العودة إلى تفاصيل المؤلَّف العمالة الأجنبية وقضايا الهوية في الخليج العربي

العمالة الأجنبية وقضايا الهوية في الخليج العربي

Foreign Labor and Identity Issues in the Gulf

محمد باقر النجار*

الملخّص

يذهب كثير من الدراسات إلى القول إن ضخامة الوجود العمالة الأجنبية في مجتمعات الخليج العربي ستقود يومًا إلى ما يُطلق عليه خطر انتفاء الهوية؛ فالتجمعات السكانية الأجنبية، ونتيجة لكثرتها العددية وتعدديتها الإثنية، تشكّل في واقع أمرها مجتمعات غير مرتبطة بالمحيط السياسي والاجتماعي والثقافي القائم، بقدر ما هي مرتبطة بمجتمعاتها الأصلية في الهند وباكستان وإيران والفليبين والدول العربية.....، وهي تجمعات، أصبحت، بفعل حضورها الكبير، تمثّل جماعات تتمايز في عاداتها وتقاليدها ولغاتها وثقافاتها عن المجتمعات المستقبلِة لها في الخليج، كما أنها باتت في بعض نشاطاتها واستثماراتها الاقتصادية، وفي تحويلاتها النقدية، مرتبطة ارتباطًا كبيرًا بمواطنها الأصلية في آسيا وفي مواقع كثيرة من العالم. بل إن محاولات منح بعض من الجماعات العمالية المهاجرة جنسية البلاد التي وفدوا إليها في دول مجلس التعاون الخليجي، ونتيجة لغياب سياسات اجتماعية على المستوى العام، لم تفلح في إدماج هذه الجماعات في مجتمعات الاستقبال، فهي بقيت مرتبطة في عمومها بجماعاتها الإثنية المهاجرة وبدول المنشأ أكثر من ارتباطها بالجماعات السكانية المحلية في دول الاستقبال، أو إنها تتجه نحو تشكيل «غيتواتها الإثنية»: الهندية أو الفارسية أو العربية أو الصينية في مجتمعات الاستقبال.

Abstract

Many studies see that the size of the foreign labor force in Gulf societies will one day lead to the loss of identity. The large number of ethnically diverse settlements of foreigners represent in reality societies not connected to the existing political, social, and cultural environment, given their links with their original societies in India, Pakistan, Iran, the Philippines, the Arabs states, and elsewhere. These settlements, due to their major presence, represent groups who differ in terms of their customs, traditions, languages, and cultures from the host societies in the Gulf. In some of their activities and economic investments and monetary remittances they are strongly linked with the home countries in Asia and around the world. In fact, attempts to grant some groups of migrant workers the nationality of the GCC host country failed to absorb them as a result of the absence of social policy in general. They remain linked to their migrant ethic groups and their home countries more than to the local population in the host country, or tend to form Indian, Iranian, Arab, or Chinese ethnic ghettos.

الكلمات المفتاحية:
  • العمالة الأجنبية
  • الخليج العربي
  • الهوية
  • التغيرات الديموغرافية
  • الجماعات الإثنية
  • مجتمعات الاستقبال
Keywords:
  • Migrant Labor
  • the Gulf
  • Identity
  • Demographic Changes
  • Host Societies

يذهب كثير من الدراسات إلى القول إن ضخامة الوجود العمالي الأجنبي في مجتمعات الخليج

العربي ستقود يومًا إلى ما يُطلق عليه خطر انتفاء الهوية؛ فالتجمعات السكانية الأجنبية،

ونتيجة لكثرتها العددية وتعدديتها الإثنية، تشكّل في واقع أمرها مجتمعات غير مرتبطة

بالمحيط السياسي والاجتماعي والثقافي القائم، بقدر ما هي مرتبطة بمجتمعاتها الأصلية

في الهند وباكستان وإيران والفليبين والدول العربية.....، وهي تجمعات، أصبحت، بفعل

حضورها الكبير، تمثّل جماعات تتمايز في عاداتها وتقاليدها ولغاتها وثقافاتها عن المجتمعات

المستقبلة لها في الخليج، كما أنها باتت في بعض نشاطاتها واستثماراتها الاقتصادية، وفي

تحويلاتها النقدية، مرتبطة ارتباطًا كبيرًا بمواطنها الأصلية في آسيا وفي مواقع كثيرة من

العالم. بل إن محاولات منح بعض من الجماعات العمالية المهاجرة جنسية البلاد التي وفدوا

إليها في دول مجلس التعاون الخليجي، ونتيجة لغياب سياسات اجتماعية على المستوى العام،

لم تفلح في إدماج هذه الجماعات في مجتمعات الاستقبال، فهي بقيت مرتبطة في عمومها

بجماعاتها الإثنية المهاجرة وبدول المنشأ أكثر من ارتباطها بالجماعات السكانية المحلية في

دول الاستقبال، أو إنها تتجه نحو تشكيل «غيتواتها الإثنية»: الهندية أو الفارسية أو العربية

أو الصينية في مجتمعات الاستقبال.

يذهب كثير من الدراسات إلى القول إن ضخامة الوجود العمالي الأجنبي في مجتمعات الخليج العربي

ستقود يومًا إلى ما يُطلق عليه خطر انتفاء الهوية؛ فالتجمعات السكانية الأجنبية، ونتيجة لكثرتها

العددية وتعدديتها الإثنية، تشكّل في واقع أمرها مجتمعات غير مرتبطة بالمحيط السياسي و لاجتماعي والثقافي

القائم، بقدر ما هي مرتبطة بمجتمعاتها الأصلية في الهند وباكستان وإيران والفليبين والدول العربية.....،

وهي تجمعات، أصبحت، بفعل حضورها الكبير، تمثّل جماعات تتمايز في عاداتها وتقاليدها ولغاتها وثقافاتها

عن المجتمعات المستقبلة لها في الخليج، كما أنها باتت في بعض نشاطاتها واستثماراتها لاقتصادية، وفي تحويلاتها

النقدية، مرتبطة ارتباطًا كبيرًا بمواطنها الأصلية في آسيا وفي مواقع كثيرة من العالم. بل إن محاولات منح بعض

من الجماعات العمالية المهاجرة جنسية البلاد التي وفدوا إليها في دول مجلس التعاون الخليجي، ونتيجة لغياب

سياسات اجتماعية على المستوى العام، لم تفلح في إدماج هذه الجماعات في مجتمعات لاستقبال، فهي بقيت

مرتبطة في عمومها بجماعاتها الإثنية المهاجرة وبدول المنشأ أكثر من ارتباطها بالجماعات السكانية المحلية في

دول لاستقبال، أو إنها تتجه نحو تشكيل «غيتواتها الإثنية»: الهندية أو الفارسية أو العربية أو الصينية في

مجتمعات  لاستقبال. أصبحت هذه التجمعات تمثّل، بفعل كثرتها العددية والقلة العددية المحلية، الحالة الثقافية الأكثر حضورا وتأثيرا

في محيط دول لاستقبال الخليجية، وهو حضور لم تعزّزه فقط كثرتها العددية التي يمثّل بعضها أكثر من عدد

السكان المحليين، حيث إن بعضها بات يمثّل الجماعة الأكبر مقارنة بالجماعات المحلية والعربية الأخرى، وإنما

عزّزته أيضًا العمالة الأجنبية التي أصبحت تحتل مواقع جوهرية في أنماط التنمية القائمة في المنطقة وعملياتها، بل

إنه أصبح يتشكّل في ضوء حضورها، ونتيجة تمفصل أدوارها في عمليات الإنتاج وأنماطه، جميع أوجه النشاط

لاقتصادي و لاجتماعي ولربما الثقافي، ويتأثر بها كذلك بعض أنماط الفعل السياسي الداخلي.

أولا: حديث في الهوية

ننطلق في فهمنا مسألة الهوية من حقيقة قائمة في العلوم لاجتماعية، وهي أن الهوية تمثّل حالة ديناميكية ومتغريّة،

وهي أطروحة تقف على خلاف بعض التوظيفات السياسية للهوية التي ترى فيها حالة استاتيكية ثابتة، بل

سرمدية دائمة من حيث مركّبها وتكويناتها. بمعنى آخر، إن الهوية هي، بفعل تشكّلها القيمي، حالة ذات ثبات

نسبي، أي إنها حالة يصيبها التغريّ لكن لا يمكن أن يصيبها النسيان و لاندثار. فالهوية، كما المكوّنات لاجتماعية

الأخرى، خاضعة للتغيير، ولربما يخضع بعض مكوناتها للانتفاء، وأحيانًا لإعادة الإحياء (كنموذج إعادة إحياء

اللغة العبرية، أو إعادة إحياء بعض القوميات، أو تحويل بعض اللغات من لغة تخاطب إلى أداة في الكتابة).

