العدالة في عيون السجناء: بحث في التمثّلات الاجتماعية من داخل السجون التونسية
A Study of Social Manifestations in Tunisian Prisons
الملخّص
تبحث هذه الدراسة في إشكالية تتعلّق بمفارقة قائمة على تمازج القيمة (ambivalence) في العلاقة بالعدالة، باعتبارها منشودة ومدانة ولا غنى عنها، ولكنّها في الوقت نفسه عرضة للمناورة والمقايضة، وحتى النفي من وجهة نظر السجناء. جرى هذا البحث أول مرة من داخل السجون التونسية، من خلال مقابلات معمّقة جرت في سجنين: واحد للرجال (المرناقية) والثاني للنساء (منّوبة)، وفي فترة امتدت من بداية حزيران/ يونيو 2012 إلى بداية أيلول/ سبتمبر من السنة نفسها. راعت الدراسة متغيرات عدّة ضمن مقاربة أنثروبولوجية وسوسيولوجية للعدالة، وهي مقاربة قادرة على تنسيب مفهوم العدالة وكشف ما فيه من تراتب لما تربطه بأوضاعه وسياقاته وموازين القوى التي تحكمه، في وضع يتساوى الناس فيه أمام القانون وهم متفاوتون في الواقع الاجتماعي، ينضاف إليها خصوصيات ثقافية واجتماعية معدّلة له. وتخلص الدراسة إلى أن العدالة مرجوّة ومدانة. هكذا هم السجناء في تمثّلهم لها، ينشدونها قيمةً ويدينونها مؤسّسةً، وهم إذ يفعلون ذلك إنّما يُحاجّون نظامًا اجتماعيًا في وعيهم العميق؛ نظامًا لطالما عاشوا على تخومه. المشكلة ليست مع العدالة في العمق، هي بل في وضع اجتماعي أقصاهم، فتشابكوا مع عدالة لم تفهمهم، بمعنى أنها لم تأخذ في حكمها بظروفهم. إن تعديل العدالة بالإنصاف هو عينه ما يطلبه السّجين؛ فبين الاثنين، العدالة والسجين، تبادل اتهام: العدالة قاهرة في الأصل والسجين مجرم بطبيعته. والجريمة متقاسمة عند السجين، مشتركة بين أطراف عدّة: ظروف هيأتْ وقاض حَكمَ وصدفة كانت مواتية ومهمّش نفّذ. هكذا ينزع السّجين عنه ما علق به من صفة إجرامية ليرى نفسه ضحية العدالة والمجتمع.
Abstract
This study discusses the ambivalence that often characterizes perspectives on justice: justice is always sought and seen as indispensable. From the prisoners’ perspective, however, it is also a subject of maneuvering, deal-making, and even neglect. For this paper, in-depth interviews were conducted inside two Tunisian prisons—a men’s prison (al-Marnaqaia) and a women’s prison (Mannouba)—between June and September 2012. As part of an anthropological and sociological approach to justice that takes multiple variables into account, this study is capable of relativizing the concept of justice, and revealing its hierarchies in accordance with the circumstances, contexts, and power balances that frame the social relationships in question, in addition to cultural and social specificities that also affect the notion of justice. The study argues that justice is simultaneously desired and condemned, an ambiguity that is reflected in the various stances toward justice—as seen by prisoners, law makers, society—and discusses these three stances at length. Justice as a value is sought and, as an institution, condemned. By doing so, prisoners are fundamentally arguing in their deep consciousness against a social system that has constantly marginalized them. At heart, the prisoners’ problem is not with the concept of justice, but with a social situation that has excluded them, leading them to a confrontation with a justice system that did not understand them. A detained person awaiting trial is attempting to maneuver against “formal justice” and seek ways to skirt it from within. The convicted prisoner, however, tends to surrender himself to “justice”. Moderating justice with fairness is the main demand of prisoners; as there is a process of mutual accusation between justice and the prisoner. While the system sees the prisoner as a “natural born criminal,” the prisoner sees the system’s justice as unfair by its very nature, and crime as a shared responsibility between parties: circumstances that paved the way for criminality—a judge who passed his ruling, an accident that led to the imprisonment of a marginalized member of society, and so on. Thusly, the prisoner distances themself from the label of criminal, presenting him/herself as a victim of justice and society. Similarly, society, which punishes the prisoner through sequestration and the isolation of the prison from the city, avoids seeing its own failures and incapacity to assimilate its weakest members. As such, the problem appears, at least on a certain one level, to be one of communication between the prisoner and the system of justice.
- عدالة
- سجناء
- سجون تونسية
- مرناقة
- تمثلات اجتماعية
- Justice- Prisoners
- Tunisian Prisons
- Mornaguia
- Manouba
- Social System
- Justice of the Fittest
بحث في التمثّلات الاجتماعية من داخل السجون التونسية
تبحث هذه الدراسة في إشكالية تتعلّق بمفارقة قائمة على تمازج القيمة)ambivalence(
في العلاقة بالعدالة، باعتبارها منشودة ومدانة ولا غنى عنها، ولكنّها في الوقت نفسه عرضة
للمناورة والمقايضة، وحتى النفي من وجهة نظر السجناء. جرى هذا البحث أول مرة من داخل
السجون التونسية، من خلال مقابلات معمّقة جرت في سجنين: واحد للرجال (المرناقية)
والثاني للنساء (منّوبة)، وفي فترة امتدت من بداية حزيران/ يونيو 2012 إلى بداية أيلول/
سبتمبر من السنة نفسها. راعت الدراسة متغيرات عدّة ضمن مقاربة أنثروبولوجية وسوسيولوجية للعدالة، وهي
مقاربة قادرة على تنسيب مفهوم العدالة وكشف ما فيه من تراتب لما تربطه بأوضاعه وسياقاته
وموازين القوى التي تحكمه، في وضع يتساوى الناس فيه أمام القانون وهم متفاوتون في الواقع
الاجتماعي، ينضاف إليها خصوصيات ثقافية واجتماعية معدّلة له. وتخلص الدراسة إلى أن العدالة مرجوّة ومدانة. هكذا هم السجناء في تمثّلهم لها، ينشدونها
قيمةً ويدينونها مؤسّسةً، وهم إذ يفعلون ذلك إنمّا يحُاجّون نظامًا اجتماعيًا في وعيهم العميق؛
نظامًا لطالما عاشوا على تخومه. المشكلة ليست مع العدالة في العمق، هي بل في وضع اجتماعي
أقصاهم، فتشابكوا مع عدالة لم تفهمهم، بمعنى أنها لم تأخذ في حكمها بظروفهم. إن تعديل
العدالة بالإنصاف هو عينه ما يطلبه السّجين؛ فبين الاثنين، العدالة والسجين، تبادل اتهام:
العدالة قاهرة في الأصل والسجين مجرم بطبيعته. والجريمة متقاسمة عند السجين، مشتركة
بين أطراف عدّة: ظروف هيأتْ وقاض حَكمَ وصدفة كانت مواتية ومهمّش نفّذ. هكذا ينزع
السّجين عنه ما علق به من صفة إجرامية ليرى نفسه ضحية العدالة والمجتمع.
1 شملت الدراسة مساجين الحق العام وصنّفتهم الى مبتدئ وموقوف وعائد و«موزّر» (أي، بلغة السجن، السجين الذي عوقب
بحكم طويل من قبيل مدى الحياة مثالً)، وسجين بالصّدفة و«ببّوشة» (تسمّى ببّوشة، بلغة السجن، المرأة التي تمضي عقوبة سجن
قصيرة مدتها ثلاثة أو ستة أشهر). وجرت مراعاة متغيرات الحالة المدنية والانتماء الاجتماعي والجغرافي والعمري والتعليمي.
مقدّمة
لا شيء يعوّض سحر الخارجين عن القانون، هكذا يرى جان جيني. وقبله كان نيتشه في إرادة القوة
يصنّف الجريمة ضمن الانتفاضات ضد النظام الاجتماعي القائم، بل كان يرى التمرد والعصيان
ضرورة، لأهنمّا يوقظانا من سباتنا. أمّا أندريه جيد، فيجعل من قصر العدالة مقصده الأول عند كل اكتشاف
لمدينة جديدة، ليرى المجتمع على حقيقته. فقصر العدالة، في رأيه، يمثّل المجال الاجتماعي الوحيد الذي
يمكنه أن يرى الحشود فيه على طبيعتها ويلتقي بها، ويكتشف فيها ما لا يُمكنه اكتشافه في فضاءات أخرى.
إنه واحد من هذه الفضاءات المأهولة بكل ما في المجتمع من أسرار وتناقضات وسحر، وبكلّ ما فيه من
ضجيج وتعقيدات اجتماعية ونفسية؛ فهو قصر وضِع من أجل العدالة، ولكنك قد تلمس من خلاله قصور
المجتمع عن تحقيق العدالة، فيعمل على إخفاء وهنه في سجون عادة ما تُوضع في تخوم المدينة أو في أمكنة
معزولة عن الحياة المدينية. وربما لا يكون قصر العدالة هذا، ومن زاوية عملية، على الأقل في نظر المحكوم عليهم بالسجن، سوى حرمان
من الحرية كبير، حرمان من الضوء ومن الشمس ومن مشهد الشجرة والبحر، ومصنع للخوف، يُدفن فيه
البعض أحياء فيعيشون العدمَ الثقيل، يَكبرون ويَشيخون من دون أن يعيشوا الزمن، ويَصِلون إلى آخر الحياة قبل
أوانها جزاء خطأ لم يرتكبوه، في نظرهم، خاصة إذا حكمت عليهم العدالة بما يزيد على أعمارهم المفترَضة. هكذا
يرون أنفسهم غير مسؤولين عامّ حدث، وأن العدالة أغلقت، مع ذلك، دون حريتهم الأبوابَ بحكم طائش
وغير منصف. وقد يكون السجن أفضل مثال تطبيقي لتناول معضلة العلاقة بين العدالة والحرية؛ معضلة
لايزال الإنسان يصارع من أجلها منذ عصور. هذا ما يسعى هذا البحث إلى تناوله، فيطلّ على خريف جوّاني، يكاد لا ينتهي، لسجين طويل الأناة في إنصاته إلى
زمن يمضي بلا حركة وبلا متعة، بعيدًا من جميع مشتقّات فتنة الحياة، وأهمها الحرية. لقد زُجّ به في فضاء مغلق
حصرَته فيه العدالة لجرم اقترفه أو ا م به، فتتقاطع في ثناياه سِير السجناء وهم يحكمون على عدالة حكَمتْ
عليهم ويتدرّبون على تمثّلها، فينتبهون إلى هول الفارق بين زمن قرّرته العدالة وزمن معيش في السجن. هي فرصة لتنزل العدالة من عليائها فتنصت إلى من كانوا لا يتكلّمون، بل تتكلّم عنهم المرافعات في أحسن
الأحوال أو يصمتون. لذلك تخرج كلماتهم محُّى، متعنّتة، بلهجة «بدائية» لا قواعد تحكمها سوى العواطف
والانفعالات ومنطق سجين يطلّ على العدالة من وراء القضبان، فيحكم على من كانت له السلطة، باسم
القانون، ويتمثّله بطريقته، وبحسب مدّة الحكم ومعاناته. وإذا ما كان لهذه الدراسة من بعض الفضل، فليس
أكثر من فتح منافذ يطلّ منها المجتمع ويتذكّر بعضًا ممّا تصمت عليه الأنظمة السياسية إخفاءً لإخفاقاتها التنموية. نحن هنا إزاء تمثّل للعقاب من جانب من سُلّط عليه هذا العقاب في إثر سلوك اعتبُر منافيًا لما تعاقدت عليه
الجماعة من قوانين ومعايير. هذا التمثّل للعقاب نُسجت أغلب عناصره في سياقات اجتماعية وسياسية لم يعرف
أهلها العدالة بما هي إنصاف، بل إن تاريخ الجور في هذه السياقات طويل، والإنصاف فيه يكاد لا يُذكر. ثمّ إننا
نعلم منذ جون رولز أن مفهوم الإنصاف صيغ فقط لمجتمع ديمقراطي يُنظر فيه إلى المواطنين بوصفهم أحرارًا
ومتساوين وعقلانيين ومتعاونين، عبر حياة كاملة ومسار طويل من التعاون المنصف جيالً بعد جيل. أمّا في
2 لا يتّخذ الباحث أي موقف من العدالة الجزائية، معها أو ضدّها، ولا ينحاز في استخراج ما يدور في خلد المساجين إليهم. وكلّ ما
يعنيه رفع أصواتهم حتّى تخرج من وراء أسوارها بما لها وما عليها. والباحث، إذا ما بلغ هذا الغرض، مطمئنّ إلى اكتساب ما زاد على ذلك.
سياقنا الثقافي العربي، فالأمر مختلف كثيرًا، إذ العدالة في الغالب تسوّغها العقيدة الدينية ويتكفّلها أولي الأمر
منهم، وهو ما قد يجعلها مرتبطة إمّا بالنصوص الثابتة وإمّا بأفراد لهم سلطة الوجاهة، إالّ من تعلّق فيهم بمشروع
الدولة العصرية فجعلها رهانًا. وعندها تصبح إدارة العدالة في يد مؤسّسات قضائية مختصّة، تحاول أن تستند إلى
مبادئ القانون لتستقلّ عن السلطة السياسية، وكذلك إلى ما في المجتمع من قوى خيرة ومنصفة. لماذا نهتمّ بالعدالة، وخصوصًا العدالة الجزائية، في عيون السجناء؟ لأن ما قد يكشف عنه عالم السجن قد لا نراه
في هيبة المحكمة لحظة التقاضي، ولأن صوت السجين قد ينبئنا بقصور المجتمع في إدماج أفراده مادامت الهوية
الانحرافية ليست متأصلّة فيه، بل إن هذا المجتمع هو الذي يحدّد الهوية الانحرافية أو الهوية السوية، على الأقل
كما بدا الأمر في البراديغم الدوركهايمي؛ فما قد يُعتبر جُرْمًا في مجتمع ما، ضمن هذا البراديغم، قد لا يُعدّ كذلك
في مجتمع آخر. وسنرى كيف يحملنا السجين وهو يتمثّل هذه العدالة الجزائية، ينشدها ويتوسّلها حينًا، ويجادلها ويناورها
حينًا آخر؛ كيف يحملنا من دون أن يدري بلغته البسيطة إلى الإشكاليات الفكرية والفلسفية الكبرى المألوفة في
شأن العدالة، من قبيل العدالة والإنصاف والمساواة أمام القانون واللاّمساواة الاجتماعية، وفي شأن المساواة
في الفرص والمساواة في توزيع الثروة. وسيجرّنا السجين أيضًا إلى التفكير في ربط ممكن بين عدالة جزائية
وعدالة اجتماعية. وسيدعونا، وهو يخرّج أوجاعه، إلى التفكير في علاقة التلازم بين ا الّمساواة والإقصاء؛
الإقصاء الذي هو شكل أقصى من ا الّمساواة غالبًا ما يسدّ منافذ الحياة الاجتماعية العادية ليرمي بالمقصيّ في
غياهب السجون. إنّنا ما زلنا لا نعرف الكثير عن الجريمة والمجرم؛ فالأنا الجماعية «بمعاييرها المقدّسة» تضخّمت لدينا بحكم
جهلنا بالإنسان وتعقيداته ووعيه العميق (ا الّوعي) حتّى أننا ما عدنا نرى الصّواب إالّ في ما توافق مع هذه
المعايير، مع أن المشكل قد يكمن في عين تصوّرنا للمجرم. فقد يكون بسلوكه الإجرامي متمرّدًا، ثائرًا على قضائنا
وعدالتنا، وعلى نظام اجتماعي بأكمله. مجتمعاتنا تسحق المجرم الذي خالف القانون، من دون معرفته وربطه
بظروفه وأوضاعه التي نحن صانعوها. ولو عرفنا حُكم المجرم علينا ورأيه في نظامنا الاجتماعي والقضائي
لرأينا فيه معيارًا نحتاج إليه لقياس درجة انحرافنا، فهو يوقظنا من سباتنا وينبّهنا إلى أخطائنا. أوَليس المجرم
فردًا جازف بحياته من أجل هدف ما، أيا يكن هذا الهدف؟ أوَليس السجين، وخاصة الأنثى، إنسانًا يحقّ له هو
أيضا أن يتصالح مع مجتمعه بدل سحقه وإقصائه؟ هذا ما يطمح إليه هذا البحث الذي يعطي السجين الفرصة ليتكلّم ويصرخ ويخرّج وعيه ولاوعيه. وإذا ما
تمكّن من تحقيق بعض الفائدة، فليس أكثر من التنبيه إلى أهمية المقاربة السوسيولوجية للعدالة، وإخراج أصوات
المسجونين حولها، بصرف النظر عن مقدار صحتها أو خطئها، لتعلو فوق أسوار السجن فترى النور. أريدُ
لأصوات المبحوثين من المساجين أن تخرِّج أوجاعها واختناقاتها وأن تبوح بسرّها. وفي ذلك مزيّتان على
الأقل: تذكُّرُ أصوات مغيَّبة ومسكوت عنها ومغلوبة على أمرها في ما يختصّ بها، من جهة، وإبراز ما قد يبدو في
الحسّ المشترك من معان عفوية قابلة للتنظيم لأن السجناء قد يكشفون بعمقهم الاجتماعي عن نوع من النسقية
الثقافية لما يُعتبر لديهم عدالة.
