المراقبة وتشكيل الحيّز العام في الإمبراطورية العثمانية
Surveillance and the Formation of the Public Sphere in the Ottoman Empire
الملخّص
«كان تاريخ الصراع السياسي، في الجزء الأكبر منه، تاريخ محاولات للسيطرة على مواقع التجمع المهمة وعلى فضاءات الخطاب السياسي». بيتر ستاليبراس وآلون وايت
Abstract
This paper stresses that surveillance played a key role in re-conceptualizing politics and the public sphere in the Ottoman Empire. Kirli maintains that notions of “public” and “public opinion” were formed through a series of governmental practices that redefined politics in the second quarter of the 19th century. In doing so, the author resists employing conventional antagonistic conceptualizations of state and society and reductive notions of public and public opinion as merely sociological referents that emerged despite and against the state. Kirli details how public and public opinion were engineered by way of two examples. First, he traces the shifts in public opinion that coincided with the establishment of surveillance, using a set of informant reports generated by the Ottoman government in the 1840s. Second, he highlights the symbolic, though consequential, meaning of an unprecedented practice in courtly behavior (i.e., the sultan's public appearance). These new surveillance practices reflected a new form of governing based on the notion that the population is not a vague entity, but one that is knowable. Making the population legible was at once a process of inscription that required a reconfiguration of power relations, and an inevitable opening up of a new space for communication between the ruler and the ruled. This paper seeks to demonstrate that the formation of the public sphere and the surveillance of the population were inextricably linked.
- حيز عام
- رأي عام
- تجسس
- آليات المراقبة
- إمبراطورية عثمانية
- Ottoman Empire
- Public Space
- Surveillance Mechanisms
- Public Opinion
- Spying Reports
- Political Presence
«كان تاريخ الصراع السياسي، في الجزء الأكبر منه،
تاريخ محاولات للسيطرة على مواقع التجمع المهمة
وعلى فضاءات الخطاب السياسي». بيتر ستاليبراس وآلون وايت
سياسة الانتهاك وشاعريته *** تشدد هذه الورقة على أن المراقبة كانت منعطفًا أساسًا في عملية صوغ مفهوم جديد في
السياسة، ولدى إعادة تعريف الحيّز العام. وبدالً من توظيف مفاهيم عدائية تقليدية للدولة
وللمجتمع، ومن فهم الجمهور والرأي العام باعتبارهما مجرّد مرجعيات سوسيولوجية
ظهرت على الرغم من الدولة وضدها، فإنني سأجادل بأن «الجمهور» و«الرأي العام»
تشكّلا في سلسلة من الممارسات الحكومية التي أعادت تعريف السياسة في الربع الثاني من
القرن التاسع عشر.
يتناول المقال بالتفصيل عملية تشكّل الجمهور والرأي العام عبر مثالين. أوالً، يتتبع حالة
التغيير التي طرأت على الرأي العام وحدثت بالتزامن مع إنشاء المراقبة، وذلك باستخدام
مجموعة من تقارير التجسس التي وضعتها الحكومة العثمانية في أربعينيات القرن التاسع
عشر. ويسلط ثانيًا الضوء على المعنى الرمزي والمهم للممارسة غير المسبوقة في السلوك
المتملّق، أي بكلمة أخرى، في الظهور السياسي العام للسلطان العثماني.
لقد عكست ممارسات الرقابة الجديدة حاكميةً جديدة تقوم على فكرة أن السكان ليسوا
جسامً كليًا، بل هم كيان يمكن معرفته. وفي ضوء ذلك، لا بد من النظر إلى محاولة جعل
الرعية مفهومة. غير أن عملية جعل الشعب مدرَكًا أصبحت فورًا عملية معالجة احتاجت
إلى إعادة تشكيل علاقات السلطة، وربما الأهم من ذلك، إلى فتح بصورة حتمية حيّز
جديد من التواصل بين الحاكم والمحكوم. سعت هذه الورقة الى إثبات أن تشكيل العامة
ومراقبتهم يرتبطان بعضهما ببعض ارتباطًا وثيقًا.
Cengiz Kirli, “Surveillance and Constituting the Public in the Ottoman Empire,” in: Seteney " في ** ظهر المقال فصالً
Shami, ed., Publics, Politics and Participation: Locating the Public Sphere in the Middle East and North Africa (New York: Social Science Research Council, 2009), pp. 177-203.
ننشر المقال في اللغة العربية بإذن من الكاتب ومن مجلس بحوث العلوم الاجتماعية.
***Peter Stallybrass and Allon White, The Politics and Poetics of Transgression (London: Methuen, 1986), p. 80.
مقدّمة
قليلة هي المفاهيم التي جرى استخدامها في العقد الماضي بطريقة عابرة للتخصّصات، أكثر
مما استُخدم مفهوم الحيّز العام. فقد بدأنا نعتاد على الاستعمال الشائع لمصطلح «العام» حين
الحديث عن الشعب، و«الحيّز العام» حين التطرّق إلى المجتمع. فقد انتقد المؤرخ الكندي هارولد ماه
H. Mah()، في تحليل ثاقب وملائم، تبنّي التأريخ الأوروبي الحديث مفهوم الحيّز العام، معتبرًا إياه
«خياالً». ففي حين يلفت إلى التناقض بين سعي المؤرخين الاجتماعيين مؤخرًا إلى الاعتراف بهويات
مختلفة وإلى تمثيل مصالحها المتفاوتة في الحيّز العام من جهة، وبين الأوضاع الأساسية للحيّز العام المثالي
لدى الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس J. Habermas()، والذي تتخلى فيه المجموعات المتباينة عن
ميزاتها الخاصة، لتنتمي إلى الجماعة من جهة أخرى، يشير ماه إلى وجود «عدم استقرار لا مفر منه» في تمثيل
الحيّز العام الكوني لهابرماس الذي يستند إلى نظام فردية مجرّدة. غير أنني أرى، لأسباب مختلفة نوعًا ما، أن التمسّك بمفهوم الحيّز العام في تأريخ الشرق الأوسط
(وفي غيره من التأريخات غير الغربية أيضًا) يرتبط بالمتخيّل السياسي، وبتصوِّر يَعِدُ المفهومُ بتوفيره.
وقد اضطلعتْ ميزتان محدّدتان وردتا في تعريف هابرماس للحيّز العام، بدور أساس في الجاذبية التي تمتّع
بها هذا المفهوم مؤخرًا. أوالً، لم يكن واضحًا، في استخدام هابرماس الأصلي للمصطلح، إن كان الحيّز
العام واقعًا تاريخيًا قائامً بالفعل، أو أنه مثال معياري. ففي سياق تأكيده الخصوصية التاريخية للحيّز العام
في أوروبا الغربية، رأى هابرماس أن الحيّز العام لا يمكن «نقله، أو تعميمه مثاليًا، إلى أي من الحالات
التاريخية التي تمثل رسميًا تشكيلات مماثلة». ومع ذلك، فكما لاحظ كثير من المعلّقين، فإن الحيّز العام
الذي برزت فيه نقاشات عامة عقلانية، هو أيضًا مثال معياري. فهو لم يتحقق في الواقع على الإطلاق في
الشكل الذي حدّده هابرماس، وتبدّل في القرن التاسع عشر، مع اختفاء الأوضاع التي مهّدت لظهوره
قبل قرن من الزمن. وردّ هابرماس على هذا الالتباس في أعماله اللاحقة بالتشديد على الطابع المعياري
للمجال العام، ب «استخدام هذا المفهوم في ما يتعلق بالمواطنة والشرعية الديمقراطية». وكما أشار
جيف إيلي G. Eley()، «يشير الحيّز العام في الخطاب المعاصر إلى السعي العام إلى الحكم الديمقراطي، في
عصر تراجعت فيه المشاركة الانتخابية، وعمّت فيه السيادات المنقوصة، وسادت فيه مواطنة محبطة خائبة
الأمل». وفي حين أن كماًّ كبيرًا من الأبحاث التي تستخدم الحيّز العام لدى هابرماس، يتأرجح بين هذين
الطرفين (المثال المعياري والواقع التاريخي)، ينبثق الحافز في التأريخ غير الغربي لاعتماد المفهوم إلى حد كبير
1 يتقدم الكاتب بالشكر الى شيرين حمادة لمساهمتها القيّمة.
2 Harold Mah, “Phantasies of the Public Sphere: Rethinking the Habermas of Historians,” Journal of Modern History , vol. 72, no. 1 (March 2000), pp. 153-182.
3 المصدر نفسه، ص.169
4 Keith Michael Baker, “Defining the Public Sphere in Eighteenth-Century France: Variations on a Theme by Habermas,” in: Craig Calhoun, ed., Habermas and the Public Sphere , Studies in Contemporary German Social Thought (Cambridge, Mass.: MIT Press, 1992), pp. 182-183. 5 Jürgen Habermas, The Structural Transformation of the Public Sphere: An Inquiry into a Category of Bourgeois Society , Translated by Thomas Burger with the Assistance of Frederick Lawrence, Studies in Contemporary German Social Thought (Cambridge, Mass.: MIT Press, 1989), p. xvii. 6 Geoff Eley, “Politics, Culture, and the Public Sphere,” Positions: East Asia Cultures Critique , vol. 10, no. 1 (Spring 2002), p. 224.
7 المصدر نفسه، ص.224
من جاذبيته المعيارية. فكما اعتُمد مصطلح المجتمع المدني، ولا سيما في أوروبا الشرقية في ثمانينيات القرن
الماضي، باعتباره ممثالً للديمقراطية، استخدم مفهوم الحيّز العام في التسعينيات بشكل متزايد في الشرق
الأوسط وغيره من التأريخات غير الغربية لتحقيق مثل عليا معيارية مماثلة. وتكمن السمة الثانية المهمة في تعريف هابرماس للمجال العام، في تصوّر مجتمع (مدني) منفصل عن الدولة
– مفهوم للدولة والمجتمع باعتبارهما مجالنيْ متمايزيْن على طرفيْ نقيض من بعضهما. وقد ساهم التقيّد الصارم
بهذا التعارض الثنائي في تعزيز التشديد على تعريف الحيّز العام بوصفه مثاالً معياريًا في التأريخات غير
الغربية. ووفقًا لهذا التصوّر، لم تستطع المجتمعات المدنية والمجالات العامة خارج أوروبا الغربية أن تتطور
نظرًا إلى خضوعها لنير تقاليد الدولة المستبدّة و/ أو بسبب الثقافة السياسية الخاضعة التي تحول دون مقاومة
المجتمعات لتلك الدول القمعية، ودون تطوير «خطاب عقلاني نقدي». ويتم تقديم المكوّن الأساس للثقافة
السياسية المذعنة بمصطلحات ماهوية - الإسلام في الشرق الأوسط، على سبيل المثال. إذا كان الحيّز العام بوصفه واقعًا قائامً هو خيال في التأريخ الأوروبي، فإن حتى تحقيقه الجزئي هو خيال في
الراهن غير الغربي. مؤخّرًا، أصبح غياب الحيّز العام مجرّد بند آخر في تاريخ الغيابات التي تميّز التأريخات
غير الغربية، ووسيلة أخرى لتأكيد الحجج البالية في مقاربات التحديث، من خلال التركيز على الزمانيات
المختلفة التي يشغلها كلٌّ من الشرق والغرب المزعومين. أمّا المصطلحات التي شاعت في خمسينيات القرن
الماضي، مثل «القادمين المتأخرين» و«المتأخرين في النمو»، واستعملت حينها لتسليط الضوء على غياب
«المؤسسات الضرورية القادرة على تفادي الانزلاق نحو الشمولية السياسية وكبحها، والتي تستطيع تحويل
الزمانية الكمية إلى فارق نوعي»، فاستُبدلت مؤخرًا بعبارات مثل «الحداثات البديلة» أو «الحداثات
بأثر رجعي». ونحن نشهد الآن ظاهرة مماثلة في دراسات تتناول مناطق غير غربية مع الاستخدام
المتنامي لمصطلحات بلاغية مثل «ظهور» الحيّز العام أو «تطوّره» لتوكيد زمانية أخرى.