فالهوية إذا مكوّن ثقافي واجتماعي وسياسي قابل للتغريّ وإن يكن في بعض ح لاته غير قابل للانتفاء. بمعنى آخر،

إن بعض مكوّنات الهوية، كاللغة والدِّين والطائفة، يمثّل الوعاء الأساسي لحفظ الهوية، كما إنه الإطار الذي

من خلاله تستطيع أن تستمر ولربما تقاوم وتتكيف مع الكثير من عمليات التغي. فإحساس الأفراد بالهوية

يتشكّل من خلال الرموز والمعاني المرتبطة ببعض خصائص السلوك وأشكاله، والممارسات التي تبقى في بعضها

من خلال اللغة والدِّين قابلة للاستمرار، على رغم التغريّات التي قد تأتي على بيئة الأفراد الخارجية. وينزع كثير

من الجماعات المهاجرة نحو تشكيل مجتمعاتها المحلية، في بلاد المهجر، في إطار سياقاتها لاجتماعية والثقافية

الخاصة بها دول لاستقبال، بعيدًا أو قريبًا من خصائص المجتمعات المستقبلة لها. وهي في هذا تمثّل قناة اتصال

بالمجتمعات المرسلة من ناحية، وجسرًا أو قناة للإدماج في المجتمعات المستقبلة من ناحية أخرى.ِ

1 جوردون مارشال، موسوعة علم الاجتماع، ترجمة محمد الجوهري [وآخرون] (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2012)، مج 3، ص

ومع ذلك، فإن الهوية كمكوّن تبقى ممثّلة للصورة في كلّيتها، التي يرى بعضنا الآخر من خلالها، أي إنها الصورة

التي نميّز بها الآنا من الآخر. وهي تمثّل مجموعة من السِمّات الخاصة والعامة التي تعطي أفرادًا بعينهم مجموعة

من السِمّات المشتركة التي تميّزهم من الآخرين. وهي سمات تتداخل فيها اللغة والدِّين والطائفة والعادات

والتقاليد والتاريخ والطبقة والجماعة المهنية والمكان. وقد تصغر هذه المكوّنات لتصل إلى الحي والقرية والبادية

والقبيلة والعشيرة والأُسرة والعائلة، وهي عناصر تطبع أفرادها بهوية فرعية ضمن الهوية الكلّية للجماعة. وهي

في عمومها تعربّ عن الحالة الزمانية والمكانية التي لا تُشكّل مزاج الأفراد وقيمهم واتجاهاتهم فحسب، وإنما

تُشكّل كذلك صورتهم الكلّية التي تميّزهم من الآخر المختلف. تمثّل الهويات مجموعة دوائر، أي هويات فرعية وأحيانًا هويات متناهية في الصغر، يتداخل - ولربما يتماهى -

بعضها مع البعض الآخر في فترات لاسترخاء والتمدّد وأزمنتها، وينفصل بعضها عن البعض الآخر في فترات

الشدّة والصراع. وتعزّز السياقات الثقافية وحصص توزيع الثروة بين الجماعات لاجتماعية القائمة والممارسة

السياسية للحكم، أي حكم، ونزاع المصالح والدِّين والطائفة، درجة التماهي والتداخل و لانفصال بين هذه

الدوائر المكونة للهوية العامة الجامعة، التي ربما تصغر، بفعل هذا النزاع، إلى دوائرها الصغيرة التي تأخذ بعدًا

عرقيًا أو قوميًا أو مذهبيًا أو جهويًا أو قبليًا أو عشائريًا... إلخ. بل إنها تأخذ أحيانًا بعدًا عنصريًا شوفينيًا نافيًا

للآخر المختلف دينيًا أو مذهبيًا أو عرقيًا، كما هي في جميع الحروب الأهلية التي شهدها لبنان ويوغسلافيا

والعراق.. وغيرها. وتُرى الهوية في اختلافها عن الآخر لا في تماثلها معه، بل إن تشكّلها يأتي في ضوء علاقة

لاختلاف مع الآخر أو التماهي معه، أو في محاولة الآخر استفزازها وتأكيد تمايزه عنها. هوية الأشخاص والجماعات لا تندثر ولا متُحى، لكن قد تصغر وتتماهى في الهويات الأكبر، وقد تتوارى بعض

الوقت إلى أن يُعاد إحياؤها أو استفزازها، فتخرج إلى السطح معربّة عن نفسها في أشكال من الصور والتمثلّات

التي تأخذ شكل اختلاف أو صراع قد يكون عنيفًا، ومدمِّرًا أحيانًا. وتمثّل شبكة علاقات الفرد لاجتماعية هوية الفرد أحيانًا أو بعضًا من مركّباتها، وهي في هذا تمثّل مجموعة من

المرجعيات المتباينة، ولربما المتضادة والمتصارعة، وتعربّ عن نفسها في إطار الجماعة، وتبرز على السطح إذا ما

شعرت بتهديد صادر عن فئة أو جماعة أو دولة. وتتشكّل الهوية، كما أشرنا، من مرجعيات تاريخية ودينية، ومن أنساق قيمية وأصول عرقية، ولربما انتماءات

جغرافية ومراتب طبقية وقطاعات مهنية... وغيرها. وهي مكوّنات تتداخل في ما بينها، مكوّنة دوائر تجمع

الفرد مع آخرين في البلد نفسه أو في بلدان أخرى. وقد يكون لالتقاء هذا على أساس عرقي أو قومي أو جهوي،

أو على أساس اللغة المشتركة. وقد تتسع هذه الهوية فتجمع الفرد مع آخرين من أعراق أخرى إذا ما كانت قائمة

على المكوّن الديني كالإسلام والمسيحية واليهودية... إلخ. لكن قد يكون الدِّين في بعض الأحيان مكوّنًا لهويات

أخرى صغيرة أو متناهية في الصغر إذا ما جاء معربّا عن الطائفة الكبيرة أو الطائفة الصغيرة؛ فهناك مثلاًالمسلم

السنّي في مقابل المسلم الشيعي والمسلم الإباضي والمسلم الدرزي والمسلم الإسماعيلي والمسلم العلوي والمسلم

الزيدي... وغيرها. وداخل هذه الجماعات كلها، هناك جماعات وفِرَق أخرى أصغر فأصغر تعربّ عن نفسها في

مذاهب فرعية أو مدارس فكرية أو زوايا أو حوزات، بل وتعربّ عن نفسها في هذه الأطر أحيانا بشكل عرقي

2 باقر سلمان النجار، «الفئات والجماعات: صراع الهوية والمواطنة في الخليج العربي،» في: أحمد صدام عبد الصاحب الشبيبي [وآخرون]،

مجلس التعاون لدول الخليج العربية: قضايا الراهن وأسئلة المستقبل، سلسلة كتب المستقبل العربي؛ 59(بيروت: مركز دراسات الوحدة

العربية، 2008)، ص.48

أو جهوي: فهناك السنّة العرب في مقابل السنّة الأعاجم، وهناك الشيعة العرب في مقابل الشيعة الأعاجم،

وهناك العرب باختلافاتهم القبلية والدينية والمذهبية في مقابل غير العرب باختلافاتهم الإثنية. وهناك المسيحي

الكاثوليكي في مقابل المسيحي البروتستانتي، والمسيحيون العرب في مقابل الأعاجم، وهناك جماعات مذهبية

أصغر تتفرع من داخل كل مذهب. فهناك الكاثوليك في مقابل البروتستانت، وهناك الروم الكاثوليك في مقابل

الروم الأرثوذكس، وهناك الكاثوليك اللاتينيون في مقابل الكاثوليك الكلدانيين والكاثوليك الأقباط وغيرهم.

