مجرمون أم شهداء؟ فلندع المحكمة تقرر! الإرث الاستعماري البريطاني في فلسطين وتجريم المقاومة
Criminals or Martyrs? British Colonial Legacy in Palestine and the Criminalization of Resistance
الملخّص
* أستاذة مساعدة في قسم التاريخ بجامعة بيرزيت في فلسطين. حائزة شهادة الدكتوراه في التاريخ من جامعة شيكاغو – الولايات المتحدة.
Abstract
This paper draws on examples from the volatile history of Palestine under the British Mandate (1919-1948) to show how the political legacy of Palestine’s colonization has formed the basis, in part, of “criminal law” and how this was used as a tool in building colonial rule in Palestine. In the wake of the Buraq (Wailing Wall) Revolt in 1929, the British introduced a new legal process in an effort to preserve their control of Palestine, and quell Arab resistance. Barakat explains how the British constructed a system of laws and legal procedures during their colonial tenure that were both reactionary and foundational both within the context of British presence in Palestine and in how their relatively short colonial rule has resonated well beyond its historic tenure. By providing a close reading of the British methods and procedures that, at the time, were part of a concerted effort to control a strategic colonial outpost, Barakat shows how the law was manipulated as a means of control, which subsequently contributed to the ultimate failure of their rule. In an effort to suppress a national movement, the British manipulated their own version of a localized judicial system, to create a criminalizing process that is still used as one of the primary means of controlling the Palestinian Arab population nearly a century later.
- السياسات الاستعمارية البريطانية
- المقاومة
- المحاكم الفلسطينية
- تجريم الاضطرابات
- عقوبة الإعدام
- British Colonial Policies
- Palestine
- Resistance
- Palestinian Courts
- Criminalization of Resistance
- Death Penalty
الإرث الاستعماري البريطاني في فلسطين وتجريم المقاومة
تأتي هذه المقالة بمثل تستمده من تاريخ الحقبة الانتدابية المتقلّبة في فلسطين - 1919(
1948)، لتبنيّ كيف أرسى الإرث السياسي للاستعمار في فلسطين بعضًا من أسس
«القانون الجنائي»، واستعمالاته كأداة في عملية بناء منظومة الحكم الاستعماري فيها. فرض
البريطانيون عقب هبّة حائط البراق/المبكى (1929) إجراء قانونيًا جديدًا، في محاولة منهم
للحفاظ على سيطرتهم على فلسطين وإجهاض المقاومة العربية ضد حكمهم. تفسر هذه
المقالة كيف أنشأ البريطانيون نظامًا من القوانين والإجراءات القانونية خلال فترة ولايتهم
الاستعمارية بموجب الانتداب على فلسطين؛ نظامًا تميّز بكونه رجعيًا ومؤسِسًا في الوقت
ذاته لكل ما أعقبه، أكان في سياق الوجود البريطاني في فلسطين أم في كيفية تجاوز صدى
هذه الولاية الاستعمارية القصيرة نسبيًا حدود حقبتها التاريخية تلك. تظهر هذه المقالة،
من خلال تقديمها قراءة ثاقبة للأساليب والإجراءات البريطانية التي شكّلت آنذاك جزءًا
من جهد متضافر للسيطرة على بؤرة استعمارية استراتيجية، كيف تم التلاعب بالقانون
كأداة سيطرة، وهو ما ساهم في نهاية المطاف في فشل حكم البريطانيين. وقد استخدم
البريطانيون، في محاولة منهم لقمع الحركة الوطنية، نسخة عن نظام قضائي محلي كانوا قد
وضعوه، فأنشأوا بذلك عملية تجريم لا تزال تُستعمل رغم انقضاء قرابة القرن عليها،
وذلك كأداة أساسية للسيطرة على السكان الأصليين العرب الفلسطينيين.
في 17 حزيران/ يونيو 1930، قاد حراس سجن بريطانيون في مدينة عكا الشمالية ثلاثة
رجال فلسطينيين إلى حبل المشنقة لتنفيذ عقوبة هي الأقصى وفق القانون الاستعماري الساري
في فلسطين الانتدابية القابعة تحت السيطرة البريطانية. تشكّل قصة هؤلاء الرجال الثلاثة: عطا الزير
ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي، فصالً بالغ الأهمية في تاريخ روايات الفلسطينيين العرب عن الاستشهاد
والتضحية الوطنية، إذ تحضر أسطورة هؤلاء الرجال بشدة في التاريخ الفلسطيني الشعبي. وعلى الرغم
من أن التأريخ البريطاني والصهيوني الذي حذا حذو المستعمرين قد صوّر هؤلاء على أنهم قتلة غير
عقلانيين، فإن التاريخ الفلسطيني الشعبي يحيي ذكراهم كشهداء معروفين يتناقل طلبة المدارس أسماءهم.
وكانت قصة تضحياتهم قد انصقلت أسطورة في الذاكرة الشعبية، لكن عادة ما تضيع تفصيلات قصصهم
أو تلك المتعلقة بالثورة التي شاركوا فيها في الرواية الوطنية الفلسطينية الأعم. كيف انتهى المطاف بهؤلاء
الرجال إلى أن يصيروا شهداء؟ أي كيف ولماذا قُتلوا؟ وكيف حسم استعمال القانون الاستعماري مآل هذه
المرحلة القصيرة، ولكن المفصلية، في التاريخ الفلسطيني؟ ستطرح هذه المقالة من خلال التركيز على الجوانب السياسية والقانونية لهذه الفترة المتقلّبة، كيف أنشأ
البريطانيون نظامًا من القوانين والإجراءات القانونية خلال فترة ولايتهم الاستعمارية بموجب الانتداب
على فلسطين؛ نظامًا رجعيًا ومؤسِسًا في الوقت ذاته لكل ما أعقبه، أكان في سياق الوجود البريطاني في
فلسطين أم في سياق أصداء هذه الولاية الاستعمارية القصيرة نسبيًا والتي تجاوز صداها حدود حقبتها
التاريخية تلك. علاوة على ذلك، وسيرًا على خطى الأكاديميين المتخصصين بالاستعمار الاستيطاني الذين
أدركوا بنية القانون كأداة قوة استعمارية، وفي محاولة لفهم «الاستعمار على أنه بنية لا حادث»، على حد وصف
باتريك وولف P. Wolfe()، تستقصي هذه المقالة حادثًا أنتجته مقدرة المستعمِر على تجريم المقاومة.
ستبنيّ هذه المقالة بصورة خاصة، عبر تقديم قراءة ثاقبة للأساليب والإجراءات البريطانية التي شكّلت آنذاك
جزءًا من جهد جمعي للسيطرة على بؤرة استعمارية استراتيجية، كيف تم التلاعب بالقانون كأداة سيطرة، وهو
ما ساهم في فشل حكم البريطانيين نهائيًا. وقد استخدم البريطانيون، في محاولة منهم لقمع الحركة الوطنية،
نسخة من نظام قضائي محلي كانوا قد وضعوه، فأنشأوا بذلك عملية تجريم لا تزال تُستعمل على الرغم من
انقضاء قرابة القرن عليها، وذلك كأداة أساسية للسيطرة على السكان الأصليين العرب الفلسطينيين. أرسى الإرث السياسي للاستعمار في فلسطين في فترة الانتداب بعضًا من أسس «القانون الجنائي»
واستعمالاته كأداة في عملية بناء منظومة الحكم الاستعماري في فلسطين. لقد كُتب الكثير عن القانون
كأداة تأسيسية في إنتاج المستعمِر وكذلك إنتاج أمّة ما بعد الاستعمار، وهناك مسألة أثارت، بصورة
خاصة، اهتمامًا جمًا لدى الأكاديميين المتخصصين بالاستعمار، ألا وهي استعمال القانون عبر التلاعب
الدستوري (بالاستناد إلى الدولة) الذي يسبق مع غيره بناء الدولة الاستعمارية أو يليها. بنيّ هؤلاء
الباحثون، بالاستناد إلى أعمال كلٍّ من المفكر الفرنسي ميشيل فوكو والمفكر الإيطالي جيورجيو أغامبن،
1 انظر: غسان كنفاني، أدب المقاومة في فلسطين المحتلة، 1948 - 1967 (بيروت: دار الآداب، 1966)، و Barbara Harlow,
Resistance Literature (London; New York: Routledge, 1987). 2 Patrick Wolfe, “Settler Colonialism and the Elimination of the Native,” Journal of Genocide Research , vol. 8, no. 4
للاطلاع على المزيد من المعلومات بشأن استحداث القوانين الجنائية في السياق الاستعماري والإمبراطوري، انظر: Sally Engle Merry,
Colonizing Hawai’i: The Cultural Power of Law (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2000).
للوقوف على مثال مفيد يبنيّ كيفية توخّي عدالة الاستعمار الاستيطاني حفظ النظام، حتى وإن كان نظامًا جائرًا ومعطوبًا، انظر المجموعة
A. Dirk Moses, ed., Genocide and Settler Society: Frontier Violence and Stolen القيمة بشأن القانون الاستعماري في أستراليا:
Indigenous Children in Australian History, War and Genocide; v. 6 (New York: Berghahn Books, 2005).
3 يتوجب طبعًا إكساب سياق «ما بعد الاستعمار» الصلاحية في حالة فلسطين/ إسرائيل، وعلى الرغم من أن الحكم البريطاني انتهى
بانتهاء الانتداب سنة 1948، منهيًا بذلك التدخل الاستعماري الأوروبي المباشر، فإنه لا يزال يشك ل سياقًا استعماريًا مستمرًا إلى حد كبير
في ظل الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين المحتلة.
