العودة إلى تفاصيل المؤلَّف السعي إلى أمن الطاقة وإعادة تشكيل العالم الحديث

السعي إلى أمن الطاقة وإعادة تشكيل العالم الحديث

The Quest: Energy, Security, and the Remaking of the Modern World by Daniel Yergin

زهير الحامدي*

الملخّص

السعي إلى أمن الطاقة وإعادة تشكيل العالم الحديث الكاتب : دانيال هاورد يرغن مكان النشر : لندن الناشر : The Penguin Press تاريخ النشر: 2011 عدد الصفحات: 711

Abstract

Book Title: The Quest: Energy, Security, and the Remaking of the Modern World Author: Daniel Howard Yergin Place of publication: London Publisher: Penguin Date of publication: 2011 Number of pages: 711

الكلمات المفتاحية:
  • أمن الطاقة
  • خطوط الإمداد
  • العالم الحديث
Keywords:
  • Energy Security
  • Supply Lines

الكاتب: دانيال هاورد يرغن مكان النشر: لندن الناشر: The Penguin Press تاريخ النشر: 2011 عدد الصفحات: 711

موضوع الكتاب، كما يوحي عنوانه، هو سعي الإنسانية إلى إيجاد حلول للتحديات التي تمثّلها الطاقة. ومؤلفه، دانيال هاورد يرغن، كاتب وباحث أميركي متخصص بالقضايا الدولية الطاقة، ورئيس مؤسسة أبحاث الطاقة التي قام بتأسيسها في جامعة كمبريدج، ومحاضر في جامعة هارفرد. كما أنه معروف بكتابه الشهير الجائزة (The Prize: The Epic Quest for Oil, Money, and Power) الذي صدر عام 1990 وحاز يرغن بفضله جائزة بولتزر (Pulitzer) عام.1992 يبدأ كتاب السعي إلى أمن الطاقة وإعادة تشكيل العالم الحديث حيث انتهى كتاب الجائزة، أي بعد حرب الخليج الأولى، ومع انهيار الاتحاد السوفياتي السابق وبروز روسيا الاتحادية على الساحة الدولية. وهو مكوَّن من ستة أجزاء، و 16 صفحة من المصادر التي يستطيع أي باحث في مجال الطاقة أن يرجع إليها، بالإضافة إلى 34 صفحة من الهوامش الموجودة في آخر الكتاب.

