الاندماج الاجتماعي للأقباط في مصر الثورة
The Social Integration of Copts in Revolutionary Egypt
الملخّص
* مدرّسة العلوم السياسية – كلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة.
Abstract
Mujeeb examines the main factors influencing the political and social integration of Egypt’s Coptic Christians through an analysis of the most pressing developments affecting them following Egypt’s revolution. Despite some positive social indicators that emerged during and after the revolution, showing signs of political and social integration of Copts, others point in a different direction. Specifically, these include an increase in sectarian incidents in Egypt and the changes in how the state and religious institutions (the Coptic Church in specific) relate to each other, in addition to a parliament and presidency with an Islamist majority. These events occurred in tandem with the death of the Coptic Pope, leading to the Coptic Church undergoing a transitional phase that paralleled the one of Egypt. As the relationship between society and state continues to form in Egypt, the political and social integration of the country’s Copts remains at stake. Mujeeb’s analysis deals with important questions, mainly: Have recent developments in Egypt been dealt with in a manner reinforcing the inclusion of Copts? Or have these developments intersected with an inherited legacy that produces further obstacles to the political and social integration of Copts? Mujeeb attempts to answer these questions by relying on the examination of the triangular relationship between the regime, the church, and the Copts, as well as by analyzing the social relationship between Copts and Muslims in Egypt. Mujeeb concludes that a barrier of fear has been broken, but even if the triangular relationship imposed under authoritarian conditions may have ended, these shifts have not yet led to overcoming the obstacles that prevent the full political and social assimilation of Egypt’s Copts.
- الأقباط المصريين
- اندماج اجتماعي
- الإسلام السياسي
- الكنيسة الأرذثوكسية
- Copts
- January 25 Revolution
- Social Integration
- Political Islam
- Church
- Egyptian Government
تتناول هذه الورقة بالبحث أهم العوامل المؤثرة في الاندماج السياسي والاجتماعي لأقباط
مصر بعد الثورة، وذلك بمحاولة تحليل أهم المستجدات التي أثّرت في «الملف القبطي» بعد
الثورة المصرية. ولعل خصوصية الوضع المجتمعي المصري بعد ثورة كانون الثاني/ يناير قدّمت
معطيات جديدة بشأن الاندماج بوجه عام، وبخاصة الاندماج السياسي والاجتماعي للمصريين
الأقباط؛ فمعطيات على شاكلة صعود تيارات الإسلام السياسي، وتواتر الحوادث الطائفية،
وتبدّل شكل العلاقة بين الدولة والمؤسسات الدينية بوجه عام، والكنيسة بوجه خاص، ثم
برلمان ذي أغلبية إسلامية، يليه انتخابات رئاسية أفرزت صعودًا إسلاميًا إلى سدة الحكم، تزامنًا
مع رحيل رأس الكنيسة ومرورها بمرحلة «انتقالية» موازية للمرحلة الانتقالية التي مرت بها
الدولة. هذه المعطيات تؤثر كلها في اندماج الأقباط سياسيًا واجتماعيًا في مرحلة حرجة تتشكل
فيها طبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة في مصر على أرضية جديدة. هذه المستجدات المتواترة لا يمكن التعامل معها إالّ في إطار دولة ديمقراطية مستقرة تتأسس
على مبدأ الثقة في مؤسسات العدالة، واحترام الصالح العام لجموع المواطنين، بعيدًا من حالة
الاغتراب التي يعانيها كثيرون، بينما كلما تراجعت دولة القانون، ازداد الولاء للانتماءات
الأضيق، وتبلور الاستقطاب، وتلاشى الطابع التعددي لصالح الأحادية، وبرزت العزلة. فهل
تم التعامل مع تلك المستجدات بما يحقق اندماج الأقباط، أم أن تلك المستجدات تشابكت مع
الموروثات المتراكمة لتنسج معوقات إضافية لاندماج الأقباط سياسيًا واجتماعيًا؟ هذا ما تحاول
الدراسة الإجابة عنه، مستندة إلى ثلاثية العلاقة بين النظام والكنيسة والأقباط، وتجاه العلاقات
الاجتماعية مع المسلمين. وأهم ما توصلت إليه هو أنه جرى كسر حاجز الخوف والخروج من
شرنقة العلاقة الثلاثية التي فُرضت في ظروف سلطوية، من دون أن يؤدي هذا التبدل إلى الحد
من المعوقات القائمة أمام اندماج الأقباط سياسيًا واجتماعيًا.
مقدّمة
تعاني المفاهيم في العلوم الاجتماعية إشكالية التعريف والدلالة، وبقدر تعلّق الأمر بمفهوم الاندماج،
فإنه ينطوي لغويًا واصطلاحيًا على معنى عام يُقصد منه عملية توفير الفرص على قدم المساواة
لتوطيد الروابط الاجتماعية من خلال المشاركة في أوجه النشاط الاجتماعي (سياسيًا، واقتصاديًا، واجتماعيًا،
وثقافيًا) والمؤسسات العامة. بهذا المعنى، يُعتبر الاندماج عملية ممارسة المواطن لأدواره داخل البنى السياسية
والاقتصادية والاجتماعية، أكان من خلال سعيه -على المستوى المجتمعي- إلى استعادة مكانه في البنى المختلفة،
أم من خلال قيام الدولة بتفعيل مكانته سياسيًا، واقتصاديًا، واجتماعيًا. ولأن من غير الممكن استيعاب المفاهيم بعيدًا من سياقها، فمن الضروري الجمع بين النظرية والواقع للوصول
إلى طبيعة الجدليات وأهم التساؤلات التي تثيرها تلك المفاهيم النظرية. ومن ثم، كان من الأهمية الربط بين
مفهوم الاندماج وحالة واقعة للربط بين جدليات المفهوم والواقع المعيش. ولأن معطيات الربيع العربي طرحت
تساؤلات عدة في ما يتعلق بمسألة الاندماج نظريًا وعمليًا، جعلها معطيات جديرة بالبحث والدراسة. بالطبع لا ينفصل الواقع المصري عن الواقع العربي، كما أن خصوصية الوضع المجتمعي في مصر بعد ثورة
25 يناير قدّمت معطيات جديدة بشأن الاندماج في مصر بوجه عام، وبخاصة الاندماج السياسي الاجتماعي
والاجتماعي للأقباط المسيحيين. فمعطيات على شاكلة صعود تيارات الإسلام السياسي، وتواتر الحوادث
الطائفية، وتبدّل شكل العلاقة بين الدولة والمؤسسات الدينية بوجه عام، والكنيسة بوجه خاص، ثم برلمان (غير
دستوري) ذي أغلبية إسلامية يليه انتخابات رئاسية أفرزت صعودًا إسلاميًا إلى سدّة الحكم، تزامنًا مع رحيل
رأس الكنيسة ومرورها بمرحلة (انتقالية) موازية للمرحلة الانتقالية التي مرّت بها الدولة؛ كلها معطيات تؤثر
في الاندماج السياسي والاجتماعي للأقباط في مرحلة حرجة تتشكّل فيها طبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة في
مصر على أرضية جديدة. وفي هذا الإطار يبرز التساؤل الرئيس الذي تحاول الورقة الإجابة عنه في ضوء معطيات الواقع السياسي المصري
وانعكاسه على اندماج الأقباط: ما هي العوامل المؤثرة في اندماج الأقباط في مصر الثورة على المستويين السياسي
والمجتمعي؟ وتتفرع من هذا التساؤل تساؤلات عدة: إلى أي مدى حدث تغريّ في طبيعة المجتمع (القبطي) بعد
الثورة؟ كيف يمكن توصيف العلاقة بين النظام والكنيسة؟ وهل هناك تغير في طبيعة هذه العلاقة عامّ كانت
عليه من قبل؟ ما هي مخاوف الكنيسة المصرية من سقوط النظام السابق؟ كيف يمكن تفسير وتحليل طبيعة
العلاقات الاجتماعية الإسلامية- المسيحية بعد الثورة في ضوء تواتر الحوادث الطائفية؟ هل خرج الأقباط
من أحضان الكنيسة على المستوى السياسي أم أن الكنيسة لا تزال هي الممثّل السياسي لهم؟ كيف يمكن تحليل
مشاركة الأقباط في العمل العام في ضوء مشاركتهم في الاستفتاء على الإعلان الدستوري والانتخابات البرلمانية
والرئاسية؟ ما هي مظاهر الاستمرار والتغريّ في تعامل النظام مع الأقباط بعد الثورة؟ هل باتت “ تطمينات ”
الرئيس المنتخَب للأقباط في محلها، أم أن هناك حوادث اجتماعية وسياسية أدّت دلالاتها إلى مزيد من التخوف
حول اندماج الأقباط سياسيًا واجتماعيًا في مصر الثورة؟ إن الدراسة، في طريقها للإجابة عن هذه التساؤلات، تطرح اندماج الأقباط كمتغريّ تابع للمؤثرات والمتغيرات
1 تم حل برلمان 0122 بناء على قرار المحكمة الدستورية العليا برئاسة المستشار فاروق سلطان بتاريخ 14 حزيران/ يونيو 2012.
المستقلة المتعلقة بمعطيات المرحلة الانتقالية، كطبيعة العلاقة بين الكنيسة والنظام، والعلاقة بين الكنيسة
والأقباط، وصعود الإسلاميين، لدراسة تأثيرها في اندماج الأقباط في مصر الثورة، والتعرّف إلى المستجدات
التي طرأت على تفعيل أو إعاقة اندماج الأقباط بعد الثورة. ولعل ما يميّز تلك الدراسة تركيزها على مرحلة ما
بعد ثورة يناير بشكل يساعد على دراسة الاندماج الاجتماعي في مصر.
ملاحظات عامة
أولا: إن التركيز على الأقباط الأرثوذكس دون البروتستانت أو الكاثوليك يتضمّن نوعًا من افتراض فحواه
أن المواقف الكاثوليكية والبروتستانتية على كلٍّ من الجانب السياسي الاجتماعي والاجتماعي مختلفة، وهذا غير
صحيح؛ فالاختلاف العقيدي بين الطوائف الثلاث لم يؤثر في مواقفها السياسية والاجتماعية بالفروق نفسها على
الجانب العبادي. ومن ثم، فإن في الموقف السياسي قدرًا من التجانس بين الطوائف، وهو ما يعني أن بإشارتنا إلى
الأقباط نشير إلى جماعة قبطية بجميع طوائفها. ثانيًا: إن الأقباط لا يشكّلون «جماعة مستقلة» أو «كتلة مغلقة متجانسة»، فهُم غير متماثلين من حيث الانتماء
الاجتماعي والسياسي، وهُم منتشرون في جسم المجتمع رأسيًا، فمنهم العامل والفلاح والمهني والحرفي ورجل
الأعمال والتاجر، ولا يربط بينهم سوى الانتماء إلى مصر من جانب، والانتماء الديني من جانب آخر، وبين
هذين الانتماءين تفترق المصالح والتحيزات والرؤى. ونتيجة لعدم التجانس، لا يتّخذ الأقباط مواقف متماثلة
تجاه القضايا العامة، ولاسيما في ما يتعلق بالشأن القبطي. إن عوامل من قبيل «الأوضاع التاريخية» و«الخلفية
العلمية» و«الانتماء الطبقي» و«الإدراكات الشخصية» و«الموقع السياسي» تؤدي دورًا لا يستهان به في تحديد
محتوى مفهوم «الأقباط» وشكل تناوله. ثالثًا: قبيل محاولة الإجابة عن تساؤلات الورقة، يتعنيّ التفرقة بين الأقباط كجماعة دينية تمثّلها الكنيسة
الأرثوذكسية والأقباط كفئة اجتماعية تنتشر في النسيج الوطني المصري. فالمصريون الأقباط، على اختلاف
انتماءاتهم الاجتماعية والسياسية والمذهبية، لا يمكن اعتبارهم كتلة اجتماعية أو سياسية واحدة مندمجة، ولكن
المرجّح أن عقودًا من التوترات الدينية والطائفية، واندماج فئات واسعة داخل المؤسسات الدينية المسيحية
الرسمية وغير الرسمية، جعلت القيادات الدينية تؤدي أدوارًا كثيرة في تمثيل مصالح الأقباط وفي التعبير عنهم
في المجال العام وإزاء الدولة. رابعًا: يثير تعبير «الجماعة القبطية» أو «الشأن القبطي» أو «المسألة القبطية» تصورًا مفاده أننا إزاء نسق
اجتماعي- ديني مواز لنسق اجتماعي للأغلبية من المصريين المسلمين على اختلاف وضعياتهم، بل إنه يوحي
بقدر من الغموض يفرضه التعبير، وسنده مجموعة من الصور النمطية القائمة في الذهنية العامة بشأن الأقباط
ومؤسستهم الدينية وطقوسهم، ومن ثم يوحي بأننا إزاء كتلة اجتماعية – دينية تحولت إلى كتلة سياسية تحت
سطوة الانتماء الديني والمذهبي، ولكن يجب الأخذ بالاعتبار أن هذا التصنيف هو من قبيل التصنيف الدراسي
والأكاديمي فقط.
2 سعيد النجار، «مفهوم المواطنة في الدار الحديثة،» رسائل النداء الجديد، العدد 64 (أيار/ مايو.)2003
3 E. J. Chitham, The Coptic Community in Egypt: Spatial and Social Change , Occasional Papers Series; no. 32 ([Durham]: University of Durham, Centre for Middle Eastern and Islamic Studies, 1986), p. 42.
أولا: القسم المنهجي
تتعدد المقولات والجدليات التي يطرحها مفهوم الاندماج الاجتماعي كمدخل لدراسة اندماج الأقباط في مصر
سياسيًا واجتماعيًا بعد الثورة. ولا يخفى أن تحليل وضع الأقباط يتطلب تحليل طبيعة المجتمع القبطي تحت حكم
النظام السابق، وشكل العلاقة بين الأقباط والكنيسة، ثم طبيعة العلاقات المجتمعية بين الأقباط والمسلمين.
وللتعرّف إلى اندماج الأقباط قبل الثورة وبعدها، يتعنيّ أن يُشار سريعًا إلى تاريخ اندماج الأقباط اجتماعيًا بحيث
أفرز - – في ما بعد شكالً معيّنًا للعلاقة بين الأقباط والنظام من زاوية، والكنيسة من زاوية ثانية، وشكّل طبيعة
اندماجهم الاجتماعي والسياسي من زاوية ثالثة. تحاول الورقة تحليل طبيعة هذه العلاقات ومقارنتها بأهم النتائج التي يطرحها مفهوم الاندماج، ثم تتطرق
إلى وضع الأقباط على الخريطتين المصريتين السياسية والاجتماعية بعد ثورة يناير عبر تحليل معطيات الاندماج
الاجتماعي في مصر الثورة، ذلك المفهوم الذي يأتي في إطار جدلية العلاقة بين المجتمع والدولة على اعتبار أن
الأقباط جماعة مجتمعية تأثّر اندماجها بتغير النظام السياسي منذ قيام الثورة، ومن ثم تأثرت علاقاتها الداخلية،
وعلاقتها بالكنيسة، وعلاقتها بالنظام، ثم بالدولة ككيان سيادي يملأه النظام. وبعيدًا من التعريفات النظرية والتصنيفات الأكاديمية التي تحلل طبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة في المطلق،
يؤخذ بالاعتبار أن من الصعوبة اعتماد إطار مرجعي واحد لفهم طبيعة الدولة ومقاربة علاقتها بالمجتمع، نظرًا
إلى أن هذه العلاقة تتأثر بالصيرورة التاريخية والثقافية؛ فتصوّر العلاقة بين المجتمع والدولة يتأثر ب «اكتمال عود
الدولة» ومدى افتقار المجتمع إلى ما يكفي من مقومات الثقافة السياسية الجديرة بتحويله طرفًا وندًّا في دينامية
صوغ العقد الاجتماعي الجديد، وهما أمران متحقّقان في الحالة المصرية. لهذا، تتناول الورقة النقاط التالية: - مفهوم الاندماج وجدليات الدولة والمجتمع، - طبيعة العلاقة بين الأقباط والكنيسة والنظام قبل الثورة، - موقف الكنيسة خلال الأيام الأولى من الثورة ومشاركة الأقباط في الثورة. ثم يطرح الجزء الثاني من الورقة «معوّقات الاندماج» بدءًا من صعود التيار الإسلامي ومخاوف الصدام، ثم
تواتر الحوادث الطائفية ودلالاتها، مرورًا ببرلمان ما بعد الثورة، ثم رحيل البابا شنوده الثالث، وصعود المرشح
الإسلامي عبر الانتخابات الرئاسية و«التطمينات» التي وجّهها الرئيس المنتخَب إلى الأقباط، ثم الحوادث التي
أبرزت مواجهات بين الإسلاميين والأقباط بعد انتهاء المرحلة الانتقالية، وأخيرًا ملاحظات ختامية. -1 مفهوم الاندماج وجدليات الدولة والمجتمع تصعب إثارة مفهوم الاندماج من دون التعرّض للعلاقة بين الدولة والمجتمع، ومدى قدرتها على معالجة الصراع
بين القوى والجماعات المتنافسة داخل المجتمع، خاصة أن العلاقة بين الدولة والمجتمع هي أحد المفاتيح
الرئيسة في فهم أوضاع أي نظام سياسي. ويُقصد بالمجتمع التكوينات الاجتماعية، التقليدية منها كالعشيرة أو
4 أمحمد مالكي، «المواطنة بين الدولة والمجتمع،» الديمقراطية، العدد 24 (تشرين الأول/ أكتوبر 0062)، ص.58-51
Philip Oxhorn, Organizing Civil Society: The Popular Sectors and the Struggle for Democracy in Chile انظر:5
(University Park, Pa.: Pennsylvania State University Press, 1995).