أن تنظيم جزء من قوة الاستعمار وسلطته قد جرى عبر تخيّل القانون وتطبيقه. يدأب علماء القانون
في فلسطين/ إسرائيل عبر تكرارهم لهذا الإطار النظري على إظهار الإجراء الذي وُظفت فيه عملية
تجريم المقاومة لتكون أداة ناجعة في ترسانة دولة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني. تجدر الإشارة إلى
عدديْ «دفاتر عدالة» اللذين أصدرهما مركز «عدالة» – مركز قانوني تأسّس عام 1996، من أجل دفع
حقوق المواطنين العرب الفلسطينيين وتعزيزها في إسرائيل، والدفاع عن حقوق الفلسطينيين الذين
يقطنون الأراضي المحتلة - في سنتي 2002 و 2009، وكرّسهما لمناقشة الإسقاطات الفعلية والخَطابية
لهذا الموضوع في المأزق الاستعماري العنيف في فلسطين المحتلة.
تبنيّ مساهمات مركز «عدالة» المنجزة بدقة وبعمق فكري، طبيعة القوى الاستعمارية الماكرة في المضمار
القانوني إلى أقصى الحدود. بيد أن هذه الورقة ستعود بالزمن قليلا لتطرح مثاالً صغيرًا وبسيطًا للإجراء
الفريد الذي انتهجه الاستعمار البريطاني في فلسطين كجزء من جملة ترسانة أدواته الاستعمارية، ذلك
هو الإجراء القضائي للسيطرة على مستعمرتهم ولتعزيز منهج محدّد وفعال لممارسة السلطة، ومنهج
يشكّل أساس هذه التداعيات في السياق الفلسطيني - الإسرائيلي المعاصر. فرض البريطانيون عقب
ثورة حائط البراق/المبكى (1929) إجراء قانونيًا جديدًا، في محاولة منهم للحفاظ على سيطرتهم على
الفلسطينيين ولإجهاض المقاومة العربية لحكمهم، إالّ أن هذه القوانين والإجراءات الجديدة عززت
بدلا من أن تبدد، نبضًا وطنيًا كان قد تشكّل تمامًا في إثر الثورة، لتكشف هشاشة الاستعمار البريطاني.
وشكّل هذا النظام الجديد جزءًا من الأسس التاريخية للتجريم الاستعماري الراهن للمقاومة.
خلفية، القانون الاستعماري وفلسطين
يعدّ القانون الاستعماري عامة حقالً جرت دراسته بشكل معمّق، وخاصة تطور البنى الاستعمارية القانونية
البريطانية والمناورات القضائية في أنحاء الإمبراطورية التي هي غنية بالأبحاث. إن الوضع في فلسطين
في ظل الانتداب البريطاني فريد في التاريخ الاستعماري المعاصر، نظرًا إلى كونه نتاجَ اتفاقات ما بعد الحرب
4 على الرغم من أن فوكو تحديدًا لم يناقش السياق الاستعماري تمامًا، فإن الآخرين فعلوا ذلك، وخصوصًا تيموثي ميتشيل الذي بني
كيف استعملت الحكومة الاستعمارية في مصر البنى الليبرالية للقانون الحديث لإنشاء مؤسسات حكم وسيطرة، بغية الاستيلاء على عقلية
السكان المستعمَرين وجسدهم، فكانت أن عززت تلك المؤسسات السلطة الاستعمارية ضمن دولة نافذة. انظر: Timothy Mitchell:
Colonising Egypt (Berkeley: University of California Press, 1991), and Rule of Experts: Egypt, Techno-Politics, Modernity (Berkeley: University of California Press, 2002).
5 دفاتر عدالة: العدد 3: القانون والعنف (صيف 2002)، والعدد 5 (ربيع: حول التجريم 2009)، على الموقعين الإلكترونيين على
<http://adalah.org/Public/file/ADALAH_3_ARA%5b1%5d.pdf>, and <http://adalah.org/Public/file/AR_5_ARA. التوالي:
pdf> (Accessed 27/10/2013). Leslie Sebba, «The Creation and Evolution of Criminal Law in Colonial and Post-Colonial Societies,» Crime, 6 انظر: History, and Societies, vol. 3, no. 1 (1999), pp. 71-91.
على الرغم من أن تعريف «ما بعد الاستعمار» يثير إشكاليات كثيرة في سياق فلسطين وإسرائيل، نظرًا إلى استمرارية الوضع الاستعماري.
7 Nasser Hussain, The Jurisprudence of Emergency: Colonialism and the Rule of Law , Law, Meaning, and Violence (Ann Arbor: University of Michigan Press, 2003); J. J. R. Collingwood, Criminal Law of East and Central Africa , Law in Africa; no. 23 (London: Sweet and Maxwell; Lagos: African Universities Press, 1967); Maurice Eugen Lang, Codification in the British Empire and America (Amsterdam: H. J. Paris, 1924); Radhika Singha, A Despotism of Law: Crime and Justice in Early Colonial India (Delhi; New York: Oxford University Press, 1998); Markus Dirk Dubber, “The Historical Analysis of Criminal Codes,” Law and History Review , vol. 18, no. 2 (Summer 2000), pp. 433-440; Elizabeth Kolsky, «Codification and the Rule of Colonial Difference: Criminal Procedure in British India,» Law and History Review, vol. 23, no. 3 (Fall 2005), pp. 631-683, and Fazlur Rahman, “A Survey of Modernization of Muslim Family Law,» International Journal of Middle East Studies , vol. 11, no. 4 (July 1980), pp. 451-465.
العالمية الأولى التي أقرّت تقسيم مناطق العدو سابقًا، أي الإمبراطورية العثمانية. وهي أيضًا ثمرة محاولة
انبثقت عن تصوّر حديث النشأة ل«المجتمع الدولي» والمتمثّل في صيغة عصبة الأمم، وذلك من أجل
الإشراف على الانتداب بحجة الانتقال الوطني. وقد طُلب من القوى الأوروبية، بصفتها حكومات
انتدابية وفقًا لمبادئ ميثاق عصبة الأمم، أن تنشئ مؤسسات الدولة المحلية وتعزّزها في سياق منتظر لوجهة
تحقيق الدولة المستقلة. ونص البند 22 لميثاق الأمم المتحدة تحديدًا على الأسس الأيديولوجية والعملية لبنية
الانتداب. بناء على ذلك، عُهدت إلى القوى الانتدابية «الوصاية» على السكان المحليين كانطلاقة للارتقاء
باتجاه الاستقلال. ينص البند 22 بوضوح على أن «بعض الشعوب التي كانت ﺧﺎﺿﻌﺔ للإمبراطورية اﻟﻌﺜﻤﺎﻧﻴﺔ
قد وﺻلت إلى درﺟﺔ من التقدم يمكن معها الاعتراف مؤقتًا بكيانها كأمم ﻣﺴﺘﻘﻠﺔ، ﺧﺎضعة ﻟﻘبول الإرشاد
الإداري واﻟمساعدة من قبل الدول المنتدبة، إلى أن تصبح هذه الشعوب قادرة على النهوض وحدها». على الرغم من أن البريطانيين كانوا هم والفرنسيون قد صنّفوا المناطق الانتدابية في المشرق العربي وفقًا للفئة
أ (الدول المعاصرة التالية: لبنان وسورية والأردن وفلسطين/ إسرائيل والعراق)، فإن فلسطين كانت ظاهرة
فريدة؛ لأن علاوة على السيطرة المباشرة للبريطانيين عليها، تحولت أيضًا إلى معقل للحركة الصهيونية التي
كان مقرّها أوروبا. وأضافت تلك الحركة مكوّنًا أوروبيًا استعماريًا – استيطانيًا إلى الخليط الاستعماري.
ولم يقتصر الحكم البريطاني الذي أنشئ حديثًا في فلسطين أساسًا على السكان العرب الأصليين، وإنما سهّل
أيضًا – بل حاول- السيطرة أحيانًا على عملية بناء دولة للسكان اليهود المهاجرين. وقد أسفرت هذه التوليفة
عن سردية غير مستقرّة، وغالبًا عنيفة، لصراع على السيطرة على السياسة وعلى الأرض.
وعلى الرغم من أن الحضور الاستعماري كان قد ولّد المقاومة منذ البداية، فإن ثورة البراق شكّلت لحظة
تاريخية مفصلية لكونها محطة بارزة في تاريخ المقاومة المستديمة التي امتدت على طول البلاد وعرضها، وكانت
فاتحةً لمرحلة متقلّبة في حقبة الحكم الانتدابي. اندلعت الحوادث من القدس، وبالتحديد من حائط البراق/
المبكى، المحور الرمزي، في آب/ أغسطس 1929، وسرعان ما انتشرت في البلدات والمدن الأخرى في أنحاء
فلسطين. قُتل على مدار أسبوعين 116 عربيًا و 133 يهوديًا؛ إذ امتدّت الاشتباكات إلى المدن المركزية من
صفد شماالً وحتى الخليل جنوبًا. صحيح أن النزاع على الحائط المقدّس تحديدًا بسبب مكانته الدينية لكلٍّ
من المسلمين واليهود كان قد بدأ يتنامى منذ نحو عام واحد، إالّ أن التوترات الطائفية الأولية لم تكن سوى
أعراض للصراع بين هويات قومية متنافسة. وما إن اتسع نطاق الاشتباكات متجاوزًا حدود القدس،
8 اﻟﻤﺎدة ٢٢ ﻣﻦ ﻋﻬﺪ ﻋﺼﺒﺔ اﻷﻣﻢ ٩١٩١، (تم توقيع الميثاق في 28 حزيران/يونيو 1919، وأصبح ساري المفعول في 10 كانون الثاني/
League of Nations, The Covenant of the League of Nations , Re-printed in: The Israel-Arab Reader: A يناير 1920 انظر:).
Documentary History of the Middle East conflict , 6th Rev. and Updated ed., Edited by Walter Laqueur and Barry Rubin (New York: Penguin Books, 2001), pp. 30-36.