أطروحة الكتاب الرئيسة هي أن الإنتاج العالمي الحالي من البضائع والخدمات يقدَّر ب 65 تريليون دولار أميركي سنويًا، والمتوقَّع أن يصل هذا الرقم إلى الضعف، أي إلى 130 تريليون دولار في عقدين فقط، أي إن الطلب على الطاقة سوف يصل إلى مستويات لن تستطيع مصادر الطاقة التقليدية، النفط والغاز والفحم، تلبيتها وإنْ بقيت هي المصدر الرئيس للطاقة في المستقبل، بفضل تطور تكنولوجيا استخراج النفط واستغلال مصادر النفط غير التقليدي، علاوة على تحسين كفاءة منظومة الطاقة الحالية. ولكن سيزداد في الوقت نفسه الاعتماد على مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة، وخاصة الطاقة النووية، من أجل توليد الكهرباء التي يعتبرها الكاتب طاقة العصر. إلى جانب البُعد التقني، فإن الكتاب عبارة عن رواية للصراع التاريخي من أجل الوصول إلى مصادر الطاقة والتحكّم فيها، ونتائج هذا الصراع الاقتصادية والجيوسياسية التي تسيطر على مصير العالم. فالطاقة، كما جاء في الكتاب، هي المحرك الرئيس للسياسة والاقتصاد العالميين في الحضارة المعاصرة. وقد نجح المؤلف في إدخالنا إلى تفاصيل صناعة الطاقة بدءًا باستكشافها، ومرورًا بإنتاجها، ووصولا إلى بلوغها الأسواق العالمية، مع عرض وتحليل للعوامل والقوى التي تتحكّم في سوق الطاقة العالمية من خلال خبرته الشخصية بحيثيات عالم الطاقة. لذا، فإن الكتاب عبارة عن موسوعة لصناعة الطاقة يستطيع القارئ أن يرجع إليها، أكان متخصصًا أم غير متخصص. يقودنا الكاتب إلى تفاصيل دينامية الولادة الجديدة لمصادر الطاقة المتجددة، ويستكشف، عبر قصص مميزة، تاريخ طاقة الرياح والطاقة الشمسية والوقود الحيوي، ويرى أن دورها سوف يبقى ثانويًا في منظومة الطاقة المستقبلية. كما يقدم وجهة نظره الخاصة بشأن السيارة الكهربائية ومستقبلها، إذ يراهن على أنها ستكون واسعة الانتشار وذات دور مميز في الاقتصاد العالمي. لكن المؤلف لا يبدي اهتماممًا كبيرًا بمصادر الطاقة المتجددة، ولا يطرح عند الحديث عن الوقود الحيوي قضية الغذاء الجوهرية، ومنافسة الوقود الحيوي للغذاء الإنساني، ولا يذكر تمامًا أن تكنولوجية الوقود الحيوي المتاحة حاليًا تشكّل خطرًا حقيقيًا على قدرة الزراعة العالمية على توفير كميات الغذاء الضرورية لمواكبة الطلب العالمي المتزايد مع النمو السكاني. بعد تقديم المشهد العالمي الحالي للطاقة في الجزء الأول، تتطرق الأجزاء الخمسة اللاحقة إلى قضايا أمن الطاقة، ومستقبل إنتاج النفط، ونمو الطاقة الكهربائية وتطورها، والتغريّ المناخي وعلاقته بالطاقة، وظهور الطاقات البديلة والمتجددة، وأخيرًا النقل في قطاع السيارات. المعلومات المقدَّمة في هذه الأجزاء غنية ودقيقة جدًا، وتدل، بكل وضوح، على الخبرة الواسعة والمعرفة الموسوعية اللتين يتمتع بهما يرغن في مجال الطاقة. ولكن الرؤية الشاملة هنا ناقصة، خلافًا للحال في كتابه السابق، الجائزة، الذي نجح في سرد تاريخ الطاقة بأسلوب مشوِّق ورؤية شاملة ومتصلة من البداية حتى النهاية. ومع ذلك، يقدّم الكتاب مجموعة غير عادية من الشخصيات والقصص المثيرة التي توضح المبادئ التي سوف تشكّل أمن الطاقة العالمي لعقود مقبلة، حيث إن من الضروري أن نفهم، وبعمق، هذه المبادئ التي سوف تعيد تشكيل عالمنا.

فيالجزء الأول، «النظام العالمي الجديد للنفط »، ينطلق المؤلف من واقعة انهيار الاتحاد السوفياتي في كانون الأول/ ديسمبر 1991، نظرًا إلى أهمية روسيا على الساحة العالمية، علاوةً على مخزونها الهائل من النفط والغاز، وموقعها المتميز على خريطة الطاقة العالمية. فروسيا قوة عظمى، لديها القدرة على التأثير في الساحة الدولية وأسواق الطاقة، بيد أنها تعاني في الوقت نفسه ما للريع النفطي من تأثير سلبي في السياسة والاقتصاد. ويحاول المؤلف في هذا الجزء تلخيص تاريخ السعي إلى الطاقة، وذلك من خلال رواية تاريخية من 200 صفحة، قبل أن يتحول إلى عدد من المقالات المتخصصة التي لا تبدو دائامً متصلة بعضها ببعض. كما أنه يتطرق إلى الغزو الأميركي للعراق، وبروز الصين كمستهلك

