العودة إلى تفاصيل المؤلَّف في

في

“The Sectarian Question and the Problem of Minorities” by Burhan Ghalioun

راتب شعبو*

الملخّص

الكتاب: في المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات الكاتب : برهان غليون مكان النشر : الدوحة/بيروت الناشر : المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تاريخ النشر: الطبعة الثالثة - 2012 عدد الصفحات: 176

Abstract

Book Title: On the Sectarian Question and the Problem of Minorities Author: Burhan Ghalioun Place of publication: Doha/Beirut Publisher: ACRPS Date of publication: 2012 Number of pages: 176

الكلمات المفتاحية:
  • المسألة الطائفية
  • الأقليات
  • المواطنة
  • الأكثرية
  • الديمقراطية
Keywords:
  • Sectarian Question
  • Minorities
  • Democracy
  • Citizenship

الكاتب: برهان غليون مكان النشر: الدوحة/بيروت الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تاريخ النشر: الطبعة الثالثة 2012 عدد الصفحات: 176

لا يجادل كثيرون اليوم ضد الفكرة التي يعتبر برهان غليون أن غايته من الكتاب كانت البرهنة عليها، وذلك في تقديمه للطبعة الثالثة من كتابه المسألة الطائفية ومشكلة الأقلياتالصادرة في كانون الثاني/يناير 2012 عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات: «ما حاولت أن أبرهنه في هذا الكتيب هو أن النزاعات الطائفية... ليست ثمرة وجود هذه التعددية الدينية أو القبلية الموروثة عن تاريخ المجتمعات العربية الماضي، وإنما هو غياب الدولة التي تساوي بين جميع مواطنيها وتعاملهم

كأعضاء رابطة سياسية واحدة ليس لأحد علامة فارقة أو امتياز على آخر، بسبب الدين أو المذهب أو العرق». ولا أظنّ أهنّم يجادلون أيضًا ضد قوله:

«ليست التعددية الدينية هي السبب في إضعاف الدولة القومية أو الوطنية، وإنما غياب الطابع الوطني والقومي الحقيقي لهذه الدولة». ولا يبدو من المقدّمة أن الكاتب طوّر أو غريّ قناعاته المعروضة في الكتاب.

غير أن السؤال الذي يبقى: لماذا يغيب الطابع الوطني والقومي عن هذه الدول؟ وكيف السبيل إلى المستقبل، أو إلى حل مشكلة الطائفية والأقليات؟

بين دفّتي الكتاب المذكور جهد فكري لا يستسلم

لثقل «مسلمّات» كرّسها النقل والتكرار والكسل

الفكري، ولا يتوانى عن السعي لفهم تميز المجتمعات العربية والإسلامية، وبالتحديد تميّز دور الدِّين فيها

من دوره في أوروبا التي شكّلت مصدرًا تكوينيًّا

ثقافيًّا أساسيًّا للنخبة في بلداننا. ولا غرابة أن نرى

أنّ هذا الكتاب، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1979، يدخل دائرة الاهتمام من جديد، بعد ثلاثة عقود ونيف من ولادته، في مرحلة الثورات العربيّة.

بيد أن الكاتب الذي يُلقي الضوء على المشكلة

الطائفية أو مشكلة الأقليات ويشخّصها كمشكلة سياسية، يتشوش منطقه ويضطرب عند مقاربة سبل الخروج من هذه المشكلة. وعلى الرغم من أن غليون ينبّه قارئه منذ البداية بقوله في هامش الصفحة 25

من الكتاب: «سيخيب ظن كل من ينتظر من دراسة اجتماعية تقديم وصفة جاهزة لحل مشكلة الأقليات كأقليات»، فإنه يحاول رسم ملامح لمسار الخروج من المشكلة استنادًا إلى مقدماته.