Jean L. Cohen and Andrew Arato, Civil Society and Political Theory , Studies in Contemporary German انظر: 8
Social thought (Cambridge, Mass.: MIT Press, 1992); Ernesto Laclau and Chantal Mouffe, Hegemony and Socialist Strategy: Towards a Radical Democratic Politics , Translated by Winston Moore and Paul Cammack (London: Verso, 1985), and John Keane, ed.: Civil Society and the State: New European Perspectives (London; New York: Verso, 1988), and Democracy and Civil Society: On the Predicaments of European Socialism, the Prospects for Democracy, and the Problem of Controlling Social and Political Power (London; New York: Verso, 1988). For a Critique, See: Ellen Meiksins Wood, “The Uses and Abuses of ‘Civil Society’,” in: Socialist Register: The Retreat of the Intellectuals (London: Merlin Press, 1990), pp. 60-84.
9 يستحيل تقديم اقتباس مستفيض هنا، لكن انظر على سبيل المثال في ما يخص الشرق الأوسط:
Armando Salvatore and Dale F. Eickelman, eds., Public Islam and the Common Good , Social, Economic, and Political Studies of the Middle East and Asia; v. 95 (Leiden; Boston: Brill, 2004). وللصين، انظر: R. Bin Wong, “Great Expectations: The ‘Public Sphere’ and the Search for Modern Times in Chinese
History,” Chugokushi gakku = Studies in Chinese History , vol. 3 (October 1993), pp. 7-50, and Philip C. C. Huang: “The Paradigmatic Crisis in Chinese Studies: Paradoxes in Social and Economic History,” Modern China , vol. 17, no. 3 (July 1991), pp. 299-341, and “Public Sphere/Civil Society in China?: The Third Realm between State and Society,” Modern China , vol. 19, no. 2: Symposium: “Public Sphere”/”Civil Society” in China? Paradigmatic Issues in Chinese Studies, III (April 1993). وأما بالنسبة إلى اليابان، انظر: , vol. 10, no. 1 (Spring 2002) Positions: East Asia Cultures Critique.
10 Harry Harootunian, Overcome by Modernity: History, Culture, and Community in Interwar Japan (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2000), p. xii.
11 بدلا من ذلك، يقترح هاروتونيان مصطلح الحداثة « المتزامنة» الذي يشير إلى التزامن، انظر: المصدر نفسه، ص xvi.
12 يبدو أن هذه الجاذبية المعيارية المرتبطة بجدول أعمال ثابت يسعى إلى التوسع الديمقراطي ونشر المواطنة في الشرق الأوسط،
هي التي وّفرت التمويل لكثير من المؤتمرات وورش العمل الدولية والمنشورات بشأن الحيّز العام.
وقد أدى هذا البرنامج المعياري القوي إلى نزعتين في تأريخ الشرق الأوسط. أولا، أصبح المصطلح داالً
غير ملزم يجري تبنّيه «حيثما اجتمع الناس معًا لتبادل جمْعي للرأي والتعبير عنه»، وهو ما يجعل النقاش
التحليلي والمركّز صعبًا، إن لم يكن مستحيلاً. وما يُعتبر مثاالً صارخًا على هذا الالتباس حقيقة أنه أصبح
من الممكن الآن الجمعُ بين دراسة تتناول مقاهي القرن السادس عشر في اسطنبول وأخرى موضوعها
الانتفاضة في فلسطين المعاصرة بالرجوع إلى الإطار النظري نفسه لمفهوم الحيّز العام. وبما أن دراسات
المناطق حُدّدت في أغلب الأحيان بتوجّه جغرافي فضفاض، بدالً من تركيز تخصصي، فلا غرابة إذًا أن
يطاول الالتباس مفهوم الحيّز العام. ثانيًا، في حين أن مجموعة كبيرة من الدراسات الأكاديمية تبرشّ ب «ظهور» الحيّز العام في الشرق الأوسط
أو تتوقع «تطوّره»، ثمة ميل أيضًا إلى تبنّي مسار في الاتجاه الآخر: السمة المميزة لما يمكن أن يُطلق عليه
التأريخات الدفاعية، هو الادعاء بأن الحيّز العام كان موجودًا بالفعل في الشرق الأوسط، حتى قبل ظهوره
في أوروبا في القرن الثامن عشر. فقد كان للمقاهي والمساجد والمحافل الصوفية، والحمامات وغيرها من
الأماكن العامة التي يتجمع فيها الناس، جميع مكوّنات الحيّز العام قبل ظهور أماكن عامة مماثلة في أوروبا،
أو هكذا يقال. فبوصفه متغيرًا ل«القومية الثقافية» التي يتوافر لدينا منها كثير من الأمثلة، والتي
سبقت بفترة طويلة ملاءمة مفهوم الحيّز العام، كان هذا الرد الدفاعي عنصرًا مألوفًا جدًا في تأريخ الشرق
الأوسط. وكما لو أن الداعي هو شعور بالخزي إزاء أوروبا الحديثة، فما هو [أي الرد] إالّ مجرّد محاولة لتبرير
الغيابات الواضحة بتدخلات في الماضي. إن هذه الورقة غير معنية بظهور الحيّز العام ضد الدولة أو تطوّره، كما أنها لا تحاول أن تشارك في النقاش
بشأن وجود الحيّز العام في الشرق الأوسط العثماني في القرن التاسع عشر أو انعدامه. ولكنها بدالً من
توظيف مفاهيم عدائية تقليدية للدولة وللمجتمع، ومن فهم الجمهور والرأي العام باعتبارهما مجرّد
مرجعيات سوسيولوجية ظهرت على الرغم من الدولة وضدها، فإنني سأجادل بأن «الجمهور» و«الرأي
العام» تشكّلا في سلسلة من الممارسات الحكومية التي أعادت تعريف السياسة في الربع الثاني من القرن
التاسع عشر. فعلى الرغم من أن مصطلح الرأي العام efkar-i umumi() لم يكن مكوّنًا واضحًا في
المعجم السياسي العثماني قبل ستينيات القرن التاسع عشر، فإنني سأصر على أنه برز بوصفه عنصرًا جديدًا
في السياسة ومصدرًا ضمنيًا لشرعية الحكومة العثمانية منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر فصاعدًا. فكان
تشكّل الجمهور وتأويل رأيه بوصفه مصدرًا للسلطة، عمليتين مترابطتين ارتباطًا وثيقًا بتغيير «حاكمية»
الدولة العثمانية، وهما عمليتان استهدفتا السكان بصورة رئيسة. ولتحقيق هذه الغاية، تنوعت الوسائل
13 Eley, p. 224. 14 Sami Zubaida, “The Public and the Private in Islamic Law and Society,” (Aga Khan University), on the Web: <http:// www.aku.edu/ismc/privpub-post.shtml> (Accessed on 2 August 2005). Keith Michael Baker, Inventing the French Revolution: Essays on French Political Culture in the Eighteenth 15 انظر:
Century , Ideas in Context (Cambridge, [England]; New York: Cambridge University Press, 1990), pp. 171 – 172.
لقد ترك تقويم بيكر (خصوصًا الفصل الثامن) ل «العامة» و«الرأي العام» بوصفهما مفهومين سياسيين وأيديولوجيين، عميق الأثر في
صوغ هذه الحجة. ولكني أختلف عن بيكر بأنني أشدد أكثر على استراتيجيات الحوكمة الحديثة.
16 Michel Foucault, “Governmentality,” in: Graham Burchell, Colin Gordon and Peter Miller, eds., The Foucault Effect: Studies in Governmentality, with Two Lectures and an Interview with Michel Foucault (Chicago: University of Chicago Press, 1991), and Mitchell Dean, Governmentality: Power and Rule in Modern Society (London; Thousand Oaks, Calif.: Sage Publications, 1999).
السياسية التي استُخدمت، بدءًا من التشريع، مرورًا بفرض الضرائب، ومن المنظمات المؤسسية وانتهاء
بالممارسات الاحتفالية. وفي الواقع، يقدّم إلينا الربع الثاني من القرن التاسع عشر أدلة وفيرة لاقتفاء أثر
هذه التغيرات في وضع الحكم العثماني، والتغييرات التي ميزت القطيعة بين «القديم» و«الحديث» ومُهرت
رسميًا بإصلاحات «التنظيمات» Tanzimat() المعروفة التي بدأت في سنة.1839 أجادل هنا بأن مراقبة السكان هي التي تشكّل أساس هذه القطيعة. ويمكن تعريف المراقبة بصورة عامة
ب «جمع المعلومات ودمجها لأغراض إدارية». وهو مفهوم جديد للمجتمع ككيان يمكن معرفته، كما
أنه يشير إلى بعض الممارسات الإدارية، كالمسوحات والتسجيلات ورسم خطط مفصّلة للناس وللأشياء
لأغراض مالية وسياسية تجعل المجتمع يبدو مدرَكًا أو مفهومًا. وليس المقصود بالمراقبة مجرد السيطرة
الاجتماعية، على الرغم من أن هذا المأرب جزء لا يتجزأ من ذلك لأنه يحدد المقاومة. ولكنها تأسيسية أيضًا،
إذ إن المراقبة تقدّم وسيلة تتيح للدولة التصرف بناء عليها، وتسمح لها بقولبة السكان وإدارتهم. بعبارة
أخرى، لا تتبنّى هذه الورقة تأكيد الطابع «غير السياسي» الذي يميّز المراقبة كما وردت في الأدبيات -
قوة تأديبية شاملة لا تدع للسكان المحكومين صوتًا، وهو ما يجعل الدراسات التي تتناول الحيّز العام تنفر
منها- وتشدد على أن المراقبة كانت منعطفًا أساسًا في عملية صوغ مفهوم جديد في السياسة، ولدى إعادة
تعريف الحيّز العام. وسأتناول بالتفصيل عملية تشكّل الجمهور والرأي العام عبر مثالين. أولا، سأتتبع
حالة التغيير التي طرأت على الرأي العام التي حدثت بالتزامن مع إنشاء المراقبة، وذلك باستخدام مجموعة
من تقارير التجسس التي وضعتها الحكومة العثمانية في أربعينيات القرن التاسع عشر. وسأسلّط ثانيًا
الضوء على المعنى الرمزي والمهم للممارسة غير المسبوقة في السلوك المتملّق، أي بكلمة أخرى، في الظهور
السياسي العام للسلطان العثماني.
أولا: الاستماع إلى العامة
في سنة 1840، انخرطت الحكومة العثمانية في نشاط مكثف للتنصت على محادثات الناس، فبدأ المخبرون
المتمركزون في الأماكن العامة، وحتى في المنازل الخاصة وغرف الفنادق في العاصمة اسطنبول، بالتنصت
على المحادثات العادية التي كانت تتناول الحوادث الجارية وتدوينها، ووضعوا عددًا كبيرًا من التقارير،
17 خصوصًا بشأن مسائل القانون والضرائب، انظر: Constituting Modernity: Private Property in the Huri İ slamoğlu, ed.:
East and West , Islamic Mediterranean; 5 (London; New York: I. B. Tauris, 2004), esp. chaps. 1 and 9, and “Property as a Contested Domain: A Reevaluation of the Ottoman Land Code of 1858,” in: Roger Owen, ed., New Perspectives on Property and Land in the Middle East , with Contributions by Martin Bunton [et al.], Harvard Middle Eastern Monographs; 34 (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 2000). 18 Anthony Giddens, A Contemporary Critique of Historical Materialism , 2 vols. (Berkeley: University of California Press, 1981-1985), vol. 2: The Nation-State and Violence , p. 46. 19 عن سهولة الفهم أو الإدراك، انظر: Seeing Like a State: How Certain Schemes to Improve the Human James C. Scott,
Condition Have Failed , Yale Agrarian Studies. Yale ISPS Series (New Haven: Yale University Press, 1998). 20 عن المراقبة، بوصفها ممارسة تأسيسية، انظر::Information Is the Alpha and Omega of Our Work Peter Holquist, “
Bolshevik Surveillance in Its Pan-European Context,” Journal of Modern History, vol. 69, no. 3 (September 1997), pp.
