجوهر الإسلام من جهة أخرى، فإنها تفترض أن للإسلام طبيعة ثابتة، وبالتالي خت رج الدِّين من سياقه التاريخي
14 تعكس الكلمة التركية çagdas (المقابلة للكلمة الإنكليزية contemporary: معاصر) والمستخدمة كمرادفة للكلمة الإنكليزية
Modern: حديث، بصورة أكبر إيحاء ب«المستقبل القادم»، أي التقدم، وهي لا تستحضر الزمن «الحاضر». ومن اللافت الإشارة إلى أن
مفاهيم «الحداثة» و«التحديث» كانت تُستخدم على نطاق واسع في تركيا لعقد من الزمن، لأن المثقفين الأتراك اهتموا بالجدل ما بعد
الحداثوي. لكن استخدامها بهذا الشكل يميز أكثر فأكثر بين «المعاصر» و«الغرب.»
خريف 2012
والسياسي. ومن هذا المنظور يظهر الإسلام السياسي والحجاب الإسلامي بوصفهما «انحرافًا» أو «مرضًا.»
ويقول الافتراض الذي يقوم عليه هذا الرأي إنه لو نجح التحديث والعلمنة لما كانت «ردود الفعل الشاذة»
هذه. وبالنسبة إلى المقاربات السياسية والثقافية في آن معًا، تُعَد النساء المحجبات امتدادًا لظاهرة أوسع: إمّا
كمناضلات تابعات في الحركة السياسية الأصولية وإمّا كناقلات منفعلات للقيم التقليدية. إن هذه التحليلات،
التي تعطي الأولوية لحتمية المنظومة والبنية، تتجاهل قضيتي الوساطة وتشك ل طرف إسلامي فاعل ومساهمتهما في إعادة إنتاج النظام الاجتماعي الإسلامي. ممّا يدعو إلى الأسف هو أن النظريات الاجتماعية الحديثة أولت اهتمامًا متزايدًا لمسائل الفعل وإعادة الإنتاج
الثقافي. ومن منظور سوسيولوجيا الفعل، لا يمكن تفسير الحركات الاجتماعية بأنها أمور شاذة، وإنما بأنها
مسامهِة في «إعادة الإنتاج الذاتية للمجتمع ». وتعربّ الحركات الاجتماعية عن الصراع من أجل السيطرة على
الأصالة التاريخية، بمعنى السيطرة على النموذج الثقافي غير المتميز من الصراع الاجتماعي الذي ينتج المجتمع
نفسه ويعيد إنتاجها من خلاله. إذًا، بات التركيز على قضايا الوساطة والهوية جزءًا لا يتجزأ من فهم كيف يُنتج
المجتمع نفسه ويغريّها أيضًا. إن التشديد على قضايا الوساطة والهوية ووضع المرأة في مركز تحليلنا سيقودنا إلى وجهات نظر جديدة في فهم
التعارض بين الإسلام السياسي والحداثة، وسيفتح ميادين جديدة للخلاف. وبذلك لن يقتصر التركيز على
المرأة الإسلامية على دراسة الروايات والممارسات النسوية، بل سيتعدّاها إلى معرفة كيف تؤثر وساطة المرأة (أو
عدم وساطتها) في الحركات الاجتماعية الإسلامية. وبالتالي، سينصبّ تركيز هذا التحليل على التأثير المتبادل بين
الهويات الجنسية والأيديولوجيات السياسية، في مستوى التداخل بين التشكيلات الأيديولوجية وعلاقات السلطة
اليومية بين الجنسين. إن الجسد، كما يصفه ميشيل فوكو، هو المكان الذي يحدث فيه جميع الصراعات على السلطة التي تشتغل
عبر تنظيم المكان وتقسيمه. ويساعدنا تحليل السلطة، لا بوصفها هيمنة راسخة (كشيء يحظى به البعض)
بل بوصفها «مجموعة من الاستراتيجيات المفتوحة»، في تحرّي دلالة حركة ارتداء الحجاب على مستوى ذاتية
الأطراف الفاعلة الاجتماعية وممارساتها الاجتماعية. وبالنتيجة، لا يُنظر إلى الهويات (الإسلامية منها
والنسوية) بوصفها مستويات جوهرية ثابتة، وإنما بوصفها هياكل أ عيد بناؤها مع الزمن وعمليات تكيّف مع
علاقات السلطة. وبالتالي، لا يمكن التوسّع في توصيف الهوية الجمعية للمرأة الإسلامية إال من خلال علاقاتها
15 Alain Touraine: Production de la société, collection sociologie; 2 (Paris: Editions du Seuil, 1973), et The Self- Production of Society, Translated by Derek Coltman (Chicago: University of Chicago Press, 1977). 16 Alain Touraine: La Voix et le regard, Sociologie permanente; 1 (Paris: Editions du Seuil, 1978), et The Voice and the Eye: An Analysis of Social Movements, Translated by Alan Duff; with a Foreword by Richard Sennett (Cambridge [Cambridgeshire]; New York: Cambridge University Press; Paris: Maison des sciences de l’homme, 1981).
يتحدث تورين عن الأصالة التاريخية بوصفها خلقًا للتجربة التاريخية لا لموقف في التطور التاريخي. وهو يعرّف الأصالة التاريخية كما
Alain Touraine,:يلي «مجموعة النماذج الثقافية التي يستخدمها المجتمع لإنتاج معاييره في مجالات المعرفة، الإنتاج والأخلاق»، انظر
Critique of Modernity, Translated by David Macey (Oxford: Blackwell, 1995), pp. 368-369. 17 Michel Foucault: Histoire de la sexualité, bibliothèque des histoires (Paris: Gallimard, 1984), vol. 2: L’Usage des plaisirs, et The History of Sexuality, Translated from the French by Robert Hurley (New York: Vintage Books, 1988- 1990), vol. 2: The use of pleasure.
