Return to Article Details Islamists in Tunisia and the Status of Women: Between Theory and Practice

الإسلاميون وقضايا المرأة في تونس

Islamists in Tunisia and the Status of Women: Between Theory and Practice

حمادي ذويب*

الملخّص

اخترنا الاشتغال بقضايا المرأة لدى بعض ممثّلي الحركة الإسلامية في تونس إيمانا منّا بأن البحث في نظام الحكم الديمقراطي لا يمكن أن يقتصر على المستوى السياسي، وإنّما من الضروري أن يمتدّ إلى المستويات الأخرى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها. ولمّا كان نظام الحكم الديمقراطي يقتضي حفظ حقوق الإنسان عامة وحقوق المرأة خاصة والدفاع عن تلك الحقوق أملًا بتحقيق المساواة بين الفئات الاجتماعية وبين الجنسين، عدّ ذلك من معايير تبنّي أي نظام حاكم للديمقراطية. في هذا الإطار، سعينا إلى النظر في موقف حركة النهضة التونسية من المرأة وبعض من القضايا المتصلة بها، ساعين إلى تقليب النظر بين الخطاب الفكري النظري من جهة والممارسة السياسية والعملية من جهة أخرى. فاخترنا أن نتوقّف أولًا عند مسألة تعدّدد الزوجات من خلال نماذج لمواقف زعماء حركة النهضة، لنرى إلى أي حد كانت متجانسة في ما بينها من ناحية وفي ما بينها وبين مجلةة الأحوال الشخصية والواقع التونسي من جهة أخرى. وبعد ذلك بتحليل موقف حركة النهضة من رئاسة المرأة للدولة ومشاركتها في الحياة السياسية. إن فوز الإسلاميين بمقاليد الحكم يجعل المقارنة بين الأفكار والوعود الانتخابية التي يطرحونها وبين الممارسة مسألة مهمة. كما إن لمواقف الإسلاميين من المرأة خصوصيتها في تونس، لأن مكاسب المرأة في هذا البلد تفوق كثيرًا ما تحقق لها في أكثر البلدان العربية. وقد انتهينا، بعد معالجة الآليات التي اعتمدها قياديو حركة النهضة التونسية للتكيف مع واقعهم ومجتمعهم التونسي، والسلطة المرجعية التي حكمت تفكيرهم، إلى أن المستويين النظري والسياسي الخاصين بالمرأة غير منسجمين، وهو ما قد يعني أن دعوتهم إلى مشاركة المرأة في المجال السياسي ليس مبنيًا ربما على ايمان حقيقي بمساواتها بالرجل وإيمان حقيقي بحقوقها المدنية والسياسية.

Abstract

Dhweib examines the question of women from the perspective of the Islamist movement in Tunisia. Underlying this analysis is the belief that democracy, and by default democratic governments, should prioritize the protection of human rights in general, and women’s rights in particular, and work to promote equality between genders and the different social groups. Within this context, Dhweib examines the Tunisian Ennahda Movement’s stance regarding women, seeking to compare Ennahda’s intellectual and theoretical discourse with its political and pragmatic practices. The author first addresses polygamy, a point of contention among the Ennahda leaders, whose stances stood in contrast to the Tunisian personal status law and the reality of Tunisians on the ground. He then goes on to address Ennahda’s stance on the election of women as heads of state and the overall participation of women in political life. The rise of Islamists to power propels a comparison between their rhetoric and electoral promises, on the one hand, and their political practice, on the other. The Islamists’ stance toward women is particularly poignant in Tunisia, a country where women have achieved far more gains than most other Arab countries. Following an analysis of frames of reference and mechanisms adopted by Ennahda leaders, the author concludes that the Ennahda stance on women lacks coherence between theory and practice, indicating that their call for women to participate in political life may not be based on a genuine belief in equality between men and women or on the civil and political rights of women.

الكلمات المفتاحية:
  • إسلاميو تونس
  • حركة النهضة
  • مرأة
  • أحوال شخصية
Keywords:
  • Ennahda Movement
  • Women
  • Personal Status Law
  • Women Presidency
  • Election Promises

اخترنا الاشتغال بقضايا المرأة لدى بعض ممثلّي الحركة الإسلامية في تونس إيمانا منّا بأن البحث

في نظام الحكم الديمقراطي لا يمكن أن يقتصر على المستوى السياسي، وإنمّا من الضروري أن

يمتدّ إلى المستويات الأخرى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها. ولما كان نظام الحكم

الديمقراطي يقتضي حفظ حقوق الإنسان عامة وحقوق المرأة خاصة، والدفاع عن تلك الحقوق

أملا بتحقيق المساواة بين الفئات الاجتماعية وبين الجنسين، عدّ ذلك من معايير تبنّي أي نظام

حاكم للديمقراطية. في هذا الإطار، سعينا إلى النظر في موقف حركة النهضة التونسية من المرأة وبعض من القضايا

المتصلة بها، ساعين إلى تقليب النظر بين الخطاب الفكري النظري من جهة والممارسة السياسية

والعملية من جهة أخرى. فاخترنا أن نتوقّف أولا عند مسألة تعدّد الزوجات من خلال نماذج

لمواقف زعماء حركة النهضة، لنرى إلى أي حد كانت متجانسة في ما بينها من ناحية، وفي ما بينها

وبين مجلة الأحوال الشخصية والواقع التونسي من جهة أخرى. وقمنا بعد ذلك بتحليل موقف

حركة النهضة من رئاسة المرأة للدولة ومشاركتها في الحياة السياسية. إن فوز الإسلاميين بمقاليد الحكم يجعل المقارنة بين الأفكار والوعود الانتخابية التي يطرحونها

وبين الممارسة مسألة مهمة. كما إن لمواقف الإسلاميين من المرأة خصوصيتها في تونس، لأن

مكاسب المرأة في هذا البلد تفوق كثيرًا ما تحقق لها في أكثر البلدان العربية. وقد انتهينا، بعد

معالجة الآليات التي اعتمدها قياديو حركة النهضة التونسية للتكيف مع واقعهم ومجتمعهم

التونسي، والسلطة المرجعية التي حكمت تفكيرهم، إلى أن المستويين النظري والسياسي

الخاصين بالمرأة غير منسجمين.

مقدّمة

يُعَدّ الدفاع عن حقوق المرأة مرتكزًا أساسًا من مرتكزات فلسفة حقوق الإنسان، التي تُعتبر قاعدة

نظرية جوهرية تتأسّس عليها أنظمة الحكم الديمقراطية. ويمكن أن نقرّ قاعدة عامة في كتابات

المنظّرين الدائرة حول موضوع المرأة تتمثّل في أنّه كلمّا تبنّى المفكر الديمقراطيّة تصوّرًا وممارسةً كان موقفه من

المرأة منفتحًا ومؤيّدًا لحقوقها. هكذا اعتبر موقف الإسلامييّن من حقوق المرأة المقياس الذي يتحدّد به مدى

تقدّمهم في تبنّي مبادئ الحريّة والديمقراطيّة والمساواة في مختلف الميادين. ليس اختيار الموقف من المرأة مقياسًا أو مؤرشًّا على مدى تبنّي المنهج الديمقراطي بأمر اعتباطي؛ ذلك أن

قطاعات عريضة من الإسلاميين عربّت عن احترازها من حريّة المرأة ومن مكاسبها وحقوقها التي تحصّلت

عليها بعد نضال الحركات النسائية عبر حقبة طويلة. وقد اضطر إسلاميّون آخرون إلى التنازل عن المواقف

القديمة المحافظة إزاء المرأة، تفاعالً مع الضرورة والواقع الجديد ومع الضغوط الدولية أيضًا. في هذا الإطار، أعلنت حركة النهضة في تونس سنة 011 2 «أن إقامة الدولة الديمقراطية التي حتُدّد فيها الحقوق

والواجبات على أساس المواطَنة دون اعتبار للجنس أو اللون أو المعتقد هي المدخل الأمثل لكلّ إصلاح اجتماعي

وسياسي حقيقي، وضرورة أن تأخذ المرأة قضيّتها بيدها في ظلّ فلسفة التكامل والتعاون مع الرجل وليس في

ظلّ عقلية التطاحن أو التنازع». لا تعني هذه العبارات تماهي خطاب حركة النهضة مع خطاب الحداثيين؛ فقد بنيّ رئيس هذه الحركة راشد

الغنّوشي أن دعوة حركته إلى إعادة بناء المجتمع الإسلامي لا يعني استبعاد زمن الحداثة والعودة إلى النمط

الموروث وإعادة إنتاج مجتمع الانحطاط، وإنما غايتها استيعاب ما أنجزته الحداثة في السياق الخاص بالمسلمين.

ورغم هذه المقدّمة التنويرية، فإن الغنّوشي يستخلص بعدها أن الحداثة لم تحقّق حريّة المرأة «وأنه إن أمعنّا النظر

في مضمون هذا التحرير المزعوم في تونس سنجده في أغلبه مجرد سلب». ولما كان التطرّق إلى جميع قضايا المرأة عند الإسلاميين أمرًا لا يتّسع له المجال في هذه المقالة، فإنّنا اخترنا التركيز

على مسألتين أساسين، إحداهما اجتماعية هي تعدّد الزوجات، والأخرى سياسية هي المشاركة السياسية للمرأة. المسألة الأولىتخص قانون الأحوال الشخصية، وهي «منطقة ذات حساسية خاصة في الهيكل الاجتماعي.

وبحكم حساسية هذه المنطقة، فإن الأحكام المتعلّقة بها تكون كاشفة أكثر من غيرها لمؤشرات الحركة في

السيرورة الاجتماعية، بمعنى أن القوانين والأحكام المحدّدة لوضع المرأة ومكانتها تكشف أكثر من غيرها عن

مدى تحقّقحقوق الإنسان في المجتمع المعنيّ. وهذا هو المؤشر الأكثر صدقًا لتحديد مدى تقدّم المجتمع».

أمّا المسألة الثانية، فهي تتصل بتويلّ المرأة رئاسة الدولة أو بقية الوظائف السياسية. وفي هذين المجالين تحتدم

مقاومة مسار المساواة بين الرجل والمرأة لأنهما «يبرزان بوضوح تقسيم الأدوار الجندرية المكرّس باسم الشريعة

أو باسم الخصوصيات الثقافية أحيانًا».