الطائفة، أو الحديثة كالطبقات والفئات المهنية، إضافة إلى تنظيمات المجتمع المدني التي تعربّ عن تلك التكوينات
وتدافع عن مصالحها في مواجهة الغير أو في مواجهة مؤسسات الدولة. أمّا الدولة، فيُقصد بها الكيان السيادي
الأعلى – الذي يملأه النظام السياسي - بأجهزتها وسلطاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية، ومدى استقلالية
هذه السلطات في مواجهة التكوينات الاجتماعية وتنظيماتها. العلاقة بين الدولة والمجتمع تتأثّر بوضع الدولة وتاريخها وطبيعتها وشكل نظامها السياسي. ومن ثم، فإن ما قد
تعانيه الدولة من غياب للشرعية والتعددية الحقيقية وتفشٍّ للفساد ينتج منها عدم تجانس في التركيبة المجتمعية،
وسيطرة الولاءات الفرعية، وهو ما يلقي بظلاله على عدم توازن العلاقة بين الطرفين. وفي أي دولة، يتبنّى نظام الحكم فيها سياسات عامة تهدف إلى الوفاء بحاجات المواطنين، الأمر الذي يستدعي
ضرورة إعادة تعريف سيادة الدولة ودورها وعلاقتها بمجتمعها وضرورة وجود حدود لسلطة الدولة وبعدم
قدرتها على تجاوز حدود وقيود مجتمعية وعالمية. ومهما تبدُ الدولة متسلطة، فإنه لا يمكن أن تستقل عن مجتمعها
أو أن تتمتع بحرية غير محدودة في إدارة أمور المجتمع وإعادة تشكيل توازناته وعلاقاته وفقًا لرغباتها. وعليه، أشار جويل مغدال في كتابهقوة الدولة والقوى الاجتماعية إلى أنه يبني نظريته على فرضية رئيسة هي
أن الدولة هي جزء من المجتمع،، وأن أي دولة – ديمقراطية أو دكتاتورية – لا يمكن عزلها عن المجتمع. ويبني
مغدال وجهة نظره على كثير من الأسس: • إن كفاءة كلِّ دولة تختلف بحسب الروابط التي تربطها بمجتمعاتها. ويؤكد مغدال أن من النادر أن تكون
الدول الفاعل الرئيس في المجتمعات، بل على العكس، هناك حدود على قوة كل دولة، وأن استقلال الدولة عن
المجتمع ما هو إالّ حقيقة زائفة. • يصعب عند تحليل الدولة إهمال القوى الاجتماعية الموجودة فيها، وبالتالي يتم وضع اعتبار للمنظمات التابعة
لكلٍّ من الدولة والجماعات الموجودة فيها، أكان على مستوى المركز (العاصمة) أم على مستوى الأطراف. • إن التفاعل في ما بين الدولة والقوى الاجتماعية الموجودة فيها قد ينجم عنه توليد قوة للطرفين، على عكس ما
كان يقال من أن العلاقة بين الاثنين هي علاقة صفرية تنتج منها خسارة تامة لطرف وكسب كامل للطرف الآخر،
بل قد يصل الأمر إلى وجود تحالف بين الدولة وإحدى هده القوى في مواجهة القوى الاجتماعية الأخرى. وبعيدًا من التفسيرات العربية والغربية التي حاولت إعادة فك وتركيب العلاقة بين الدولة والمجتمع، فإن تلك
العلاقة تثير في طياتها التساؤلات والجدليات حول مفهوم الاندماج. فإن ما تعانيه المجتمعات بشكل عام من
مظاهر «عدم التكافؤ» يُعَدّ أمرًا لا يخلو منه أي مجتمع مهما تكن درجة تقدمه؛ فهناك فئة قليلة عدديًا ثقيلة كيفيًا
تتصدر مسرح الحياة الاجتماعية، لامتلاكها الثروة والسلطة والمعرفة، بينما يفرض على الفئة الأكبر أن تبقى على
هامش الحياة وغير مندمجة سياسيًا أو ثقافيًا أو اجتماعيًا.
6 نبيل عبد الفتاح، سياسات الأديان: الصراعات وضرورات الإصلاح، مختارات ميريت (القاهرة: ميريت للنشر والمعلومات، 2003)،
ص 334.
7 Joel S. Migdal, Atul Kohli and Vivienne Shue, eds., State Power and Social Forces: Domination and Transformation in the Third World , Cambridge Studies in Comparative Politics (Cambridge, [England]; New York: Cambridge University Press, 1994), Introduction, pp. 1-4.
8 ثناء فؤاد عبد الله، «أزمة الطبقة الوسطى في مصر،» المستقبل العربي، السنة 23، العدد 026 (تشرين الأول/ أكتوبر 0002)، ص 83
تثير هذه الأوضاع كثيرًا من التساؤلات التي ترتبط بالفئات غير المندمجة والتحديات التي تواجهها، لأن
المجتمعات تتسم بدرجة عالية من التعقيد والتنوع وعدم التجانس، وتعاني صعوبة في رسم خريطة للهويات
والطبقات والإثنيات والجماعات واضحة المعالم والأبعاد. هذا ينشئ أشكاالً مختلفة من الصراعات والتوترات
والتمزقات، ممّا ينعكس سلبًا على المجتمع بصورة عامة، ويضاعف من مشكلات عدة كالبطالة وقلة الموارد
وزيادة الفجوة بين الفئات الاجتماعية، ومن ثم غياب المشاركة وضعف الوعي السياسي العام، وزيادة
التغريب الثقافي وظهور ما يُعرف بثقافة العزلة والاغتراب والانفصال عن المجتمع، ومن ثم عدم الاندماج. يولد الاندماج من رحم جدلية العلاقة بين المجتمع والدولة، خاصة أنه موضوع حيوي وكاشف لطبيعة البنية
الاجتماعية في أي مجتمع. فغياب الاندماج ليس أمرًا شخصيًا، ولا راجعًا إلى تدينّ القدرات الفردية فقط، بقدر
ما هو حصاد بنية اجتماعية معيّنة، ورؤى محدّدة، ومؤشر على أداء هذه البنية لوظائفها. وهو ليس شأن الفقراء
وحدهم أو الأغنياء وحدهم، وإنما هو مشكلة الجميع - الدول والمجتمعات والمستبعَدين- وليس أمامهم سوى
مواجهة الاستبعاد وتعظيم الاندماج. -2 مفهوم الاندماج: جدليات وتساؤلات لا يوجد مجتمع لا يشهد جماعة أو جماعات تواجه عدم الاندماج، ولا يوجد دمج لجماعة من دون استبعاد جماعة
أخرى. لذا، يدخل تحليل المفهوم ضمن حقول علمية كثيرة، كالاجتماع وعلم النفس والأنثروبولوجيا. وفي
إطار السياسة، تشير نانسي فريزر إلى أن السياسة تعني من هو في الداخل، ومن هو في الخارج، وبالتالي يصبح
الاندماج شيئًا ضروريًا. يثير المفهوم الكثير من التساؤلات، مثل إلى أي مدى تستطيع أي جماعة داخل أى مجتمع أن تحتفظ بهوياتها
وتضمن في الوقت ذاته الاندماج في مجتمعاتها؟ إلى أي مدى يطرح المفهوم المشكلات التي تواجهها الدولة
ومجتمعها سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا؟ هل الاندماج يؤدى إلى استقرار المجتمع، أم أنه يصعد من المطالبة
بالمشاركة والوصول إلى السلطة ومن ثم الصدام معها؟ ما هي الأبعاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية
لغياب الاندماج؟ يرتبط مفهوم الاندماج مع مفاهيم أخرى مثل العدالة الاجتماعية؛ فبعد النقاش الدائر حول عدم الاندماج
وكونه نتاجًا للسياقات المختلفة لغياب العدالة والمساواة، ينظر إلى غير المندمجين على أنهم الآخر غير المضمَّن
والمراد تضمينه. فغياب العدالة الاجتماعية يؤدي إلى الافتئات على حقوق بعض الفئات، وهو ما يضر
9 أحمد مجدي حجازي، «الطبقة الوسطى وثقافة التهميش،» الديمقراطية، العدد 16 (تشرين الأول/ أكتوبر 004-51)2، ص 66.
0 1 نيكوس بولانتزاس، السلطة السياسية والطبقات الاجتماعية، ترجمة عادل غنيم، ط 3 (القاهرة: دار الثقافة الجديدة، 1989)،
ص 73.
11 Phil Agulnik [et al.], Understanding Social Exclusion (Oxford; New York: Oxford University Press, 2002), p. 13. 12 J. Estivill, “Partnership and the Fight against Exclusion,” (Lessons from the Program Poverty 3, GEIE, International Institute for Labor Studies, Bruxelles, 1994). 13 Nancy Fraser, Scales of Justice: Reimagining Political Space in a Globalizing World , New Directions in Critical Theory (New York: Columbia University Press, 2009), p. 149. 14 Yusuf Sayed, Crain Soudien and Nazir Carrim, “Discourses of Exclusion and Inclusion in the South: Limits and Possibilities,” Journal of Educational Change , vol. 4, no. 3 (September 2003), pp. 231-248. 15 Roger Slee, “‘Inclusion in Practice’: Does Practice Make Perfect?,” Educational Review , vol. 53, no. 2 (June 2001), pp. 113-123.
بالتفاعل بين الجماعات المختلفة، ولجوء كل جماعة إلى البحث عن مصالحها في المجال العام والخاص من دون
النظر إلى مصلحة المجتمع المشتركة. وإذا كان تعدّد الهويات بطبعه يُنتج مناخًا للتعددية والاختلاف، فإن أبعاد الاختلاف المتباينة قد تؤدي إلى
الصراع بين هذه الهويات والصراع بعضها بين بعض، ومن ثم فإن الاختلاف في العقائد أو الأيديولوجيات
أو الدِّين أو الوظائف قد ينتج منه عدم اندماج لبعض الجماعات واستيعاب للبعض الآخر. ومحورية مفهوم
الاختلاف هي الفلسفة وراء المواطَنة والعضوية داخل الدولة بغضّ النظر عن أبعاد الاختلافات. ولعل
الصعوبة في الوصول إلى مجتمع متجانس ما هي إالّ انعكاس لسياسات الاندماج والاستبعاد. ويصعب
وجود أي مجتمع بشري لا يشهد درجة من درجات هذا الانقسام والتعدد، ولكن الأمر المهم هو كيفية
التعامل مع هذه التعددية والآثار المترتبة عليها؛ فالتعددية قد تكون مصدرًا لقوّته من خلال تفعيل حقوق
المواطَنة واحترام الهويات المختلفة داخل الدولة، الأمر الذي يجعل التنوع مصدرًا لثراء المجتمع لا عائقًا
أمام التنمية. يُستنتج ممّا سبق أن مفهوم الاندماج ينطوي - لغويًا واصطلاحيًا- على معنى عام يُقصد منه عملية خلق
الفرص على قدم المساواة لتوطيد الروابط الاجتماعية من خلال المشاركة في أوجه النشاط الاجتماعي (سياسيًا،
واقتصاديًا، واجتماعيًا، وثقافيًا) والمؤسسات العامة. وتأسيسًا على ذلك يولّد المفهوم ثلاث نتائج أساسية هي: • إن مفهوم الاندماج مفهوم إيجابي، ومفهوم الاستبعاد مفهوم سلبي. ومن شأن هذا أن يجعل كلّ سياسة
تضمينية اندماجية تهدف إلى مقاومة الاستبعاد. ولكن هذه النظرة السطحية تجافي الواقع، لأن اندماج أي
جماعة يتطلب بالضرورة استبعاد جماعة أخرى ولو بشكل جزئي، أو استبعاد للجماعة نفسها وإنما في مجال آخر.
فللتضمين تأثيرات استبعادية. • إن مفاهيم كالتسامح والتعددية أدّت إلى ظهور مفهوم الاندماج للتعامل مع مسائل كالهوية والآخر والتكوينات
الاجتماعية المتباينة التي تتفاعل داخل المجتمعات، بقصد أو بغير قصد. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إدماج الجميع
في إطار المواطَنة، خاصة في ظل ازدياد موجات الهجرة والتعددية الإثنية، لذا يحيط بمفهوم الاندماج شبكة من
المفاهيم الأخرى ذات الصلة والتي تثري المفهوم وتجعله أكثر حيوية ودينامية. • إن الاندماج عملية تطبيع تتيح التفاعل بين مختلف الجماعات باختلاف هياكلها وانتماءاتها، ومن ثم ضرورة
الأخذ بالاعتبار علاقات القوة داخل المجتمع سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وهي العلاقات التي تؤثر في النهاية
في أوضاع المجتمع الداخلية. إن الاندماج، أيًا يكن تعريفه، ليس الغاية في حد ذاته، إنما هو وسيلة لدعم التسامح وقبول الآخر والحصول
على الحقوق، وهو لن يكون مفعالً إالّ بمشاركة الجانبين – الدولة والمجتمع. فالمفهوم يرتبط بجانبين، أولهما
مسألة الجماعات المراد إدماجها، وثانيهما أشكال الاندماج وآلياته، حيث يشمل الاندماج الكثير من الآليات
16 Joseph Rothschild, Ethnopolitics: A Conceptual Framework (New York: Columbia University Press, 1981), pp.170-
17 John Milton Yinger, Ethnicity: Source of Strength? Source of Conflict? , SUNY Series in Ethnicity and Race in American Life (Albany: State University of New York Press, 1994), Conclusion, pp. 343-349. 18 Howard Saul Becker, Outsiders; Studies in the Sociology of Deviance (London: Free Press of Glencoe, [1963]), p. 2. 19 Peter Kivisto, ed., Incorporating Diversity: Rethinking Assimilation in a Multicultural Age (Boulder, Colo.: Paradigm Publishers, 2005), Introduction.