بالمرأة العلمانية وبالرجل المسلم، وكذلك بالمرأة المسلمة الأخرى. فإذا أرّخنا لتجارب المرأة ووضعناها ضمن
سياقها، يغدو في الإمكان تجاوز ثبات الهويات. إن إعادة النظر في الحجاب الإسلامي من حيث الوساطة تتطلب مقاربة ومنهجية سوسيولوجية تستطيع تقديم تأريخ للأطراف الاجتماعية الفاعلة من منظار علاقتها ونزاعاتها. بالتالي، لا ينفصل اختيار المنهجية السوسيولوجية عن المقاربة السوسيولوجية العامة. وعلى الرغم من استخدام المقابلات المعمّقة والمناقشات
الجماعية في هذه الدراسة، فإن الأخيرة هي الأفضل ما دامت تؤمّن بنيانًا علائقيًا، وتقوّي الانعكاس الذاتي
للأطراف الفاعلة. وقد أجريت المناقشات الجماعية وفق مبادئ «التدخّل السوسيولوجي» التي وضعها ألان
تورين كمنهج في سوسيولوجيا الفعل. ومن شأن المناقشات في مجموعات أن تضع روايات المرأة الإسلامية ضمن بنيان علائقي، سواء بعلاقات الأفراد في ما بينهم أو بالعلاقة مع الباحث الاجتماعي، ولكن أيضًا في
العلاقة بالخصوم والناطقين باسم الحركة المدعوة إلى المجموعة. على سبيل المثال: إن لقاء المجموعة أولا مع أحد المفكرين الإسلاميين الأقوياء (ذكر) من المدافعين عن حقوق المرأة ضمن الإسلام، سيختلف عن لقائها مع ناشطة نسائية علمانية متغربنة، من حيث النقاش وتعريف المجموعة لنفسها أيضًا. ويتيح التدخّل
السوسيولوجي الفرصة لتحليل تكوين الهوية الجمعية للمرأة ضمن حدودها المتغيرة وفي حالتها الصراعية وفي تكيفها مع علاقات السلطة. ويكتشف أفراد المجموعة، الذين يلتقون بعضهم ببعض وبالباحث الاجتماعي وبالضيوف المدعوين، الاختلافات في ما بينهم، ويكتسبون حسًّا ب«الذاكرة» وب«التاريخ». ولما كان وضع
الباحث حيُْدث تباعدًا عن ضرورات الفعل والهوية الجمعيين، فإن ذلك يزيد بدوره من الانعكاس الذاتي
لدى الأطراف الفاعلة، ويدفعهم إلى تجاوز آراء معيّنة. ويعطي التدخّل السوسيولوجي أولوية في إنتاج المعنى
والمعرفة كعملية تفاعلية بين الأطراف الفاعلة والمحلل. وتستدعي كلمة «تدخّل» ضرورة التفاعل مع الأطراف
الفاعلة للحركة من أجل إنتاج معاني الروايات والوساطة والصراع. وبمعنى ما، ثمة حيّز ل«المفاجئة» في صُ لب
عملية البحث، وهو ما يفسح المجال أمام الفعل والتحليل الذاتي لدى الأطراف الفاعلة التي من شأنها أن تخلق
المعاني والصراعات غير المتوقَّعة والتي تتطلّب بدورها مفاهيم جديدة. بمعنى آخر، في حالة بحثية ما، يواجه الباحث جوانب من الموضوع المدروس غير ملائمة، تتنافر، أو ببساطة ليس لها معنى في سياق الإطار النظري
الموضوع سلفًا، ويمكن لإهمالها أن يعيق فهم الدِّيناميات الاجتماعية. لذلك، يغدو من الضروري في مرحلة
معيّنة من عملية البحث «إضعاف» الباحث – أي الإقرار بصلابة الإطار النظري في ما يتعلق بالعالم التجريبي
السهل الفهم - إذا أردنا استكشاف حيز جديد في معنى الفعل الاجتماعي والتاريخ. خلاصة القول، يمكن توصيف مسار التحليل السوسيولوجي المعروض في هذه الدراسة بوصفه انتقالا
من حدث ملحوظ على المستوى الجزئي (النزاع بشأن الوشاح) إلى بحث مركّز (لطالبات إسلاميات
18 يدافع سومرز وغيبسون بقوة عن «ضم القصّ إلى الهوية» كشرط لتعريف «الزمان والمكان والعلائقية التحليلية»، وبالتالي الالتفاف
على المقاربات «الجوهرية-الماهوية» للهوية. للاطلاع على المضامين المنهجية لمفهوم القصّ في النظرية الاجتماعية للفعل، انظر: Margaret
R. Somers and Gloria D. Gibson, “Reclaiming the Epistemological «Other»: Narrative and the Social Constitution of Identity,» in: Craig Calhoun, ed., Social Theory and the Politics of Identity (Oxford, UK; Cambridge, MA: Blackwell, 1994), pp. 37-90.
19 للاطلاع على مناقشة تفصيلية لهذه المبادئ، انظر: La Voix.Touraine, وقد شاركت المؤلفة تورين في دراسة الحركات الاجتماعية
الحديثة، لاسيما الحركة النسوية، في فرنسا، بالإضافة إلى دراسة المرأة المسلمة المحجبة. وأجرت المؤلفة بحثًا آخر وفقًا لمبادئ التدخّل
السوسيولوجي على المهندسين اليساريين في تركيا. وقد أكدت مناقشة التدخّل السوسيولوجي تفسيرها الخاص للطريقة المتعلقة بالبحث
الذي أُجري على المرأة المسلمة.
خريف 2012
محجبات) يوضح بدوره المشكلة العامة للإسلام السياسي والحداثة من وجهة نظر المرأة. ويبدأ الكتاب بتقديم الحيّز التاريخي على الرغم من أنه لا يقصد بالتحليل التاريخي تفسيرًا للحوادث المعاصرة. وعلى
نحو مغاير لذلك، يبرشّ الخلاف المعاصر بين الإسلاميين والحداثويين بقراءة جديدة للتاريخ والنموذج
التركي للتحديث، الأمر الذي سيقود بدوره إلى استكشاف مساحات للإقصاء والهيمنة، ولدراسة تعبيرات مسكوت عنها لمن يوصفون ب «المتخلفين» و«غير المتحضرين» و«غير العقلانيين» – أي «الجانب المظلم» من التحديث.
التأريخ الضعيف والحداثة الغربية
على النقيض من الحداثة الغربية التي صاغتها قوى التصنيع والإنتاج وصراع الطبقات، جاء التحديث
التركي حصيلةً لتغربنِوعلمانيةِ النخب الإصلاحية التي اعتبرت أن تحرير المرأة من الطريقة الإسلامية التقليدية في الحياة سيمهّد الطريق أمام غربنة المجتمع ككل وعلمنته. ففي جميع الدول الإسلامية
تقريبًا، ونظرًا إلى الخصوصية التاريخية لنمط التحديث، أدت قضية المرأة دورًا مفصليًا في بناء الإسلام
السياسي والعصرنة. ويتخذ مشروع التحديث اتجاهًا مغايرًا تمامًا في المجتمعات غير الغربية؛ إذ يفرض إرادة سياسية من أجل «غربنة»
المدوّنات الثقافية، وأنماط الحياة، والهويات الجنسية. ويعربّ مصطلحا «الغربنة» و«الأوربة»، اللذان استخدمهما
إصلاحيو القرنين التاسع عشر والعشرين على نطاق واسع قبل التشديد الأخير على السمات البنيوية والعالمية للتحديث، يعربّ ان بوضوح عن الرغبة في استعارة المؤسسات والأفكار والأخلاق من الغرب. ويمكن اعتبار
تاريخ التحديث التركي – بصفته تحولا حضاريًا تقريبًا – من الأمثلة الأكثر جذرية على هذا التحوّل الثقافي؛
فمن خلال محاولات الإصلاحات الكمالية لاختراق نمط الحياة والأخلاق العامة وسلوك النوع الاجتماعي والعناية بالجسم وعادات الناس اليومية واستعدادهم لتغيير مفهومهم عن أنفسهم كأتراك، تجاوزت هذه الإصلاحات حدود تحديث أجهزة الدولة والتحوّل من إمبراطورية عثمانية متعددة الأعراق إلى دولة قومية
جمهورية علمانية. ومع التجديد المعاصر للحركات الإسلامية في تركيا والبلدان الأخرى، من المهم جدًا العودة
إلى التاريخ لدراسة هذا التحول الحضاري بغية فهم الشحنة العاطفية والشخصية، أو كما يسمّيها بيير بورديو
«العادات»، التي تميز دائرة الصراع بين الإسلاميين والحداثيين في حاضرنا. وبينما تحدد التجربة والثقافة الغربيتان مصطلحات الحضارة، تتمحور محاولات التحديث في الأقطار الإسلامية حول الغربنة. وفي اللحظة التي أصبح فيها التاريخ الغربي، بدءًا بعصر النهضة مرورًا بعصر
التنوير ثم التصنيع وانتهاءً بعصر المعلومات، حقلا للابتكار والنقطة المرجعية للحداثة، خبت التجارب
20 مصطفى كمال باشا (1938-1881)، الجنرال العثماني الذي قاد حرب الاستقلال (1922-1919). وقد مُنح لقب أتاتورك (أي
أبي الأتراك) عندما أسس جمهورية تركيا عام 1923. وتشير الكمالية إلى أيديولوجيته الحداثية والعلمانية التي ما زالت تؤثر في المجتمع
التركي حتى يومنا هذا. وتدل الإصلاحات الكمالية على التحول من الإمبراطورية العثمانية المتعددة الأعراق إلى تأسيس دولة قومية
جمهورية علمانية (1923). وقد كان إلغاء الخلافة (1924)، وإلغاء الشريعة، واعتماد القانون المدني السويسري (1926)، واستبدال
الأحرف العربية بالأحرف اللاتينية (1928) من بين هذه الإصلاحات. انظر ,: The Emergence of Modern Turkey Bernard Lewis,
Oxford Paperbacks; no. 135, 2nd ed. (London; New York: Oxford University Press, 1968).