21 بالنسبة إلى السمة «غير السياسية» لمفهوم فوكو للمراقبة، انظر: Towards a Political Economy of Legal and , “ slamoğlu Huri I ̇
Administrative Constitutions of Individual Property,” in: I ̇ slamoğlu, ed., Constituting Modernity , p. 10.
الموجودة حاليًا في الأرشيف العثماني في اسطنبول. وتنوعت موضوعات المحادثات التي دوّنوها في
تلك التقارير، ولكن معظمها تناول التعليقات السياسية بالمعنى الأوسع للمصطلح: تعليقات على التمرّد
المندلع في شمال أفريقيا ومنطقة البلقان، ونظام الضرائب الجديد، وفساد كبار المسؤولين، والقوى العظمى
الأوروبية... إلخ.، وغيرها من الموضوعات السياسية. وكان المخبرون يقدّمون تقاريرهم إلى رؤسائهم
الذين كانوا يرسلونها فور ورودها إلى رئيس الشرطة، وكانت تصل في نهاية المطاف إلى السلطان. وفي
حين أن التقارير كانت تقتصر بالكامل على المحادثات المسجّلة في العاصمة اسطنبول، فمن الواضح أن
المخبرين كانوا يولون اهتمامًا خاصًا بمن قدموا للتو من المحافظات، وانشغلوا بموضوعات تناولت
مخالفات أراضي الأقاليم، وتسجيل الدخل، أو فساد جباة الضرائب، والحكام، والوجهاء المحليين.
وبالتالي، لم تقتصر ممارسة التنصت على العاصمة، على الرغم من استحالة تأكيد أن جميع السكان كانوا
يخضعون في الحقيقة للمراقبة. لقد سجّل المخبرون بقدر كبير من الدقة هوية الأشخاص الذين كانوا يتنصتون على محادثاتهم والموقع
الذي جرت فيه المحادثة. وبالإضافة إلى أسماء الاشخاص ومهنهم، وأماكن إقامتهم، جرى تدوين السكن
المؤقت بتأنٍلأولئك الذين قدموا من المحافظات. ولم تكن التقارير مجرّد روايات تلخّص مزاج الجمهور
بناء على انطباعات المخبرين، بل تضمنت أيضًا تسجيالً حرفيًّا لتعبيرات فردية موجزة أعاد المخبرون
صوغها، حتى أن بعضها تم تدوينه في شكل حوار. ولكن بعد سنة 1843، بدأ المخبرون يسجلون
التاريخ والوقت بالضبط لكل كلمة أُدرجت في تقرير، وهو ما جعل تقاريرهم تتسم بمستوى أكبر من
التفصيلات. لم يكن المخبرون مسؤولين أمنيين سرييّن، بل كانوا أفرادًا عاديين تم تجنيدهم من طرف السكان المحليين،
الرعايا العثمانيين والأجانب على حد سواء. وضمنت هذه الاستراتيجيا إمكانية اختراق المخبرين
بشكل فعال لطبقات المجتمع من دون أن يُكتشفوا، وحمت عملية التنصت على المحادثات التي جرت في
عشرات اللغات، وهي اللغات التي كانت رائجة على نطاق واسع في مدينة اسطنبول الكوزموبوليتانية.
وكان المخبر في كثير من الحالات يعرف شخصيًا الأفراد الذين كان يتنصت على محادثاتهم. كما أنه لم يكن
مجرد مستمع جيد، بل كان يتصرف مثل مستطلع عصري للرأي، فكان في بعض الأحيان مشاركًا نشطًا
يطرح أسئلة إيحائية - ولم يكن يتردد في إدراج هذه الأخيرة في تقريره. ولم يكن الغرض الرئيس من هذه المراقبة اتهام الجناة بسبب تعليقاتهم السياسية، بل كانت تهدف إلى
استطلاع الرأي العام ليس إالّ. ولذلك، لم تقتصر هذه التقارير على تقارير الشرطة التقليدية التي كانت
تميل عادة إلى إبراز عنصر التحريض على الفتنة والعصيان بهدف الإدانة ومن ثم العقاب؛ إذ ليس هناك من
22 لمعالجة تفصيلية لهذه التقارير بتركيز مختلف، انظر: Cengiz Kirli, “Coffeehouses: Public Opinion in the Nineteenth Century
Ottoman Empire,” in: Salvatore and Eickelman, eds., Public Islam and the Common Good.
صنّفت أغلبية هذه التقارير ضمن فئة Iradeler (الإرادات)، وبعضها تحت Cevdet (جودت) في محفوظات ديوان الصدر
Ottoman Achives of the Office of the Prime Minister (Başbakanlık Osmanlı الأعظم العثماني (رئيس الوزراء) أي
Arşivleri). ومن أجل اقتباسات كاملة للتقارير، انظر: المصدر المذكور.
23 تكشف سجلات مكافآت المخبرين بوضوح أنه كان يوجد فارق في المبالغ التي كانت تدفع للرعايا العثمانيين وتلك التي كان
يتقاضاها الرعايا الأجانب؛ إذ كان الأجانب يتقاضون مبالغ أكبر من الرعايا العثمانيين. مثال على هذه السجلات، انظر محفوظات الصدر
الأعظم: Cevdet-Askeri: nos. 3618, 4584 and 8066.
24 كُتبت جميع التقارير باللغة التركية، ولكن في بعض الحالات ذكر المخبر اللغة الأصلية للمحادثة.
إشارة تدل على أنه جرت محاكمة أو ملاحقة أولئك الذين تم تسجيل أقوالهم السياسية في تلك التقارير.
ومع ذلك، لم يكن الناس بالضرورة على علم بذلك، وكان هناك خشية عميقة من العقاب تخلّلت أصواتهم. هنا لا بد أن نتساءل عن سر انهماك الحكومة العثمانية في نشاط المراقبة المكثف، والأهم من ذلك، عن
السبب الذي ألهمها صوغ مثل هذه التقارير. يكمن أحد تناقضات تاريخ الدول الحديثة والحديثة المبكرة
في استخدام استراتيجيات متناقضة للتعامل مع الخطاب السياسي العام: فكان ثمة رغبة واضحة في معرفة
أنواع القضايا السياسية التي يتناولها الناس في أحاديثهم والأفكار التي أثّرت في حياتهم من جهة، وكان
هناك محاولات متنوعة لوضع قيود على تعبير الناس عن آرائهم من جهة أخرى. ويبدو هذا التناقض
الواضح عادة في الدراسات التاريخية العلمية لدى تناول ممارسات أشكال الحكم الحديثة المبكرة -
وخاصة ممارسات فرنسا القرن الثامن عشر – فضالً عن ممارسات ما يسمّى الأنظمة الاستبدادية والأنظمة
التوتاليتارية (الشمولية) في القرن العشرين، مثل الاتحاد السوفياتي في عصر ستالين، وألمانيا النازية. وكان المبدأ الأساس للحكومات الحديثة الأولى، وهو الذي أفاد العلاقة بين النخبة الحاكمة ورعاياها، أن
السياسة هي من صلاحية الحاكم إلى درجة أمست فيها السياسة رمزًا للدولة. فلذلك، كان أي كلام من
العامة يتناول السياسة والحكومة، والمسائل الإدارية محظورًا قانونًا. وتشهد الوثائق الأرشيفية العديدة أن
الدولة العثمانية، قبل منتصف القرن التاسع عشر، وخصوصًا في أوقات الأزمات السياسية، كانت تراقب
بيقظة الأماكن العامة لرصد المحادثات السياسية «المحرّضة على الفتنة والعصيان»، وتعاقب مروّجي
الإشاعات التخريبيين. ففي سنة 1798، كتب السلطان إلى وزيره الأعظم: «لقد بلغنا أن هناك أكاذيب وافتراءات يطلقها محرّضون على الفتنة والشغب، ويعمّمونها بأسلوب
خبيث وشيطاني، ويجرؤ بعض الجهلة والبلهاء، غير القادرين على التمييز بين الخير والشر، وبين المنفعة
والأذى، على التفوه بكلمات تتناول الدولة، ويتداولون هذه الافتراءات في ما بينهم بصفاقة في المقاهي
ومحلات الحلاقة. لذا، من الضروري إغلاق هذه المقاهي ومحلات الحلاقة، حيث يتجمّع هؤلاء الفاسقون
ويجرؤون على النيل من الدولة في أحاديثهم، ولا بد من إلقاء القبض على كلٍّ مّن يملكون هذه المقاهي
ومحلات الحلاقة ومعاقبتهم ونفيهم، فضالً عن أولئك الذين يتجرأون على التفوه بكلمات تافهة لا معنى
لها... فمن الآن فصاعدًا، ومن دون أدنى تردد، يجب اعتقال جميع الذين يتجرأون على الحديث في شؤون
الدولة، والذين يستمعون إليهم في المقاهي وصالونات الحلاقة والمحلات وأماكن التجمع الأخرى،
25 تقترح الكاتبة شيلا فيتزباتريك في كتابها عن الستالينية أن ثمة تناقضًا في مقولة «على جميع الأنظمة القمعية الاستبدادية محاولة حل
المشكلة»، كما لو أن الأنظمة الديمقراطية - الليبرالية في العصر الحالي محصّنة ضد هذا التناقض. انظر: Everyday Sheila Fitzpatrick,
Stalinism: Ordinary Life in Extraordinary Times: Soviet Russia in the 1930s (New York: Oxford University Press, 1999), p. 164.
26 لأمثلة للأبحاث بشأن الرأي العام في فرنسا القرن الثامن عشر، انظر: Subversive Words: Public Opinion in Arlette Farge,
Eighteenth-Century France , Translated by Rosemary Morris (University Park, Pa.: Pennsylvania State University Press, 1995); Robert Darnton, The Forbidden Best-Sellers of Pre-Revolutionary France (New York: W.W. Norton, 1995), pp. 232-246; Mona Ozouf, “Public Opinion at the End of the Old Regime,” Journal of Modern History , vol. 60, no. 3 (Supplement): Rethinking French Politics in 1788 (September 1988), pp. S1-S21, and Robert Darnton “An Early Information Society: News and the Media in Eighteenth-Century Paris,” American Historical Review , vol. 105, no. 1 (February 2000), pp. 1-35.
وللأمثلة المستمدة من الحقبة الستالينية في الاتحاد السوفياتي، انظر: Fitzpatrick, chap. 7, and
Sarah Davies, Popular Opinion in Stalin’s Russia: Terror, Propaganda, and Dissent, 1934-1941 (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1997). ولأمثلة من ألمانيا النازية، انظر: Popular Opinion and Political Dissent in the Third Reich, Bavaria 1933- Ian Kershaw,
1945 (Oxford, [Oxfordshire]; Clarendon Press; New York: Oxford University Press, 1983).