9 للاطلاع على مزيد من المعلومات بشأن الانتداب، انظر على سبيل المثال: The Iron Cage: The Story of the Palestinian Rashid Khalidi,
Struggle for Statehood (Boston: Beacon Press, 2006); Weldon Matthews, Confronting an Empire, Constructing a Nation: Arab Nationalists and Popular Politics in Mandate Palestine , Library of Middle East History; v. 10 (London: I. B. Tauris, 2006); Tom Segev, One Palestine, Complete: Jews and Arabs under the Mandate , Translated by Haim Watzman (New York: Henry Holt and Company, 1999), and Ann Mosely Lesch, Arab Politics in Palestine, 1917-1939: The Frustration of a Nationalist Movement , Modern Middle East Series; v. 11 (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1979). 10 للاطلاع على تحليل كامل لثورة البراق، انظر: Rana Barakat, «Thawrat al-Buraq in British mandate Palestine: Jerusalem,
Mass Mobilization and Colonial Politics, 1928-1930,» 2 vols. (Ph. D. Dissertation, University of Chicago, Dept. of History, 2007).
11 للاطلاع على مزيد من المعلومات بشأن النزاع على الحائط تحديدًا، انظر: Philip Mattar, «The Role of the Mufti of Jerusalem in
the Political Struggle over the Western Wall, 1928-29,» Middle Eastern Studies, vol. 19, no. 1 (January 1983), and Mary Ellen Lundsten, «Wall Politics: Zionist and Palestinian Strategies in Jerusalem, 1928,» Journal of Palestine Studies, vol. 8, no. 1 (Autumn 1978), pp. 3-27.
حتى وجدت قوات الشرطة البريطانية الانتدابية حالها مربكة وغير مهيأة لمواجهة ثورة السكان الأصليين.
وعلى الفور طلب مكتب المندوب السامي دعامً عسكريًا، فجوبهت الثورة بقوة هائلة وتدابير وحشية شملت
عددًا هائالً من الاعتقالات الاستثنائية، وإنشاء محاكم عسكرية بموجب أنظمة الطوارئ. العدالة الاستعمارية في ظل حكم الانتداب – تكوين المحاكم والقانون أقام الانتداب البريطاني جهازًا قضائيًا يعتمد الفلسفة ذاتها التي يتّبعها الانتداب في أشكال إدارته المحلية
الأخرى. وقد جمع هذا الجهاز بين صيغ أنظمة قضائية بريطانية وأخرى محلية في الوقت ذاته. وعلى مدى
الحكم الانتدابي، شهد النظام القضائي في البلاد عملية تحوّل شملت الأحكام الإسلامية والفرنسية
السائدة، بالإضافة إلى مكوّنات من القانون العرفي الإنكليزي، ضمن عملية يشار إليها بال«الأنكلزة»
Anglicization(). وكانت نتيجة تلك العملية، بحسب ما وصفها المدعي العام الأول في فلسطين
الانتدابية، نورمان بينويتش، تَشك ل «فسيفساء مكونة من نقش تؤلفه مجموعة حصى قانونية: عثمانية
وإسلامية وفرنسية ويهودية، يُضاف إلى هذا كله – القوانين الإنكليزية ».
على غرار مظاهر أخرى للحكم الانتدابي البريطاني الاستعماري، حاول البريطانيون أن يحتفظوا بالنظام
القضائي العثماني السابق كصيغة للوضع الراهن (status quo) (وهو نظام جمع بين الشريعة الإسلامية
- وكنتيجة للإصلاحات العثمانية الأخيرة - عددًا من القوانين المستوحاة من قانون نابليون في ما يخص
العمليات الجنائية والتجارية والإجرائية التي جاءت نتيجة إصلاحات عثمانية متأخرة. أمّا في ما يتعلّق
بقانون الأحوال الشخصية، فطُبّق قانون الطوائف الدينية في فلسطين). في الوقت الذي أبقى فيه البريطانيون
على مقدار معنيّ من القانون العثماني، قاموا بإدخال تعديلات على هذه القوانين على مدار العقود الثلاثة
التي حكموا فيها، وهو ما أدى في النهاية إلى هيمنة القانون العرفي الإنكليزي على النظام. والأهم من
ذلك هو أن المطالب السياسية البريطانية غذّت الإجراءات والوسائل التي تطبّق العدل بموجبها. علاوة
على ذلك، هيمنت هذه المطالب السياسية على بنية القانون الجنائي في حال الاضطرابات. وعلى الرغم من
بنية الوضع الراهن الذي زعم البريطانيون حفاظهم عليها، فإن التغيرات التي طرأت على المحاكمات في
القضايا الجنائية المتعلقة بالاضطرابات أنشأت مفهومًا استعماريًا جديدًا هو ال«العدالة السياسية».
أصدر المفوض السامي جون تشانسلور J. Chancellor() غداة عودته العاجلة إلى فلسطين بيانًا في 4 أيلول/
سبتمبر 1929، مفسرًا إلى حد ما أسلوب المحاكم ومضمونها، بدعوى أنها ستقام من أجل النظر في القضايا
«الجنائية» الناجمة عن الاضطرابات. فمبوجب الأمر رقم 31 (1929)، أو أمر تعديل المحاكم، يخوَّل قضاة
بريطانيون فقط النظر في هذه القضايا، فيما يستثنى القضاة الذين يحملون الجنسية الفلسطينية (عربًا أكانوا أم
يهودًا). كما أدخل أمر تعديل المحاكم مسارًا سريعًا على العملية الاستئنافية من أجل تبسيطها وجعلها أكثر
فاعلية. إالّ أن هذه الإجراءات الخاصة أدّت إلى النتائج المعاكسة لما أراده لها البريطانيون؛ ففي الوقت الذين
كان البريطانيون يحاولون التغلب على متاعبهم وعجزهم في الحكم، قمعوا القضايا الأساسية التي أتوا من
أجلها، وتجاهلوها، وهو ما عزّز شعور العرب العام بالسخط في إثر الاشتباكات.
12 Norman Bentwich and Helen Bentwich, Mandate Memories, 1918-1948 (New York: Schocken Books, 1965), p. 201.
13 شاعت هذه الإجراءات في السياق الاستعماري، إذ استُعمل “ القانون ” كجزء من مهمة التحرضّCivilization Mission) (التي
تزعم جلب «الحداثة» للمستعمَرين، وبذلك يتم التلاعب بالعملية القضائية لتحقيق المزيد من الغايات الاستعمارية والإمبريالية. انظر:
. Merry, Colonizing Hawai’i
عمومًا، وقبل وضع القواعد الخاصة بشأن «محاكم الشغب»، كان يجري النظر في قضايا النزاعات الجنائية
في محاكم الصلح المحلية التي شغلها بريطانيون ويهود وعرب من قضاة الصلح. وبموجب وثيقة
قانون المحاكم (1924)، تتألف هيئة المحاكم الجنائية الدورية التي كانت تبتّ قضايا جرائم تخضع
لعقوبة الإعدام، وبصورة طبيعية، من رئيس المحكمة العليا أو أحد قضاتها البريطانيين، والرئيس
البريطاني للمحكمة المحلية برفقة اثنين من قضاة المحكمة، وهم يجلسون لسماع المحاكمة. إذًا، كان
اثنان من مجموع هؤلاء القضاة الأربعة بريطانيين واثنان فلسطينيين (من العرب أو من اليهود). لقد
نص أمر تعديل المحاكم الذي سُن في إثر الاشتباكات على أن تقتصر المحكمة الجنائية الدورية على
قاضيين بريطانيين فحسب، وقد عدّل القانون الجديد عملية التعيين هذه لتشمل الإجراء الاستئنافي
أيضًا. يجدر ذكر أنه علاوة على طبيعة المسار السريع لعملية الاستئناف المتاحة ضمن المحاكمات
الجنائية المتعلقة بالاضطرابات، كان الاستئناف الخارج عن المحكمة الجنائية الدورية الخاصة والمقدّم
إلى المحكمة العليا (بموجب صلاحيتها كهيئة استئنافية) يتألف من هيئة من ثلاثة قضاة، يُفترض أنهم
لم يشكلوا جزءا من المحكمة الدورية التي اتخذت القرار الأولي. ويُذكر أن القضاة المحليين استُثنوا
من إجراء الاستئناف، وكأن بإبعاد العنصر أو المؤثر المحلي، يضمن البريطانيون عملية لا تختلط بها
السياسة. وطغت أيضًا هذه المحاولة الجلية لفصل السياسة عن الإجراءات بصورة سطحية، على
المنحى العام لعملية المحاكمة. ويبدو جليًا أن الإدارة البريطانية اعتقدت أن من شأن تركيزها على
العنف كفعل جنائي أن «يعقّم» العملية. إالً أنهم فعليًا، كانوا قد أدخلوا بنية استعمارية جديدة إلى
فلسطين تجاوزت أصداؤها حقبة البراق، حين حاولوا في أفضل الحالات تجاهُل التداعيات السياسية
الواضحة للاضطرابات العربية، وفي أسوأ الحالات قمعها. أصدرت جمعية المحامين العرب في القدس في 11 تشرين الأول/ أكتوبر تقريرًا نقديًا عن «محاكم الشغب»،
في الوقت الذي كان الإجراء الجنائي جاريًا على قدم وساق. وردت في التقرير سبع نقاط اعتراض أوّلية
على الإجراءات الجنائية الجديدة، ومن ذلك شكوى مفادها أن التصريح الصادر عن المفوض السامي في
الأول من أيلول/ سبتمبر قد أفسد الجو وجعل المحكمة منحازة ضد العرب. ووثّق المحامون تحيّزًا خطِرًا
معاديًا للعرب، وكان وفق كلامهم «إنكارًا بالغًا لحقوق العرب في أرجاء فلسطين»، وقد تسبّبت بعائق لا
يمكن تذليله يحول دون تقدّم العملية. واشتكى المحامون أيضًا من سرعة الاعتقالات والمحاكم التي
عدّوها عقبات تعرقل السعي إلى العدالة أيًا كان نوعها. وادعى المحامون أن المحاكم المقتضبة التي أقيمت
على عجل لا تحترم القانون، ولا تنفك المحاكم المنشأة حديثًا جاهدة تهين محامي الدفاع العرب، جاعلة
14 للاطلاع على النقاش الكامل الدائر بشأن محاكم الدولة خلال فترة الانتداب، انظر: Law and Identity in Assaf Likhovski,
Mandate Palestine , Studies in Legal History (Chapel Hill, NC: University of North Carolina Press, 2006), pp. 21-45. 15 Disturbances, Death Sentences, Part I, TNA/CO 733/180/6, pp. 22-35.