1 انظر بيان حركة النهضة بمناسبة اليوم العالمي للمرأة 8 آذار/ مارس 0112، على الموقع الإلكتروني: <http://tunisiatoday.blogspot.

com/2011/03/blog-post.2011-7926.html>.

2 راشد الغنوشي، مقاربات في العلمانيّة والمجتمع المدني (تونس: دار المجتهد للنشر والتوزيع، 0112)، ص.124

3 نصر حامد أبو زيد، دوائر الخوف قراءة في خطاب المرأة، ط 2 (الدار البيضاء؛ بيروت: المركز الثقافي العربي، 0002)، ص.283

4 رجاء بن سلامة، بنيان الفحولة: أبحاث في المذكر والمؤنث (دمشق: دار بترا، 0052)، ص.136

أولا: تعدّد الزوجات في تصوّر حركة النهضة

سنحاول أن نرصد موقف حركة النهضة من مسألة تعدّد الزوجات بالانطلاق أوالً من الجذور التاريخية لهذا

الموقف. لذلك ارتأينا أن نلقي بعض الأضواء على حركة الاتجاه الإسلامي التي كانت الإطار الأول الذي

احتضن أعلام حركة النهضة التونسية. وقد كانت مجلة المعرفة أداة تلك الحركة في الاتصال بالتونسيين وتبليغهم

آراءها. وقد تطرّقت هذه المجلة إلى موضوع التعدّد خلال سنة 9761 من خلال مقال كتبه أبو أحمد، ورد فيه

قوله: «حماية الأسرة عن طريق تعدّد الزوجات في الحالات التي تكون فيها الزوجة عقيمة أو لا تفي بحاجات

الرجل الجنسية. فلا يضطرّه ذلك إلى الزنا كما في المجتمعات الغربية أو اتخاذ الخليلات، بل يتزوج أخرى حفظًا

من التمزّق». ومن الواضح أن هذا الموقف التقليدي يندرج ضمن الرؤية التي تفرض على المرأة طاعة زوجها

والائتمار بأوامره استنادًا إلى أحاديث ذكرها صاحب المقال، منها: «لو كنتُ آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت

الزوجة أن تسجد لزوجها». وفي أواسط الثمانينيات، وتحديدا في ندوة 6 حزيران/ يونيو 9851، صرّحت قيادة الإسلاميين بمطلب التراجع

عن مجلة الأحوال الشخصية وإقامة حوار وطني حول قوانينها. وقد برز هذا المطلب نتيجة الهدنة مع السلطة

السياسية التي امتدّت من سنة 9841 إلى سنة 987.1 فبعد انتفاضة الخبز سنة 9841، «حاول النظام التونسي

تلطيف الأجواء بإعلانه فتح باب التعددية السياسية من جديد، وتحقيق انفراج سياسي كان من أبرز معالمه

إطلاق سراح المعتقلين الإسلامييّن».

وقد بنيّ الغنّوشي أسباب الدعوة إلى مراجعة هذه المجلة، وفي مقدّمتها أن بعض نصوص هذه المجلة أُسقط

على المجتمع إسقاطًا من دون دراسة متأنّية وبصيرة للواقع الاجتماعي التونسي. ومن تلك النصوص تجريم

التعدّد الحلال مهما يكن المبرّر، إذ يقول: «فالسجن والفراق عقوبتان لازمتان مع أنه كان يمكن التعامل بمرونة

مع قضية التعدّد لوضع حدّ لحالة الفوضى التي كانت عليها واعتبار الزواج الثنائي (رجل - امرأة) هو القاعدة

الطبيعية. ثم يتولىّ القانون تنظيم الاستثناءات، ويمكن للقضاء الإشراف على ذلك التنظيم ووضع الشروط

الكفيلة بمنع الفوضى والتحجّر لولا جموح التقليد الأعمى». وفي هذا السياق، وضمن حملة الإسلامييّن الداعية إلى إجراء استفتاء حول مجلة الأحوال الشخصية، برز بعض

المقالات الصحافية التي تعارض تجريم تعدّد الزوجات في مجلة الأحوال الشخصية، منها مقال تطرّق فيه صاحبه

إلى ضرورات تعدّد الزوجات التي تبرّر، بحسب رأيه، المحظورات. يقول: «ثمة وجوه عدّة لهذه الضرورة

كالعجز الجنسي الذي قد يعتري المرأة بعد الزواج نتيجة البرود الجنسي، خاصة أنها تصل إلى مرحلة التغير في

سنّ مبكّرة نسبيًا (خمس وأربعون سنة»...). والظاهر أن موقف الإسلاميين هذا لم يتواصل؛ فعقب الحملة المضادّة التي شُنّت عليهم، سُجّل تراجعهم عن

5 أبو أحمد، في: المعرفة، السنة 3، العدد 4 (9761)، ص.15

6 محمد بن عيسى الترمذي، سنن الترمذي، حكم على أحاديثه آثاره وعلقّ عليه محمد ناصر الدين الألباني؛ اعتنى به مشهور بن حسن آل

سلمان (الرياض: مكتبة المعارف، 9961)، الحديث رقم 9115، ص 75.2

7 عبدالحكيم أبو اللوز، إشكاليّة الدّين والسياسة في تونس: أزمة مشروع التحديث وظهور حركة النهضة (القاهرة: رؤية للنشر

والتوزيع، 0112)، ص.162

8 راشد الغنوشي، المرأة بين القرآن وواقع المسلمين (تونس: [د. ن].، 0112)، ص.106

9 المصدر نفسه، ص.106

0 1 فؤاد الفخفاخ، «ضرورات تعدّد الزوجات،» الرّأي (تونس)،.1985/6/7

مطلبهم، إال أن ذلك عُدّ تراجعًا شكليًّا في إثر عملية جسّ النبض، واعتبره البعض «انتظارًا وتحيّنًا للفرصة

الملائمة لتحقيق برنامجهم بحذافيره، والانقضاض النهائي على هامش الحريات المتوفرة حاليًا للمرأة». وقد فرض التحوّل السياسي في تونس بعد انقلاب 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 9871 ترسيخ هذا التراجع، خاصة

أن مدبّر هذا الانقلاب زين العابدين بن علي كان صرّح في رسالة يبدو أنها استهدفت الإسلاميين، إذ قال: «لن

نعيد النظر فيما حقّقته تونس لصالح المرأة ولن نتخىلّ عنه، إن قانون الأحوال الشخصية إنجاز نرى ضرورة

التمسّك به والالتزام به». وقد كان ردّ زعيم حركة النهضة على هذا الخطاب إيجابيًا، إذ أعلن «أن المدونة

تمثّل بشكل عام إطارًا ملائامً لتنظيم العلاقات العائليّة». وفي هذا الصدد، اعتبر الغنّوشي أن مجلة الأحوال

الشخصية تندرج في سياق تأويل مشروع للنصوص الدينية. ولما كان الغنّوشي لم يوضح حتى سنةّ1 991

القاعدة النظرية التي مارس من خلالها هذا التأويل، فقد اعتبُر موقفه «نتيجة التغيير السياسي للسابع من نوفمبر،

وبالتالي فهو موقف ينطوي على إخضاع ما هو ديني لما هو سياسي، في غياب أيّ تأصيل نظري لم تتوفّر للقيادة

فرصة القيام به نظرًا لانخراطها الكبير في الممارسة السياسيّة». وقد تجىلّ البُعد السياسي لموقف حركة النهضة من مجلة الأحوال الشخصية من خلال قبولها الذي أكّدته بتوقيعها

الميثاق الوطني سنة.1988 وتواصل هذا الموقف بعد ذلك؛ ففي سنة 0052 تأسّست هيئة 81 أكتوبر للحقوق والحريات، وهي هيئة

معارضة تضمّ يساريين وإسلاميين وقوميين وليبراليين وحقوقييّن. وقد كانت هذه الهيئة تشيد بمجلة الأحوال

الشخصية، وتعربّ عن تمسّكها بها وبالمكاسب الاجتماعية للمرأة وعن سعيها لتطويرها رغم عدم حسمها نقاطًا

خلافية، كالمساواة في الإرث. ومع هذا، لم يكن موقف الغنّوشي بعد 14 كانون الثاني/ يناير ثابتًا دائامً في مسألة تعدّد الزوجات؛ فقبل انتخابات

23 تشرين الأول/ أكتوبر 0112، قال الغنّوشي: «نحن أكثر انفتاحًا من المجموعات السياسية التي تدّعي

الحداثة». كما نفى أن تكون حركته تخطّط، في حال وصولها إلى الحكم، للتضييق على حريّة المرأة التونسية التي

تتمتّع ب«وضع حقوقي فريد من نوعه في العالم العربي بفضل مجلة الأحوال الشخصية». وقال الغنّوشي في هذا

السياق: «لن نمنع الشواطئ المختلطة ولن نفرض على النساء زيًّا معينًا (الحجاب)»، وقال أيضًا: «نحن ضدّ

اعتماد العنف لمنع فكرة أو مناصرة فكرة من الأفكار، نحن مع حريّة التفكير والتعبير والاعتقاد، ولكن باعتبارنا

نعيش في مجتمع مسلم فيجب أن يحترم بعضنا عقائد بعض». ولئن نفى الغنّوشي في أول مؤتمر صحافي بعد الانتخابات أيّ نيّة لحركته في الترويج لتعدّد الزوجات، بخلاف

ما يروّجه بعض من يلعبون ورقة «فزّاعة الإسلامييّن»، فإنه صرّح في أواخر تشرين الأول/ أكتوبر 2 012

11 شكري لطيف، الإسلاميون والمرأة: مشروع الاضطهاد، ط 2 (تونس: بيرم للنشر، 9881)، ص.110

12 فرانسوا بورجا، الإسلام السياسي: صوت الجنوب: قراءة جديدة للحركة الإسلامية في شمال إفريقية، ص 231، نقالً عن: ابو اللوز،

ص.175

13 المصدر نفسه، ص.175

14 انظر حوارًا مع الغنوشي صدر في: الإصلاح،.1989/12/15

15 ابو اللوز، ص.176

61 القدس العربي، نقلا عن الموقع الإلكتروني: www.sudanforum.net> <.

71 المصدر نفسه.

81 كمال بن يونس، «الغنوشي والجبالي في أول مؤتمر صحفي بعد الانتخابات،» على الموقع الإلكتروني: <www.maghreb-news.net>.