وكذلك الموظفين الحكوميين الذين يناقشون شؤون الدولة التي تقع خارج نطاق وظيفتهم، خارج أماكن
عملهم، ليكون ذلك بمنزلة تحذير للآخرين. ولتنفيذ هذا الأمر، يجب نشر العملاء السريين والجواسيس
في مثل هذه الأماكن، على أن حيُذَّر موظفو الدولة من جانب رؤسائهم أنهم سيعاقبون أيضًا وفقًا لذلك،
في حال شاركوا في مثل هذه الأحاديث». لا بدَّ هنا من التشديد على نقطتين مهمتين. أولا، كانت الحكومة تعتبر آراء الجمهور مجرّد ضوضاء لا بد من
رصدها، والسيطرة عليها، ومنعها، وإسكاتها إن كانت مصدرًا كبيرًا للإزعاج. ففي أواخر القرن السادس
عشر وأوائل القرن السابع عشر، كان التشديد العنيف الذي فُرض على المقاهي، وهي الأماكن العامة
الأكثر شهرة في المراكز الحضرية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط العثماني، مؤشرًا إلى هدف الدولة في قمع
المحادثات السياسية «المحرّضة على الفتنة والعصيان». فقد أُغلق في هذه الفترة العديد من المقاهي بالجملة
عدة مرات في اسطنبول. ثانيًا، بالإضافة إلى ممارسة التنكر tebdil-i kıyafet() القديمة (آلية تحكم شخصية
يقوم بموجبها كبار موظفي الدولة، وحتى السلطان نفسه، بالتنكر والطواف خلسة في شوارع اسطنبول)،
كان نشر الجواسيس في المراكز الحساسة من المدينة ممارسة شائعة قبل أربعينيات القرن التاسع عشر. وكان
الجواسيس طوال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين يرصدون المقاهي وغيرها من الأماكن العامة
لمنع أي كلام لاذع، ولمعاقبة مروّجي الشائعات التي تحرّض على الفتنة والعصيان. ولم يقتصر التجسس
على الرجال أو الأماكن العامة التي كان يرتادها الذكور، بل استخدمت السلطاتُ النساءَ أيضًا كمخبرات
لاضطهاد النساء اللواتي يُزعم مشاركتهن في محادثات محرّضة على الفتنة، كما حصل في سنة 1809، عندما
تسبّبت امرأة مخبرة باعتقال مجموعة من النساء كنّ يناقشن شؤون الدولة في حمّام، وسجنّ في إثر ذلك.
صحيح أن المراقبة كانت واسعة وشاملة، كما يوحي المثال أعلاه، إالّ أنها كانت اعتباطية، ولم تكن مظهرًا
ثابتًا ودائامً في الحياة اليومية لرعايا الدولة العثمانية. ولم تتمكن الدولة – إن كانت تلك هي نيتها بالفعل –
من اختراق النسيج الاجتماعي؛ إذ اعتمد النجاح في الضبط الاجتماعي على حظ طواف المخبرين بالقدر
الذي عوّل فيه على إهمال الناس وعدم انتباههم. فعادة، كان مروّجو الشائعات يقظين لوجود غرباء يبدو
أنهم حريصون على التنصت على أحاديثهم، وكانوا مبدعين جدًا في تحويل العملية برمّتها إلى منتدى للتعبير
عن توقعاتهم ومعاناتهم لإيصالها إلى الآذان السلطانية. خلاصة القول، على الرغم من أن التجسس على الأهالي جرى بالتأكيد في السنوات التي سبقت أربعينيات
القرن التاسع عشر، فإنه اتخذ شكالً مختلفًا بصورة جذرية في منتصف القرن التاسع عشر. ويمكن تحديد
الاختلافات بثلاثة عوامل، هي: طريقة التنفيذ، والعملاء، والأهداف. أولا، صحيح أن التجسس كان
متفرقًا ومتقطعًا قبل أربعينيات القرن التاسع عشر، غير أن القيام به كان مستمرًا بعد هذا التاريخ.
ثانيًا، على الرغم من أن المسؤولين العسكريين والإداريين وكبار البيروقراطيين، وحتى السلطان نفسه هم
من كانوا يمارسون الضبط الاجتماعي من خلال المراقبة، فإنه بعد أربعينيات القرن التاسع عشر، فقدت
27 BOA, Cevdet-Zaptiye, no. 302 (27 Zilkade 1212 / 12 June 1798). 28 Câbî Ömer Efendi, Câbî târihi: Târîh-i Sultân Selîm-i Sâlis ve Mahmûd-i Sânî: Tahlîl ve tenkidli metin [Cabi’s History: A History of Sultan Selim III and Mahmut II], hazirlayan Mehmet Ali Beyhan, 2 vols. (Ankara: Türk Tarih Kurumu Basimevi, 2003), p. 392.
29 مثال على هذه الاستراتيجيات التخريبية، انظر: المصدر نفسه، ص.948-947
30 بلغت النشاط الاستخباري ذروته في عهد عبد الحميد الثاني (1908-1876)، ولكن الهدف الرئيس منه كان إدانة الرأي العام
السياسي ومحاكمته.
السطوة تلك الطابعَ الشخصيَّ والرسمي بصورة متنامية، إذ جرى ضم السكان المحليين في نظام المراقبة.
ثالثًا، والأهم من ذلك، في حين كانت المراقبة قبل أربعينيات القرن العشرين تهدف إلى إخضاع الجماهير
باضطهادها بسبب كلمات تتسبّب ب«إثارة الفتنة»، بات الهدف الجديد في ما بعد يرمي إلى استطلاع الأمزجة
والآراء العامة، عبر نظام دقيق ومحكم لجمع المحادثات وتدوينها. وهكذا، لم تعد الدولة العثمانية، بدءًا من
أربعينيات القرن التاسع عشر، تقتصر [في نشاطها] على المجال السياسي التقليدي، والاكتفاء بالتدخل
بشكل متقطع في الأداء اليومي للأماكن العامة لمواصلة السيطرة على السكان، بل على العكس من ذلك،
بدأت السلطات التغلغل في الممارسات الدقيقة للسكان المحكومين. لا يمكن ببساطة اعتبار التغييرات التي حصلت في آليات المراقبة أنها مجرد مسائل تقنية تتعلق بالممارسات
الإدارية العثمانية؛ ففي حين عربّت هذه المراقبة الواسعة عن الاهتمام الناشئ للدولة بالرأي العام، فإنها
بيّنت أيضًا تحواّلً مماثالً في دور السلطة الحاكمة. لقد كان هذا شكالً جديدًا من أشكال السلطة السياسية
الذي لم تعد الدولة تملي فيه على الشعب، بل تستشيره وتستنير برأيه. وكانت عملية التنصت على المحادثات
وإبلاغها إلى النخبة الحاكمة من دون عقوبة أو قصاص تشير، أوالً وقبل كل شيء، إلى انهيار التمييز
بين «الحقيقة الرسمية» و«الأكاذيب الشعبية»؛ فقد اكتسبت «الأكاذيب الشعبية» التي كانت تُقمع
في الماضي، صفة شرعية في نظام الحكم هذا. وكان هذا اكتشافًا ل «الرأي العام». ففي عملية طويلة
ومتفاوتة من التطور التاريخي، كانت هذه هي لحظة تشكل الرعايا كمواطنين سياسيين، بدالً من اعتبارهم
مروّجين للشائعات يسعون إلى التخريب، وذلك عندما أصبحت الكلمة الملفوظة جديرة بالملاحظة،
وعندما اعترفت السلطة السياسية بشرعية الرأي العام بدالً من شجبه. ارتبطت عملية صوغ فكرة الجمهور من خلال تقارير المراقبة ارتباطًا وثيقًا بالاستراتيجيات الجديدة
لتدخّل الدولة بالسكان، وهي الاستراتيجيات التي ظهرت في الوقت نفسه؛ فتمامًا مثل أن مجرد التنصت
على الشعب حوّله إلى جسم مراقَب، أرشّ الظهور العلني غير المسبوق للسلطان على التصور الجديد
للجسم السياسي في الربع الثاني من القرن التاسع عشر.
ثانيًا: يرى ويُرى
قبل عهد السلطان محمود الثاني (حكم 1839-1808)، كان الظهور العلني للسلاطين العثمانيين ظاهرة
نادرة، إن لم تكن ظاهرة غير عادية تمامًا؛ فبعد أن أضفى السلطان محمد الثاني الطابع المؤسسي عليه في
اللائحة الإدارية المعروفة بالقانون الأساس (أو قانون نامه) بعد وقت قصير من فتحه اسطنبول
31 من أجل التمييز في الحالة الهندية، انظر: Elementary Aspects of Peasant Insurgency in Colonial India Ranajit Guha,
(Delhi: Oxford University Press, 1983), p. 259. Baker, Inventing the French Revolution, esp. chap. 8: “Public Opinion as Political Invention”, and Paul 32 انظر: Rabinow, ed., The Foucault Reader: An Introduction to Foucault’s Thought (New York: Penguin, 1984), p. 242.
حيث يقول فوكو «إن ما اكتُشف في ذلك الوقت – وهو من أعظم اكتشافات الفكر السياسي في القرن الثامن عشر – كانت فكرة المجتمع
[التشديد بالأساس]».
33 قانون نامه هو محاولة إضفاء الطابع القانوني على الشريعة، و كان السلطان محمد الثاني قد شكّل لجنة اختارها بنفسه من كبار العلماء،
لوضع قانون نامه الذي جعله أساسًا لحكم دولته، وكان هذا القانون مكونًا من ثلاثة أبواب، يتعلق بمناصب الموظفين، وببعض التقاليد
وما يجب أن يتخذ في التشريفات والاحتفالات السلطانية، وهو يقر كذلك العقوبات والغرامات، ونص صراحة على جعل الدولة
حكومية إسلامية.
(القسطنطينية) في سنة 1453، أصبح مفهوم عدم رؤية الحاكم أمرًا أساسًا في آداب البلاط. وظل
الأمر راسخًا كذلك حتى بداية القرن الثامن عشر، ولكن التطور الأساس حصل في ثلاثينيات
القرن التاسع عشر؛ فحتى أواخر القرن السادس عشر، كان السلاطين يظهرون للملأ بصورة رئيسة
لدى قيادتهم حملات عسكرية منظّمة بإتقان. ولكن في القرون التالية، بعدما تنامى احتمال الهزيمة (ما
قد ينال من عظمة السلطان وسلطته)، وأصبحت قيادة حملة عسكرية عملية محفوفة بالمخاطر، لجأ مختلف
السلاطين إلى وسائل متنوعة للظهور أمام الجمهور، منها رحلات الصيد المشينة التي كان يقوم بها محمد
الرابع (حكم 1687-1648) ما بين اسطنبول وأدرنة، وهي مثل من الأمثلة الشهيرة. وبالإضافة إلى
هذه المناسبات التي كان يتم فيها عرض الأبهة الامبراطورية خارج اسطنبول، شارك السلاطين في القليل
من أوجه النشاط الاحتفالية العامة داخل العاصمة، مثل المواكب إلى صلاة الجمعة ومنها، حيث كان
الناس يتمكنون من الاقتراب من السلطان وتقديم التماساتهم إليه؛ والزيارات التي كانوا يقومون بها
إلى مزار بُردة «عباءة الرسول في شهر رمضان المبارك. وكانت احتفالات الخلافة التي كانت تبلغ ذروتها في
حفل امتشاق السيف في بلدة أيوب، بمكانة مهرجانات سلطانية غير عادية في الباب العالي». غير أن هذه العروض الملكية المنظّمة والمعلنة بصورة رمزية لم تتحدَّ مفهوم عدم رؤية الحاكم؛ فقد كانت
هذه اللحظات منظمة تنظيامً جيدًا، وهي جزء لا يتجزأ من طقوس تقام بعناية للجهاز السياسي body [
politic الدولة، الأمة كوحدة سياسية منظمة] وتتركّز على عزل السلطة. وكان الظهور العلني الاستثنائي
للسلطان ما أطلق عليه هابرماس «العَل نية التمثيلية»، ولم يكن ظهور الحاكم «من أجل» الجمهور، ولكنه
كان للاستعراض «أمام» الجمهور. وقد قدّم هذا الجهاز السياسي للسلطان أداة رمزية ولكن مهمة لأداء دوره كحاكم في شبكة معقدة من
السياسات الاستبدادية. وبما أن السياسة كانت، من حيث المبدأ، صلاحية الحاكم، مثّل جسم الحاكم غير
المرئي ثبات النظام السياسي ورسوخه. كان الحاكم غامضًا، خارجيًا، غيبيًا. وهكذا كانت السياسة من
الناحية النظرية، بالنسبة إلى عامة الناس. وهكذا، كانت بالتالي عدم شرعية الخطاب السياسي من جانب
الشعب المحكوم وعدم رؤية السلطان. في النصف الأول من القرن التاسع عشر، في عهد السلطان محمود الثاني، اكتسبت الشخصية العامة
للسلطان طابعًا جديدًا بالكامل؛ إذ كان ل «رحلات في البلاد» memleket gezileri() دور مهم في هذا
الصدد. وقد قام السلطان محمود الثاني في ما بين سنتي 1830 و 1837 بما لا يقل عن خمس «رحلات في
34 Gülru Necipoğlu: Architecture, Ceremonial, and Power: The Topkapi Palace in the Fifteenth and Sixteenth Centuries (New York, NY: Architectural History Foundation; Cambridge, Mass.: MIT Press, 1991), p. 16, and “Framing the Gaze in Ottoman, Safavid, and Mughal Palaces,” Ars Orientalis , vol. 23: Pre-Modern Islamic Palaces (1993), pp. 304-342. 35 Shirine Hamadeh, The City’s Pleasures: Istanbul in the Eighteenth Century , Publications on the Near East (Seattle: University of Washington Press, 2008), esp. chap. 2.