16 الإجراءات الجنائية التي ينص عليها أمر المحاكمة بالاعتماد على معلومات (1924)، وتسري على استئناف يقدم
للمحكمة العليا بصدد أحكام بالسجن تتجاوز مدتها السنة. يكون الاستئناف أتوماتيكيًا في حالة الحكم بالإعدام. لم تكن
هناك تركيبة ثابتة لجلسات المحكمة العليا بشأن الاستئناف على قرارات المحاكم [الجنائية] الدورية، ولكن عادة ما تشكّلت
المحكمة من خمسة قضاة (بريطانيين وفلسطينيين).
17 إالّ أن هذا الوضع لا ينطبق في معرض الحديث عن المحاكمات. لقد ادعى الخبير القانوني وقتئذ، نورمان بنتويش، أن من
أجل استكمال الإجراءات بصورة سريعة وناجعة، فإن المنطق يستعصي على قبول توافر عدد كاف من القضاة البريطانيين في مكان
صغير مثل فلسطين، لمنع هذا الازدواج. انظر: تقرير نورمان بنوتيش لمحكمة الاستئناف في لندن: TNA/CO 733/180/6, p. 25.
18 صدر هذا التقرير مرّة أخرى في: فلسطين،.1929/10/15
19 المصدر نفسه.
عملهم أصعب ممّا هو عليه. وخلص التقرير إلى أنه «نظرًا إلى هذه الأسباب كلها، نقدم هذه الشكاوى
نيابة عن السكان العرب في فلسطين ونحث الحكومة على أن تعي واجباتها في إحلال العدالة». بيد أن
المحاكم الجنائية تابعت عملها على الرغم من هذه المعارضة العربية الشديدة ضد الإجراء.
اعتمد القانون الجنائي الذي كان ساريًا في فلسطين على «قانون العقوبات العثماني» الذي أجرت عليه
حكومة الانتداب تغييرات مهمة، وتحديدًا أمر «تعديل القانون الجنائي» (1927). ويخص بالذكر البندين
169 و 170 بصدد عقوبة الإعدام واللذين نصّا أنه فقط في أوضاع سبق الإصرار والترصد الواضحين
يمكن الحكم على المدعى عليه بالإعدام. بالإضافة إلى ذلك، تبنّى أمر تعديل القانون الجنائي القاعدة
الإنكليزية المتعلقة بمبادئ الجريمة وتابعيها، وهو ما أدى إلى توسيع فئة «الأشخاص الشركاء في المخالفة»
بشكل جوهري لتشمل هؤلاء الذين ارتكبوا الجريمة الفعلية، أو الذين مكّنوا من حدوثها بأي طريقة،
وعلموا بها أو ساعدوا في تنفيذها بشكل عام. كان هذا المعيار مهامً في محاكمة هؤلاء المتّهمين بالقتل في
أثناء الاضطرابات؛ إذ حتى لو لم تجد النيابة العامة أدلة ملموسة تدين هؤلاء المتهمين، فإن اشتراكهم في
الاشتباكات يشكّل بحدّ ذاته أساسًا كافيًا لإصدار حكم بإدانتهم. بهذه الطريقة تم تجريم العنصر السياسي
للاشتباكات بنجاعة من ضمن التصنيف العام لعنف الجماهير الغوغاء. علاوة على ذلك، وكما سنرى
عامّ قريب، فإن هذا قد أدّى دورًا مفصليًا في القرار السياسي النهائي للمفوض السامي جون تشانسلور
بإقرار عقوبة الإعدام بحق الرجال العرب الثلاثة الذين أُعدموا - وهو قرار اعتمد على دورهم ك«قادة»
الاضطرابات الشعبية في الخليل وصفد.
أقيمت ثلاث محاكم في القدس وحيفا ويافا وفقًا لهذا الإجراء القانوني المنشأ خصيصًا لهذا الغرض.
وجرت محاكمة ما يزيد على 700 عربي و 106 من اليهود بتهم ارتكاب مخالفات خلال الاضطرابات.
أمّا المحصلة، فكانت كالآتي: دين ما مجموعه 124 عربيًا بتهمة القتل، 55 منهم دينوا و 25 حُكم عليهم
بالإعدام، وا 50 بمحاولة القتل ودين 17 منهم. كما دين 150 عربيًا بارتكاب أعمال نهب وبافتعال م
حريق متعمد، ودين 219 بتهم بسيطة. وا 70 يهوديًا بالقتل، ودين اثنان وحكم عليهما بالإعدام، كما م
ا 39 م يهوديًا بمحاولة القتل، ودين واحد منهم. بالإضافة إلى ذلك، ا م سبعة يهود بالنهب، وتسعة
آخرون بانتهاكات بسيطة متعلقة بتصرفاتهم في أثناء الاشتباكات.
تجريم الاضطرابات
أتبع المفوض السامي البريطاني في فلسطين جون تشانسلور بيانه الشعبي الأول، الذي كان قد أصدره في الأول
من أيلول/ سبتمبر في إثر ثورة البراق، ببيان آخر في 4 أيلول/ سبتمبر. وصرّح فيه أن الحكومة ستلاحق
جميع هؤلاء الذين خالفوا حكم القانون خلال الاشتباكات، موضّحًا أن جميع المجرمين عرضة لهذا الإجراء،
عربًا أكان المتهمون أم يهودًا. وجاء هذا التصريح إلى حد ما ردًا على الانتقادات المحلية والإقليمية لكلامه
20 انظر: المصدر نفسه. يُشار إلى أنه نظرًا إلى كون التقرير قد صدر في القدس، فالأغلب هو أن فضال كبيرًا في ذلك يعود إلى عوني
عبد الهادي. وقد كان عبد الهادي لاحقًا على رأس فرق الدفاع عن أغلبية المتهمين العرب في المحاكمات الأولية، وساهم في التماساتهم
الاستئنافية. ومن المفارقات أن موسى العلمي، أحد زملائه المحامين صاحب الإرث القومي في التاريخ الفلسطيني، كان واحدًا من ممثلي
النيابة العامة خلال المرحلة الأولى من المحاكمات في فلسطين.
21 تقرير نورمان بنوتيش لمحكمة الاستئناف في لندن: TNA/CO 733/180/6/ff33, pp. 11-15.
22 فلسطين،.1929/10/15
23 Norman Bentwich, England in Palestine (London: K. Paul, Trench, Trubner and co., ltd., 1932), p. 203.
24 أصدرت «اللجنة التنفيذية العربية» والمفتي وزملاؤه، بالإضافة إلى القادة السياسيين في عدة عواصم عربية، من بينها دمشق، بيانًا
حمل شكوى رسمية ضد بيان تشانسلور.