تصور مثالي للدولة

ما يؤخذ على تفكير غليون في الخروج من المشكلة الطائفية جيُمَع في نقطتين: النقطة الأولىهي تصوره

المثالي للدولة، الأمر الذي يتيح إمكانية النظر إلى الدولة على أنها جهاز حيادي ذو علاقة خارجية تحكيمية بالمجتمع؛ جهاز بريء من الانحياز لمصالح فئات اجتماعية ضد مصالح فئات أخرى. على هذا تبدو علة المجتمع، الذي يعاني المشكلة الطائفية، في دولته «التي تتلاعب بها المصالح الخاصة وتكاد لا تستجيب لأي مطالب عمومية» (ص. 14)،

وعلّة الدولة هذه في نخبتها التي لا ترتفع «فوق المصالح الجزئية والعصبيات الخاصة، ومنها النعرات الطائفية، حتى تصبح في مستوى المسؤولية الوطنية أو

خريف 2012

العمومية»، في حين أن المطلوب هو أن «تتحرر النخبة

السياسية من تماهياتها الجزئية لتتمكّن من تجسيد مثال الوطنية، وأن تحرر معها الدولة ومؤسساتها من احتمال ارتهانها للعصبيات الخاصة، حتى تتحول إلى دولة أمة، أي دولة مواطنيها» (ص 16). تبدو المشكلة الطائفية والحال هذه مشكلة ناجمة عن وعي مريض بالطائفية، أو عن أخلاق فاسدة ونقص في النزاهة لدى النخبة، أي إهنّا مشكلة تقع في دائرة

الإرادة ويمكن، إذن، تصوّر حلّها باستبدال النخبة

السياسية الغارقة بتماهياتها الجزئية بنخبة أخرى تجسد مثال الوطنية. إن مفهوم غليون للدولة يتحرك بين حد إيجابي مثالي هو الدولة - الأمة وآخر سلبي هو الدولة - الطبقة. الدولة – الأمة هي «الأمة وقد تحولت إلى دولة»، هنا تكون الدولة مستندة إلى إجماع سياسي (!) وتعرب

عن فئات الأمة كلها، أما الدولة – الطبقة فهي قوة مستقلة تستمد بقاءها وأدواتها من الخارج، وتتطور من ذاتها من دون ارتباط بالجماعة وتطوّرها،

وتفرض نفسها باعتبارها القوة الرئيسة، وتمتلك القدرة على التحكم المطلق في المجتمع، وهذه الدولة تفتقد التماهي المفترض بينها وبين الجماعة. إنها دولة تقوم بالقوة والغلبة المحضة. نحن أمام تصورين قطبيين للدولة: دولة تقوم على إجماع سياسي هي الدولة – الأمة وأخرى تقوم على القوة المحضة هي الدولة – الطبقة، وليس لأي منهما نصيب في الواقع. ولا شك في أنّه حين يتم تحليل المشكلة الطائفية بناء على مفهومين لا رصيد واقعيًّا

لهما، يختل تصورنا للخروج من مشكلة الطائفية. يتحرك بحث غليون في مجال مستقل إلى حد كبير عن الفروض التاريخية حين يعطي الدولة أهمية مبالغًا فيها، كما لو أن بمقدور المجتمع أن يختار دولته بكيفية حرة، وبمعزل عن شروط تاريخية شديدة القسوة في

في «المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات»

فرض ذاتها وحدودها، أو كأن الدولة التي يجري اختيارها إراديًا قادرة على ممارسة الوظيفة التي

اختيرت لأجلها ما لم تواتها الشروط التاريخية للقيام بهذه الوظيفة. لن تعثر في كتاب غليون على ما يربط بين السياق التاريخي والشكل الذي تتخذه الدولة، أكان استبداديًا أم ديمقراطيًا، بمعنى أنّك لن تجد إجابات

عن الأسئلة التي يحرّض عرض الكتاب نفسه على

طرحها: لماذا تتشكل هناك دولة - أمة وهنا دولة – طبقة؟ هل يتحدّث غليون عن دولة – طبقة في منطقتنا؟ إذا كان كذلك يجب نقد مفهومه للدولة – الطبقة أو تبنيّ ما يقصده بالطبقة (إذا استخدمنا تمييز غليون، على ما في هذا التمييز بين المفهومين من إتاحة مجال لتنزيه الدولة وإعلائها عن كونها أداة مهمّة، أو الأداة الأهم، في ضبط العلاقات