36 بتفويضه الكثير من صلاحياته إلى رئيس وزرائه، كرّس محمد الرابع، الملقب ب «الصياد»، الكثير من وقته للصيد خارج
اسطنبول، وهو ما خيّب آمال العامة فيه.
37 Mehmet İpşirli, “Osmanlilarda Cuma Selamliği [The Friday-Prayer Ceremony in the Ottomans],” in: Prof. Dr. Bekir Kütükoğlu’na armağan (I ̇ stanbul: Edebiyat Fakültesi Basimevi, 1991). 38 François Georgeon, «Le Sultan caché: Réclusion du souverain et mise en scène du pouvoir à l’époque de Abdülhamid II (1876-1909),” Turcica , vol. 29 (1997), pp. 93-124.
39 تبقى الرواية النموذجية عن الجهاز السياسي للنظام الاستبدادي هي رواية إرنست كانتورويتز في: The Ernst H. Kantorowicz,
King’s Two Bodies; a Study in Mediaeval Political Theology (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1957).
البلاد». وكان الغرض الظاهري من أسفاره، كما ذكرت مصادر حكومية مرارًا وتكرارًا، دراسة الأوضاع
المعيشية لرعاياه وتقديم الصدقات للفقراء. ولكنه في الواقع، لم يكن يريد أن يرى رعاياه، بقدر ما كان
يريد أن يروه. ففي رحلاته إلى المحافظات، افتتح السلطان محمود الثاني في الواقع عهدًا جديدًا اكتسب
فيه السلاطين «عادة غربية» في مغادرة عواصمهم والسفر إلى أماكن نائية من إمبراطورياتهم، كي تتمكن
شعوبهم من رؤيتهم. فقد قام ولي عهد روسيا إلكسندر الثاني بجولات واسعة في جميع أنحاء الريف
الروسي بدءًا من أواخر ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وكذلك فعل الأباطرة اليابانيون في تجوالهم في أجزاء
مختلفة من إمبراطوريتهم طوال سبعينيات القرن التاسع عشر. في كل رحلة، كان السلطان محمود الثاني يذهب إلى مناطق أبعد في عمق الإمبراطورية، أكان بالمعنى الحرفي
أم بالمعنى المجازي. واغتنم في جميع رحلاته الطويلة فرصة إظهار تعاطفه مع رعيته، وقدّم مبالغ كبيرة
من المال لترميم الكنائس والمعابد اليهودية، والمواقع التاريخية والمقدسة. وذهب إلى القرى الصغيرة، ووزّع
الهدايا على سكانها. وفي محاولة لكسب مشاعر الناس، قلَّل باستمرار من شأن شخصيته العليا، وقدّم
صورة الحاكم الذي لا يقهر، ولكن الحاكم الإنسان الدنيوي. وقد أمضى ليلة على متن سفينة حربية،
مفضاّلً تناول عشاء بسيط برفقة البحارة بدالً من المآدب الفاخرة التي كانت تقام تكريامً له. وخطب في
حشود من الناس الذين أتوا لرؤيته، واختلط في كثير من الأحيان مع رعاياه ليجعل نفسه مرئيًا وملموسًا.
وكانت جميع خطواته تلك جزءًا من خطوة استراتيجية وغير مسبوقة لرسم صورته الجديدة. فقد بدا
بصورة الأب عندما كان يقدّم الهدايا، والمؤمن الورع عندما كان يأمر بترميم المواقع الدينية، والمسؤول
المعني عند الاستماع إلى شكاوى الناس، والقائد المجتهد عند استعراض قواته. باختصار، لم تكن الصورة
التي ابتدعها، هي صورة حاكم يفوّض صلاحياته بينما يعزل نفسه لينعم برفاهية البلاط، إذ إنه قدّم صورة
حاكم ملتزم التزامًا عميقًا برعاياه. كان من أهم مقاصد زيارات السلطان إلى المحافظات البعيدة استعادة ولاء رعاياه غير المسلمين. وكان
هذا واضحًا في اختياره للمناطق التي زارها؛ فقد سافر كثيرًا في محافظات البلقان ذات الأغلبية المسيحية،
في حين أنه اكتفى في الأناضول ذات الأغلبية المسلمة بزيارة إزميت، وهي بلدة مجاورة لمدينة اسطنبول.
وبما أن ذلك الزمان كان يشهد زخم تنامي الحركات القومية في البلقان، فقد كانت زيارات السلطان
40 Abdülkadir Özcan, “II. Mahmud’un Memleket Gezileri [Mahmut II’s Country Trips],” in: Prof. Dr. Bekir Kütükoğlu’na armağan , p. 362. Richard Wortman, “Rule by Sentiment: Alexander II’s Journeys through the Russian Empire,” 41 انظر على التوالي:
American Historical Review, vol. 95, no. 3 (June 1990), pp. 745-771, and Takashi Fujitani, Splendid Monarchy: Power and Pageantry in Modern Japan , Twentieth-Century Japan; 6 (Berkeley: University of California Press, 1996).
ويعتبر عمل فوجيتاني رائعًا، وقد ترك كبير الأثر في صوغ تحليل الكاتب عن الظهور العلني للسلطان محمود الثاني.
42 ثمة مصادر موثّقة تسرد رحلات السلطان محمود الثاني. وقد وصف محمد أسد أفندي، المؤرخ الإخباري في ذلك الوقت ورئيس
تحرير الجريدة الرسمية تقويم وقايع، رحلتيْ الدردنيل-أدرنة والروملي، وهما الرحلتان الطويلتان، في مؤلفيه Sefername-i Hayr و
Ayatü’l-hayr تباعًا. وكان الضابط البروسي، هلموت فون مولتكِه Helmut von Moltke) (، المسؤول عن تدريب الجنود العثمانيين،
قد رافق السلطان في رحلته الأخيرة في سنة 1837، ودوّن ملاحظاته في Briefe über Zustände und Begebenheiten in der Türkei،
وهناك إحالات إلى ترجمتها الفرنسية وعنوانها رسائل ماريشال مولتكِه عن الشرق، انظر: Lettres du maréchal Helmuth von Moltke,
de Moltke sur l’Orient, traduites par Alfred Marchand; Préfacées par Auguste Nefftzer, 2ème éd. (Paris: Sandoz et Fischbacher, 1877).
Ahmet Lütfi, Tarih-i Lütfi [Lütfi’s History], 9 vols. (Istanbul: Mahmut كما يمكن العثور على معلومات عن هذه الرحلات في:
).Beğ Matbaası, 1885
محمود الثاني في وقتها الملائم تمامًا. وبالفعل، ففي سنة 1829، عرض على «غير المسلمين والمسلمين
الرعايا/ المواطنة المشتركة»، بتنفيذ القانون الجديد للملابس الذي ألغى لباس الرأس باعتباره علامة
تشير إلى المكانة الاجتماعية والهوية المذهبية. وقد قدّم شخصيًا ضمانًا بأن يتساوى رعاياه، مسلمين
وغير مسلمين: «أيها اليونانيون! أيها الأرمن! أيها اليهود! إنكم تمامًا مثل المسلمين، جميعكم عباد الله ورعاياي. إنكم
تختلفون في مسائل العقيدة. ولكنكم تتمتعون بحماية القانون وإرادتي الملكية. ادفعوا الضرائب كي يتم
استخدامها في ضمان أمنكم ورفاهكم». وعد السلطان محمود الثاني رعاياه في رحلاته بأنه سيستمر في زيارتهم بانتظام. وكانت الرسالة التي
نقلها واضحة: «سيتم تفعيل القانون والنظام، ليس في العاصمة فحسب، ولكن في بقية الإمبراطورية
كذلك». ووعد بفرض ضرائب أكثر اعتداالً، وبوضع حد للمنزلة الثانوية التي تتبوأها المحافظات،
وبتطبيق العدالة بغضّ النظر عن عقيدة الناس. وكان يسعى إلى استبدال التصور الشائع لدى الجمهور
عن إساءة استعمال الحكومة للقانون والنظام. وكان يترك مبالغ كبيرة من المال تعوّض عن نفقات المدينة
في استضافته، وذلك كخطوة استراتيجية يبنيّ فيها حس العدالة لديه. سعى السلطان محمود الثاني طوال أسفاره إلى تحقيق شعبية شخصية من خلال صورته الجديدة، وكانت
الاستجابة التي تلقّاها من رعاياه مرحِّبة كما كان يأمل. فقد احتضنه الناس بحماسة كبيرة، ودعوا له إذ
هو يمشي بينهم برفقة حاشيته. وكان وجوده في المحافظات البعيدة والنائية محاولة منه لإثبات الوحدة
الجغرافية لإمبراطوريةٍ كانت على وشك التفكك، إذ كانت الحركات العرقية والقومية في البلقان وتمرّد
محمد علي باشا المحبط في مصر تحرز تقدمًا. وحاول ربط زوايا الإمبراطورية النائية بالعاصمة اسطنبول
وجعل الناس قريبين منه، من خلال رؤيته لهم ومنحهم الفرصة لرؤيته، وبالتالي القضاء على الجفاء
الذي كان يخيم على علاقة الحاكم برعاياه. وكان السلطان يطمح كذلك إلى تشكيل رعاياه في هوية جمْعية
و«يستولي رمزيًا» على سلطنته. أمّا في العاصمة، فقد استغل السلطان محمود الثاني كل فرصة لجعل الجمهور يراه، وخاصة في العقد الأخير
من حكمه. فكان كثيرًا ما يشارك في مراسم افتتاح المدارس الجديدة، والمباني العامة، ويقوم باستعراض
جنده وقواته. واستمر هذا التقليد الذي أُنشئ حديثًا للظهور العلني للسلطان في عهد اللذين خلفا
43 Donald Quataert, “Clothing Laws, State and Society in the Ottoman Empire, 1720-1829,” International Journal of Middle East Studies , vol. 29, no. 3 (August 1997), p. 413. 44 Özcan, “II. Mahmud›un Memleket Gezileri,” pp. 373-74, and Moltke, pp.134-135. 45 Moltke, p. 135.