والسياسات التي تهدف إلى الاستيعاب داخل النظام السياسي. وتقوم هذه السياسات على كثير من الأسس مثل
وجود ثقافة سياسية تسمح باستيعاب الاختلافات بأبعادها المختلفة، وتفعيل المساواة الاقتصادية والاجتماعية،
والاعتراف الثقافي. -3 ركائز التحليل في إطار السياق العام، يجب تأكيد أن واحدًا من المحددات التي تؤثر في اندماج الأقباط هو طبيعة الإطار
المجتمعي لهذه العلاقة؛ فنظام الحكم الضعيف والمأزوم يلجأ إلى استبعاد الجميع لإلهاء المواطنين في التنازع
الداخلي أو الاحتشاد لطلب المطالب بعيدًا منه. وهذا الأمر يُضعف كثيرًا من مناعة الوطن الداخلية. ولا يُقصد بالسياق العام عزل الدِّين عن مجمل الحياة في المجتمع، لأن في هذا تزييفًا للإشكالية، وخروجًا عن
السياق، بل زيادة احتدام الأوضاع وتحويلها إلى حلقات مفرغة، وهو ما يعطي سمة عدوانية لأي حوار ممكن
أن ينشأ، في حين أن الانتباه الموجَّه إلى السياق يساعد على تجاوز التوترات والمشكلات. ولعل ثلاثية النظام- الكنيسة - الأقباط هي الأجدر بالتحليل فور تأمُّل طبيعة وضع الأقباط قبل الثورة تجاه كلٍّ
من الكنيسة والنظام، وتجاه العلاقات الاجتماعية مع المسلمين. ويعني ذلك أن طبيعة النظام السياسي المصري قبل
الثورة دفعت به إلى تبنّي شكل علاقة معنيّ مع المؤسسة الدينية الكنسية، الأمر الذي انعكس على الأقباط ككل
وأدّى إلى تعامل النظام معهم ككتلة واحدة متجانسة يمثّلها البابا شنوده سياسيًا ودينيًا. وقبل تحليل هذه العلاقة الثلاثية، يجب أخذ بعض المتغريّات بالاعتبار. أولا: طبيعة «المجتمع المسيحي» بشكل عام
داخل الدولة، فهل هناك طائفة مسيحية واحدة أم هناك عدة طوائف؛ إذ بوجود طائفة وحيدة أو طائفة أكبر من حيث
العدد بفرق كبير عن الطوائف الأخرى، كما هي حال الأقباط الأرثوذكس، يكون من السهل على النظام التعامل
مع الزعيم الديني للأقباط واعتباره الممثّل السياسي لهم. أمّا تعدّد الطوائف، فقد يؤدى إلى تواصل هذه الطوائف
وتكوين جبهة للمطالبة بمطالب الجماعة المسيحية بشكل عام. ثانيًا: طبيعة العلاقة بين «شعب الكنيسة» والكنيسة،
فهل ينظر المسيحيون إلى الكنيسة باعتبارها وطنًا لهم أم يقصرون نظرتهم إليها باعتبارها مؤسسة دينية يمارسون فيها
شعائرهم؟ ثالثًا: طبيعة العلاقة بين الكنيسة والنظاموالتي قد تتسم بالتقارب الشديد في حالة وجود أو نشوء خطر
مشترك يواجه الطرفين، ومن ثم تلجأ الكنيسة إلى تأييد النظام وإن كان هناك افتئات على حقوق المسيحيين، خوفًا
من أن يحل هذا الخطر محل النظام حال سقوطه، وهذا ما تبنّاه النظام السابق في ما يُعرف بفزَاعة الإسلاميين، خاصة
في ظل غموض خطاب الإسلاميين السياسي وتخبّطه، وموقفهم من قضايا المواطَنة والآخر. رابعًا: المتغير الأمني،
بمعنى الوقوع بين مطرقة دفاع الكنيسة عن مطالب تابعيها ومعاداة النظام وسياساته وسندان المهادنة والتفاهم
مع النظام باعتباره المصدر الرئيس لتأمين الكنيسة وشعبها. خامسًا: قوة ونشاط ما يمكن تسميته المجتمع المدني
«المسيحي» وقدرته على الوقوف والاعتراض على العلاقة بين الكنيسة والنظام، ومن ثم العلاقة بين هذه الجماعات
المدنية والنظام من جانب وبينها وبين الكنيسة من جانب آخر. لذا، نجد عددًا من النشطاء السياسيين والعلمانيين
02 وللكاتبة مقال آخر عالج الموضوع نفسه، ونشُر على الموقع الإلكتروني. انظر: مي مسعد، «التمييز القبطي واستبعاد الدولة في
مصر،» (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، آب/أغسطس:)2011 <http://www.dohainstitute.org/release/e0bb9656-
ef47-452a-a889-90815fd60fd0>.
وقد نشرت هذه الدراسة في: عمران، السنة 1، العدد 1 (صيف 0122)، ص 189 –.207
21 وليم سيدهم اليسوعي، المواطنة عبر العمل الاجتماعي والعمل المدني، سلسلة العلوم الاجتماعية (القاهرة: مكتبة الأسرة، 0072)،
ص.346
الأقباط يستخدمهم النظام في مواجهة الكنيسة. سادسًا: الوضع العام لكنائس الشرق الأوسط عمومًا، ويُقصد
بذلك الخصائص التي تميّز كنائس الشرق الأوسط، مثل طبيعة النظام البطريركي للكنيسة الضامن لدورها في
الشؤون الاجتماعية والسياسية من خلال رأس الكنيسة، والدور الوطني الذي أدّته تلك الكنائس إبان فترات
الاستعمار، وطبيعة دول الشرق الأوسط- ذات الأغلبية المسلمة- والتي تعاملت مع ممثلّي المِلل كممثّل رسمي
للطائفة أمام السلطة المركزية منذ أيام الدولة العثمانية للتحدث بالنيابة عن تابعيها (نظام المِلل). ولذلك يمكن
تسمية العلاقة بين الكنيسة والنظام «نظام الملة الجديد»حيث استمر رأس الكنيسة متحدثًا رسميًا نيابة عن
الأقباط وفقًا للترتيب الكنسي الهيراركي. هذه المتغيرات تتضافر في تحديد شكل ثلاثية النظام- الكنيسة- الأقباط
ورسمه، أكان قبل قيام الثورة أم بعد قيامها. من المهم عند تناول مسألة اندماج الأقباط السياسي والاجتماعي أن يؤخذ بالاعتبار تباين النظرة التي تصنّف
الأقباط، أكان ذلك من قِبل الأقباط أنفسهم، أم من قِبل غيرهم؛ فهناك من ينظر إلى الأقباط باعتبارهم جماعة أو
كتلة واحدة متجانسة، ومن ثم مطالب الغني كمطالب الفقير، وأقباط الصعيد كأقباط الوجه البحري من دون
تمييز. وهناك من ينظر إلى الأقباط باعتبارهم طائفة، أي جماعة دينية تنصبُّ مطالبها على المطالب الدينية كبناء
الكنائس، ومن ثم ليس لها مطالب سياسية مدنية. وهناك من يرى الأقباط مواطنين مصريين لهم مطالب دينية
ومدنية قد تتقاطع مع مطالب مواطنين من غير الأقباط، ومن ثم الخروج من دائرة المجال الخاص إلى المجال
العام بدالً من استمراء الانزواء إلى المجال الخاص.
ثانيًا: وضع الأقباط السياسي و الاجتماعي في عهد مبارك
لقد اتسمت فترة حكم مبارك بالشراسة والرخاوة وقمع التمثيل والمشاركة السياسية، وهو ما خلق مجتمعًا
سياسيًا راكدًا، وحَوّل المواجهات والصراعات والصدامات إلى مجالات أخرى ثقافية واجتماعية. وفي ظل هذا
الفراغ السياسي تبلور دور المؤسسات الدينية في المجال السياسي، سواء من أجل التأثير في معتقدات العامة
وأساليب حياتهم، أو من أجل الحفاظ على الهوية وتدشين الشعور بالاختلاف في حالة الأقليات الدينية، أو
من أجل تقديم الخدمات الاجتماعية التي عجزت الدولة عن الوفاء بها. ولم تكن المؤسسة الكنسية الأرثوذكسية استثناء من ذلك؛ فعلى مستوى طبيعة العلاقة بين النظام والكنيسة،
عمد النظام إلى اختزال الأقباط جميعهم في شخص رأس الكنيسة، وتوافق ذلك مع الطبيعة الكاريزمية والخلفية
السياسية لقداسة البابا شنوده الذي صار الممثّل السياسي والديني للأقباط، مع تمتعه باستقلالية فوقية عن
«المجتمع المسيحي»، كى لا يخضع لتأثيرات هذا المجتمع، ومن ثم يصبح ربما ندًّا للنظام في ما بعد. ونتيجة
لذلك أيّدت الكنيسة – في موقفها الرسمي - ترشيح مبارك الأب في انتخابات الرئاسة لعام 0062، على الرغم
22 Jean Corbon, «The Churches of the Middle East: Their Origins and Identity, from their Roots in the Past to their Openness to the Present,» in: Andrea Pacini, ed., Christian Communities in the Arab Middle East: The Challenge of the Future (Oxford: Clarendon Press; New York: Oxford University Press, 1998), pp. 92-110.
جدير بالذكر أن مجلس كنائس الشرق الأوسط يمثّل هيئة دينية تضم العائلات الكنسية الأربع في الشرق الأوسط، وهي الأرثوذكسية،
والأرثوذكسية المشرقية، والإنجيلية، والكاثوليكية. وتنتمى الكنيسة القبطية إلى العائلة الأرثوذكسية المشرقية.
23 Fiona McCallum, “Religious Institutions and Authoritarian States: Church–State Relations in the Middle East,” Third World Quarterly , vol. 33, no. 1 (February 2012), pp. 109-124. 24 Bassma Kodmani, “The Dangers of Political Exclusion: Egypt’s Islamist Problem,” (Carnegie Papers, Middle East Series; no. 63, Carnegie Endowment for International Peace, Washington, DC, October 2005).
من أنه لم يكن الأفضل، ولكن بات واضحًا للكنيسة، نتيجة سياسات النظام السابق، أنه الضمانة لبيئة مستقرة
للأقباط والبديل من التيار الإسلامي. أمّا على مستوى العلاقة بين الأقباط والنظام، فقد عمد الأخير إلى اتّباع سياسات الأنظمة نفسها التي سبقته في
ما يتعلق بالطائفية، مستخدمًا أسلوب «ترضية النخب القبطية»، وذلك عبر بعض التعيينات في المجالس
البرلمانية، فضالً عن الزيارات الاحتفالية. وترك نظام مبارك القضية من دون معالجة فعلية لا لمشكلات الطائفية
ولا لإشكاليات المواطَنة، بل تورط في أخطاء ما زالت آثارها موجودة بعد رحيله، منها غياب الحسم التشريعي
وتكريس تراخي دور الدولة. كما استخدم النظام السابق الإسلاميين كفزَّاعة لتخويف الأقباط، وأغلق أبواب حزبه في وجه الأقباط، ولم
يتجاوز عدد مرشّحيهم على قوائمه في أي انتخابات الاثنين على أحسن تقدير. وكان النظام يتعلل بأن المزاج
الشعبي أصبح طائفيًا ولا يقبل التصويت لمسيحي. وهكذا نجح النظام في إيجاد احتقان متبادل بين المسلمين
والأقباط، وتحوّل البابا شنوده إلى ممثّل للأقباط أمام الدولة، وانسحب الأقباط من المجال العام وانكفأوا إلى
داخل الكنيسة، التي تحوَّلت إلى كيان متضخم، يدير مشاريع خدمية لأتباعه في حين تعجز الدولة عن تقديم
هذه الخدمات لمواطنيها. كان المعدل السنوي لحوادث العنف في مصر حتى كانون الثاني/ يناير 0112 يبلغ 53 حادثًا ذا صبغة طائفية،
أي بمعدل حادث واحد كل أسبوع. وقد توزعت بين 71 محافظة، وتراوحت بين حادث واحد، كما في محافظة
الشرقية، و 21 حادثًا كما في محافظة المنيا. ومن ثم تعددت أنماط العنف الطائفي في عهد مبارك إلى استهداف
الكنائس، أو العنف الجماعي أو القتل العمد على أساس الهوية الدينية، والمماطلة في الاستجابة لمطالب الأقباط،
فنتج من ذلك غلبة السجال وعدم تطوير المواقف بنيويًا – على المستوى التشريعي - وإن تطورت ظاهريًا،
والمغالاة في تعميق التمايز والاختلاف. كما أدّت سياسات النظام السابق في إدارة الملف الطائفي إلى تنامى
المطالب الطائفية، والتي جسّدتها مطالب من مثل الكوتا والتمييز الإيجابي. وكما انفردت الكنيسة بتمثيل الأقباط سياسيًا، انبرت للانفراد بتمثيلهم اجتماعيًا أيضًا، حيث أخذت الكنيسة
على عاتقها حمل مطالب الأقباط، أكانت فردية أم جماعية، وعلى اختلاف طبيعتها، أكانت دينية أم مدنية، وذلك
وفق تفاهمات جرت بينها وبين النظام تحصل بها الكنيسة على مطالبها، ويحصل النظام على التأييد الجماعي باسم
الأقباط المصريين. ولعل هذه الصيغة أخلّت بدور الكنيسة، وأدخلها إصرارها على الاضطلاع بدور سياسي
معتركات سياسية عدة دفعت بسببها الثمن كأي قوة سياسية تنخرط في العمل العام، كما أن هذه الصيغة أخلّت
بالمجتمع ودولته المدنية.
25 Derek Brian Barker, “Clientelism and the Copts: An Examination of the Relationship between the Egyptian Church and State,” (MA Degree, University of Windsor, Canada, 2006). 26 <http://www.aljazeera.net/NR/exeres/B8F41004-DEE0-423E-A6B2-0CD7334D5567.htm#%D8%AF>.
7 2 رفيق حبيب، اغتيال جيل: الكنيسة وعودة محاكم التفتيش: تجربة ذاتية (القاهرة: يافا للدراسات والأبحاث، 9921)، ص.22
28 Sebastian Murken and Sussan Namini, “Choosing a Religion as an Aspect of Religious Identity Formation in Modern Societies,” in: Michael Pye [et al.], eds., Religious Harmony: Problems, Practice, and Education: Proceedings of the Regional Conference of the International Association for the History of Religions, Yogyakarta and Semarang, Indonesia, September 27th-October 3rd, 2004 , Religion and Reason; v. 45 (Berlin; New York: Walter de Gruyter, 2006), pp. 289-301. 29 Ami Ayalon, «Egypt›s Coptic Pandora›s Box,» in: Ofra Bengio and Gabriel Ben-Dor, eds., Minorities and the State in the Arab World (Boulder: Lynne Rienner Publishers, 1999). 30 <http://www.dohainstitute.org/Home/Details?entityID=5d045bf3-2df9-46cf-90a0- d92cbb5dd3e4&resourceId=e0bb9656-ef47-452a-a889-90815fd60fd0>.
وهكذا، مثلما نجح النظام في إيجاد حالة من القطيعة أو الاستقطاب على مستوى العلاقات الاجتماعية بين
المسلمين والمسيحيين، نجح أيضًا في إيجاد هذه الحالة – وإنما بدرجة أقل - بين الكنيسة والأقباط، ففي حين لجأ
الأقباط إلى أحضان كنيستهم، كان هذا اللجوء يحمل في طياته رفض الأقباط لسياسات كنيستهم تجاه الحوادث
السياسية أو الحوادث الطائفية بفعل الروابط الوثيقة للكنيسة مع النظام، ومناشدتها أتباعها النأي بأنفسهم عن
معارضة النظام. لكن العزلة القبطية والهروب إلى الكنيسة لم يستمرا، خاصة بعد تزايد أعمال العنف ضد الأقباط خلال العامين
الأخيرين من حكم مبارك، ولاسيما حوادث نجع حمادي سنة 0102، وتفجير كنيسة القديسين مطلع سنة
0112، واستمرار سياسات النظام في ترديد أن الهجوم من صنع قوى خارجية تستهدف زعزعة استقرار مصر،
وهو ما أدّى إلى اعتراض أبناء الكنيسة على موقفها الضعيف. وتعدّ هذه الخطوة اللبنة الأولى لانفصال الأقباط
عن كنيستهم سياسيًا، خاصة بعد إنشاء الموقع الإلكتروني الذي أسسه شباب من الأقباط بعنوان «الأقباط قالوا
كلمتهم.. محمد البرادعي رئيسًا لمصر»، وأيضًا بعدما بدأ عدد من الحركات المدنية ومجموعة من الأقباط المستقلين
في الخروج على الكنيسة بشعارات مناهضة لمبارك، بل وللبابا نفسه في القاهرة والإسكندرية، في حين انتقدهم البابا
ونبّههم إلى ضرورة التخفيف من لهجتهم لأن العبارات التي استخدموها «تخلُّ بكل القيم والأعراف السلوكية».