3 بصرف النّظر عن صدق أو كذب ما ينقله السّجين عن نفسه، فذاك أمر له أهله المختصّون به من القضاة. ما يهمّنا هو أن نخرّج تمثلّات
السّجين للعدالة الجزائية، خطأ أو صوابًا.
أولا: الإشكالية
السجن والعدالة وتمثلّاتها لدى من يرون أنفسهم محرومين منها إشكالية تقتحم عالما حمُرّمًا، مُغْلَقًا، يصعب إخضاعه
للتحليل في العادة، على الأقل في السياق السياسي والإداري التونسي قبل «ثورة» الرابع عشر من كانون الثاني/
يناير 2011. والأمر يتعلّق بفضاء سجني ندخلُه باحثين عن رؤيةٍ ما مخصوصة للعدالةِ يتمثّلها «الناس العاديون»
من السجناء بمعرفتهم العملية، ونبنيها تدريجيًا بالاستناد إلى مقابلات معمّقة شاءت الصّدفة أن جتُرى داخل
سجنين: الأول للرجال، وهو السجن المدني بالمرناقية، والآخر للنساء، وهو السجن المدني بمنّوبة. السجناء هم أحوج الناس إلى «العدالة كإنصاف»، وأكثرهم إدراكًا لأهميتها، ونخص بالذكر أولئك الذين
يشكون نقصها ويعتبرون أنفسهم ضحاياها لأنها، في أحسن أحوالها، تطبّق القانون في حرفيته من دون أن تبلغ
درجة الإنصاف، بما فيه من تأويل وتلطيف للعدالة القانونية بحسب وضعية المتّهم وظروفه. فالإنصاف في ظل
ما بقي من العدالة خارج إجابات القانون يدرس القضايا حالة بحالة، أمّا السائد في محاكمنا، فعدالة قانونية
يترجمها القضاة والمحامون عبر لوائح الاتهام والمرافعات والكلمات الصعبة، وكذلك عبر «الأردية السوداء»
و«الأردية الحمراء» التي تثير الرهبة في نفوس المتهمين. وقد تكون هذه العدالة الحرفية مدخالً للحيف ما دامت
غير معنية كثيرًا بأنسنة القانون. السّجين الموصوم، الذي نقول عنه أنه «خرّيج سجون» أو «مجرم خطر»، يُنتج تمثاّلً إشكاليًا للعدالة التي
هي فضيلة أولى، وقيمة كبرى، مقدّسة، إلهية، لكنّه، وبشكل مفارق، يعرّفها بضدّها ويقايضها ويستفيد من
«أخطائها»، ويبحث عن المسالك التي تتيح له المناورة بها هروبًا من العقاب. وأحيانًا يعربّ عنها بالصمت بعد
أن صار جسده محلّ عقاب وبعد أن حُجبت عنه الشّمس وأوصدت دون حرّيته الأبواب. وإن نطق بها يكن
نطقه نفيًا لوجودها: «ليست هناك عدالة»؛ «لولا العدالة لما كنت في السجن»؛ «العدالة في السماء»؛ «العدالةُ
مال ورجال»؛ «العدالة طلبت منّي كثيرًا»؛ «دون المال والرجال تصبح العدالة ظلامً»؛ «لا وجود لعدالة إطلاقا؛
«ليس للعدالة إحساس»؛ «العدالة اعتبرت الإنسان مجرمًا خطرًا». هكذا يع عنها من هم في أشدّ الحاجة إليها،
فيعرّفها السّجين بضدّها ليراها في ا الّعدالة، في الظلم وعدم الإنصاف ما دامت لا تراعي «ظروف العدالة».
إهنّا تُوقِع به الألم باسم استردادها للقانون من دون حسٍّ، فتقصيه من المدينة لانعدام الأهلية، وتقصيه أحيانًا من
الحياة. هذا الوصم يصنع المجرم وينتج ردّات فعل عكسية رافضة للعدالة، ناقمة عليها. وترتدّ النقمة أحيانًا
على صاحبها، فيعود على جسده جرحًا ووشامً وتشويهًا بطرق شتّى.
4 نضع الثورة بين مزدوجين لقناعتنا بأن الثورة مسار طويل لا يمكن الحكم لها أو عليها قبل أن تحقّق الأهداف التي اندلعت من أجلها،
ومنها في الحالة التونسية، الحرّية والكرامة والحقّ في التشغيل والعيش الكريم وتطوير مقوّمات الدولة العصرية.
5 السجن المدني في المرناقية يقع على بُعد حوالى 24 كلم من تونس العاصمة، ويعوّض سجن تونس الذي تمّت إزالته منذ ما يزيد على
أربع سنوات، وكادت أرضه تؤول، بحسب ما تداوله الشارع التونسي، إلى ليلى بن علي زوجة الرئيس التونسي السابق الذي فرّ تحت
ضغط ثورة شعبية أطاحته وحزبه الحاكم. ويحتوي سجن المرناقية، نظرًا إلى جدّته، على هندسة عقابية متطوّرة في مختلف أبعادها الأمنية
والإصلاحية. وتعتمد الهندسة السجنية على استقلالية الخدمات المقدمة للمساجين وإفراديتها ضمن وحدات إقامة تسمّى المجمّعات
التي تنقسم بدورها إلى أجنحة. جيُاور هذا السّجن مبنى قديم كان قصرًا للباي حوّله بعد ذلك إلى حبس.
6 السجن المدني في منّوبة يُعتبر السجن الوحيد الذي يؤوي العنصر النسائي فقط. وهو في الوقت نفسه سجن توقيف وسجن تنفيذ
حسبما جاء في الفصل 3 من القانون المنظّم للسجون؛ إذ يؤوي السجينات الموقوفات تحفّظيًا، وكذلك السجينات المحكومات بعقوبة
سالبة للحرّية وبعقوبة أشد.
7 انظر: جون رولز، العدالة كإنصاف: إعادة صياغة، ترجمة حيدر حاج إسماعيل؛ مراجعة ربيع شلهوب (بيروت: المنظمة العربية
للترجمة،.)2009
8 كما في حالة الإعدام.
هذه هي إشكالية هذا البحث التي تتعلّق بمفارقة قائمة على تمازج القيمة في العلاقة بالعدالة؛ فهي منشودة
ومدانة، لا غنى عنها ولكنها في الوقت نفسه عرضة للمناورة والمقايضة، وحتى النفي، ما لم يربح المتّهم
الدعوى، فدون ذلك الظلم السّجين الموقوف الذي لا يطمئنّ إلى العدالة فينازعها نزاعًا انفعاليًا، ولكنه لا
يستطيع الصبّر عليها أو العيش من دونها. ومن الفرضيات الممكنة في هذه الدراسة أن معايير العدل في تمثلّات السجناء لا تقف فحسب عند المساواة أمام
القوانين المدنية، بل تبدو أكثر تعقيدًا وتطلّبا ما دامت تُقحم مراعاة الظروف والسياقات وحتّى الإحساس وقيمة
الرحّمة ضمن شروط ما يمكن أن يُعتبر عدالً؛ فكلمّا نزلنا السلّم الاجتماعي تكون معايير العدالة أقل تجريدًا،
وأقرب إلى معطيات الواقع الاجتماعي، وأشد التصاقًا بحالات النّزاع التي يفرزها الفعل اليومي وما فيه من
معاناة. ثمّ إنها عدالة تبدو متدرّجة في مدى عدالتها بحسب الفئات والطبقات الاجتماعية.
ثانيًا: عدالة القوة، السجين يتمثّل العدالة
العدالة مع الضعف ضرب من الجور. هكذا كانت، وبصورة لافتة، في تمثلّات جلّ المساجين الذين حاورهتُم،
تمثلّات لا تتوافر إالّ متى توافرت عناصر القوة، ومنها المال والرجال ومختلف مظاهر السلطة، ودونها السجن
يوضع فيه الفرد ويُنسى حتّى من أقرب الناس إليه. ويبلغ الأمر، وفي لحظة من اليأس والمغالاة، درجة يخلط
فيها السجين بينها وبين القوة رغم أنها في الأصل تطبيق للقانون. وبما أنها عدالة غير عادلة، فعليه مناورتها
والتوسّل بشتّى ضروب التحايل عليها. إنه ينظر حوله فلا يرى إالّ الفقراء والمقصيين والمهمّشين يقاسمونه
ظلمة السجن وضيقه. أمّا الغني، صاحب الجاه، فلا يطول مكوثه بينهم بل يغادر فور وصوله أو بعد ذلك
بقليل. وقد لا يدخله البتة، رغم إدانته الواضحة. وبمجرّد إشارة من شرطي يَعدُ بما تمّ الاتفاق عليه خفية
أو بمجرّد مكالمة هاتفية غامضة، لكأنّنا بالعدالة ظلم متقاسَم بالتناصف بين الفقراء: «بيت عنكبوت لا ينجو
من رشِاكها إلاّ الذّباب الكبير، أمّا صغير الحجم فيعلق بها ». بهذه الاستعارة الشهيرة وضع بلزاك العدالة
الفرنسية في الميزان حين دافع بأسلوبه الأدبي المبدع عن شخص من العامّة حُكم عليه بالإعدام جرّاء تهمة بقتل
زوجته وعشيقها الخادم. السجن مؤسّسة ناجمة عن فقدان التوازن في مستويات المعيشة بين الناس، واستبداد بعضهم بالبعض الآخر.
وحدهم الفقراء يُسجنون، والفقر، في حدّ ذاته، أعتى أنواع السجن. أمّا الأغنياء، فينفلتون بأشكال مختلفة من
العقوبة. ولو توافرت العدالة الاجتماعية لما كان السجن حكرًا على الفقراء والمقصيين. هكذا تحدّث المساجين عن
محنتهم: العدل إلى جانبهم ولكنّهم يخسرون دعاويهم أمام القاضي. ولعلّهم في هذه النظرة النزاعية، الإشكالية،
ينشدون نوعًا من الأمن النفسي تصبح فيه العدالة قاهرة للضعفاء أمثالهم. إهنّم لا يستطيعون العيش داخل
السجن من دون وهْم البراءة بما هي استراتيجيا دفاعية، فتراهم يدينون عدالة لا تحكم على الفعل بقدر ما تحكم
9 أقول السّجين الموقوف على وجه التحديد، لأنّ السجن الذي أ جريت حوله هذه الدّراسة يُعتبر سجن توقيف. ثمّ إن السجين الذي
استكمل مختلف مراحل التّقاضي تنتهي معركته مع العدالة لتستقرّ نفسه ويلتفت إلى محيطه السّجني يبحث فيه عن موقع وحياة بعد أن
رضي بالأمر الواقع.
10 Honoré de Balzac, La Maison Nucingen, Études de moeurs; 3. Oeuvres complètes de H. de Balzac; 11. Scènes de la vie parisienne; t. 3. Comédie humaine; pt. 1 (Paris: Houssiaux, 1855). 11 Honoré de Balzac, «Lettre sur le procès de Peytel,» dans: Honoré de Balzac, Oeuvres complète, 24 vols. (Paris: Calmann Lévy, 1875-1892).
على الفاعل. أمّا فعلهم، فنادرًا ما يظهر في معرض حديثهم، وإن ظهر فشرط القصدية فيه غير متوافر: « لم تكن
عندي نية قتله»، «لقد ارتطم رأسه حين سقط بخشبة فمات». لطفي الجبالي هو واحد من أولئك الفقراء - المساجين الذين أجمعوا على علاقة العدالة بالقوة، ترك منذ أربع
عشرة سنة أربعة أطفال، أصغرهم بنت لم تتجاوز السنتين من عمرها، وأكبرهم معوّق في مستوى القدمين،
والبنت التي تليهما تعاني مرضًا جرّاء صدمة تعرّضت لها عندما صُدمت في الشارع بخبر والدها، المحكوم عليه
حينها بالإعدام. لطفي نسي عمره لشدّة تشابه الأوقات التي يعيشها هنا، ولكنّه جاوز - على ما يبدو - الخمسين
من عمره بسنوات. في يوم من الأيام جاءه خبر مؤداه أن والده تعرّض للضرب على يد فلاح يُدعى رمضان،
فاجتّه إليه ليستفسره الأمر، وبعد نقاش حادّ عاد رمضان هذا وبيده بندقية صوبّها نحوه قائلا: «إينّ أريد نسفكم
وتطهير المكان منكم». فما كان من لطفي إالّ أن دفعه دفعة قوية ارتطم رأسه في إثرها بحائط سبّب له نزيفًا، ومع
ذلك لم يطمئن على نفسه منه، فوضع قدمه بشدّة على صدره حتّى لا يعاود اللّحاق به. ظلّ المجني عليه هناك
ينزف ثلاثة أيام من دون أن يتفطّن إليه أحد حتّى قضى. بعدها علم لطفي من خبر في الصحف أنه قاتل، فسلّم
نفسه إلى الحرس الوطني. وبعد سنة من الإيقاف صدر في شأنه حكم بالإعدام، مع غرامة مالية قدرها خمسة
آلاف دينار، غير أن التعقيب حذف العقوبة المالية وأصرّ على وضع حدّ لحياته. كان خبر الإعدام رهيبًا نطق به
القاضي ببرود، كأنّ الأمر لا يتعلّق بآدمي مثله. ورغم هذه الجريمة، فإن لطفي يصرّ على أن العدالة إلى جانب
الغني، وأنها لا تتحقّق إالّ بالنفوذ، القوي فيها يأكل الضعيف: «لقد أعدمت العدالة بهذا الحكم أسرة كاملة من
دون أن تفكّر في الإنصاف». يقول لطفي: أنا قتلت «روحًا» في غفلة من أمري، فهل تقتلني العدالة؟ على العدالة
حتّى تكون عادلة أن تبحث عن دوافع القتل البعيدة التي قد تجيب عنها ظروف القاتل، ومنها حالته الأسرية.