وهؤلاء، كما في الأديان والجماعات الأخرى، يمثّلون في عمومهم دوائر كبيرة ختُترق بالدوائر الصغيرة القائمة

على لانتماءات العرقية والمذهبية والجهوية. فالهويات تُدخل الجماعة/ الجماعات في هويات كبرى جامعة وأخرى صغيرة أو متناهية في الصغر، قائمة

على الجماعات الأصغر فالأصغر. وتشكّل الأديان والمذاهب والأعراق عناصر أساسية في تشكيل الهوية،

وهي انتماءات ومرجعيات عابرة للأوطان وخمُرتَِقة لفضائها الجغرافي والثقافي و لاجتماعي والسياسي،

مشكّلة في ذلك ما يسمّيه مانويل كاستلز المجتمعات أو الفضاءات العابرة للجنسية. وهي هويات نقلتها

معها الجماعات المهاجرة عبر التاريخ، وبتفاعلها مع المجتمعات المستقبلة، كوّنت هويات جديدة تجمع فيها

مكوّنات جاءت بها من مجتمعات الإرسال مع أخرى تكوّنت معها في مجتمعات الاستقبال. وهي هويات

قد تفقد مع الزمن ارتباطها السياسي بمجتمعات الإرسال، إالّ أنها تبقى محتفظة في ذلك ببعض مكوّناتها

الأصلية التي جاءت معها في شبكة علاقاتها لاجتماعية وفي تعبيراتها الثقافية المختلفة: في الأسماء التي يحملها

أفرادها وفي اللغة والأطعمة التي يتناولونها وفي الدِّين والطائفة... وغيرها، ولربما في مواقفها السياسية،

كعلامة مميّزة لها عن الجماعات الأخرى. وهي تعبيرات قد تقف في بعضها أمام الإدماج الكامل لبعض هذه

الجماعات العمالية المهاجرة في جيلها الأول ولربما جيلها الثاني. وهي حالة قد لا تعكس في بعضها سياسات

مناهضة لعملية الإدماج على صعيد بعض دول لاستقبال، وإنما في كون أن الجماعات المهاجرة ذاتها قد تجد

أن تيسير منافع أفرادها لاقتصادية و لاجتماعية وتقوية مواقعها التفاوضية، قد لا يتم إلاّ من خلال انغلاقها

على تجمّعاتها المهاجرة، الأمر الذي يدفع، كما أشرنا آنفًا، إلى بروز ما يسمّى ظاهرة المجتمعات والفضاءات

العابرة للحدود. ويفرسّ هذا بروز الأحياء الآسيوية كالهندية والصينية والتركية والعربية واللاتينية في قلب

المدن الأوروبية والأميركية والكندية. عمومًا يرى كاستلز أن الهوية يمكن أن تبرز كنتيجة للمواقف الثلاثة الرئيسة الآتية: - قد تأتي كنتيجة لمواجهة مؤثرات أو إجراءات تشعر الجماعة بحاجتها إلى قدر من الحماية و لانعزال كتعبير عن

استقلاليتها الثقافية و لاجتماعية أو الدينية؛ - قد تأتي دفاعية، ووظيفتها أن تمثّل بالنسبة إلى أعضائها ملجأ وفضاء للتساند والتعاضد في مواجهة عالم الخارج،

ولربما أحيانًا الداخل، المتوحش؛ - قد تأتي كتعبير عن قدر من البناء الثقافي الذي ينتظم فيه أفراد الجماعة حول مجموعة من القيم، يمثّل اعتقاد

أفراد المجموعة بها وإيمانهم بمسلماتها علامة فارقة للتعبير عن الذات وتميّزها من الآخر المختلف.

3 Caroline B. Brettell and James F. Hollifield, eds., Migration Theory: Talking Across Disciplines (New York: Routledge,

4 Manuel Castells, The power of Identity, Information Age; v. 2 (Malden, Mass.: Blackwell, 1997), p.65.

ثانيًا: العمالة الأجنبية: مجتمع الهويات المتعدّدة

مرّت مجتمعات الخليج العربي خلال العقود الأربعة الماضية بتغيرات ديمغرافية متسارعة وكبيرة. بل إن

التحولّات الديموغرافية التي مرّت ببعض دول المنطقة خلال الأعوام الثمانية الماضية أو يزيد هي في واقع

أمرها من التغريّات التي ترقى إلى أن تكون جذرية، وهي في بعضها تمثّل ح لات فريدة في التاريخ المعاصر

للمجتمعات البشرية؛ فعدد سكان المنطقة ازداد خلال الأعوام الخمسة الماضية حوالي ستة ملايين نسمة، إذ

ارتفع من 31 مليون نسمة عام 2003 إلى 37 مليون نسمة عام 2008 وإلى 6٫44 مليونًا في عام 2010 (انظر

الجدول)، وما ربما يقترب من 55 مليونًا أو يفوق قليلا في عام 2015. ولم يكن للأزمة لاقتصادية التي مر

بها العالم منذ عام 2008 وموجة الثورات العربية تأثير كبير في نمو الجسم السكاني المهاجر وإن تكن قد قلّلتا

من معدلات الزيادة فيه. تشير الأرقام المتوافرة إلى أن معدل الزيادة في السكان في دول المنطقة خلال الفترة الممتدة من عام 2003 حتى

عام 2010 قدّر بحوالي 4٫18 في المئة، وإلى أن هناك مليونًا جديدًا يضاف إلى سكان المنطقة كل عام، جلّه يأتي

بسبب زيادة الطلب على العمالة الأجنبية. بل إن بعض دول المنطقة ارتفع عدد السكان فيها خلال الفترة 2003

- 2012 من بضع مئات من الآلاف إلى ما يتجاوز المليون أو المليون ونصف المليون من السكان، كما في حالتي

البحرين وقطر، وهما الحالتان اللتان تحملان في طياتهما تحولّات مهمة على صعيد الفضاءات لاجتماعية والثقافية

و لاقتصادية والسياسية؛ إذ ارتفع عدد سكان قطر من 500 ألف نسمة عام 2002 إلى حوالي 1.8 مليون

نسمة عام 2012، كما ارتفع عدد سكان البحرين من حوالي 650 ألف نسمة عام 2003 إلى حوالى 1.250

مليون نسمة عام.2012 ومن المهم القول إن هذا لارتفاع في السكان إن هو إلاّ نتيجة لزيادة الطلب على العمالة الأجنبية، وهو ارتفاع

غير مرتبط بحاجات الناس والمجتمع الفعلية، بقدر ما هو انعكاس لحاجات متضخمة فرضتها حالة لاندماج

في السوق العالمية؛ فإجمالي قوة العمل في دول مجلس التعاون ارتفع لجهة الحضور الرقمي من 11.501 مليون

عامل عام 2003 إلى 16.633 مليون عامل عام 2008 ثم إلى 18.316 مليون عامل عام 2010 6).

ويوضح الجدول أن في الوقت الذي تُشكّل العمالة الأجنبية ما نسبته 3٫47 في المئة من السكان، فإن تمثيلهما

في سوق العمل يرتفع إلى 73 في المئة. كما يوضح الجدول نفسه أن الزيادة الأكبر في الطلب على العمالة الأجنبية

جاءت في الفترة الممتدة بين عامي 2003 و 2008، وهي الفترة التي شهدت صعودًا كبيرًا في أسعار النفط،

وبالتالي تضخما كبيرًا في المشاريع الإنشائية في المنطقة.

من ناحية أخرى، تُعتبر دول الخليج العربي إحدى أهم المناطق في المنطقة العربية والعالم لجهة ارتفاع حجم

العمل الأجنبي فيها، وموقعه في السكان وسوق العمل. فالعمالة الأجنبية تمثّل ما لا يقل عن 29 في المئة من

إجمالي سكان سلطنة عمُان، وحوالى 39 في المئة من سكان المملكة العربية السعودية، و 54 في المئة من سكان

البحرين، غير أنها تمثّل غالبية السكان في بقية دول مجلس التعاون، وقد تصل نسبتها في بعضها إلى ما هو

أعلى من 80 في المئة من السكان، وقد تقترب النسبة من 90 في المئة في بعض ح لات دول المنطقة. ونتيجة

لذلك، يمثّل العمال الأجانب القطاع الأكبر الفاعل في سوق العمل، بما لا يقل عن 73.1 في المئة من إجمالي

5 باقر سلمان النجار « لاحتياجات المستقبلية للعمالة فى دول مجلس التعاون،» ورقة قدمت إلى: الموارد البشرية والتنمية في الخليج العربي

(المؤتمر السنويالرابع عشر، مركز الإمارات للدراسات والبحوث لاستراتيجية، أبوظبي، 4-2 شباط/ فبراير.)2009

6 المصدر نفسه.

قوة العمل، وهو الأمر الذي يرتفع في بعض الدول إلى ما يقارب 90 في المئة أو ما قد يفوق ذلك. وحجم

المساهمة المحلية في قوة العمل في بعض هذه الدول يبقى على وجه العموم متدنيًا، وجلّه متكدس في القطاع

الحكومي في مقابل انخفاض كبير في القطاع الخاص، وهذه النسبة مرجحة كذلك للانخفاض مع كل زيادة

في وتيرة لاستقدام للعمل الأجنبي. فمثلا، قد لا يتجاوز حجم مشاركة العمالة الوطنية في القطاع الخاص

ال 1 في المئة كما في حالة قطر والإمارات العربية المتحدة، وقد يرتفع في بعضها الآخر ليصل إلى حوالى 3 في

المئة كما في الحالة الكويتية، وإلى 16 في المئة في سلطنة عمُان وإلى 1٫19 في المئة و 7٫19 في المئة، وهما الأعلى،

في الحالتين البحرينية والسعودية على التوالي.