الاجتماعية والسياسية وفق مقتضى مصالح فئات محددة لا وفق مصالح الأمة؛ ففي كل أمة أمتان، على حد تعبير لينين). وهل الاستبداد داء يمكن تفاديه؟ وكيف؟ بالثقافة أم بالسياسة أم بكليهما؟ وهل من قبيل الصدفة أو من قبيل الطبيعة المستكينة الخانعة لشعوب العالم الثالث أن تكون مبتلاة بأنظمة مستبدة متشابهة في الجوهر والوظيفة؟ أليس لتاريخ انخراط العالم الثالث في النظام العالمي دور في نشوء دول مستبدة وترسّخها فيه؟ وما هي حدود التغيير

الممكنة فيه؟ إن هشاشة الربط بين الدولة والمستوى السياسي من جهة والمستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي من جهة أخرى تكمن في أصل تهجّم غليون على

العلمانية، أو الدهرية كما يسمّيها أحيانًا، مستعيدًا

لغة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ومنسجام معهما في البحث عن حل من داخل الدِّين. كان من الطبيعي أن تكون العلمانية والنزوع القومي هما

الأيديولوجيا السياسية للدول في خروجها من كنف الإمبراطورية العثمانية الإسلامية؛ هذه الدول التي غلب عليها تاليًا الاستبداد السياسي والعجز القومي

لأسباب تتعلق بالظروف التاريخية التي تكوّنت فيها

(عصر الاستعمار المباشر ثم الاستعمار الاقتصادي)، وبمستوى تطورها (التخلف والتبعية). وسيكون مجافيًا للصواب أن نفسر استبداد هذه الدول بفعل

نزوعها العلماني أو القومي، وإال لزم أن نرى الدول التي نبذت العلمانية والنزعة القومية لمصلحة النزعة الإسلامية والدولة الدينية (إيران الثورة الإسلامية

مثلا) وقد باتت ديمقراطية وممثِّلة ل «الأمة ككلِ.» حين نفترض أن علة الاستبداد كامنة في العلمانية يبرز السؤال: وأين كانت العلة في الدولة العثمانية إذن؟ على هذا السؤال يجيب غليون: «إن ضعف النظام

الإسلامي الذي كان قائامً منذ القرن الثامن عشر، كان في فقدانه لجانبه الديني الأخلاقي والمعنوي» (93 ص). بالتديّن والأخلاق تصلح الأمم إذن.

بخطوة واحدة أخرى في هذا الاتجاه قد نصل إلى القول الشهير «الإسلام هو الحل». ليست المشكلة إذن في الشروط التاريخية التي جعلت مجتمعاتنا تقع في براثن علاقة تبعية حطمت آليات تطورها الذاتية، ورهنت حياتها بيد طبقة كومبرادورية وسيطة تمثّل «الشر الذي لا بد منه» في هذه المجتمعات، بل في فقدان الجانب الديني الأخلاقي والمعنوي. كل شيء عند غليون يبدأ وينتهي في السلطة السياسية: «لا يمكن البحث إذن عن حل للنزاعات الطائفية في الدعوة العلمانية التي تدعو إلى المساواة، أو في الدعوة الدينية التي تؤكد التسامح... إلخ. ولا في القوانين التي تحدد الحقوق والواجبات لجميع المواطنين. فكل هذه الوصفات قد استُعملت في الماضي ولا تزال مستعملة في الحاضر. والقضية ليست قضية دعوة ولا قضية إيديولوجية شكلية. إنما القضية هي أساسًا

قضية السلطة» (ص. 120). «أما نحن، فنعتقد أن السلطة هي التي تحدد الثقافة. بمعنى آخر، يتوقف نشوء ثقافة مستقلة ومميزة على نشوء سلطة مستقلة ومميزة، أي سلطة معبرة عن الجماعة ككل لا عن جزء منها» (ص. 131). هل يوجد في الواقع مثل هذه السلطة الإجماعية؟ ألا يبدو أننا أمام مشكلة عصية على الحل إذن؟ لا العلمانية ولا الدِّين ولا المواطنة التي تصونها القوانين، ولا الثقافة ولا شيء ينفع إلا سلطة إجماع سياسي لا وجود لها في الواقع. وفي الحقيقة يعرب