لإذاعة «إكسبرس أف أم» بأن حركة النهضة لن تغريّ سوى فصلين فقط من فصول مجلة الأحوال الشخصية،

وهما فصل التبنّي واستبداله بمبدأ الكفالة، وفصل منع تعدد الزوجات. ثم أكّد في هذا الحديث أن الإسلام لا

يمنع تعدّد الزوجات ولا يفرضه. وقد وجدنا تأكيدًا لهذا الموقف في موقع إلكتروني آخر يفيد بأن الغنّوشي

يعتبر مجلة الأحوال الشخصية جزءًا من الاجتهاد الإسلامي شارك في وضع نسختها الأصلية الشيخ عبد العزيز

جعيط، ولا يمكن الاستغناء عنها، وأكّد تمسك حركة النهضة بها بوصفها مكسبًا، مع تعديل فصلين فيها

وهما فصل التبني وفصل تعدّد الزوجات. وقد صرّح الغنّوشي في مناسبة أخرى بعدم معارضته تعدّد

الزوجات، وإن يكن قد حاول اعتباره حلاًّ اجتماعيًا خاصًا بزمن معنيّ دون غيره. فقد شدّد خلال حوار نظّمته

المؤسسة الأميركية للسلام على أن الزواج بواحدة مبدأ محفوظ في الإسلام، وأن تعدّد الزوجات مسموح به

عندما يتعلّق الأمر بحلّ مشكلات اجتماعية تُطرح في زمن الحرب خاصة. وأضاف أن المشكلة في تونس تكمن

في عزوف الشباب عن الزواج بسبب البطالة لا في تعدّد الزوجات. ويتّضح إذًا أن زعيم حركة النهضة صرّح في مناسبات أخرى بموقفه الأصلي من المسألة، وإن يكن قد أعلن في

بعض المناسبات أن حركته لن تعمل على إقرار مبدأ تعدّد الزوجات. ولا يعدّ هذا غريبًا، ذلك أنه يسعى إلى أن

يحقّق المعادلة الصعبة، وهي إرضاء المجتمع التونسي من جهة وتطمين المرأة بشكل خاص وعدم مصادمة النصّ

القرآني الذي يجيز التعدّد من جهة أخرى. وهذا ما جعل خصومه يصفون موقفه بالارتباك والالتباس، ويعلّلونه

برئاسته لجنة الدفاع عن تعدّد الزوجات خارج تونس. تقول سناء ابن عاشور، ابنة الشيخ الفاضل ابن عاشور:

«هناك التباس فيما يخصّ موقف إحدى [كذا] مكوّنات هيئة 81 أكتوبر، وهي حركة النهضة، إذ هي في نفس

الوقت الذي تتمسّك فيه بمجلة الأحوال الشخصية يرأس زعيمها السيد راشد لجنة الدفاع عن تعدّد الزوجات

خارج تونس وهو موقف يدلّ على تناقض واضح».

ثانيًا: موقف قيادات حركة النهضة من تعدّد الزوجات

يلاحظ الناظر في تصريحات قيادات حركة النهضة أنها متّفقة على موقف واحد يفيد بأن إباحة تعدّد الزوجات

ليست ضمن برنامج الحركة، وأنها تتبنّى مكاسب المرأة التونسية. وفي هذا الصدد، أكّد الأمين العام لحركة النهضة حمادي الجبالي أن الحركة لن تسمح بتعدّد الزوجات، ولن تمسّ

مكاسب الحداثة للشعب التونسي. وفي الإطار ذاته قال وزير العدل الحالي نور الدين البحيري: «إن النهضة

<http://tunisiavideo.blogspot.com>. 9 انظر الموقع الإلكتروني:1

02 يقدّم الشيخ عبد العزيز جعيط خطأ باعتباره أحد ملهمي قانون الأحوال الشخصية في تونس. والحق أنه وقف على مسافة من النظام

وأنكر عدّة إجراءات أُدخلت في هذا القانون. وقد طالب رسميًا وزير العدل بمراجعة الفصول المتعلّقة بمنع تعدد الزوجات، وبإقرار

الطّلاق المدني. والملاحظ أنه وإن أيّد الشيخ فاضل بن عاشور التمشي الإصلاحي لقانون الأحوال الشخصيّة، فإن عددًا من العلماء أعربوا

عن رفضهم له. هكذا أصدر 13 عضوًا من غرفتي المجلس الشرعي الأعلى فتوى يوم 14 أيلول/سبتمبر 9561 ندّدوا فيها بالقانون

الجديد لاشتماله على إجراءات مناقضة للقرآن والسنّة والإجماع. انظر: Habib Bourguiba, Michel Camau et Vincent Geisser, dirs.,

la trace et l’héritage, science politique comparative (Paris: Karthala; Aix-en-Provence: Institut d’études politiques, 2004).

21 انظر «الأخبار السياسية» على الموقع الإلكتروني: <www.facebook.com/note.php?id=184559241627409>.

22 «La Polygamie vue par Rached Ghannouchi,» (13 mai 2012), on the web: <www.newsoftunisia.com/generalites/>.

23 أشرف عبد القادر، «رسالة مفتوحة إلى سناء بن عاشور،» (أمان، المركز العربي للمصادر والمعلومات حول العنف ضد المرأة) على

<www.amanjordan.org/a-news/wmwiew,php?ArtID=9377>. الموقع الإلكتروني:

24 انظر المقال الذي نشر بتاريخ 26 تشرين الأول/ أكتوبر 0112 على الموقع التالي: www.investir-en-tunisie.net> <.

تدعم مكتسبات التونسييّن، بما في ذلك الحظر على تعدّد الزوجات الذي لا يتعارض والقرآن». يبُرز هذا

التصريح قاعدة من قواعد النهج السياسي للحركة، وهي الحرص على عدم تعارض الفعل السياسي مع القواعد

الشرعية والنصوص الدينية، وهو ما جعلها تلجأ إلى التأويل لتبرير ما قد يبدو متعارضًا مع أمر ديني منصوص

عليه أو مجمَع عليه. وفي هذا السياق أكّد القيادي في حركة النهضة ورئيس الوزراء حاليًا علي العريض أن الحركة

«تريد» بعد فوزها في الانتخابات « أن تكون مقاربتها لأيّ قضية لا تتعارض مع الدّين. وأطروحتنا تقوم على

الملاءمة بين الحداثة وبين مقاصد الدّين الإسلامي». وأوضح أن الحركة لن حتُدث تغييرًا في قانون الأحوال

الشخصية في ما يتعلّق بالإرث وبتعدّد الزوجات الذي اعتبره غير ملائم للمجتمع التونسي. وأكّد أنه «ليس لنا

أي نيّة لمراجعة تعدّد الزّوجات لأن التعدّد مشروط في الفقه بشروط كثيرة ولولي الأمر إذا رأى سوء استعمال

حقّ أن يقيّده». ومن الواضح أن هذا الرأي مستلهم من ميراث الحركة الإصلاحية في عصر النهضة؛ فقد

قال محمد عبده في هذا السياق: «ومتى غلب الفساد على النفوس وصار من المرجّح أن لا يعدل الرجال في

زوجاتهم جاز للحاكم أن يمنع التعدّد أو للعاملِ أن يمنع التعدّد مطلقًا مراعاةً للأغلب». وبنيّ العريض أن

الحركة «تحترم النمط الاجتماعي، وفي تونس جرى العمل على أنه لا وجود للتعدّد. وذكر أن الدّين الإسلامي

واحد وقراءته متعدّدة، وهو يتأقلم مع كلّ مجتمع بخصائصه والمرحلة التي يتطوّر بها». ومن الواضح أن موقف الحركة المبدئي الراهن الرافض لتعدّد الزوجات ينهض على خيار سياسي يتجنّب

مصادمة المجتمع الذي تعوّد على مدى نصف قرن تقريبًا على الأسرة التي تتكوّن من زوجة واحدة، لذلك كان

حرص قيادات الحركة على نفي كلّ الأخبار أو الشائعات التي تتعارض وهذا الخيار، من ذلك القول الذي نُسب

إلى الناطق الرسمي باسم حركة النهضة سمير ديلو، وهو يفيد بأن تعدّد الزوجات مبدأ أساس ينبغي أن يُكتب

في الدستور القادم، فقد نفاه المعني بالأمر، مصرّحًا بأنه سئل عن موقف حركة النهضة من تعدّد الزوجات

فأجاب بأن الحركة ليست دار إفتاء، وأن ليس من دورها بتّ المسائل الفقهية، وأن برنامجها السياسي لا يتضمّن

هذه النقطة. وفي السياق نفسه نفت النائبة في المجلس التأسيسي عن حركة النهضة سعاد عبد الرحيم (وهي صيدلانية كانت

على رأس قائمة النهضة في تونس) الشائعات الخاصة بالإجبار على لبس الحجاب، والسماح بتعدّد الزوجات،

ووضّحت أن الحركة تساند حريّة المرأة والحفاظ على مكاسبها ومساواتها بالرجل.

ثالثًا: رئاسة المرأة للدولة لدى الإسلاميين بين الرفض والقبول

هل يجوز أن تتولىّ المرأة الولاية العامة، أي رئاسة الدولة؟ يُعدّ الجواب عن هذا السؤال مقياسًا يؤرشّ على مدى جدّة خطاب المجيب عنه أو اكتفائه بالتقليد؛ فمن المعلوم

52 الوسط التونسية،.2011/8/14

62 الوسط التونسية، /12 011/112، على الموقع الإلكتروني: www.tunisiealwasat.com/article-1936> <.

72 المصدر نفسه.

8 2 محمد عبده، الأعمال الكاملة للإمام الشيخ محمد عبده، تحقيق وتقديم محمد عمارة، 5 ج (بيروت؛ القاهرة: دار الشروق، 1993)،

ج 2، ص.84

9 2 الوسط التونسية، 2.011/11/12

03 انظر هذا الموقف على الموقع الإلكتروني: <www.tiscup.com>.

31 انظر الموقع الإلكتروني: <www.mlekker.com>.