ثالثًا: الرتب والهويات في مجتمع الوافدين

وتأتي العمالة الأجنبية من بلاد شتّى، ويقدّر عدد جنسياتها بما يتجاوز المئة والخمسين جنسية، ويقترب في ذلك

من عدد دول العالم المقدّر ب 200 دولة. ويأتون في معظمهم من شبه القارة الهندية: الهند وباكستان وبنغلادش

وسري لانكا، ومن مختلف البلدان العربية ومن بلاد العالم الأخرى في آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا الشمالية

وأميركا اللاتينية. والجسم السكاني الأجنبي ليس بالجسم المتماثل والموحَّد من الناحية الإثنية والثقافية والدينية.

وهو أقرب إلى موزاييك اجتماعي وإثني، وينقسم بين مغتربين عرب قد لا تتجاوز نسبتهم في أحسن ح لاتها 10

في المئة من إجمالي الجسم السكاني المهاجر، وأكثرية أجنبية من آسيا وأفريقيا وأوروبا. ولقد شكّل ذلك الجسم

السكاني الأكبر من حيث الحجم والدور في حالة الكويت والمملكة العربية السعودية قبل لاجتياح العراقي

للكويت عام 1990. ومنذ تسعينيات القرن الماضي حتى الآن، غلب العنصر الآسيوي على العنصر العربي في

عموم المنطقة. والعرب، كما الأجانب، يأتون من أقاليم مختلفة، ويتبنّون توقّعات واجتّاهات متباينة، ويعملون

في مهن، ويقومون بأدوار متعددة، ويحتلون رتبًا وطبقات اجتماعية مختلفة. كما تتسم سوق العمل في دول

الخليج العربي بقدر من لانقسام الإثني، لا في إطار تقسيمه بين وظائف عالية الأجور وآمنة تحتلها العمالة المحلية

وجزء من العمالة المهاجرة العالية الكفاءة والتدريب في مقابل أخرى منخفضة الأجر وغير آمنة تحتلها العمالة

المهاجرة في مستوياتها الدنيا، وإنما هو انقسام قائم على إثنية العمالة المهاجرة؛ فهناك أعمال بعينها تكاد تحتكرها

جماعات عمالية مهاجرة في مقابل أعمال جماعات أخرى.. وهلم جرًّا. فالمستويات الدنيا والمتوسطة في قطاع

البناء مثلا تكاد تحتكره العمالة الهندية والبنغالية والباكستانية وبعض العمالة الفليبينية. كما أن أعمال الخياطة

وحياكة الملابس تكاد تحتكرها العمالة الهندية والباكستانية والبنغالية، وتكاد أعمال الورش والكراجات، تكون

حكرًا على العمالة الهندية والبنغالية على رغم بعض لاختراقات من جنسيات عربية وآسيوية أخرى. كما تحتكر

العمالة الآسيوية أعمال القطاع الفندقي والسياحة، وهي عمالة تأتي إمّا من الهند وإمّا من الفليبين. وفي مقابل

ذلك تكاد العمالة المصرية والفلسطينية والعربية الأخرى تحتكر الأعمال المكتبية والتعليمية والتطبيب والأعمال

المهنية الأخرى في القطاع الحكومي. وهي قطاعات، أصبحت في بعضها عصية على لاختراق من قِبل الجماعات

الإثنية الأخرى، نتيجة تمكّن العمالة العربية منها.

7 المصدر نفسه.

8 انظر الجدول، ص 122 من هذه المقالة.

9 باقر سلمان النجار، حلم الهجرة للثروة: الهجرة والعمالة المهاجرة في الخليج العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001)،

ص.164

وبشكل عام، تقع الكثرة الكثيرة من العمالة الآسيوية، ورغم تمتع بعضها بدخول عالية، في الرتب الطبقية الدنيا،

وأفرادها من العاملين في القطاعات الإنشائية وفي الورش والكراجات وفي الخدمات الشخصية وخدم المنازل،

وهي الفئة التي تشكل ما بين 65 في المئة إلى 80 في المئة من إجمالي العمالة الأجنبية في الخليج. في المقابل، تتمتّع العمالة الأوروبية عادةً بالأجور العالية، وهي في هذا تحتل المراكز الإدارية القيادية في القطاع

الخاص، وفي بعض القطاعات المشتركة وبعض مج لات لاستثمار العقاري والمصارف، وبعض أجهزة الدولة،

وقد يشترك معها بعض عناصر العمالة العربية والآسيوية ذات التدريب والتعليم والخبرة العملية المتقدمة.

وتدخُل ضمن أصحاب الدخول العليا الجماعات الوافدة العاملة في القطاع التجاري، من فئة أصحاب الأعمال

من العرب والآسيويين، وهي فئة ذات دخول عالية، وتقطن في الغالب إمّا في مناطق الإسكان الخاص، بعيدًا

عن إسكان المواط ين من الطبقتين الوسطى والعليا، وإمّا في المناطق السكنية المختلطة. وتتمتع مناطق سكناها

في الغالب بوسائل ترفيهية متعددة، كأحواض السباحة وملاعب التنس والأندية الخاصة والمطاعم الفاخرة.

وتتشكّل شبكة علاقاتها ونشاطات أفرادها لاجتماعية في إطار الجماعة الإثنية أو الجماعة المهنية التي ينتمون

إليها، أو الطبقة لاجتماعية التي يحتلونها، وهي حالة قائمة في جلّ الجماعات المهاجرة في دول مجلس التعاون.

وقد أقام بعضهم، وتحديدًا الطبقة التجارية العربية والآسيوية، مشاريع اقتصادية إنتاجية أو طفيلية، مع شركاء

فعليين، في العلن أو في الباطن، من المواط ين. وهم يعيشون حياة اجتماعية مغلقة على جماعاتهم المماثلة من الناحية

العرقية والطبقية. وهي فئة تمثّل خليطًا غير متجانس تتصارع فيه أحيانًا النزعات والطموحات، وقد تجمعه

المصالح لاقتصادية المشتركة في أحيان أخرى.

وتستحضر العمالة المهاجرة معها هوياتها الصغرى، معربّة عنها في تشكيلاتها وفي شبكة علاقاتها لاجتماعية

و لاقتصادية التي تشكّلها في دول لاستقبال، فالعمالة الفلسطينية والمصرية والهندية والباكستانية والبنغالية،

وبدرجة أقل الفليبينية والصينية، تتجه نحو السكن في مناطق بعينها تنشأ فيها مَرافقها الخاصة بها وذات العلاقة

المباشرة بجماعتها الإثنية. بل إن هذه التجمعات قد تقام أحيانًا وفق القرية التي جاء منها أفراد الجماعة، أو

حتى وفق الجماعة الدينية والمذهبية التي ينتمون إليها. فهوية المكان والقومية والدِّين توظف كمصادر للدعم

النفسي و لاجتماعي و لاقتصادي. والمهاجر العربي يسعى دائما إلى توظيف هويته وانتمائه العربي في دعم حضوره

ووضعه التفاوضي في مقابل الجماعة القومية الأخرى، وأخرى توظف الدِّين الإسلامي في مقابل غير المسلمين،

وأحيانًا التسنّن في مقابل التشيّع، ولربما لانتماء القبلي في دعم مواقعها التفاوضية في مقابل الآخر. أمّا الأعمال الوسطية، فتحتلها في الغالب العمالة العربية والآسيوية: الهندية والفليبينية وبعض العمالة الأوروبية

الشرقية، لتشكّل موزاييكًا اجتماعيًا شديد التنوع، تتصارع في ما بينها هوياتها الصغيرة والكبيرة. وتعمل العمالة

العربية في الغالب في القطاع الحكومي الخدمي: التعليم والصحة، في حين يُفضِّل القطاع الخاص توظيف العمالة

الآسيوية: الفليبينية والهندية في الأعمال التي تتطلب المهارات الفنية وفي القطاع التجاري الذي يوظف بكثافة

عمالة آسيوية. وتشكّل هذه الفئة، باختلافاتها الإثنية، عصب الحياة لاجتماعية و لاقتصادية والثقافية في جميع

دول المنطقة. وهي فئة ساعدها لارتفاع النسبي لدخولها في أن تكون لها نشاطاتها لاجتماعية الخاصة التي قد

تأتي بشكل منظّم من خلال هيئات وتجمعات تقام لهذا الغرض، كالأندية وجمعيات الجوالي، وهي تجمعات

مغلقة على جماعاتها الإثنية، أكان ذلك في أوساط العمل العربي أم في أوساط العمل الأجنبي.

