التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية في جبل لبنان (1550 – 1900)
Demography and the Lebanese Communities by Youssef al-Doueihy
الملخّص
الكتاب: التحولات الاقتصادية والاجتماعية في مجتمع جبل لبنان 1550- 1900 الكاتب: نايل أبو شقرا مكان النشر: بيروت الناشر: دار إشارات للطباعة والنشر والتوزيع تاريخ النشر: 1999 عدد الصفحات: 342
Abstract
Book Title: Demography and the Lebanese Communities Author: Youssef al-Doueihy Publisher: n.d. Date of publication: n.d. Number of pages: 285
- التحولات الاقتصادية
- التحولات الاجتماعية
- جبل لبنان
- العنف الطائفي
- Demography
- Lebanese Communities
- Population Census
الكاتب: نايل أبو شقرا مكان النشر: بيروت الناشر: دار إشارات للطباعة والنشر والتوزيع تاريخ النشر: 1999 عدد الصفحات: 342
يستعيد الكاتب نايل أبو شقرا في كتابه التحولات الاقتصادية والاجتماعية في مجتمع جبل لبنان ٠٥٥١ – ٠٠٩١ دور أبرز أسرتين في بلدة عامّطور، آل شقرا وآل عبد الصمد، كمدخل للوقوف على التحولات التي طرأت على المجتمع الدرزي، وتحديدا على الصعيدين لاجتماعي والسياسي في منطقة الشوف الأعلى وأطراف جبل لبنان الجنوبي المتاخمة لجزين وإقليم التفاح. كما تشكّل الدراسة محاولة لفهم الآليات المعقّدة للعلاقات بين الفلاحين والمشايخ خلال القر ين الثامن عشر
والتاسع عشر، وهي الآليات التي كانت في جزء منها سببًا في انتقال الملْكيات العقارية من الدروز إلى المسيحيين. ويستند أبو شقرا في كتابه، الذي يضم ستة فصول، إلى ٢٤١ وثيقة حرص على إرفاقها بالنص لتدعيم تفسيره للحوادث، وتوثيق عمليات شراء الأراضي التي كانت كفيلة بإحداث تحولات ديموغرافية في المنطقة في السنوات التالية. فكيف تم ذلك؟
انكفاء الشيعة
تُعتبر جزين من المواقع المهمة في تاريخ جبل عامل، وسط ميل إلى « لاعتقاد أن القسم الجنوبي من هذه البلدة ربما كان تابعا لجبل عامل، وربما كان مسكنا لمقدمي الشيعة». وفيما كانت جزين تشكّل محطة مهمة على الطريق الذي يربط دمشق بالمدن الساحلية، شكّل شيعة جزين، الذين انتقلوا إلى إقليمها في إثر معركة فتوح كسروان التاريخية التي حُسمت لصالح المماليك وحلفائهم، حجر عثرة أمام السلطات، ورفضوا مرارًا «محاولات حملهم للرجوع إلى السنّة والجماعة إلى حين نزوحهم». وقد مثّل ذلك النزوح من إقليم جزين وإقيلم التفاح على المدى القر ين الرابع عشر والخامس عشر، كنتيجة لتصارع القوى السنّية، بجناحيها الرسمي والعشائري، وبأداة حماية شكّلتها عائلات درزية، أولى بدايات التحول الديموغرافي الذي سيشهده الإقليمان على مدى القرون التالية؛ إذ شكّل الدروز دعما للسلطات، انطلاقًا من مصالحهم القبلية التي كان يع عنها بالسلب والنهب، بما مكّنهم لاحقا من التوطن في المنطقة.