وهذا معنى الإنصاف الذي يلحّ عليه جلّ المساجين. والمنصف ملطّف من ملطّفات العدالة القانونية، يتجاوز
الملفوظ العام ليغوص في تفاصيل الحالات النوعية وخصوصياتها. مراد حمايدي شابٌّ مثير في هدوئه وصبره وحرصه على أن يخلق أفقًا حتّى داخل السجن، جيَُرِّم - مثل غيره -
التفكّك الأسري والفقر المدقع الذي جرّه إلى حكم بالإعدام، ليتمّ بعد ذلك الحطّ من العقوبة البدنية فتصبح
مدى الحياة، أمضى منها حتى الآن خمس عشرة سنة. كان مراد يعمل بنّاءً في بيت رسّام بأحد المناطق الغنية في
تونس، فاستعان بابن خالته ليشاركه مهنته، ولكن هذا الأخير أرادها لنفسه، فعمل على إقصائه منها، رغم أن
مراد كان صاحب الفضل عليه فيها، فاهتّمه بسرقة محلّ مشغّله، وقد كان هذا الأخير يحبّه ويثق به كثيرًا. وسرعان
ما وجد نفسه مطرودًا بمؤامرة ممّن أحسن هو إليه. يتفطّن مراد سريعًا إلى ما فعله به ابن خالته، فيضربه ضربة
واحدة بمطرقة على رأسه. ولما انتبه إلى ما فعل في لحظة من الغضب الشديد، سارع بغسل دمه ثمّ وضعه في
برميل وحرقه. ولم يكن يعرف أنه لا يزال على قيد الحياة، فكانت التّهمة القتل العمد مع سبق الإضمار والترصّد.
ظلّ مراد بعد ذلك ينتظر حكم الإعدام وهو سجين مدّة تسع سنوات. وما كان له، في رأيه، أن ينال هذا الجزاء
القاسي لو لم يتّبع نصيحة عون من فرقة مقاومة الإجرام أشار عليه بأن يدّعي أنّه لم يحرقه في التوّ بل ظلّ ينتظر
عودته إلى الحياة مدّة ثلاثة أيام. وكان هذا سبب تثبيت الحكم ضدّه.
12 يعرّف أرسطو المنصف كالتّالي: «إن المنصف، وإن كان في الوقت نفسه عادال، ليس ما هو عادل بمقتضى القانون، وإنمّا ملطّف من
ملطّفات العدالة القانونية. والسّبب قائم في أن القانون هو على الدّوام أمر عام، وفي أن ثمة حالات نوعية ليس بوسع المرء أن يصوغها
في ملفوظ عام ينطبق عليها انطباقًا يقينيًا... وهكذا ندرك بوضوح ما هو المنصف، وندرك أنّ المنصف هو العادل، وندرك أنّه متفوّق على
نوع من أنواع العادل» انظر:
Paul Ricoeur, Le Juste, p. 5.
مراد عمره الآن ست وثلاثون سنة، دخل السجن وهو في الحادية والعشرين، تربّى في أسرة شديدة الفقر تقطن
جبل الدولة، بعد أن كان والده ميسورًا ولكنّه بدّد ما لديه من ثروة على الخمر والنساء. تزوّج والده ثلاث
نساء ذُقْن منه كلّ أصناف القهر والعذاب، وأنجب منهنّ الكثير من الأطفال: الزوجة الأولى أبعدها عن أهلها
أربعة عقود من الزمن أنجبت له بنتًا اسمها الزهراء. أمّا الزوجة الثانية، فضّة، فقد أنجبت بنتًا هي الأخرى
وفقدت بعدها مداركها العقلية قهرًا، وسقط عليها كهف في الجبل فماتت. والثالثة كانت أمّ مراد، أنجبت ولدين
وأربع بنات، الكبرى منهنّ كان يحملها والدها قسرًا إلى البيوت لتعمل بها وهي لاتزال طفلة، حتّى فرّت إلى
مدينة أخرى مكثت بها ما يزيد على العشرين سنة من دون أن يسأل عنها والدها. تزوّجت أخته وأنجبت ولدًا
افتعل قضية دخل في إثرها السجن حين كبر، فقط ليرى خاله مراد. وأنّى له أن يعرفه وقد ولدته أمّه بعيدًا منه.
هذا الوالد كان قاسي القلب، يضيف مبحوثي. لقد طرد أختًا له تُدعى جميلة لأنها رفضت العمل خادمة في
البيوت، فشردت في الطريق حتّى اعترضها عون حرس مرور أخذها معه وحبّلها، فأنجبت منه طفلة اسمها
دنيا، ماتت بعد ذلك بسبب شدّة الإهمال. وتزوّجت مرّتين من رجلين لا يعرف مراد عنهما شيئًا. مراد الذي
صار عارفًا بحياة السجن بعد طول إقامة فيه يراه مجعوالً للفقراء والأميين: «منذ ما يقارب الخمس عشرة سنة،
لم ألتق مرّة واحدة بسجين والده معلّم أو أستاذ. كل من في السّجن هم من الفقراء والمساكين والأيتام. فكأنما
بالعدالة لا تحكم إلاّ على هؤلاء المعدمين». إنها، في نظر جلّ السّجناء، ليست في القانون، بل في ما يحمله القاضي
من قيم عادلة، كالإنصاف والرحّمة والأخلاق و«الخوف من اهللّ». أمّا القانون، فنادرًا ما يأتون إلى ذكره لأنّه، في
نظرهم، مكلف، نافع لمن يملك وضارّ لمن لا يملك شيئًا. لقد بنيّ التحليل النّفسي أن مردّ أول إحساس بالظّلم إلى عامل نفساني، ينشأ من تجربة يشعر فيها الطفل الصغير
بدونيته لأن أمّه تخلّت عنه. كذلك كان الأمر مع الكثير من المساجين حين يردّون بلواهم وما يعيشونه الآن
من جور إلى ما استبطنوه من هيبتوس الظلّم وا الّمساواة الذي شهدته أسرُهم. ولا رادّ لهذه البلية إالّ السماء
فيصيحون باتجاهها: «العادل هو اهللّ وحده».
ثالثًا: السّجين والعدالة، علاقة المناورة
وُلد السجن، عند فوكو، في ظرف حقوقي اتّسم بالدعوة إلى سلطة عقابية يتساوى أمامها جميع أفراد المجتمع،
تُلغِي التعذيب، وترتكز أولا على الشكل البسيط للحرمان من الحرّية، لتحرم المحكوم أن يعيش وقته بشكل عادي
لما تقيم معادلات كمية بين الجُّرْم والمدّة. إنّه «عقوبة المجتمعات المتحرضّة» تمارسها بالشكل ذاته على أفرادها
جميعًا. والسّجن تقنية دقيقة ويومية للسلطة على الجسد؛ تفنّن في إخماد ناره وعناصر قوّته الجامحة، وا الّمعيارية
أحيانًا، وحَدٌّ من حركته وعنفوانه الزائدين عبر المراقبة والغلق «لتستقيم الرّوح». غير أن هذه السلطة المراقِبة
والمعاقِبة ليست عادلة، لأنها لا تمارَس إالّ على الفقراء والمقصيين والمنبوذين الذين يخشاهم الجميع، ولا قدرة لهم
على مواجهة القانون ومناورته، أو حتّى مقايضته. هذا ما عاينّاه في هذا البحث على الأقل. أمّا الأغنياء، فلديهم
13 جبل للدولة غير مأهول بالسّكان لم يجد ساكنه من حلّ سوى العيش فيه.
14 وهنا يختنق مراد بالعبارة ثمّ جيُهش بالبكاء.
15 يتحدّث السجناء بإطناب عن كلفة المرافعة وعجزهم عن تسديدها.
16 Jean-Jacques Rousseau, Du Contrat social, Livre 2, chapitre 6, (Paris: Garnier Flammarion, 1966), p. 16. 17 Michel Foucault, Surveiller et punir: Naissance de la prison, bibliothèque des histoires ([Paris]: Gallimard, 1971). 18 Roger-Pol Droit, Michel Foucault, entretiens (Paris: O. Jacob, 2004), p. 65.
هذه الكفاءة، لذلك لا تراهم إال خارج أسوارها. وإذا ما وُجد فيه غني، صدفةً، فله من الامتيازات داخله ما
ليس لغيره، من نظام غذائي خاص يأتيه بوفرة من الخارج، ويُسمح له بإدخاله، حتّى العطر بأفخر أنواعه يمكن
أن يوجد عند هؤلاء دون سواهم. ولأنه كذلك، فضاء للإقصاء وإعادة إنتاج التمايز الاجتماعي والشعور الدائم
بالقهر، فإن الذي يتخرّج من السجن يتحوّل، على الأقل، كما يقول فوكو إلى خبير بارتكاب الجرائم الموصوفة
قانونيًا، عارف بكيفية التحايل على العدالة بالتجربة، وهو ما قد يعني فشل هذا النظام العقابي. ولعل فشله
راجع، في وجه من وجوهه، إلى كونه لم يخرج من رحم المؤسّسة القضائية وتاريخها، بل هو سابق لها. ويبدو السجن في ظاهره بنية إصلاحية تقويمية، والحال أنه مؤسّسة عقابية وتقنية للسلطة جُعلت للهيمنة على
الطبقات الشعبية، دون سواها. أمّا إيرفينغ غوفمان، فالسجن عنده «مؤسّسة كلية» إكراهية أكثر من غيرها،
وتمثّل مجاالً للإقامة والعمل، يعيش فيها المساجين حياة معزولة ومقنّنة تقنينًا خاصًا، إذ تتراجع سلطة المؤسّسة
على المعزولين ليشكّلوا عبر تكيفات ثانوية نظامًا من القواعد مغايرًا للنظام الرّسمي. وقد يستبطن السّجناء
قليالً، مع غوفمان، قيامً خاصة بهم ضمن عالمهم السّجني، فلا يخضعون للوائحه بقدر ما يخضعون لنظامهم
الخاص بما فيه من قواعد، لأن كلّ ما يأتي من النظام السّجني سقوط. من سُجن سقط، «طَاحَ»، بلغتهم. إنه،
في نظر جلّ من حاورتهم، إقصاء وتعذيب وحرمان وليس إصلاحًا وتطويرًا كما تدّعي المؤسّسة السّجنية. كيف
تكون العدالة وراء هذا السّور السّميك؟ يسألني أحدهم، «لم آخذ من السجن شيئًا، إالّ النّدى الذي تحوّل إلى
رطوبة تملأ عروقي». شيء ما يتكرسّ في أصواتهم، وهم يحدّثونني بوجع عن العدالة وتمثلّاتهم لها. حرارة البشر
بردَت فيهم، برودة بادية على وجوههم الشاحبة. لقد ابتعدوا من الحياة وصاروا على حافتها، خاصة أولئك
الذين حُكم عليهم بالإعدام، ثم تمّ الحطّ من العقوبة البدنية لتصبح سجنًا مدى الحياة. فهذا فالّح يقول «لم
أر الأرض منذ سنوات، ولم أشمّ رائحتها». فالسّجن ليل لا نهار له، سكن جديد لا ضوء فيه، رتابة موشّحة
بالسّواد حتّى ضاعت التفاصيل وتشابهت الحكايات. ومن قسوة ما يرون من حرمان، تنفجر أرواحهم، وهم
يسردون عليَّ قصّتهم، بالقيم والحنين، عاطفيون حدّ الضّعف، حتّى يجعلك الواحد منهم تتساءل: هل يُعقل
أن يكون بقية بشر كهذا قاتالً لابن خالته، ومنكّالً بجثّته حرقًا؟ ويصف أحدهم سلسلة المفاتيح الغليظة،
وأقفال الأبواب الموحشة بسوادها، ولحظات الفتح والغلق، فيقول: «إينّ أتعرّض يوميًا إلى شتى أنواع التعذيب.
فالسّجن لا ينحصر في العقوبة البدنية، بل إن أشدّها قسوة عندي، تلك الأبواب الحديدية التي تشبه الحائط في
سماكتها، خاصة لحظة غلقها وما فيها من عنف يكاد يصمّ الآذان، ثمّ ذلك السرير الحديدي، وبيوت الرّاحة وما
فيها من تنكيل بالسجين من شدّة قتامتها. يعذّبني هذا الفضاء الضيق، والمغلق، مع زمن متطاول قاتل من شدّة
طوله ورتابته وثباته. هذا هو عذاب السجن الذي أرادته عدالة جائرة، زمن ممتدّ في فضاء محسور. منذ تسع عشر
سنة أعيش بلا وجه، فلا مرآة هنا غير ما تراه بعينك من ذبول لجسد شاحب. كان بالإمكان أن أحصل على مرآة
في السوق السوداء لهذا السجن، مقابل بعض الخبز أو علبة سجائر، ولكنّي لا أريد أن أواجه نفسي حتى لا أرى
غريبًا مثلي» مشكلة هؤلاء هي العدالة التي سجنتهم من دون مراعاة ظروفهم. العدالة، من وجهة نظر جلّ الذين حاورتهم ممّن حُكم عليهم بالإعدام، «سوق ودلاّل»، بمعنى عرض
وطلب: «لمّا أذهب إلى القاضي أشعر أينّ لست مظلومًا لأنّ كلامي لا يصل إليه»، «المجرم هو الذي يعرف
19 Erving Goffman, Asiles; études sur la condition sociale des malades mentaux et autres reclus, trad. de Liliane et Claude Lainé; Présentation, index et notes de Robert Castel, le sens commun (Paris: Editions de minuit, 1968), p. 41.
20 الكلمات التي وضعت بين مزدوجين جلّها من الدارجة التونسية وبالذّات من لغة المحاكم والسجون والمساجين.
21 يقصد السجين من هذه الفكرة أن التحقيقات الأوّلية التي جتُرى في مراكز (مخافر) الرشّطة العدلية تحدّد في الغالب حكم القاضي.