10 Claude M. Steele, Whistling Vivaldi: And Other Clues to how Stereotypes Affect Us, Issues of Our Time (New York: W.W. Norton & Company, 2010), p. 19.

11 النجار، حلم الهجرة للثروة، ص.185-163

بدت العمالة العربية في حقبتها السابقة مشكّلة أو مؤكدة لعناصر معيّنة في هويات المنطقة، إذ لعبت في حقبة

السبعينيات من القرن الماضي الدور الأساس المشكِّل والمؤكد للهوية القومية، كما أن جماعاتها المُتأسلمة في الحقبة

الممتدة من ثمانينيات القرن الماضي حتى الآن أدت أدوارًا بدت في بعضها مؤكدة للهوية الإسلامية، مزاحمةً في

ذلك بعضًا من المكوّنات الأخرى من الهوية القومية. إلاّ أن بعضها الآخر، ونتيجة تشظّي الهويات في المنطقة

العربية، أخذ مُكونّ هوياتها منحى طائفيًا أو قبَليًا. فبعضها بدا مؤكدًا هوية الإسلام في مقابل أصحاب الديانات

الأخرى كالمسيحية وغيرها، وآخر بدا مؤكدًا للتسنن في مقابل التشيّع وأحيانًا مؤكدًا الهويات الصغيرة الأخرى

داخل هذه المذاهب، كالشافعي والمالكي والحنبلي والحنفي (...) وغيرها، أو مؤكدًا انتماءاته القبَلية أو موظِّفا لها

إذا ما كان آتيًا من بادية الشام والأردن. أمّا عمالة الرتب الدنيا، فهي التي تعمل في الورش والكراجات، وفي القطاع الإنشائي والخدمات المنزلية

والشخصية. وهي تأتي في الغالب من شبة القارة الهندية: الهند وبنغلادش وباكستان والفليبين. والقليل منها

يأتي من سري لانكا ومن البلدان العربية. وتعيش هذه الفئة من العمالة الأجنبية أوضاعًا اجتماعية واقتصادية

متدنية لجهة السكن والمستوى المعيشة، الأمر الذي قادها في الأعوام الأخيرة إلى تنظيم احتجاجات وإضرابات

عن العمل واجهتها السلطات المحلية في بعض الح لات بشيء من الشدة، وكانت احتجاجات منظَّمة إمّا على

أساس عرقي، عندما تكون العمالة خالصة من إحدى الجنسيات الآسيوية - ك لاحتجاجات التي نظمتها العمالة

البنغالية العاملة في قطاع النظافة في الكويت خلال آب/ أغسطس 2008 احتجاجًا على تأخّر تلقّيها أجورها

من أرباب العمل، أو لاحتجاجات التي نظّمتها العمالة الهندية في البحرين ودبي في القطاع الإنشائي للسبب

ذاته، أو لاحتجاجات التي نظّمتها العمالة المصرية في الكويت لسوء أوضاعها المعيشية ودخلت بفعلها في صدام

مع الجهات الأمنية - وإمّا مخترقة لعامل الجنسية وممثِّلة لشريحة أوسع من العمال من جنسيات مختلفة يعملون في

الشركة ذاتها، ك لاحتجاجات التي قادتها العمالة الآسيوية، بجنسياتها المختلفة، في القطاع الإنشائي في إمارة دبي

نتيجة تدينّ أجورها أو تأخُّر دفعها، أو لتردّي أوضاع العمل والمعيشة. بشكل عام، يسهّل انتماء هذه العمالة إلى جنسية واحدة، كالهندية والبنغالية والمصرية، وإن تكن ذات انتماءات

دينية مختلفة، عليها تنظيم إضراباتها العمالية؛ ف لانتماءات الإثنية مثّلت على الدوام لا مصدرًا للتعاضد

والتساند فحسب، بل مصدرًا مه للإدراك لاجتماعي والثقة؛ فالإثنية بناء أساسي لإدراك الفروق والتمييز

لاجتماعي في مقابل الآخر. كما إنها أحد أهم مصادر التلاحم لاجتماعي في مطالبة الجماعات بحقوقها على

الصعد المختلفة. وتمثّل أيضًا جسرًا للثقة بين أفراد الجماعة الإثنية الواحدة على مستوى الداخل والخارج.

وتفرسّ شبكة العلاقات التجارية القائمة وفق مصدر الإثنية في أوساط الجماعة الآسيوية المهاجرة حول العالم

في أوساط الصينيين والهنود وغيرهم، أن درجة الثقة هنا بُنيت على أساس لانتماء الإثني الذي يسبق في بعضه

أي فعل مشترك.. ويلاحَظ أن درجة التعاطف مع هذه لاضطرابات تختلف باختلاف الفضاء الإثني السائد. ففي الوقت الذي

بدت الجرائد المحلية الناطقة باللغة الإنكليزية، وتعمل فيها في الغالب العمالة الآسيوية، ذات درجة أعلى من

التعاطف مع إضرابات العمالة الآسيوية، بدت الجرائد المحلية، أو بعضها، الناطقة باللغة العربية متعاطفة بدرجة

12 باقر سلمان النجار، العمالة الأجنبية في الخليج: عمالة الرتب الدنيا (بيروت: منظمة العمل الدولية،.)2008

13 أنظر كذلك حول إضراب عمال الشركات الأمنية من المصريين في الكويت وردود الفعل الكويتية والسفارة المصرية في الكويت،

الجريدة (الكويت)،.2008/6/9

14 Castells, p. 55.

أقل بفعل غلبة العنصر العربي العامل فيها، ومحذ رة من مخاطر العمالة الآسيوية على الهوية السياسية والثقافية

لدول المنطقة. وتسكن هذه الفئة إمّا في مساكن أُقيمت لها في مناطق العمل أو بعيدة عنها، وإمّا في مساكن شعبية في الأحياء

القديمة التي هجرها ساكنوها من المواط ين إلى مناطق الإسكان الجديدة. وهي مساكن تتسم في غالبها

ب لاكتظاظ، وتتدنى وسائل السلامة فيها، وغالبًا ما تتعرض لحرائق يذهب ضحيتها عدد من العمال. وتكثر

في أوساط هذه العمالة، نتيجة أوضاعها لاجتماعية و لاقتصادية المتدنية، جرائم لاعتداءات الجنسية والقتل

والسرقة... وغيرها. تفصل اللغة والدِّين، ولربما الطائفة والمرتبة الطبقية كهويات فرعية، ومناطق السكن والإقامة، بين هذه الجنسيات

والمراتب لاجتماعية المختلفة للعمالة الأجنبية، من ناحية، وبينها وبين مجتمع المواط ين من ناحية أخرى. وتتجه

الجماعات المختلفة للعمالة الأجنبية في عمومها نحو لانكفاء على أبناء جنسيتها من دون لانفتاح على الآخرين

من الجنسيات الأخرى. بل إن هذه الجنسيات تتجه نحو التشكّل في تجمّعاتها ضربًا من ضروب الكانتونات

الإثنية – الطبقية، أي إن اللُّحمة لاجتماعية القائمة بينها إمّا أن تكون بناء على لانتماء إلى الجنسية ذاتها أو

إلى الجماعة الإثنية ذاتها، وإمّا أن تكون قائمة على لانتماء الطبقي ذاته، وقد تجمعهما أحيانًا المهنة ذاتها والمنطقة

السكنية. وتتجه الجنسيات العمالية المختلفة، ونتيجة أوضاعها لاقتصادية، للسكن في مناطق معيّنة من دول

لاستقبال، كاتجاه العمالة المصرية ذات الدخول المتدنّية إلى السكن في المناطق الخارجية الأقل تكلفة، كالفروانية

وغيرها في الكويت، أو اتجاه العمالة الباكستانية والبنغالية والهندية ذات الأجور المتدنية للسكن في البيوت العربية

القديمة التي قد يكون بعضها آيلا للسقوط أو في تجمّعات سكنية خارجية تكون معدّة سلفًا لسكناها، كما هي

سكنى العمالة الآسيوية في الأحياء القديمة من مدينتي المنامة والمحرق في البحرين، وفي بقايا الأحياء القديمة في

نجمة وغيرها في قطر، وفي حولي والنقرة والأحياء والتجمّعات السكنية الشعبية في الكويت. وتتشكل العلاقات لاجتماعية في ما بين العمالة الأجنبية وفق معطى الجنسية، أي دولة المنشأ، ووفق الرتبة

لاجتماعية والمهنة، ولربما مؤسسة العمل وأحيانًا وفق القرية أو الحي أو العائلة في بلد المنشأ. وعلى رغم أن