غليون عن هذه النتيجة الاستعصائية في متن كتابه: «كما أنه ليس هناك مخرج علماني، ليس هناك مخرج ديني، وليس هناك مخرج عقلي» (ص. 96)

التعويل على الدِّين

النقطة الثانية التي تثير السؤال عند غليون هي التعويل على الدِّين في الخروج من المشكلة الطائفية. يشطب غليون فكرة العلمانية ويعتبر أن «العلمانية العربية جاءت وسيلة لتقوية النظام السياسي القائم وتدعيم الطبقة المسيطرة... ووسيلة لعزل الغالبية الشعبية عن السلطة السياسية» (ص 79)، وربمّا كان

في هذا تعميم للتجربة البورقيبية. ويكرر هذه الفكرة مرارًا في سياق كتابه، محملّا العلمانية أوزارًا تتحملها

شروط تاريخية تحكّمت في تطور بلداننا، وضربت في العمق آليات تطورها «الطبيعية». ويرى الكاتب في العلمانية استفزازًا للجماعة (يلاحَظ في تدفق اللغة

غير المنضبطة في الكتاب الاستخدام المتكرر لمفردة «الجماعة» ذات الشحنة المذهبية غير الخافية، وكبديل في أكثر من مكان لمفردة الأمة أو الشعب). وإذا كان الكاتب يرى في العلمانية سندًا للأنظمة العربية المستبدة وللتقسيم (وفي الحق أن الأنظمة العربية هذه لا فلسلفة لها ولا دين، إنها لا علمانية ولا دينية، بل تأخذ من كل شيء ما يعزز استمرار وجودها الذي

خريف 2012

يشكل الغاية بذاته)، فإنه سوف يجد في الدِّين بطبيعة

الحال سبيلا للوحدة والتحرر (لا ننسى أن الكتاب صدر عام 1979، حين كانت الثورة الإسلامية في إيران تُلقي بظلها وسحرها على الجميع، ونحن نرى اليوم، بعد ما ينوف على ثلاثة عقود، أين هي الجمهورية الإسلامية من الحريات والوحدة.) وعليه، لا غرابة أن نقرأ: «لا يزال الدّين هو السد

الرئيس أمام التفتت النهائي للجماعة... فالدّين هو

أكبر سد ضد الطائفية» (ص 42)، كما لو أن هناك دينًا غير محدَّد أو مع بما يميزه من غيره، وبما يخلق

بالتالي خطوط تقسيم بين هذه الأديان، وبما يسمح لهذه الخطوط بأن تلتهب بفعل شروط سياسية

معيَّنة وبأن تتخذ شكلا عدائيًا وعنيفًا. والواقع أن

غليون يؤمن، كما يبدو، بوجود هذا الدِّين «المثالي»

الذي يسمّيه، منساقًا وراء خطاب إسلامي شعبي،

«الدِّين الصحيح» (ص 95). وبديهي أن لا سبيل للعقل البشري إلى معرفة معيار صحة الدين بوصفه دينًا ومعرفة معيار انحرافه. ولكن بالتدقيق نكتشف

أن الدِّين المقصود إنما يعني الأخلاق التي «توحد الديانات السماوية كلها»، وتخفف من الميل إلى تصفية الأقليات (!) (ص 42). وهل تحدث الفظائع اليومية في عالم اليوم في غفلة من الدِّين الصحيح والأخلاق أم على العكس؟ إذ غالبًا ما تُنتهك الأخلاق باسم

الدِّين نفسه، وهنا ترتدي الفظائع ثوب العقاب الإلهي، ويرتدي المجرم ثوب المؤمن الفاضل صاحب

الرسالة. التاريخ يغص بالأمثال، والأخلاق لم تشك ل في يوم سدًا فعليًّا يحمي النفوس المغلوبة والأرواح

البريئة أو غير البريئة. حين يُستخدم الدِّين لغايات سياسية لا لغايات

دينية، يكون الدِّين عاجزًا عن أن يشك ل سدًا في وجه

تفتت الجماعة، لا بل يكون أداة هذا التفتت. وحين لا يُستخدم لغايات سياسية، فإن المجتمع يكون في

وضع مستقر، ولا يعاني أي تهديد لوحدته. لا ينفي

في «المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات»

هذا أن الدِّين يمكن أن يكون أداة فعالة في المواجهة ضد آخر معتد (حزب الله وحماس)، ويمكن أن يكون وسيلة حشد فعالة ضد نظام مستبد (الثورة السورية الراهنة)، ولكن المعضلة هي أنه لا يمكن للدِّين أن يشكل أساسًا للبناء بعد الهدم أو التحرير.

مرة أخرى، نجد أنفسنا مع غليون أمام تهميش للشروط التاريخية وللواقع، ومبالغة في دور الأفكار والأخلاق والدِّين. يميل غليون إلى التعامل مع الجماعات الدينية والمذهبية كجماعات سياسية لا تتوازعها التباينات والرؤى والمواقف، كما لو أنّ لكل جماعة مذهبية مصالح موحدة. ويبدو له كما لو أن صراع الجماعات الدينية والطائفية هو محرك الصراع الاجتماعي، وكما لو أن الجماعات لا تدخل إلى السياسة إلا كجماعة دينية على

اعتبار أن الدِّين هو ذاتيتها الثقافية؛ فهو يقول، مثلا، بضرورة التوصل إلى «إجماع سياسي يتجاوز الخلافات المذهبية... وكي يمكن ضمان مثل هذه العملية لا بد من أن تكون المصالح الجزئية للأغلبية الاجتماعية هي السائدة» (ص 122). ما شأن الإجماع السياسي بالخلافات المذهبية؟ وكيف يتم تحقيق إجماع سياسي بأن تسود مصالح جزئية لغالبية اجتماعية (مذهبية)؟ وهل هناك مصالح جزئية واحدة للغالبية الاجتماعية ما لم يُنظر إليها ككتلة متجانسة تسود وحدتها المذهبية

على ما يفرّقها في الواقع الاجتماعي؟ واضح أن

الكاتب يستند فعلا إلى وحدة الناس المذهبية حين

يستدرك قائلا «إجماع يبلور، ولو بشكل ميكانيكي في البداية، المصالح الجزئية المختلفة» (ص 122)، ويمكن أن نقرأ «ميكانيكي» بمعنى «عددي». إن إلياس مرقص على حق حين يعربّ عن «خشيته من

أن برهان غليون عنده العامة وليس العام، فالعام ليست فكرة الجمهور والكتلة الكبيرة عدديًا، بل

هي فكرة العلاقة بين أشخاص مختلفين، لكل منهم خصوصيته، وهذه العلاقة هي المشترك بينهم جميعًا،

وهذا المشترك بين الجميع هو العام» حوار العمر، دار حوران، دون تاريخ، ص.]170 لا يمكن إلا لرابطة جديدة جامعة أن تعلو فعلا

فوق التمايزات الثقافية، وتحيلها إلى مصدر ثروة بدلا من أن تكون مصدر تمزيق. ولا يمكن لهذه الرابطة الجديدة أن تكون «مصالح جزئية» لا لأغلبية ولا لأقلية، كما لا يتعنيّ أن تكون هذه الرابطة دينية

بالضرورة، لا بل إن الرابطة الدينية القادرة حقًا على أن تشكل رافعة نضالية ضد احتلال أو استبداد حين تهيأ لها شروطها المناسبة، غير مرشحة لتشكيل رافعة لبناء «إجماع سياسي» تقوم عليه دولة – أمة حسب تعابير غليون. ويشير التاريخ العربي الحديث إلى أن الموجات الشعبية التي حازت «إجماع» الجمهور العربي (مثل حركة الشريف حسين)، أو التي دخلت بها الشعوب العربية ميدان السياسة (مثل ظاهرة عبد الناصر)، لم تكن دينية الطابع في الأساس، بل كان الجانب القومي هو الغالب. والحق أنه مثلما لم يكن ممكنًا أن يخرج الإسلام