كيف يتحايل على القانون». هذه بعض آرائهم عنها، لذلك فهم يناورونها، ولكن بحسب أشكال وتصنيفات
مختلفة؛ فالسّجين الموقوف غير الذي «صفّى»، أي ذاك الذي استوفى جميع مراحل التقاضي. في فترة التوقيف،
تكون العلاقة بالعدالة علاقة جدل ونزاع، كلّ طرف يناور الآخر: النيابة العمومية تطلب الأقصى ضدّه، وهو
يطلب الأقصى لفائدته. وحين يصدر الحكم الابتدائي تصبح العلاقة أكثر هدوءًا، فيتوسّل رحمتها وعدالتها
الإنسانية «زوجتي مريضة، أبنائي لا عائل لهم، إينّ مُعدم...». وعندما «يصفّي»، تكون العلاقة بقضيته
وبالعدالة أكثر وضوحًا، ويصبح النّقاش دائرًا حول انتهاز فرص العفو: «فلان حصل على العفو، لم لا أتمتّع به
بدوري؟». هكذا تكون علاقته بالعدالة، في الغالب، أخذًا وردّأ، شدًّا وجذبًا، نزاعًا وتوساّلً. أمّا الزمن، زمن
العقوبة، فيُعاش بكيفيات مختلفة: السّجين الموقوف يعيشه تحت محنة المحاكمة، فيرى قِرصَهُ دهرًا. وتهدأ زوبعة
الذي صفّى فينفتح الزمن على إيقاع السجن. وحينها يلتفت السّجين ليكتشف محيطه الجديد الذي تعطّلت فيه
عقارب الساعة، فلا يقوى على عدّ الساعات والأيام بل حيُصي الشهور والسنين. أمّا المحكوم عليه بالإعدام، فله
زمنية مختلفة لا ينظر فيها إالّ ما تبقّى له من الزمن الممكن، الكافي للتصالح مع ما تبقّى له من الحياة القليلة، وقد
أتت على عافيته رطوبة السجن. وفي آخر مدّة العقوبة، بالنسبة إلى من نجا من التأبيد في السجن، تنزع آفاق التحرّر لديه إلى ملءِ كلّ حيزه
الذهني، فتغزوه لهفة الترقّب، مع أن مجرّد حكم بالإعدام، من دون تنفيذه، يعقّد أي مشروع لإعادة إدماج
السجين. لقد أُعدمَت فيه فعالً بعض الطاقات المتعلّقة بالحياة ومعانيها، إذ لا يمكن محو ألم الحكم بالموت إلى
آخر آثارها. وليس سهالً، بعد الإحساس بالهلاك، ترميم ما انكسر من زمان ومكان. ولعلّ الإحساس بالموت
أشدّ من تنفيذه. ومن المساجين من ظلّ ينتظر إعدامه ثلاث عشرة سنة، يومًا بيوم، ليعود بعد ذلك، ومعه ما تبقّى
منه من بقايا حياة، إلى السّجن المؤبّد. تبدو قصة السجين عندما يرويها لك شديدة التعقيد، يتقاطع فيها الخيال بالواقع، وخيالها يفوق وقائعها. حيُْبكُِ
حكاية تهدّئ من روعه وتمنحه بعض الأمن النّفسي، وتسوّق عنه صورة إنسان مستقيم، لأنه يعلم ما يمكن أن
يحمله عنه محاوره من أفكار مسبقة. والكذب في حكايته علاجي، مريح. وقد ينسى أنه اختلقها لشدّة تكراره
لها على عواهنها، وضمن هذه السيرة الذاتية المركّبة من سرديات بقية المساجين، تبدو العدالة جائرة، ويبدو هو المظلوم. وفي السيرة التي ينسجها السجين دورات غامضة وحلقات مفقودة، تظهر فيها جريمته، في الغالب، محض صدفة دفعته إليها الأحوال. وما كان له أن يكون هنا في السجن لولا هذه الأحوال الملعونة التي أوقعت
به لارتكاب الجريمة. وأحيانًا تكون فعلته قضاءً وقدرًا، لا دخل لمرتكبها فيها، فيمرّ عليها مرّ الكرام، ولا يقف
عندها إالّ إذا حاصرْتَه بالسؤال. فهذا محمّد، كهل في الثالثة والأربعين من عمره، لم يتجاوز السادسة من التعليم
الابتدائي، يحاول أن يعطيك الانطباع بقدرته على التحليل، ومهتمّ بالقضايا الإقليمية والدولية، يقول، مبتسامً،
عن ذبحه لجدّته: «ريبّ سيجازيني ويرحمني، فما كان قتلي إياها إالّ تدبيرًا من اهللّ. إهنّا جريمة عادلة». محمّد
شخصية غاية في التعقيد والتركيب، يصعب فرز الصواب من الخطأ في ما يروي من حبكة سردية عن وجوده في
السجن، محكوم عليه في الأول بالإعدام لتُخفَّف العقوبة، في إثر عفو رئاسي بعد «الثورة»، فتصبح سجنًا مدى
الحياة. حاورتُ محمّد من داخل السجن أكثر من مرّة لأفكّ بعض مفارقات قصته، غير أنه يفاجئني كلّ مرّة
بقدرته الفائقة على حَبْكِ الرواية، وشدّة إيمانه بما أقدم عليه من جُرم حين ذبح جدّته التي يحبّها. كان محمّد قد
انتمى في السابق إلى إحدى شبكات المافيا في إيطاليا، اشتغل فيها بقلب ميت، ولما أحسّ أن رأسه صار مطلوباّ
غادر إيطاليا باتجاه مرسيليا حيث حصلت «المعجزة»، إذ «رأى كتلة من النوّر وسمع صوتًا يناديه أن إرجع إلى
ربّك يا محمّد، وادع إليه بالموعظة الحسنة». ولما امتلأ قلبه بالإيمان عاد إلى تونس داعيًا إلى اهللّ، حينها جهر ب:
«رسالته من دون خشية»، وبدأت المضايقات من شرطة بن علي. ولكنّه لم يتوان عن التذكير باهللّ بعد ما
يسمّيه «الرحلة الأوروبية». محمّد قتل جدّته التي يحبّها من أجل الدعوة إلى اهللّ، كما يزعم، ولكن أيضًا من أجل
مراوغة شرطة بن علي التّي تتربّص به لتتخلّص منه: «وإينّ واثق من أن اهللّ سيسامحني، كما سامحني والدي، لأينّ
صاحب رسالة كان فيها قتل جدتّي مرحلة ضرورية ساعدتني على تجاوز عقبة اعترضت سبيلي في أثناء الدعوة،
وسأظلّ صاحب رسالة حتّى في القبر. هذا الكون هللّ وأنا داعية في سبيل إعلاء كلمته. لذلك فإن ما أقدمت عليه
من قتل لجدتّي يُعتبر عدالة. فالعدالة هي العدالة الإلهية». يسرد محمّد قصّته بثقة عالية، لا تردّد فيها، وكثيرًا ما
يغذّي فواصلها بالقيم والمواعظ، وما يجب وما لا يجب، ويغضب حين يصطدم بسؤال مشكّك أو مكرّر. وغالبًا
ما يستبق سؤاالً متوقّعًا، فيضعه بنفسه ليجيب عنه. وبصرف النظر عن مدى تماسك هذه القصة، بما فيها من
مفارقات عجيبة، فإن الحرص على مناورة العدالة وتحويل أنظارها أدّى إلى هلاك الجدّة. يكشف بعض قدماء المساجين، خاصة العائدين منهم، عن معرفة دقيقة بمسالك القضاء وطرقه المتعرّجة
ومواطن الضعف فيه، من زاوية نظرهم. فهذا المنذر الحفناوي يرى ضعف القضاء في خضوعه القسري لطوق
التحقيقات الأوّلية التي صاغتها الشرطة بعيدًا من أعين العدالة، حتّى أن القاضي عندما يطلب من المتّهم إدانة
نفسه، إنمّا يبحث عن تبرئة حكمه من محضر الاتهام، باتجاه البراءة أو باتجاه الإدانة. وكثيرًا ما يُرجّح القاضي كفّة
الخطأ. فالقضاء ليس درجات، كما يقول: «القضاء درجة واحدة يورّطك فيها محضر الاهتّام الذي صيغ في مركز
الرشّطة، أو يدينك». وهنا يجهل السجين أو يتجاهل ما للمحكوم عليه بالإعدام من ضمانات، ومنها أنها قضايا
لا تباشرها الشرطة، بل تنتمي إلى جسم القضاء الذي بقدر ما يبحث عن وسائل الإدانة، يتوسّل وسائل البراءة
حتّى وإن كان المتّهم معترفًا بجريمته، ومنها سماع الشهود وتشخيص الجريمة قبل ختم البحث، القابل هو أيضًا
للاستئناف والتعقيب من جانب المتّهم. ولا يصدر الحكم النهائي بالإعدام إالّ بعد أن يمرّ بمراحل مختلفة يشارك
فيها عشرون قاضيًا، الأمر الذي يجعل نسبة الخطأ شبه منعدمة، كما يقول أحد القضاة، وهذا عين الخطر الذي
قد يقع فيه القضاء حين يستبطن، بفعل التجربة، معتقدات ونمطيات عن السجين تجعله يرى السجناء «مفردًا
في صيغة الجمع» لشدّة التماهي. وقد يشكّل مثل هذه المعتقدات العدوّ الأول للحقيقة وللإنصاف في الحكم. السجين العائد عرف القضاء ومسالكه وألف السّجن وقتامته حتّى بات لا يهاب هذا أو ذاك، ومن ثمّة تنتفي
الصفة الرّدعية لكليهما عليه. لقد عاش التجربة الإجرامية والعقابية وعايشها منذ الطّفولة من دون سند أُسري
في الغالب؛ جريء في خرق القوانين السجنية إلى أن ينال أعلى الألقاب داخل التنظيمات ا الّشكلية التي
تفرزها الحياة داخل السجن، فيصبح قصّة من قصص السجناء في ما يكشف عنه من سلوك لامعياري. هذا
الصّنف من السجناء يبدو دليل فشل للمؤسسة القضائية والسجنية على الرّدع والإصلاح، فبقدر مدّة السّجن
يكون العَود. السّجين منذر كهل من شمال تونس، في الثانية والأربعين من عمره، مطلّق، لم يتجاوز مستوى الرابعة من التعليم
22 الرئيس الذي أطيح في 2011 عقب ثورة شعبية انطلقت من الأطراف المقصية.
23 السجين العائد هو ذاك الذي دخل السجن أكثر من مرّة، حتّى أنّ بعضهم يترك أمتعته داخله لأنّه واثق من عودته. هذا الصّنف من
المساجين يصبح عارفًا بمداخل القانون ومخارجه، وتتكوّن لديه ثقافة قضائية وسجنية عملية.
24 هنا أجريت مقابلات محدودة مع بعض القضاة لأسألهم عامّ يعتبره السّجين تقصيرًا في الإجراءات القضائية.
25 انظر في هذا المعنى نفسه: سامي نرصّ، «سوسيولوجيا العود: دراسة سوسيولوجية لظاهرة العود داخل المؤسّسة السّجنية وخارجها،»
(أطروحة دكتوراه، كلّية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس، 2008-2007)، ص.387
الثانوي. سجين عائد ترددّ على السّجن عدّة مرات، وأخيرًا حُكم عليه بالإعدام، ثم خُفف الحكم إلى السجن
المؤبد في إثر عفو رئاسي. أمضى من مدة الحكم خمس سنوات نتيجة جريمة قتل لم يرتكبها، كما يقول، بل تمّ
التغافل عن الأدلّة والشواهد التي تثبت براءته وتدين أعوان الشرطة، المرتكبين الحقيقيين للجريمة. يروي قصّته
فيقول: «كنت حاضرًا في جلسة خمرية رفقة اثنين من ندمائي، محمد وزياد، وإذا بنزاع ضار يشّب بينهما كانت
نتيجته شقّ رأس هذا الأخير بحجرة، لم تأت عليه في حينه، بل قىضَ بعد ثمانية أيام ذاق خلالها كلّ أصناف
التعذيب من قبل عناصر من الشرطة تصفية لحسابات قديمة. وإذا بي أجد نفسي متّهامً بقتله مع سابقية الإضمار
والرتصّد. فلقد حُسم أمر القضية قبل وصولها إلى المحكمة. ولما وقفت أمام حاكم التّحقيق وجدت نفسي
مندفعًا إليه لضربه، إذ رفض سماعي وأيد التّهمة، فكان حكم الإعدام. هكذا ترى أن القضاء مقيّد الصلاحيات
بمحاضر الشرطة التي غالبًا ما تحدّد مصير العدالة».
للسجين العائد قدرة فائقة على المراوغة. ولعلّه لا يدري أنه يُراوغ لأنه يعيش بخيال هو الواقعي الأكيد عنده،
يستعين به على ويلات السجن ولياليه التي لا تمضي، وقد يراه منطقيًا أيضًا. وسيكون من الخطأ عدم تصوّر منطق
خاص بالسجين خلافًا لما يمكن أن تعتبره العدالة منطقًا. نور الدّين أيضًا يردّ مأساته إلى الشرطة، ويرى العدل في توافر عناصر القوة ودونها السجن حتّى الفناء، خاصة
إذا كان الجاني فقيرًا والمجني عليه غنيًا، يقول عن نفسه: «عمري الآن تسع وأربعون سنة قضيت نصفها تقريبًا
في السجن بسبب تهمة باطلة بقتل قريبٍ لمناضل، فكان الحكم عليَّ بالإعدام قبل الحطّ منه ليصير مؤبّدًا. ورغم
طول إقامتي في السجون، غير أينّ لم أر تغيرًا في سلوكي وفي نظرتي إلى الحياة وإلى العدالة؛ هذه التي برّأتني لما
كنت مذنبًا وجرّمتني حينما كنت بريئًا. إنها بمثابة السّوق ولكلّ قضية فيها ثمن، تعوّضه المرأة عند فقدانه». السجين الموقوف أو المستجدّ، أو المبتدئ - بلغة القضاة، يبدو منهارًا في أيام توقيفه الأولى، بريئًا من وجهة
نظره. يجعل من الإنكار فرصة للنّجاة، وشيئًا فشيئًا، وبالاستناد إلى نصائح السجناء، يصنع لنفسه قصّة وقائية
من القانون، وعلاجية، يواجه بها عالم السجن، قد تتبطّن اعترافًا جزئيًا بالتهمة المنسوبة إليه. في السجن يبدّد هذا
الصّنف من المساجين الكثير من الوقت محدّقًا في ا الّشيء، لا يفكّر إالّ في الابتعاد عن عالم «العنبر»: «أريد أن
أقابل المدير، عندي ما أقوله له، أريد أن أرى التّحقيق، يجب أن أقابل الطّبيب». يتعلّق بالزيارة حدّ العدوانية،
إذ يراها طوق النّجاة الوحيد. يستفيق صباحًا، فيكتشف مرّة أخرى أنّه سجين العدالة، فيزداد فزعًا. في فضاء
الفسحة اليومية تتغير نبرة الكلام، لتكون أكثر أمالً. هنا يتدرّبون على القضاء، ويناقشون القضية وما يوافقها
من فصول قانونية، مناقشة تعطي للأكثر خبرة ومعرفة عملية مكانة أرفع في تراتبيتهم الاجتماعية، يجيزه بعض
من خيرات «القفّة». في فترة التوقيف يبحث السّجين الموقوف عن أي فسحة أمل، مهما تكن وهمية: التّطير،
الشعوذة، تفسير الأحلام، قراءة الكفّ، العرافة. وبعد الزيارة يأتيه «ولد القفّة» أو «ولد الماكلة »، وتبدأ
التحاليل: ماذا؟ كيف قالت؟ لماذا؟ فضاء السجين ضيّق، لذلك ترى السجين كثير العناية به حتّى في مشيته
المقتصدة ضمن مساحة ضيقة، ومكتظّة بالسكان. وتمرّ الأيام متثاقلة، ولا يعود الموقوف إلى إيقاع الحياة داخل السجن إالّ بعد استكمال جميع مراحل التقاضي من
حكم البداية إلى التعقيب، حينها يعرف أن حبسه لن يكون أبديًا وإن طال. ويبدأ الحديث عن العفو والإفراج.
وحتّى هذا، في نظر بعض السجناء، امتياز الأقوياء الذين لهم سندهم، بل ما وراء القانون لديهم لأن الاعتباط
فيه هو المعيار الغالب. ومن ضحية مغلوبة على أمرها، يتحوّل الموقوف بعد أن «صفّى» إلى كائن شرس في الدفاع
26 ولد القفّة أو ولد الماكلة تعني رفيقه الذي يشاركه الأكل ويتقاسمه كلّ شيء في السجن.
عن وجوده. ويزداد ضراوة وحقدًا دفينًا كلمّا فقد عزيزًا أو خسر مكانة (وفاة والده، طلب زوجته للطّلاق، أمّ
مثقّلة بألم الفراق...). ويبدأ في اكتساب عناصر من القوّة تمنحه طاقة على التحمّل، يصبح أكثر صلابة ورباطة
جأش، ويشحذ إحساسه بأنه ليس كغيره من الناس، بل هو شخص منبوذ، أسقطه المجتمع من عقده الاجتماعي
وتخىلّ عنه، فتزداد لديه قوّة المقاومة. غير أن البعض منهم سرعان ما ينهار، فإمّا أن يدخل في رصانة كئيبة
وجافّة أو عزلة قاتلة، وإمّا ان ينكّلوا بأجسادهم وشامً أو جروحًا غائرة بكلّ ما تطاله أيديهم من آلات حادّة،
إذ الً طوعيا للنفس، وإمعانًا في إهانتها. ولكن الأغلبية منهم يعفيهم اتهامهم للإجراءات القضائية من الشعور
بالذّنب، ولولاها لأدان بنفسه ما أقدم عليه من جُرم. فها هو يرى الأعمال نفسها تُرتكب بضمير مطمئنّ باسم
العدالة. لقد قرأ القاضي ملفًّا ولم يقرأ بشرًا قد يكون بريئًا، أو على الأقل ساقته أقدار إلى عمله «السّيئ»، ولم يجد
أمامه لسان دفاع يوازن بين الدليل وعكسه. ولولا العدالة والمرأة لما كانت هذه حاله. ومن السجناء من لا يتحمّل العقاب فينهار، ولا يرى ما يحيط به من فرط «حضرة الغياب»، كما حدث ل: ص.