السيطرة الدرزية وتوطين آل عبد الصمد وآل أبو شقرا
ضمن سياسة الدول الإسلامية الأمنية و لاقتصادية التاريخية القاضية بتوطين عائلات تثق بها للحفاظ على المدن والثغور والأطراف، جاء استقرار أسرة آل عبد الصمد، التي يعود وجودها إلى أواخر القرن الخامس عشر، وأسرة آل أبو شقرا، التي يعود وجودها إلى أوائل القران السادس عشر، في عامّطور الواقعة في المنطقة الجنوبية من الشوف، بعيدا عن السلطات المملوكية بهدف حماية الأطراف استدراكا لأي خطر شيعي على الشوف، ووقف أي محاولة للتواصل بين شيعة جبل عامل وشيعة بلاد بعلبك، إلى جانب الدفاع عن الساحل الجنوبي لبلاد الشام عبر تأمين الطريق التي تربط نيابة دمشق ببلاد الشام. وبينما كانت الأراضي ثمنًا للحفاظ على الثغور والأطراف، تمكّن آل عبد الصمد وآل أبو شقرا وآل ملاك وآل جودية من وضع أيديهم على القسم الأكبر من بلاد جزين وإقليم التفاح، بهدف المحافظة على حدود الشوف الجنوبية. وترافق هذا الأمر مع بدئهم تنشيط الريع العقاري، كما تزامن مع بدء الهجرات إلى جبل لبنان الجنوبي على فترات طويلة امتدت قرابة قرن ونصف قرن. ونتيجة وجود عائلات درزية ومسيحية (موارنة) في المنطقة عينها، انتظمت العائلات في مجتمع واحد امتاز بالتبادل النفعي؛ فالدروز قدّموا للموارنة سبل العمل و لاستقرار النسبي، فيما قدّم الموارنة للدروز جهدهم في سبيل تنشيط الريع العقاري. وممّا ساعد على تحقيق هذا الوضع أن المسيحيين لم يلقوا في بداية انتقالهم إلى المتن والشوف، في أعقاب لاضطهاد الذي مارسته عليهم السلطات الإسلامية، أي معارضة من الدروز؛ اذ لم يكن الدروز يعتبرون أن الموارنة يشكّلون أي خطر عليهم، سواء أكان ذلك من الناحية الدينية أم من الناحية السياسية. أمّا الأسباب التي حكمت التمدد المسيحي، وتحديدا التمدد الماروني، فيمكن تلخيصها في ثلاثة هي: الظروف الأمنية و لاجتماعية التي كانت تُلقي بثقلها على الموارنة في شمالي لبنان؛ الظروف السياسة والدينية التي كان الفاتيكان يتبعها لفك الطوق عنهم؛ الحروب المتواصلة على الدروز على مدى القرن السادس عشر وما تبعها من انهيار اقتصادي، عجّلت هجرة الموارنة إلى جبل الدروز. وترافق هذا التمدد مع شعور موحّد بين الدروز والموارنة ضد السلطات الإسلامية، وهو ما سهّل إقامة علاقات تجارية طبيعية بين الطرفين قبل أن تسوء هذه العلاقات على وقع صراع النفوذ الذي اختّذ من الملكيات العقارية منطلقًا له.
العُهَد وصراع النفوذ
شكّل النظام الضريبي في الدولة العثمانية تشريعًا للأراضي المملوكة، بحيث استقرت في أيدي العائلات القوية القادرة على ترسيخ تفوّقها لاجتماعي والسياسي في إطار المعادلات السياسية في الجبل، وهو ما سمح بنشوء نظام العهدة، أو نظام لالتزام، الذي أسس للهيكلية السياسية في جبل لبنان. ضمن هذا السياق، وضِعت مزارع في بلاد جزين وإقليم التفاح في تصرف بعض العائلات الدرزية من أهالي عامّطور، منها عائلتا عبد الصمد وأبو شقرا. وبما أن الملْكيات العقارية كانت مدخلاللنفوذ والزعامة، ومع اختلاف توازن القوى بين الأسرتين، بدأت أولى شرارات الصراع بينهما نتيجة مواقف ذات علاقة بالريع العقاري ومساحة الأراضي وتداخل الملْكيات العقارية، فضلا عن السباق لوضع اليد على الأرض. وشكّل الصراع الذي سُمِّي «الغرضية» صراعًا على النفوذ، لكنه اكتسب امتداداته العامة من الدروز كافة. كذلك انحاز المسيحيون والشيعة إلى إحدى الغرضيتين، فلم تبق عائلة في بلاد الشوف بمعزل عن هذه الغرضية. وترافقت إشكالية الغرضية «الصمدية – الشقراوية» مع تعزّز الهجرات المسيحية إلى الشوف وإقليم التفاح. وقد ساهمت اليد العاملة المسيحية في