الأول بقبائل شبه الجزيرة العربية إلى رحاب الوحدة والتوسع والازدهار، إلا بإيجاد رابطة تعلو

الانتماءات العربية وتشكّل نقطة إجماع عربية، هي الرابطة الإسلامية الأولى، كذلك ليس من الممكن الخروج اليوم من سيطرة الانحيازات الجزئية (الطائفية أو المذهبية) على المجال العام، وما يحمل ذلك في جنباته من تأثيرات سلبية في وحدة المجتمع وفعاليته ومكانته، إلا بتجاوز هذه الانتماءات الجزئية عبر خلق رابطة أعلى تشكل نقطة إجماع جديدة. وقد كانت الرابطة الوطنية في أعقاب الاستقلال مرشحة

لتأدية هذا الدور لولا أن ما خلّفه الاستقلال من رواسب اقتصادية بالدرجة الأولى كانت من الثقل بحيث أحبطت الاندفاعة الوطنية، وهو ما تجلى تاليًا

على صورة دول مستبدة بلا مشروع، مع نكوص وطني على مستوى الشعوب.

وإذا سمحنا لأنفسنا بالتعبير عامّ يقلقها بصراحة، فسوف نقول: لن تكون الديمقراطية التمثيلية التي ترفع رايتها الثورات العربية التي نشهدها اليوم

أكثر حظًا في الخروج بمجتمعاتنا ممّا هي عليه من

غلبة قوى التنابذ فيها على قوى التجاذب، أكثر ممّا

كان للاستقلال من الاستعمار العسكري دور في بناء

اقتصادات وطنية تسند دولا وطنية قادرة على حماية ثروة أوطانها وتحقيق رفاهية مواطنيها. حين تصبح الديمقراطية اليوم المطلب الأساس لقوى المعارضة في معظمها، فإن هذا يعني فعليًا

موت المشاريع الوطنية الكبرى، وانكسار أحلام هذه القوى، ورضاها من الغنيمة بالحكم أو حتى بمجرد الاعتراف بوجودها. لم تكن القوى الشيوعية أو الإسلامية أو القومية ترضى بأقل من تنفيذ مشروعها الشامل لإنقاذ الأمة، كل وفق تصوّراتها

الفكرية. ولم يكن يخفى على أحد أن تنفيذ مثل هذه المشاريع يحتاج ليس فقط إلى سنوات طويلة لا تتيحها بأي حال سنوات الدورة الانتخابية، بل أيضًا إلى تعديلات مهمّة في مجال الاقتصاد،

بما يخلق ضغطًا مهامً على مستوى معيشة الناس، وما يستتبع ذلك من حاجة إلى كبت الناس وقمع تعبيراتها السياسية التي يمكن أن تشوش على مسار تنفيذ مشروع البناء الكبير. بكلام آخر: الاحتكام إلى الديمقراطية التمثيلية وصناديق الاقتراع ينطوي

فعلاعلى قبول بالشكل الحالي للنظام العالمي والتكيف معه وتكريسه؛ فالقوى السياسية المتنافسة في نيل أصوات الناخبين ستعمل على تقديم نتائج اقتصادية سريعة لشد الناخب، وهذا يعني المزيد من الغرق في لجة علاقات اقتصادية دولية ظالمة ومجحفة. المخرج الحقيقي الوحيد الذي يمكن أن تشقّه هذه

خريف 2012

الثورات أمام الشعوب المفقَرة والمدمَّرة اجتماعيًا

هو أن تنفتح على أفق عالمي، وتتكامل مع حركات تغيير، ليس فقط في بلدان مشابهة بل أيضًا في عقر دار البلدان التي تسيطر على معظم ثروات العالم بآليات نهب اقتصادي وغير اقتصادي. حينها يمكن أن تنشأ رابطة سياسية إنسانية يستند إليها

نظام عالمي جديد أكثر عدلا، وهي بذلك تفتح أفقًا فعليًّا لتجاوز مسألة الطائفية والأقليات عندنا

وفي غير مكان. وما عدا ذلك، ستبقى هذه المشكلة نارًا تحت الرماد، وستبقى فاعلة بغيابها وحضورها.