غير الغربية وفقدت قدرتها كصانعة لتاريخ العالم. وعوضًا عن ذلك، جرى تعريف هذه التجارب على أنها بقايا بلا أسماء محددة، لا تُرى إلا في علاقتها ب «الغرب» بصفتها «ليست غربية» أو بصفتها «بقية العالم»، واليوم بصفتها «إسلامية»، أي مختلفة «جوهريًا» عن الحضارة الغربية. وهذه المجتمعات غير الغربية، التي
لم يعد في إمكانها المشاركة في «مهرجان التغيير»، يتم إقصاؤها، فلا تصبح حاملة للتاريخ والمعرفة، بل تتُرك على هامش الحضارة الغربية لمصير مشوَّه. وبدوره، يقود هذا الإقصاء إلى تشكل مجتمعات ذات
«تأريخ ضعيف»، أي ذات قدرة ضعيفة على توليد الحداثة ك«إنتاج ذاتي» مجتمعي كتنمية محلية قائمة على التفاعل بين النسيج الثقافي والممارسة الاجتماعية. ويُعتبر التأريخ الضعيف النظيرَ السوسيولوجي للتعريف
الاقتصادي للتأخر في النمو بين «البلدان المركزية» و«المحيط» من حيث مستوى الإنتاج الاقتصادي، والإبداع الثقافي، والمعرفة العلمية. وهي تمثّل عواقب هذا التأخر على الأفكار المنطقية والممارسة العملية للاعبين الاجتماعيين والسياسيين. وفي المجتمعات التي لا تنبثق فيها الحداثة من الثقافة الأصلية وتطورها، يغدو صنع التاريخ جهدًا مستمرًا نحو التحديث والغربنة (أو في ما بعد رفضه) تصوغه إرادة نُخب المجتمع
السياسية والفكرية. لم تؤدِ مواجهة الشرق مع الغرب إلى تبادل مشترك بين الثقافتين بل إلى انحسار الهوية الإسلامية. ولا يشير مصطلح «الحضارة» إلى النسبوية التاريخية لكل ثقافة على أنها ثقافة «إسلامية» أو «عربية» أو «فرنسية» بل يشير إلى التفوق التاريخي للغرب كحامل للحداثة. ويشمل مفهوم «الحضارة» موضوعات عدة، بدءًا بالتكنولوجيا
والرؤية الكونية للأخلاق الحميدة وانتهاءً بتقديم خليط من ظواهر تجعل الغرب مميّزًا من غيره من مجتمعات
معاصرة، لكنها «بدائية». وبمعنى آخر، ليس مفهوم «الحضارة» حياديًا أو بلا قيمة، بل على العكس من
ذلك؛ إذ إنه يحدد تفوق الغرب ويعرّف العالمية على أنها النمط الثقافي الغربي على وجه التحديد. وبخلاف
التصور الألماني ل«الثقافة»، وهو الذي يؤكد الفوارق القومية، تتمتع «الحضارة» بمفهوم عالمي؛ فهي تقلل من الفوارق القومية، وتركز على ما هو مشترك بين الشعوب، وتعربّ، على وجه التحديد، عن الصورة الذاتية
للطبقة العليا الأوروبية التي تعتبر نفسها «حاملة راية توسيع الحضارة»، فتعمل بالتالي نظيرًا للنزعة الأخرى في
المجتمع، أي الهمجية. ويشمل مفهوم الحضارة فكرة التقدم التي تشير إلى أن شيئًا ما مستمر في الحركة نحو الأمام. وهي لا تشير إلى حالة معيّنة من التطور فحسب (تطوّر البلدان الغربية)، بل تنطوي أيضًا على مثال أعلى
يجب اللحاق به (واللاحق هنا هو العالم غير الغربي.) إن أيديولوجية الفلسفة الوضعية التي تشكّل أساس مفهوم الحضارة تصف الحضارة الغربية بأنها عالمية، وتشير إلى إمكان تطبيقها في أي مكان وزمان. وبالتالي فإن الهدف الرئيسي للتحديث، كما حدد الحداثيون الأتراك بإتقان، هو «الوصول إلى مستوى الحضارة المعاصرة» كما حددها الغرب.
21 Daryush Shayegan, Le Regard mutilé: Schizophrénie culturelle, pays traditionnels face à la modernité, sciences et symboles (Paris: A. Michel, 1988). 22 Norbert Elias, The History of Manners, Translated by Edmund Jephcott, Civilizing Process; v. 1 (New York: Pantheon Books, 1978).
23 المصدر نفسه، ص.5
24 المصدر نفسه، ص.50
خريف 2012
تمدين النساء «الكماليات»
يشير النقاش بين النُخب العثمانية بشأن طرق الغربنة وحدودها في نهاية القرن التاسع عشر إلى أهمية
علاقة التحديث غير المستقرة بالهوية الثقافية، وعلاقة هذه بالنوع الاجتماعي؛ ففيما يحاجج مؤيدو الغرب
من العثمانيين بأن تحرير المرأة من القيود الدِّينية والروابط التقليدية هو وحده الكفيل بإنجاز التمدين،
يرى المحافظون العثمانيون أنه وفقًا لذلك، فإن إتاحة هذه الحريات للمرأة ستؤدي في نهاية المطاف إلى
انهيار النسيج الأخلاقي للمجتمع. وبالتالي، فإن ارتداء الحجاب، الذي يعتبره مؤيدو الغربنة دليلا
على التخلّف لأنه يعني انفصال المرأة عن «البشر المتحضرين»، يصبح على النقيض من ذلك دليلا
على «الفضيلة» بالنسبة إلى المحافظين الذين يحمون حياة المرأة الجنسية وأخلاقها الاجتماعية. وقد
انتصر مؤيدو الغرب في هذا النقاش على المحافظين في نهاية المطاف، مع نجاح الثورة التركية الكمالية
عام.1923 إن دراسة الدِّين الإسلامي كعنصر مكوّن في تنظيم اجتماعي يقوم على الفصل بين الجنسين لهي أمر بالغ الأهمية بغية
فهم كيف ولماذا تشكّلت عملية التمدين في الثورة الكمالية، وصيغت ثقافيًا بمفردات النوع الاجتماعي. ولذلك،
يمكن للخصومة الألد بين الحضارتين الإسلامية والغربية الحديثة أن تجد جذورها في التعريفات المعيارية للعلاقات
بين الجنسين، وفي المعنى الدِّيني الثقافي للشرف والحشمة، وتنظيم المجالات الداخلية والخارجية، والفصل بين
الجنسين. وعلى النقيض من معظم الثورات القومية التي تعيد تعريف صفات «الرجل المثالي»، احتفت الثورة
الكمالية ب«المرأة المثالية». وأصبحت النساء في النموذج الكمالي الناشئ حاضنات للغربنة وحاملات لراية
العلمانية، وقدمت الممثلات شهادة على التحوّل الدراماتيكي للحضارة. إن أفضل طريقة لفهم العناصر الأساسية للتحديث التركي هي من خلال التوازن الضمني القائم بين التقدم
القومي وتحرير المرأة. وأصبح بناء المرأة كمواط نة عمومية وحقوق المرأة هما العمود الفقري للإصلاحات
الكمالية، وليس بناء المواط نة وحقوق الإنسان. ولذلك، تضمّنت تلك الإصلاحات التي ركّزت على مشاركة
25 ثمة أبحاث وافرة أُجريت مؤخرًا في سياقات مختلفة بشأن مركزية «قضية المرأة» تتراوح بين تقيصّ التحديث والاستعمار والإسلام،
والبحث في الطبيعة المرتبطة بالنوع الاجتماعي لعلاقات السلطة. انظر: Women and Gender in Islam: Historical Leila Ahmed,
Roots of a Modern Debate (New Haven: Yale University Press, 1992).