ثالثًا: القسم التحليلي: معوقات الاندماج
يتناول هذا القسم أهم العوامل المؤثرة في اندماج الأقباط بعد الثورة المصرية، وأبرز المعوقات السياسية
والمجتمعية التي حالت دون اندماجهم في الحياة السياسية والاجتماعية المصرية بعد الثورة، وهي كما يلي: -1 أيام الثورة: علاقة جديدة بين الكنيسة والأقباط لتحليل موقف كلٍّ من الكنيسة والأقباط تجاه ثورة يناير، يتطلب الأمر أوال الوقوف على موقف الكنيسة خلال
الثمانية عشر يومًا، ثم التغيير الطارئ على موقفها بعد إطاحة رأس النظام السابق. كما يتعنيّ ثانيًا توجيه النظرة
المتعمقة إلى موقف الأقباط من الثورة قبل إسقاط مبارك، ثم بعد تويلّ المجلس العسكري شؤون البلاد. وفي هذا
الإطار يمكن القول إن إرهاصات ثورة يناير كانت بمنزلة التجسيد لظاهرة الانفصال بين الكنيسة والأقباط
على المستوى السياسي وبصورة معلنة. فعلى الرغم من نجاح سياسات النظام السابق في عزل الأقباط واختزالهم في رأس الكنيسة باعتباره الأب الروحي
لهم، وتحويله إلى الأب السياسي المعربّ عن آراء جموع الأقباط، انتشرت في الأيام التي سبقت 25 كانون الثاني/
يناير الدعوة للمشاركة في التظاهرة السلمية على شبكات التواصل الاجتماعي، وشهدت ثورة «شعب الكنيسة»
على توصيات الكنيسة بعدم المشاركة في الاحتجاجات بدعوى أنها تظاهرات داعية إلى التخريب والهدم.
31 Fiona McCallum, Christian Religious Leadership in the Middle East: The Political Role of the Patriarch , with a Foreward by John Anderson and Raymond Hinnebusch (Lewiston, NY: Edwin Mellen Press, 2010), pp. 16-28.
23 التقرير الاستراتيجي العربي، 2010-2009: الحركات الاحتجاجية (القاهرة: مؤسسة الأهرام، مركز الدراسات السياسية
والاستراتيجية، 010[]2)، ص 74.4
33 «دعوات إسلامية ومسيحية للغضب بهدوء،» الأهرام، 011/1/52، ص.3
34 قال الأنبا مرقس، رئيس لجنة الإعلام في المجمع المقدس، «هذه المظاهرات لا نعرف هدفها ولا نعرف تفاصيلها ومن يقف وراءها».
كما دعا القمص عبدالمسيح بسيط، كاهن كنيسة العذراء بمسطرد مسيحيي مصر والمهجر للاعتكاف يوم 25 كانون الثاني/ يناير للصلاة
في الكنائس أو المنازل ليحفظ الله مصر وشعبها، وعدم المشاركة في يوم الاحتجاجات والمظاهرات.... كما قال القس أندريه زكى نائب
رئيس الطائفة الإنجيلية: «نرفض تلك الدعوات والمظاهرات بشكل قاطع». وقال مطران الجيزة للأقباط الكاثوليك الأب أنطونيوس
عزيز «نرفض تمامًا الانخراط في تلك الأعمال التي لن تجدي»....
فعلى مستوى الموقف الكنسي الرسمي، دعت الطوائف المسيحية المصرية الثلاث إلى مقاطعة تظاهرات يوم
الغضب، وعدم النزول إلى الشارع بداعي عدم معرفة هدفها ومن يقف خلفها. كما دعا البابا شنوده إلى
التهدئة في ثاني أيام التظاهرات خلال إلقائه عظته الأسبوعية، التي اختار لها عنوان «القلق» بسبب الظروف
التي تمر بها البلاد من اضطرابات وتظاهرات، مطالبًا الأقباط بالهدوء وتجاوز هذه الحالة التي سادت البلاد.
فحافظت الكنيسة على دعمها لنظام مبارك خلال الانتفاضة التي استمرت 8 1 يومًا، وعارضت الاحتجاجاتِ
علنًا، بل وصل الأمر إلى دعوة قداسة البابا شنوده المصريين عبر التلفزيون الرسمي – في 5 شباط/ فبراير
-2011 إلى إنهاء الاحتجاجات، وجدّد دعمه لنظام مبارك. بل إن بعض الكنائس دعت إلى إقامة قداس
للصلاة يوم الاحتجاج لصرف المسيحيين المتدينين عن هذه التظاهرات، كما كرر بابا دعوته الأقباط إلى «عدم
المشاركة في التظاهرات، وعدم الخروج عن الشرعية». على مستوى الأقباط، لم تلق نداءات البابا قبوالً من المجتمع القبطي، وذكر عدد من الناشطين السياسيين أن
على الرغم من التقدير الشديد الذي يكنّونه للبابا فإنهم لا يعتبرونه قائدهم السياسي. ولعل هذا الحراك المدني
القبطي لم يكن مستحدثًا، بل ظهر منذ حوادث نجع حمادي، حيث شكّل ناشطون سياسيون شباب مجموعة
سياسية مستقلة أطلقوا عليها اسم «أقباط من أجل مصر» ودعوا إلى المشاركة في ثورة الغضب، كذلك مجموعة
«مصريون ضد التمييز الديني»، وعدد كبير من العلمانيين والنشطاء الأقباط وغيرهم، فسقط عدد من شهداء
الأقباط في مختلف أنحاء مصر. ولعل المؤشرات الأولية لمشاركة الأقباط في الثورة - من مراقبين وتقارير صحافية غطت الاحتجاجات
الواسعة- أكدت وجود مشاركة فاترة للشباب المسيحي. ويرجع ذلك إلى عدم القدرة على فرز أو تصنيف
الطوائف المشاركة في الاحتجاجات بسبب اتفاق منظّميها على عدم رفع أي شعارات أو لافتات دينية أو حزبية،
خاصة أن أعداد الأقباط المشاركين في الثورة كانت قليلة في البداية ولكنها تزايدت بعد تراجع قبضة الكنيسة
على الأقباط منذ سقوط عدد من الشهداء الأقباط وغيرهم من المصريين بشكل عام. لذلك يمكن القول إن حوادث الثورة أبرزت فشل سياسة «فرّق تسد» وحطمت فكرة أن النظام السابق هو
أفضل المدافعين عن المسيحيين، خاصة بعد إثارة الكثير من التساؤلات عند اختفاء قوات الأمن والحراسة
من أمام الكنائس، ومع هذا لم يقع حادث اعتداء واحد ضد دور العبادة القبطية، ومرت أيام الثورة من دون
أي حوادث طائفية تستهدف الكنائس أو الأقباط على الرغم من حالة الانفلات الأمني التي شهدها المجتمع
بكل طوائفه وفئاته في أرجاء مصر. لذلك كان من أبرز لافتات ميدان التحرير: «دماء الكثير من الأقباط
سالت في عهد مبارك، إرحل عن مصر»، و«المسيح سيمنحنا حياة أفضل، إرحل يا مبارك حتى نحصل على
هذه الحياة»، الأمر الذي يدلل على أن الأقباط نجحوا في الخروج من العزلة بعدما وضعوا «الوطن»
قبل «الكنيسة».
35 عماد خليل، «الكنائس المسيحية الثلاث ترفض مظاهرات 25 يناير.. وتطالب الأقباط بعدم المشاركة،» المصري اليوم، 2011/1/23،
<http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=285805&IssueID=2025>. على الموقع الإلكتروني:
36 جمال جرجس المزاحم، «البابا في عظته الأسبوعية.. البابا شنودة يدعو الجميع ل «التهدئة»،» (اليوم السابع، 011/1/272)، على
< http://www.youm7.com/News.asp?NewsID=344449>. الموقع الإلكتروني:
37 <http://www.coptreal.com/WShowSubject.aspx?SID=43884>. 38 <http://www.aljazeera.net/news/pages/ee4e9b85-500d-407f-baba-96ebf962b05c>. 39 <http://islamtoday.net/albasheer/artshow-13-145873.htm>.
-2 سقوط النظام: تغيّر في ثلاثية العلاقة بعد نجاح ثورة كانون الثاني/ يناير في إسقاط رأس النظام، صدر عن البابا شنوده الثالث بيان في صباح الثلاثاء
15 شباط/ فبراير جاء فيه: « الكنيسة المصرية تحيي شباب مصر النزيه، شباب 25 يناير، الذي قاد مصر في ثورة
قوية بيضاء. وبذل في سبيل ذلك دماء غالية... والكنيسة القبطية تحيى جيش مصر الباسل والمجلس الأعلى
للقوات المسلحة فيما أصدره من بيانات من أجل الحفاظ على مصر وأمنها في الداخل والخارج، ونؤيد موقفه في
حل مجلسي الشعب والشورى وفي دعوته لإقرار الأمن».... أمّا التغير الجذري الطارئ على موقف الكنيسة تجاه نظام ما بعد الثورة، فلعل له ما يبرره، إذ دائامً ما تميل الكنيسة
إلى ربط وجودها بالنظام لأسباب متعددة، مثل الخوف من فقدانها قدرتها على جذب الجماهير، والخوف من
فقدانها الشعبية، وانحسار دورها تمامًا، أو عندما تتزايد جماهيرية الكنيسة من دون أن تستطيع تقديم حل أو
إجابة لمشكلات هذه الجماهير، فتخاف من فقدان الثقة أو انقلاب الجماهير عليها. ونجد أن الكنيسة تحاول أحيانًا
تمييز نفسها من النظام، وتظل في الوقت نفسه مساحة فعالة لمحاولة الارتباط بالنظام وسياساته العامة. وعليه، يُنظر إلى تغريّ موقف الكنيسة من الثورة، ومن ثم من النظام بقيادة المجلس العسكري والمرحلة الانتقالية
في إطار المتغيرات الستة – التي سبقت الإشارة إليها - والحاكمة لطبيعة العلاقة بين النظام والمؤسسات الدينية
الكنسية والتي تدفع الكنيسة دائامً إلى النظر إلى النظام باعتباره الحامي لها من أي تغييرات تهدد وضعها أو من
شأنها أن تعمّق الأزمات بينها وبين أتباعها في ظل محورية الدِّين، كونه أحد المحددات الأساسية للهوية الوطنية،
ومن ثم يجد الجانبان مصلحة في التعامل والتقارب مع الآخر. بناء على التغريّ في موقف الكنيسة تجاه الثورة، يمكن القول إنه بات يمكن الحديث عن ثنائية الكنيسة – الأقباط
بشكل أكثر وضوحًا بعد أن كان هناك اختزال واضح للأقباط في رأس الكنيسة، خاصة بعد إحجام الأقباط عن
التحرك سياسيًا بالاستناد إلى هويتهم الدينية. -3 تواتر الحوادث الطائفية ودلالاتها تجاوزت الثورة المصرية في كانون الثاني/ يناير 0112 شعار ثورة 9191، أي «الهلال مع الصليب»، إلى شعار
«إرفع رأسك أنت مصري»، وهو ما تجلى منذ بداية الثورة، وطوال ثمانية عشر يومًا. كانت الثورة شعبية، ولم
يكن هنالك تمايز بين شباب الأقباط وغيرهم من المصريين. وقد سقط في الساحة ما يفوق عشرة شهداء أقباط
في مختلف أنحاء مصر، منهم خمسة في ميدان التحرير، من بينهم فتاة. كان الجميع مع الثورة، حتى بروز
السلفيين والتمايز الديني العلماني بعد التعديلات الدستورية والانفلات الأمني والإعلامي الذي ساعد على
تأجيج الحوادث الطائفية من دون معالجتها. لم يكن هناك طوال فترة الثمانية عشر يومًا مشكلة في العلاقات بين المسيحيين والمسلمين، وتواكب مع ما سبق
البروز المجتمعي والسياسي والإعلامي لتيارات الإسلام السياسي، بدءًا بالإخوان المسلمين، مرورًا بالسلفيين
ثم الجماعات الجهادية التي خرج عدد كبير من قادتها من السجون. وقامت القوى العلمانية والليبرالية كافة
40 <http://st-takla.org/News/Holy-Synod-Statements/2011-02-15--January-25-2011-Revolution_.html>.
41 مي مجيب عبد المنعم، «خارج الكنيسة: علاقة الأقباط بالحياة السياسية المصرية بعد ثورة يناير،» السياسة الدولية، على الموقع
الإلكتروني: < http://www.siyassa.org.eg>.
42 <http://www.christian-dogma.com/vb/showthread.php?t=75267>.
بمتابعة أداء التيارات الإسلامية بشكل عام والإخوان بشكل خاص في التعاطي مع العمل السياسي كسبيل
للتغيير، من غير أن يرافقه تطوير في خطابها السياسي والفكري، أو على الأقل لم يرق إلى مستوى الخطاب
السياسي للإخوان، فكان حديث بعضهم عن غزوة الصناديق، واستعجال بعضهم الآخر تفجير قضايا شائكة
ومحل اشتباك واشتباه، شأن بعض قضايا المتحولين دينيًا، وغيرها من القضايا. لم يكد يمر شهر واحد على الثورة حتى انفجر عدد كبير من الحوادث الطائفية التي فجّرتها مشاعر غضب
اجتماعي عنيف، مثل حوادث شرف في قرية صول، أو إشاعة احتجاز مسيحية أخرى أسلمت بعد كاميليا
شحاته، التي ظهرت على قناة مسيحية قبل حوادث أمبابة بيوم، معلنة بقاءها على مسيحيتها. تواترت حوادث التوتر الطائفي والعنف ضد المسيحيين وضد بعض المسلمين على السواء، ففي 25 نيسان/
أبريل قتل ثلاثة أشقاء مسيحيين شقيقتهم - التي تحوّلت للإسلام- مع طفلها في منطقة كرداسة بالجيزة، ولكن
الحوادث ضد المسيحيين كانت هي الغالبة. فقد شهد شهر آذار/ مارس 0112 ثلاثة حوادث طائفية كبيرة،
بعضها غير مسبوق، هي على الترتيب، هدم كنيسة صول التابعة لمركز أطفيح في محافظة الجيزة في 9 آذار/
مارس، وأعمال قتل وتدمير وتخريب في المقطم في 11 آذار/ مارس، وقطع أذن قبطي متهم بإدارة أعمال
منافية للآداب في محافظة قنا في 24 آذار/ مارس. وفي منتصف نيسان/ أبريل خرجت تظاهرات في المحافظة
نفسها (قنا) اعتراضًا على إعادة تعيين محافظ مسيحي للمحافظة الواقعة في صعيد مصر، وهو ما اضطر الحكومة
الانتقالية والمجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى الاستجابة لمطالبهم في النهاية بتعيين محافظ مسلم بعد أن وصل
الأمر إلى تحويل مساجد المحافظة إلى منابر للدعوة بأن لا ولاية لغير المسلم على المسلم، بل وصل الأمر إلى رفع
لافتات تحمل «إسلامية إسلامية لا مسيحية ولا يهودية». وفي 8 أيار/ مايو كانت حوادث أمبابة المروعة في كنيسة مارمينا، التي راح ضحيتها عدد كبير من المواطنين
وأصيب العشرات، وقد كان من نتائج ذلك - وخاصة الحادث الأخير- امتعاض كثير من الأقباط من الوضع
القائم، كما تجلى في بعض هتافاتهم بعد هذه الحوادث: «يا مبارك فينك فينك، السلفيين بينا وبينك»، «يسرقنا
يسرقنا بس نعيش في أمن وأمان» أمام القضاء العالي وميدان التحرير وماسبيرو، وهو ما فسره البعض بأن
«الكنيسة المصرية موضع عناية خاصة ومميزة من جانب مبارك وزمرته، وكان كافة المسئولين المصريين يسارعون
بتقديم فروض الطاعة والمحبة للبابا شنوده ورعيته»، كما ازدادت الهواجس بالشعور بالخطر من صعود
تيارات الإسلام السياسي، كما تجلى بعد معركة التعديلات الدستورية في 91 آذار/ مارس 011.2 بل توزعت
التفسيرات عن دورٍ لدول أجنبية وإسرائيل، خصوصًا في الحوادث الطائفية، وكذلك جرى الحديث عن دور
لدول عربية شقيقة تسعى إلى إجهاض الثورة المصرية، وذهب عدد كبير من النخبة المصرية في تحميل فلول النظام
السابق مسؤولية حوادث الفتنة، وأن الطائفية من صناعة ذلك النظام. كما يرى بعض الإسلاميين أن ثمة دورًا
في الحوادث قام به الإعلام القبطي الصاعد في مصر، بعد امتلاك بعض رجال الأعمال الأقباط عددًا من وسائل
الإعلام المهمة والمقروءة في مصر.