ومهما يكن شكل الدولة، فإن الفروق بينها على هذا الصعيد، وفي غياب رابطة يخلقها مشروع نهضوي جديد، ستكون هزيلة.

خلاصة

لا خلاف على أن المشكلة الطائفيّة مشكلة سياسيّة

أساسًا وليست ناجمة عن التعدّد الديني والمذهبي

بحد ذاته. غير أننا عرضنا مأخذين على كتاب الدكتور غليون في تناوله المشكلة وتفكيره في الخروج منها، هما: النظرة المثاليّة للدولة واعتبار أهنّا يمكن أن

تكون جهازًا محايدًا بريئًا من التحيّزات، والتعويل

على الدِّين في حلّ المشكلة. إنّ المسألة الطائفيّة تبقى مطروحة على الفكر السياسي

في مجتمعاتنا وتحتاج إلى جهود فكريّة جادّة ومتحرّرة

من ثقل الدارج والمتوافق عليه. ومن هنا تأتي أهمّية إعادة نشر كتاب المسألة الطائفيّة ومشكلة الأقلّيات

الذي يعيد طرح الموضوع ويحرّض على التفكير فيه.

دعوة لكتابة أوراق بحثيّة للمؤتمر ال سنوي للعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة

يدعو المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات الباحثين والمختصّين إلى كتابة أوراق بحثيّة للمؤتمر السنويّ للعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة للعام الأكاديمي 2013/2012.

وقد حُدّد للمؤتمر الّذي يعقده المركز في آذار/ مارس 2013 في الدوحة - موضوعان، هما: الموضوع الأوّل "ّجدليّة الاندماج الاجتماعيّ وبناء الدّولة والأمّة في الوطن العربي ". الموضوع الثاني " مسألة العدالة في الوطن العربيّ اليوم".

لمزيد من المعلومات، يرجى مراجعة الموقع الإلكتروني للمركز

www.dohainstitute.org

خريف 2012

المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات هو مؤسّسة بحثيّة فكريّة مستقلّة للعلوم الاجتماعيّة والتاريخيّة وبخاصّة في جوانبها التطبيقية. يسعى المركز من خلال نشاطه العلميّ البحثي إلى خلق تواصل بين المثقّفين والمتخصّصين العرب في العلوم الاجتماعية، والإنسانيّة بشكل عامّ، وبينهم وبين قضايا مجتمعاتهم وأمّتهم، وبينهم وبين المراكز الفكريّة والبحثيّة العربيّة والعالميّة في عملية البحث والنّقد وتطوير الأدوات المعرفيّة والمفاهيم وآليّات التراكم المعرفي، كما يسعى المركز إلى بلورة قضايا المجتمعات العربية التي تتطلَّب المزيد من الأبحاث والمعالجات، وإلى التأثير في الحيّز العام. المركز هو مؤسّسة علميّة. وهو أيضًا مؤسّسة ملتزمة بقضايا الأمّة العربيّة وبالعمل لرقيّها وتطوّرها. وهو ينطلق من كون التطوّر لا يتناقض والث قافة والهويّة العربية. ليس هذا فحسب، بل ينطلق المركز أيضًا من أنّ التطوّر غير ممكن إلّا كرقيّ مجتمع بعينه، وكتطوّر لجميع فئات المجتمع، في ظروفه التاريخيّة وفي سياق ثقافته وبلغته، ومن خلال تفاعله مع الثّقافات الأخرى. يُعنى المركز بتشخيص وتحليل الأوضاع في العالم العربيّ، دولا ومجتمعات، وبتحليل السّياسات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة، وبالتحليل السياسي بالمعنى المألوف أيضًا، ويطرح التحدّيات التي تواجه الأمّة على مستوى المواطنة والهويّة، والتّجزئة والوحدة، والسّ يادة والتبعيّة والركود العلمي والتكنولوجي، وتنمية المجتمعات والدول العربيّة والتّعاون بينها، وقضايا الوطن العربيّ بشكل عام من زاوية نظر عربيّة. ويُعنى المركز أيضًا بدراسة علاقات العالم العربيّ ومجتمعاته مع محيطه المباشر في آسيا وأفريقيا، ومع السياسات الأميركيّة والأوروبية والآسيوية المؤث رة فيه، بجميع أوجهها السياسيّة والاقتصاديّة والإعلاميّة. لا يشكّل اهتمام المركز بالجوانب التطبيقية للعلوم الاجتماعية، مثل علم الاجتماع والاقتصاد والدّراسات الثقافية والعلوم السياسية حاجزًا أمام الاهتمام بالقضايا والمسائل النظريّة، فهو يُعنى كذلك بالنظريّات الاجتماعيّة والفكر السياسيّ عناية تحليليّة ونقديّة، وخاصّ ةً بإسقاطاتها المباشرة على الخطاب الأكاديميّ والسياسيّ المُوجِّه للدّراسات المختصّة بالمنطقة العربيّة ومحيطها. ينتج المركز أبحاثًا ودراسات وتقاريرَ، ويدير عدّة برامج مختصّة، ويعقد مؤتمرات وورش عمل وتدريب وندوات موجّهة للمختصّين، وللرّأي العامّ العربي أيضًا، وينشر جميع إصداراته باللّغتين العربيّة والإنكليزية ليتسنّى للباحثين من غير العرب الاطّلاع عليها.