أن العلماء القدامى يجمعون على ضرورة توافر شرط الذكورة فيمن يتصدّى للخلافة أو الولاية العامة على

المسلمين. وسار على هدي هذا الموقف فريق من المفكّرين المسلمين المحافظين في عصرنا، ومن أشهرهم

أبو الأعلى المودودي الذي استند إلى آية القوامة وإلى حديث «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة»، ليستخلص

ضرورة حرمان المرأة من تويلّ أي وظيفة من وظائف الدولة. يقول: «إن المناصب الرسمية في الدولة، رئاسة

كانت أو وزارة أو عضوية مجلس الشورى أو إدارة مختلف مصالح الحكومة، لا تفوَّض إلى النساء». والملاحظ أن هذا الرأي لم يكتف بتبنّيه بعض الكتّاب والعلماء، وإنمّا عربّت عن تأييده مؤسّسات إفتائية رسمية

لها تأثيرها في الرأي العام الإسلامي، ومنها لجنة الفتوى في جامع الأزهر ولجنة أخرى للفتوى في الكويت. لكن كيف كان تعامل الإسلاميين في تونس مع هذه المسألة؟ تطرّق راشد الغنّوشي إلى هذه المسألة في أكثر من كتاب من كتبه؛ ففي كتابه الوسطيّة عند القرضاوي، ينقد

القرضاوي بسبب ارتباك موقفه من جواز تويلّ المرأة رئاسة الدولة. يقول: «غير أن الشيخ (القرضاوي) لا يبدو

على الدرجة نفسها من الحسم عندما يتعلّق الأمر بالولاية العامة، فتراه مسايرًا للموقف العام الذي عليه جمهور

الفقهاء في اتفاقهم على عدم جواز تويلّ المرأة الولاية العامة إعماالً منهم لحديث البخاري: ‹ما أفلح قوم ولّوا

أمرهم امرأة›... وتارة يكون حديث الشيخ أقلّ حسامً وأميل إلى المضي مع مبدأ المساواة الذي أقرّه إلى نهاياته

عدا ما ورد فيه استثناء صريح». وفي مقابل هذا الموقف المرتبك، كيف كان موقف الغنّوشي من المسألة المطروحة؟ أثار الغنّوشي هذا الموضوع في كتابه المرأة بين القرآن وواقع المسلمين، في سياق ردّه على من منع المشاركة

السياسية للمرأة اعتمادًا على آية القوامة؛ فقد قصر الغنّوشي دلالة الآية على المجال الأسري، أمّا خارج الأسرة

اإل، لاجرلا ضعب لعى ةيلوا اله نوكت نأ نكميفّ أن هذه الولاية لا يمكن أن تمتد إلى الولاية العامة. يقول:

«أمّا ولاية بعض النساء على بعض الرجال خارج نطاق الأسرة، فلم يرد ما يمنعه، بل الممنوع هو الولاية

العامة للمرأة على الرجال». والواضح أن هذا الموقف يقوم على قراءة تأويلية توفيقية للحديث المروي

عن البخاري «لن يُفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة»، فهو يخالفه من جهة عندما يسمح بولاية المرأة ومشاركتها

السياسية في مختلف المناصب، لكنه من جهة أخرى لا يقبل به في مسألة الولاية العامة. وهنا يلجأ الغنّوشي

إلى آلية أصولية تقليدية هي تخصيص الدلالة، أي قصر دلالة لفظ من ألفاظ الحديث حتى يتناسب مع الغاية

الدلالية التي يريد إقرارها. وهكذا يفرسّ دلالة لفظ «أمر» في الحديث تفسيرًا عامًا رغم أن اللفظ يمكن أن

يدل على الخاص والعام معًا. يقول: «والحديث الذي رواه البخاري ‹لن يفلح...› إنمّا يعني الولاية العامة على

الأمّة أي: رئاسة الدولة كما تدلّ عليه كلمة ‹أمرهم› فإنما تعني أمر قيادتهم ورئاستهم العامة. أمّا بعض الأمر،

فلا مانع أن تكون للمرأة ولاية فيه». ويرى الغنّوشي أن سبب ورود الحديث المذكور «يؤيّد تخصيصه بالولاية العامة، فقد بلغ النبيّ (ص) أن

32 أبو الأعلى المودودي، «المرأة ومناصب الدولة في نظام الإسلام،» ترجمة محمد كاظم سباق، في: أبو الأعلى المودودي، نظريّة الإسلام

وهديه في السياسة والقانون (بيروت؛ القاهرة: [دار الفكر]، 9691)، ص.316

33 الغنوشي، المرأة بين القرآن وواقع المسلمين، ص.123

34 راشد الغنوشي، الوسطيّة عند القرضاوي (تونس: دار المجتهد للنشر والتوزيع، 0112)، ص.98

35 الغنوشي، المرأة بين القرآن وواقع المسلمين، ص.121

36 المصدر نفسه، ص.121

الفرس بعد وفاة إمبراطورهم ولّوْا عليهم ابنته فقال: لن يفلح ».... وبعد صفحات فقط من بروز هذا

الموقف، نلفي موقفًا يناقضه؛ ففي سياق إعجابه بجرأة الشيخ محمد الغزالي في كتابه السنّة النبوية بين أهل

الفقه وأهل الحديث، يؤكّد اتفاقه معه في جواز تويلّ المرأة رئاسة الدولة. يقول: «ولقد ذهب (محمد الغزالي)

في موضوع مشاركة المرأة السياسية إلى ما ذهبنا إليه أنه ليس في التصوّر الإسلامي من حاجز ديني حقيقي

يحظر على المرأة أن تتبوّأ أي منصب في الدولة الإسلامية قد تأهّلت له، بما في ذلك رئاسة الدولة». ولمّا

كان هذا الموقف في تناقض صريح مع الموقف السابق، لجأ الغنّوشي إلى آلية تأويلية كان القرضاوي سبقه

إليه حينما اعتبر أن الفقهاء القدامى حظروا على المرأة الولاية العامة، وهي الخلافة، أمّا الدول الإسلامية

القائمة فهي مجرد إمارات لا ينطبق عليها مسمّى الولاية العامة. وبناء على هذا تجوز رئاسة المرأة للدولة

الإسلامية. والظاهر أن هذا التّأويل يُبتغى منه عدم التصادم مع الحديث الذي رواه البخاري. لكن أليست

رئاسة المرأة للدولة الإسلامية حقًّا ولاية عامة على المسلمين؟ لا نرى في الأمر إالّ مراوغة خطابية غير مطابقة

للواقع، لأن المرأة عندما ترأس الدولة ستكون لها السلطة التي أخافت الفقهاء القدامى، وهي أن تحكم

الرّجل امرأة. لقد كان هذا غير مقبول في ظلّ نظام اجتماعي محافظ قديم، لكنّه أصبح اليوم ممكنًا. وولايتها

العامة أمر لا جدال فيه لأنها تمثّل دولتها في المحافل الدولية وتشرف على أمور الدولة العامة. ولئن حاول

القرضاوي التقليص من مدلول الولاية العامة للمرأة اعتمادًا على أنموذج الدولة الغربية الديمقراطية التي

يقوم فيها الحكم على المؤسسات وعلى الشراكة لا على الانفراد والحكم المطلق، فهل يصحّ هذا على الدولة

الإسلامية التي لا يزال أغلبها حيُكم بغير الأسلوب الديمقراطي؟ وهل هذا الموقف مطابق للواقع، خاصة

إن استحضرنا أنموذجي رئيسة حكومة بريطانيا سابقا مارغريت تاتشر الملقّبة بالمرأة الحديدية، والمستشارة

الألمانية حاليًا أنغيلا ميركل؟ يبدو لنا أن الموقف الحقيقي لرئيس حركة النهضة ليس مع تويلّ المرأة رئاسة الدولة الإسلامية، وهذا ما تجىلّ

عمليّا من خلال الممارسة السياسية لممثلّي حركة النهضة؛ فهي وإن دافعت خلال الحملة الانتخابية التي سبقت

انتخابات 23 تشرين الأول/أكتوبر 0112 عن مكاسب المرأة ومجلة الأحوال الشخصية والدولة المدنية، فإن

نائبات حركة النهضة في المجلس التأسيسي فاجأن الجميع بالتصويت ضدّ حقّ المرأة في أن تترشّح لمنصب رئاسة

الجمهورية، وذلك في سياق مناقشة اللجنة المختصة لشروط الترشّح للرئاسة. ولئن كانت المسؤولية الأولى

في الدولة غير محبّذة للنساء، فإن المسؤولية الثانية، أي نيابة الرئيس مرحّب بها لأغراض سياسية تخدم التوافق مع

الأحزاب المخالفة. وفي هذا الصدد نقلت الصحف خبر تحذير رئيس حركة النهضة جماعة الإخوان المسلمين في

مصر من تراجع شعبيّتها بسبب رفضها ترشّح الأقباط والمرأة لمنصب نائب الرئيس. تأتي هذه المواقف في وقت رفض فيه حزب النور، أكبر الأحزاب السلفيّة المصرية، تعيين امرأة أو قبطي في

73 المصدر نفسه، ص.122

83 المصدر نفسه، ص 126، الهامش الرقم.2

93 انظر قوله: «ثمّ إن الواقع المشاهد أن المسؤوليّة اليوم جماعية والولاية مشتركة تقوم بها مجموعة من المؤسسات والأجهزة، وللمرأة

أن تحمل جزءًا منها مع من يحملها عندما تكون حاكامً.. وليست هي الحاكمة المطلقة التي لا يُعصى لها أمر، فهي إنما تترأس حزبًا يعارضه

آخر، وهي في حزبها لا تملك إالّ صوتها، فإن عارضتها الأغلبية غدا رأهيُا كرأي أي إنسان»، في: يوسف القرضاوي، من فقه الدولة في

الإسلام: مكانتها-معالمها- طبيعتها: موقفها من الديمقراطية والتعددية والمرأة وغير المسلمين، ط 3 (بيروت؛ القاهرة: دار الشروق،

0012)، ص.176

0 4 انظر: الأوسط، 012/7/62، على الموقع الإلكتروني: <www.awsatnews.net/?p=77915>.

41 انظر مثالً: الفجر نيوز (13 آذار/ مارس 0122)، على الموقع الإلكتروني:.<www.alfajrnews.net>

مىنصب نائب رئيس، وفي وقت أصدر فيه مستشار الرئيس الموريتاني فتوى أكّد فيها أنه لا يجوز للمرأة أن تتول

رئاسة الدولة. والملاحَظ أن حزب التحرير أجاز تويلّ المرأة الوظائف السياسية ومشاركتها في انتخابات مجلس الشورى وفي

انتخاب الخليفة ومبايعته، لكنه سكت عن مسألة رئاستها للدولة، وفي هذا رفض ضمني للأمر.