46 المصدر نفسه، ص.144
47 المصدر نفسه، ص.144
48 من أجل تحليل التقارير الجاسوسية التي تشمل الرأي العام بشأن الحرب ضد محمد علي باشا، انظر مقالة الكاتب عن
Cengiz Kirli, “Through the Grapevine,” Al-Ahram (10 November 2005), on the Web: المعلومات من خلال القيل والقال:
< http://weekly.ahram.org.eg/2005/768/sc2.htm>. 49 Clifford Geertz, Local Knowledge: Further Essays in Interpretive Anthropology , 3 rd ed. (New York: Basic Books, 2000), p. 125.
السلطان محمود الثاني تباعًا، وهما السلطان عبد المجيد (حكم 1861-1839) والسلطان عبد العزيز
(حكم -1861 1876). فيما بدأ السلطان محمود الثاني بالظهور علنية أمام العامة، باشرت الصحيفة الرسمية تقويم وقايع
Takvim-I Vekayi() (أول صحيفة عثمانية، تأسست في سنة 1831) بتعميم النشاط الدنيوي للحاكم
من أجل تعزيز صورة السلطان الجديدة. وبرزت فكرة إصدار صحيفة عثمانية بوصفها ردًّا على صحيفة
الوقائعالمصرية التي أسسها محمد علي باشا في القاهرة سنة 1828؛ فما إن تمرّد محمد علي باشا، الحاكم
المخلص لمصر المربحة، وشكّل أكبر تحدٍّ للإمبراطورية بعد انتصار جيوشه على العثمانيين أكثر من مرة،
حتى كاد يصبح على أبواب مدينة إسطنبول في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وتحوّلت تقويم وقايعإلى
جبهة جديدة في الحرب المتواصلة بين السلطان وحاكمه المتمرد، واستحالت حلبة صراع جديدة في معركة
كسب الرأي العام. سعت الصحيفة إلى رسم صورة السلطان الحاضن والراعي الذي بات منخرطًا مباشرة في شؤون
الدولة. وعلى الرغم من أن الصحيفة نشُرت في الأساس باللغة التركية العثمانية، فإنها كانت تُصدر
أيضًا مترجمة إلى لغات أخرى، فوزّعت باللغات العربية والفارسية واليونانية والأرمينية والبلغارية
والفرنسية. وقد عكست هذه الخطوة إصرار السلطان محمود الثاني الدؤوب على إيصال رسالته إلى
رعاياه، وهو ما كان واضحًا في حرصه على جعل اللغة الأصلية للصحيفة بسيطة إلى درجة يتمكن
فيها الناس العاديون من فهمها بسهولة. فعندما قدم إليه رئيس تحرير صحيفة تقويم وقايعمحمد
أسد، مسودّة مقالته التي تناول فيها رحلة السلطان إلى البلقان سنة 1837، بأسلوب منمّق، رأى
السلطان محمود الثاني أن الأسلوب معقَّد للغاية. ويعكس ردّه جهده لوضع حد للقطيعة الجسدية
واللغوية بينه وبين رعيته: «على الرغم من أن قطعتك مكتوبة بأسلوب جميل ومتقن، فإن التعبير الذي يتناول هذا النوع من المسائل
التي تعرض على العامة، يجب أن يصاغ بكلمات يفهمها الجميع». بالإضافة إلى البدعة الكامنة في قرار السلطان محمود الثاني مغادرة العاصمة والتجوال في أنحاء
الإمبراطورية ل«لقاء رعيته»، أصبح أول سلطان يجعل اللوحات التي تصوّر شخصه متاحة ليشاهدها
الجمهور. فعلى الرغم من تحريم الإسلام رسم الصور البشرية، دأب السلاطين العثمانيون، منذ السلطان
محمد الثاني، على السماح برسم لوحاتهم التي لم تغادر قطّ قصر الباب العالي المنعزل في “ توب كابي ”. ولكن
السلطان محمود الثاني خرج عن هذا التقليد في محاولته توسيع نطاق ظهور حكمه العلني. فأتاح لرعية
الإمبراطورية، ولأول مرة، فرصة رؤية هيئة السلطان. وما إن هرع الرسّامون إلى اسطنبول من أنحاء
50 قام السلطان عبد المجيد برحلة دامت 17 يومًا، شملت إزميت وبورسا ومودانيا والدردنيل، فضال عن العديد من الجزر
في بحر إيجه، في سنة 1844، كما ورد في: , vol. 7, pp. 87-88. Lütfi
ولكن الظهور العَلني السلطان انكفأ بطريقة جذرية في عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1908-1876)، وهي الحقبة التي عُرفت
بعزلة السلطة وغياب الحاكم عن رعيته. وعلى الرغم من ندرة الأدبيات الثانوية عن الظهور العلني للسلطان محمود الثاني، فإن عزلة
السلطة في زمن السلطان عبد الحميد الثاني شهدت مؤخرًا اهتمامًا متناميًا. انظر: Selim Deringil, “Abdülhamid dönemi Osmanlı
İmparatorluğu’nda simgesel ve törensel doku: ‘görünmeden görmek’ [Symbolic and Ritualistic Structure in the Ottoman Empire during the Reign of Abdülhamid II: Seeing without Being Seen],” Toplum ve Bilim, vol. 62 (1993), pp. 34-55, and Georgeon, pp. 93-124. 51 Lütfi , vol. 5, p. 90.
متفرقة من أوروبا في أوائل ثلاثينيات القرن التاسع عشر، حتى بدأ السلطان محمود الثاني بإرسال
لوحاته إلى السفراء والبيروقراطيين الرفيعي المستوى، وإلى شيخ الإسلام، المرجع الديني الأول – وهو ما
أثار استياء الأخير كثيرًا. وقد أشار السفير البريطاني ستراتفورد كانينغ إلى الوعي الذاتي لدى السلطان
محمود الثاني بأهمية صورته العامة، إذ لاحظ أن السلطان كان يبدو في جميع لوحاته كأنه يتّخذ وضعًا متكلّفًا
لكي يرسمه رسّام. وبحلول سنة 1835، بدأ السلطان يوزّع لوحاته على المدارس، والمباني الحكومية،
والثكن العسكرية في جميع أنحاء العاصمة اسطنبول، فأوجد حضورًا رمزيًا كأنه المشرف المطلق على سير
الأمور، حتى في ظل غيابه الجسدي. لا بدّ من تأكيد أن هذه اللوحات كانت مختلفة بصورة لافتة عن سابقاتها التي كانت قد رُسمت بمنوال
يشبه إلى حدّ بعيد لوحات من سبقه من السلاطين، والتي لم يُقصد على الإطلاق عرضها علانية؛
ففي إحدى لوحاته السابقة التي رُسمت ما بين سنتي 1808 و 1829، يُصوَّر فيها السلطان محمود
الثاني بلحية طويلة، في قفطان تقليدي فضفاض وعمامة كبيرة، وهو يجلس على عرش مرصّع بالجواهر
(الصورة رقم 1). يبدو فيها وجهه شاحبًا، وجسمه بلا حراك، وفاتر الشعور. وعلى الرغم من صغر
سنه، فإنه كان يبدو مسنًّا. ولكن على العكس من ذلك، يبدو السلطان في اللوحات التي أُنتجت في
سنوات لاحقة، في الفترة ما بين سنتي 1829 و 1839، وهو يجلس على كرسي من النمط الغربي،
ويرتدي زيًا عسكريًا على النمط الأوروبي، مكوّن من سروال ضيّق وقميص، وتغطّي كتفيه عباءة
(الصورة رقم 2). وبدت لحيته أقصر كثيرًا، وظهرت عليه ملامح السلطة الوقورة، وبان أصغر
سنًا. وبدالً من اعتمار العمامة التقليدية، اعتمر طربوشًا، كان قد جعل اعتماره إلزاميًا لجميع موظّفي
الدولة سنة 1829. وكان جسمه يبدو مفعامً بالحيوية والقوة. وكان يشير بيده اليمنى، وهو ما يوحي
بدوره كمرشد وقائد لرعيته. ويبدو في يده اليسرى فرمان (مرسوم سلطاني) يظهر ختمه الملكي،
وعلى الطاولة بجانب كرسيه مجموعة من الكتب تحمل دلالة على مرجعية النصوص الثابتة. واليوم
تجسّد هذه اللوحات، لا اللوحات التي يظهر فيها جالسًا على العرش، سلطته الجديدة كحاكم عادل
يحترم القانون. لم يقتصر مسعى السلطان محمود الثاني على تأكيد الهوية الجمْعية لإمبراطوريته ووحدتها من خلال رؤيته
لرعيته ورؤيتهم له، بل كان يتطلع أيضًا إلى «القدرة على النظر إلى الشعب». وطلب من موظفيه معلومات
طوبوغرافية وديموغرافية تفصيلية، فضالً عن خرائط للمناطق التي زارها، واكتشف أن مثل هذه الخرائط
52 Tuncer Baykara, Osmanlılarda medeniyet kavramı ve ondokuzuncu yüzyıla dair araştırmalar [The Concept of Civilinmzation in the Ottoman Empire and Studies on the Nineteenth Century] (I ̇ zmir, Turkey: Akademi Kitabevi; I ̇ stanbul: Beta Basım Yayım Dağıtım, 1992), p. 53. 53 انظر: , vol. 4, p. 65 Lütfi.
كانت معارضة شيخ الإسلام ياسين زاده عبد الوهاب أفندي شديدة إلى درجة أنه أُعفي من منصبه، وبعد ذلك، عُِّ رسام دائم في خدمة
القصر. انظر: Baykara, p. 55.
54 Baykara, p. 54. 55 Lütfi , vol. 5, pp. 50-52; Uriel Heyd, “The Ottoman Ulema and Westernization in the Time of Selim III and Mahmud II,” Scripta Hierosolymitana: Studies in Islamic History and Civilization , vol. 9 (1961), p. 70.
56 حول التحوّل في تصوير الأباطرة اليابانيين في الصور، انظر: Fujitani, pp. 175-180.