س. الذي صارت الأدوية المهدئة تحدّد إيقاعه اليومي ودونها الجحيم. صالح حُكم عليه بالسجن مدى الحياة
جرّاء حرقه ملهى ليليًا بمشاركة اثنين من رفاقه عقب خلاف مع صاحب المحلّ أسفر عن وفاة مواطن أردني
حرقًا. ولم يحظ بالحدّ الأدنى من شروط المحاكمة العادلة، كما يزعم، «وحتى صوت الدفاع كان غير مسموع
لانتمائه إلى المعارضة في عهد المخلوع». وكلمّا ضاق به السجن انهال على جسمه تقطيعًا حتّى لم تسلم بقعة
واحدة منه، لأنّه لا يرى مخرجًا لعذابه، فزمن العدالة طويل ولكن زمن السجن أطول. المرأة والإدمان والفقر والأمّية الهجائية عناصر غالبًا ما تكوّن مداخل التورّط في مواجهة العدالة والحرمان من
الحقوق المدنية، وحتّى من الحياة أحيانًا. فهذا لسعد من منطقة الجريد بالجنوب التونسي، تزوّج خمس مرّات
حتّى صار «خبيرًا» بمسالك الطّلاق بأخف الأضرار. حملته قارورة خمر وسكّين إلى السجن مدّة عشر سنوات.
نجوى هي الزوجة الخامسة، تزوجها بعد سنة ونصف سنة من سكنها عنده على وجه الإحسان، كما يقول، لكن
سرعان ما تغريّ سلوكها لتصبح عدوانية، خاصة مع أطفاله الصغار. وبعد توتّر العلاقة، غادرت محلّ الزوجية
لتبدأ بينهما مرحلة جديدة من السبّ والشّتم والاستفزاز أفضت إلى تمزيق جزء من جسدها بسكّين على وجه
الخطأ، فكانت المحاكمة. يقول لسعد إن أول الأسئلة التي وجّهها إليه القاضي تدور حول دخله السنوي وراتبه
الشهري. ولما علم بأنه ميسور، توجّه إلى الكاتبة قائالًّ: «أنا لما أجوع أحتاج إلى الأكل»، فأجابته بدورها: «لك أن
تأكل وتطعمنا معك». وكانت تتصرّف مع القاضي بندّية وعناد مثيرين للرّيبة. ولما عاد من المحكمة إلى السجن
شاركه السجناء في عملية تفكيك لغة القاضي وما فيها من طبقات في المعنى. وكان يمكن أن يفلت من المحاكمة بتسوية خفية لو لم ينتبه القاضي في آخر لحظة إلى أن المتّهم أخ لرائد في
الأمن، وهو ما قد يمثّل خطرًا عليه لو تورّط معه في عملية رشوة. فكان الحكم عشر سنوات نافذة. وها هو
الآن يعاني داخل السّجن سرطانًا من النوع الخبيث وضغطًا في الدّم ومرض السكّري كذلك، ومع ذلك تبدو
عليه علامات القوّة والثّقة؛ ثقة لا يتردّد لسعد في الجهر بها كما في إيمانه بأنّه أعلم بمسالك القضاء من المحامي،
وأعرف بالقانون منه. في السجن إيقاع للوقت بلا إيقاع من شدّة التشابه، فيوم واحد يكفي لمعرفة مختلف فقراته اليومية لتكرار المألوف
وفقر التبادل، حتّى تتوحّد سير المساجين لما يسردون عليك بشأن علاقتهم بالعدالة وما فعلته بهم، ويتشابهون في
27 المخلوع نعت صار يُطلَق على الرئيس الفار بن علي. وقلمّا يذكره التونسي بالاسم بل بنعوت في الغالب.
من جرم.
والوشاية بمن يستهلك المخدّرات.
رابعًا: صورة العدالة في الجسد: لغة الوشم
الوشم علامات يتواصل من خلالها المساجين بلغة
صامتة لا يفهمها غيرهم. وقد تنبئ عامّ يستبطنوه
عن العدالة الجزائية التي أودعتهم السجن من
أحكام، كهذا الوشم الذي يشير إلى قاضٍ (الحاكم
بلغة السجين) بفم ذئب وفرو حصان وكرش
حنش. فيظهر هنا على شاكلة حيوان مركّب من
ثعبان وحصان وذئب، حاد الذّنب طويل اللسان،
بارز الأنياب عظيم الرأس، كثيف الفرو، وبلا
عظام. والوشم، كما هو معلوم، كتابة بالنقاط، والنقطة
لدى السجين مدخل تجريبي يقدّر من خلاله مدى
قدرته على التحمّل من عدمه، فإمّا أن يمضي في
التجربة وإمّا أن يعدل عنها. وفي هذه النقطة
28 اصطفّوا في مواقعكم للقيام بعملية التّعداد المعتادة. مغادرته، ولو أُفرج عنه. الرسوم والأوشام.
أجسامهم التي يعيد السجن صوغها، ويغيب عن نظراتهم بريق الحياة: «برّا route » أو «برّا حساب»؛ صوت
يسمعونه كلّ صباح، فتصطف المجموعات ليعُدَّهُم رئيس الجناح، السجين هو الآخر. ويستفيق المساجين
بتعب الأرق بعد ليلة مضنية لكثرة الهواجس. الآن يتذكّر كلّ منهم مع إشراقة كلّ صبح أنه مسجون بعد أن
غادره مخياليًا في أثناء النوم. ينتشر المساجين في فضاء فسحة محاصرة، ومع ذلك تتغير نبرة الصوت عن الداخل
ليسري فيها بعض النشاط وقليل من الأمل: «ماذا قلت؟ كيف حدثت المكافحة؟ كيف كان القاضي؟ الأسرة،
الاستئناف، التعقيب، لقد وقعت بين يدي قاضي لا يرحم، ماذا عليك فعله الآن؟ لقد تعبت، أريد أن أعرف
حكمي». والحكم لدى السجين هو معرفة تاريخ الرسّاح، وبعده تبدأ رحلة السجن، فيتحجّر القلب وتتغير
اللغة، وينقلب من ضحية إلى نزق لامبال، تمرّدًا على «حكم جائر بالسجن». هكذا يراه السجين مهما يقترف وحينما ينتصف النهار يُؤْتى بغداء يتركه من كان مريضًا. ولا بأس خلال ذلك في إعادة تفكيك ما قد قيل سابقًا
ولكن بمزيد من التفصيل. وهنا يُفسَح المجال لأهل الخبرة من «الكرّا كجية»، أولئك الذين طال مقامهم
في السجن وعلموا أسراره وخبروا مسالك القضاء. وفي الليل تهجع الحركة، ويتمّ التّعداد مرة أخرى، فتقفَل
الغرف ويبدأ السجن الحقيقي، ويؤول الأمر إلى حارس الليل من بين المساجين، ومن مهماته منع التّجمّعات،
29 المقصود بالكرّاكجية المتعوّدون على الإجرام، وطالت مدّة سجنهم حتّى ألفوه وتمرّسوا بنمط الحياة فيه. ومنهم من صار عاجزًا عن 30 الباحث مدين للأخصائي النفسي في سجن المدني بالمرناقية منير الدريدي على ما قدّمه لهذا البحث من مساعدة، بما في ذلك هذه
الصغيرة لعنة على «الحاكم الظالم» وتمرّد على سلطة القانون وانطلاق في الانحراف وإعلان العصيان. ولعل
هذا ما يجعل عون الأمن ينفر منها، ويدفع السجين إلى إخفاء دلالتها. وتوضع النقطة بجانب الأنف لتشير إلى
الأنفة والاعتزاز بالذّات، وقد توضع تحت شحمة الأذن علامة على أن حاملها قليل العناية بالقيل والقال،
وتكون بجانب الفم دلالة على النفور من «الصّبة»، بلغة المساجين، على معنى عدم الوشاية بمن حوله. وقد
توضع على الخد الأيسر لتعني «لا أرى»، أي إن السجين يمتنع من الإدلاء بالمعلومات التي يعرفها. وتوضع
بجانب العين لتعني امتهان تشغيل النساء بالبغاء السري. ويمكن أن توضع ثلاث نقاط بجانب كل عين
للإشارة إلى المعنى نفسه. وفي هذا الرّسم نقطتان بين سمكة دلفين على رأسه شمعة تحترق،
وتعني: «الداخل مفقود والخارج مولود» ويرمز بذلك إلى
السجن. ويبدو من تأويلات السجناء أن النقطتين موجودتان
كثيرًا لدى البحارة تلميحًا إلى خطورة البحر، وكمثله السجن
الذي لا يعرف ساكنه إن كان سيخرج منه حيًا أم ميتًا. وهذا المثلّث من ثلاث نقاط هذه المرّة يعني عصيان اهللّ
والوالدين، تمرّدًا على الروابط الدينية والأسرية والاجتماعية
والتعلّق بمبادئ خاصة ونمط تفكير مختلف؛ فعالم السجن له
قيمه ومعاييره ونظامه الاجتماعي الخاص. وينضاف إلى مثلث النقاط نصف دائرة ليعني التقاء ثلاثة أصدقاء في عصابة مارقة على القانون قاموا من خلال
هذا الوشم باتحاد ثلاثي عبر الوشم. وقد تتوسّط النقطة مربّعًا من النقاط لتعني الإحساس بالغربة في الفضاء
السجني: «وحيدا بين أربعة جدُر»، وهي عادة ما تُرسم على ظهر اليد نتيجة انعدام الزيارة وقلة الأصدقاء. ويصل عدد النقاط إلى ثماني نقاط أو ست عشرة نقطة في شكل نجمة، ويعني أن السجين محكوم بالأقصى، وهو
حكم قديم كان يقاضى به الأفراد الذين يرتكبون جرائم كثيرة ويساوي حكم السجن مدى الحياة حاليًا. ويعني
السجين من خلال الرسم أنه يرزح تحت حكم طويل الأمد. ويعلن السجين في وشومه، أحيانًا، غيضًا ممّا لعون الأمن من
نفوذ على سلطة القانون وتحكّمه في مصير العدالة الجزائية حين
يطوّقها بمحاضر قُدّت بمكر وإحكام. ويبنيّ الرّسم وجه المرأة
متوّجًا بصدارة (خوذة) تعتليها شمعة تحترق: الشرطية امرأة
تذوب، وذاك ضرب من ضروب التنكيل عبر الوشم. والمرأة في
وشم السجين هي، بشكل عام، خطر محض، عليه أن يحْذره. ومع
ذلك تظلّ أهمّ الدوّال كثافة ودلالة؛ صراع بين ضرورة الفراق
اتقاء لخطرها والحاجة إليها والتخلّص من حبّ آسر. والشمعة
فيه إشارة إلى الذوبان والزوال.
ويظهر رجل الأمن أو الحاكم في بعض الوشوم في صورة
امرأة للتحقير والحطّ من الشأن. ويُعرف هذا الوشم بكلمة
«البوليسة»، وترمز الصدارة على رأس المرأة إلى السلطة الغاشمة.
ولماذا الشرطة؟ لأهنّا المدخل المأزقي الأول نحو المحكمة،
فالسجن مبتدؤه محضر اتهام تعدّه الشرطة العدلية. وتضاف وردة حمراء كشكل من أشكال المراودة، فيتحوّل عون
الأمن إلى أنثى تُراوَد وحتُبّ. وفي هذا ضرب من التطاول العلني
على الأمن، والحبّ فيه تنكيل وانتقام. وهنا امرأة عارية يلتفّ حولها ثعبان، ويتناظر الرأسان
والجسدان. الأنثى والثّعبان، دلالة على التّشابه. والمرأة في الغالب أفعى، وفي ذلك موقف متطرّف منها جرّاء
نهاية سيئة لعلاقة ما أدّت به إلى السجن.
ذلك العنكبوت والتّنيّن والأخطبوط. والسّام فيها والكاسر قبل الوديع.
السجن كفاءة في التّوريط واحتراف في خلق المآزق للغير، وتعدّ مأثرة ضمن هذا العالم الضاري.
خامسًا: سجينة العدالة، الدورة اللولبية
وتظلّ وشوم الحيوان الأكثر حضورًا في مخيال السجين، يتصدّرها الثّعبان ثمّ الدّلفين فالعقرب فالنسّر، وبعد هكذا يعربّ السجين عن كوامنه بالوشم بما هو كتابة مسنّنة écriture codée()، ولكنّه ينشئ أيضًا قاموسه اللفظي
القائم على المناورة والمواربة والتخفّي، من قبيل «الدرّاقه» التي تشير إلى السِّتار الذي يوضع أمام البلاط السّفلي،
فتأخذ شاكلة الصندوق المغلق. والدرّاقة من الدّرق، على معنى الإخفاء. ومن الألفاظ الدارجة في لغة السجن
«الكمامصي»، وتطلَق على السجين البارع في الانفلات من القوانين والعقوبات الإدارية السجنية، والقادر على
إلحاق الضرر بالآخرين، وفعلته تسمّى «كمّوصه». ول«الكمامصي» مكانة متميزة في التراتبية السجنية تجمع بين
التبجيل والنفور. و«الرقّاص» سجين قوّاد يتاجر بالمعلومة ويصعب تحديد الجهة التي يتعامل معها في الوشاية.
وتكثر الألفاظ التي تحيل إلى الفخاخ والتّوريط على غرار «الخيط» وتعني الفخّ والوشاية. فربطُ الخيوط بلغة
لسجن النساء تاريخ طويل في تونس فرضه نظامها الأبوي ليعيد إنتاج نفسه عبر جهاز من الإكراه والمراقبة،
أبرزه «دار جواد» كصيغة من صيغ العدالة المحلّية تعود إلى ما يزيد على قرن ونصف قرن. «دار جواد»، أو «دار
العدل»، سجن مهين للنّساء اللاتي خرجن عن طاعة أزواجهن، أو أحببن رجالً من دون إرادة الأب، وقد حيُجر
فيه على الطليقة حتّى تنتهي أشهر العدّة. إنه سجن لحماية الحياة الحميمية للذكر وتناسله بصرف النّظر عن
مشاعر المرأة وإرادتها، فلا معنى لحبّ في صيغة المؤنّث ما لم يصادف قبوالًاجتماعيًا. وما أحطّها صورة لامرأة
سُجنت يومًا في «دار جواد» لأنها تضع شرف الأسرة كلها في الميزان. هذا الامتياز الذكوري لا يزال متواصالً
إلى اليوم؛ فقد يتسامح المجتمع مع سجين العدالة فيبقى في عيون الأهل، وفي ثياب العهر نقيًا، متُحى خطاياه
ويعاد إدماجه بعد سجنه ويستقبله المجتمع بكلمة السرّ: «كفّارة». أمّا المرأة، فلا متُْحى خطاياها، وتوصم وصمة
مزمنة لا غفران بعدها: القحبة تظلّ دائما قحبة وإن تابتْ. والزّانية تُشيّأ وتصبح موضوعًا للجنس حصرًا، فلا
مجال لأنسنتها وعودتها إلى نسيجها الاجتماعي، خاصّة إذا كانت بنتًا من الرّيف. فتمرّ إلى الدائرة اللولبية التي لا
خروج منها إلى غيرها. المرأة شرف قد يُنزع عنها وعن أسرتها بلا رجعة بمجرّد توجيه التّهمة إليها. أمّا الرجل،
فشرفه مردود إليه بعد الإفراج عنه، وقد يزداد به فخرًا؛ فالحبس للرجال كما هو دارجٌ في الاستعمال. تَعرِف المرأة بعد الحكم عليها ودخولها السّجن، خاصة إذا ا مت بالزّنا، أنها خرسِت محيطها، وستقوم القيامة
عليها لأن جسدها مسيج بثقافة الرعب والعيب، فإمّا أن تزهد في الدّنيا لتعود إلى رهبّا، وهذا قليل، وإمّا أن تترك
وراءها كلّ شيء، بما في ذلك قيم أبعدتها. وفي هذه الحالة تنقم المرأة السجينة على العدالة وتريبّ مخالبها استعدادًا
لاحتراف الجريمة، فلا تكفّر عن ذنوب لم ترتكبها، بل تحمّل المسؤولية لأحوال خارجة عنها، ومنها زوج
شديد القسوة وأخ أناني وأب كتابوت من الحجر: «م» في السابعة والعشرين من عمرها، تتوعّد بحرق عدالة أحرقتها: «لستُ امرأة إن لم أخرج من السجن
مجرمة. لن أطلب الرحمة ولن أطلب العفو، لا أحترمكم، بل سأعود إلى السجن بإذن اهللّ. لقد لطّخوا شرفي
ومرّغوا رأس أسرتي في التراب. أين العدل؟ لماذا لم جيُروا عليّ في حينها تحليالً لدى الطّبيب الرشّعي؟ وعندما
تتحدّث «م» عن حزنها تكاد تختزل كلّ الحزن الأنثوي. لقد انقطعت عن الدراسة في الخامسة من التعليم
الثانوي، وعرفت زوجها شديد الوسامة حين بلغت السادسة عشرة من عمرها، وتزوّجته في الثامنة عشرة
رغامً عن إرادة أسرتها لتنجب منه ولدين. وفجأة انكشف الوجه العنيف للزّوج، إذ صار يضربها في الغدوّ
والرّواح، حتّى أنه حاول قتلها يومًا، ولكنّها مع ذلك، تُسقط عنه الدّعوة كلّ مرّة. وذات يوم، تنتبه إلى حقيقة
أخرى لاحظتها من الهيئة التي يعود بها إلى البيت: ثياب ممزّقة وقميص عليه بقع دم وجسم به آثار خدوش. لقد
صار نشّاالً وقاطع طرق يفتّك بما يصادفه، بالإضافة إلى إدمانه شرب الخمر. ولما ساءت العلاقة بينهما، بعث لها
بصديق إلى البيت ليغتصبها، فشجّ رأسها بضربة وشدّ وثاقها وهمَّ بها، وإذا بها متّهمة من قبل زوجها بقضية زنا،
وإذا بالكلّ يساهم في توريطها، بحسب زعمها، بدءًا من أعوان إقليم الحرس الوطني الذين قالوا إنهم أخرجوها
في حلِ افٍ سرَتْا لجسدها العاري، مرورًا بالشّهود الذين شهدوا على ما لم يسمعوا وما لم يروا، وصوالً إلى القاضي
الذي ردّ عليها حين طالبت بالتّحليل «أهنّا ليست في فرنسا». وها هي الآن تقضي عقوبة بالسجن خمس سنوات
31 Dalenda Larguèche, «Dar Joued ou l’oubli dans la mémoire,» dans: Abdelhamid Larguèche et Dalenda Larguèche, Marginales en terre d’Islam (Tunis: Cérès productions, 2000), pp. 85 – 111.