43 نشبت مشاجرات بين مجموعة من المسلمين والمسيحيين في أمبابة – محافظة الجيزة، في إثر تجمهر مجموعة من السلفيين أمام كنيسة
مارمينا في أمبابة بعد تناقل شائعات حول احتجاز فتاة مسيحية أشهرت إسلامها وترتبط بعلاقة مع شاب مسلم.
44 في إثر هجوم مسلمين على عدد من الأقباط كانوا يتظاهرون في حى الزبالين احتجاجًا على قيام مسلمين بإحراق كنيسة صول في
محافظة حلوان وقُتل 6 من الأقباط وأصيب 45 من الطرفين.
54 صوت الأمة، 011/4/252.
46 هانى نسيرة، «الطائفية قبل وبعد الثورة المصرية،» (مركز الجزيرة للدراسات، 011/7/232)، على الموقع الإلكتروني: <http://
studies.aljazeera.net/files/2011/08/20118712924750558.htm>.
هذه التفسيرات التشكيكية في موقف الأقباط من الثورة، أو التفكير التآمري وربط ما حدث بأيد خارجية أو
داخلية لا يحلان المشكلة، كما لا يملكان أدنى مقبولية. ولعل المطلوب هو الضغط الشعبي من أجل حل مدني،
وحل مشكلة دور العبادة وحرية الاعتقاد في المجتمع المصري، وهو ما تسبب في حالات الاحتقان هذه، فضالً
عن رفض وصاية رجال الدِّين - مسلمين ومسيحيين- على عقائد رعاياهم.
ولا يهم حصاد الحوادث والمواجهات الطائفية بين المسلمين والمسيحيين بقدر ما يهم مراجعة الأسباب التي
أدت إلى تواترها وكيفية تعامل النظام معها. فأزمة السلطة السياسية بعد سقوط نظام مبارك وقد صدمت قادة
الكنيسة، أتاحت مجاالً جديدًا أمام الناشطين من الأقباط للعمل خارج إطار الكنيسة. فبعد حوادث صول
وأمبابة، أنشأت مجموعات قبطية مدنية «اتحاد شباب ماسبيرو» الذي شكّل التحدي الأساس لهيمنة الكنيسة
بعد الثورة. بل لقيت رسالة اتحاد ماسبيرو أصداء لدى عدد من الشباب الذين شعروا بأن الكنيسة لم تعد لها
وصاية سياسية عليهم. وفي أول تحرك له، نظّم الاتحاد اعتصامًا أمام مبنى تلفزيون الدولة في ماسبيرو احتجاجًا
على عدم تقديم المتورطين في العنف ضد الأقباط إلى المحاكمة. ولم تعارض الكنيسة الاعتصام في البداية، لكن مع مطلع أيار/ مايو عقد سكرتير البابا الأنبا يؤانس اجتماعًا
مع اللواء عادل عمارة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة في كنيسة القديس مرقس، واتفق معه على إنهاء
الاعتصام، لكن المعتصمين رفضوا فض الاعتصام بناء على طلب الكنيسة، ولم يفعلوا ذلك إالّ بعد
اجتماعهم إلى رئيس الوزراء السابق عصام شرف، الذي وعد بأن تقرّ الحكومة قوانين جديدة لوقف التمييز.
وتبرهن الحوادث السابق الإشارة إليها على: - استمرار الانفصال بين كلٍّ من الكنيسة والأقباط، في ظل تهاوي السلطة الهرمية والكهنوتية التقليدية للكنيسة،
تزامنًا مع تهاوى السلطة السياسية للنظام. - استمرار غياب دور الدولة في التعامل مع الأزمات الطائفية، وانتهاج السبل ذاتها التي كان النظام السابق
يتبنّاها، من جلسات عرفية وحلول سطحية تتوقف على ذهنية المتفاوضين والوسطاء، وتكرس معنى عجز
الدولة وأجهزتها الأمنية والقضائية والإدارية عن تطبيق القانون الرسمي. - دفع تواتر الحوادث الطائفية في مصر بعد الثورة إلى توصيف الوضع بأنه استمرار للاستراتيجيات القديمة، مع
وجود فاعلين جدد في النظام، خاصة في ظل غياب خبرة الإدارة السياسية للمجلس العسكري الذي من الممكن
وصف سياسته تجاه الحوادث الطائفية بعدم التدخل المدروس. - تنامي التقارب بين الكنيسة والنظام في مواجهة التنظيمات القبطية. ولعل من أبرز مظاهر ذلك الجلسات التي
كانت تُعقد بين قادة وكهنة الكنيسة وبين أعضاء المجلس العسكري لاحتواء الأزمات المتكررة، ومطالبة المعتصمين
الأقباط بفض اعتصامهم. ويرجع هذا التقارب إلى عدد من الأسباب، مثل: وجود قيمة عليا مشتركة بين المؤسسة
الدينية الكنسية والنظام في مصر بعد الثورة وهي قيمة الاستقرار والحفاظ على الوضع الراهن، ومحورية دور الدِّين
على المستويين المجتمعي والثقافي، الأمر الذي دفع النظام في مصر بعد الثورة إلى التعامل مع الكنيسة مباشرة بدالً
من التعامل مع التنظيمات والائتلافات القبطية بمختلف توجهاتها وتياراتها، وهو الأمر الذي اتّبعه النظام السابق
ونجح فيه في ظل عزلة الأقباط داخل أسوار الكنيسة، والذي لا يمكن أن ينجح بعد الثورة.
74 طلب البابا من المعتصمين فض اعتصامهم في بيان له بتاريخ 15 أيار/ مايو 0112: « يا أبناءنا المعتصمين أمام ماسبيرو، إن الأمر قد
تجاوز التعبير عن الرأي وقد اندس بينكم من لهم أسلوب غير أسلوبكم وأصبح هناك شجار وضرب نار، وكل هذا يسيء إلى سمعة مصر
وسمعتكم أيضًا. لذلك يجب فض الاعتصام فورًا». وعلى الرغم من البيان، رفض المعتصمون فض الاعتصام والرضوخ للبيان المذكور.
48 Mariz Tadros, “Sectarianism and Its Discontents in Post-Mubarak Egypt,” Middle East Report (Summer 2011), pp.
-4 حوادث ماسبيرو: بداية العودة إلى الكنيسة تشير المعطيات السابقة كلها إلى أن الأقباط استطاعوا أن يكسروا حاجز الخوف من النظام السابق، ومن
التوجهات الرسمية للكنيسة القبطية التي طالما لجأت إلى دعم القائمين على الحكم وتأييدهم. فالنظام
الرسمي الكنسي يتشابه مع النظام الرسمي للحكم في اتجاه كلٍّ منهما ورغبته في السيطرة على جموع الجماهير
المنتمين إلى الدولة بحكم المواطَنة أو المنتمين إلى الكنيسة بحكم الديانة. لذا، لا يمكن الفصل بين حادث
ماسبيرو وما تلاه من حوادث وبين مجمل أوضاع الأقباط في مصر بعد الثورة في ضوء الانفصال السياسي بين
الكنيسة والأقباط. إالّ أن هذا الانفصال لم يستمر طويالً، إذ طرأت معطيات جديدة دفعت بالأقباط إلى أسوار الكنيسة مرة أخرى.
ويمكن القول إن أولى هذه المعطيات كانت ما يُعرف ب«أحداث ماسبيرو» التي انطلقت بعد تظاهرة انطلقت من
شبُرا باتجاه مبنى الإذاعة والتلفزيون ضمن فعاليات يوم الغضب القبطي، ردًّا على قيام سكان من قرية المريناب
في محافظة أسوان بهدم كنيسة غير مرخصة، واحتجاجًا على تصريحات محافظ أسوان والتي اعتبرها الأقباط
مسيئة في حقهم. واستقر المتظاهرون وقتها على الاعتصام المفتوح حتى يتم إعادة فتح الكنيسة في أسوان وتراجُع
المحافظ عن قراره بهدم الكنيسة. واشترك عدد من الكهنة، منهم القس فلوباتير جميل كاهن كنيسة العذراء في
فيصل، والقمص متياس نصر كاهن كنيسة العذراء في عزبة النخل، وحركات اتحاد شباب ماسبيرو، وحركة
أقباط بلاقيود، وعدد من النشطاء السياسيين والحقوقيين من الأقباط والمسلمين. وقامت قوات الجيش بإطلاق القنابل المسيلة للدموع بهدف تفريق المعتصمين، ثم بدأت مدرعات الجيش تسير
نحو تجمعات المتظاهرين بقصد تفريقهم، وهو ما أدّى إلى وقوع عمليات دهس وسقوط أول قتيل، ثم بدأ القتلى
في السقوط، فسادت حالة من الفوضى انضم في إثرها عدد من الجهات المناوئة لسياسات المجلس العسكري
في مصر إلى جانب الأقباط. وفي المقابل جاء بيان المجلس العسكري مؤكدًا «أن هناك أيادي خارجية تعبث بأمن
الوطن واستقراره... وأنه وافق على إعادة بناء كنيسة المريناب.»، كذلك أكد رئيس الوزراء السابق عصام شرف
«تعازيه لأُسر الضحايا وسرعة صرف التعويضات لهم وتمنياته بالشفاء للمصابين.». وبغضّ النظر عن مختلف التوصيفات لحوادث ماسبيرو، فإن في الإمكان تحليلها وفقًا للنقاط التالية: أ- بروز حالة الاستقطاب الديني الشديد في المجتمع. ففي إطار الحوادث، خرج عدد كبير من تابعي التيار
السلفي ليدين الأقباط (النصارى)، كما سامّهم، في عدد من المحافظات في الإسكندرية وقنا وأسيوط والقاهرة،
بل وصل الأمر إلى تنظيم تظاهرات ورفع شعار «الجيش والشعب يد واحدة»، في إشارة إلى أن الأقباط هم من
اعتدوا على قوات الجيش في ماسبيرو، وأن الأقباط هم العائق أمام وحدة الشعب مع الجيش، بل وصل الأمر
إلى تراشق بين الطرفين على شبكات التواصل الاجتماعي، واتهام السلفيين للأقباط بالسعي إلى الحصول على
مكاسب على حساب الإسلاميين.
94 خرج عدد كبير من كهنة الكنيسة وقساوستها إلى معترك الحياة السياسة لقيادة تظاهرات واحتجاجات الأقباط بعد حوادث صول
وأمبابة، من دون أن تحتج الكنيسة على خروج هؤلاء أو أن تتخذ ضدهم أي إجراءات كنسية للحيلولة دون مشاركتهم في العمل السياسي
(كما فعلت في السابق في إثر الأزمة بين الأنبا بيشوى سكرتير المجمع المقدس والدكتور محمد سليم العوا).
50 <http://www.christian-dogma.com/vb/showthread.php?p=1718813>.
51 «مذبحة ماسبيرو: الكنيسة تصعّد بالصيام والسلفيون يحذرون،» الأخبار (لندن)،.2011/10/11
ب- أصدر المجمع الكنسي برئاسة البابا شنوده بيانًا طالب فيه الأقباطَ بالصيام مدة ثلاثة أيام، وهو الإجراء
الذي لم يحدث منذ عشرة أعوام، كما رفض البابا لقاء المجلس العسكري متذرعًا باجتماعه مع سبعين من أساقفة
الكنيسة. ولعل في ذلك إشارة إلى تحوّل العلاقة بين الكنيسة والنظام إلى ما يمكن تسميته «المقاومة المكتومة»؛
ففي أثناء إقامة القداس على أرواح الضحايا، تعالت الأصوات المنادية داخل الكاتدرائية: «يسقط يسقط حكم
العسكر»، من دون تعليق من البابا، كأبلغ تعبير عن عدم الرضا على سياسات النظام تجاه الأقباط وانتهاء التوافق
(الرسمي) بين الطرفين، ولشعور الكنيسة بأن البساط بدأ ينسحب من تحت قدميها، خاصة مع صعود الكثير
من المنظمات المسيحية التي بات لها رواج – على المستوى السياسي - بين أبناء المجتمع القبطي. وعلى غرار انزعاج
الكنيسة من خروج الأقباط من داخل أسوارها إلى الساحة السياسية، انزعجت الدولة هي الأخرى بعد أن
كانت تتعامل مع جهة محددة يسهل توجيهها، فإذا بها تجد نفسها أمام مجموعات متعددة لا تعرف من يقودها أو
من تستطيع الكلام معه حتى تتمكّن من كبح جماحهم. ج- على الرغم من موافقة المجلس العسكري على بناء كنيسة المريناب، فإن التحركات على المستوى الشعبي
تعَدّ هي المحدد الأول للشكل الذي سيعاد به بناء الكنيسة، لأنه قيد موافقة الأهالي المسلمين من أهل القرية
الرافضين لبناء الكنيسة، ورهن نتيجة جلسة مصالحة بين مسلمي القرية وأقباطها، وهو الأمر الذي يشير إلى
عدم اكتمال عود الدولة أو ضعفها وعدم قدرتها على إعمال القانون، في حين تظل الجلسات العرفية هي الحكم
في أيٍّ من المسائل الطائفية، وهو ما يبرهن عن افتقار المجتمع إلى ما يكفي من مقومات الثقافة السياسية الجديرة
بتحويله طرفًا وندًّا في دينامية صوغ العقد الاجتماعي الجديد في مصر الثورة، ويعد امتدادًا لسياسات النظام
السابق في التعامل مع «الملف القبطي» بشكل عام. د- على الرغم من تراجع مرحلة التفاهم بين الكنيسة والنظام بعد حوادث ماسبيرو، التي قدمت فرصة مشروعة
للكنيسة القبطية كي تعلن القطيعة مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، فإن الكنيسة حاولت أن تظل في موقف
الوسط بين النظام والأقباط. خاصة أن الكنيسة شعرت، في ظل صعود القوى والتيارات الإسلامية، بوجوب
استمرار الروابط مع المجلس العسكري في ضوء «المتغير الأمني»، بمعنى الوقوع بين مطرقة دفاع الكنيسة عن
مطالب تابعيها ومعاداة النظام وسياساته، وسندان المهادنة والتفاهم مع النظام باعتباره المصدر الرئيس لتأمين
الكنيسة وشعبها، لذا يمكن تسمية العلاقة بين الكنيسة والنظام بعد حوادث ماسبيرو ب«المقاومة المكتومة»،
التي عاد في ضوئها عدد كبير من الأقباط إلى أسوار الكنيسة مرة أخرى، على الرغم من العنف الموجّه ضد
الأقباط والكنائس، خوفًا من تنامي التيارات الإسلامية. بينما ظل ثائرون آخرون على الكنيسة في حالة من
السخط الكبير تجاه موقفها من المجلس العسكري بعد حوادث ماسبيرو، متهمين عددًا من أساقفتها بعدم
استعدادهم للمجازفة بخسارة دعم الجيش في إطار النظام الهرمي الكنسي الذي – من خلاله - يطمحون إلى
الكرسى البابوي، خاصة مع تقدم عمر البابا شنوده في السن وتدهور حالته الصحية. -5 الأقباط وصعود التيارات الإسلامية انتهج النظام السابق سياسة التخويف من الإسلاميين، وانبرى لتقديمهم كعدو له وللأقباط من أجل أن
52 «إذ نؤكد إيماننا المسيحي بعدم استخدام العنف بكل صوره، كما لا ننسى أن بعض الغرباء قد يندسون وسط أبنائنا ويرتكبون بعض
الأخطاء، إالّ أن الأقباط يشعرون بأن مشكلاتهم تتكرر كما هي باستمرار من دون محاسبة المعتدين ومن دون إعمال القانون عليهم أو
وضع حلول جذرية لهذه المشكلات...».