بعضها، وربما جلها، لا يسكن في مناطق بعينها، إلاّ أن شبكة علاقاتها لاجتماعية القائمة تعربّ في هذا عن هوياتها

المختلفة، ولربما أحيانًا المتصارعة؛ فالطريقة والقنوات التي تنسج بها هذه الجماعات علاقاتها لاجتماعية تقترب

ممّا يمكن تسميته «الكنتنة لاجتماعية»؛ فربما يكون بعض المناطق السكنية أحيانًا شبه مقصور عليها وعلى

الأندية والجمعيات لاجتماعية الخاصة بمناطقهما المحددة في القرى وأطراف المدن في دول الإرسال. ولا تؤكد

المطاعم التي يرتادها أفراد هذه الجماعات ودور العبادة التي يقصدونها هوياتهم الخاصة فحسب، وإنما تؤكد

أيضًا تجمعات، وربما أشكالا من التضامن لاجتماعي أحيانًا، يتم من خلالها تبادل المعلومات والمعارف والمنافع

والتعاضد وأساليب التعامل مع أرباب العمل والمؤسسات الرسمية في دولة لاستقبال. كما أنها تمثّل في أحايين

أخرى عيون دول الإرسال في مجتمعات لاستقبال. فعلى سبيل المثال كانت مدينتا حولي والنقرة في الكويت

حتى عام 1990 من أهم مراكز تجمّع الفلسطينيين في الكويت قبل النزوح، وتحديدًا عمالتهم التي تحتل رتبها

الوسطى والدنيا. إن شبكة العلاقات لاجتماعية التي تنسجها العمالة الأجنبية تعربّ في أحايين كثيرة عن هوياتها الكبيرة أو الصغيرة؛

15 باقر سلمان النجار، سوسيولوجيا المجتمع في الخليج العربي: دراسات في اشكالية التنمية والتحديث (بيروت: دار الكنوز الأدبية،

فالعمالة العربية لا تجتمع مثلا كعمالة عربية وإنما يكون الرابط في ما بينها في الغالب متغير الجنسية، وفي أحايين كثيرة

الطائفة أو الطبقة لاجتماعية أو المهنة. فالمصريون تجمعهم جنسيتهم، وكذا الفلسطينيون والسوريون واللبنانيون

والعراقيون، والآسيويون من الهنود والباكستانيين والبنغاليين والسري لانكيين والفليبينيين... وغيرهم. بل إن

الرابطة التي تجمعهم، أي الهوية التي تعربّ عنهم، قد تتدنّى لتمثّل مناطق بعينها قد ينتمون إليها في دول الإرسال،

أو أنها قد تعربّ عن الطائفة التي ينتمون إليها، أكان ذلك في ما يخص العلاقة بين العمالة العربية المسلمة والمسيحية

أم في ما تعربّ عنه طوائفهما وعن هويّات صغيرة أو متناهية الصغر في دول لاستقبال. وتبدو هذه واضحة في

المجتمعات العربية التي تتصارع فيها الطوائف على عناصر القوة في دول الإرسال، كمصر ولبنان والعراق (...)

وغيرها؛ إذ إن رابطة لانتماء المذهبي والطائفي هي الرابطة التي تتشكل وفقها الهويات الصغيرة وتنسج علاقات

التحالف والترابط في دول لاستقبال. فالمسيحيون والمسلمون من المهاجرين العرب ينزعون نحو أن يكون

عنصر لانتماء المذهبي والطائفي العنصر الأول في تشكيل شبكة علاقاتهم لاجتماعية و لاقتصادية، وبالتالي

المُشكّل الأساسي لمركّب الهوية. وقد يتدنّى ذلك إلى الدوائر الأصغر داخل كل جماعة مذهبية. وتمثّل اللغة والمكوّنات الإثنية للجماعة وغيرها حواجز لا تفصل بين مجتمع المواط ين ومجتمع الوافدين

فحسب، بل هي تمثّل عناصر تفصل بين الإثنيات المختلفة داخل مجتمع الوافدين. فاللبنانيون، شأنهم شأن

العراقيين والهنود والباكستانيين وغيرهم، يجمعهم الوطن الأم ويفرّقهم الدِّين أو الطائفة أو الجماعة السياسية...

وغيرها، وهي عناصر باتت تمثّل مركّبات متضخّمة في تشكيل الهوية في مجتمعاتنا الشرقية والعربية. وتحمل

هذه الجماعات لبعضها بعضًا اتجاهات ونوازع مصدرها لاختلاف في ما بينها على سياسات دولها، أو في صراع

جماعاتها لاجتماعية والإثنية على مركّب القوة في دول المنشأ، وهي أمور تزيد في حالة التشظّي والتشرذم في ما

بينها. فالصراع بين الجوالي العربية على مصادر القوة وعناصرها في دول لاستقبال الخليجية واضح للدارسين،

وأكثره بروزًا هو ذلك القائم بين الجاليتين المصرية والفلسطينية، وإن تكن قد دخلت مؤخرًا عناصر جديدة في

الصراع على القوة بين عناصر الجوالي العراقية والسورية والأردنية واللبنانية... وغيرها، أو بين هذه الجماعات،

أو بعضها، وبين عناصر الجوالي الهندية والباكستانية... وغيرها. فبعض هؤلاء إمّا إنه يسيطر على الجهاز الإداري

في شركات بعينها، وإمّا إنه يستوي على أجهزة التوظيف في هذه الشركات أو بعض المؤسسات الرسمية، الأمر

الذي يسهّل من خلاله أمور توظيف أفراد جماعته الإثنية.

رابعًا: الجيل الثاني من المهاجرين: هويات مختلطة

إذا كانت هوية الجيل الأول من المهاجرين أكثر ارتباطًا بمجتمع المنشأ، لجهة اللغة والروابط الأُسرية والدينية

والثقافية، فإن أوساط جيلهم الثاني باتت تشهد انتماءات وعلاقات وهويات ترتبط أكثر بمجتمع لاستقبال من

النواحي الثقافية و لاجتماعية و لاقتصادية، وإن لم يحسب على دائرة المحليين من السكان. وتتصارع في أوساط

هذا الجيل هويات وُرِثت من الجيل الأول، كاللغة وروابط القربى والإثنية، وهويات أخرى جديدة متشكّلة

بفعل النشأة والعيش في السياقات لاقتصادية والسياسية والثقافية و لاجتماعية والدينية لدول لاستقبال.

فأنباء الجيل الثاني من المهاجرين العرب والأجانب في الخليج باتوا أكثر التصاقًا بمجتمعات لاستقبال منهم

بمجتمعات المنشأ، ولم تمنعهم لاختلافات اللغوية والإثنية وحياة «غيتوات» المهاجرين والعزلة لاجتماعية من

تنمية هويات جديدة ارتبطت بصورة أكبر بمجتمعات لاستقبال. إلاّ أن حالة العزلة، ولربما التهميش، التي

يعيشها بعض قطاعاتهم تدفع نحو نمو اتجاهات في أوساطهم تبدو أحيانًا سلبية، إن لم تكن معادية لسياسات

دول لاستقبال في ما يتعلق بحقوق العمالة المهاجرة. ولربما تعكس ردود فعل ما يسمّى جماعة “ البدون ” في

الكويت بعضًا من اتجاهات هذه الحالة. فبعض جماعات «البدون» في الخليج مثّلت الجيل الثالث من المهاجرين

الفاقدين هوية دول المنشأ، إلاّ أن حالة التهميش والإقصاء لاجتماعي التي تعيشها فئات شكّلت في أوساطها

اتجاهات بدت في بعضها معادية لدول لاستقبال، وتحديدًا نحو تلك الفئة من المحليين الرافضة للتوطين

والداعية إلى عودتهم إلى دول المنشأ. وقد شكّلت ردود فعل قوى الأمن الكويتية التي اتّسمت بالعنف، نحو هذه

الفئة، في حوادث أواخر كانون الأول/ ديسمبر 2011 وحوادث منتصف كانون الثاني/يناير 2012، بعضًا

من لاتجاهات التي تحملها قطاعات من المحليين نحو الأجيال الجديدة من المهاجرين، التي قد يتسم بعضها

بقدر من التعالي وعدم التمتع بالخدمات لاجتماعية ذاتها التي تقدمها الدولة، كالتعليم والصحة وغيرهما، إلى

قطاع مهم من السكان يعتبر نفسه جزءًا من مجتمعات لاستقبال: ثقافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا على رغم تصنيفهم

ضمن فئة غير المحليين. وعلى رغم أن بعض عناصر الجيل الثاني من المهاجرين يمتلك بعض خطوط التواصل مع أقرانه من الشباب في

المجتمع المحلي، فإن انتماءاته القائمة على جنسية دول المنشأ تدفعه نحو نسج علاقات اجتماعية وإقامة نشاطات

اجتماعية وترفيهية، ولربما ثقافية، مع الآخرين من أبناء جلدته. وهي حالة لا تخص فئة بعينها من هذا الجيل،

وإنما تكاد تكون شاملة له بشكل عام.