الطنان الذي اتهم فيه العرب فقط بالمس بالأمن العام. والأهم من ذلك على أي حال هو أنه كان جزءًا من
الجهد البريطاني الإجمالي الذي يسعى إلى وضع توجيهات للمرحلة التي أعقبت الاشتباكات والسياسة التي
سينتهجونها في ما بعد، لدى التعامل مع الاحتجاج السياسي العربي الفلسطيني دون غيره على أنه فعل عنف
جنائي، متجاهلين أو كابحين العنصر السياسي للاحتجاج. وقد تضمن هذا البيان تصريح وزير المستعمرات
الذي شرح مهمة «لجنة التحقيق» المكلفة بتحري الاشتباكات. كانت بنود تكليف اللجنة التي ترأسها المحامي
البريطاني والتر شو W. Shaw() محل خلاف محتدم في وزارة المستعمرات، إالّ أن الغلبة في النهاية كانت لهؤلاء
الذين دعموا أن يكون تفويضها محدودًا بحيث أُمِرَتْ اللجنة باستقصاء «الأسباب المباشرة التي أدت إلى
الحوادث الأخيرة». ولم يُسمَح بمناقشة قضايا سياسية، كما أُخطرت اللجنة بأالّ تتناول قضايا سياسية
أساسية في تقريرها النهائي. فضالً عن ذلك، انعكست التداعيات الناجمة عن حدود هذه البنية في وصف
الإجراءات الجنائية لمحاكمة هؤلاء الذين ا موا بال«القتل والتشويه» بعد الاشتباكات، ومن ثم إدانتهم؛
فقد وضع تشانسلور الإطار الرسمي لمحاكمة «الجناة من دون تمييز على أساس العرق أو المذهب» وفق أمر
(تعديل) المحاكم الذي سُنّ في اليوم السابق. وأقام هذا القانون الجديد نظامًا سيحقق البريطانيون من خلاله
«العدالة الاستعمارية» وفق تجريمهم الرسمي للاضطرابات. في تناقض صارخ مع ما تقدّم، عربّ تشانسلور وآخرون في الإدارة في اتصالاتهم الداخلية عن شعورهم
بالإحباط تجاه الموقف السياسي المتعذّر الدفاع عنه والمتمثّل في تشجيع نضال قومي واحد على حساب
غيره؛ فقد كانت الواجهة الشعبية لإدارة تشانسلور عازمة على تصوير الاضطرابات بأنها ليست أكثر من
أفعال عشوائية (لا تحركها دوافع) من العنف الهمجي والإخلال بالنظام العام. أولا، قلّصت الحكومة
نطاق تفويض لجنة شو، فأحبطت بذلك أي نقاش سياسي حقيقي في عمل اللجنة وتقريرها النهائي. علاوة
على ذلك، كان الإجراء الذي أرستْ الحكومة من خلاله سيرورة جنائية جديدة ذُكِرت أعلاه، قد عزّز
هدف الحكومة العام بتهميش الاضطرابات. وعلى الرغم من أن إدارة تشانسلور تحكّمت بجميع جوانب
هذه السيرورة الجنائية، فإنها لم تستطع السيطرة على الآثار التي تخلّفها على المدى البعيد. عكَس تصرّف
البريطانيين، قضاة ومندوبين، الروح الجَمْعيّة المعاصرة للبريطانيين لدى التعامل مع الاضطرابات، ووفّر
الرموز التي شكّلت إرث الثورة. حاكمت الحكومة المحلية عبر المحاكم التي أنشئت حديثا مئات الرجال
بتهم ارتكاب جرائم في مدن مختلفة في أنحاء البلاد. وأنشئت المحاكم التي دانت هؤلاء الرجال من أجل
تحقيق الهدف العاجل للإمعان بقمع الدوافع السياسية للاشتباكات وتأسيس الإطار الأسرع لل«عدالة»
الذي استطاعت الحكومة من خلاله تعزيز سيطرتها على البلاد. شابت الريبة رد العرب على التصريح الثاني لتشانسلور، أسوة بردّهم على بيانه الأول الصادر في الأول
من أيلول/ سبتمبر والذي وصفه المعلقون العرب ب«إعلان اللوم». وعلى الرغم من محاولة البريطانيين
إضفاء وصف عام مجرد من التفصيلات على سياسات المرحلة، وتصويرها على أنها «عدالة» قانونية، فقد
أدرك المعلقون المحليون نية الحكومة استعمال ذريعة المحاكم الجنائية كأداة للإمعان بقمع المعارضة العربية
المناهضة لاستعمار فلسطين. فشككت مقالة صدرت على الصفحة الأولى من جريدة فلسطينالواسعة
25 Abd al-Wahhab Kayyali, Palestine: A Modern History (London: Croom Helm, 1978), pp. 148-151; Martin Kolinsky, Law, Order, and Riots in Mandatory Palestine, 1928-35 , Studies in Military and Strategic History (New York: St. Martin’s Press, 1993), pp. 49-58, and Yehoshua Porath, The Emergence of the Palestinian-Arab National Movement, 1918-1929 (London: Cass, [1974]), pp. 3-8. 26 «Williams Memo, 4 September 1929», Commission and Inquiry, TNA/CO/733/176/2. 27 John Chancellor Papers, Rhodes House, Oxford University, Box 11, file 4, ff. 89-90
الانتشار والصادرة باللغة العربية في يافا بمفهوم البريطانيين للعدل في ضوء تصرفهم إزاء الاشتباكات. وعلى
الرغم من ادعاء تشانسلور غير ذلك، خلص كاتب المقالة قبيل ابتداء الإجراء إلى أن «السجون والمحاكم
[البريطانية] في فلسطين معدة للعرب فقط... الضحايا الحقيقيين للعدالة البريطانية المزعومة». وفي
رسالة مفتوحة لم تحمل توقيعًا كانت قد نشُرت في جريدة الكرملالصادرة في حيفا، سخر كاتبها من استعمال
كلمة «عدالة» من جانب حكومة تلوم ضحاياها، وقال «ليس هناك حكومة [تكترث بالعدالة حقًا] وتدعم
في الوقت ذاته، السياسات الجنائية... لتدمير شعب وأمة». وعلى الرغم من مساعي البريطانيين لإنشاء
عملية قانونية تعالج الاضطرابات الخالية من السياسة، فإن الاشتباكات بطبيعتها كانت تندلع بسبب محفزات
سياسية، وهو ما حال دون تمكّنهم من إرساء نظام خارج عن الواقع السياسي لفلسطين.
المحاكم والاستئنافات، سياسة عقوبة الإعدام
كانت محصلة سبع محاكمات منفصلة عقوبة الإعدام للمتهمين العرب على مدار الخريف والشتاء بين سنتي
1929 و 1930. وقد تناولت جميع القضايا الاشتباكات التي جرت في مدينتيْ الخليل وصفد في 24
و 29 آب/ أغسطس على التوالي. ولم يُسمح للدفاع طوال المحاكمات بتقديم أي مواد أو إجراء أي استجواب
من شأنه عرض الاشتباكات من منظور سياسي. ومن أجل إبعاد السياسة عن المحاكمات، أملت الإدارة بأنها
عبر معاملة المدعى عليهم العرب كمجرمين فقط ستنجح في إحباط الواقع الذي يسريّ الاشتباكات. فعلى
سبيل المثال، أجهضت المحكمة بسرعة، خلال محاكمة جنائية دورية لثلاثة رجال من صفد، أي نوع من
التلميح السياسي. في هذه الحالة، كما في الحالات الأخرى، كان إذا ذُكر أي سياق سياسي، تقوم المحكمة
بالاعتراض بموجب مبدأ عدم السماح بإدخال شؤون سياسية، لدرجة أنه لم يتم حتى الإجابة عن أسئلة
بسيطة. فمثالً حينما حاول الدفاع تقديم صورة عن الوضع في صفد خلال الأسبوع ما بين 23 و 29 آب/
أغسطس، استجوب محامي الدفاع شاهدًا محليًا (الشيخ علي صلاح الدين، مدرّس مادة الدِّين في مدرسة
حكومية محلية)، فسأله هل كانت هناك مشاعر ضغينة ضد اليهود قبل الحرب وقبل وعد بلفور؟ إالّ أن
المحكمة ألغت السؤال قبل أن يتمكن الشاهد من الإجابة عنه. عندها سأله المحامي هل كان يعرف أنه كان
لليهود ضلع في حائط البراق/المبكى في آب/ أغسطس (نسبة إلى الاستفزازات اليهودية عند الحائط)؟ لكن
المحكمة رفضت السؤال مرة أخرى قبل أن يجيب الشاهد. هكذا، ومن دون أن يكون للدفاع القدرة على
إضفاء أبعاد سياسية للقضايا القانونية، اتجه نحو الوسيلة البديهية التالية، وهي التشكيك في المحاكمة. اعتمدت طواقم الدفاع المحلية في دفاعها خلال جلسات المحاكم الأصلية في فلسطين صيغة التشكيك في
عناصر القانون، فركّزت في أثناء عملية الاستئناف على الإجراءات التي وُضعت عقب الاضطرابات. ثم
شكّك أيضًا الدفاع الذي يمثّل المتهمين العرب في طبيعة الإنشاء العاجل للمحاكم والتطبيق الفضفاض
للقانون المحلي. بناء على ذلك، ليس من المفاجئ أن يتحدى الدفاعُ الادعاءَ العام في القضايا السبع جميعها
28 «أبرياء،» فلسطين،.1929/9/12
29 «الدرب المؤدية للسلام؟،» الكرمل،.1929/9/14
30 المحاكمة الثامنة في قضية يوسف مزراحي أورفلي، المتهم اليهودي الوحيد، وقد أسفرت عن حكم بعقوبة الإعدام. كانت قضيته
ما زالت معلقة في المحكمة، عندما نُفذ حكم الإعدام بالرجال العرب الثلاثة، فخفّف تشانسلور لاحقًا تهمه قبيل استكمال إجراءات
الاستئناف في قضيته.
31 محضر جلسة الحكمة الجنائية الدورية في قضية أحمد جابر الخطيب، وعارف توفيق غنايم، ونايف توفيق غنايم (18 تشرين الأول/
أكتوبر 1929:)، انظر TNA/CO 733/181/3, pp. 31-63.
32 انظر: TNA/CO 733/181/3, p. 62.
في ما يتعلّق بفكرة «سبق الإصرار» premeditation(). وتشكل دعوى الاستئناف أمام «مجلس الملكة
الخاص» في قضية مصطفى أحمد دِبلِس ضد المدعي العامخير مثال على هذا الادعاء؛ فقد ادعى الدفاع
تحديدًا أن التمييز في القانون العثماني بين سبق الإصرار والترصد وبين القتل، يختلف عنه في القانون
الإنكليزي؛ فبموجب القانون العثماني، «لا يقتل الشخص عن سبق الإصرار والترصد إالّ إذا كان القتل
عن قصد متعمد، بعدما يتوافر للشخص الوقت لعقد العزم على ذلك، ويفكر فيه مليًا ثم ينفذ أخيرًا ذلك
القصد». كما ادعى الدفاع أن العنف كان نتاج اشتباكات عفوية ينفي تعريفها الجوهري أي شكل من
أشكال سبق الإصرار والترصد. ينص الادعاء [التالي]:
«يشكّل القتل في هذه القضايا جزءًا من سلسلة حوادث وقعت في صفد خلال الاضطرابات المدنية في 29
[آب/ أغسطس] نتيجة هيجان ديني نشب على خلفية الاختلافات بين المحمديين العرب واليهود. وفي ظل
غياب أي دليل مثبت بأن الاضطرابات المدنية كانت نتيجة تحضير مسبق ونية مبيّتة للعرب بالهجوم وقتل اليهود.
بناء عليه، يجب التسليم بأنه وفقًا للقانون العثماني، لم ترتكب جرائم القتل عن سبق الإصرار والترصد». بغضّ النظر عن التفصيلات المحدّدة لهذه القضية بالذات، فإن الحجة بشأن «سبق الإصرار والترصد»
عكست، بصورة عامة، المقاربة التي تبنّتها مختلف طواقم الدفاع عن المتهمين العرب. وقد ناقش التماس
آخر قُدّم إلى «مجلس الملكة الخاص» للدفاع عن مجموعة رجال من صفد ضمت فؤاد حجازي الذي
أُعدم في النهاية، أنه إذا تم تطبيق القانون العثماني بشكل سليم، فإنه يمكن اعتبار أن المُدعى عليهم فعلوا
فعلتهم في جو «الهيجان الديني الذي اندلع بسبب الاختلافات ما بين المحمديين العرب واليهود».