أما في السياق الإيراني، فتتمتع «قضية المرأة» بمكانة متميزة في كتابات المُنظّرين خلال الفترة الثورية الدستورية (1911-1905). انظر،
على سبيل المثال:
Farzaneh Milani, Veils and Words: The Emerging Voices of Iranian Women Writers, Contemporary Issues in the Middle East (Syracuse, NY: Syracuse University Press, 1992), and Deniz Kandiyoti, ed., Women, Islam, and the State, Women in the Political Economy (Philadelphia: Temple University Press, 1991), pp. 48-76.
26 للاطلاع على مناقشة حول النظرة الإسلامية التي تشمل القرآن وتفسيراته وصور زوجات الرسول كنماذج للمحاكاة (مصادر
السنّة)، التي تعرّف المرأة الصالحة اعتمادًا على الفصل بينها وبين الرجل وعلى حشمتها، انظر: Women in Barbara Freyer Stowasser,
the Qur’an, Traditions, and Interpretation (New York: Oxford University Press, 1994).
وللاطلاع على مناقشة تتعلق بالقانون الثقافي للشرف والحشمة من وجهة نظر أنثروبولوجية، انظر: Veiled Lila Abu-Lughod,
Sentiments: Honor and Poetry in a Bedouin Society (Berkeley: University of California Press, 1986).
27 ينطوي النموذج الكمالي على الفرضيات الأساسية الأيديولوجية والفكرية للحداثة التركية والتي يمكن إيجازها على أنها الرواية
الرئيسية للعلمانية، والجمهورية، والمساواة بين الجنسين.
28 لذلك أنا لا أتفق مع القراءة النسوية التركية السائدة للعلاقة بين الكمالية وحقوق المرأة، وتسليط الضوء على طبيعة «العطاء» وليس
«الأخذ» لحقوقها، والوكالة المحدودة أو الغائبة من جانبها، وغلبة القومية الأبوية. فهذه التشكيلات الجاهزة للخطاب النسوي الغربي لا
تنفع في نظري كتفسيرات للعلاقات الخاصة بين الكمالية والتركيات.
29 هذا يفسر لماذا يجرح انتهاك حقوق المرأة والعلمانية في تركيا شعور النخبة أكثر من انتهاك حقوق الإنسان والديمقراطية.
المرأة في الحياة العامة، وتحقيق الاختلاط الاجتماعي بين الجنسين تغييرًا جذريًا في تعاريف الفضاءين الخاص
والعام والأخلاق الإسلامية القائمة على احتشام الأنثى وتواريها عن الأنظار؛ فطبقًا للمشروع الكمالي، تؤدي مشاركة المرأة والاختلاط الاجتماعي بين الجنسين إلى إقرار وجود المرأة في الحياة العامة. إن خلع الحجاب اعتبارًا من عام 1924، وتبنّي التعليم المختلط (1924)، ومنح الحقوق السياسية كحق الترشّح للمناصب
السياسية، ومنح المرأة حق التصويت (1934)، وأخيرًا إلغاء الشريعة الإسلامية وما تلاه من اعتماد للقانون
المدني السويسري (1926)، كل ذلك يمثّل إجراءات ا ذت لضمان مواطَنة المرأة ومشاركتها في الحياة العامة للدولة القومية التركية الوليدة. وهكذا فإن الاحتفاء بالمرأة واكتسابها للمشاركة العامة، جسديًا ومن خلال دورها العام كنموذج
للمحاكاة، سمح بعلمنة الحياة الاجتماعية في تركيا، حيث أبرزت صور لنساء سافرات، ورياضيات،
وطيارات، ومهنيات، وصور لرجال ونساء يحاكون نمط الحياة الأوروبي الترجمةَ الحداثية الجديدة لنمط الحياة «المرموقة» في الدولة - الأمة التركية. وصدرت روايات عن الجمهورية التركية ركّزت على نمط الحياة الجديد «المتحضر» (على ديكوراته وبضائعه وملابسه)، واحتفت بالطقوس والسمات المثالية للإنسان الفرد الجمهوري «التقدمي والمتحضر»، حيث جرى تحديد صالونات الشاي، ومآدب الطعام، والحفلات الراقصة، والشوارع على أنها فضاءات عامة لاختلاط الجنسين. فصور الأزواج والزوجات يمشون جنبًا إلى
جنب، والرجال والنساء يتصافحون أو يرقصون في الحفلات أو يتناولون الطعام معًا، كانت تعكس النمط
الأوروبي للقاء بين الذكر والأنثى. ومن بين شخصيات الروايات في الجمهورية الجديدة، ظهرت المرأة
الجدية والمُجتهدة والمهنية والمكرسة من أجل تحقيق التقدم القومي، وكانت بمنزلة مقياس مغاير للمطالبة
«المصطنعة» والمتكلّفة بالأَوْرَبة. وعلى عكس الكوزموبوليتانية العثمانية، تميزت الشخصيات النسائية الكمالية
بالجدية والتواضع والإخلاص، كما استوعبت السمات الأناضولية التقليدية المفترضة (التي سبقت الإسلام)، ممثِّلة بذلك المشروع القومي. خلاصة القول، إن عملية التمدين اقتحمت تركيا ومناطق أخرى خارج الغرب، حاملة معها قيامً أخلاقية وجمالية جديدة لتعريف الذات، وتمثيل الجسم، والعلاقات بين الجنسين، وأنماط الحياة، والانقسامات المكانية. وفعلت فعلها في العقول والأجسام من خلال إنشاء تعليم المرأة وظهورها الجديد الجسدي والمشارك في الحياة العامة؛ وتبنّت مَبدأي المساواة والتفاعل الاجتماعي بين الجنسين، وهما فكرتان تنطويان على إشكالية
كبيرة عن عالم الإسلام وصورته الاجتماعية. وكانت مشاركة المرأة ونشاطها وصوتها، وما زالت،
تشكّل بالمعنيين الفعلي والرمزي رهان المعركة بين الحداثيين والإسلاميين في تركيا وأماكن أخرى في العالم غير الغربي.
30 Sarah Graham-Brown, Images of Women: The Portrayal of Women in Photography of the Middle East, 1860-1950 (New York: Columbia University Press, 1988).