خامسًا: مخاوف الذوبان الثقافي

إن تنامي مجتمع «الأجانب»، لجهة الحجم والدور في مقابل مجتمع المحليين المتجه أكثر فأكثر نحو أن يكون

أقلية صغيرة في مجتمعه، على رغم إمساكه بالنظام السياسي، زاد من مخاوف انتفاء الهوية، لا في أُطرها الثقافية

و لاجتماعية فحسب، بل باتت وتيرة المخاوف تزداد انطلاقًا من حقيقة أنه إذا ما سُمح لهذه الأعداد ب لازدياد في

إطار القوا ين و لاتفاقات الدولية الجديدة التي قد تفرض مبدأ إعطاء هؤلاء حقوقًا سياسية وثقافية واقتصادية

تتساوى مع المواط ين، فإن ذلك سيقود إلى طغيان الهويات الوافدة على تلك المحلية. وإذا ما سُمح لذلك

ب لاستمرار، فإن هذه المجتمعات ستكون يومًا امتدادًا لمجتمعات المنشأ؛ فالغلبة العددية وتقلّص استخدام اللغة

العربية في المؤسسات الحكومية كما في القطاع الخاص، بل تواري استخدام هذه اللغة كأداة أساسية في نظامنا

التعليمي الخاص والعام، وكذلك الحديث عن تأثير المربِّيات الأجنبيات وخدم المنازل على الأجيال الجديدة

من مجتمعات الخليج، لا لجهة مستوى اللغة المستخدم ومدى قربها من اللغة العربية الأُم، وإنما لجهة كونها قناة

لانتقال القيم والتوجهات عند أجيال يُفترض أنها ستكون الممسكة بأمور المستقبل في هذه المنطقة، كل ذلك

سيؤدي إلى أن تتوارى لدى هذه الأجيال الهوية القومية، وتتشكّل فيها مجموعة جديدة من الهويات الهجينة. بل

إن كبار المسؤولين باتوا يعتقدون أن على رغم الدور لاقتصادي الكبير الذي تؤديه العمالة الأجنبية في الخليج،

فإنها «لا تحمل الكثير من مقومات الشراكة مع المجتمعات المضيفة لها». بل يحذّر صراحة في موضع آخر من

أن منطقة الخليج «قد تتعرض لتغيير ديموغرافي كبير يهدد هويتها الثقافية و لاجتماعية إذا فرضت اتفاقيات على

16 القبس (الكويت)،.2011/12/22

17 مجيد، العلوي، «الهوية و لانتماء الوطني في الخليج العربي،» ورقة قدمت إلى: «الهوية في الخليج العربي.. التنوع ووحدة لانتماء»

(المؤتمر الأول لمعهد البحرين للتنمية السياسية، المنامة، 16-15 نيسان/ أبريل.)2009

المنطقة لتوطين العمالة الأجنبية»، ولا يبتعد تحذير قائد شرطة دبي الفريق ضاحي بن خلفان بقوله «أخشى

أننا نبني العمارات ونفقد الإمارات» عن المخاوف الخليجية التي يعربّ عنها بين الفينة والأخرى من أن

المجتمعات الخليجية مستهدفة في هويتها الثقافية و لاجتماعية والسياسية بفعل هذا الحضور الكبير والواسع

والمتمفصل للعمالة الأجنبية. بالإضافة إلى ذلك، من شأن سيطرة العمالة الأجنبية، بأشكالها ومستوياتها المختلفة، على جميع إشكال النشاط

لاقتصادي، ولربما الحياة لاجتماعية والفكرية، أن تزيد من حالة التهميش التي يعيشها مجتمع المواط ين، لا

من الناحية لاقتصادية فحسب، وإنما كذلك من الناحية الثقافية والسياسية. وهي حالة، وإن تكن غير قريبة

الحدوث في المدى المنظور، فهي قابلة للتحقق في ظل المعطيات العددية ومعطيات الدور والأوضاع الدولية

التي باتت تمثّل قوة قادرة على اختراق سيادة الدول لمصلحة الأطراف والقوى العالمية؛ إذ تشير إحدى الباحثات

والعاملات في المجال العمالي الدولي إلى أن «التخوّف الأكبر لدى دول منطقة الخليج العربي ظهر بشكل جلي

مع تبلور اتفاقيات دولية تنص في الكثير من الأحيان على ضمان الحقوق المدنية والسياسية للعمال المهاجرين

والوافدين. وبرز التخوّف الأكبر من الحق في التوطين والتملك، وحق عائلات هؤلاء العمال ب لالتحاق بهم في

دول المنطقة، ما يعني حدوث خلل سكاني أكبر لمصلحة العمالة الوافدة». وقد يرى البعض أن الحل قد يكون في توطين مزيد من العرب المهاجرين، أو جلب المزيد منهم إلى الداخل

الخليجي. إلاّ أن تبنّي ذلك لم يجده البعض مدخلا نحو الحل كما هو في بعض المواقع الخليجية. بل إنها حالة

أثارت بعضًا من «المناوشات» إذا ما وظّفت توظيفًا سياسيًا في علاقة النظام - الدولة ببعض القطاعات

السكانية المحلية، أي إذا ما جاءت خطوة توطين بعض العمالة الأجنبية، لا في إطار إحداث توازن من الناحية

القومية بين العمالة الأجنبية والسكان المحليين العرب، وإنما في إطار إحداث خلخلة سكانية تقود بالتالي إلى

خلخلة سياسية في إطار صراع الدولة والمجتمع أم في إطار صراعها مع أحد مكوناته، فتأتي عملية التوطين

لخلخلة بعض المكوّنات المحلية في مقابل الدولة أو أحد أطرافها. وهي حالة لا تقُود إلاّ نحو المزيد من

التعقيد في علاقة الدولة بالمجتمع وإلى صراع بين من يسمَّون مواط ين في مقابل من يسمَّون في بعض دول

المنطقة «المجنسين الجدد»، أي أن يقود بعض عمليات التوطين نحو مزيد من الشرذمة السياسية والإثنية

الداخلية، وهي في ذلك تطرح قدرة هذه المجتمعات، ونتيجة صغر جسمها السكاني المحلي، على استيعاب

الجديد «المموطن»، وهذه مسألة لا تبدو، في ظل غياب سياسات اجتماعية للإدماج وضعف تغيير المواقف

والتوجهات القيمية للسكان المحليين، قادرة على لاستيعاب السريع لهؤلاء ضمن الأُطر المحلية الصغيرة أو

الكبيرة، الأمر الذي يدفع، من دون شك، إلى أن يشكّل هؤلاء «غيتوات» إثنية جديدة تضاف إلى الطبيعة

الفسيفسائية لبعض مجتمعات المنطقة.

18 المصدر نفسه.

19 الشرق الأوسط،.2008/4/23

20 خوله مطر، «محاولة التخلص من لاعتماد على العمالة الوافدة في منطقة الخليج،» في: الخليج بين المحافظة والتغيير (أبو ظبي: مركز

الإمارات للدراسات والبحوث لاستراتيجية، 2008)، ص.287

21 Clive Holes, “Dialect and National Identity: The Cultural Politics of Self-Representation in Bahraini musalsalat,” in: Paul Dresch and James Piscatori, eds., Monarchies and Nations: Globalisation and Identity in the Arab States of the Gulf (London; New York: I. B. Tauris, 2005), pp. 52-72.