53 <http://www.youm7.com/News.asp?NewsID=509323>.
45 اليوم السابع،.2011/11/6
يضمن تأييد الكنيسة له، ومن ثم تأييد جموع الأقباط في ظل اختزال موقفهم السياسي بموقف البابا. ونجح
النظام السابق في هذه السياسة، لكن سياساته الخاطئة المتراكمة في التعامل مع المسألة القبطية أدّت إلى الانقسام
بين الأقباط والكنيسة، وإدراك عدد كبير من الأقباط أن كلاًّ من الإسلاميين والأقباط يعانون سلطوية النظام
وسياساته التمييزية. وتتعدّد التيارات الإسلامية في مصر من حيث توجهاتها من الوسطية إلى الراديكالية، وفي ما يتعلق بنظرتها إلى
الآخر، وشكل أو طبيعة الدولة ونظرتها إلى المرأة، وتقييمها للديمقراطية... إلخ. ولعل أبرز القوى الإسلامية
في مصر بعد الثورة هي جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين. وقد قامت الأولى بدور ملموس في إنجاح الثورة
وتعرضت للقمع والسجن تحت حكم النظام السابق، بينما عارض المنتمون إلى التيار السلفي الثورة في بداياتها،
بل حرّموا الخروج على الحاكم حتى وإن كان ظالماً. وتبرز التساؤلات حول مستقبل مصر في إثر صعود الإسلاميين إلى السلطة؛ تساؤلات تتعلق بطبيعة القوى
الإسلامية في حد ذاتها وتماسكها الداخلي وقوتّها التنظيمية. وتساؤلات ترتبط برؤيتها في ما يتعلق بمستقبل
مصر السياسي والتي تدخل فيها حقوق المواطنة والعلاقة مع الآخر الديني. من التساؤلات المثارة:هل يمثل
الإسلاميون البديل الشرعي لنظام مبارك؟ أم هل من الممكن أن يقوم الإسلاميون بدور المعارضة ضد تحجيم
الحريات والقمع السياسي؟ هل تحوّل القوة الاجتماعية والدعوية لتيارات الإسلام السياسي بشكل عام
والإخوان المسلمين بشكل خاص إلى قوة سياسية قد تدفع بها إلى انتهاج السياسات القديمة ذاتها، من انتهاك
حقوق المواطَنة، والسياسات السلطوية الاستبعادية بدعوى قوتّهم وغلبتهم على المستوى الشعبي الاجتماعي؟ على الرغم من تطمينات الإسلاميين للأقباط، لا يمكن الفصل بين الصعود المتنامي للتيارات الإسلامية وطبيعة
الحوادث الطائفية في مصر بعد الثورة، خاصة في ظل تزامن الحادثين وفي ضوء بعض التصريحات التي تثير
خوف الأقباط وتدفع بهم إلى العزلة. فالاعتداءات على دور العبادة المسيحية وعلى ممتلكات الأقباط، وقطع أذن
قبطي،.... كلها حوادث لها دلالة خاصة مع تتبّع موقف القوى الإسلامية على المستويين السياسي والشعبي. فهناك، على سبيل المثال، وصول الأوضاع في قنا في نيسان/ أبريل 0112 إلى مواجهة حقيقية بين الأهالي
والنظام، بعد إعلان تعيين اللواء عماد ميخائيل محافظًا لقنا، وخروج الأهالي مطالبين باستقالته الفورية، وقطع
طريق السكة الحديد من قنا إلى سوهاج وحتى أسوان جنوبًا حتى استجابت الحكومة بتجميد عمل المحافظ
وإسناد مهامه إلى آخر، في إشارة إلى مواجهة أيديولوجية عقيدية على المستوى الشعبي، وتهاوي السلطة التنفيذية
على المستوى السياسي. وتكررت مثل هذه الحوادث في قضايا كنيسة أمبابة وكاميليا شحاته، وصوالً إلى حوادث ماسبيرو والتراشق
والسجال الذي دار بين شباب الأقباط وشباب السلفيين في إطار الأزمة. وفي إثر تلك الحوادث المتواترة، طالب
55 Alaa Al-Din Arafat, Hosni Mubarak and the Future of Democracy in Egypt (New York: Palgrave Macmillan, 2011), pp. 113-127.
56 يؤخذ بالاعتبار أن الجماعات السلفية ليس لها كيان واحد منظ م يجمعها، وهوما ينعكس على مواقفها وتصريحاتها. ففي الأيام الأولى
من الثورة، تباينت آراؤها في ما يتعلق بالنزول إلى الميدان بين التحريم، والمشاركة وجواز عدم المشاركة. ولكن معظم قادة السلفيين ارتأوا
الحفاظ على ثوابت الإسلام وعدم الخروج على الحاكم، لضمان الاستقرار، فهاجموا الثورة عند بدايتها.
57 Mohammed Ayoob, The Many Faces of Political Islam: Religion and Politics in the Muslim World (Ann Arbor: University of Michigan Press, 2008), pp. 25-26. 58 Daniela Pioppi, “Is there an Islamist Alternative in Egypt?,” (IAI Working Papers; 11, Istituto Affari Internazionali, 3 February 2011).
الأقباط بعودة جهاز الأمن مرة أخرى لأنه بات – من وجهة نظرهم - الحامي الوحيد لهم من نشاط التيارات
الإسلامية، الأمر الذي دفع بكثير من الأقباط إلى التفكير في الهجرة أو العودة إلى العزلة مرة أخرى. تنعكس هذه المعطيات على وضع الأقباط والكنيسة بعد الثورة كالتالي: أ- يبقى السلفيون هم التحدي الأكبر في الشارع المصريأمام اندماج الأقباط، نظرًا إلى عنفهم الرمزي تجاه
الكنيسة والمطالب القبطية. وعلى الرغم من تبرؤهم ممّا يُنسب إليهم إعلاميًا من حوادث، فإن خطابهم ما زال
يراوح مكانه، مفتقرًا إلى بعض من مرونة خطاب الإخوان المسلمين.
ب- إن عودة الاستقطاب الديني، والفرز الذي جرى بعد يوم 91 آذار/ مارس إبان الاستفتاء على التعديلات
الدستورية، وتأكد مع جمعة الغضب الثانية يوم 72 أيار/ مايو التي لم يشارك فيها الإخوان أو السلفيون، مع
ما صاحب ذلك من نشاط إعلامي سجالي، كل ذلك جعل من الميدان حكَامً للشعب في وجه السلطة والحكومة
الانتقالية التي تتباعد الشقة بينها وبين قوى الثورة وشبابها في الآن نفسه، نتيجة ما اعترى الأخيرة من هواجس
حول عقد اتفاق سري مع الإخوان المسلمين يُقصي الآخرين، وهو ما ساعد على توتّر الملف القبطي بوجه عام،
رغم أن ثمة فرصة ذهبية للأقباط للمشاركة بدأها بعض ناشطيهم، ولكن لا يزال البعض الآخر -شأن شباب
الثورة- مترددًا في خوضها، تخوفًا من الصعود الإسلامي المتنامي.
ج- إن خوف كلٍّ من الأقباط والكنيسة في ضوء صعود التيار الإسلامي دفع بالأقباط إلى العودة إلى أسوار
الكنيسة والعزلة من جديد، رفضًا لفكرة الحاجة إلى الإخوان المسلمين لضمان سلامة الأقباط، لأنها الفكرة التي
تكرس حال أن المجتمع لايزال يريد إبعاد المسيحيين وعزلهم عن مسار التطور السياسي والاجتماعي في مصر،
خاصة أنهم لا يمثّلون جماعة سياسية أو حزبًا، ممّا قد يعرضهم لخطر المساومة لعدم التكافؤ أمام ما تتمتع جماعة
الإخوان المسلمين به من قوة وتنظيم. وفي هذا الإطار يتعنيّ التذكير أن خوف الأقباط ليس من الإسلام، لأنه
جزء من المرجعية الشرعية للنظام السياسي بأكمله، ولكنه من تيار الإسلام السياسي، خاصة في ضوء بعض
تصريحات التيارات الإسلامية، كالحديث عن الجزية ونظام الملّة ومصطلح أهل الذمة... الأمر الذي يشكّل
خطورة على حرية الاعتقاد والحريات بشكل عام. د- إن صعود القوى الإسلامية في ضوء تراخي قوة الدولة وتراجع النظام الحالي عن تبنّي السياسات ذاتها
التي كان النظام السابق يتبنّاها كرّس احتماء المسلم والمسيحي بالدِّين، وأحل الجلسات العرفية محل الحوارات
الوطنية، فجاءت الحلول التصالحية بديلة من الإرادة السياسية الحقيقية للحفاظ على قيم الثورة، وبعض شعاراتها
التي تحولت من «إرفع رأسك أنت مصري» إلى «إرفع رأسك أنت مسلم». -6 الانتخابات التشريعية والبرلمان: الأقباط بين المشاركة السياسية والاستقطاب الديني على مدار أعوام، ظل التمثيل القبطي تحت قبة البرلمان محكومًا بمنحة رئيس الدولة، فضالً عن أن العملية
الانتخابية في مصر كانت مقيّدة بالأطر العائلية والقبلية، وهو ما أدّى إلى غياب الأقباط وإقصائهم عن
المجلس. ولكن بعد ثورة 25 يناير، تشكّلت مجموعات قبطية للتوعية بأهمية المشاركة في المرحلة الانتقالية،
95 أحمد ابراهيم خضر، «الإسلاميون ومستقبل الأقباط في مصر بعد سقوط نظام مبارك،» على الموقع الإلكتروني: <http://www.
magmj.com/index.jsp?inc=5&id=6257&pid=1428>.
60 سهى حشمت، «الأقباط وبرلمان الثورة،» الأهرام، على الموقع الإلكتروني:
<http://www.ahram.org.eg/Issues-Views/News/124428.aspx>.
منها أقباط من أجل الانتخابات، وأقباط من أجل مصر، علاوة على المساهمة في تأسيس عدد من الأحزاب
الجديدة على اختلاف توجهاتها. ومن ثم دخل الأقباط بوضوح في العمل العام، سواء بالمشاركة في التصويت
أو بالترشح للانتخابات أو العضوية في الأحزاب المختلفة، كالوفد والكرامة والتجمع والديمقراطي
الاجتماعي.. وغيرها. لذا شهدت انتخابات برلمان ما بعد الثورة إقباالً جماهيريًا شعبيًا غير مسبوق من طرف جميع الشرائح والفئات
المجتمعية، سواء المسيَّسة أو غير المسيَّسة. وحشد التيار الإسلامي، بمختلف تفريعاته وتنويعاته وقدراته على
التعبئة والتنظيم، عددًا ضخامً من المرشحين في مواجهة التيارات الليبرالية والعلمانية والمستقلين، فما كان لهذا
الاستقطاب السياسي ذي التأطير الديني إالّ أن واجهه استقطاب سياسي وديني مماثل. ووجدت الكنيسة فرصة كي تستعيد سلطتها وسطوتها السياسية على تابعيها في تزامن مع شعور شعب الكنيسة
بأنها باتت الملاذ، وبأن معايشة الوطن قبل الكنيسة باتت محاالً في ظل الاستقطاب الديني والمناخ الطائفي
المشحون تبعًا للحوادث المتواترة. وحاولت الكنيسة دعم عدد من المرشحين المستقلين من الأقباط والمسلمين،
مع دعم قائمة الكتلة المصرية باعتبارها ائتلافًا يجمع عددًا من الأحزاب الليبرالية لمواجهة الاستقطاب الإسلامي
المقابل، وذلك بالمشاركة مع عدد من النشطاء المسلمين والمسيحيين، كمحاولة لتقنين القوائم والأسماء الكثيرة
من أجل مساعدة المواطنين في إطار المشاركة المجتمعية من «دون إلزام على المواطن باختيار القوائم المطروحة
من قِبل أي جهة، ولكن كنوع من التسهيل والتحديد، خاصة وأن الكنيسة يتوقف دورها على التوعية والحث
على النزول للانتخابات دون تأييد شخص بعينه، لأن اختيار القوائم كان من قِبل نشطاء وعلمانيين وليس
رجال دين». بعد حوادث ماسبيرو، تعالت الدعوات من بعض النشطاء الأقباط لمقاطعة الانتخابات احتجاجًا على تنامي
خطاب ديني متشدد ضدهم، واعتقادًا منهم أنه لا جديد في مصر الثورة سوى تنامي القوى والتيارات الدينية
المتشددة، ومن ثم لن تصب الانتخابات، في نظرهم، سوى في مصلحة دعاة الدولة الدينية، وهو ما أثار هواجس
قبطية إزاء العملية الانتخابية برمّتها. وفي المقابل، برز توجه قبطي مؤسسي نحو تفعيل المشاركة، وحشدت
الكنيسة الأقباط للتصويت خلال مراحل الانتخابات، والتي أسفرت عن مشاركة قبطية وصلت إلى 70 في المئة
في بعض المحافظات، وفقًا لمصادر كنسية. وفي تلبية لاشعورية، رضخ الأقباط لترشيحات الكنيسة، مرجحين كفة أن تعود الكنيسة ممثاّلً سياسيًا لهم
بدالً من الانفصال السياسي الذي رأوه سببًا لضعف شوكتهم في مواجهة كلٍّ من الإسلاميين والنظام على حد
سواء. ولعل من أبرز ما ميز هذه الانتخابات هو ارتفاع نسب المشاركة القبطية في الانتخابات، لا من حيث
عدد المرشحين أو الفائزين منهم فحسب، بل أيضًا من حيث ارتفاع معدلات مشاركة الناخبين الأقباط في
الانتخابات على نحو لم يتحقق منذ أعوام طويلة مضت.
61 <http://www.youm7.com/News.asp?NewsID=541854&SecID=12>. 62 <http://www.copts.nl/default.aspx?tabid=159&ArticleId=1763>.
63 النواب الفائزون هم: أمين اسكندر (فئات – الكرامة) وعماد جاد (فئات - الديمقراطي الاجتماعي) ومرغريت عازر (عمال-الوفد)
وحلمي صمويل عادل (عمال- الديمقراطي الاجتماعي) وبدر زاخر نعمان (عمال- الوسط) ونجيب لطفي نجيب (عمال- الإصلاح
والتنمية) ورأفت سيفين حليم (فلاح- الإصلاح والتنمية) وإيهاب عادل رمزي (فئات- الحرية).
64 <http://www.copts.nl/default.aspx?tabid=159&ArticleId=1763>.