31 للاطلاع على نقد للتغريب السطحي للروايات التركية وشخصيات الرجال فيها، انظر Serif Mardin, “Super Westernization:
in Urban Life in the Ottoman Empire in the Last Quarter of the Nineteenth Century,» in: Peter Benedict, Erol Tümertekin and Fatma Mansur, eds., Turkey: Geographic and Social Perspectives, Social, Economic and Political Studies of the Middle East; v. 9 (Leiden: Brill, 1974). 32 Milani, p. 238.
خريف 2012
«الإسلام جميل»، السعي إلى منزلة جديدة
عندما يُعتبر مفهوم الحضارة إشكاليًا يفقد حالته العديمة القيمة، ويشير عوضًا عن ذلك إلى علاقات السلطة
بين أصحاب الأخلاق المتحضرة والآخرين «الهمجيين» و«البدائيين». وفي سياق التحديث التركي، جرى
تمحيص دقيق للفارق بين الأخلاق الحضارية والأخلاق غير الحضارية، حيث تمّت الإشادة بالنمط الأجنبي
(الأوروبي) في حين اكتسب كل ما هو مرتبط بالنمط «التركي» معنى سلبيًا. ومن الغريب أن الأتراك أنفسهم
ينظرون حاليًا إلى عاداتهم وكأن عيونًا أوروبية تنظر إلى حياتهم اليومية، مستخدمين كلمة «تركي» لتمثّل نوعًا
من الذات المثالية. إن استعادة مصطلح مثل «تركي» يعني أن التغيرات في أنماط الحياة والقيم الجمالية ليست حميدة لأنها تكرّر
النقلة الحضارية من الإسلام إلى الغرب، وهي نقلة يؤسس الذوق فيها، كمؤشر اجتماعي، لتمايزات ثقافية
وتراتبية اجتماعية بين الطبقات. وبالتالي تُعرِّف الرموز الثقافية وأساليب الحياة النقاط الحرجة في الصراع
الضمني على السلطة بين النخب المتغربنة والنخب الدِّينية. وعوضًا عن استخدام مفهوم الطبقات الاجتماعية
الذي يشدد على الاستغلال الاقتصادي للبعض، من المفيد الإشارة إلى هذه الطبقات من خلال مفهوم
العادات الذي يشمل أنماط الحياة. ويمكن للمرء أن يناقش بأن النساء الكماليات من الطبقتين العليا
والوسطى، واللواتي حصلن على تعليم وحياة مهنية ويعتنين بأجسادهن وأساليب حياتهن بطريقة علمانية،
يشكلن مجموعة ذات مركز اجتماعي متميز. وبذلك، فإن اكتساب منزلة اجتماعية ووضع اجتماعي، وهو
أمر يقوم على إقصاء العالم الإسلامي، يشك ل المحور الرئيسي للخلاف بين العلمانيين والإسلاميين. ويمكن
اعتبار التجربة التركية فريدة في نوعها بين نظيراتها في الدول الإسلامية، لجهة هذا «القَطْع المعرفي»، أي
فجوتها العميقة بين التعريفات الذاتية التقليدية والأفكار الغربية. وعلى الرغم من أن غالبية الأتراك تكوّن
بسهولة أشكالا هجينة تتكامل فيها ممارساتهم اليومية للدِّين وتحفّظهم التقليدي مع تطلعاتهم إلى الحداثة، فإن
النُخب الحداثية، بمرجعيتها القيمية الضمنية التي تشير إلى معارضات ثنائية، تضع نفسها بحق على الجانب
«المتحضر» «والمتحرر» «والحديث». وبناءً على ذلك، فإن النساء الكماليات اللواتي تحررن من القيود الدِّينية
أو الثقافية للفضاء الخصوصي، وشاركن مشاركة كاملة في الحياة العامة، يواجهن خيارًا جوهريًا: أن يصبحن
من الناحية الثقافية إمّا غربيات وإمّا مسلمات. وهذا الخيار، مع ما ينطوي عليه من قطبية، هو الذي يول د
تنافرًا معرفيًا حيال نظم القيم المنفصلة للنُخب وبقية السكان، وبالتالي يثير مسألة الشرعيات المتنافسة.
ويجري صوغ الخطاب اللاحق للنُخب في مركز السلطة الكمالي، يعزّزه دعم الدولة في وجه جميع أشكال
المعارضة الأخرى.
33 تجدر الإشارة إلى أن مصطلح «تركي» لا يزال يُستخدم في اللغة اليومية للنُخب التركية، وهو ذو دلالة سلبية على الرغم من أنه في
السنوات الأخيرة كان هناك تقدير، أي نوع من الشعور الرومنسي بالحنين إلى الذوق والطبخ والأثاث العثماني والتركي في سنينه الأولى.
34 المصدر نفسه.
35 للتعمّق في مفهوم العادات واستخداماته بالنسبة إلى أسلوب الحياة، انظر pp. 189-248: La Distinction,.Bourdieu:
36 بالنسبة إلى التصنيف التاريخي والتجربة السياسية، يُعتبر إرث الحزب الديمقراطي الذي يميّز التحوّل نحو التعددية السياسية في
تركيا عام 1946 ذا أهمية قصوى؛ فهذا الحزب الذي اعتبرته نُخب الدولة متحررًا للغاية في القضايا الدِّينية والاقتصادية عربّ عن تلك
الشرائح من المجتمع التي لم تكن جزءًا من الدولة الكمالية البيروقراطية، مؤسسًا بذلك وساطة سياسية بين الدولة والمجتمع. ويمكننا
حتى أن نقول إنه عوضًا عن علمانية تركيا التي قُلدت إلى حد ما في معظم الأقطار الإسلامية، فإن إرث الحزب الديمقراطي هو الذي يحدّد
«الخصوصية التركية». ولقد تجاهلتُ الحديث عن إرث الحزب الديمقراطي هنا لأنني أرى أنه قدّم تمثيلا سياسيًا للهوية المسلمة عوضًا
عن خلق إرث فكري جديد.
وتكشف الأيديولوجيا الإسلامية المعاصرة هذا الصراع على السلطة في شكل متفاقم عبر التصدّي للمعادلة
التي وضعتها النُخب الحداثية بين «المتحضر» و«الم غَرْبَن». وهي تشجع عودة الأطراف المسلمة الفاعلة إلى
المشهد التاريخي بأخلاقهم الدِّينية. وتنقل الدولة الإسلامية شعورًا متميزًا بالذات (النفس) والمجتمع (الأمة)،
تغدو فيه القضية المركزية هي السيطرة على الجنس عبر تحجّب المرأة والفصل بين الجنسين في الحياة العامة.
وبالتالي يظهر الحجاب كأوضح رمز لهذه الأسلمة للنفس والأمة. لكن إضافة إلى ذلك، ثمة أشكال اجتماعية
أخرى، كاللحية والمحرمات التي تتعلق بالعفة وممارسة الجنس والشذوذ الجنسي وشرب الكحول، تحدّد إدراكًا
جديدًا للنفس الإسلامية وأسلوب الحياة الإسلامية.
وهكذا، من خلال التطرّف السياسي للإسلام، تجعل الهوية المسلمة نفسها واضحة، وتسعى إلى الحصول على
الشرعية في تعبير سياسي حديث. ويشدّد الإسلام على الهوية المسلمة، ويعيد بناءها في العالم الحديث. وتصبح
العقيدة الإسلامية ونمط الحياة الإسلامية نقطة مرجعية لإعادة أدلجة قضايا اجتماعية تبدو بسيطة، كحجاب طالبات الجامعة، وتخصيص أماكن للصلاة في المباني العامة، وإنشاء مسجد وسط إسطنبول، وفصل بين الجنسين في وسائط النقل العامة، والرقابة على الفن الإباحي، والنهي عن شرب الكحول في المطاعم. ويُظهر النشاط حيال
هذه المسائل الطرحَ الإسلامي لإشكالية البنية العالمية للحضارة الغربية، وانتقاد «النمط العلماني في الحياة.»