رابعًا: مشاركة المرأة في الحياة السياسية

لم تبرز مسألة مشاركة المرأة في الفضاء العمومي وفي المجال السياسي إالّ في الفكر الإسلامي الحديث؛ فالعالم

الإسلامي كان من دون شك يتأثّر بما يحدث حوله. لذلك طالبت النساء المصريات بتخصيص مكان لهن في

البرلمان المصري، وحصلن فعالً على ذلك سنة 9251 باعتبارهن مستمعات في مقصورة في هذا البرلمان ثم في

مقصورتين. ويبدو أن تيار الإخوان المسلمين في بداية ظهوره لم يرقْه هذا الوضع، إذ بمجرد أن أسّس حسن البنّا جماعة

الإخوان المسلمين سنة 928 1 شنّ هجومًا على حركة تحرير المرأة، ودعا المرأة إلى القيام بأدوارها التقليدية قائالً:

«فمهمّة المرأة زوجها وأولادها... أمّا ما يريد دعاة التفرنج وأصحاب الهوى من حقوق الانتخاب والاشتغال

بالمحاماة فنردّ عليهم بأن الرجال، وهم أكمل عقلا من النساء، لم يحسنوا أداء هذا الحق، فكيف بالنساء وهنّ

ناقصات عقل ودين». لكن موقف الإخوان تطوّر بعد ذلك، وبرزت في الجماعة قيادات نسائية على غرار زينب الغزالي. وتوّج هذا

التطوّر في سنة 9961 بإصدار وثيقة تؤصّل للمشاركة السياسية للمرأة ممثّلة لعامة الناس في مجالس الشورى

والدولة. وفي تونس، ألقى راشد الغنّوشي في سنة 9801 محاضرة بعنوان «وضعيّة المرأة في الحركة الإسلاميّة» راجع فيها

بعض المسلمّات التقليدية للحركة، وتبنّى موقفًا أكثر اعتداالً في مسألة دخول المرأة إلى الفضاء العام، إنْ على

صعيد العمل أو على صعيد السياسة. وبناء على هذا، أقرّت الحركة الإسلامية التونسية خلال مؤتمرها الثاني سنة

9811 بحقّ النساء في المشاركة في هيئاتها. وقد سعى الغنّوشي إلى التأصيل النظري لمشاركة المرأة في الحقل السياسي، ومنه خاصة الترشّح للمجالس

النيابية، فاعتمد سلطة عاملِين حديثين أجازا هاته المشاركة هما الشيخ محمد الغزالي والشيخ القرضاوي. وردّ

حجج مانعي مشاركتها، وأهمّهم المودودي، معتمدًا في ذلك على آلية تخصيص دلالتي آية القوامة وحديث

البخاري «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة»، فالأولى خاصة بالمجال الأسري، والثانية تخص الولاية العامة دون

غيرها من الوظائف والنشاطات السياسية. والملاحظ أن هذا الموقف لا يستند في رأينا إلى فلسفة المساواة بين الرجل والمرأة، وهي الفلسفة التي كانت

42 انظر: الشروق (تونس)، 012/7/192، على الموقع الإلكتروني: <www.alchourouq.com>.

43 انظر: محمد عمارة، أبو أعلى المودودي والصحوة الإسلامية (بيروت: دار الوحدة، 9961)، ص.265

44 حسن البنا، حديث الثلاثاء، سجّلها وأعدّها للنشر أحمد عيسى عاشور (القاهرة: مكتبة القرآن، 9991)، ص.370

45 عشرة عوائق أمام حقوق النساء، على الموقع الإلكتروني: <www.frt.org/dtls.php?pageID=448>.

46 الغنوشي، المرأة بين القرآن وواقع المسلمين، ص 221.-121

القاعدة النظرية التي تأسس عليها في الدول الغربيّة، وإنما هو موقف يفتح كوة صغيرة تسمح بدخول أنوار

الحداثة من دون السعي إلى خلخلة العلاقة العمودية القديمة بين الرجل والمرأة. لذلك يطمْئن الغنّوشي الرجال

قائالً: «إن عدد النساء اللائي يرشحن للمجلس النيابي سيظلّ محدودًا، وستظل الأكثرية الساحقة للرجال.

وهذه الأكثرية هي التي تحلّ وتعقد، فلا مجال للقول بأن ترشيح المرأة للمجلس سيجعل الولاية للنساء على

الرجال». هكذا، فإن مشاركة المرأة في المجلس ستكون شكلية ومن دون فعل أو تأثير. ولعلّ ما يعضد رأينا

هذا أن القيادات الإسلامية تصرّح بأن الغاية الأيديولوجية هي وراء دعوتها لمشاركة المرأة في السياسة، إذ نجد

الغنّوشي يحيل إلى فتوى القرضاوي التي تنصّ على «أن الحاجة تقتضي من المسلمات الصالحات أن يدخلن معركة

الانتخابات في مواجهة المتحللّات. والحاجة الاجتماعية والسياسية قد تكون أهمّ وأكبر من الحاجة الفردية التي

تجيز للمرأة الخروج إلى الحياة العامة». وفي السياق نفسه كتب منظّر الإخوان المسلمين، عبد الرحمان عبد البر،

في جريدة الجماعة: «لا مانع من ترشح المرأة للانتخابات النيابية وخروجها للتصويت، مع ضرورة التزامها

بالضوابط الشرعية، خصوصًا أن هذا الترشح يضع المرأة المسلمة في معركة تواجه فيها النساء غير الإسلاميات..

فيما المطلب الملح هو أن تحمل المرأة المسلمة المشروع الإسلامي إلى ساحة مواجهة نساء يحملن مشروعًا يعمل

على إفساد المجتمع». قد يبدو هذا الموقف علامة على وعي الإسلاميين في مختلف الأقطار بأن زمن مقاربة قضايا المرأة من خلال الحلول

والأجوبة القديمة أضحى غير مجد في العصر الحديث، خاصة أن عوامل جديدة برزت إلى السطح، منها دخول

النساء المحجبات الفضاء العام، وهو ما مثّل رمزًا لقطيعة ثلاثيّة نُقلت عن طريقة الحركة الإسلامية: قطيعة مع

الإسلام التقليدي/ الأسرة، ومع الإسلام الرسمي / الدولة، ومع الحداثة الغربية. فبعض النساء الإسلاميات

قمن بدور لتغيير طريقة النظر إليهنّ داخل تنظيمهن السياسي الخاص. فتضحياتهن من أجل المشروع الإسلامي

ونضال بعضهن ضدّ الإقصاء مكّنهن من افتكاك فضاءات اعتراف بهن في تيارهن السياسي المخصوص.

وفي هذا الإطار نشير مثالً إلى موقف هبة رؤوف عزت التي اعتبرت العمل السياسي للمرأة واجبًا شرعيًا،

أي إنها لا تكتفي بإباحة هذا النشاط بل تصنّفه في خانة الواجب لاشتراك المرأة والرجل في التوحيد والعبودية

والاستخلاف وخضوعهما للسنن. ولئن كان هذا الموقف يندرج في إطار النسوية الإسلامية، وهو اتجاه في التفكير ينتصر للمرأة انطلاقًا من

مرجعية دينية، وينبني على محاولة توفيق صامت وغير منظّر له بين هذه المرجعية ومرجعية حقوق الإنسان

الحديثة، فإن موقف الغنّوشي وبعض الإسلامييّن يستند إلى مقاربة تاريخية ونقدية حديثة قلّ نظيرها في

الفكر السنّي القديم. فعلى الصعيد التاريخي، ينتقي الغنّوشي من تاريخ الإسلام ما يعضد رأيه حتّى لو كانت حجته من خارج الدائرة

74 المصدر نفسه، ص.121

8 4 المصدر نفسه، ص 123 وانظر: يوسف القرضاوي، فتاوى معاصرة، نقالً عن: عبد الحليم أبو شقة، تحرير المرأة في عصر الرسالة:

دراسة جامعة لنصوص القرآن الكريم وصحيحي البخاري ومسلم، 4 ج (الصفاة، الكويت: دار القلم، 991-1990 1)، ج:3 حوارات

مع المعارضين، ص 44.8

9 4 انظر: روزا ياسين حسن، «بين هواجس العورة السياسيّة والولاية العامة: المرأة العربيّة وتيّارات الإسلام السياسي،» الآداب

(بيروت)، السنة 06 (ربيع.)2012

Confluences méditerrannée , no. 59 (Automne 2006), p. 93 0 انظر:5

51 انظر:، 002/8/6 الأيام 2، نقالً عن: ابن سلامة، ص.148

52 المصدر نفسه، ص.149

السنيّة. وهكذا يحتجّ بفرقة من ف رق الخوارج هي الشبيبية التي جوّزت إمامة المرأة، وبذلك يضرب بفكرة

إقصاء أهل الأهواء أو غير السنّة عرض الحائط. وفي السياق ذاته يحتجّ بمثال عائشة زوجة الرسول التي «قادت

معارضة مسلّحة ضمن ما يزيد على ثلاثة آلاف من الجند، فكانت في مقام الرئاسة، تخطب وتفاوض وتنصّب

إمام الصلاة». وفضالً عن هذا نلفي لدى الغنّوشي مقاربة نقديّة جريئة لبعض النصوص التأسيسية، خدمة لنزعته التجديدية

البراغماتية. ولعلّ أفضل مثال على هذا موقفه من الحديث المستخدم لإقصاء المرأة من المشاركة السياسية، وهو

«لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة»، فالحديث في نظره يتعلّق بسبب مخصوص ولا يمكن أن يفهم منه صلاحه

لكلّ أمر. ولئن كان هذا الرأي يصطدم بالقاعدة الأصولية «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب»، فإن

الغنّوشي يستفيد من غياب الاتفاق بين علماء الأصول على هذه القاعدة. وهكذا تنتفي إمكانية اعتبار الحديث

المذكور مرجعًا في القانون الدستوري. ويضيف الغنّوشي إلى هذا وجهًا آخر من وجوه نقد الحديث يتمثّل