كما استُعملت هذه المعادلة الأساسية ذاتها في استئناف محامي الدفاع عن متهمين عرب من الخليل، حيث
وُصفت حوادث 24 آب/ أغسطس بأنها «عفوية... اضطرابات مدنية... [كما أنها] ليست ناتجة من
تحضير مسبق ونية مبيّتة للعرب بالهجوم وقتل اليهود».
أثير الدافع ذاته في المرافعة الشفوية أمام «مجلس الملكة الخاص» في لندن، حينما ادعى محامو الدفاع أنه
لا يمكن للإدارة البريطانية أن تدين الرجال وتعدمهم بناء على حجج ليست قائمة في القانون العثماني.
وادعى الملتمسون أن «الإنكار السافر للعدالة الطبيعية» هو ما أدى إلى إدانة هؤلاء الرجال. علاوة
على شكوى أن إجراءات المحكمة وأحكامها لم تحترم القانون المحلي؛ فقد ادعى محامي الدفاع الإنكليزي
33 كانت هذه المحاكمةَ الوحيدة التي جرت من دون أن يكون فيها عدد من المدعى عليهم من الذين حوكموا أصالً في المحكمة الجنائية
الدورية من جانب القاضيين كوري وليت، اللذين دانا المدعى عليه بالقتل عن سبق الإصرار والترقب وحكما عليه بالإعدام في 5 تشرين
الثاني/نوفمبر 1929 بموجب البند 170 لقانون الجنايات العثماني والجزء 1(3)(ب) والجزء 9 لأمر تعديل القانون الجنائي (رقم 2) من
سنة 1927. أقرّت المحكمة العليا في فلسطين هذا الحكم في 2 كانون الأول/ ديسمبر.
34 من نص طلب الدفاع المقدم ل«مجلس الملكة الخاص:» TNA/CO 733/180/6, pp. 56-61.
35 TNA/CO 733/180/6.
36 في قضية كلٍّ من رشيد سليم حاج درويش ومحمد سليم زينب وفؤاد حسن حجازي وجمال سليم خولي وعلي سليم حاج درويش وتوفيق
عبد أحمد ورشيد محمد خرطبيل وأحمد صالح كيلاني ضد المدعي العام – المدانين بالقتل والمحكوم عليهم بالإعدام في المحكمة الجنائية الدورية
يوم التاسع والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر 1929 (تألفت الهيئة من القاضيين كوري وليت) وأقرت المحكمة العليا الحكم في /10 شباط
فبراير 1930 (تألفت الهيئة من القضاة السير مايكل مكدونل، وف.ه. بيكر ور. كوبلاند)، انظر: TNA/CO 733/180/6, pp. 48-51.
37 بالنسبة إلى قضية عبد الجواد فرح وعطا أحمد الزير ضد المدعي العام – فقد تمت إدانتهما في المحكمة الجنائية الدورية (مؤلفة من القاضيين
السير مايكل مكدونل ودي فريتاس) التي حكمت عليهما بالإعدام (9 تشرين الثاني/نوفمبر 1929) وأقرت المحكمة العليا الحكم (مؤلفة
من قاض من بين أقدم قضاة المحكمة بويزن (Puisne)، والقضاة كوري وتوت وكوبلاند) في 5 كانون الأول/ ديسمبر.1930
38 TNA/CO 733/180/7، محضر جلسة «مجلس الملكة الخاص» في 28 آذار/ مارس 1930، استئناف باسم أحمد جابر الخطيب وآخرين
وأحمد مصطفى شريفي وآخرين ورشيد سليم حاج درويش وآخرين ومصطفى أحمد دِبلس وعبد الجواد فرح وآخر (خمس من أصل سبع
قضايا حُكم فيها على العرب بالإعدام). (عن الملتمسين: د. ن بريت وهوراس دوغلاس وأبقاريوس باي).
دوغلاس بيت D. Pitt) (، أن أحدًا من هؤلاء الرجال لم يكن ليُعتبر مذنبًا «لو تم التعامل مع قضاياهم
وفقًا لمبادئ العدالة الطبيعية وقوانين بلادهم». وادعى بيت أن التغير الحاد الطارئ على تكوين المحاكم
والإقصاء المطلق للقضاة المحليين أثّرا في الرابط «العضوي» الذي جمع بين القانون والسكان المحليين.
كما أن هذا الانقطاع أدى إلى تحريف جسيم للعدالة من قِبل محاكم الاشتباكات، فقال مع الً: «إذا اشتبك
الناس ونهبوا وحطموا، فلا بد أن يكون هناك قتل أيضًا... [لكن] سبق الإصرار والترصد يقتضي التفكير
المسبق من ناحيتك، ومنطقيًا لا يمكن للاشتباكات أن تفضي إلى العملية». وأردف لائامًالإجراء قائالً:
«إن بتًا خاطئًا بشأن مسألة في القانون، وعلى الرغم من كونه سيئًا بحد ذاته، يظل أمرًا مختلفًا تمامًا عن
الإمعان بالبت الخاطئ بشأن مسألة في القانون لدرجة أنك تتوقف كليًا عن إدارة قانون البلاد». يضع
هذا الادعاء ضمنيًا، ولكن بشكل فعلي، محل تساؤل جميع إجراءات الإدارة المحلية التي وُضعت على
عجل، بغية قمع الاشتباكات قانونيًا (وأيضًا، عبر توسيع طبيعة الإدارة ذاتها). كما شكك محامو الدفاع في
مرافعتهم أمام «مجلس الملكة الخاص» بشرعية الإجراء القانوني: «إن قضاة... في دولة تنعم بنظام قانون لا يحق لهم بتاتًا فرض شيء في تلك الدولة غير القانون الساري
فيها لأنهم يكونون بذلك يطبّقون، عن وعي أو من دونه، ضمنيًا أو صراحة، نظام قانون مختلف... إن نأي
القضاة عن القانون العثماني هو في رأيي فادح لدرجة أنه مواز لأمرين هما أنهم لم يتداولوا أو يُطبقوا القانون
أبدًا، وأنهم حكموا على رجل بالإعدام من دون التداول في ما إذا كان مذنبًا باقتراف جريمة عظمى». بناء على ذلك، إذا ما كان سبق الإصرار والتصميم يتطلب أذهانًا صافية، فإن الأذهان الصافية ندر وجودها
ندرة «زهرات الربيع في كانون الأول» في فلسطين أيام الاشتباكات، وعندها لا يمكن تقديم تبرير يستوفي
عقوبة الإعدام بموجب أي تطبيق أساس للقانون المحلي. وعلى الرغم من هذا الجهد، فقد أقرت محكمة
الاستئناف الأحكام الأصلية الصادرة عن المحكمة الجنائية بصدد عقوبة الإعدام في أغلبية القضايا. على الرغم من تأسيس الإجراءات القضائية على القاعدة الأساسية التي تحظر إدخال محتوى سياسي في
المقاضاة، فقد أوضح الفصل السابق كيف أن طبيعة المحاكم والعملية التي أحاطت بها كانت سياسية. ومع
أن السياسات الاستعمارية من وراء أعمال المحاكم كانت سياسية بصيغتها، فإن المرحلة الأخيرة في هذا التاريخ
كانت سياسية بشكل صارخ. وبصرف النظر عن قرارات المحكمة، فالقول الفصل – أو سلطة النقض
الحاسمة- يعود إلى المفوض السامي الذي كان أعلى شخصية سياسية بالنسبة إلى البريطانيين في فلسطين. كان
جون تشانسلور هو صاحب القرار النهائي بإعدام جميع أو عدد من المتَّهمين الخمسة والعشرين. أمّا الإجراء
والقانون، فكانا بجوهريهما قوة استعمارية متنكرة بخَطابة ليبرالية؛ وسيلة لغاية يبدو أنها حُددت منذ البداية.
39 انظر: TNA/CO 733/180/7. إن الانقطاع عن القانون التاريخي الذي كان سائدًا في البلاد يماثل الجدل الدائر بشأن الحائط والتطبيق
الملائم لسياسة «الوضع الراهن» status quo() التي سادت في أثناء المراحل المبكرة من فترة البراق. لقد ادعى محامو الدفاع أن السكان
المحليين حُرموا حقوقهم التاريخية في جميع مراحل هذه الإجراءات.
40 انظر: TNA/CO 733/180/7, p. 36.