دعوة للكتابة

يخضع للتحكيم من قبل زملاء مختصين.

المحور المقبل في مجلة "عمران:"

15 كانون الأوّل / ديسمبر، (شتاء 2012) التحولّات الديمغرافيّة في الوطن العربيّ وقضايا التّنمية.

ترحب مجلة "عمران" للعلوم الاجتماعية والإنسانية بنشر الأبحاث والدراسات المعمقة ذات المستوى الأكاديمي الرصين، وتقبل للنشر فيها الأبحاث النظرية والتطبيقية المكتوبة باللغة العربية. وتفتح المجلة صفحاتها لمراجعات الكتب، وللحوار الجاد حول ما ينشر فيها من موضوعات. وسيتضمن كل عدد من "عمران" محورا خاصا، وأبحاثا خارج المحور، ومراجعات كتب، ومتابعات مختلفة... وجميعها

ترسل كل الأوراق الموجهة للنشر باسم رئيس التحرير على العنوان الإلكتروني الخاص بالمجلة omran@dohainstitute.org

خريف 2012

شروط النشر

تنشر "عمران" البحوث الأصيلة (لم يسبق نشرها أو نشر ما يشبهها) التي تعتمد الأصول العلمية المتعارف عليها.

تقدم البحوث باللغة العربية وفق شروط النشر في المجلة. يتراوح حجم البحث من 6000 إلى 8000 كلمة، بما فيها المراجع والجداول. تحتفظ هيئة التحرير بحقها في قبول بعض الأوراق التي تتجاوز هذا الحجم في حالات استثنائية.

مراجعات الكتب من 2000 إلى 3000 كلمة، على ألا يمرّ على صدور الكتاب أكثر من ثلاث سنوات. وتقبل المجلة مراجعات أطول على شكل دراسات نقدية.

تخضع المواد المرسلة كافة، لتقييم وقراءة محك مين من ذوي الاختصاص والخبرة. وترسل الملاحظات المقترحة للكاتب لتعديل ورقته على ضوئها قبل تسليمها للتحرير النهائي.

يرفق البحث بسيرة ذاتية موجزة للكاتب، وملخص عن البحث بنحو 250 كلمة، إضافة إلى كلمات مفتاحية.

في حال وجود مخططات أو أشكال أو معادلات أو رسوم بيانية أو جداول، ينبغي إرسالها بالطريقة التي اشتغلت بها في الأصل، بحسب برنامجي: اكسل أو وورد. ولا تُقبل الأشكال والرسوم والجداول التي ترسل كصور.