32 أُطلقت هذه العبارة في البداية على سجناء المقاومة ضد المستعمر الفرنسي. واستُغِلّت بعد ذلك مدخالً لإعادة إدماج الرّجال ضمن
نسيجهم الاجتماعي، فكأنّ شيئًا لم يكن، بل إن السّجن يشدّ من عزم الرّجال ويعزّز قوتّهم.
33 ذنوب لم ترتكبها على حدّ زعمها. طبعًا، لسنا معنيين في هذا البحث، مثلما سبق أن أشرنا في موضع آخر، ببلوغ الحقيقة، بقدر ما
نتعلّق ببلوغ تمثّل السّجين للعدالة.
34 المرأة لا اسم لها في هذا النصّ ولا مدينة، حتّى لا تُتَبين هويتها أو جغرافيتها احترامًا لحرمتها. مع أن «م» تصرّ على ذكر اسمها كامالً،
ولكنّي لا أفعل ذلك تجنّبًا لما قد يحصل من إحراج للأُسر المعنية التي قد تلجأ إلى مقاضاة الباحث في حال كشف عن هوية السجينة
المبحوثة.
بتهمة الزّنا وخطية مالية قدرها خمسمئة دينار على تعنيفها للقاضي وعدم احترامها لهيبة المحكمة، بعد أن كانت
لا تشرب كأس شاي أمام أبيها. ل«م» قاموسها اللفظي الخاص، فالضرب عندها «رشِْمْبَة» أو «أعطاني على
رشُبْي». الآن انتهى كلّ شيء: «صار الحبس بيتنا، تعلّمت فيه الجريمة وتعرّفت على المتسكّعة والأفّاقة. سآخذ
حقّي بيدي لأردّ اعتباري. في التّعقيب سأتكلّم وسأهتّم القضاء الذي حاكمني مغلولة اليدين. لما التقيتُ زوجي
أثناء المكافحة قلت له إمعانًا في استفزازه: ها أينّ قد زنيتُ، ولو كنتَ رجالًاجلر كشارف لإى تلخدأ الم غيرك،
وعليك الآن أن تربي لقطاءك». ولكنّها تعود لتستدرك خجلةً: «حاشى لأولادي أن يكونوا لقطاء». ثمّ تضيف:
«ما تبقّى من عمري سيكون فسادًا في فساد. لن أخاف التّهمة ولن أرفضها، بل إنّني سأباهي بها. وسأفعل ما علي
فعله عند الخروج من هنا. أي قانون يمنع أُمًّا من أن ترى ولديها؟». هكذا تُسقط «م»، ولو قوالً، كلّ اللاّفتات
تحت الأرجل، ولم تبق إالّ لافتة واحدة عنوانها الانتقام من المجتمع بجسدها الذي أصبح موصومًا بالعار، نبتة
شوكية لا تورق ولا تزهر. القيم تترنّح أمام من ا متْ بالزّنا رديف الطِّةعجر لبا عمتجلام نم در.اإل اله قبُي ملف
باب الفساد الموصوف: الرّجل يسرق ويقتل ويشلِّحُ على الطريق العام ويَذبح المرأة كالدجاجة، و«يبقى أطهر
من ماء السمّاء». تُذبح المرأة بمجرّد تهمة الزّنا وحتُرَق اجتماعيًا فلا يعود لها من وجود إنساني بين الناس وبين
أهلها، إالّ الموت أو العصيان، فتثور المذبوحة على ذابحها بعد أن يمارس عليها الحجْر من الجميع، ولا فارق في
الإقصاء بين قريب وبعيد. فالزّنا عفن ينبغي أالّ يُبحثَ عن أسبابه بل أن يُوارى فاعله الرتّاب أو يوضع خلف
أسوار السجون. من الزّنا إلى حبّ الأنثى للأنثى عقوبة بعشرين سنة سجنًا جزاء قتل الحابّة «س. م» لزوج حبيبتها بطعنة واحدة
جرتّها إليه جرعة خمر أفقدتها صوابها. توارت معه عن الأنظار بعد أن ظنّ أنها دعوة أنثى على مأدبة جنس، فإذا به
يصارع الموت بطعنة عاشقة قاومها حتّى وصل إلى المستشفى حيث لفظ أنفاسه الأخيرة. عشرة أيام من التعذيب
تولّته فرقة مقاومة الإجرام رغم اعترافها: دجاجة مسلوقة، ضرب على الرّأس، تفنّن في أصناف مختلفة من
التّعذيب جعلتها تضحك وتبكي هسترةً. في المحكمة اعترفت بما فعلت وبما لم تفعل جرّاء الرضّب، فكان الحكم
مدى الحياة، أي ثلاثين سنة أمضت منها عقدين كاملين. تقول «س. م»: «سأخرج قريبًا من السجن عارفة
بعالمه، خبيرة في الأحكام القضائية أقدر من محام، غير أينّ لا أرى في السجن صلاحًا بل تدريبًا على احتراف
الجريمة وعلى إتقان المكر والدّهاء. جرعة خمر ونزوة حبّ هربتُ إليهما من صلف الرجال أشقياني دهرًا».
والآن، وقد كفَرتْ بجسدها الذي هدأت محُّاه تمامًا، لا يزال ينتظرها عقاب اجتماعي لا يقلّ إقصاءً فور خروجها
من السجن، فلن تكون سوى فحم رخيص بعد أن وأدَتْ أنوثتها وامتصّها السّجن ببطء. وتلك الدورة اللولبية
لمن أحبّت بغير التقاليد: من جدران السجن إلى سَبْي المجتمع لما بقي فيها من حياة في إثر خروجها، إلى كفرِ المرأة
بهذا المجتمع وعدالته. ثمّة منطقة ملتبسة عادة يتركها السجين في تمثّله للعدالة وفي علاقته بها، وقلمّا يفكّ غموضها. فهذه «ح. ش»،
مطلّقة وبالغة من العمر واحدة وخمسين سنة تبدأ حديثها باهتّام القضاء الذي لم ينصفها حتّى بمجرّد سماعها قبل
الحكم عليها بالإعدام. تقول حربية: « كان أول سؤال وجّهه إلي القاضي، لماذا تلقّبين بالسُّكراني؟ ثمّ منحني ربع
ساعة فقط لأدافع فيها عن نفسي؛ ربع ساعة رآها كافية لأبعد عنّي شبح الموت. سلخت مع هذه المرأة ساعات
أغلبها شهادات وفاء لزوج سابق قطّعته إربًا ورمت بأشلائه في غياهب الجُبّ، فعثر عليها راعي غنم على مسافة
35 نزار قبّاني، يوميات امرأة لامبالية: شعر، ط 17 (بيروت: منشورات نزار قبّاني، 1999)، ص.28
36 شكل من أشكال التّعذيب يوضع فيه المتّهم على شاكلة دجاجة حين تسلق.
مئة وخمسين كلم تقريبًا من مكان الواقعة في تونس العاصمة، كما تقول عنها سجينة، في إثر انتهاء المقابلة معها،
كانت تقاسمها الجناح نفسه في السجن. أمّا قصّتها، كما ترويها، فكلّها جهد لشدّ أزر زوجها وصبر على تحمّل
بلائه. درست حربية في مدينة نيس الفرنسية، وتعرّفت على زوجها هناك، وهي في سنّ العشرين من عمرها،
وأنجبت منه ثلاثة أطفال. كان بطّاالً، كما تقول، فخلقت له أفقًا. غير أن شغفه بالتّدليس وإدمانه القمار أديا إلى
إفلاسه، فبدأت تشتغل نيابة عنه، وتحرّكت أسباب الرّزق حتّى جمعت بعض المال. ولكن إدمانه التّدليس دفعه
إلى تزوير إمضائها ليسحب مبلغًا ماليًا ممّا وفّرت له ولأسرته، فصار مطارَدًا في فرنسا من عناصر فرقة مقاومة
الإجرام، ومهدَّدا بالسجن. عندها تدخّلت لإنقاذه رغم ما سببّه لها من متاعب، فهرّبته إلى إيطاليا لتصل به في
الأخير إلى تونس. ولما همّت بالعودة إلى فرنسا أوصد أمامها جميع سبل الرّجوع إليها. ولم يكفه ذلك بل أخفى
أبناءها عنها مدّة خمس سنوات. ثمّ فرّت بعد ذلك ابنتها إليها بعد أن أفقدها أبوها عذريتها، فطلّقته بالرضّر
أخيرًا لما أثبتت الرضّر الذي لحق بابنتها من أبيها. وحين سمع أهنّا خُطبت، دهمها في بيتها ليالً، وإذا بخطيبها
يدخل في اللحظة التي كان طليقها يهمّ شقّ رأسها بساطور، فحال دونها وضربه ضربة قضت عليه. فكانت
التهمة لكليهما القتل العمد مع سبق الإصرار والرتصّد، وحكمت المحكمة عليهما بالإعدام شنقًا؛ حكم تراه
حربية جائرًا وغير منصف، لأهنّا في سردياتها لم تقتل. ظلّت بعد هذا الحكم ثماني سنوات محرومة من زيارة أحد
لها، وها هي اليوم قد جاوزت ثلاث عشرة سنة في السجن، بعد تخفيف عقوبة الإعدام إلى السجن مدى الحياة.
وتزداد قناعة كلمّا طالت مدّة سجنها أن السّجن تعذيب نفسي، موت وحياة حتّى الفناء. فلّة امرأة في الثالثة والأربعين، مطلّقة ولها بنتان وولد، أنهت تسع سنوات من عمرها في سجن النساء، توفي
والدها حسرة عليها: «ماذا تطلبون منّي بعد هذا؟ لقد شربت س وسقيته لابنتي هروبًا إلى الآخرة من زوج
سادي، أذاقني شتّى أنواع العذاب حتّى احترقت وأحرقت معي كبدي. غير أينّ بقيت وتوفّيت ابنتي بعد
شهر ونصف شهر جرّاء إهمال طبّي، نزفت خلالها حتّى ماتت». كان الزّوج فظًّا، ويزداد شراسة حين السُّكر،
لامعياري، يشرب حتّى يوم العيد. طرد ابنه ولما يتجاوز الثانية عشرة من عمره. ومن شدّة نقمته على سلوك
والده نطق الابن يومًا قائالً لأخته: «بإمكاني قتله وهو نائم، أدغره بسكّين».
سادسًا: النمط المثالي لسجين العدالة
نصوغ هنا تأليفة مجرّدة لما يمكن أن يمثّل عناصر مشتركة بين مختلف المساجين الذين تقاطعت معهم هذه
الدراسة، لنبني نمطًا مثاليًا للسجين في تونس، نِصْفه من الواقع ونصفه الثاني تجريد الباحث لهذا الواقع،
كمثل البخيل المثالي الذي وصفه موليير في L’avare، ذلك «الأربغون» الذي يفقده صرف المال صوابه حدّ
الإحساس بالنهاية. كذلك سجيننا، تفقده العدالة صوابه حدّ الكفر بها جرّاء جرم، للأقدار فيه نصيبها. ولا
يتعلّق الأمر في هذا الجهد البنائي الذي يحاول أن يبني النمط المثالي للسجين بنظرة دونية له تراه مجرمًا بالجِبلّة،
37 النمط المثالي مفهوم طوّره ماكس فيبر انطلاقًا من دراسته للفكر الرأسمالي ليكون دليالً يساعد على صوغ الفرضيات، ويتعلّق الأمر
فيه بجملة من المفاهيم التي تتمفصل في ما بينها لبلوغ الواقع وما فيه من ترابطات دالّة. ويمكّن من بناء الظاهر في أكثر تجلّياتها صفاء
ووضوحًا بتكثيف وجهات نظر الباحث في اتجاه واحد حتّى يحصل على ترسيمة مجرّدة لها نصفها من الواقع ونصفها الثاني تجريد الباحث
لهذا الواقع. انظر مثلا أطروحة ماكس فيبر «الأخلاق البروتستانتية والفكر الرأسمالي»:
Max Weber, L’Éthique protestante et l’esprit du capitalisme, traduits de l’allemand par Jacques Chavy, recherches en sciences humaines; 17 (Paris: Plon, 1905; 1920). 38 Molière, L’Avare, la petite bibliothèque scolaire; 22 (Tunis: Cérès éditions, 1994), p. 17.
كما ذهب إلى ذلك الإيطالي لمبروزو الذي بحث في العناصر الطبيعية، الوراثية، للمجرم؛ هذه النظرة أفضت به
إلى الحديث عن المجرم بالولادة أو بالفطرة في كتاب سامّه الإنسان المجرم، بنيّ فيه ما يعتبره عناصر التخّلف
الحضاري للمجرمين بالفطرة، بل إن الجهد هنا لا يعدو أن يكون بحثًا في العناصر الاجتماعية المشتركة بين
مختلف السجناء. إننا نحاول هنا في هذا النمط المثالي أن نقوم بعمل تركيبي يبني من الشتات مثاالً بعد تمييز وجرد وتصنيف.