57 المصدر نفسه، ص.24
الصورة رقم:)1(
الرسام مجهول
(بين سنتي 1808 و 1829)
مستنسخة من صور السلطان:
تصوير آل عثمان
(اسطنبول:
متحف إيشبنك، 2000)،
الصورة رقم:)2(
الرسام مجهول
(بين سنتي 1829 و 1839)
مستنسخة من صور السلطان،
التفصيلية لم تكن موجودة. وبناء على أوامره، بدأ رسامو الخرائط رسم خرائط للإمبراطورية، وهو
مسعى أتبعه بمحاولتين لإجراء إحصاءين شاملين للسكان في سنتي 1831 و 1844. وإضافة إلى
ذلك، أُجريت مسوحات لأراض ومداخيل السكان في جميع محافظات الأناضول والبلقان في سنتي
1840 و 1844. ولكن على الرغم من عدم اكتمالهما، كانا أساسًا لإنشاء نظام ضريبي جديد. وينبغي
أن تُضاف تقارير الحجر الصحي الشهرية إلى هذا النشاط الإحصائي، وهي التي كان يُعدّها موظفون
معيّنون مركزيًا، كجزء من اهتمام الدولة الناشئ في مجال الصحة العامة في ثلاثينيات القرن التاسع عشر،
وكان من ضمن ذلك جرد الأوبئة والأمراض الرئيسة وإرسال البيانات بشأنها إلى اسطنبول من جميع
أرجاء الإمبراطورية. في العقد نفسه، وفي حين كانت تقارير التجسس تدوّن مزاج السكان، كانت تقارير الحجر الصحي
تبنيّ أوضاعهم الصحية، وكانت سجلات الدخل تدوّن ثرواتهم، في حين ترسم الخرائط والإحصاء
السكانية أراضي الإمبراطورية وسكانها. وفي الوقت الذي جعلت فيه هذه الخرائط والإحصاءات الرعيةَ
«مفهومة»، كان الحاكم يجعل نفسه مرئيًا لرعاياه. بعبارة أخرى، فيما أصبح رمز السلطة مرئيًا، أصبح
الرعايا «هدفًا للمراقبة». عكست جميع ممارسات المراقبة الجديدة هذه، والمتمثّلة في الأرض والصحة واستطلاعات الرأي، حاكميةً
جديدة تقوم على فكرة أن السكان ليسوا جسامً كليًا، بل كيان يمكن معرفته. وفي ضوء ذلك، لا بد من
النظر إلى محاولة جعل الرعية مفهومة. غير أن عملية جعل الشعب مدرَكًا أصبحت فورًا عملية معالجة
احتاجت إلى إعادة تشكيل علاقات السلطة، وربما الأهم من ذلك، إلى فتح بصورة حتمية حيّزًا جديدًا من
التواصل بين الحاكم والمحكوم. وكجزء من هذه الحاكمية الجديدة، حتى الضبط الاجتماعي الذي يعزو
صراحة للمجتمع دورًا غير فعال، يقع ضمن هذا الحيّز، والدولة فيه هي الوكيل الوحيد لعملية متبادلة
غير متكافئة. وهذا هو الحيّز الذي جرى فيه إعادة تعريف السياسة؛ فهي «نظامية» لأنها تنظّم وتشكّل
وتضبط، و«تحرّرية» لأنها تضفي صوتًا مشروعًا للخاضعين للضبط في شؤون الحكم. هكذا، جرى أيضًا إعادة تعريف الحيّز العام: فهو ما عاد مجرّد حيّز أخلاقي يجب أن تبقى الجماهير فيه
بمعزل عن السياسة وتقدّم ولاءها إلى الحاكم، بل بات حيّزًا سياسيًا فعليًا برزت فيه العامة والرأي العام
بوصفهما قوة مشروعة في شؤون الحكم، وتشكّل فيه الشعب كأشخاص سياسيين. ففي الممارسة العملية،
58 Lütfi , vol. 5, p. 90. 59 Mahir Aydın, “Sultan II. Mahmud Döneminde Yapılan Nüfus Tahrirleri [Census during the Reign of Mahmut II],” in: Sultan II. Mahmud ve Reformları Semineri: 22-30 Haziran 1989: Bildiriler (I ̇ stanbul: Edebiyat Fakültesi Basımevi, 1990), pp. 81-106.
60 تُعدُّ سجلات المداخيل (temettuat defterleri) هذه بآلاف المجلدات. ولا تزال معلوماتنا عن هذه السجلات محدودة.
ومن أجل مقدمة موجزة عن هذه السجلات، انظر:
Mübahat Kütükoğlu, “Osmanlı Sosyal ve İktisadi Tarih Kaynaklarından Temettü Defterleri [Income Registers as a Social and Economic Source Material of the Ottomans],” Belleten , vol. 59, no. 225 (1995), pp. 395-418, and Tevfik Güran, 19. yüzyıl Osmanlı tarımı üzerine araştırmalar [19th Century Ottoman Agriculture] (Beyoğlu, I ̇ stanbul: Eren, 1998). ومن أجل دراسة مميّزة تتجاوز وصف هذه السجلات، انظر: Huri İ slamoğlu, “Politics of Administering Property: Law and
Statistics in the 19th Century Ottoman Empire,” in: İ slamoğlu, ed., Constituting Modernity , pp. 276-319.
61 توجد التقارير الصحية في المحفوظات العثمانية في الفهرس المعنون ب Iradeler-Dahiliye: Tahaffuz Jurnalleri.
62 Fujitani, p. 25. Michael Tsin, Nation, Governance, and Modernity in China: Canton , 1900-1927, Studies of the East: اقتباس من 63
Asian Institute, Columbia University (Stanford, Calif.: Stanford University Press, 1999), p. 14.
تسبّبت الرقابة بتدخل الدولة النشط في التفصيلات الدقيقة لحياة الناس؛ فبعد أن بات الحيّز العام مطوّقًا
بتدخلات الدولة العلنية والسرية، أصبح مجاالً للضبط. وجرت مأسسة هذه العملية بإنشاء أول جهاز
شرطة عثمانية في سنة 1844، كهيئة منفصلة عن الجيش. وتداخل اكتشاف الرأي العام حتامً مع حفظ
الشرطة للأمن العام. وحين جرى تعريف الحيّز العام بوصفه المجال السياسي، أصبح مجاالً للضبط في
الوقت نفسه. وفي نهاية المطاف عزّزت هذه المراقبة الواسعة قدرة الدولة على فرض العقوبات، في حين
انخفضت حاجتها إلى استعراض عضلاتها أمام العامة. ويشير الرحالة الأوروبيون، في هذا الصدد، إلى
ندرة وجود عقوبة الإعدام في أربعينيات القرن التاسع عشر، وعزَوا ذلك، بسذاجة متوقعة، إلى تساهل
السلطان عبد المجيد، الحاكم الشاب، ابن السلطان محمود الثاني. وكتب الرحّالة الإنكليزي تشارلز وايت
في سنة:1844 «يبدي السلطان الحالي نفورًا شديدًا من فرض عقوبة الإعدام، حتى في حالات المجرمين الذين كانت
ستقودهم جرائمهم إلى المشانق في فرنسا وإنكلترا والولايات المتحدة من دون أدنى شك. ولا بد من أن
معرفة القضاة بمشاعر السلطان تجاه هذا الشأن، كان له تأثير في مشاعر القضاة».
خاتمة
كانت عناصر تحوّل الثقافة السياسية العثمانية في القرن التاسع عشر التي تناولناها هنا من بين مكوّنات
لغة جديدة للسلطة السياسية التي ما عاد في الإمكان الحفاظ عليها بفاعلية من خلال الاعتماد على
لغة النظام السياسي التقليدي؛ فقد استند الحكم العثماني المطلق إلى التضليل السياسي، وإلى تصوير
السلطان بوصفه ممثالً وحيدًا للسياسة، وإلى جعل الحاكم لغزًا يضمن استمراره عدم رؤية العامة له. وقد
جرى عكس مفهوم السياسة هذا تمامًا نحو منتصف القرن التاسع عشر: أولا، تبنيّ تقارير الجواسيس أن
الشرعية أُضفيت ضمنًا على الخطاب السياسي الشعبي، وثانيًا، تم تشكيل الشعب بوصفه رعايا سياسيين،
وثالثًا، جرت أنسنة السلطان بأن أصبح ظاهرًا للعامة من خلال تجواله في أرجاء البلاد، واللوحات التي
تعرض صوره وعُلّقت للاستهلاك العام، فضالً عن نشر نشاطه الحكومي العادي. لقد عربّت لغة السياسة آنذاك عن الحداثة. وسواء اعتبُرت تجديدًا أو إصلاحًا نحو إضفاء الطابع الغربي
أو الحديث، أو فُرضت من خلال الثورات أو الاستعمار، فقد تم التعبير عن هذه اللغة الجديدة كرد على
«المطالب الجديدة بالحداثة» في أجزاء كثيرة من العالم بدءًا من أواخر القرن الثامن عشر فصاعدًا.
64 تم تحويل جهاز الشرطة إلى وزارة في سنة 1848. عن موضوع تطوّر منظمة الشرطة العثمانية في القرن التاسع عشر، انظر: Fer
dan Ergut, Modern devlet ve polis: Osmanlı’dan Cumhuriyet’e toplumsal denetimin diyalektiği [The Modern State and the Police: The Dialectic of Social Control from the Ottoman Empire to the Republic], Araştırma-inceleme dizisi; 163 (I ̇ stanbul: I ̇ letişim, 2004), and Nadir Özbek, “Osmanlı İmparatorluğu’nda İç Güvenlik, Siyaset ve Devlet, 1876–1909.[Internal Security, Politics and the State],” Türklük Araştırmaları Dergisi , no. 16 (2004), pp. 59-95 65 Charles White, Three Years in Constantinople; or, Domestic Manners of the Turks in 1844 , 3 vols. (London: H. Colburn, 1845), vol. 1, p. 120.. Baker, Inventing the French Revolution , pp. 169-170 66 انظر:
لأن هذه اللغة الجديدة ميّزت حلّ الاستبدادية الفرنسية في القرن الثامن عشر.
67 Fujitani, p. 55.
وعُرف هذا الرد في الإمبراطورية العثمانية رسميًا، بعد إذ اتخذ شكل برنامج إصلاح واسع النطاق في
المجالات القانونية والاقتصادية والإدارية في القرن التاسع عشر، باسم «التنظيمات» Tanzimat(). وقد
أطلقها السلطان محمود الثاني وبلغت ذروتها في إعلان مرسوم غولهان Gülhane() في سنة 1839. ويقال
عادة أن إصلاحات التنظيمات كانت مستوحاة من نماذج أوروبية لوضع حد للبنى السياسية «التقليدية»
التي من المفترض أنها كانت في انحطاط منذ ما يقارب ثلاثة قرون. وعلى الرغم من شيوع مثل هذا الرأي
ورسوخه، باعتباره الإطار التفسيري للتأريخ العثماني في القرن التاسع عشر، فقد أصبح منذ زمن قريب
عرضة لهجوم عنيف من قبل المؤرخين المراجعين revisionists(). لست أنوي هنا أن أدلي بدلوي فأقترح مراجعة تاريخية أخرى، أو أنتقص من أهمية إصلاحات التنظيمات.
ولكن في حين أنه علينا التركيز على القطيعة التي تمخضت عنها الإصلاحات، ينبغي أالّ تكون التغييرات
المؤسسية التي تعرف أنها مستوحاة من الغرب، محور اهتمامنا كما أنصار التحديث. ففي الواقع، يميل هذا
الموقف الأيديولوجي إلى وضع العربة أمام الحصان، وذلك بشرح التحولّات الاجتماعية والسياسية من
خلال الإصلاحات المؤسسية التي بدأت منذ الربع الثاني من القرن التاسع عشر فصاعدًا. فبدالً من ذلك،
ينبغي أن يتحول موضوع بحثنا إلى التأثيرات التأسيسية العامة التي حاولت هذه الإصلاحات تحقيقها. هنا، يمكن أن يقدّم إلينا مفهوم المراقبة فرصة لالتقاط هذه التأثيرات؛ فبوصفها ممارسة حكم في
الإمبراطورية العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر، كانت المراقبة أداة لجعل العامة «مفهومة». ولكنها
كانت في الوقت نفسه ممارسة تأسيسية للواقع الاجتماعي بتعريف جديد للسياسة والحيّز العام. ولا بد من
الإشارة إلى أن المراقبة لم تكن ميزة خاصة تميّز الحكم العثماني، أو الأنظمة الاستبدادية الأخرى المزعومة؛
إذ كانت المراقبة على النحو المبين هنا ممارسة شائعة انتهجها العديد من حكومات دول القرن التاسع عشر
والقرن العشرين، أكان في أوروبا الغربية أم في آسيا أم في الشرق الأوسط، وأكانت أنظمة تلك الدول
ليبرالية أم استبدادية أم شمولية. لقد كانت باختصار، سمة مشتركة للحداثة. تتيح لنا وجهة النظر هذه إجراء دراسات مقارنة بنّاءة - بدالً من دراسات دفاعية – في الحيّز العام من
دون أن نضيف إليها محتوى معياريًا. إضافة إلى ذلك، فإنها ستساعدنا على الابتعاد عن الميل إلى استخدام
«الحيّز العام» و«المجتمع» بالتناوب، وعلى رؤية «الدولة» و«الحيّز العام»، منفصلنيْ، على طرفيْ نقيض،
وقد تطورّا تاريخيًا في تناقض بعضهما مع بعض. وقد سعينا في هذا الفصل إلى إثبات أن تشكيل العامة
ومراقبتهم مترابطان ارتباطًا وثيقًا. فالحيّز العام لم يكن مكانًا مستقالً عن سلطة الدولة، كما أنه لم يكن مجرّد
هدف للسلطة تضبطه وتعاقبه. فقد كان ساحة صراع سياسي بين الحاكم والمحكوم، وموقعًا مثاليًا لاقتفاء
أثر لغة متغريّة وديناميات هذا الصراع.
68 Holquist, p. 443.
المراجع
Books
Baker, Keith Michael. Inventing the French Revolution: Essays on French Political Culture in the Eighteenth Century. Cambridge, [England]; New York: Cambridge University Press, 1990. (Ideas in Context) Baykara, Tuncer. Osmanlılarda medeniyet kavramı ve ondokuzuncu yüzyıla dair araştırmalar [The Concept of Civilinmzation in the Ottoman Empire and Studies on the Nineteenth Century]. İ zmir, Turkey: Akademi Kitabevi; İ stanbul: Beta Basım Yayım Dağıtım, 1992. Burchell, Graham, Colin Gordon and Peter Miller (eds.). The Foucault Effect: Studies in Governmentality, with Two Lectures by and an Interview with Michel Foucault. Chicago: University of Chicago Press, 1991. Calhoun, Craig (ed.). Habermas and the Public Sphere. Cambridge, Mass.: MIT Press, 1992. (Studies in Contemporary German Social thought) Cohen, Jean L. and Andrew Arato. Civil Society and Political Theory. Cambridge, Mass.: MIT Press, 1992. (Studies in Contemporary German Social thought) Darnton, Robert. The Forbidden Best-Sellers of Pre-Revolutionary France. New York: W.W. Norton, 1995. Davies, Sarah. Popular Opinion in Stalin’s Russia: Terror, Propaganda, and Dissent, 1934-1941. Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1997. Dean, Mitchell. Governmentality: Power and Rule in Modern Society. London; Thousand Oaks, Calif.: Sage Publications, 1999. Efendi, Câbî Ömer. Câbî târihi: Târî h-i Sultân Selî m-i Sâlis ve Mahmûd-i Sânî: Tahlî l ve tenkidli metin [Cabi’s History: A History of Sultan Selim III and Mahmut II]. Hazirlayan Mehmet Ali Beyhan. 2 vols. Ankara: Türk Tarih Kurumu Basimevi,
Ergut, Ferdan. Modern devlet ve polis: Osmanlı’dan Cumhuriyet’e toplumsal denetimin diyalektiği [The Modern State and the Police: The Dialectic of Social Control from the Ottoman Empire to the Republic]. İ stanbul: İ letişim, 2004. (Araştırma- inceleme dizisi; 163) Farge, Arlette. Subversive Words: Public Opinion in Eighteenth-Century France. Translated by Rosemary Morris. University Park, Pa.: Pennsylvania State University Press, 1995. Fitzpatrick, Sheila. Everyday Stalinism: Ordinary Life in Extraordinary Times: Soviet Russia in the 1930s. New York: Oxford University Press, 1999. Fujitani, Takashi. Splendid Monarchy: Power and Pageantry in Modern Japan. Berkeley: University of California Press, 1996. (Twentieth-Century Japan; 6) Geertz, Clifford. Local Knowledge: Further Essays in Interpretive Anthropology. 3 rd ed. New York: Basic Books, 2000.
Giddens, Anthony. A Contemporary Critique of Historical Materialism. 2 vols. Berkeley: University of California Press, 1981-1985. vol. 2: The Nation-State and Violence. Guha, Ranajit. Elementary Aspects of Peasant Insurgency in Colonial India. Delhi: Oxford University Press, 1983. Güran, Tevfik. 19. yüzyıl Osmanlı tarımı üzerine araştırmalar [19th Century Ottoman Agriculture]. Beyoğlu, İ stanbul: Eren, 1998. Habermas, Jürgen. The Structural Transformation of the Public Sphere: An Inquiry into a Category of Bourgeois Society. Translated by Thomas Burger with the Assistance of Frederick Lawrence. Cambridge, Mass.: MIT Press, 1989. (Studies in Contemporary German Social Thought) Hamadeh, Shirine. The City’s Pleasures: Istanbul in the Eighteenth Century. Seattle: University of Washington Press, 2008. (Publications on the Near East) Harootunian, Harry. Overcome by Modernity: History, Culture, and Community in Interwar Japan. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2000. İ slamoğlu, Huri (ed.). Constituting Modernity: Private Property in the East and West. London; New York: I. B. Tauris, 2004. (Islamic Mediterranean; 5) Kantorowicz, Ernst H. The King’s Two Bodies; a Study in Mediaeval Political Theology. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1957. Keane, John (ed.). Civil Society and the State: New European Perspectives. London; New York: Verso, 1988. ________. Democracy and Civil Society: On the Predicaments of European Socialism, the Prospects for Democracy, and the Problem of Controlling Social and Political Power. London; New York: Verso, 1988. Kershaw, Ian. Popular Opinion and Political Dissent in the Third Reich, Bavaria 1933- 1945. Oxford, [Oxfordshire]; Clarendon Press; New York: Oxford University Press, 1983. Laclau, Ernesto and Chantal Mouffe. Hegemony and Socialist Strategy: Towards a Radical Democratic Politics. Translated by Winston Moore and Paul Cammack. London: Verso, 1985. Lütfi, Ahmet. Tarih-i Lütfi [Lütfi’s History]. 9 vols. Istanbul: Mahmut Beğ Matbaası,
Moltke, Helmuth von. Lettres du maréchal de Moltke sur l’Orient. Traduites par Alfred Marchand; Préfacées par Auguste Nefftzer. 2ème éd. Paris: Sandoz et Fischbacher, 1877. Necipoğlu, Gülru. Architecture, Ceremonial, and Power: The Topkapi Palace in the Fifteenth and Sixteenth Centuries. New York, NY: Architectural History Foundation; Cambridge, Mass.: MIT Press, 1991. Owen, Roger (ed.). New Perspectives on Property and Land in the Middle East. With
Contributions by Martin Bunton [et al.]. Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 2000. (Harvard Middle Eastern Monographs; 34) Prof. Dr. Bekir Kütükoğlu’na armağan. İ stanbul: Edebiyat Fakültesi Basimevi, 1991. Rabinow, Paul (ed.). The Foucault Reader: An Introduction to Foucault’s Thought. New York: Penguin, 1984. Salvatore, Armando and Dale F. Eickelman (eds.). Public Islam and the Common Good. Leiden; Boston: Brill, 2004.(Social, Economic, and Political Studies of the Middle East and Asia; v. 95) Scott, James C. Seeing Like a State: How Certain Schemes to Improve the Human Condition Have Failed. New Haven: Yale University Press, 1998. (Yale Agrarian Studies. Yale ISPS Series) Shami, Seteney (ed.). Publics, Politics and Participation: Locating the Public Sphere in the Middle East and North Africa. New York: Social Science Research Council,
Socialist Register: The Retreat of the Intellectuals. London: Merlin Press, 1990. Stallybrass, Peter and Allon White. The Politics and Poetics of Transgression. London: Methuen, 1986. Sultan II. Mahmud ve Reformları Semineri: 22-30 Haziran 1989: Bildiriler. İ stanbul: Edebiyat Fakültesi Basımevi, 1990. Tsin, Michael. Nation, Governance, and Modernity in China: Canton, 1900-1927. Stanford, Calif.: Stanford University Press, 1999. (Studies of the East Asian Institute, Columbia University) White, Charles. Three Years in Constantinople; or, Domestic Manners of the Turks in 1844. 3 vols. London: H. Colburn, 1845.
Periodicals
Darnton, Robert. “An Early Information Society: News and the Media in Eighteenth- Century Paris.” American Historical Review: vol. 105, no. 1, February 2000. Deringil, Selim. “Abdülhamid dönemi Osmanlı İmparatorluğu’nda simgesel ve törensel doku: ‘görünmeden görmek’ [Symbolic and Ritualistic Structure in the Ottoman Empire during the Reign of Abdülhamid II: Seeing without Being Seen].” Toplum ve Bilim: vol. 62, 1993. Eley, Geoff. “Politics, Culture, and the Public Sphere.” Positions: East Asia Cultures Critique: vol. 10, no. 1, Spring 2002. Georgeon, François. «Le Sultan caché: Réclusion du souverain et mise en scène du pouvoir à l’époque de Abdülhamid II (1876-1909).” Turcica: vol. 29, 1997. Heyd, Uriel. “The Ottoman Ulema and Westernization in the Time of Selim III and Mahmud II.” Scripta Hierosolymitana: Studies in Islamic History and Civilization: vol. 9, 1961.
Holquist, Peter. ““Information Is the Alpha and Omega of Our Work”: Bolshevik Surveillance in Its Pan-European Context.” Journal of Modern History: vol. 69, no. 3, September 1997. Huang, Philip C. C. “The Paradigmatic Crisis in Chinese Studies: Paradoxes in Social and Economic History.” Modern China: vol. 17, no. 3, July 1991. ________. ““Public Sphere”/”Civil Society” in China?: The Third Realm between State and Society.” Modern China: vol. 19, no. 2: Symposium: “Public Sphere”/”Civil Society” in China? Paradigmatic Issues in Chinese Studies, III , April 1993. Kütükoğlu, Mübahat. “Osmanlı Sosyal ve İktisadi Tarih Kaynaklarından Temettü Defterleri [Income Registers as a Social and Economic Source Material of the Ottomans].” Belleten: vol. 59, no. 225, 1995. Mah, Harold. “Phantasies of the Public Sphere: Rethinking the Habermas of Historians.” Journal of Modern History: vol. 72, no. 1, March 2000. Necipoğlu, Gülru. “Framing the Gaze in Ottoman, Safavid, and Mughal Palaces.” Ars Orientalis: vol. 23: Pre-Modern Islamic Palaces , 1993. Özbek, Nadir. “Osmanlı İmparatorluğu›nda İç Güvenlik, Siyaset ve Devlet, 1876–1909 [Internal Security, Politics and the State].” Türklük Araştırmaları Dergisi: no. 16,
Ozouf, Mona. ““Public Opinion” at the End of the Old Regime.” Journal of Modern History: vol. 60, no. 3 (Supplement): Rethinking French Politics in 1788 , September 1988. Positions: East Asia Cultures Critique: vol. 10, no. 1, Spring 2002. Quataert, Donald. “Clothing Laws, State and Society in the Ottoman Empire, 1720- 1829.” International Journal of Middle East Studies: vol. 29, no. 3, August 1997. Wong, R. Bin. “Great Expectations: The ‘Public Sphere’ and the Search for Modern Times in Chinese History.” Chugokushi gakku = Studies in Chinese History: vol. 3, October 1993. Wortman, Richard. “Rule by Sentiment: Alexander II’s Journeys through the Russian Empire.” American Historical Review: vol. 95, no. 3, June 1990.
Document
Zubaida, Sami. “The Public and the Private in Islamic Law and Society.” (Aga Khan University), on the Web: <http://www.aku.edu/ismc/privpub-post.shtml> (Accessed on 2 August 2005