في ظنّيته من جهة السند على منع المرأة من الإمامة العامة. وهذه جرأة منه على نقد حديث رواه البخاري، وعلى

تجاوز مسلّمة عدالة الصّحابة التي تفترض عند أهل الحديث ضرورة تعديل الصّحابة كلهم. لكن الغنّوشي

يبدو في هذه النقطة ذا توجّه اعتزالي نقدي، لذلك اعتبر أن الحديث ظنيّ لأن «راويه أبا بكر - مع أنه صحابي

جليل من مسلمي الفتح فإنه كما ذكر عن نفسه - قد حدّ في القذف...وقد اختلف العلماء في قبول شهادة

المحدود التائب». ينبغي أالّ يذهب في ظنّنا أن الغنّوشي كان المبادر إلى نقد هذا الحديث الذي كان إحدى العقبات التي توضع لمنع

مشاركة المرأة في المجال السياسي، إذ سبقه علماء لهم صيتهم ومكانتهم على غرار الشيخ يوسف القرضاوي الذي

مضى - بحسب الغنّوشي- في «التضييق من مجال إعمال الحديث المذكور إلى حدّ إفراغه من محتواه وإحالته على

المعاش، وذلك من خلال قصره على الولاية العامة». ولا ريب في أن هذين الموقفين النقدييّن التجديديين اللذين اتخذهما القرضاوي والغنّوشي، فضالً عن آخرين،

مؤرشّ على إدراك فريق من العلماء المتشبّثين بالمرجعية الإسلامية أن سلطة النصوص لا يمكن أن تظلّ ثابتة

وجامدة في جميع الأحوال إزاء سلطة الواقع والمصلحة والضرورة؛ فالفكر الحيّ لا بدّ أن يأخذ بعين الاعتبار

مستجدّات عصره وواقعه، ولا يظلّ مرتهنًا بآراء ظهرت في سياقات ولّت وانقضت. وهذا ما جعل الغنّوشي

ينقد الفكر الإسلامي قديامً وحديثًا فيقول: «إذا كانت طبيعة الحياة الاجتماعية تشفع للماوردي وابن حزم في

منعهما الوظائف السياسية على المرأة، فأيّ عذر نلتمسه للمودودي وغيره من المفكرين الإسلامييّن المعاصرين

الذين يتبعون نفس الآراء في زمن الحريات السياسية وعدم التمييز بين الجنسين غير التقليد والانبهار بتراث

القدامى والتعامل معه بانتقائية». وإذا كان خطاب الحركة الإسلامية التونسية بهذا القدر من الجرأة والنقد والمرونة إذا قورن بالفكر السياسي

الإسلامي القديم من جهة، أو بخطاب قطاعات عريضة من الفكر الإسلامي الحديث من جهة أخرى، فهل

كان فعلها السياسي منسجامً مع هذا الخطاب؟ لنشُر أوالًِ إلى أن حضور المرأة التونسية في حوادث الثورة في

53 الغنوشي، المرأة بين القرآن وواقع المسلمين، ص.124

54 المصدر نفسه، ص.125

55 المصدر نفسه، ص.125

56 الغنوشي، الوسطيّة عند القرضاوي، ص 1.02

7 5 راشد الغنوشي، الحريات العامّة في الدولة الإسلامية (تونس: دار المجتهد للنشر والتوزيع، 0112)، ص.132

تونس كان لافتًا. ونكتفي في هذا الصّدد بالإشارة إلى نجاح بعض الفنانات في إيصال صوتهنّ بصورة فعّالة في

التظاهرات، على غرار ما حدث مع المطربة التونسية نوال بن كريم أو مع المطربة والملحنة التونسية أمل المثلوثي؛

فقد نجحتا من خلال أغانيهما التي غنّيت في الساحات العامة أيام الثورة في إلهاب مشاعر الشباب الغاضب. وقد بعث الانتقال الديمقراطي في تونس آماالً جديدة في إشراك النساء في الحكم بجميع مستوياته، لكن لوحظ

في مرحلة ما قبل انتخابات 23 تشرين الأول/ أكتوبر ضعف تمثيل المرأة، فحكومة الباجي قائد السبسي لم

تضمّ سوى امرأتين، أمّا اللجنة العليا لتحقيق أهداف الثورة، فإهنّا اشتملت على 02 في المئة من النساء من جملة

أعضائها. ولم تضمّ الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات سوى اثنتين من النساء. وقد توافق السياسيّون خلال هذه المرحلة على العمل بمبدأ التناصف في الترشّح للمجلس التأسيسي، إالّ أن هذا

المبدأ كان يخصّ الترشّح فحسب ويسكت عن التناصف في مستوى رئاسة القوائم الانتخابية. وبناء على هذا،

لم تكن المرأة ممثّلة على رأس القوائم إالّ بنسبة 7 في المئة، وهذا ما يضعف إمكانية نجاحها في الحصول على مقعد

في المجلس التأسيسي. ولئن كان مبدأ التناصف علامة إيجابية عند البعض، فإنه عند بعض آخر علامة سلبية لأنه كان مسقَطًا على

الواقع التونسي، ولا يراعي قاعدة التمثيلية بل يراعي عامل الجنس. والحال أن الواقع السياسي التونسي بعد

التفقير والتهميش اللذين عاناهما دفع المرأة إلى الابتعاد عن الحقل السياسي، لخطورته على من يلجه، فحكم

على الأحزاب الجديدة بالاستعانة بالمرأة لجنسها لا لخبرتها السياسية. وفي هذا يقول أستاذ القانون التونسي

قيس سعيد: «يشترط القانون الانتخابي التناصف على مستوى الترشح فقط. وللأسف تمّ التعامل مع المرأة

على أساس الجنس وليس على أساس التمثيلية. وفي الواقع تمّ التعامل مع المرأة تعامالً لا يليق بها على مستوى

الأحزاب، إذ تمّ اللجوء إلى عدد منهنّ فقط لأهننّ نساء، كما وقع اللجوء إلى البعض من النساء الطاعنات في

السنّ ممّن لا علاقة لهنّ بالشّأن العام حتى تقبل القائمة... ولو كانت للأحزاب رغبة صادقة في تشريك المرأة في

الحياة السياسية لماذا لم يتمّ تقديم رؤساء قائمات بالتناصف حتى يكون هناك تناسق في الخطاب الذي أرادوا من

خلاله إبراز المساواة؟». وهكذا، فإن القرارات السياسية المسقَطة وغير المع ة عن الواقع ولا تعكس شواغله

وحقيقته، لا تؤدّي إالّ إلى فعل سياسي غير سويّ. وعندما ننظر في مكانة المرأة في وثيقة البرنامج الانتخابي لحركة النهضة، نجد فقرة تتضمّن عشر نقاط (من

النقطة 801 إلى النقطة 89 1) تتعلّق جميعها بالمرأة، لكننا لا نجد إالّ نقطة واحدة مبارشِة تصرّح بضمان تكافؤ

الفرص بين الرجل والمرأة من أجل شغل المسؤوليات الإدارية والسياسية. أمّا بقيّة النقاط، فإنها تؤكّد تعزيز

مكاسب المرأة في المجالات الاقتصادية خاصة. وهكذا، فإن مشاركتها السياسية ودورها القيادي مهمّشان

- في نظرنا- وهذا ما يبدو جليًّا في النقطة 891 التي سكتت عن إلغاء التهميش السياسي في حقّ المرأة،

وهذا نصّها: «إلغاء كلّ شكل من أشكال التهميش الاقتصادي والاجتماعي، وخاصة ضعف تشغيل المرأة

واستغلالها في مجال العمل». ومع هذا بلغت تمثيلية المرأة في المجلس التأسيسي نسبة 924. في المئة. ومن جملة 94 امرأة في المجلس، نجد

42 امرأة من حركة النهضة، وهذا يعني أن أطياف النساء التونسيات ليست ممثَّلة في المجلس تمثيالً حقيقيًّا.

8 5 هادية الشاهد المسيهلي، «ما هي حظوظ المرأة في المجلس التأسيسي؟،» الشروق، 011/10/222، على الموقع الإلكتروني: <www.

. turess.com/alchourouk/514714>

إالّ أن هذا الوضع- وإن كان من دون توقّعات المناضلات النسائيات- يعدّ أكثر تقدمًا من وضع مصر على

سبيل المثال، حيث لم تحصل النساء إالّ على 2 في المئة من مقاعد البرلمان. وفي مقابل الحضور البارز للمرأة في

المجلس التأسيسي، إذا قورن بحضورها في البرلمانات العربية، تبدو مشاركة المرأة ضعيفة في الحكومة التي

تقودها حركة النهضة والتي انبثقت بعد انتخابات المجلس التأسيسي. وقد أقرّت بهذا الواقع وزيرة شؤون المرأة

والأسرة سهام بادي؛ ففي ورشة عمل نُظّمت يوم 1 آب/ أغسطس 0122 في تونس حول دسترة حقوق المرأة،

بمبادرة من وزارة شؤون المرأة والأسرة، أشارت الوزيرة إلى التمثيلية المحدودة للمرأة ضمن تشكيلة الحكومة

الحالية، ودعت إلى تقوية حضورها لتعكس الصورة الواقعية للمرأة التونسية التي تشغل حاليًا كثيرًا من مراكز

القرار في تونس. ويستدعي النقاش المتعلّق بالحضور الكمّي للمرأة في العمل السياسي ملاحظتين أساسين على الأقل: الأولىذات طابع تبريري، ذلك أن ضعف المشاركة السياسية للمرأة ليس خاصًا بالحركات الإسلامية، ففي

الغرب أيضًا بقيت النساء مدّة طويلة محرومات من حقوقهن المدنية. في بريطانيا مثالً، لم تتحصل المرأة التي تزيد

سنها على 25 سنة على حق التصويت إالّ في سنة 918.1 وفي بقيّة البلدان الأوروبية، ينبغي انتظار ما بعد الحرب

العالمية الثانية لتشهد تلك البلدان توسّع التصويت العام. وفي خريف 9931، أثار مقترح ميشال روكار

M. Rocard) (بتزعم قائمة اشتراكية يتكوّن نصف أعضائها من النساء كثيرًا من التحفظات. أمّا الملاحظة الثانية، فتتمثّل في أن الحضور الكمّي للمرأة ضمن قيادات الإسلاميين داخل حركة النهضة ذاتها