السجين المثال في هذا البحث شاب نزق في تجلّيه، سارق في مرتبة أولى، ومدمن أو مروّج في مرتبة ثانية، وقاتل
في الثالثة، وعنيف في درجة رابعة، ومغتصب أو مُواقِع في مرحلة خامسة، فيُقىصَ لذلك اجتماعيًا. ويتراوح
عمره بين الثانية والعشرين والخامسة والعشرين، تربىّ في أسرة فقيرة ومفكّكة، من أبوين يفصله عنهما جيلان
على الأقلّ. انقطع عن الدراسة في سنّ السادسة من التعليم الابتدائي، ونسي ما تعلّمه. جاهل بالقوانين في أول
عهده بالقضاء، خبير خبرة عملية بمسالك التحايل عليه بعد فترة من الحياة السجنية. تماهى مزاجه وتشابهت
مفرداته بلغة «العنبر»، يرى نفسه دائامً ضحية وضع ما خارج عن إرادته، وغالبًا ما يرتبط هذا الوضع بتقصير
في سلامة الإجراءات العدلية. تساعد سرديات السجناء على الإمساك ببعض العناصر المشتركة فيهم لشدّة تشابهها، إهنّا تكاد تكون واحدة،
ويكفي أن تسمع واحدة منها حتّى تستخرج عناصرها البنائية. تلك سِيرهنّ تداخلت الواحدة بالأخرى،
فتصاهرت، لكثرة ما تداولنها في ما بينهن، تُشبعنها قيامً لتنتصر بها على خطر السجن وآثاره على أجهزتهن
العصبية. إنهن يخدّرن الأوجاع بالمشاعر كتدبير وقائي واستراتيجي ضد الضّعف. برشَنا هؤلاء مهمّشات،
مقتلَعات، تضجرهن العودة إلى الوراء، إلى حاضر الماضي فيجتهدن في قتله، ولا يستدعين منه إالّ ما يساعدهن
على النسيان، ويربكهن حاضر الحاضر، فتراهن يدرن حوله ليقاومن حرمانه من شروط الحياة الأوّلية ومن
الحقوق المدنية، وليدرّبن الذات على البقاء وسط الجحيم. أمّا حاضر المستقبل، وبمفردات القديس أوغسطين،
فانتظار يشوبه الغموض. وقد تضيء شمس الغد أنفاقهن كلّها. غير أن هذا العالم الصادي يهلكهن بأسواره
الشائكة ومفاتيحه الغليظة وأبوابه الشديدة القسوة لحظة إقفالها عليهن. إهنّن يرين شعار السّجن المهيب
المختلف، في بعض علاماته عن شعار الدولة فيرعبهن: أسَدان ومفتاحان من الحجم الكبير داخل ميزان. السّجين في نمطه المثالي شخص شاحب الوجه، منكمش، مرهق لشدّة الفراغ، ضيق حدّ الانفجار. وقلمّا
يكون قادرًا على التركيز والتفكير، أثقلَه ضيق المكان واتّساع الزّمان، يتثاقل في مشيته وفي حركته. ينتظر كلّ
شيء، شديد الحساسية، بل إنّه يعاني التهاباتها؛ نفس واسعة وجسد ضيق ومراقَب حتّى لم يعد يمتلكه تمامًا.
فلولا هذا الجسد لما كان في هذه «الحفرة». لذلك ينطلق في التنكيل بجسده حرقًا ووشامً وجرحًا وإضرابًا عن
الطعام، زيادة على شتّى أنواع الإهمال، والوشم أكثر قدرة على رسم معاناته: إنّه هنا تعبير ساخط بالجسد، إذ
هو كتابة جارحة بالنقاط. ومع كل نقطة، تنزف قطرة دم منه: دلفين وسلحفاة وغضب منفجر من قلب يخرج
على هيئة دبّ من لحم سجين، والياطر يرمز إلى الغرق، أو نقطة محاصرة من أربع جهات تشير إلى العزلة.
ولكنّه يلجأ في الوقت نفسه إلى تهدئة هذا الجسد، الذي أرهقه، يهدّئه بالسجائر والقهوة بحثًا عن النّسيان. أمّا
السجينة في نمطها المثالي، فنزقة هي أيضًا، متمرّسة على المكر والتّخفّي، لامعيارية في تمثّلها للعالم الخارجي،
39 إحصاءات الإدارة العامّة للسّجون والإصلاح للسجناء المودعين بحسب الجرائم والوضعية الجزائية أُقفلت بتاريخ 24 نيسان/
أبريل.2012
40 غُرفُ السّجنِالتي تنغلقُ على المساجين تسمّى عنابر في لغة ساكنيها.
شديدة الذّكاء، كثيرة الشّك، قاسية القلب، لامبالية برأي الناس فيها ليقينها أنها أ قصيت من الحياة العادية
وبشكل نهائي خلِ طأ ساهمت المصادفة في ارتكابه. ولكنّها لا تنسى أسرتها بل تظلّ مشدودة إليها، حتّى يكاد
ينحصر عند حدودها الكون. هذا السجين يقيم حربًا انفعالية على عدالة رمت به في غياهب السّجن في إثر جريمة لا دخل له فيها، بل ساقته
الأحوال إليها مصادفةً فيقاومها انفعاليًا: «طُحت (سقطت) عند قاض لا يرحم»، «لم يحالفني الحظّ ذلك اليوم»،
«لا أملك شيئًا أعطيه»، «لم أجد سندًا يشدّ أزري في محنتي»، «مسحوها فيّ». هذا هو السجين العادي المتوسط في
مدّة حكمه، يرمي بلواه على غيره في الغالب، طفل صغير داخل المجتمع، ينتزع مَتاَع غيره، يسرق، ويقتل، ثمّ لا
يقبل غير تفهّم فعلته وسامحَه. فالسكّين أفلتت من يده ولم يكن ينوي القتل. وإذا ما عوقب يُناور ويبكي، مسبّقًا
العاطفي على العقلاني، مثل طفل صغير في انحرافه. أمّا السجين لفترة وجيزة، وعائد، فمدمن على ما يقترف من
جرم إدمان مخدرات جرّاء مشكل ظلّ بلا حلّ فتراه يخرج من السّجن ليعود إليه، وبشكل لولبي. وأكثر ما يدمن
عليه السجين العائد لمدّة قصيرة المخدّرات والسرقة، والفجور إذا تعلّق الأمر بالنساء. وثمّة السجين بإضافة أداة
التعريف «ال». إنّه ذاك الذي «صفّى» و«توزّر» بعد مخاوف بلغت أقصاها. وحين يحصل على حكمه تَصْفَو
نفسيته ويلتفت إلى محيطه السّجني، ويبدأ تنظيم حياته هناك ببرمجتها بحسب زمن العقوبة الذي فرضته العدالة.
وشيئًا فشيئًا يصبح من «خبراء» السجن، فيتمتّع فيه برأس مال رمزي بعد أن يُمنح اعترافًا جماعيًا، فلكلّ عالم
رموزه وكباره. هكذا يعيش السجن في وسط المدّة وتنطلق المغامرة. وعند اقتراب مدّة نهايتها، بعد عشرين سنة
من السجن مثالً، تكثر مخاوف الخروج، فيدخل مرحلة جديدة يعدّ فيها استراتيجية العودة إلى مجتمع هجره منذ
أمد وانقطعت به السّبل.
سابعًا: ثقافة المنع وفنون التحايل
يتحول بعض السّجناء من «الموزّرين» بالتدريج إلى «خبراء» بالأحكام القضائية، بما يكتسبونه من معرفة عملية
واسعة، يعلّمونها للمبتدئين بالتّلقين. وضمن هذه المعرفة تدقيق في فصول القضايا، وطرق البحث فيها، وما يقال
في أثناء التّحقيق وما لا يُقال، وعدد الدوائر ومن يجلس فيها، وسلوك كلّ قاض وما تعوّد عليه من أحكام: «هذا
القاضي يعرف ريبّ، وذاك لا يعرف ريبّ»، هذا «يأكل » وهذا لا «يأكل ». وعند حضور السجين المبتدئ أمام
هيئة المحكمة يجد أن ما تلقّنه من «خبراء السجن» يتطابق بصورة مدهشة، في الغالب، مع ما شاهده بأمّ عينه.
الفصول جنحة و«دريبه» و«وزارة». من جيُرَى معه البحث في الابتدائي فحكمه خفيف. أمّا من يُبحث لدى
التّحقيق فسيُوزّر لا محالة. وحتُفظ الفصول وأحكامها فصالً فصالً في الأثناء وعن ظهر قلب، وخاصّة تلك التي
تتعلّق بالإعدام أو الأحكام الطويلة من قبيل الفصل 119 الذي يتوافق مع جريمة القتل العمد مع التّنكيل، وحُكمُه
الإعدام. وفي هذا الجدول بيان للقضية وفصلها وحكمها كما يبوبّها كبار المساجين أنفسهم:
41 توزّر بلغة السجناء تعني صارت قضيته قضية وزارة وعوقب عقابًا طويل المدة، وأضحت تشير في الاستعمال الاجتماعي التونسي إلى
الهلاك وإلى المصير السيئ، فيقال: «تحب توزّرني؟ على معنى تريد الإيقاع بي وهلاكي في السجن؟
42 الأكل هنا استعارة تونسية تعني الرشوة.
43 يحرص بعض المساجين على ذكر أسماء القضاة، ولكنّي أتجنّب دائما إدراج أي اسم ضمن بحثي هذا، إذ قد يكون الدّافع ردّة فعل على
حكم يراه السجين غير منصف. وبكلّ الصّور، فإنّ الأسماء لا تفيد في تطوير إشكالية البحث.
44 توافقها أحكام سجنية قصيرة. أمّا الوزارة، بلغة المساجين، فأحكامها طويلة.
45 هذا الجدول صاغه بعض المساجين القدامى وبعض العائدين. ولم يتم تغيير أي شيء ممّا ذكروه إلاّ الصياغة.
سلّم الأحكام كما يحفظها المساجين الأحكام
فصولها القانونية
القضية
| ى الأحكام | فصولها القانونية | القضية |
|---|---|---|
| مإىحن 10 إلى 20 سنة | 208 | القتل على وجه الخطأ |
| مإن مدى الحياة إلى الإعدام | 202 – 201 | السبق العمد مع سابقية القصد |
| ارىملإعدام | 201ا – 202 – 205 | االقتل العمد مع التنكيل |
| مرىمن خمس إلى عشر سنوات | 208 – 207 | الاعتداء بالعنف الشديد الناجم عنه موت عن غير قصد |
| مىن خمس إلى عشر سنوات | الفصل 119 | العنف الشديد الناجم عنه سقوط ممستمر مقداره ما فوق 21 في المئة |
| مىن 6 أشهر إلى سنة واحدة | -نم | املعنف المتبادل |
| مىن 20 إلى 25 سنة | بانين 205 و 208 | االمفاحشة |
| مرىنن 10 إلى 20 سنة | بين 205 و 208 | اررلاغتصاب |
| مىمن سنتين إلى عشر سنوات | - | شرجاء مصوغ مسروق |
| دريبه: المبتدئ من 4 إلى 6 أشهر العائد: من 4 أشهر إلى سنة ونصف | - | سرقات مجرّدة |
في بعض الحالات، تدفع المعرفة بخفايا القضاء إلى السيّر في دروبه الفرعية من دون الأصلية، ويصبح فيها كاتب
المحكمة حاسامً والشرطي سلطة. وعلى قدر الموانع وكثرة التّعقيد تكون مسالك التحيل. وبقدر ما تقلّ
الحواجز في العلاقة بالقضاء وتضعف منظومة المنع، تنكشف مسالك التّحيل وتتهاوى تقنيات المناورة. ومن
مسالك التحيل الإنكار بالنسبة إلى المبتدئ، ورمي المسؤولية على أعوان الأمن بالنّسبة إلى العائد. وهي مسالك
تؤتي أُكلها، إذ تجعل حاكم التّحقيق يهمل محاضر الشرطة العدلية ليعيدها بنفسه. ينسحب هذا أيضًا على عالم السجن؛ فبقدر الحواجز وعلى قدر المنع ينشط التهريب ويكثر استهلاك المخدّرات
والإدمان عليها داخله. لقد لوحظ يومًا في أحد السجون أن أعوان سجين يحملون معهم كلّ يوم ما يقارب الخمس
عشرة علبة «نسكافيه» يستهلكون واحدة منها وتختفي البقية. فتبنيّ عند التحقيق أهنّا محرّمة على المساجين، وأن
الأعوان يحملونها معهم لغرض التهريب. ولما أُّفسح المجال رسميًا لبيعها داخل السجن هوَتْ في لحظة واحدة
منظومة التحيل، وهو ما قد يعني أن علاقتنا بالمنع تحتاج إلى مراجعة. فبقدر إحكام الغلق وتكثيف المنع، يكون
الفتح. لقد كان منع بيع النسكافيه ظلامً، فقُوبل بالتّحيل. ومن مظاهر الظّلم كذلك المغالاة في الشدّة عند كلّ
محاولة اختراق للقواعد السجنية، كالفرار مثالً، فيقال إن «السّخطة عامّة والرحّمة خاصّة»، أي إن العقوبة تسري
على الجميع، أمّا الرحّمة فعلى فرد واحد. ينضاف إلى هذا إصرار على الحلول الأمنية، في بعض الحالات التي
تحتاج إلى حلول صحّية أو تربوية، من قبيل الإدمان على المخدّرات أو الخمر أو السرقة، وحتّى العُهرِ أيضًا. لقد
سُجنت لُبنى، التي لا تعرف عمرها على وجه التحديد، ثلاث عشرة مرّة من أجل السرقة والسُّكر، ومع ذلك
46 وقد يكون هذا ما قصدته إحدى السّجينات حين رأت في نفسها كفاءة تفوق كفاءَة المحامي.
لم تكف بعدُ عن إدمان الرسّقة والنّشل والسّكر. لبنى تقول إنها لم تفعل ذلك لا لأنّ السجن لم يقوّم سلوكها بل
لأن أمّها كفّت عن زيارتها ومدّ العون لها عند حبسها. ومنهنّ من تدخل السجن أربعين مرّة من أجل المراودة
بلا أمل في التوبة عن فعلها الإجرامي. وهذه المعاودة قد تكون أكبر دليل على فشل المنظومة العقابية الراهنة التي
لا ترى غير السّجن حلاّ للحدّ من الجريمة.
خاتمة
العدالة مرجوّة ومدانة. هكذا هم السجناء في تمثّلهم لها، ينشدونها قيمةً ويدينونها مؤسّسةً، وهم إذ يفعلون ذلك
إنمّا حيُاجّون نظامًا اجتماعيًا في وعيهم العميق؛ نظامًا لطالما عاشوا على تخومه. المشكلة، إذن، ليست مع العدالة في
العمق بل في وضع اجتماعي أقصاهم، فتشابكوا مع عدالة لم تفهمهم، بمعنى أنها لم تأخذ في حكمها بأوضاعهم.