41 TNA/CO 733/180/7. 42 TNA/CO 733/180/7, pp. 41-47.
43 أقرت المحاكم الأحكام في حق الرجال العرب التاليين من الخليل: عبد الجواد حسين فرح وعطا أحمد الزير وعيسى العارف وشاكر
محمود حلواني وشكري محمود حلواني ومحمد خليل أبو جمجوم وعباس ناصر الدين وعبد الشقور شرباتي وعبد الحافظ عبد النبي عجوري
وشحادة عويضة. وكذلك في حق الرجال العرب التاليين في صفد: أحمد جابر خطيب وعارف توفيق غنايم ونايف توفيق غنايم وفؤاد
حسن حجازي ومحمد عبد الغني حجازي وتوفيق عبيد أحمد وأحمد صلاح كيلاني ورشيد سليم حاج درويش ومحمد سليم زينب وجمال
سليم خولي وعلي سليم حاج درويش ورشيد محمد خرطبيل ومصطفى أحمد دِبلس وأحمد مصطفى شريفي. انظر:.TNA/CO 733/181/4
وقد شرح تشانسلور خلال مشاورة أقامها مع اللورد باسفيلد Passfield() في وزارة المستعمرات، أن نتائج
تقرير «لجنة شو» (لجنة التقصي التي أُرسلت لتحري قضية الاشتباكات) منحت القيادة العربية المحلية الأمل
بأن أحكام الإعدام ستستبدل بعقوبات أخرى بناء على استنتاجات اللجنة؛ ذلك أن «لجنة شو» وجدت في
جملة ما وجدت أن العنف لم يكن عن سبق الإصرار والترصد، وهو ما يتناقض مباشرة مع الأحكام القاضية
بالإعدام. وكان موسى كاظم الحسيني، وهو شخصية قيادية في «اللجنة التنفيذية العربية» ورئيس أسبق
لبلدية القدس، قد كتب مباشرة إلى باسفيلد عندما كان ضمن وفد في لندن، مفترضًا أن النتائج التي توصلت
إليها لجنة التقصي تلزم وزارة المستعمرات بتغيير سياستها، وذلك ليحث الحكومة على استبدال جميع أحكام
الإعدام بعقوبات أخرى. إالّ أن «العدل الاستعماري» لم يشتمل على هذه الفئة من الاعتبارات. وقع العبء على كاهل تشانسلور وحده بعدما قررت وزارة المستعمرات منحه تحكيم رأي مطلق ل«التعامل
مع متطلبات العدل والعفو [المحلية]»، نظرًا إلى اعتبارات البيئة السياسية. إالّ أن باسفيلد اقترح في
ضوء البيئة الحساسة والمتقلبة السائدة في فلسطين أن «يقتصر الإعدام على أدنى عدد، بما يتوافق مع مطالب
العدل». وكتب تشانسلور ردًا أرسله إلى لندن، قائالً: «إذا ما اتّبعت أهوائي الخاصة، فأنا ميّال إلى استبدال
هذه الأحكام بأخرى غيرها، ولكني أعتبر أن من الضروري أن يُفهم أنه لن يتم استبدال عقوبة الإعدام
بغيرها إذا ما وقعت أفعال بربرية في صفد والخليل، حيث يقضي القانون بصددها أقصى العقوبات».
على الرغم من الإقصاء الخَطابي والهادف ل«المكون السياسي» عن «محاكم الشغب» المنشأة خصيصًا لذلك،
فإن القرار الأخير بإرسال هؤلاء الرجال إلى حبل المشنقة كان في الأساس، وبكل وضوح، قرارًا سياسيًا.
أراد تشانسلور إغلاق هذا الفصل من الاضطربات سريعًا عن طريق تنفيذ عدد قليل فقط من أحكام
الإعدام، خوفًا من «احتمال تنظم جديد لجماعات مسلحة بقصد الهجوم على المستعمرات اليهودية» ردًا
على الإعدامات، وربما توجيه غضبهم إلى أهداف بريطانية محلية (وهي خطوة حذّر منها تشانسلور مرارًا
في إثر الاشتباكات). بناء عليه، قرر أن محمد جمجوم وعطا الزير من الخليل وفؤاد حجازي من صفد هم
القادة الشعبيون للاشتباكات، وبكونهم كذلك توجب على الحكومة إعدامهم كدليل على قوتها وعزمها.
لقد أراد قطع رأس الوحش، ولكن من دون أن يلفت الانتباه بقدر المستطاع. لذا، أغلق الصحف بالكامل،
وأعلن مدينة عكا - حيث كان من المفترض تنفيذ الإعدام - منطقة عسكرية مغلقة، وحظر أي شكل من
أشكال الاحتجاج الشعبي في البلدات والمدن الكبرى الأخرى في فلسطين.
الإعدامات وتكوين الشهداء الفلسطينيين
بحجة حفظ النظام العام، ذلك المفهوم الذي أُنشئ على عجل، قادت الحكومة البريطانية المحلية محمد
جمجوم وعطا الزير من الخليل وفؤاد حجازي من صفد إلى موتهم، متوهمة أن قتلهم سوف يُسكت حركة
الاحتجاج المتصاعد. وعلى الرغم من أن الحكومة أعلنت حظر تجوال طوال اليوم، وأمرت بإغلاق جميع
Great Britain, Commission on the Palestine Disturbances of August 1929, Report of the Commission on:» تقرير «لجنة شو 44
the Palestine disturbances of August, 1929 , Presented by the Secretary of State for the Colonies to Parliament by Command of His Majesty, March, 1930, Cmd; 3530. LLMC-Digital (London: His Majesty’s Stationary Office (H.M.S.O.), 1930).
45 رسالة من موسى كاظم إلى باسفيلد، 19 نيسان/ أبريل 1930، في: TNA/CO 733/180/7, pp. 52-55..
46 رسالة من باسفيلد إلى تشانسلور، 17 نيسان/ أبريل 1930، في: TNA/CO 733/180/7, p. 128..
47 رسالة من باسفيلد إلى تشانسلور، 17 نيسان/ أبريل 1930، في: TNA/CO 733/180/7.
48 رسالة من تشانسلور إلى باسفيلد، 5 نيسان/ أبريل 1930، في: TNA/CO 733/180/7, p. 130..
49 جبرت الصحف العربية في فلسطين كلها على الإغلاق في أُ 7 حزيران / يونيو، ولم يُسمح لها بفتح أبوابها لغاية ما بعد 23 حزيران/ يونيو.
المحال التجارية والمدارس، عمّ غليان مشاعر الناس في أنحاء فلسطين. وكان جليًا طبعًا للمراقبين
المحليين أنه على الرغم من ادعاء إحلال العدل بالتساوي بين الجميع، فقد طُبقت عقوبة الإعدام على
العرب فقط. في مقالة رأي طويلة ظهرت على الصفحة الأولى من جريدة فلسطين، وصف عيسى العيسى
الإعدامات بأنها دليل جلي على عدم احترام حياة العرب على الرغم من ادعاءات البريطانيين بإحلال
العدل بالتساوي. لقد كان واضحًا للمراقبين العرب المحليين أن تطبيق الإجراءات القضائية التي
أنشئت في إثر الاشتباكات وجزاءها البالغ الشدة قد اقتصرا على العرب. عندما وضح مع نهاية أيار/ مايو أن الحكومة ستقر بعض عقوبات الإعدام، دعا عيسى جميع العرب في فلسطين
إلى رؤية هذا «الإجحاف» لا بوصفه استثناء في الحكم البريطاني بل بوصفه جزءًا مركزيًا منه. وشرح أن
الوفد العربي الأخير الذي أُرسل إلى لندن بقيادة المفتي (أمين الحسيني) وموسى كاظم الحسيني لم يحقق أي
إنجاز. بل إمعانًا في إذلالهم، عاد هؤلاء إلى فلسطين ليجدوا الإدارة المحلية تتهيأ لإعدام رجال دينوا في محاكم في
إطار ترتيب سياسي لتثبيط معنويات حركتهم القومية. وعندما أصدر تشانسلور بيانه الرسمي الذي ألغى
فيه حكم الإعدام بحق جميع الرجال ما عدا ثلاثة منهم كانوا قد دينوا، طالبت هيئات عربية رسمية – بدءًا
بالمؤسسات السياسية وانتهاء بالصحافة – المفوض السامي بأن يجعل قرار إبطال الأحكام شاملا. إالّ أن
تشانسلور وإدارته تجاهلا مطالب القيادات المحلية كافة، بمن فيها هؤلاء الذين نصّبتهم [وزارة] المستعمرات
والقادة المنتقون بعناية من ضمن المجلس الإسلامي الأعلى و«اللجنة التنفيذية العربية». كانت هذه بمنزلة
الضربة الأخيرة لتمسّك الأعيان التقليديين الحصري بسلطة سياسية محلية. وكانت نقاشاتهم حول الحاجة
للتعاون مع النظام الاستعماري المحلي فارغة في وجه فشلهم التام في استعمال «تأثيرهم» لمنع الإعدامات. فبعد
كل شيء، ونظرًا إلى أن أحدًا من هؤلاء القادة التقليديين لم يتمكن من إقناع الحكومة بحقن دماء أيٍّ من هؤلاء
الرجال، كيف يمكن التوقع منهم إذن تحقيق أي إنجاز من حكومة لم تصغ إلى التماساتهم اليائسة؟ على الرغم من أن هذه الفترة لا تشكّل سوى جزء صغير من التاريخ الفلسطيني، فإنها تبنيّ بوضوح الأسس
التاريخية لإرث الحكم الاستعماري من خلال القانون الاستعماري في الأصول البريطانية للقانون الجنائي
في فلسطين. وقد أرست الممارسات الاستعمارية البريطانية الأسس لتجريم المقاومة التي لا تزال حتى
اللحظة جزءًا من كيفية التلاعب بالمعارضة السياسية في لغة القانون وممارسته. كانت نيات البريطانيين
السياسية واضحة منذ بداية لحظة تدخلهم وحتى التنفيذ النهائي لأحكام الإعدام؛ إذ إن القانون استُعمل
كأداة فحسب لتحقيق غاياتهم السياسية المرجوة عبر تأسيس منظومة تنظر إلى العدل من خلال الثقوب
الصغيرة للسيطرة الاستعمارية، تُنفذ القوانين والمنظومة انطلاقًا من قاعدة مصفوفة السيطرة الاستعمارية.
إن السيرورة التي حددتها هذه الواقعة الصغيرة عرّفت إلى حد ما طبيعة الحكم البريطاني في فلسطين.
50 بعد وصف 17 حزيران/ يونيو باليوم التاريخي في فلسطين، جمعت فلسطينروايات الناس في أرجاء البلاد وعرضت قصصهم في
مقاطع مختلفة ضمن أعدادها الصادرة أيام 25 و 26 و 27 حزيران/ يونيو.
51 «الدم الغالي والدم المسرَف،» فلسطين،.1930/4/8
52 علّق العيسى بأن في الوقت الذي حرم عشرات العرب المدانين من الالتماس، كان واضحًا بالنسبة إليه أن أيًا من المتهمين اليهود لم
يعان المصير ذاته.
53 «يوم فلسطين وجزاء الإعدام،» فلسطين،. 1930/5/ 21
54 تابعت فلسطين تقدم (أو ما بلغ من عدم تقدم) البعثة العربية خلال مكوثها في لندن، حيث نشرت اثني عشرة خبرًا في أيار/ مايو
وثقت بها فشل البعثة، وإحجام الحكومة البريطانية عن تعديل أو تغيير سياستها، والحاجة الملحة لتوجه جديد بصدد إدارة الانتداب عماده
الإطار الذي أسسته اشتباكات البراق.
55 فلسطين،.1929/6/4
المراجع
-1 العربية
كتب الحوت، بيان نويهض. القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين، 1917 – 1948. بيروت: مؤسسة
الدراسات الفلسطينية، 1981. (سلسلة الدراسات؛ 57) دروزة، محمد عزة. حول الحركة العربية الحديثة: تاريخ ومذكرات وتعليقات. 4 ج. صيدا، لبنان: المطبعة
العصرية،.1951-1950 ________. خمسة وتسعون عاما في الحياة: مذكرات وتسجيلات. تحقيق علي الجرباوي [وآخرون].
القدس: الملتقى الفكري العربي،.1993 زعيتر، أكرم. من مذكرات أكرم زعيتر. 2 ج. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1994. ج 1:
بواكير النضال:.1935-1909 سليمان، محمد. الصحافة الفلسطينية وقوانين الإنتداب البريطاني. نيقوسيا، قبرص: الإتحاد العام للكتاب
والصحفيين الفلسطينيين، 1988. الصحافة العربية في فلسطين، 1948-1876. اعداد يوسف قزما خوري. ط 2. بيروت: مؤسسة
الدراسات الفلسطينية،.1986 طوقان، إبراهيم. ديوان ابراهيم الطوقان. بيروت: دار العودة، 1997. عارف، عارف. تاريخ القدس. القاهرة: دار المعارف،.1951 العسلي، كامل جميل. مواسم النبي موسى في فلسطين: تاريخ الموسم والمقام. عمان: دار الكرمل، 1990. العلمي، أحمد. ثورة البراق. القدس: [د. ن].،.2000 علوش، ناجي. المقاومة العربية في فلسطين، 1948-1917. بيروت: منظمة التحرير الفلسطينية، مركز
الأبحاث، 1967. (سلسلة كتب فلسطينية؛ 6) كنفاني، غسان. أدب المقاومة في فلسطين المحتلة، 1948 – 1967. بيروت: دار الآداب،.1966 وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية، 1939-1918: من أوراق أكرم زعيتر. أعدتها للنشر بيان نويهض
الحوت. بيروت: منظمة التحرير الفلسطينية، مركز الأبحاث،.1979 وثائق المقاومة الفلسطينية العربية ضد الاحتلال البريطاني والصهيوني (1939-1918). جمع وتصنيف
عبد الوهاب الكيالي. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1968. (سلسلة الوثائق الأساسية
والعامة؛ 1) دوريات دفاتر عدالة: العدد 3: القانون والعنف، صيف 2002، والعدد 5، ربيع: حول التجريم.2009
-2 الأجنبية
Abu-Lughod, Ibrahim (ed.). The Transformation of Palestine; Essays on the Origin and Development of the Arab-Israeli Conflict. With a Foreword by Arnold J. Toynbee. 2 nd ed. Evanston [Ill.] Northwestern University Press, 1987. Asali, Kamil (ed.). Jerusalem in History. New York: Olive Branch Press; Interlink, Bentwich, Norman. England in Palestine. London: K. Paul, Trench, Trubner and co., ltd., 1932. ________ and Helen Bentwich. Mandate Memories, 1918-1948. New York: Schocken Books, 1965. Berkovitz, Shmuel. The Temple Mount and the Western Wall in Israeli Law. Jerusalem: Jerusalem Institute for Israel Studies, Teddy Kollek Center for Jerusalem Studies, 2001. (JIIS Studies Series; 90) Biger, Gideon. An Empire in the Holy Land: Historical Geography of the British Ad- ministration in Palestine, 1917-1929. New York: St. Martin’s Press; Jerusalem: Magnes Press, the Hebrew University, 1994. Boyle, Susan Silsby. Betrayal of Palestine: The Story of George Antonius. Boulder, Colo.: Westview Press, 2001. Bruce, Anthony. The Last Crusade: The Palestine Campaign in the First World War. London: John Murray, 2002. Collingwood, J. J. R. Criminal Law of East and Central Africa. London: Sweet and Maxwell; Lagos: African Universities Press, 1967. (Law in Africa; no. 23) Duff, Douglas V. Bailing with a Teaspoon. London; New York: John Long Press, 1953. Furlonge, Geoffrey Warren. Palestine Is my Country; the Story of Musa Alami. New York: Praeger, [1969]. Great Britain. Commission on the Palestine Disturbances of August 1929. Report of the Commission on the Palestine disturbances of August, 1929. Presented by the Secretary of State for the Colonies to Parliament by Command of His Majesty, March, 1930. London: His Majesty’s Stationary Office (H.M.S.O.), 1930. (Cmd; 3530. LLMC-Digital) Great Britain. Palestine Royal Commission. Report. London: H. M. Stationery off., 1937. (Cmd; 5479) Harlow, Barbara. Resistance Literature. London; New York: Routledge, 1987. Huneidi, Sahar. A Broken Trust: Herbert Samuel, Zionism and the Palestinians, 1920- 1925. Foreword by Walid Khalidi. London: I.B. Tauris, 2001. (Library of Mod- ern Middle East Studies; 15) Hussain, Nasser. The Jurisprudence of Emergency: Colonialism and the Rule of Law. Ann Arbor: University of Michigan Press, 2003. (Law, Meaning, and Violence) The Israel-Arab Reader: A Documentary History of the Middle East conflict. 6th Rev. and Updated ed., Edited by Walter Laqueur and Barry Rubin. New York: Penguin Books, 2001. Report by His Majesty’s Government in the United Kingdom and Northern Ireland to the Council of the League of Nations on the Administration of Palestine and Tran- sjordan for the Year 1928. London: HMSO, 1929.
Report by His Majesty’s Government in the United Kingdom and Northern Ireland to the Council of the League of Nations on the Administration of Palestine and Tran- sjordan for the Year 1929. London: HMSO, 1930. Kayyali, Abd al-Wahhab. Palestine: A Modern History. London: Croom Helm, 1978. Keith-Roach, Edward. Pasha of Jerusalem: Memoirs of a District Commissioner under the British Mandate. Edited by Paul Eedle. London; New York: Radcliffe Press,
Khalaf, Issa. Politics in Palestine: Arab Factionalism and Social Disintegration, 1939- 1948. Albany: State University of New York Press, 1991. (SUNY Series in the So- cial and Economic History of the Middle East) Khalidi, Rashid. British Policy Towards Syria and Palestine, 1906-1914: A Study of the Antecedents of the Hussein-the [sic] McMahon Correspondence, the Sykes-Picot Agreement, and the Balfour Declaration. London: St. Antony’s College; Oxford: Ithaca Press, 1980. (St. Antony’s Middle East Monographs; no. 11) Khalidi, Rashid. The Iron Cage: The Story of the Palestinian Struggle for Statehood. Boston: Beacon Press, 2006. Khalidi, Rashid. Palestinian Identity: The Construction of Modern National Conscious- ness. New York: Columbia University Press, 1997. Khalidi, Walid (ed.). From Haven to Conquest; Readings in Zionism and the Palestine Problem until 1948. Washington, DC: Institute for Palestine Studies, 1987. Kisch, Frederick Hermann. Palestine Diary. With a Foreword by the Rt. Hon. D. Lloyd George. London: V. Gollancz, ltd., 1938. Kolinsky, Martin. Law, Order, and Riots in Mandatory Palestine, 1928-35. New York: St. Martin’s Press, 1993. (Studies in Military and Strategic History) Kupferschmidt, Uri M. The Supreme Muslim Council: Islam under the British Mandate for Palestine. Leiden; New York: E.J. Brill, 1987. Lang, Maurice Eugen. Codification in the British Empire and America. Amsterdam: H. J. Paris, 1924. The Law Reports of Palestine of cases decided by the Supreme Court of Palestine, the Special Tribunal and the Judicial Committee of the Privy Council on Appeal from the Supreme Court of Palestine. Reported by Saleem K. Azouri; Selected and Pre- pared by Henry E. Baker. Jerusalem: Government Printer, 1936-1948. League of Nations. The Covenant of the League of Nations. Legislation of Palestine, 1918-1925: Including the Orders-in-Council, Ordinances, Public Notices, Proclamations, Regulation. 2 vols. Alexandria: Whitehead Morris Limited, 1926. Lesch, Ann Mosely. Arab Politics in Palestine, 1917-1939: The Frustration of a Na- tionalist Movement. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1979. (Modern Middle East Series; v. 11) Likhovski, Assaf. Law and Identity in Mandate Palestine. Chapel Hill, NC: University of North Carolina Press, 2006. (Studies in Legal History) Matthews, Weldon C. Confronting an Empire, Constructing a Nation: Arab National-
ists and Popular Politics in Mandate Palestine. London: I. B. Tauris, 2006. (Li- brary of Middle East history; v. 10) McTague, John J. British Policy in Palestine, 1917-1922. Lanham, MD: University Press of America, 1983. Merry, Sally Engle. Colonizing Hawai’i: The Cultural Power of Law. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2000. Miller, Ylana N. Government and Society in Rural Palestine, 1920-1948. Austin: Uni- versity of Texas Press, 1985. (Modern Middle East Series; no. 9) Mitchell, Timothy. Colonising Egypt. Berkeley: University of California Press, 1991. ________. Rule of Experts: Egypt, Techno-Politics, Modernity. Berkeley: University of California Press, 2002. Moses, A. