العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الثورة السورية الوطنية وتنامي القومية العربية/ مايكل برفنس

الثورة السورية الوطنية وتنامي القومية العربية/ مايكل برفنس

نيروز ساتيك*

الملخّص

الكتاب : الثورة السورية الوطنية وتنامي القومية العربية الكاتب : مايكل برفنس ترجمة : وسام دودار مكان النشر : بيروت الناشر : دار قدمس تاريخ النشر: 2013 عدد الصفحات: 340

الكلمات المفتاحية:
  • الثورة السورية
  • سلطان باشا الأطرش
  • الاستعمار الفرنسي
  • الهوية السورية
  • جبل حوران
  • الريف السوري

الكتاب: الثورة السورية الوطنية وتنامي القومية العربية الكاتب: مايكل برفنس ترجمة: وسام دودار مكان النشر: بيروت الناشر: دار قدمس تاريخ النشر: 2013 عدد الصفحات 340:

تندرج السياسات الاستعمارية

الفرنسية في المشرق العربي ضمن

أيديولوجيات أوروبية التمركز في رؤية التاريخ،

تقوم على مقاربة الظاهرة القومية كحالة تحمل

في طياتها النموذج التاريخي الأوروبي،

يطبقها الاستعمار بشكل طائفي في المجتمعات

المُستعمَرة. ولذلك كان لا بد لسلطات

الاحتلال الفرنسي أن تُعّرف الثورة السورية

الكبرى 1925 على أنها انتفاضة طائفية، حرض

1 تيموثي ميتشل، دراستان حول التراث والحداثة، ترجمة بشير

السباعي (القاهرة: دار ميريت، ط 1،.)2006

عليها الإقطاعيون الدروز المتضررون من

السياسات الاقتصادية، وتستهدف المسيحيين

بشكل خاص. يتصدى الباحث مايكل برفنس (M.

Provence) لسرد رواية الثورة السورية من

جديد، مفندًا التأويلات الكولونيالية وبعض

الكتابات العربية التي تناولتها ضمن السياق

الاستعماري ذاته. والجديد الذي يحمله هذا

الكتاب عن الأدبيات السابقة هو أنه لا يكتفي

بالتحليل الاقتصادي والاجتماعي للثورة، وإنما

يناقش الهوية العربية السورية من خلالها أيضًا.

الأهمية والمنهجية

يعتمد الباحث في تأريخه على سرد الحوادث

والوقائع بشكل مُفَصل ودقيق، منطلقًا من

وجهة نظر كثير من المؤرخين مؤداها ضرورة

كتابة التاريخ بما يقترب من السرد الروائي حتى

لا تطمس سرديات صغيرة طمستها السردية

الكبرى. ولذلك يعتمد الباحث في مصادره

خلال روايته للثورة السورية على عدد ضخم من

المحفوظات الدبلوماسية الفرنسية من السجل

الوثائقي الكامل للاحتلال الفرنسي لسورية

ولبنان. وهي المحفوظات التي قدمت صورة

مباشرة عن يوميات الاحتلال لاحتوائها على

السجلات اليومية لمقاومة الاستعمار، إضافة

إلى المذكرات الشخصية لبعض قادة الثورة. أما

الصحافة، فقد شكلت آخر المصادر، وخاصة

صحيفة المقتبسالسورية الرائجة في تلك الفترة

مع بعض الصحف الأجنبية. يرتكز الكتاب أيضًا على كثير من الدراسات

والكتب المتعلقة بالتاريخ السوري، أهمهما كتاب

حنا بطاطو عن طبقة الفلاحين السوريين،

وكتاب فيليب خوري سوريا والانتداب الفرنسي

– سياسة القومية العربية 1945-1920.

ويعنى، على غرار الكتابين السابقين، بدراسة

ظاهرة القومية العربية السورية، ولكنه يركز على

دراستها في الريف السوري، وبالتحديد في منطقة

جبل حوران خلال الثورة السورية، ويعتبر ذلك

من أهم الإضافات التي يقدمها الكتاب عن

الأدبيات السورية التي اهتمت بدراستها في المدن

والنخب المدينية، خاصة مع ندرة الكتابات التي

2 Hanna Batatu, Syria’s Peasantry: The descendants of its Lesser Rural Notable and their Politics (Princeton, N.J.: Princeton University Press).

3 فيليب خوري، سوريا والانتداب الفرنسي 1945-1920

(بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية،.)1997

تتناول طبيعة العلاقة بين الريف والمدينة في سورية

والظاهرة القومية في الريف السوري. على درب المفكر الهندي بارثا تشاترجي، يجد

الباحث أن الثورة السورية سمحت للسوريين

بالحفاظ على ذواتهم الاجتماعية والثقافية المختلفة،

ولكنها ساعدتهم في النهاية على تخيّل أنفسهم كأمة

واحدة (ص 52 و 273) من خلال النظرة السلبية

تجاه المُستعمِر. ولكن الغائب على الأقل عند مايكل

برفنس هو جوهر دور مسألة «السيادة» في مراحل

تشكّل الدولة – الأمة.

التطورات الاجتماعية في جبل حوران

في مقدمة الكتاب، يبنيّ الباحث أن التغيرات

الاقتصادية والاجتماعية في العقود العثمانية الأخيرة

دفعت إلى التوسع في التجارة في المناطق الريفية في

مجال الزراعة، والتوسع في التعليم العثماني ليشمل

الشباب المنحدرين من خلفيات متواضعة نسبيًا.

4 يمكن الرجوع إلى أهمية مسألة السيادة في تشكّل القوميات

إلى أوموت أوزكيريملي، نظريات القومية مقدمة نقدية، ترجمة

معين الإمام (بيروت/الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة

السياسات، ط 2013،1)، أو إلى عزمي بشارة، في المسألة العربية

مقدمة لبيان ديمقراطي عربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة

العربية، ط 2،.)2010

يستند الباحث مايكل برفنس في إثبات فرضيته الأساسية إلى

المدارس المهتمة بدراسة أصول القوميات والتأثيرات الاستعمارية

في تشكيل الهويات الوطنية في الدول الناشئة ما بعد الحقبة

الكولونيالية. إن من يرصد التطورات السياسية والاجتماعية

والتاريخية في سورية، وخاصة بخلفياتها الاجتماعية، يجد أن هذه

الفرضية قد لا تصمد أمام انتقادات باحثي العلوم الاجتماعية

والمختصين بدراسة قضايا الهوية والقوميات. ومما قد يغيب عن

مايكل برفنس خلال مناقشته تشكُّل الجماعة القومية في سورية

خلال الثورة هو «تفكك الجماعة المحلية بفعل الهجرة من الريف

إلى المدينة والجماعة المهنية الحرفية في المدينة بفعل تطورات سياسية

وحروب دينية وتطور الصناعة الرأسمالية». انظر: عزمي بشارة

في تقديمه لكتاب الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية

وانتشارها ل بندكت أندرسون: ترجمة ثائر ديب (بيروت؛

دمشق: دار قدمس، 2009)، ص 33، وهو ما يطرح حتى يومنا

هذا تساؤلات كثيرة عن الهوية السورية.

ولذلك سنجد أن نخب قيادات الثورة تلقت

تعليمها في المدارس الحكومية في أواخر القرن

التاسع عشر، ضمن السياسات العثمانية الهادفة إلى

إنشاء طبقة مثقفة تتبع ثقافيًا للسلطنة العثمانية على

المستويين المديني والريفي، وذلك لضمان استمرار

ولاء النخب المدينية، واحتواء قيادات المستقبل من

أبناء زعماء ووجهاء الأرياف والعشائر، وخاصة

في المدارس العسكرية. كانت المدرسة العسكرية

الثانوية في دمشق مقصدًا لأبناء تلك الطبقات،

وتسنّت لاحقًا لمن يستطيع تحمّل تكلفة الالتحاق

بالأكاديمية العسكرية للإمبراطورية العثمانية، بينما

كان أبناء الطبقات الغنية يقصدون المدرسة المدنية

المعروفة محليًا باسم «مكتب عنبر». يبحث مايكل برفنس في الفصل الثانيالأوضاع

الاقتصادية والاجتماعية في منطقة حوران السورية

والعلاقات التجارية بين وجهاء حوران وتجار

دمشق. ويحاول في هذا التحليل أن يرد على

ادعاءات السلطات الفرنسية القائلة إن المقاومة

المسلحة هي تمرد مدعوم من الإقطاعية الدرزية

المعترضة على إصلاحات حكومة الانتداب؛ إذ

يذكر أن سورية تعرضت في تلك الفترة لسنوات

عدة من الجفاف وتراجعت المحاصيل الزراعية،

وزادت السلطات المحلية الأعباء الضريبية على

كاهل المزارعين. كما خضعت الليرة السورية

للفرنك الفرنسي وانخفضت قيمتها، وهو ما

زاد في حجم التضخم حتى أن التجار طالبوا

السلطات المحلية باستعمال الليرة الذهبية العثمانية.