ويشير طرح إشكالية المسائل الاجتماعية إلى أن الحركات الإسلامية تتمتع بالحساسية الدقيقة نفسها التي تتمتع بها الحركات الاجتماعية الغربية المعاصرة إزاء حداثة عصر التنوير. وبذلك، فإن الحركات الإسلامية تشبه حركات الحقوق المدنية والحركات النسوية والبيئية والعرقية لأنها جميعًا تعرض قوة الهويات والقضايا
المكبوتة (العرق والنوع الاجتماعي والطبع، والإثنية والدِّين، على التوالي) عندما تتحداها حداثة صناعية،
وجميعها تعيد إيقاظ السياسة الكامنة للذاكرة والهوية. إن سياسة الهوية، والذاتية، والنزعة المحلية في مقابل توحد الكونية المجردة هي قواسم مشتركة لحالة ما بعد الحداثة. وفي هذا الصدد، يشبه الإسلام الحركة النسوية؛ ففيما تشكك الثانية في المطالب الكونية والتحريرية لفئة «الإنسان»، وتشدّد عوضًا عن ذلك على تميّز المرأة، يعتبر
الأول أن عالمية فكرة الحضارة مشكلة، ويشدد على التميز الإسلامي. وبينما تعزّز النساء هويتهن بتسمية أنفسهن
ناشطات نسويات، يشدّد المسلمون على هويتهم بتسمية أنفسهم إسلاميين. ويشدّد نشطاء الحقوق المدنية أيضًا
على أهمية التميز باستخدام شعار «الأسود جميل»، رافضين بذلك معادلة الانعتاق مع «الأبيض» و«الغربي.» ولذلك يصبح التميّز مصدر تمكين للحركات الاجتماعية المعاصرة وفحوى سياسات الهوية. وفي هذا السياق،
من رفض لعالمية حداثة عصر التنوير وتأكيد التميز، اكتسب شعار «الإسلام جميل» مصداقية بين المسلمين. ولذلك، فإن الحركات الإسلامية تجعل عالم الصراعات مرئيًا، وهو عالم تحدّد شروط ه أفكارٌ منطقية وقيم معيارية
مختلفة عن النفس والعلاقات بين الجنسين وأنماط الحياة. وهو يقع على مفترق طرق بين الدِّين والسياسة. ولا
يكتسب التعريف الذاتي للموضوع الإسلامي معنى إالّ من خلال المصطلح الدِّيني، في حين أن السياسات
الراديكالية تجيز هذا المعنى وتنقله إلى المجتمع ككل. ويمكن الوصول إلى هذا الفضاء باستخدام إطار التحليل الذي وضعه ألان تورين بشأن الصراع من أجل السيطرة على التأريخ، أي من أجل نموذج ثقافي مرتبط مباشرة بصراع الطبقات. وفي هذه الصيغة، لا تعربّ الحركات الإسلامية عن رد فعل إزاء حالة معيّنة من السيطرة
فحسب، بل تقدم أيضًا نموذجًا ثقافيًا مضادًا للتحديث، وتعريفًا نموذجيًا جديدًا للذات.
37 Calhoun, ed., Social Theory. 38 Touraine: La Voix et le regard, et The Voice and the Eye.
خريف 2012
الأصالة والاستغراب
ولّد السعي إلى التمايز عن الذات الغربية والبحث عن طريقة حياة إسلامية «أصيلة» يقظةً نقدية لدى كلٍّ من الإسلام التقليدي والأشكال المعاصرة للحداثة الغربية التي تفرضها عولمة الثقافة وأساليب الحياة. يحمل الإسلام السياسي مقاومة ضمنية للحداثة الغربية ومبادئها وقوى التغيير الأربع الأساسية فيها: العلمانية والمساواة والفردية وحرية العقيدة. إن أهم تجارب الحداثة الغربية (وأبعدها عن بيئة المسلم) تجربة توسيع العلمنة لتطاول مجالات جديدة من الحياة، وتوسيع مبدأ المساواة ليشمل علاقات اجتماعية جديدة. يضفي مبدأ المساواة شرعية على المساعي الاجتماعية المستمرة، التي تهدف إلى التغلب على جميع الخلافات
الاجتماعية المسلّم تقليديًا بأنها طبيعية ولا يمكن تجاوزها. وبوصفها كذلك، تحدّد المساواة بين المواطنين،
والأعراق، والأمم، والعمال، وأخيرًا بين الجنسين، المسار التاريخي والتقدمي للمجتمعات الغربية. وبالمثل،
مع إعادة بناء مزيد من نواحي الحياة اجتماعيًا وتاريخيًا وتحريرها من التعريفات الطبيعية الغيبية، تتعمق عملية
العلمنة. هذا التآزر بين العلمانية والمساواة هو المنتج النهائي للفرد الغربي الحديث، مجسدًا انعكاسه الذاتي بوصفه
كائنًا من روح وجسد. ثمة نقطة خلاف أخرى بين المستغربين والإسلاميين هي طريقة فهم الجسم البشري؛ فسيميائية عناية الشخص العلماني والشخص المتدين بالجسم تشير إلى مفاهيم غير متماثلة بشأن النفس والجسد. وبالنسبة إلى الشخص الحديث، يحرر الجسم نفسه تدريجيًا من قبضة التعريفات الطبيعية والغيبية، ويدخل في دوامة العلمنة؛ إنه
يخترق ذلك العالم الذي تمارس فيه العقلانية البشرية إرادتها لترويض الجسم والسيطرة عليه من خلال العلم والمعرفة. الهندسة الوراثية والاستنساخ البيولوجي مثالان لأعمال التدخّل ذات المستوى العلمي الرفيع. كما
أن فوبيا الكولسترول، ومحظورات التدخين، وهواجس اللياقة البدنية تُظهر كيف أصبحت كلمة «صحي» مفردة سحرية في تحديد أنماط الحياة الجديدة المستوحاة من الرغبة العلمية (وليس الشهوانية) في رعاية الجسم. وظهرت مفاهيم «نحت الجسم»، واللياقة البدنية، والرشاقة، والنحافة، وصقل الطاقة وكأنها مثُل عليا لشخص
حديث يشهد هدم الفروق بين الجنسين (قابلية تبادل الأدوار والمظهر الخارجي) والأجيال (يمكن للجميع أن يبقوا شبابًا مدى الحياة)، وبلغت ذروتها في استبدال نمط حياة كامل بنمط آخر. وبالعكس، يعزّز الخطاب
والممارسة الإسلاميان وينشئان فعليًا هرمية للاختلافات بين الجنسين (مثلاًالحجاب للمرأة واللحية للرجل)
وبين الأجيال (تمُر المرأة مثلا بمراحل: عذراء، ثيّب، ثم أمّ). ويُعتبر إثامً كل خلطٍ بين وظائف الذكر والأنثى،
لاسيما ذكورية المرأة. وبهذا المعنى، يُعتبر الحجاب سمة من سمات الأنوثة والاحتشام الأنثوي والعفة. يحمل
مفهوم الجسم مجموعة مختلفة من المعاني يتحول الجسم فيها وهو يحقق التفاني في المقدسات الدِّينية ويتطهر من
خلال أداء الشعائر الدِّينية، كالوضوء والصلاة والصيام. وبالإضافة إلى الجسد المادي، تتروّض النفس الإسلامية
وتتهذب عبر الخضوع للإرادة الإلهية. ولكن، مرة أخرى، ليست هذه المقارنة مجرد مسألة اختلاف بين المفاهيم العلمانية والدِّينية عن النفس تصلح لجميع الأديان تقريبًا، بل هي في هذا السياق قضية تحرضّ. ويساعد أصل
39 ارتأيت استخدام «الاستغراب» رغم ندرته بدلا من «الغربنة» الأكثر شيوعًا، لأنه أقرب إلى عكسه «الاستشراق». (المترجم)
40 Alexis de Tocqueville, De la démocratie en Amérique, G.F.; 353-354, 2 vols. (Paris: Garnier-Flammarion, 1981), vol. 1, pp. 32-35. 41 Anthony Giddens, Modernity and Self-Identity: Self and Society in the Late Modern Age (Stanford, Calif.: Stanford University Press, 1991), pp. 80-81.