في ضوء مسار الانتخابات التشريعية، يمكن الإشارة إلى النقاط التالية: أ- عودة دور الكنيسة في التأثير في الأمور السياسية بترشيح أو بتزكية أسماء أو مرشحين بعينهم، مع رضوخ
أبناء الكنيسة لهذه الترشيحات، خاصة مع مجيء الانتخابات بعد أقل من شهرين من حوادث ماسبيرو وتديين
الانتخابات من جانب التيارات الإسلامية. ب- مشاركة الأقباط الفعّالة في الانتخابات البرلمانية بعد عزوف استمر أكثر من ستين عامًا، وذلك على
مستوى كلٍّ من الناخبين والمرشحين الأقباط. ج- بروز حالة من الاستقطاب السياسي والديني تحت قبة البرلمان، ومن أمثلة ذلك رفض رئيس المجلس طلب
النائب عماد جاد بمناقشة بيان عاجل مقدّم من النائب (القبطي) حول ما حدث في قرية النهضة في العامرية في إثر
تهجير ثماني أُسر مسيحية بعد جلسة عرفية، نتيجة انتشار شائعات لم تثبت صحتها عن علاقة بين شاب مسيحي
وفتاة مسلمة، والتي هدد في إثرها النائب بالاستقالة في حال رفْض مناقشة البيان مرة أخرى. د- على الرغم من اتساع قاعدة الأقباط التصويتية خلال الانتخابات البرلمانية، فإنه لم ينجح على مستوى
الفائزين من المرشحين الأقباط سوى ستة أقباط جميعهم جاءوا على رأس قوائم بنسبة 1 في المئة من إجمالي
النواب المنتخبين، بالإضافة إلى خمسة نواب معيّنين من جانب رئيس المجلس العسكري، ليكون مجموع النواب
الأقباط في البرلمان 11 نائبًا. وبرزت حالة افتئات الأغلبية البرلمانية على الأقليات السياسية تحت القبة منذ
الجلسة الافتتاحية للبرلمان، سواء حال انتخاب رئيس المجلس أو عند اختيار رؤساء اللجان داخل البرلمان، وهو
ما كرّس الاستقطاب السياسي الذي تزامن مع تشدد ديني تحت القبة في ظل أغلبية للتيار الإسلامي الإخواني
ثم السلفي. ه- تبرز أيضًا التساؤلات المتعلقة بإمكانية الاندماج الكامل للأقباط في مستقبل مصر السياسي والاجتماعي،
في إطار إعداد البرلمان لمسودة الدستور الجديد وانتخاب الجمعية التأسيسية التي يجب أن تكون معبرّة عن جميع
القوى الوطنية والتيارات السياسية والتي يعوقها انعطاف مجلس الشعب نحو المحافظة، الأمر الذي قد يشكّل
عائقًا سياسيًا أمام بناء مجتمع قائم على المساواة المدنية، بل ربما يدفع ببعض النواب الأقباط إلى الاستقطاب
والتعامل كممثّلين عن الطائفة المسيحية فقط. ففي إطار تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور، والانقسام الذي
حدث حول دستورية تشكيلها، أصدرت الكنيسة في 26 آذار/ مارس 0122 بيانًا رسميًا من المجمع المقدس
وهيئة الأوقاف القبطية، أبدت فيه ملاحظاتها حول صوغ الدستور، حيث جاء: «إن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بصفتها مؤسسة مصرية وطنية، تؤكد ضرورة مراعاة حقوق الإنسان
المستلهَمة من الشرائع الدينية والمعايير الدستورية الصحيحة عند وضع الدساتير، وإن الكنيسة القبطية
الأرثوذكسية ترى ما يلي: أولا: ضرورة النص في دستور مصر الحديثة على أن تكون مصر دولة مدنية ديمقراطية حديثة تقوم على تداول
السلطة، واحترام المواطَنة لجميع المصريين دون تمييز بينهم بسبب الدِّين أو العقيدة أو الجنس أو اللون أو اللغة،
وتحترم حقوق الإنسان والمرأة والطفل. ثانيًا: ضرورة النص على أنهوبالنسبة لغير المسلمين من أهل الكتاب
تسري في شأن أحوالهم الشخصية وشئونهم الدينية مبادئ شرائعهم التي يدينون بها وطبقًا للقوانين واللوائح
والأعراف والتقاليد الدينية المعمول بها لديهم.
65 <http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=328016>. 66 <http://www3.youm7.com/News.asp?NewsID=637508>.
ولعل هذا الموقف يعَدّ الموقف السياسي الأول للكنيسة بعد وفاة البابا شنوده، إال أنه يعربّ عن تفاعل الكنيسة
مع الأزمة الدستورية، خاصة في المادة الأولى من البيان، لكن المادة الثانية تحمل في طياتها تناقضًا منهجيًا ولغويًا
مع الأولى. ففي حالة وجود دولة حديثة، لا يمكن الحديث عن أهل كتاب، بل عن مواطنين، بالإضافة إلى أن
استخدام توصيف غير المسلمين من أهل الكتاب يستبعد البهائيين، أو أصحاب الديانات غير السماوية، ولكنها
في كل الأحوال خطوة إيجابية. وبتاريخ 92 آذار/ مارس 0122، وبعد انسحاب الأزهر من الجمعية التأسيسية، أصدر المجلس ا يلمّ العام
للأقباط الأرثوذكس وهيئة الأوقاف القبطية بيانًا مشتركًا ذكرا فيه «إننا قد شعرنا بقلق من الآليات المتبعة
في تشكيل الجمعية التأسيسية، حيث تم خلالها تهميش معظم فئات وأطياف الشعب المصري، ممّا يحول دون
التوصل إلى دستور يليق بمصر وشعبها وتفخر به الأجيال القادمة»، وفي اجتماع لاحق للمجلس بتاريخ 2
نيسان/ أبريل 2012 -بناء على طلب القائم مقام البابا الأنبا باخوميوس - أصدر بيانًا جاء فيه «أنه بناء على
نبض الشارع المصري، والقبطي خاصة، يعلن المجلس ا يلمّ العام عدم مشاركة ممثّلين له في اللجنة التأسيسية
للدستور، تضامنًا مع موقف القوى الوطنية والأزهر الشريف». ولعل هذا القرار قد خرج بطريقة تستحق الإشادة، لأن القرار صدر عن المجلس ا يلمّ لا عن مجمع الأساقفة، في
إشارة إلى الخروج عن أسلوب البابا شنوده في إدارة الشؤون السياسية، بعد طلب نيافة الأنبا باخوميوس انعقاد
المجلس ا يلمّ وتوضيح رؤيته واتخاذ قراره الذي يراه بشأن ممثلّي الكنيسة في اللجنة التأسيسية، بعيدًا عن سلطة
رجال الدِّين أو عن تدخّلهم. أمّا الكنيسة الكاثوليكية، فناشدت المشير حسين طنطاوي «إعادة النظر في اختيار أعضاء اللجنة التأسيسية، وحل
تلك الأزمة، وأن يأتي تشكيل الجمعية التأسيسية معربًّا عن كل أطياف الشعب، وأن تكون الكنيسة الكاثوليكية
ممثّلة في تلك الجمعية». وبالنسبة إلى موقف الكنيسة الإنجيلية، أعربت الطائفة الإنجيلية – في 2 نيسان/ أبريل-2012 عن قلقها من
الطريقة التي تم بها تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور، مؤكدة أنها «جاءت مخيبة للآمال ومخالفة لروح ثورة
يناير التي جاءت ضد نظام مستبد استبعد كافة قوى المعارضة». وقالت الطائفة بقيادة القس أندريه زكي، نائب
رئيس الطائفة، «في حالة استمرار عدم التجاوب مع نداءات التصحيح، تعلن الطائفة الإنجيلية عدم مشاركتها
حتى يتم تصحيح الأوضاع». ولعل موقف كلٍّ من الكنيستين الكاثوليكية والإنجيلية يختلف عن موقف الكنيسة الأرثوذكسية التي كان لها
ممثّلون في اللجنة، ولكنها سحبت هؤلاء الممثّلين اعتراضًا على العوار الواضح في تشكيل اللجنة وعدم تمثيل
القوى الوطنية داخلها بشكل متوازن. أمّا الكنيستان الكاثوليكية والإنجيلية، فلم يكن لهما ممثّلون في اللجنة من
البداية، ولكن المواقف الثلاثة تصب في خانة واحدة وهي غياب التمثيل القبطي داخل اللجنة، أكان بشكل لا
يعكس رؤى الأقباط (الأرثوذكس) ورغباتهم في الدستور الجديد أم بتنحية الأقباط (الكاثوليك والبروتستانت)
من التمثيل داخل اللجنة.
67 <http://shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=29032012&id=0a1f53ea-a56b-4257-b9d6-34cf0b70a882>. 68 <http://www3.youm7.com/News.asp?NewsID=642532>. 69 <http://www3.youm7.com/News.asp?NewsID=642819>. 70 <http://shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=02042012&id=f30b0f9a-e427-4e70-afc8-47903dc3ba65>.
-7 رحيل البابا شنوده الثالث في ظروف مشابهة لتزامن تغير السلطتين الدينية والسياسية التي شهدتها مصر في السبعينيات، يطرح رحيل
البابا شنوده الثالث الكثير من التساؤلات والمخاوف المتعلقة بمستقبل الكنيسة ووحدتها من الداخل، ومستقبل
الأقباط في مصر. ففي ضوء عدم الاستقرار على المستوى السياسي، وفي إطار غياب الزعامة الروحية عن الكنيسة، تثار التساؤلات
المتعلقة بمستقبل الكنيسة بوجه عام، وبمستقبل الأقباط ووضعهم بوجه خاص بعد أن اختاروا العودة إلى
أحضان كنيستهم مرة أخرى. كما أن ظروف مجيء البابا الجديد تأتي في أعقاب ثورة شهدتها مصر وأطاحت
رأس النظام الذي كانت تحكمه علاقة «تفاهم» مع الكنيسة. كما أن البابا الجديد يأتي ليحل محل البابا شنوده
الذي توطدت علاقته بشعبه واستقرت على مدى أربعة عقود على كرسي الباباوية، لجيل استقر ذهنه على أنه ليس
هناك بابا غيره، هذا ناهيك عن أن البابا الجديد – ولأول مرة في العصر الحديث – سيدير شؤون شعبه القبطي في
ظل حكم أغلبية إسلامية. كما أن الديموغرافيا السياسية وطبيعة مطالب الأقباط تتغيران في ضوء رفضهم فكرة
الرضوخ والاستسلام وعدم التفريط في حقوقهم المدنية. ولا يمكن تصوّر دور البابا الجديد إالّ مع تصوّر دور الدولة في المقابل، في إطار تعاملها مع الكنيسة، وكذلك
مع النخبة السياسية بمختلف فصائلها وتياراتها. فعلى البابا الجديد مسؤوليات كثيرة، أكانت كهنوتية أم روحية،
أم سياسية، للمِّ الشتات القبطي، والاندماج في الشأن العام، وفتح قنوات بين البابا والشعب تعكس إدراكه
للتحولّات السياسية في نفوس الشباب القبطي وتوجهاته. كما أن منصب البابا ليس منصبًا دينيًا فقط، بل إنه
يتداخل أيضًا مع سلطة الدولة بتوصيل رسالة بالرضا أو عدم القبول في ما يتعلق بكثير من المسائل الخاصة
بدور العبادة أو بقانون الأحوال الشخصية أو غيرها. أمّا المرحلة الانتقالية التي تشهدها مصر على المستويات كافة، أكان من حيث الدستور الجديد أم من حيث شكل
البرلمان أو الرئيس (الإسلامي)، فتدفع بكلٍّ من النظام والكنيسة إلى البحث عن قراءة جديدة لشكل التعامل
بينهما بعد رحيل البابا شنوده، خاصة مع تآكل دور الدولة وغياب مفهوم دولة القانون الذي دفع بالجميع إلى
تكويناتهم الأولية بحثًا عن الحماية، الأمر الذي يمثّل تحديًا أساسيًا أمام البابا الجديد الذي سيصعب عليه دخول
الساحة السياسية بمشروع جديد، ولكنه سيرث مشروعًا سياسيًا مثقالً لا بد له من أن يتعامل معه. كما أن من
الطبيعي في معرض الحديث عن مؤسسة عتيقة تحكمها التقاليد والفكر اللاهوتي أن تستوقفها إشكاليات التأقلم
مع المستجدات الطارئة في إطار المرحلة الانتقالية، فالكنيسة القبطية الأرثوذكسية ما هي إالّ جزء من كل، في ظل
الظروف السياسية التي تمر بها مصر. إن رحيل البابا شنوده يطرح الكثير من التساؤلات التي تتعلق بمستقبل الكنيسة ووحدتها الداخلية، كما يطرح
تساؤلات تتعلق بمستقبل الأقباط ومن ثم مستقبل مصر؛ تساؤلات تتعلق بطبيعة العلاقة بين الكنيسة والنظام
إلى العلاقات داخل الكنيسة ذاتها في ضوء الحديث عن خليفة البابا و«نظام» اختيار هذا الخليفة الذي يرفضه
البعض ويشكك فيه بعض آخر. -8 الانتخابات الرئاسية وفوز مرشح جماعة الإخوان المسلمين تباينت ردود أفعال الأقباط بعد فوز مرشح الإخوان المسلمين في الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية في حزيران/
يونيو 0122، فمنهم من رأى ذلك نهاية الدولة المدنية الحديثة، ومنهم من رآه انتصارًا لأهداف الثورة، ولكن
71 <http://www.almogaz.com/politics/news/2012/03/18/224589>.
الردود تلك أجمعت على ضرورة احترام نتيجة الانتخابات والتعامل مع الدكتور مرسى كرئيس للدولة، له كل
الاحترام، وأشار كثير منهم إلى أن الحكم عليه سيكون عبر ممارساته كرئيس للجمهورية. كما أكد الدكتور محمد مرسي أن المصريين جميعًا أصحاب أسهم متساوية في هذا الوطن، وأنه لا يقبل بأن يمنّ
أحد على أي مسيحي مصري، مشيرًا إلى أن هناك خطًا مفتوحًا في الليل والنهار بينه وبين المسيحيين في مصر،
وأنه يعز عليه أن يكلمه أحد، أو يوصيه على أقباط مصر. جاء ذلك خلال استقبال الدكتور مرسي في مقر رئاسة
الجمهورية في مصر الجديدة للأنبا باخوميوس، القائم بأعمال البابا، والوفد الكنسي المرافق له، الذي قدم الوفد
التهنئة للدكتور مرسي بانتخابه رئيسًا للجمهورية. وقال الأنبا باخوميوس خلال اللقاء: «إننا متوسمون في الرئيس الجديد حب الشعب منذ اليوم الأول، ونرجو
أن يكون توليه منصب الرئاسة رسالة حب وسلام لكل الشعب المصري، مؤكدًا أن مصر تحتاج الآن إلى طمأنينة
وسلام». وأضاف مخاطبًا مرسي: «إن وجودك في هذا المنصب يريح كل المصريين». ومن تلك التصريحات، يمكن استنتاج ما يلي: أ- غلبة الروح الدينية على تلك التصريحات، فالكتاب المقدس يطلب من «الشعب» أن يصلي من أجل حاكمه
حتى يستطيع أن يحقق ما يريده منه شعبه. فتعبيرات مثل «الثقة في أن الله سيعطى الرئيس الحكمة» و«الطلب من
الله أن يحقق الرئيس الدولة المدنية القائمة على الحق والقانون» هي ذات دلالة في هيمنة القيم الدينية على ردّات
الأفعال الرسمية الكنسية بعد إعلان النتيجة، وهذا أمر من الطبيعي والمنطقي أن يحدث لأنه يصدر عن جهات
كنسية دينية. ب- إن تلك التصريحات عكست إلى حد كبير مدى تراجع الدور السياسي للكنيسة بعد الثورة، فهي لم تشتمل
على مطالب للأقباط إالّ في ما أشار إليه الأب رفيق جريس بالطلب المتعلق بتعيين النائب القبطي، وإقرار القانون
الموحد لدور العبادة. وقد يكون للعزوف عن عدم ذكر مطالب الأقباط ما يبرره، خاصة أنها تصريحات تأتي في
سياق التهنئة وليس فيها مجال للحديث عن مطالب أو مشكلات، فضالً عن أن الرئيس الجديد لم يكن وقتذاك
قد أقسم اليمين بعدُ ليتولىّ مهامه كرئيس للدولة بشكل رسمي. ج- إن تلك التصريحات لوّحت إلى حد كبير بالراحة حيال اختيار الله أوالً ثم الشعب ثانيًا للرئيس الجديد، إالّ
أن تلك التصريحات لم تخلُ من بعض الإشارات العامة التي حملت في مضمونها مخاوف الكنيسة بشكل عام،
كالمساس بالدولة المدنية، أو التمييز بين المواطنين وانتهاك المواطَنة، من دون الدخول في التفاصيل أو الضمانات
المطلوبة لتحقيق تلك الأهداف. د- إن خطب التهنئة لم تستخدم عبارات أو مفردات طائفية في الأساس، فلم تختلف بيانات الكنائس المصرية
الثلاثة عن بيانات التهنئة الأخرى، ولم تستخدم مفردات كحقوق الأقباط أو مخاوف الأقليات، ولكن جاءت
تلك الخطب متوازنة وبعيدة عن الطائفية إلى حد كبير. أمّا على مستوى النخب والتنظيمات القبطية، فبمجرد إعلان لجنة الانتخابات الرئاسية النتيجة النهائية، شهد
ميدان التحرير احتفالات بنجاح «مرشح الثورة»، ولم يستثن بعض الأقباط من المشهد، حيث رفع المحتفلون
72 <http://www.masrawy.com/news/Egypt/Politics/2012/June/26/5136683.aspx>.