كبير للطاقة بحيث إنها في طريقها إلى تجاوز الولايات المتحدة الأميركية في هذا المضمار، نظرًا إلى تسارع نمو اقتصادها. إن هذا الجزء من الكتاب شائق، ويحتوي على معلومات قيّمة عن صناعة الطاقة وعن مستقبل الولايات المتحدة كقوة عظمى في عالم متغريّ تؤدي فيه الصين وقوى ناشئة أخرى دورًا متصاعدًا. يرتدي الجزء الثاني، الذي يحمل عنوان «تأمين العرض»، أهمية كبيرة لأنه يساعد على فهم دور الولايات المتحدة على الساحة الجغرافية - الاستراتيجية والعسكرية، ويشرح بالتفصيل أسباب إنفاقها العسكري الهائل، الذي يصل إلى 800 مليار دولار سنويًا، وأسباب تحمّلها مسؤولية تأمين طرق الملاحة العالمية. فالتجارة العالمية تمثّل 25 في المئة من الناتج المحلي الأميركي، وسيكون لأي انقطاع في إمدادات النفط أو خلل في طرق الملاحة نتائج وخيمة على اقتصادها وعلى اقتصاد حلفائها. والمؤلف لا يتوقف عند التحليل، بل هذا الجزء يتميز بدقة المعلومات عن سير عملية تجارة النفط، وعن مدى أهمية دور النفط في الاقتصاد العالمي. وفي الجزء الثالث، «عصر الكهرباء»، تظهر الخبرة الواسعة التي يتمتع بها المؤلف بوصفه مستشارًا في شؤون الطاقة، ويستند إليها في حديثه إلى الشركات العالمية والشخصيات الفاعلة فيها عن مستقبل منظومة الطاقة، ودور النفط فيها على المدى البعيد. ولا يرى يرغن تغييرًا جذريًا في منظومة الطاقة، بل يرى بقاء النفط والغاز والفحم كمصادر رئيسة للطاقة، رغم تنامي دور الكهرباء، وخاصة في استخدامها مصدر طاقة للسيارات، يتم توليدها بالاعتماد على الوقود الأحفوري أساسًا. ولكنه يعترف في الوقت ذاته بأن هذا الوضع غير مقبول، ويجب تطوير مصادر بديلة للنفط والغاز من أجل توليد الكهرباء التي سوف تصبح محورية في الاقتصاد العالمي. يشكّلالجزء الرابع، وهو بعنوان «المناخ والكربون »، أسئلة يطرحها المؤلف مشككًا في مدى صحة أطروحة تغريّ المناخ ودور ثاني أكسيد الكربون فيه. ويتساءل عامّ إذا كان هناك احترار عالمي أم بداية عصر جليدي جديد على الأبواب، نظرًا إلى تباين آراء العلماء في هذا المجال. لا يبدو المؤلف مقتنعًا بقضية تغريّ المناخ ومسؤولية الوقود الأحفوري فيها، وهذا أمر ليس مستغرَبًا، مع العلم بأن بين المؤلف وشركات النفط الكبرى في العالم علاقات متينة ومصالح كبرى نظرًا إلى دور شركته الخاصة الاستشارية في مجال الطاقة. في الجزء الخامس، المعنوَن «الطاقات الجديدة »، يعترف يرغن بحتمية دخول الطاقات الجديدة والمتجددة في مزيج الطاقة العالمي، ولكن بعد أمد بعيد جدًا، ومع بقاء دور متميز للنفط والغاز، وخاصة مع تطور تكنولوجيات ناجعة في شأن الطاقة يعتبر المؤلف أهنّا سوف تكون الطاقة الجديدة الواعدة للمستقبل. وسوف يسمح الاستعمال الفعال للطاقة باستعمال الطاقات المتوافرة لنا مدة أطول، وبطريقة أنظف تراعي ضرورات الحفاظ على البيئة. إذ يصب كل اهتمامه على المحافظة على مكانة هذه الطاقات ودورها. ولا شكّ أن التكنولوجيات الجديدة في مجال تحسين نجاعة منظومة الطاقة مهمة، ويجب الاهتمام بها وتطويرها ولكن ليس على حساب أولوية تطوير بدائل جديدة ومتجددة للنفط والغاز، كما يقترح الكاتب. أما في الجزء السادسوالأخير، فيعود الكاتب إلى مستقبل السيارة الكهربائية، ويصف العصر القادم بعصر الكهرباء. يعود سبب هذا الاهتمام إلى ارتباطه بقضية استعمال الطاقة بصورة فعّالة، كما أسلفنا؛ فللمحرك التقليدي الذي يعتمد على مشتقات النفط فعالية لا تتعدى ال 20 في المئة، بينما تصل فعالية المحرك الكهربائي إلى 85 في المئة، ولكن تبقى مشكلة البطاريات التي ما زالت ثقيلة الوزن وذات صلاحية قصيرة المدى، إذ هي تشك ل التحديات الرئيسة للمستقبل. غير أن الكاتب يُعرب عن تفاؤله بالنسبة إلى مستقبل السيارة الكهربائية، ويرى أن التقدم في التكنولوجيا قادر على التغلب على هذه التحديات. وفي هذا الإطار، كنا نتمنى أن يكون المؤلف على القدر نفسه من التفاؤل بالعلم في مجال الطاقات المتجددة.

الكتاب قيّم وجدير بالقراءة، وإن يكن مؤلفه ذا انحياز إلى الطاقات التقليدية كما يظهر ذلك جليًا في الطرح السطحي والمفتقر إلى التفاصيل عند طرح قضايا التغريّ المناخي والطاقات المتجددة، على الرغم من أهميتها.