مفاهيم النفس والجسد في الغرب وفي الإسلام أيضًا في تفسير مقاومة الإسلاميين المعاصرين شبه القسرية
للعلمانية والمساواة. فالنفس والمجتمع الإسلاميان يعاد بناؤهما بخلاف فرضية الشخص الحديث؛ حيث تبحث
الهوية الإسلامية عن «أصالتها» وعن تمايزها عن الهوية الغربية في تحديد جذورها التأسيسية الجوهرية. دافع مميز آخر للمجتمعات الحديثة هو دافع «الاعتراف»؛ دافع «قول الحقيقة حول الحياة الجنسية»، كما يعرب
ميشيل فوكو. فوفقًا لفوكو، لا يمكن فهم ظهور الحداثة إلا في سياق هذا الدافع، الذي ينبع من ممارسات
دينية في وقت سابق، وينطوي على رغبة في الاعتراف بأكثر التجارب والرغبات والأمراض والارتباكات
خصوصية، والشعور بالذنب علنًا في وجود سلطة قد تحاكم أو تعاقب أو تغفر أو تواسي المعترف، وهذا
يفسر سبب تحوّل كلّ ما هو متجذر في الحياة الخاصة، ولطالما اعتبُر كشفه من أكثر الأشياء صعوبة، إلى أشياء
عامة وسياسية ومصدر للمعرفة بمجرد الاعتراف به. وبمعنى ما، يساهم شعار الحركة النسوية «الشخصي هو
سياسي» في حركة الخروج هذه من الحياة العامة والشفافية فيها لأنه يركز على العملية التي يتم من خلالها تحويل
العلاقات الخصوصية للهيمنة إلى علاقات سلطة؛ فحقوق الإجهاض، والتحرش الجنسي، واغتصاب المعارف
(date rape) * تشهد، من خلال حداثة تصنيفها، حركة الانتقال هذه من الخاص إلى العام. وقد أصبحت
البرامج التلفزيونية والمحاكمات الشعبية، على سبيل المثال، محورًا للنقاش في المجتمع الأميركي، لتسهيل هذا
الدافع إلى الاعتراف، إلى التطفل على العلاقات الشخصية بغية الكشف عن حقيقة علاقات السلطة الكامنة في
الحياة الخاصة. ومع أن المجتمع الغربي الحديث يكشف حقيقة البوح بأسرار الحياة الخاصة، فإنه أيضًا يحول الحقيقة إلى قضية
وجدان شخصي. وخلافًا لاستبطان الحقيقة في الغرب الحديث، يعطي الإسلام الامتياز للمجتمع (السمعة)
بتوجيه الفرد في الحياة وتسليم الأمر إلى الله. يرمز الحجاب إلى أولوية المجتمع، ويكشف عن حرمة الحياة
الخاصة وتقييد النفس والحياة الجنسية ضمن حدود خاصة، وبالتالي حماية الحياة الخاصة من الانكشاف أمام
أعين العامة. الذات الإسلامية إذًا تكشف نفسها وتبحث عن الأصالة عبر رفض الاندماج في الحداثة الغربية، وعبر إعادة
اكتشاف الدِّين والذاكرة، اللذين غالبًا ما تقمعهما الشمولية والعقلانية العلمانية في الغرب. إن استعادة أصول
الإسلام كطريقة حياة توفر للنفس مرساة جديدة، وبالتالي تعيد خلق «المجتمع السياسي المتخيل»، حيث تعزز
الروابط الاجتماعية بين أولئك الأفراد الذين لا يعرفون بعضهم بعضًا ولكن يتوقون إلى الارتباط في ما بينهم
ارتباطًا أفقيًا عميقًا. يعمل الإسلام السياسي كمجتمع متخيّل؛ مجتمع يُصاغ ويتعزّز من خلال عالم المقدسات
42 عبارة «النفس الإسلامية» ليست مناسبة، في المعنى الذي تشير فيه النفس إلى العلمانية والانفصال عن المجتمع. لكن هذا الغموض
مفيد تمامًا في فهم كيفية إعادة بناء المجتمع وإعادة تفسيره من خلال الإسلام والنفس المسلمة. وبالتالي يولد تسييس الدِّين بشكل متناقض
انعكاسًا ذاتيًا على النفس الإسلامية.
43 Foucault, The History of Sexuality, vol. 1, p. 61.
44 C. A. O. Van Nieuwenhuijze, The Lifestyles of Islam: Recourse to Classicism Need of Realism, Social, Economic, and Political Studies of the Middle East; v. 37 (Leiden: E. J. Brill, [1955]), p. 144.
45 يقول ميلاني إن غياب السيرة الذاتية في الأدب الفارسي نوع من التعبير الأدبي يدل على «عدم الرغبة في التحدث علنًا وبحرية عن
الذات،» حالة لا تقتصر على المرأة، التي تم «عزلها»، ولكن أيضًا على الرجل الذي يتوقع أن يكون «متميزًا بضبط النفس»، انظر Milani,:
.pp. 201-202 Benedict Anderson, Imagined Communities: Reflections on the: هنا أوظف تحليل أندرسون للقومية في سياق الإسلام. انظر 46 Origin and Spread of Nationalism (Thetford: Thetford Press, 1983).
خريف 2012
وفي رحابه. وتتبع الطريقة الإسلامية في الحياة، كبناء انتقائي للدِّين في مواجهة الحداثة، حدود هذا المجتمع
المتخيّل، وتقاوم تسطيح أنماط الحياة المختارة بسبب تأثير منطق السلع والمتعة الفردية التي تميّز العصر الحديث.