صليبًا خشبيًا فرحة بفوز الدكتور مرسى بالرئاسة، لافتين أن هذا الفوز يعدّ انتصارًا للثورة في مشهد يعكس
تلاحم الأقباط بالوطن واندماجهم فيه قبل الطائفة. وقد علّق الناشط كمال زاخر، منسق التيار العلماني القبطي، بأن «الثورة المصرية كانت خارج المنافسة في الانتخابات
الرئاسية»، وإن كان إجراء الانتخابات الرئاسية من النتائج الإيجابية للثورة. وأوضح أن مصر «تجني ما بدأ من
اصطفاف طائفي قبل 04 عامًا»، حيث أكدت نتائج الاستفتاء التعديلات الدستورية، والانتخابات البرلمانية،
وأخيرًا الانتخابات الرئاسية، مضيفًا «نحن أمام تحد حقيقي باختبار قدرتنا على استيعاب الديمقراطية»،
وموضحًا «كنا أمام خيارين في جولة الإعادة أحدهما هذه النتيجة». وعلّقت حركة «أقباط بلا قيود»، على فوز مرسي بأن المعركة الانتخابية كانت معركة لا علاقة لها بالشرف أو
النزاهة، والخاسر الوحيد فيها هو الوطن. وأضافت الحركة في بيان لها صدر عقب إعلان النتيجة أن «التسريبات
التي خرجت عن اللجنة العليا للانتخابات والمجلس العسكري لبعض المستشارين الأقباط ولبعض وسائل
الإعلام بفوز شفيق تؤكد بما لا يدع مجاالً للشك أن المجلس العسكري استخدم كل وسائل الضغط والحرب
النفسية التي استخدمها الإخوان لتحسين شروط الصفقة». ومن أهم الملاحظات على تلك التصريحات: أ- أنها اختلفت تمامًا عن تلك الصادرة عن الكنيسة، وهو ما يعكس عمق الانفصال السياسي بين الكنيسة
والأقباط من جهة، ويعكس من جهة أخرى المخاوف الحقيقية من الأقباط تجاه صعود المرشح الإسلامي، وهي
المخاوف التي أدلوا بها صراحة، على مستوى النخب وعلى مستوى التنظيمات القبطية. ب- إن بعض تلك التصريحات أشارت صراحة إلى وقوفها بقوة إلى جانب المعارضة من اليوم الأول لفوز
الدكتور مرسي، معلنة بذلك أن الاختلاف الأيديولوجي والفكري بينها وبين المرجعية الإسلامية للدكتور
مرسى غير قابلة للتقارب، وأن الحَكم هو الممارسات الفعلية بعيدًا من التصريحات والوعود. ج- إن تذكير بعض أعضاء النخبة القبطية بنسبة فوز الدكتور مرسي في الانتخابات ماهي إالّ تذكير بأنه لم يأتِ
حاكامً لمصر بأغلبية كاسحة، في إشارة إلى احترام نتيجة التصويت من جانب، مع التشديد من جانب آخر على أن
الممارسة الإقصائية ستدفع الكثير إلى الميدان مرة أخرى للمطالبة بإطاحة الرئيس على غرار ما حدث في كانون
الثاني/ يناير.2011 إن من أهم التحديات التي تواجه الرئيس محمد مرسي وأصعبها هو كسب الأقباط في صفّه، كونهم أكبر تكتل
مسيحي في الشرق الأوسط، خاصة مع تزايد المخاوف من الدولة الدينية منذ إطاحة نظام مبارك. وعليه، وعد الدكتور مرسي منذ تولّيه الرئاسة بمعاملة مساوية لجميع المصريين. وأعلن متحدث باسم الرئاسة
أنه سيتم تعيين قبطي نائبًا للرئيس. ومع ذلك، لم يركز الأقباط على كلمات مرسي أو وعوده، وإنما على أفعاله
73 <http://www1.youm7.com/News.asp?NewsID=715062&SecID=97>.
74 جدير بالذكر أن محافظة أسيوط، التي فيها نسبة كبيرة من أبناء مصر الأقباط، فاز فيها الدكتور مرسي بفرق يزيد على 002 ألف
صوت.
75 <http://www.coptreal.com/wShowSubject.aspx?SID=64016 >.
76 لم يجرِ تعيين النائب القبطي كما وعد الرئيس، بل عنُيّ مساعد قبطي للرئيس لشؤون التحول الديمقراطي، وهو سمير مرقس. كما
تم تشكيل فريق رئاسي تضمّن عضوًا قبطيًا وهو رفيق حبيب، أو عضو جماعة الإخوان المسلمين ونائب رئيس حزب الحرية والعدالة،
الذراع السياسية للجماعة.
مباشرة، خاصة أنهم بدأوا في الشهور التي تلت الثورة يقلقون من الدعوات المتزايدة من بعض الإسلاميين
لتطبيق «أحكام» الشريعة الإسلامية، كما أن وعود الإخوان بإعلاء مبادئ المواطَنة ووقف جميع أشكال التمييز
مازالت غير متحققة، فالأقباط لم يشعروا بجدية تطبيق هذه الوعود تشريعيًا، عندما كانت الأغلبية الإخوانية
على رأس السلطة التشريعية في البرلمان. ومن ثم، إذا استمر النظام الحالي على نهج النظام السابق في ما يتعلق بالتهميش والاستبعاد الذي مورس في البرلمان وفي اللجنة التأسيسية التي تكتب الدستور الجديد، ستستمر
المخاوف، بل ستتزايد، وقد تتحول «الفزاعة» الإسلامية التي كان يستخدمها النظام السابق إلى واقع فعلي يعانيه الأقباط، وهو ما يزيد في معوقات اندماجهم السياسي والاجتماعي.
ملاحظات ختامية
أول: إن الحديث عن اندماج الأقباط سياسيًا واجتماعيًا السياسي رهن السياق العام الذي تمر به الدولة والمجتمع
في مصر. فمن غير المنطقي أن يشهد الطرفان – المجتمع والدولة - كلّ هذا القدر من التحولّات ولا يتأثر اندماج
الأقباط سياسيًا واجتماعيًا، ولكن طبيعة ردة فعل الأقباط من جانب، ومستقبل إدماج هذا الفصيل الرئيس من
قبل التيارات الإسلامية من جانب آخر هما المحك عند الحديث عن مستقبل اندماج الأقباط. ثانيًا: إن رحيل البابا شنوده في هذا التوقيت المرتبك الذي تعانيه المؤسسات السياسية والدينية معًا، يطرح الكثير
من التساؤلات المتعلقة بمستقبل الكنيسة والأقباط، فإمّا بابا يقود الكنيسة بما يواجه التحديات الجديدة، وإمّا
تكتفي الكنيسة بالأمور الدينية وتنفرد القوى الجديدة التي خرجت مع الثورة بالنضال والكفاح في الشارع من أجل دولة المواطن، خاصة أن تحديات الكنيسة لا يمكن حصرها، فهناك طبعًا تحديات ومستجدات قائمة، كما
أن من الممكن استحداث تحديات جديدة. ثالثًا: على الرغم من عودة الأقباط إلى الكنيسة بعد حوادث ماسبيرو، فإن الحراك القبطي مازال موجودًا،
وهو يرى أن من حقه التصرف منفردًا على المستوى السياسي، بعيدًا عن توجيهات الكنيسة. هؤلاء الشباب
المتحمسون تمردوا على السلطة البابوية، وقد يجد البطريرك الجديد نفسه في مواجهتهم. رابعًا: إن مشهد الانتخابات الرئاسية يطرح الكثير من الاستنتاجات الجديرة بالذكر: إن طرح كتلة تصويتية
(قبطية) واحدة هي بمنزلة «طرح طائفي»، أو فيه على الأقل شبهة طائفية، خاصة أنه يعني إهدار الجهود التي تكرس للاختيار بين المرشحين على أساس الهوية الوطنية. ومن ثم، فإن الحديث عن تفضيلات جماعة دينية ذات
توجهات تختلف عن تفضيلات «الطوائف» الأخرى بدالً من كون الأقباط فصيالًاجتماعيًا رئيسًا ذا تفضيلات
سياسية متباينة. كما أن المطالب المتصاعدة تجاه الأقباط بالانحياز إلى مفهوم الوطن في مواجهة مفهوم الجماعة
أو الطائفة، هو مطلب صعب على «الأقلية» دائامً، خاصة عندما تكون «الأغلبية» قد وقعت في هذا الخطأ من قبل، وكرسته، بل تبنّته. إن أهم سمة مميزة لوضع الأقباط بعد الثورة هي كسر حاجز الخوف والخروج من شرنقة العلاقة الثلاثية التي
فُرضت في ظروف سلطوية. إن العلاقة الثلاثية بين النظام- الكنيسة- الأقباط تبدّلت تمامًا، ولكن هذا التبدّل
والتغريّ لم ينعكسا على الحد من المعوقات القائمة أمام اندماج الأقباط سياسيًا واجتماعيًا، بل استحدثا معوقات
جديدة حالت دون اندماج الأقباط.
المراجع
-1 العربية كتب الجديدة،.1989 الدراسات السياسية والاستراتيجية،.]2010[
003.2 (مختارات ميريت) العلوم الاجتماعية) دوريات
أكتوبر.2000 الدولية، على الموقع الإلكتروني: <http://www.siyassa.org.eg>.
وثائق
الإلكتروني:
>.htm
بولانتزاس، نيكوس. السلطة السياسية والطبقات الاجتماعية. ترجمة عادل غنيم. ط.3 القاهرة: دار الثقافة التقرير الاستراتيجي العربي، 2010-2009: الحركات الاحتجاجية. القاهرة: مؤسسة الأهرام، مركز حبيب، رفيق. اغتيال جيل: الكنيسة وعودة محاكم التفتيش: تجربة ذاتية. القاهرة: يافا للدراسات والأبحاث، عبد الفتاح، نبيل. سياسات الأديان: الصراعات وضرورات الإصلاح. القاهرة: ميريت للنشر والمعلومات، اليسوعي، وليم سيدهم. المواطنة عبر العمل الاجتماعي والعمل المدني. القاهرة: مكتبة الأسرة، 007.2 (سلسلة
حجازي، أحمد مجدي. «الطبقة الوسطى وثقافة التهميش.» الديمقراطية: العدد 16، تشرين الأول/ أكتوبر عبد الله، ثناء فؤاد. «أزمة الطبقة الوسطى في مصر.» المستقبل العربي: السنة 23، العدد 026، تشرين الأول/ عبد المنعم، مي مجيب. «خارج الكنيسة: علاقة الأقباط بالحياة السياسية المصرية بعد ثورة يناير،» السياسة مالكي، أمحمد. «المواطنة بين الدولة والمجتمع.» الديمقراطية: العدد 24، تشرين الأول/ أكتوبر 2.006 مسعد، مجيب. «التمييز القبطي واستبعاد الدولة في مصر،» عمران: السنة 1، العدد 1، صيف 2.012 النجار، سعيد. «مفهوم المواطنة في الدار الحديثة.» رسائل النداء الجديد: العدد 64، أيار/ مايو 2.003
خضر، أحمد ابراهيم. «الإسلاميون ومستقبل الأقباط في مصر بعد سقوط نظام مبارك.» على الموقع الإلكتروني:
<http://www.magmj.com/index.jsp?inc=5&id=6257&pid=1428>.
نسيرة، هانى. «الطائفية قبل وبعد الثورة المصرية.» (مركز الجزيرة للدراسات، 011/7/23.)2 على الموقع
.20118712924750558/08/http://studies.aljazeera.net/files/2011<
-2 الأجنبية Books
Agulnik, Phil [et al.]. Understanding Social Exclusion. Oxford; New York: Oxford University Press, 2002. Arafat, Alaa Al-Din. Hosni Mubarak and the Future of Democracy in Egypt. New York: Palgrave Macmillan, 2011. Ayoob, Mohammed. The Many Faces of Political Islam: Religion and Politics in the Muslim World. Ann Arbor: University of Michigan Press, 2008. Becker, Howard Saul. Outsiders; Studies in the Sociology of Deviance. London: Free Press of Glencoe, [1963]. Bengio, Ofra and Gabriel Ben-Dor (eds.). Minorities and the State in the Arab World. Boulder: Lynne Rienner Publishers, 1999. Chitham, E. J. The Coptic Community in Egypt: Spatial and Social Change. [Durham]: University of Durham, Centre for Middle Eastern and Islamic Studies, 1986. (Occasional Papers Series; no. 32) Fraser, Nancy. Scales of Justice: Reimagining Political Space in a Globalizing World. New York: Columbia University Press, 2009. (New Directions in Critical Theory) Kivisto, Peter (ed.). Incorporating Diversity: Rethinking Assimilation in a Multicultural Age. Boulder, Colo.: Paradigm Publishers, 2005. McCallum, Fiona. Christian Religious Leadership in the Middle East: The Political Role of the Patriarch. With a Foreword by John Anderson and Raymond Hinnebusch. Lewiston, NY: Edwin Mellen Press, 2010. Migdal, Joel S., Atul Kohli and Vivienne Shue (eds.). State Power and Social Forces: Domination and Transformation in the Third World. Cambridge, [England]; New York: Cambridge University Press, 1994. (Cambridge Studies in Comparative Politics) Oxhorn, Philip. Organizing Civil Society: The Popular Sectors and the Struggle for Democracy in Chile. University Park, Pa.: Pennsylvania State University Press,
Pacini, Andrea (ed.). Christian Communities in the Arab Middle East: The Challenge of the Future. Oxford: Clarendon Press; New York: Oxford University Press,
Pye, Michael [et al.] (eds.). Religious Harmony: Problems, Practice, and Education: Proceedings of the Regional Conference of the International Association for the History of Religions, Yogyakarta and Semarang, Indonesia, September 27th- October 3rd, 2004. Berlin; New York: Walter de Gruyter, 2006. (Religion and Reason; v. 45) Rothschild, Joseph. Ethno-politics: A Conceptual Framework. New York: Columbia University Press, 1981. Yinger, John Milton. Ethnicity: Source of Strength? Source of Conflict?. Albany: State University of New York Press, 1994. (SUNY Series in Ethnicity and Race in American Life)
Periodicals
McCallum, Fiona. “Religious Institutions and Authoritarian States: Church–State Relations in the Middle East.” Third World Quarterly: vol. 33, no. 1, February
Sayed, Yusuf, Crain Soudien and Nazir Carrim. “Discourses of Exclusion and Inclusion in the South: Limits and Possibilities.” Journal of Educational Change: vol. 4, no. 3, September 2003. Slee, Roger. “‘Inclusion in Practice’: Does Practice Make Perfect?.” Educational Review: vol. 53, no. 2, June 2001. Tadros, Mariz. “Sectarianism and Its Discontents in Post-Mubarak Egypt.” Middle East Report: Summer 2011.
Thesis
Barker, Derek Brian. “Clientelism and the Copts: An Examination of the Relationship between the Egyptian Church and State.” (MA Degree, University of Windsor, Canada, 2006).
Estivill, J. “Partnership and the Fight against Exclusion.” (Lessons from the Program Poverty 3, GEIE, International Institute for Labor Studies, Bruxelles, 1994). Kodmani, Bassma. “The Dangers of Political Exclusion: Egypt’s Islamist Problem.” (Carnegie Papers, Middle East Series; no. 63, Carnegie Endowment for
Pioppi, Daniela. “Is there an Islamist Alternative in Egypt?.” (IAI Working Papers; 11,
Documents
International Peace, Washington, DC, October 2005).
Istituto Affari Internazionali, 3 February 2011).