تكمن قوة الكتاب في قدرة المؤلف على شرح عالم الطاقة من منظور تاريخي وجغرافي- سياسي. وقضية أمن الطاقة مطروحة في إطاري حربي الولايات المتحدة وحلفائها على العراق وأفغانستان، إضافة إلى أطر الربيع العربي. وقد تم طرح الطاقة النووية من منظور حادث فوكوشيما النووي، والتحديات التي تواجهها اليابان في سعيها إلى إيجاد بديل للطاقة النووية في ضوء التكلفة المترتبة على ذلك، علامً بأن الكاتب يرى أن الطاقة النووية هي الطاقة البديلة الوحيدة المتاحة الآن، والخالية من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، والقادرة على تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء وعلى نطاق واسع. أما النقاط الأكثر إثارة في الكتاب هي، أولا، النقطة المتعلقة بتاريخ اكتشاف الكهرباء، والشخصيّات الفاعلة مثل سامويل إنسول، الرائد في انتشار الكهرباء في الولايات المتحدة، والمنافسة العلمية والتجارية بين توماس إديسون وجورج وستينغهاوس من أجل انتشار الكهرباء في السوق الأميركية. هناك ثانيًا النقطة الخاصة بتاريخ علم تغريّ المناخ، الذي يعود، حسب المؤلف، إلى متسلق الجبال السويسري هوراس بنديكت دوسوسير قبل 240 سنة. لا ريب في أن الكتاب قيّم في أطروحته وموضوعه، ولكن تنقصه الشجاعة السياسية عندما يتطرق مؤلفه إلى الشركات النفطية الكبرى، التي أقام علاقات تجارية معها من خلال شركته الخاصة للاستشارات في مجال الطاقة؛ فهو ينحاز إليها عند معالجته قضية نضوب النفط، إذ يرفض نظرية النضوب بالأساس، ويقلل من شأن صاحبها ماريون هوبرت، ويرى أن العالم لا يواجه مخاطر من هذا القبيل وأن النفط غير التقليدي قادر على تلبية حاجات السوق العالمي من الطاقة. هذا الانحياز الواضح يقلل من قيمة الكتاب العلمية، ولا يتناسب مع واجب قول الحقيقة العلمية الموضوعية التي تؤكد حتمية نضوب النفط. كما أن جميع المؤشرات والدراسات المستقبلية الصادرة عن مراكز أبحاث، وحتى عن شركات النفط نفسها، تؤكد أن الطاقات البديلة والمتجددة سوف تقوم بدور أكبر في منظومة الطاقة المستقبلية، وعلى المدى المتوسط لا البعيد. كذلك يفتقد الكتّاب التوازن والموضوعية في قضية التغريّ المناخي، إذ يتطرق بالتفصيل إلى فضيحة المراسلات الإلكترونية الشخصية المسربة بين عدد من علماء المناخ البريطانيين، التي يقللون فيها من شأن نتائج أبحاثهم في قضية تغريّ المناخ، ودور عامل النشاط الإنساني فيها، ولكنه لا يذكر فضيحة التمويل السري الذي قدمته شركة إكسونموبيل إلى عدد من المجموعات التي لا تعترف بمسؤولية النشاط الإنساني في قضية تغريّ المناخ. يلاحَظ أن عدد مصادر الكتاب كبير، لكن الأولية منها قليلة جدًّا ولا تعدو كونها مقالات صحافية في أغلب الأحيان، وقد يكون مرد ذلك إلى أن الموضوع جديد الطرح ومعتمد على المقابلات التي أجراها المؤلف مع عدد من الشخصيّات الفاعلة في مجال الطاقة، من دون أن يصرّح بأسمائها، مستشهدًا بها كمصادر لبعض المعلومات، الأمر الذي يُنقص قيمة الكتاب العلمية. أما أسلوب الكتاب، فمتقطع، ويتكون من عدة فصول هي بدورها متكونة من أقسام على شكل مقالات قصيرة لا يتعدى بعضها الفقرة الواحدة، وهذا ما يعطي الكتاب شكل التقرير ويحرمه الشكل الروائي الذي ساهم في نجاح الكتاب الذي سبقه، أي الجائزة.على الرغم من ذلك، فإن الكتاب قيّم وجدير بالقراءة، وخاصة من طرف المتخصصين وذوي الاهتمام بقضايا الطاقة، نظرًا إلى ما بين دفتيه من معلومات دقيقة، وإلى الخبرة الطويلة التي يتمتع بها الكاتب في مجال الطاقة. كما أنه في متناول عامة القراء بالرغم من ضخامة الموضوع وتعقيداته، وذلك بفضل التقارير الموجزة الغنية بالمعلومات والتفاصيل التاريخية.