إثارتها؛ إذ إن الصراع الذي كان على الملْكيات العقارية سرعان ما أصبح صراعًا على الفلاحين المسيحيين الشركاء عند المشايخ الدروز. فبدءًا من العام ٤٤٧١، اندلع صراع بين رأس الإمارة الشهابية، الأمير ملحم الشهابي، وعمدة بلاد الدروز الشيخ علي جنبلاط، حول دير مشموشة (أول مؤسسة مارونية في بلاد جزين). وتحول الدير من مصدر لتعزيز وجود الموارنة في بلاد جزين وإقليم التفاح إلى قضية سياسية ومصدر لخلاف على الفلاحين، بغية توطينهم في بلاد الدروز، نظرًا إلى إمكان مساهمتهم الفعالة في تنشيط الدور لاقتصادي، وتفعيل الريع العقاري عن طريق زراعة الأرض. فالشيخ علي جنبلاط، الذي نجح وعائلته في استثمار الدور الوظيفي الحيوي في تشفيع الأراضي في إقليم جزين على حساب الموقع لاقتصادي للعائلات العامّطورية، اتجه إلى إرساء صيغة سياسية تقوم على أحادية الملْكية العقارية. وسعى إلى شل القدرة السياسية للعائلات الدرزية، من خلال وحدة المؤسسة الإقطاعية. وكان جنبلاط، الذي شكّلت زعامته محطة مهمّة في تاريخ الجبل الدرزي، يعرف أنه من دون مفتاح الرهبانية الذهبي لا يمكنه تأطير هذا الإجماع شعبيًا. وبما أنه كان في الدير رهبانية بلدية، لها جذورها الفلاحية اللبنانية، ورهبانية حلبية لا تؤمن له التواصل مع المسيحيين في الشوف، فإن مصلحته السياسية كانت تقتضي دعم الرهبانية البلدية في محاولة للإمساك بالورقة المارونية الداعمة لمشروعه السياسي، أي «الإمارة الجنبلاطية». وحاجج جنبلاط لتبرير موقفه بأن الرهبان البلديين أقدر على العمل في الأرض. أمّا الإمارة الشهابية التي كانت تدرك خلفيات القرار الجنبلاطي، فسعت بدورها إلى استقطاب المسيحيين الذين كانون يشكّلون ثقلا ثقافيًا وصناعيًا وزراعيًا مكّنهم في وقت لاحق من خلط الأوراق السياسية في الجبل، وتأسيس مواقعهم لاقتصادية على أنقاض العلاقة السياسية بين الإمارة الشهابية والمؤسسة الإقطاعية. هذا وقد شكّلت العهدة في جبل لبنان سببًا مهما في تقسيم مجتمعه إلى فلاحين وعامة ومشايخ صغار وكبار. وارتبطت العهدة بالعصبية العائلية، فيما أدت عُهَد الشوف دورًا وظيفيًا بارزًا في إرساء التبعية، عبر هرمية ارتبطت إلى حد بعيد بإدارة الإنتاج والريع العقاري، بحيث تشكّلت في فترة قصيرة جدًا لا تتجاوز النصف قرن الزعامة الدرزية التي كانت
تقوم على دعامتين أساسيتين: الولاء الدرزي المطلق، والرضوخ المسيحي الفلاحي المرتكز على قاعدة متينة من البنى الثقافية والحرفية. ضمن هذا السياق، كانت عملية تطور الريع العقاري في إقليم التفاح رهنا بتوطين العائلات المسيحية في مزارع الإقليم التي توزعت على ثمانية أجباب من عائلتي عبد الصمد وأبو شقرا، إلى جانب عائلتين قليلتي العدد من إحدى حارات عامّطور، وهي حارة جندل. كذلك شكّل الجب محور العهدة، لما يمثّله من شروط لاتفاق والتضامن على دفع الميري. كما أدى الجب دوره التوحيدي في القرية في مواجهة مشكلاتها، من دون أن ينجح في مواجهة الدولة المفوّضة القادرة على مصادرة الأراضي التي كانت جزءًا رئيسًا من بعض الملْكيات العقارية؛ فعندما تكون الملْكية العقارية مستهدفة، تغدو مرونة أفراد الجب الوسيلة للمحافظة على هذه الملْكية، على غرار ما حدث عندما قُبض على بشير حسن أبو شقرا، أحد أعوان الشيخ بشير جنبلاط، عام ٥٢٨١. كانت التطورات في المنطقة كفيلة بتبديل هوية أصحاب تلك الملْكيات العقارية؛ إذ مرّت عملية انتقال الملْكية لدى عائلة أبو شقرا تحديدا بمراحل عدة، بدأت بأولاد العم ثم أفراد الجب الأبعد في العائلة، إلى أن تطورت باتجاه خارج الطائفة الدرزية، من دون أن تمر بالعائلة المنافسة في عامّطور، أي آل عبد الصمد.