شخصية المرأة أو المشاعية الإسلامية
إن السعي وراء الاختلاف والأصالة، رغم ضرورته في الصيغة الأولية للهوية، له قيوده الخاصة؛ فعلى سبيل
المثال، إن من يبتّ قضايا مثل: ما هو الإسلامي حقًا؟ ومن هو المسلم الحقيقي؟ يمكن أن يقود إلى تعريفات
جوهرية ومعايير إقصائية، وبالتالي يتحوّل المجتمع المتخيل إلى «طائفية قمعية». كما أن «عودة المكبوت» قد تصبح
قمعية بدورها. يمكن إطلاق هذا التوجه الشمولي بسهولة من خلال البحث عن الهوية الإسلامية «الكلية»، هوية متحررة من آثار «فساد وهيمنة» الحداثة الغربية. وكلما تعززت العلاقة بين النفس «النقية» والمجتمع «الكلي» أصبحت السياسة الإسلامية أسلوب حياة مفروضًا، وأصبح الحجاب رمزًا إلزاميًا، وأصبحت المرأة
وصيًا أخلاقيًا على الهوية الإسلامية والمجتمع. وهذا من شأنه أن يعني السيطرة على الحياة العامة من خلال إلغاء
الخيارات الفردية في تحديد أنماط الحياة، واحتكار الرموز الثقافية، وإقامة نموذج إسلامي لاستعمار النفس. بعبارة أخرى، ينبثق البُعد الشمولي من مثال طوباوي لهوية واحدة للمجموع. إن التوفيق بين هوية ثابتة ومجتمع
طوباوي يستلزم نسقًا اجتماعيًا متناغامً غير متمايز تاريخيًا يتجنب جميع النزاعات الهدّامة. والمرأة هي المقياس لهذا
النظام الإسلامي الذي تصبح فيه، في جسدها ونشاطها الجنسي، خط ا فاصلا بين الهوية والمجتمع. وهذا يعني أن سلامة المجتمع الإسلامي تقاس وتُضمن من خلال التنظيم والتقييد السياسي لحشمة المرأة وهويتها (كإلزامية الحجاب، وتقييد الخروج من المنزل، ومنع الاختلاط بين الجنسين). وبالتالي تشكل الهويات والأدوار التقليدية للجنسين أساس النزعة السلطوية في الإسلام. يؤدي الإفراط في تسييس اليوتوبيا الإسلامية – الحنين إلى التطبيق الشامل لأركان الإسلام الثلاثة: ثلاثية الدِّين
والدنيا والدولة - إلى شمولية مفاهيم الهوية والدِّين والدولة. هذا البُعد الطوباوي هو من الصفات التي تميّز
الحركات الإسلامية من غيرها من «الحركات الاجتماعية الجديدة». إن التقييد الذاتي للإسلام كمشروع سياسي
واستقلال الإسلام داخل المجتمع المدني هو وحده الكفيل بفتح الإسلام كفضاء أمام التنوع والتعددية. إال أن الأسئلة المتعلقة بالجنس أو النوع الاجتماعي لا تزال هي المقياس الذي تقاس به التعددية الإسلامية. وبالتالي، فإن الاتجاه الذي تتطور به الحركات الإسلامية يتوقف إلى حد كبير على صوغ هوية المرأة وسلطتها والاعتراف بها. وللمفارقة، فإن السياسة الإسلامية يمكن أن ترسم حدود شخصية المرأة وحركتها في وقت يعمل فيه تسييس المرأة في السياسة الإسلامية على تمكين المرأة المسلمة. إن تمكين المرأة يتم من خلال إسلام
يعطيها هوية سياسية «مناضلة» و«دعاوية»، ويوفر لها تعليامً دنيويًا يمنحها الشرعية «المهنية» و«الفكرية». إن
الظهور العلني الجديد للمرأة المسلمة الجريئة والمناضلة والمثقفة، يقود إلى تحوّل في معاني الحجاب الذي طالما
أكّد دور المرأة المسلمة التقليدي والخانع والمحصور في المنزل. فالحجاب الجديد يمثل إقرارًا عامًا وجماعيًا للنساء
اللواتي يبحثن عن الاعتراف بهويتهن المسلمة من خلال التعبير عنها، أي من خلال الإسلام السياسي. ويمك ن
47 أشار دوركهايم قبل زمن بعيد إلى أن كلا العالمين -الدِّيني والدنيوي- لا غنى عنه من أجل بناء العلاقات الاجتماعية وإعادة إنتاجها.
48 Nazih N. Ayubi, Political Islam: Religion and Politics in the Arab World (London; New York: Routledge, 1991), p.63.
الإسلام السياسي، بوصفه «سياسة الاعتراف»، المرأة المسلمة، ويوفّر لها الأدوات الفكرية والسياسية للدفاع
عن تميّزها الذي طالما تعرّض للقمع عبر التشكيك بالمعادلة بين المتحرضّ والمتفرنج. كما يمك ن المرأة من خلال
إعطائها هوية جماعية. وعلاوة على ذلك، توفّر السياسة الإسلامية عالما من الفرص أمام المرأة ل«تحقيق ذاتهاً»،
وتصبح حاملا لمشاركتها في الحياة العامة والمهنية. واليوم لدينا نسوة يعملن صحافيات وصاحبات زوايا ثابتة في الصحف، ويحضرن الاجتماعات السياسية، ويناضلن في الأحزاب الإسلامية، ويكتبن أكثر الروايات مبيعًا،
وينتجن الأفلام – وكل ذلك بوحي من اللغة الجديدة للإسلام السياسي. وها هي بالتالي نخبة من النساء المسلمات تنشأ من رحم هذا الإسلام. لقد كان لمشاركة المرأة في الإسلام السياسي نتائج منطقية غير مقصودة؛ عملية كامنة مستمرة تتميز فيها المرأة كفرد. وبمجرد تمكين المرأة من خلال مشاركتها العامة والمهنية، فإنها تواصل انتهاج وابتكار استراتيجيات حياتها
الشخصية. وهي في الوقت نفسه تواجه الأيديولوجيا الإسلامية وتنتقدها، ولا تنسى إطلاقًا أولوية هويتها كأم
وزوجة. إن التخلص من دائرة الم حرَم (الحميمية المنزلية) يجبر المرأة على التشكيك في الهويات الجنسية التقليدية
وفي تعريف الرجل للسلوك «المشروع» و«غير المشروع»، وبالتالي الكشف عن علاقات السلطة بين الرجل المسلم والمرأة المسلمة. وبانتقادها «الحماية الزائفة» للرجل المسلم، تطالب المرأة المحجبة بحقها في «اكتساب شخصية»، أي «حياة خاصة»، وبالتالي تخلق فوضى في المفاهيم الإسلامية عن هوية المرأة. لهذا السبب، فإن عنوان «الحداثة المحظورة» يحمل معنى مزدوجًا. أولا، تشير كلمة «محظور» إلى البناء الجنسي
للحياة الخاصة (الم حرَم)؛ فالسيكولوجيا الأخلاقية للحياة المنزلية تقوم على ضبط النشاط الجنسي للمرأة، وهو
ما تكفله حشمة المرأة الجسدية والسلوكية (مجسّدة في الحجاب) وتقييد اختلاطها (الفصل الاجتماعي بين
الجنسين). الحجاب يعني الاحتشام: المرأة المحظورة. ومع ذلك، اكتسبت المرأة، من خلال الإسلام السياسي
والحداثة، أشكالا من المشاركة العامة، وشاركت الرجل الفضاءات المدنية والسياسية والتعليمية نفسها. ومرة
أخرى تحت الحجاب، ها هو ينشأ تعريف جديد للمرأة المسلمة، يشك ل بدوره تهديدًا للسيكولوجيا الأخلاقية في تحديد الهوية الجنسية. ثانيًا، يشير مصطلح «الحداثة المحظورة» إلى ذلك الصدام الذي يجري بين المرأة والحداثة
على أرض الواقع لكنه «محرّم» من حيث المبدأ في الإسلام. إنها تلك المفارقات، والغموض، والتوترات المتكشفة
- بين تسييس الإسلام وشخصية المرأة، وبين الطوباوية الإسلامية والاستراتيجيات الشخصية للمرأة، وبين السعي للأصالة والحداثة المحلية - التي تكمن في صلب حركة الحجاب في تركيا.
49 Charles Taylor [et al.], Multiculturalism: Examining the Politics of Recognition, Edited and Introduced by Amy Gutmann (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1994).