أو داخل المجلس التأسيسي لا يعدّ في نظرنا مؤرشًّا على احترام منزلة المرأة وعلى الدفاع عن حقوقها ومساواتها

بالرجل. ذلك أن المهمّ هو الحضور النوعي واستقلال الفكر والشخصية عن أيديولوجيا الحزب. ولعلّ هذا ما

جعل بعض الدارسين يقرّ بأن «المراقب لتشكيلة قيادات الإسلام السياسي عمومًا منذ صعوده سيلاحظ غياب

المرأة عن مواقع اتخاذ القرار... وإن وُجدت المرأة في تلك القيادات فهي بالمجمل خاضعة للأيديولوجيا الحاضنة

لها وممثّلة للأداء المطلوب منها». وقد تأكّد هذا من خلال المؤتمر التاسع لحركة النهضة الذي انعقد في منتصف تموز/ يوليو 0122، حيث

لوحظ غياب شبه كليّ للمرأة في المواقع القيادية، بدءًا برئاسة الحزب ووصوالً إلى مجلس الشورى. هكذا

غابت المرأة في قائمة الترشحات لرئاسة الحركة في ظل تبرير فحواه أنه سلوك اختياري للمؤتمرات وأنهنّ غير

مؤهلّات للقيادة. ونقدّر أن هذا الغياب ترافق في هذا المؤتمر مع غياب الحرص على وضع مسألة الحفاظ على حقوق المرأة ضمن

أولويات الحركة. لذلك نجد في ورقة تحضيرية لهذا المؤتمر فقرة خاصة بالمرأة والأسرة تتضمّن سعي الحركة إلى

النهوض بواقع المرأة وتأكيد دورها الإيجابي في الساحة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. أمّا بقيّة الأفكار في

9 5 تبدو نسبة وجود المرأة في البرلمانات العربية اليوم ضئيلة، وازدادت تضاؤال مع صعود الإسلام السياسي إلى الحكم؛ ف 5.6 في المئة

هي نسبتهنّ في البرلمانات العربية مقارنة بنسبة تصل إلى 31 في المئة في عموم أوروبا، و 44 في المئة في فنلندا، و 9.73 في المئة في عموم الدول

الاسكندنافية. انظر: حسن، «بين هواجس العورة السياسيّة والولاية العامة».

Un Péril islamiste: [Colloque, Le Mans, Décembre 1993] , [Organisé par les carrefours de la pensée, le 0 انظر:6

«Monde diplomatique», l’Université du Maine et la ligue de l’enseignement]; textes de Fariba Adelkhah [et al.]; sous la.dir. d’Alain Gresh, (Bruxelles; [Paris]: Éd. Complexe, 1995), p. 90

61 حسن، ص.123

62 أحلام شهبون وجيهان اللواتي، «مؤتمر النهضة بلا مرأة،» (16 تموز/ يوليو 0122)، على الموقع الإلكتروني:

<www.aljarida.com.tn/ar/vues/4269-nahtha-femme.html>.

هذه الفقرة، فهي تركّز على جانب الزواج والطلاق وحفظ المرأة من الميوعة والتفسّخ. هكذا يتواصل التفكير

في المرأة باعتبارها جسدًا وآلة إنجابية دونما سعي حقيقي إلى التعامل معها باعتبارها مساوية للرجل ولها حقوق

سياسية واجتماعية واقتصادية ينبغي صونها وحمايتها. ولعلّ ما يؤكّد ما ذهبنا إليه ما حدث في المجلس التأسيسي في الأيام الماضية؛ فقد رفض نواب حركة النهضة

في «لجنة الحقوق والحريات» في المجلس الوطني التأسيسي التصويت على مقترح للفصل 82 من الدستور

يتعلّق بحقوق المرأة هذا نصه: «تضمن الدولة حقوق المرأة ومكتسباتها في جميع الميادين، ولا يمكن سنّ قوانين

تنتقص منها بأيّ حال من الأحوال. وتعمل الدولة على القضاء على كلّ أشكال التمييز والعنف المادي والمعنوي

ضدّ المرأة». وعلى خلاف هذا، عرض نواب النهضة مقترحًا آخر فاز بأغلبية الأصوات، وهذا نصه: «تضمن الدولة حماية

حقوق المرأة ودعم مكاسبها باعتبارها شريكًا حقيقيًا للرجل في بناء الوطن، ويتكامل دورهما داخل الأسرة،

وتضمن الدولة تكافؤ الفرص بين المرأة والرجل في تحمّل مختلف المسؤوليات، وتضمن الدولة القضاء على كلّ

أشكال العنف ضدّ المرأة». ومن الواضح أن عدم التنصيص على المساواة في هذا المقترح أمر متعمّد، ذلك أن رئيسة لجنة الحقوق والحريات

في المجلس التأسيسي النائبة فريدة العبيدي أبدت استغرابها من النقاشات التي تلت إعلان مشروع نصّ الفصل

82، معتبرة أن التنصيص على المساواة التامّة بين الرجل والمرأة غير ممكن، وأنه سيؤدّي إلى نتائج وخيمة، من

بينها ضرورة تحمّل المرأة عبء النفقة مثل الرجل. وفي المقابل، يسكت مقترح نواب حركة النهضة الذي لم

يفز بالتصويت عن جملةٍ أساس هي: «لا يمكن سنّ قوانين تنتقص من المرأة بأيّ حال من الأحوال». والظاهر

أن هذه الجملة خيُشى منها فرض قيود على قرارات وقوانين ربمّا أجّلتها حركة النهضة في انتظار الوقت المناسب

لعرضها. وما أثار الجدل والاعتراض بشكل خاص في مقترح نواب النهضة هو الاستعاضة عن مبدأ المساواة

في المعاملة بعبارة تكامل الأدوار. والملاحظ أن مفهوم التكامل كان محلّ نقاش ضمن «هيئة 81 أكتوبر للحقوق

والحريات» التي تكوّنت في إثر إضراب جموع أكتوبر سنة 005.2 وتمّ توضيح ما يمكن أن ينطوي عليه من

لبس في بعض الاستعمالات، وهو ما يفسح في المجال للالتفاف على مبدأ المساواة ذاته. ويرى رئيس حزب

العامّل التونسي حمة الهمامي «أن البعض يعتبر بقاء المرأة في المنزل للعناية بشؤونها وتربية الأطفال والسهر على

راحة الزوج من باب التكامل مع دور الزوج الذي يهتمّ بكامل ما هو خارج البيت، فيشتغل ويشارك في الحياة

العامة. وبعبارة أخرى، فتحْت غطاء ‹التكامل› يأتي حرمان المرأة من أبسط حقوقها في التعليم والشغل وغيرهما

من الأنشطة العامة. ووفقًا لهذا المفهوم أيضًا تصبح العلاقة بين السيد والعبد علاقة تكاملية، فالعبد يعمل

والسيد يطعم، ولكن ما يطمس هو أن هذه العلاقة التكاملية المزعومة غير متكافئة لأنها قائمة من الأساس

على اللامساواة، إذ تجعل طرفًا (الرجل، السيد...) مهيمنًا وطرفًا (المرأة، العبيد...) مهيمَنًا عليه، أي تابعًا

بلا حقوق». التكامل إذن عبارة قد تقع بين طرفين غير متساويين. ومن جهة أخرى، انتقدت «عبارة المرأة شريكًا للرجل»

63 انظر: «هدى ادريس (حقوقية): الفصل 82 من الدستور: رسالة للنائبة فريدة العبيدي، حرائر تونس ترفض أن يكتب مصيرهن

بحبر نوايا الأولياء الصالحين،» على الموقع الإلكتروني: www.facebook.com> <.

64 حمة الهمامي، «حركة النهضة ترتدّ عن التزاماتها وتستهدف حقوق النساء،» (البديل، 8 آب/ أغسطس 0122)، على الموقع

. < www.albadil.org/spip.php?article4172> الإلكتروني:

لأنها تجعل وجود المرأة مرتبطًا بدور الشراكة، كأن لا وجود لها خارج إطار الشراكة. ويتطرّق مشروع الفصل

أيضًا إلى «تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في تحمل مختلف المسؤوليات»، والحال أن المنشود هو التنصيص

على التكافؤ في الحقوق والواجبات. إن إسقاط التكافؤ في الحقوق من هذه الجملة يثير التساؤل: هل هو

عمليّة مقصودة؟ قد يكون في الأمر مناورة، إالّ أن هبَّة ممثلّي المجتمع المدني والمعارضة دفعت حركة النهضة إلى التراجع. وهكذا

أصدر رئيسها يوم 5 آب/ أغسطس 0122 بيانًا أعلن فيه وجوب المساواة بين الجنسين، لكنّه احتفظ بمفهوم

التكامل باعتباره بديالً لا من المساواة وإنمّا من الصراع بين الجنسين. لكن، هل يكفي الخطاب النظري

والبيانات؟ لا شكّ في أن صدقيّة الخطاب لا ختُتبر إالّ من خلال الفعل السياسي.

خاتمة

تؤدّي هذه الدراسة إلى نتائج متنوّعة، لعلّ أهمّها غياب موقف ثابت من قضايا المرأة لدى حركة النهضة، كبرى

الحركات الإسلامية في تونس، لأهنّا كانت تتفاعل مع واقعها ومجتمعها، وتحاول التأقلم مع الضغوط السياسية

والسياق الدولي. وقد بدا هذا في موقفها من مجلة الأحوال الشخصية ومن مسألة تعدّد الزوجات بصفة جلية.

ولعلّ هذا أحد المؤشرات الرئيسة التي تخبر عن الطابع السياسي المدني لحركة النهضة. وهذا الطابع فرض على

قيادات الحركة البحث عن حلول توافقيّة لا تصدم المجتمع التونسي من جهة ولا تتعارض مع النصّ القرآني

المجيز لتعدّد الزوجات ومع إجماع العلماء القدامى على هذا الموقف من جهة أخرى، فوجدت في تراث المصلحين

المحدثين كمحمد عبده وغيره ما تبرّر به خضوعها للعرف الجاري واعتمادها المصلحة المرسلة. لقد وقفنا في بعض المواطن على عدم الاتفاق بين رئيس حركة النهضة وقيادات الحركة في بعض المسائل، وهو ما

تكرّر في غير قضايا المرأة. من ذلك مثالً مسألة إلغاء عقوبة الإعدام في تونس. كما وقفنا على عدم التناسق في

مواقف رئيس حركة النهضة أحيانًا، وعُدّ هذا من علامات الخطاب المزدوج للحركة ومن مؤشرات الضعف.