وعلى الرغم من أن الظروف العامة لم تؤشر إلى

اندلاع انتفاضة ضد الاستعمار الفرنسي، فإن فرض

الحكم العسكري المباشر وسوء المعاملة أذكيا لدى

السوريين الحس الوطني ومناهضة الاحتلال. يشرح الباحث كيف تشكّلت قرى حوران التي

رسم حدودها نزاع أو تعاون البنى الاجتماعية

التقليدية الطائفية والبدوية. وتبقى صيرورة

تطور الوقائع الاجتماعية للقرية مستمرة حتى

تظهر وجاهة في القرية قادرة على القيادة وجذب

المهاجرين من الشباب والتمثيل في الخارج.

وتشكِّل قوة السلاح الأساس الفعلي للسلطة

المحلية في إطار المجتمع من خلال قدرتها على صد

غارات البدو، والتفاوض مع الحكومة والتجار

والقرى الأخرى والبدو المحليين. وبعد أن كان

الدروز على هوامش المناطق الخاضعة لسيطرة

البدو والفلاحين، ازداد عددهم بشكل كبير

مع الهجرات الدرزية التي تلت حوادث العنف

الطائفي في جبل لبنان سنة 1860، إضافة إلى

عوامل أخرى، وتحولوا إلى أسياد الجبل وحوران.

وقد عرف المهاجرون أهمية التصدير من خلال

خبرتهم في مجال تصدير الحرير في جبل لبنان،

وهو ما لم يكن متاحًا في جبل حوران، فاتجهوا

إلى تصدير القمح بعد أن تكيفوا وتعلموا من

جيرانهم الفلاحين الأصليين إنبات قمح حوران

الأصلي. ومع التوسع في تصدير القمح، برزت

عائلة رئيسة جديدة في صدارة جبل حوران

هي آل الأطرش التي تمكنت، بزعامة إسماعيل

الأطرش، من إخضاع البدو المحليين، وبسطت

سيطرتها على الجبل إداريًا واقتصاديًا بالقوة.

وكانت دمشق وبيروت وحيفا مقصدًا لتصدير

تلك المنتجات الزراعية. وبالتالي، أقام مشايخ آل

الأطرش علاقات تجارية مع التجار من العائلات

الدمشقية البارزة حديثًا والتي لم تخدم بيروقراطيًا

في الدولة العثمانية – ومن هذه الأُسر المهايني

وسكر المسلمتان، وعفلق وشويري المسيحيتان-

ولم ينسجوا علاقات عمل مع العائلات التجارية

البارزة. ويوضح برفنس سبب ذلك بأن من

يسميهم «النبلاء الدمشقيين» استشعروا خطر

الهيمنة الدرزية على جبل حوران لامتلاكهم الثروة

وتبوُّئهم المناصب البيروقراطية منذ العهد العثماني. لقد أثمرت هذه العلاقات التجارية إدماج دروز

حوران في الحياة الدمشقية الثقافية والسياسية.

وخلال الثورة العربية الكبرى سنة 1916،

انقسم وجهاء آل الأطرش في الموقف منها، وقد

أمد الزعماء المؤيدون لها، وخاصة سلطان باشا

الأطرش، الجيش العربي بالقمح والخبز بينما

رفضوا بيعه للجيش العثماني، إضافة إلى إمداده

بعناصر مقاتلة من جبل حوران.