خاتمة

خلاصة القول هي: أكان ما نتحدث عنه قابلا للحدوث أم أنه تخيلّات قد لا تقترب من الواقع، كما يعتقد الكثير

من أصحاب القرار في المنطقة، فإن ما تطرحه العمالة الأجنبية في الخليج من تحديات لا يمكن النظر إليه من

مدخل آثاره الثقافية و لاجتماعية والسياسية فحسب؛ فتمفصل أدوار العمالة الأجنبية في أنماط الإنتاج والتنمية

التي تبدو قائمة على الحضور المكثف والفائض لها، أكثر من أي إمكانات محتملة يمكن أن تقوم بها العمالة

المحلية، يدفع نحو أن تفرض هذه العمالة حالتها الثقافية والسياسية على مجتمعات المنطقة. ف لانفجار العمراني

وبناء العمارات والمنتجعات الحديثة في أطراف المدينة الخليجية والمشاريع لاقتصادية الضخمة تتطلب أيدي

عاملة أجنبية لتشييدها وإدارتها، وهو عمران يبحث عمّن يقطنه من العمالة الوافدة من ذوي الدخول المرتفعة أو

الدخول المتوسطة، وهي نشاطات يمكن أن تعود على البعض بمغانم كثيرة، إلاّ أن مصاحباتها على الوطن أكبر

وأعظم، بل إن مصاحباتها على السياق السياسي والأمني خطِرة جدًا. وقد تتجه بعض دول المنطقة إلى تبديد هذه المخاوف التي تجتاح جزءًا صغيرًا أو كبيرًا من مواطنيها عن طريق

وضع سلّم من المنافع لاقتصادية والسياسية يحظى بها المواطنون في مقابل الأجانب، أو يحظى بها قطاع معينّ

في مقابل جزء آخر من المحليين، وهي حالة لا تدفع نحو إدماج أكبر وذي فعالية سياسية واجتماعية واقتصادية

داخل المجتمع. بل إن ذلك قد حيُْدث نوعًا من التراتبية لاجتماعية التي تأخذ مع مرور الوقت منحى سياسيًا

خطِرًا قد يقود نحو مزيد من التشرذم في الهوية الكلية. وفي ظل هذه المخاوف وغيرها، فإن التفكير في تحقيق حالة من الإدماج لاجتماعي يتلكأ في طرحه على مستوى

الداخل، أي على مستوى الجسم السكاني المحلي، فكيف له أن يطرح على مستوى الخارج من السكان، أي على

مستوى إدماج الجماعات المتوطنة والمُمَوطنة، وهي عملية تتجاوز مصفوفة الخدمات لاجتماعية المقدمة، لتدخل

في صلب التحوّل إلى مجتمع المواطَنة. بمعنى آخر، من الصعب الحديث عن سياسات للإدماج لاجتماعي

والثقافي تتجاوز الدور لاقتصادي للعمالة الأجنبية، أي إن هذا الدور لا تتزامن معه سياسات اجتماعية شاملة.

وإذا ما كانت مسالة نجاح إدماج العمالة المهاجرة، في المجتمعات الغربية تطرح أكثر من تساؤل، بل إن ح لات

التمرد و لاضطراب التي تسود أحيانًا أحياء وتجمّعات المهاجرين في الغرب، قد تعربّ عن فشل أو تلكؤ عمليات

الإدماج التي أُعلنت رسميًا بلسان المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، على حساب مسارات العزل والتقوقع،

فكيف لذلك أن يتم في سياقاتنا السياسية و لاجتماعية، ولربما الدِّينية، التي قد لا يستقيم بعضها مع الحالة

المؤسساتية الحداثية أو ما بعد الحداثية في المجتمعات الغربية؛ فتعطُّل اكتمال بناء الدولة الحديثة، القائمة على

رابطة المواطنة والعدالة وتكافؤ الفرص بين مكوّنات المجتمع المختلفة وسيادة القانون، لا يجعل من عملية إدماج

القادم من الخارج عملية معطَّلة فحسب، وإنما هي كذلك معطَّلة في ما يتعلق بإدماج جميع قطاعات المجتمع

المحلي ضمن أُطر الدولة الحديثة الجامعة. بمعنى آخر، من الصعب مقاربة الحالة الأوروبية، ولربما تلك القائمة

في بعض الدول الآسيوية والأميركية اللاتينية، بالحالة الخليجية لجهة بناء الدولة وتطوّرها وقدرتها على تحقيق

مجتمع المواطنة. ففي النهاية نجد أن ضروب لانحياز القائمة على لانتماء لأشكال التضامن القبلي والطائفي

22 عمر هشام الشهابي، اقتلاع الجذور: المشاريع العقارية وتفاقم الخلل السكاني في مجلس التعاون لدول الخليج العربية (بيروت: مركز

دراسات الوحدة العربية،.)2012

23 Alisdair Rogers and Jean Tillie, eds., Multicultural Policies and Modes of Citizenship in European Cities, Research in Migration and Ethnic Relations Series (Aldershot, Hants, England; Burlington, VT: Ashgate, 2001).

محددة لمواقع الأفراد ومنافعهم في المجتمع. بل إن تلك المنافع تعتمد في بعضها أو جلّها على قرب الفرد أو الجماعة

من مركز السلطة في المجتمع. وكثيرًا ما وظفت هذه الأشكال في أي صراع متجه نحو الداخل أو الخارج.

ولربما نجد إيجازا لذلك في الحالتين الكويتية والبحرينية، على رغم تطور سياقاتهما لاجتماعية والسياسية. أي إن

مجتمعاتنا، وبفعل التلكؤ في بناء الدولة الحديثة فيها من الناحية المؤسساتية والحقوقية والدستورية، تتلكأ فيها

عمليات الدمج لاجتماعي على صعيد الداخل من السكان، فكيف لها أن تتم على صعيد الخارج منه؟ الجدول

حجم السكان والقوى العاملة وفق الجنسية في دول مجلس التعاون لعام 2010

الدولةالسكانالمجموعالقوى العاملةالمجموع
المواطنونغير المواطنينالمواطنونغير المواطنين
الكويت214٫133٫1223٫433٫2437٫566٫3621٫347955٫779٫1576٫127٫2
العربية
السعودية
576٫707٫188.429.40127.136.9773.837.9684.31.0.0248.147.992
مملكة البحرين568.399666.1721.234.571139.347457.694592.040
الإمارات
العربية المتحدة
947.9977.316.0738.244.070271٫250909084٫4355٫159٫5
قطر484٫254079٫442٫11.696.56371.0761.99.1071.270.183
سلطنة عمان1.957.336816.1432.773.479027٫274241٫740268٫014٫1
المجموع006٫569٫23091٫083٫2144.652.097310٫920٫4083٫396٫13414٫316٫18

المصدر: باقر سلمان النجار، الاحتياجات المستقبلية لأسواق العمل الخليجية في الموارد البشرية والتنمية في الخليج العربي (أبوظبي: مركز

الإمارات للدراسات والبحوث لاستراتيجية، 2009)، ص.97

المراجع

كتب الخليج بين المحافظة والتغيير. أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث لاستراتيجية،.2008 الشبيبي، أحمد صدام عبد الصاحب [وآخرون]. مجلس التعاون لدول الخليج العربية: قضايا الراهن وأسئلة

المستقبل. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008. (سلسلة كتب المستقبل العربي؛ 59) الشهابي، عمر هشام. اقتلاع الجذور: المشاريع العقارية وتفاقم الخلل السكاني في مجلس التعاون لدول الخليج

العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2012 مارشال، جوردون. موسوعة علم الاجتماع. ترجمة محمد الجوهري [وآخرون]. القاهرة: المجلس الأعلى

للثقافة،.2012 النجار، باقر سلمان. العمالة الأجنبية في الخليج: عمالة الرتب الدنيا. بيروت: منظمة العمل الدولية،.2008 ______. حلم الهجرة للثروة: الهجرة والعمالة المهاجرة في الخليج العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة

العربية،.2001 ______. سوسيولوجيا المجتمع في الخليج العربي: دراسات في اشكالية التنمية والتحديث. بيروت: دار

الكنوز الأدبية،.1999 مؤتمرات الموارد البشرية والتنمية في الخليج العربي (المؤتمر السنوي الرابع عشر، مركز الإمارات للدراسات والبحوث لاستراتيجية، أبوظبي، 4-2 شباط/ فبراير.2009 «الهوية في الخليج العربي.. التنوع ووحدة لانتماء» (المؤتمر الأول لمعهد البحرين للتنمية السياسية، المنامة، -15 16 نيسان/ أبريل.)2009 -2 الأجنبية

Brettell, Caroline B. and James F. Hollifield (eds.). Migration Theory: Talking Across Disciplines. New York: Routledge, 2000. Castells, Manuel. The power of Identity. Malden, Mass.: Blackwell, 1997. (Information Age; v. 2) Dresch, Paul and James Piscatori (eds.). Monarchies and Nations: Globalisation and Identity in the Arab States of the Gulf. London; New York: I. B. Tauris, 2005. Rogers, Alisdair and Jean Tillie (eds.). Multicultural Policies and Modes of Citizenship in European Cities. Aldershot, Hants, England; Burlington, VT: Ashgate, 2001. (Research in Migration and Ethnic Relations Series) Steele, Claude M. Whistling Vivaldi: And Other Clues to how Stereotypes Affect Us. New York: W.W. Norton & Company, 2010. (Issues of Our Time)