تراكم الملْكيات لدى المسيحيين
في مقابل النقص في الملْكيات العقارية التابعة للعائلات الدرزية، بدأ تراكم الملْكيات العقارية لدى المسيحيين. هذا التحول استند إلى عمل المسيحيين اليومي، وترافق مع نمو سكاني ساهم إلى حد كبير في تضاعف عمليات الشراكة وتجزئة الملْكيات العقارية. وكان هناك عامل آخر شكّله الدروز من دون أن يتوقعوا نتائجه؛ إذ نتيجة تركيبة الدروز لاجتماعية، انخرط المشايخ الكبار والصغار في أكبر نسبة من الهدر العقاري حفاظا على نفوذهم ومكانتهم لاجتماعية. وفيما استمر المسيحيون في إقليم التفاح قرابة قرن من الزمن، أي حتى منتصف القرن الثامن عشر، بعيدين عن أي تصرّف بملْكية عقارية مستقلة، باستثناء الملْكيات التي أحيلت إلى الرهبانية المارونية، أخذوا ابتداء من النصف الثاني من القرن الثامن عشر يتصرفون بملْكيات عن طريق مشاركة المشايخ الدروز مناصفة. كما نتج من عمليات الميراث في الملْكيات العقارية في إقليم التفاح تفتّت الأراضي وتوزّعها بالتساوي بين الدروز والمسيحيين. وقد أدى تكاثر سكان الإقليم إلى جعل الملْكيات تتجزأ إلى النصف ثم الى الربع. كذلك نتج من تدمير العلاقات بين أصحاب العُهَد والفلاحين تحجيم دور المشايخ، بحيث ارتفعت عن الفلاحين كل أساليب الهيمنة و لارتهان والتبعية، فبدأ دورهم يتنامى. وتزامن ذلك مع إهمال ما بقي من ملْكيات عائدة إلى الدروز في المنطقة، فأصبحت تلك الملْكيات تنتظر من يحييها من جديد. هذا الأمر دفع بعض ا المّك الدروز ممّن لم يوفَّقوا في بيع أرضهم إلى رهنها بشروط قاسية، لتسديد الديون المترتبة عليهم، أو لشراء أملاك في قريتهم يمكن لاعتناء بها وجني خيراتها، قبل أن يجد هؤلاء أنفسهم مضطرين إلى بيع الأراضي تخلصا من الفوائد التي كانت ترهقهم نتيجة التأخر في سداد الدَّين. وإذا كانت القيادة الروحية والسياسية الدرزية نجحت في الحيلولة دون تطور النزاع على الملْكيات العقارية بين الدروز إلى صراعات دموية، فإن النزاعات الدرزية - المسيحية على الملْكيات العقارية، التي تقاطعت مع تطور النفوذ الأجنبي
في لبنان مقابل تشبث الدولة العثمانية بوجودها في المشرق العربي، أدت إلى اتخاذ الصراعات طابعًا دمويًا. وقد شكّلت حوادث عام ٥٤٨١ وما شهدتها من معارك طائفية ضربة قاسية للعلاقات الدرزية - المسيحية، كان من بين نتائجها انعدام الثقة بين الفلاحين والشركاء أصحاب العهدة. وفي إثر ذلك، عومل الفلاحون بقسوة شديدة، فسُلبت حرياتهم وضُيّق عليهم حتى أصبحوا في واقع أقرب إلى العبيد. وفي وقت لاحق أدت أحداث ٠٦٨١ أيضًا إلى جمود عام في الحالة لاقتصادية، وتراكمت الديون على عائلتي آل عبد الصمد وآل أبو شقرا نتيجة اضطرارهم إلى شراء الأسلحة والذخائر وتأمين المواد الغذائية. وعندما عاد المشايخ الدروز إلى عامّطور صيف عام ١٦٨١، كان كل شيء قد تغريّ نتيجة جعل جبل لبنان متصرفية تتمتع بشبه استقلال عن الدولة العثمانية. واستتبع ذلك إلغاء نظام لالتزام ودور أصحاب العهدة في المجالين لاقتصادي و لاجتماعي، ليضع الفلاحون أيديهم على الأرض التي كانوا يشتركون في ملْكيتها مع المشايخ الدروز. وأصبح الفلاحون والمشايخ متساوين في الحقوق والواجبات. إزاء هذا الوضع، شهدت القرى والمزارع في إقليم التفاح وإقليم جزين حالة من الفوضى والتعديات على الملْكيات العقارية، وهو ما اضطر الدروز إلى حلها عن طريق المفاوضة لا عن طريق المحاكم النظامية. أمّا الفترة الفاصلة بين عامي ٥٦٨١ و ٥٧٨١، فشهدت حركة بيع لافتة للملْكيات العقارية التابعة للدروز. وفي الربع الأخير من القرن التاسع عشر، أصبحت الملْكيات العقارية في إقليم التفاح عبئًا على أصحابها الدروز بسب عدم القدرة على الحضور فيها بشكل يؤمّن مراقبتها والحفاظ على حصصهم من الإنتاج، بعد أن تعرّض كثير من هذه الملْكيات للاجتزاء من خلال ضم أقسام منها إلى ملْكيات المسيحيين، وسط تباطؤ الأجهزة القضائية في حسم النزاعات. كما شكّلت ثنائية الضريبة أحد أسباب خروج الدروز من إقليم التفاح، إذ كان المشايخ الدروز يعجزون عن دفع ضريبتين، واحدة عن ملْكياتهم في إقليم التفاح وأخرى عن ملْكياتهم في عامّطور، وهو ما ساهم في دفع المشايخ إلى التخلص من ملْكياتهم في إقليم التفاح بعد أن سببت لهم إرهاقا ضريبيًا، ووجدوا أنفسهم مثقلين بالديون التي أدت في كثير من الأحيان إلى فرض الحجز على بعض ملْكياتهم في عامّطور. خلاصة القول، إن تحوّل الملْكيات العقارية في بلاد جزين وإقليم التفاح من الدروز إلى المسيحيين كان في جزئه الأكبر نتيجة التطور السكاني و لاقتصادي الذي عاشته المنطقة، وبشكل خاص منذ النصف الأول من القرن الثامن عشر؛ فالدروز أشركوا المسيحيين في الأرض قبل أن يؤدي تحديث القوا ين العثمانية وتطعيمها بنصوص من التشريعات الأوروبية، ولا سيما الفرنسية منها، إلى نوع من الحرية على صعيد المبادلات العقارية. وقد أمّنت هذه النصوص حقوق الملْكية للمسحيين بعد أن كانت مغمورة نتيجة نظام لالتزام الذي مارسه الملتزمون في الإطارين الجبائي و لاجتماعي. وعندما أصبح استقلال المسيحيين عن شركائهم الدروز عقاريًا مسألة قانونية في مفهوم السلطات العثمانية وقضية عقارية سياسية في مفهوم الجماعات الطائفية، جاءت حوادث ٥٤٨١ لتعزّز حتمية الطلاق لاقتصادي العقاري بين المؤسسة لاقطاعية والجماعات المسيحية، انطلاقًا من عمق المشكلة الطائفية التي كان للجانب لاقتصادي أثر فيها. وفي ما بعد شكّل نظلم المتصرفية منعطفًا مصيريًا في جبل لبنان، ولا سيما لجهة إلغاء نظام لالتزام، واستعياب مكوّناته من خلال إدارات المتصرفية، لتجد منطقة جزين، وإقليم التفاح نفسه، أمام صفحة جديدة من التاريخ.