انتفاضة الأرياف

يخصص الكاتب الفصل الثالثلمناقشة إرهاصات

الثورة السورية الكبرى، ويوضح أن المقاومة

المحلية المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي بدأت

في الأرياف السورية متقطعة بقيادة المدينة منذ

الأيام الأولى للاحتلال. واستوحت القومية

العربية السورية جزئيًا فيها من محاربي الجيش

القدامى في حكومة فيصل، ومن ذاكرة النضال

ضد العثمانيين والوشيك ضد الفرنسيين. ولكنها

كانت معزولة مناطقيًا بعضها عن بعض. ووقّعت

حكومة الانتداب مع بعض مشايخ الدروز ما

سمّته «ميثاق استقلال الدروز» سنة 1922،

وهو ينصّ على انتخاب مجلس وحاكم درزي

تحت الإشراف العسكري الفرنسي، ولكنه لم يحظ

بإجماع شعبي في الجبل. وفي سنة 1925 قدم 29

زعيامً محليًا في جبل حوران التماسًا لعضو في مجلس

الشيوخ الفرنسي للاستجابة لرغبات ومطالب

الأمة السورية جمعاء، وجاء في الالتماس أن جبل

الدروز جزء لا يتجزأ من سورية من خلال اللغة

المشتركة والقومية الواحدة والمصالح الاقتصادية

المشتركة، الأمر الذي يوضح الوعي الوطني لهذه

النخبة المحلية وقدرتها على الربط بين المطالب

الوطنية والخصوصية المناطقية على حد سواء. وفي

السنة ذاتها، شكلت النخبة السياسية ذاتها، بمن

فيها أبرز شخصياتها سلطان باشا الأطرش، ما

سمّته «الجمعية الوطنية» لرفع قائمة من المطالب

إلى المجلس المحلي في السويداء. وقد قادت هذه

الجمعية أبرز أشكال النشاط السياسي في مرحلة

ما قبل الثورة، يسردها الباحث بالتفصيل. ومن

ثم ينتقل إلى نقل وقائع التنظيم استعدادًا للمقاومة

المسلحة وانتفاضة حوران. ويذكر أن الثوار

استوحوا من ذاكرتهم الانتفاضات المحلية ضد

العثمانيين وقلدوا أشكالها. كما استخدموا خطابًا

يتبنّى لغة الخصوصية الدرزية ومسألة الشرف

الدرزي لإقناع أهالي القرى بالانضمام إليهم. بدأ بعدها الثوار أعمالهم العسكرية، وأسقطوا

خلالها طائرة استطلاع فرنسية. وانضم إليهم

القرويون وعشائر بدوية (الساردية والسلوط)

كانت تعيش على الأطراف الزراعية للجبل. ويشير

الكاتب إلى أن لا الثوار ولا السلطات الاستعمارية

كانوا يدركون جدية الانتفاضة في تلك الفترة؛ إذ

لم يكن هدف الثوار أكثر من تحرير المعتقلين، ولم

ينظر إليها الفرنسيون على أنها أكثر من اضطرابات

محلية. ولكن دخول الثوار مدينة السويداء

ومحاصرة القلعة لمدة شهرين، وقصف الطائرات

الفرنسية لمحيط المدينة، إضافة إلى انتصار الثوار في

معركة الكفر، كل ذلك جذب إلى الانتفاضة زعماء

الدروز المترددين في دخول الثورة، وأصبح الجبل

بأكمله في حالة حرب. اتهمت السلطات الاستعمارية الدروز بالسلب

والنهب، وصبغت الثورة بالطابع الطائفي حتى

أنها اتهمت مختار قرية خربا المسيحية الأرثوذكسية

عقلة الطامي المؤيد للثورة بأنه ابن غير شرعي

لمحمود شبلي الأطرش، وبالتالي هو من الطائفة

الدرزية وابن عم سلطان باشا الأطرش. كما قامت

بتسليح القرى المسيحية، وخاصة البابوية منها، مما

فاقم التوترات الطائفية. وعلى الرغم من معاناة

القرى المسيحية على أيدي الثوار، فإن أساليب

القمع الاستعماري للقرى الثائرة والمسيحية

منها كانت أكثر عنفًا، وهو ما يعني أن الانقسام

الطائفي لم يكن إلا أكذوبة كان جوهرها تبرير

الاستعمار بعد أن نصبت فرنسا نفسها على أنها

حامية ل «مسيحيي الشرق».

اتصال الريف بالمدينة وسياسة الثورة

يناقش الباحث في الفصل الرابعموضوع «تعبئة

المدينة»، وكيف التحقت العاصمة دمشق

بالثورة، ويوضح أن النخبة الدمشقية انقسمت

بين النبلاء الذين يدعون إلى التفاوض والتهدئة

والنخبة المنحدرة من خلفيات تجارية وعسكرية

تدعم التحرك العسكري. وعلى الرغم من ذلك،

استطاع الزعماء الوطنيون بث الحياة في حركة

لم يستطيعوا السيطرة عليها. وبرز من النخبة

الثورية الدمشقية أعضاء حزب الشعب الذين

رسخوا روابط سرية مع أصحاب الفكر القومي

من الدروز في الريف الجنوبي. ويصف التحاق

دمشق بالثورة بأنه اتحاد غير مسبوق بين الريف

والمدينة في سورية. ويُعتبر الالتماس السالف

الذكر المقدم من وجهاء حوران أنه يمثّل وحدة

الريف مع المدينة كوحدة بين طرفين متساويين

ترتكز على العلاقات التجارية. أدى عجز فرنسا عن إنزال هزيمة بالثوار في

السويداء إلى البحث عن حلول سلمية عن طريق

مفاوضات سلام. وبدأت المفاوضات بشأن تبادل

السجناء والأسرى، وتكللت بالنجاح في 14 آب/

أغسطس في قرية أم ولد في حوران، ولكنها أخفقت

في توفير أوضاع تحقق مطالب كلا الطرفين، بمعنى

إنهاء الانتفاضة. وقد مثل ذلك المرحلة النهائية من

عملية انتقال من التمرد المحلي إلى التمرد الوطني.

وبينما كان الدروز مشغولين في هذه المفاوضات،

كان القوميون الدمشقيون يتفاوضون في ما بينهم

حول دور دمشق في الانتفاضة. ولكن ظهور

المقاومة المسلحة في دمشق وما حولها دفع بالنخب

الوطنية الدمشقية القومية إلى اللحاق بها بدالً من

قيادتها على المستوى الوطني. وفي الفصل الخامس، يسرد الباحث آلية انتشار

الثورة من السويداء إلى المدن الأخرى. ويوضح

أن كثيرًا من النساء الدمشقيات، وخاصة زوجة

القيادي في حزب الشعب عبد الرحمن الشهبندر،

نظّمن عددًا كبيرًا من الفعاليات المؤيدة للثورة،

منتقدات فيها فقدان الشجاعة بين رجال دمشق

وفشل التجار في إغلاق أسواقهم بشكل كامل.

كما زار قادة الثورة العسكريون القرى في الجنوب

لطلب الدعم العسكري وتجنيد المقاتلين وتوزيع

البيانات التي تحض على الوحدة الوطنية. وعلى

الرغم من وطنية تلك الدعوات والبيانات، فإنها

لم تلقَ إجماعًا كليًا في جنوب سورية، وخاصة

لدى الشركس، بسبب سوء العلاقات التاريخية

مع الدروز منذ أيام الحكم العثماني. كما قاوم

بعض مشايخ قرى مسلمة ومسيحية في حوران

الانتفاضة، وساعد البعض منهم الفرنسيين من

دون تعريض أنفسهم وقراهم لانتقام الثوار.

ولكن المكوّن القومي للانتفاضة وعدم مشروعية

حكم الانتداب استطاعا فرض نفسيهما في

الثورة السورية. يسرد الباحث تفصيلات مجرى العمليات

العسكرية في السويداء، والمحاولات العملية

لتكوين مقاومة مسلحة في دمشق ضد الاحتلال.

وعلى الرغم من مرور أشهر على الإضراب في

دمشق، واجه الدروز الحملة الفرنسية وحدهم،

وفشل القوميون الدمشقيون في مساعدة أهالي

السويداء، وهو ما مكّن الفرنسيين من احتلال

السويداء مرة أخرى، فانسحب الثوار إلى القرى

النائية وأُرسلت عائلاتهم عبر الحدود إلى شرق

الأردن. أما في مدينة حماه، فقد شكل عدد من

الضباط السابقين والزعماء الدينيين حزبًا محليًا هو

«حزب الله» لمقاومة الاحتلال. حمل اسم الحزب

طابعًا دينيًا على الرغم من توجهاته القومية، وذلك

من أجل كسب دعم المؤسسة الدينية في المدينة

ذات الطابع المحافظ. وقاد الحزبَ ضابط منشق

عن الفيلق الفرنسي- السوري فوزي القاوقجي

الذي اتصل بزعامات «حزب الشعب» في دمشق

وعرض عليهم الاتحاد بين الحزبين والتنسيق

في شأن المقاومة المسلحة ضد الاحتلال. وينقل

الباحث عن مذكرات القاوقجي أن استجابة

القوميين الدمشقيين كانت ضعيفة ومترددة، بينما لم

يلق القاوقجي هذه التحفظات من الثوار الدروز

في الجنوب. وعزا الباحث ذلك إلى التوجس

الدمشقي حيال الطابع الإسلامي المحافظ لأهالي

مدينة حماه. وقد اعتمد القاوقجي في مدينة حماه

على إقامة تحالفات وصداقات مع المؤسسات

الدينية والبدو المحليين والتجار، مع تأييد شعبي

واسع للثوار، وهو ما مكن الثوار من تحرير مدينة

حماه بمساعدة من بدو قبيلة الموالي غير النظاميين.

وردّت القوات الفرنسية بقصف عنيف للمدينة،

ولكن الباحث اعتبر أن العنصر الحاسم في إنهاء

الثورة في حماه يعود إلى دور الأُسر الكبيرة في

حماه، من مالّك الأراضي، إذ ضغطت على الثوار

للخروج من المدينة في مقابل وقف القصف

الفرنسي وإعفاء وجهاء المدينة من المسؤولية. لم يحُل حجب السلطات الاستعمارية للأخبار في

مدينة حماه دون أن يبادر الثوار إلى تشكيل كتائب

عسكرية من جميع أنحاء سورية؛ إذ برزت منها

كتائب ريف دمشق: فرقة حسن الخراط في الغوطة

الشرقية وفرقة الإخوة عكاش في وادي نهر بردى.

ويكشف الباحث عن ممارسات غير وطنية للثوار،

من نهب وقطع طرق وقتل، ولكن الأهالي صفحوا

لهم تلك الممارسات نظرًا إلى دورهم الوطني في

مقاومة الاحتلال. عندما ازداد الضغط على القوات الفرنسية داخل

دمشق، كان الرد العسكري كثيفًا ووحشيًا،

جرى خلاله حرق عدد كبير من القرى، وتنفيذ

أعمال إعدام ميدانية في حق مئات الفلاحين في

حقولهم وبساتينهم، إضافة إلى إعدام عشرات

الشباب في ساحة المرجة وترك جثثهم مشوهة.

وفي اليوم التالي، ظهرت جثث مشوهة لاثني

عشر جنديًا شركسيًا خارج باب شرقي عند

البوابة الشرقية للمدينة القديمة ومدخلها من

ناحية الغوطة الشرقية. وقرر الثوار دخول مدينة

دمشق والسيطرة على قلعتها من خلال مجموعتين

هما فرقة حسن الخراط وفرقة أخرى مؤلفة من

الدروز ورجال من الغوطة وحي الميدان. وقد

دخل الثوار حي الشاغور في 18 تشرين الأول/

أكتوبر، وحينها هتف الأهالي «وصل بنو معروف»

بحماسة على الرغم من أن الثوار كانوا من مختلف

أنحاء سورية، وكان فيهم البدو. ويذكر الباحث

أن قسامً من الثوار عمد إلى قتل لاجئين أرمن في

مخيم القدم بتهمة أنهم شاركوا كقوات غير نظامية

في نهب العديد من قرى الغوطة الشرقية. استطاع الثوار السيطرة على كامل أرجاء المدينة

من دون مقاومة جدية ما خلا القصف العشوائي

بأسلحة العربات المصفحة. كما حمى الثوار الأحياء

المسيحية من محاولات عمليات النهب والسرقة.

أما القوات الفرنسية، فقد سحبت من بقي من

جنودها، وعمدت إلى توسيع القصف من دون

سابق إنذار، الأمر الذي أسفر عن مقتل 1500

شخص، وتسوية أحياء كاملة بالأرض. فانسحب

الثوار من المدينة بعد يومين من السيطرة عليها،

وسارع وجهاء دمشق إلى حكومة الاحتلال من

أجل وقف القصف، ولكنها اشترطت غرامة

مالية كبيرة و 3000 بندقية، ونفى خلالها الوجهاء

مسؤوليتهم عن الثورة، وتوقف القصف في

24 أكتوبر/ تشرين الأول، ساد بعدها جو

من الخلافات بين قادة الثورة في دمشق حول

التسرع في دخول دمشق وتحريرها ب 250 رجالً

فقط، وعدم انتظار قوات المساندة من السويداء

للمشاركة في الهجوم. يكشف الباحث في الفصل السادسعن سرديات

في السجلات الفرنسية كتبها السوريون تتحدث

عن الأمة العربية السورية، على الرغم من الجدل

والنقاش بشأن قضايا المجتمع العضوي والهوية

الإسلامية، ولكنها جميعها اتفقت على العضوية

المشتركة في المجتمع السوري. تجسدت هذه

الهوية مع وصول الثوار من السويداء للقتال في

دمشق وتنظيم الثورة المسلحة في ريف دمشق

لتضم مختلف أطياف المجتمعات المحلية في دمشق

وريفها. واشترك في هذه المعركة، إضافة إلى

الدروز، ضباط سابقون ومجموعات مختلطة من

قطّاع طرق ومهمشين وشباب مدنيين وقرويي

الغوطة ومتدينين شعبيين وبدو محليين وأكراد. يذكر الباحث أن قرى ريف دمشق كانت تُقصف

- أول مرة في تاريخها- بشكل يومي بالمدفعية

والطائرات، وهو ما اضطر أهلها إلى النزوح

عنها. ولكن التهم والجرائم الفظيعة وجِّهت إلى

الميليشيات المحلية من اللاجئين الأرمن والشركس

والأكراد والقوات الاستعمارية الفرنسية من شمال

أفريقيا وشرقها.

الهوية السورية

في الخاتمة، يعتبر الكاتب أن الثورة أثبتت لسلطة

الانتداب أنها في حاجة إلى النخب الحضرية

السورية. ولذلك تفاهمت السلطة مع النخب

من أصحاب الأملاك لم يكن بينهم أعضاء من

الريف والجيش، على خلاف قادة الثورة ونخبها.

وقد ساعد على ذلك سحق التمرد وهزيمة

الثورة ونفي زعمائها إلى خارج سورية. ويستنتج

الباحث أن الثورة السورية كانت حركة شعبية

سياسية مستوحاة جزئيًا من تطور مفاهيم متغيرة

للمجتمع الوطني. وقد شكلت قطيعة حاسمة مع النخب التقليدية لدمشق في مقابل اجتذاب قادتها من صفوف المشايخ الريفيين والضباط العسكريين المسرّحين من الخدمة، وزعماء القرى والأحياء من

غير عائلات أصحاب الأملاك، مع مساعدة فئة من الطبقة الصاعدة من عائلات التجار حي الميدان. وقد مثّلت الثورة السورية حافزًا لتشكيل المفاهيم

الشعبية للهوية العربية السورية، ولكنها بقيت خاضعة للظروف المحلية؛ فعندما حمل المتمردون والثوار مفاهيم المجتمع المتخيّل، تصوروا أنه

يخصهم وحدهم، وقد عرفوه بعلاقة سلبية تجاه المستعمر. وبما أن المفاهيم الجديدة للهوية كانت ذاتية التاريخ والثقافة، فإنها اختلفت من مكان إلى آخر باندماجها مع تواريخهم المحلية المختلفة. ولذلك يجادل الباحث بأن من الممكن «إيجاد مجمل الهوية الوطنية من دون الفكرة الوحدوية». يرى الباحث أن القاسم المشترك بين الثوار هو مفهوم العضوية التي يمكن أن تتوسع في أوقات الأزمات وتهمش الخلافات بين أعضاء المجتمع الواحد. ويصل في نهاية الكتاب إلى النتيجة التالية، وهي أن على الرغم من فشل الثورة السورية في نهاية الأمر،

فإنها أثّرت بشكل دائم في جذب المناطق المتباينة بعضها إلى بعض، وأحدثت التكامل بين الريف والمدينة «تحت فكرة الأمة العربية السورية وبشكل دائم، إذ سمحت للسوريين بتخيل أنفسهم كأمة واحدة». يُعَدّ الكتاب مرجعًا جيدًا وجديدًا بشأن الثورة

السورية الكبرى يضاف إلى مكتبتها البحثية، ولا بد لأي باحث من الرجوع إليه، لما يقدمه من جديد يتعلق بنقاش قضايا المجتمع السوري وتحليلها. لكن يعاب على الكتاب ركاكة أساليب الترجمة والصياغة والتحرير.