وفرُسّ أحيانًا بأنه يعود إلى لعبة توزيع الأدوار لدى الإسلامييّن، فبعضهم يلعب ورقة الديمقراطية وحقوق

الإنسان لطمأنة الغرب والأنظمة المستعدة لبعض الانفتاح الديمقراطي ولكسب ودّ المناضلين من أجل حقوق

الإنسان، ويواصل بعضهم الآخر التمسّك بالخط الإسلامي الأرثوذكسي. وفرُسّ أحيانًا أخرى بدور الغنّوشي

المزدوج باعتباره ناشطًا سياسيًا من جهة ومفكّرًا سياسيًا من جهة أخرى، وهذا ما جعله يتكلّم تارة باعتباره

65 انظر مقاال بعنوان «في بيان لحركة النهضة: التهويل الإعلامي والتهليل السياسي يطرح سؤال الغالب والمغلوب بين الاتحاد

والحكومة، الاثنين 6 آب/ أغسطس 0122 في

www.assaa.tn/index.php?option=com_content&view=article

66 عربّ الغنوشي في إحدى المناسبات عن معارضته إلغاء عقوبة الإعدام في تونس، معتبرًا أن المطالبة بذلك استهداف لإحدى ركائز

الإسلام، أي القصاص، مشيرًا إلى أن حذف هذه العقوبة يخالف تعاليم الشريعة الإسلامية. وفي تعليق على موقف الغنّوشي قال وزير

حقوق الإنسان والعدالة الانتقاليّة سمير ديلو: «موقف الشيخ معروف وليس جديدًا، والحكومة ليست مطالَبة بالتعقيب أو التعليق على

آراء زعماء الأحزاب السياسية. وقد اعتبر أن تونس لا ترى مانعًا من قيام حوار حول إلغاء هذه العقوبة التي ستبقى موجودة في القانون

الجنائي، ولكن الوضع الحالي هو عدم تطبيقها. وعن إمكانيّة تأثّر الحكومة في موقفها بتصريح الغنوشي، قال ديلو: «إن ما يؤثّر على موقفنا

هو التوافق داخل الشعب والمجتمع، أمّا مواقف رؤساء الأحزاب، فإننا نأخذها بعين الاعتبار، ولكن الموقف الرسمي للحكومة له آليات

لاتخاذه». انظر الموقع الإلكتروني: www.alamatonline.net/L3.php?id=32763> <.

Hmida Ennaifer, «Dialogue pour un nouveau langage religieux,» Prologue: Revue maghrébine du livre , no. 7 انظر:6

38 (Printemps 2009).

رجل سياسة ويتكلّم تارة أخرى باعتباره مفكرًا، فلغته وخطابه يوافقان مستوى مستمعيه وطبيعتهم. وقد

تبنيّ لنا أن خطاب الإسلامييّن في تونس بشأن الموضوعات المتّصلة بالمرأة مرتبك بعض الشيء. وليس هذا

بغريب عند تيار الإسلامييّن المعتدلين والوسطيين الممثَّل في القرضاوي والغنّوشي، فقبولهما بالديمقراطية هو

قبول انتقائي ونقدي بسبب مرجعيتهما الدينية، من ذلك إقرار الغنوشي باختلاف مصدر حقوق الإنسان بين

الإسلاميين والغربييّن، فهو عند الفريق الأول مصدر عقائدي ديني مفارق وعند الفريق الثاني مصدر طبيعي.

يقول: «فعلى حين يؤكّد مفكّرو الإسلام أن الإيمان بالله هو أساس ومعين الحقوق والواجبات، ذلك أن حقوق

الإنسان وحرياته وواجباته هي فروع لتصوّره الكوني ولمنزلته في الكون باعتباره مستخلفَا عن الله، مقابل ذلك

يؤكّد الغربيون استنادها إلى الطبيعة، ومن ثمّ لا عجب أن بدت في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان ملامح من

العلمانية أو الدِّين البشري القائم على أولوية الإنسان في الوجود وقيامه بنفسه مصدرًا لكل حقّ وتشريع». لقد قبل إسلاميو حركة النهضة بالديمقراطية منهجًا في الحكم، لكن دون أن يعني ذلك تنصّلهم من أحكام

الشرع وقواعده القطعية. وفي هذا السياق صرّح حمادي الجبالي أن حركته لن حتُلّ حرامًا واضحًا من الله ولن تمنع

حاللًا سمح به الله نفسه. وأوضح أن روح الشريعة هي المفضَّلة لكن لا يمكن الوقوف ضدّ حرفيتها عندما

يكون ذلك مع ا عنه بصراحة في النصوص المقدسة. هكذا، فإن الخطوط الحمر التي لا يستطيع الإسلاميون المعتدلون تجاوزها هي أساسًا الأحكام القطعية في

القرآن، وكذلك ما كان قطعي الدلالة قطعي السند في السنّة التشريعيّة. أمّا الاجتهادات التاريخية، أكان في

الفقه أم في الحكم، فليست ملزِمة لهم، وفق ما صرّح به الغنوشي نفسه عندما قال: «إذ ليس مُلزمًا للباحث في

النظام الإسلامي غير تلك الأصول والشرائع الثابتة، أمّا التاريخ الإسلامي، بما أثمره من تجارب في الحكم ومن

اجتهاد في الفقه، فليس له من قيمة غير قيمة الاعتبار والاستنارة والاستئناس. إن تلك الأصول القطعية لا تعني

أكثر من الأحكام الواردة في القرآن بشكل واضح لا التباس فيه. والأحكام الواردة في السنّة التشريعيّة واضحة

الدلالة قطعية السند». وقد انتهينا، في إثر مقارنة المواقف النظرية من المرأة لدى الإسلاميين بممارساتهم وفعلهم السياسي، إلى عدم

انسجام المستويين أحيانًا، وإلى شكليّة مواقفهم النظريّة أحيانًا أخرى، من ذلك مثالًاعتبارهم دخول المرأة إلى

المجلس التأسيسي أمرًا محدودًا لن يؤثّر في سلطة الأغلبية من الرجال، وهو ما يعني أن دعوتهم إلى مشاركة المرأة

في المجال السياسي قد لا يكون مبنيًا على إيمان حقيقي بمساواتها للرجل وبحقوقها المدنية والسياسية.

Azzam S. Tamimi, Rachid Ghannouchi: A Democrat within Islamism , Religion and Global Politics (Oxford; 8 انظر:6

New York: Oxford University Press, 2001).

9 6 الغنوشي، الحريات العامة، ص.40

70 انظر موقفه هذا على الموقع الإلكتروني: <http://Jamiatalhurriat.org/blog/?p=328>.

71 الغنوشي، الحريات العامة، ص.24

المراجع

-1 العربية الكتب ابن سلامة، رجاء. بنيان الفحولة: أبحاث في المذكر والمؤنث. دمشق: دار بترا،.2005 أبو زيد، نصر حامد. دوائر الخوف قراءة في خطاب المرأة. ط.2 الدار البيضاء؛ بيروت: المركز الثقافي العربي،

أبو شقة، عبد الحليم. تحرير المرأة في عصر الرسالة: دراسة جامعة لنصوص القرآن الكريم وصحيحي البخاري ومسلم. 4 ج. الصفاة، الكويت: دار القلم، 991-1990.1 ج:3 حوارات مع المعارضين. أبو اللوز، عبد الحكيم. إشكاليّة الدّين والسياسة في تونس: أزمة مشروع التحديث وظهور حركة النهضة.

القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع،.2011 البنا، حسن. حديث الثلاثاء. سجّلها وأعدّها للنشر أحمد عيسى عاشور. القاهرة: مكتبة القرآن،.1999 عبده، محمد. الأعمال الكاملة للإمام الشيخ محمد عبده. تحقيق وتقديم محمد عمارة. 5 ج. بيروت؛ القاهرة: دار الشروق،.1993 الغنوشي، راشد. الحريات العامّة في الدولة الإسلامية. تونس: دار المجتهد للنشر والتوزيع،.2011. مقاربات في العلمانيّة والمجتمع المدني. تونس: دار المجتهد للنشر والتوزيع،.2011. المرأة بين القرآن وواقع المسلمين. تونس: [د. ن].،.2011. الوسطيّة عند القرضاوي. تونس: دار المجتهد للنشر والتوزيع،.2011 القرضاوي، يوسف. من فقه الدولة في الإسلام: مكانتها - معالمها- طبيعتها: موقفها من الديمقراطية والتعددية والمرأة وغير المسلمين. ط.3 بيروت؛ القاهرة: دار الشروق،.2001 لطيف، شكري. الإسلاميون والمرأة: مشروع الاضطهاد. ط.2 تونس: بيرم للنشر،.1988 المودودي، أبو الأعلى. نظريّة الإسلام وهديه في السياسة والقانون. بيروت؛ القاهرة: [دار الفكر]،.1969 الدوريات حسن، روزا ياسين. «بين هواجس العورة السياسيّة والولاية العامة: المرأة العربيّة وتيّارات الإسلام السياسي.»

الآداب (بيروت): السنة 06، ربيع.2012 المعرفة: السنة 3، العدد 4،.1976

-2 الأجنبية

Books

Camau, Michel et Vincent Geisser (dirs.). Habib Bourguiba, la trace et l’héritage. Paris: Karthala; Aix-en-Provence: Institut d’études politiques, 2004. (Science politique comparative) Tamimi, Azzam S. Rachid Ghannouchi: A Democrat within Islamism. Oxford; New York: Oxford University Press, 2001. (Religion and Global Politics) Un Péril islamiste: [Colloque, Le Mans, Décembre 1993]. [Organisé par les carrefours de la pensée, le «Monde diplomatique», l’Université du Maine et la ligue de l’enseignement]; textes de Fariba Adelkhah [et al.]; sous la dir. d’Alain Gresh. Bruxelles; [Paris]: Éd. Complexe, 1995. (Interventions)

Periodicals

Confluences méditerrannée: no. 59, Automne 2006. Ennaifer, Hmida. «Dialogue pour un nouveau langage religieux.» Prologue: Revue maghrébine du livre: no. 38, Printemps 2009.