والجور عندهم يأتي، في وجه من وجوهه، وفي ما يجمعون عليه، من التطبيق الحرفي لعدالة انحازت إلى هذا
النظام الاجتماعي الذي لم يجدوا فيه مكانًا. ولأنها عدالة منحازة، أي لا تأخذ بالظروف والأسباب، فإن السجين
الموقوف يناورها ويبحث عن مسالك للتحايل عليها من داخلها، أمّا المحكوم فقد سلّم أمره إليها. الموقوف لا يرى في العدالة غير قاض سيحكم عليه، بصرف النظر عن القوانين التي تحكمه؛ هذه القوانين لا
تعنيه إالّ بمقدار ما فيها من ثُغَر وفراغات قابلة للتأويل والمناورة. ومن المثير ملاحظة أن ما دعا إليه أرسطو
منذ ما يزيد على ثلاثة آلاف سنة من تعديل للعدالة بالإنصاف هو عينه ما يطلبه السجين اليوم حين يراها أخذًا
بالأسباب، وكأنّه يجادل فلاسفة السياسة في تعاليهم على واقع العدالة بحثًا عن مثُلها. العدالة في عيون السجناء وُضعت لتحكم بالسجن على الفقراء دون غيرهم، لكأنّ به إخفاء لعجز المجتمع
عن إدماج كلّ أفراده. ومتى ضاقت مساحة العدالة الاجتماعية والمساواة بين الطبقات، انتشرت السجون
وازدادت حاجة النظام السياسي والاجتماعي إليها. وإذا ما حاولنا البحث في علاقة السجن بمختلف الطبقات
الاجتماعية، لوقفنا عند معاينة لافتة للانتباه مفادها أن الطبقة الوسطى هي الأكثر تحصينًا من عالم السجن، تليها
طبقة الأغنياء. أمّا الطبقة الفقيرة، فهي الأكثر تزويدًا للسّجن بأهله. بعض الأغنياء قد تدفعه لامعياريته المالية إلى
الاستخفاف بالقانون والتّطاول عليه، أمّا الطبقة المتوسطة، ومنها القضاة ورجال التعليم والأطباء والمحامون،
فتبدو الأكثر تمسّكًا بالقانون والتزامًا به ورغبةً في التعاقد عليه. فالقانون محصَّن عندها ومحصِّن لها، وأمّا الفقراء
فتدفعهم أوضاعهم دفعًا إلى انتهاكه، فتراهم لا يقبلون أحكام العدالة الجزائية ولا يتحمّلون مسؤولية ما فعلوا
بل يناورونها، أو يبحثون لهم عن شريك في المجتمع، وغالبًا ما يكون هذا الرشّيك أبًا أو قاضيًا أو محيطًا اجتماعيًا،
فينادون بالإنصاف. وكم في السجن من معوّقين ذهنيًا أو نفسيًا أو عضويًا، وكم فيه من مشرّدين وبائسين وعجّز
كان يمكن دور للرّعاية الاجتماعية والنفسية والصحّية أن تؤويهم بدل مراقبتهم ومعاقبتهم. ولأن السجن إقصاء اجتماعي وسياسي في العمق، فقد اضطرّت السلطة إلى إخفائه بعيدًا من المدينة لتضعه في
تخومها وأطرافها، وعلى مسافة أميال منها، درءًا لضعفها وصونًا لتجلّيها ومظهرها، بإخفاء تناقضاتها وعناصر
فشلها في تحقيق العدالة الاجتماعية. وكلمّا عجزت هذه السلطة في ما هو اجتماعي، نشط الجزائي لتمتلئ السجون
بالمقصيين والمهمّشين والفقراء الذين نالوا حظّا قليالً من التعليم. العدالة قاهرة في الأصل، والسجين مجرم بطبيعته. هكذا يتمّ تبادل الاهتّام بينهما. فما كان للقاضي أن يودعه
السجن لو لم يكن قد ارتكب جُرمًا، وما كان للسجين أن ينال هذا المصير، فيعاني حكامً مجحفًا لو لم يكن القاضي
غير منصف، وسريعًا في حكمه. تنضاف إلى هذا شروط اجتماعية تتحمّل معه بعض الوزر؛ فالجريمة متقاسمة
عنده، مشتركة بين أطراف عدّة: أحوال تهيأتْ، وقاض حَكمَ، ومصادفة كانت مواتية، ومهمّش نفّذ. هكذا ينزع
السجين عنه ما علق به من صفة إجرامية ليرى نفسه ضحية العدالة والمجتمع. السجين صورتنا لأنه يكشف عامّ فينا من قدرة على أن نكون خَطِرين؛ نسخة منّا ولكنّها ذهبت إلى الأقصى في ردّة
فعل جرّته إليها تناقضات اجتماعية قاهرة، وظروف ما كان له أن يرتكب جرمه لولاها. وإذا ما كانت هذه هي
الدوافع الحقيقية في الغالب لارتكاب الجريمة، فإن السّجن، بما هو تقنية سياسية لمعاقبة الجسد، يبدو حالً هاربًا
من تحدّيات أخرى كالتنمية والتوزيع العادل للثروة والحقّ في المدرسة، فارًّا من الحلول الإصلاحية العميقة.
وقد تكون الدعوة إلى غلق السجون دعوة طوباوية وراديكالية، ومع ذلك يظلّ واقع الإقصاء قائامً مادامت
أسوار السجن لا ترتفع إالّ في وجه الفقراء والمقصيين لتنغلق عليهم، وهو مّا قد يدفع باجتّاه التفكير مجددًا لا في
تطوير العالم السّجني فحسب، بل في إيجاد حلول موازية له أيضًا: تنموية وصحية ووقائية، فبعض الأفعال التي
تُعتبر جرمية قد لا يحتاج إلى أكثر من موطن شغل يعفي فاعله من الرسّقة مثالً، وبعضها الآخر يمكن أن يجد في
المصّحة الحل الأنجع لأفعال من قبيل الإدمان الذي تمتلئ به أجنحة السجون في تونس. المصحّة تشفي والسجن
يعاقب. وليس في إدمانه ما يضير الحقّ العام أو الخاص. يتجنّب المجتمع، وهو يختار أن يعاقب الجسد بالغَلقِويُبعد السجن عن المدينة، إمعان النظر في قصوره والوقوف
عند مظاهر فشله على إدماج ضعفائه. والسجين يعي ذلك حين لا يجد حوله من يقاسمه قرّ السجن شتاءً وحرّه
صيفًا وظلمته في الأوقات كلها، سوى أمثاله من المهمّشين، فيكفر بالعدل والعدالة ويتوعّد، سرًّا أو علنًا، بالثأر
لنفسه من مجتمع تخىلّ عنه وعدالة لم تجد لديها متّسعًا من الوقت حتّى لسماعه. هكذا تبدو المعضلة، في وجه من
وجوهها، معضلة تواصل بين السجين والعدالة، ولذلك تُبنى تمثلّاته لها على هذا النحو من القتامة. وتتورّط
إدارة السجن هي أيضًا في هذه النظرة القاصرة للسجين حين لا ترى فيه إالّ مجرمًا قد يحتاج في أحسن الحالات
إلى رعاية نفسية. أمّا الرعاية الاجتماعية، فمغيَّبة من الاهتمام، بل إنها ترى في الضغط الاجتماعي شكالً من
أشكال العقاب الرشّعي والحرمان من الحقوق المدنية لمجرم مفرّغٍ من لقاء مع محيطه الاجتماعي. الرعاية النفسية
إدانة للسجين، والرعاية الاجتماعية، إن تمّت، ستكون اعترافًا المجتمع ومعه عدالته بالمسؤولية والتقصير. إن تاريخ العقوبة في تونس وما فيه من حيف قد جعلا مخيال الناس بشأن العدالة يتماثل مع ما يحملونه عن
السلطات السياسية المتتابعة من قهر، بدءًا من عهد البايات، مرورًا بالاستعمار الفرنسي الغاشم، وصوالً إلى
مرحلة الاستبداد الأخيرة التي عرفها حكم بن علي. فالعدالة جائرة بقدر ما تكون السلطة السياسية جائرة في
مجتمع يتحدّد إيقاع القضاء فيه بإرادة غير قضائية. لذلك كان «السّجن للرّجال» في التمثّل الاجتماعي التونسي،
أي إنه شرف لا يناله إالّ من كان رجالً. وهي عبارة أُطلقت على المساجين الذين قاوموا الاحتلال الفرنسي
وعُمّمت بعد ذلك على غيرهم. وقبل ذلك رُمي بقائد ثورة القبائل في الظهير التونسي سنة 1864 في السّجن
حتّى قضى، وامتلأت السجون التونسية في العشريتين الأخيرتين بالمعارضين لنظام بن علي وبكلّ من رفض
الامتثال لجور حكمه وفساده حتّى انتهى إلى ما انتهى إليه هاربًا من «ثورة شعبية» أطاحته: «والظّلم مؤذن
بخراب العمران... وعائدة الخراب في العمران على الدولة بالفساد والانتقاض.»
47 أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، المقدمة: تاريخ العلامة ابن خلدون: كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم
والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، 2 ج (تونس: الدار التونسية للنشر؛ الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 1984)، ج 1،
ص.348
تقوم عدالة السجن على مفارقة مفادها إعادة الإدماج بالإقصاء؛ فالسّجن، من هذه الوجهة، إصلاح وتأهيل
بالغلق والإبعاد عن الحياة العادية والأسرية. هذه بداهة السجن، غير أنها لا تصل إلى قناعة السجين الذي لا
يرى فيها إالّ لفظ المجتمع له وتخلّيه عنه، بصرف النظر عامّ اقترفه من جرم، حتّى وإن كان قتالً. وقد لا يكون
الحلّ في غلق السّجون واعتبارها إحدى عورات المجتمع، وإنمّا في إنشاء مؤسّسات اجتماعية يتواصل من خلالها
السّجين مع محيطه، وينزل فيها القاضي من عليائه ليستمع إلى حكم السجين عليه، فيتواصل معه ويفهم منطقه.
وعلى المجتمع إعادة التفكير في معنى العقوبة وكيفياتها باجتّاه المحافظة على آدمية السجين وكرامته. وآدميته
تكمن أواّلً في اجتماعيته وتواصله مع حياته الأسرية. فالمجرم ليس مجرمًا بالطّبع، كما ذهبت إلى ذلك المدرسة
الوضعية الإيطالية منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، حين اهتمّت بالخصائص العضوية للمجرمين.
ومتى عومل السجين معاملة المجرم الموصوم اتّسم سلوكه بنزعة انفلاتية، متمرّدة، غير قابلة للرقابة التنظيمية
المؤسساتية، وخلَق أشكاالً من التحايل والمناورة تجهلها المؤسسة العقابية والسجنية. وكلمّا ضاق الخناق على
السجين، ابتدع له أساليب جديدة من التخفّي والمراوغة والتعويض، وهي من إفرازات الحياة السجنية، كالقدرة
على مخاتلة القانون بالقانون، والرشوة والمخدّرات واللّواط. هكذا بدا السجين التونسي هذه الأيام متطاوالً على عدالة يراها غير منصفة، جريئًا جرأة استمد بعض عناصر
قوتّها من ثورة أطاحت النظام السياسي القائم في تونس وطردت رئيسه، وها هي الآن تحكم عليه بالسجن
المؤبّد. والثورة الكبرى عند نيتشه أن يتطاول العبيد والدهّماء على أسياد ليسوا أسيادًا، وأن لا يعتقد قليل
الذّكاء في القدّيسين وفي أصحاب الفضائل الكبرى، وأن لا تعتقد الطبقة الدّنيا في الطبقة الحاكمة، ولا تعتقد
النساء في تفوّق الرجال عليهن. تلك هي الثورة عند نيتشه، وها إن السجين التونسي، على الأقل كما بدا في هذا
البحث الميداني من داخل السجون التونسية، يفكّ السّحر عن العدالة ويعرّفها بالضّد في الغالب. ولعلّنا بحاجة ماسّة اليوم، بما أن الأمر على ما هو عليه، إلى إعادة النظر في أشكال «المراقبة والمعاقبة»، وفي
تصوّر مورفولوجية السجن بما هو مؤسّسة عقابية، كالتخيلّ عن طابعها المشتمل، البانوبتي panoptique) (. هذا
الطّابع يقوم على وجود برج مرتفع في الوسط تحيط به زنزانات مكشوفة تساعد على المراقبة والتحكّم، فتشتمل
داخله بنظرة واحدة. ومن الأفكار الممكنة التي قد حتُدث ثورة في السجون، لو تمّت، تحويلها إلى أحياء سكنية
تمارس فيه الحياة بشكل شبه طبيعي ولكنّه مغلق. فالنظرة البانوبتية التي تقوم عليها السجون لا ترى إالّ الخارج،
البرّاني، أمّا الدّاخل، ومنه نفسية السّجين وتمثلّاته، فبعيدة من الإدراك ضمن هذا التصوّر الفوقي، المتعالي. وكم
يحتاج بعض سجون اليوم إلى أن يصبح مستشفيات ومؤسسات للدفاع الاجتماعي ولخلق حياة جديدة لا تنفي
العقوبة ولكنّها تجدّد الأمل والحياة بشكل مختلف. العدالةُ الاستقامة، هكذا رآها الجرجاني، وهكذا تراها المؤسسة السجنية، ولكنها عمليًا تنتج ضدّها، أي
غير الاعتدال على معنى الشّطط. كذلك يتمثّلها السّجين ويتوعّدها، وهذا كنزعة سائدة، فيهدّد بالميل إلى ضدّها
واحتراف الجريمة عند خروجه من السجن لأنّه يستوفي حقّه منه من دون أن يوفّر له حقّه في العيش الكريم
داخله وخارجه. أفلا نحتاج، إذن، بما أن الوضع على ما هو عليه، إلى إعادة النظر في أشكال المراقبة والمعاقبة،
وإلى مراجعة منظومة المنع في الثقافة العربية؟
48 Friedrich Nietzsche, La Volonté de puissance, p. 97.
49 علي بن محمد الجرجاني، كتاب التعريفات، تحقيق غوستاف فلوغل (ليبزيغ: فوغل، 1845[])، ص.152
المراجع
-1 العربية كتب ابن خلدون، أبو زيد عبد الرحمن بن محمد. المقدمة: تاريخ العلامة ابن خلدون: كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر
في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر. 2 ج. تونس: الدار التونسية
للنشر؛ الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب،.1984 الجرجاني، علي بن محمد. كتاب التعريفات. تحقيق غوستاف فلوغل. ليبزيغ: فوغل،.]1845[رولز، جون. العدالة كإنصاف: إعادة صياغة. ترجمة حيدر حاج إسماعيل؛ مراجعة ربيع شلهوب. بيروت:
المنظمة العربية للترجمة،.2009 قبّاني، نزار. يوميات امرأة لامبالية: شعر. ط 17. بيروت: منشورات نزار قبّاني،.1999 أطروحة نرصّ، سامي. «سوسيولوجيا العود: دراسة سوسيولوجية لظاهرة العود داخل المؤسّسة السّجنية وخارجها.»
(أطروحة دكتوراه، كلّية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس،.)2008-2007
-2 الأجنبية
Balzac, Honoré de. La Maison Nucingen. Paris: Houssiaux, 1855. (Études de moeurs; 3. Oeuvres complètes de H. de Balzac; 11. Scènes de la vie parisienne; t. 3. Comédie humaine; pt. 1) Balzac, Honoré de. Oeuvres complete. 24 vols. Paris: Calmann Lévy, 18751892-. Droit, Roger-Pol. Michel Foucault, entretiens. Paris: O. Jacob, 2004. Foucault, Michel. Surveiller et punir: Naissance de la prison. [Paris]: Gallimard, 1971. (Bibliothèque des histoires) Goffman, Erving. Asiles; études sur la condition sociale des malades mentaux et autres reclus. Trad. de Liliane et Claude Lainé; Présentation, index et notes de Robert Castel. Paris: Editions de minuit, 1968. (Le Sens commun) Larguèche, Abdelhamid et Dalenda Larguèche. Marginales en terre d’Islam. Tunis: Cérès productions, 2000. Molière. L’Avare. Tunis: Cérès éditions, 1994. (La Petite bibliothèque scolaire; 22) Nietzsche, Friedrich. La Volonté de puissance. Rousseau, Jean-Jacques. Du Contrat social., Livre 2, chapitre 6. Paris: éd. Garnier Flammarion,
Ricoeur, Paul. Le Juste. Weber, Max. L’Éthique protestante et l’esprit du capitalism. Traduits de l›allemand par Jacques Chavy. Paris: Plon, 1905; 1920. (Recherches en sciences humaines; 17)
العدد 5 - المجلد الثاني - صيف 2013
المحور:
ما العدالة في السياق العربي المعاصر؟
• مداخلة بشأن العدالة: سؤال في السياق العربي المعاصر • العدل في حدود دِيونْطولوجيا عربيّة جدلية العدالة والحريّة في ضوء الثورات العربية (الديمقراطية باعتبارها عدالة القرن الحادي والعشرين) • العدالة أولا: من وعي التغيير إلى تغيير الوعي العدالة في وضع استثنائي: ملاحظات في مآزقها الدُّوَليّة العدالة بوصفها اعترافًا: دراسة مفهومية أوّلية
دراسات من المكتبة مناقشات ومراجعات تقارير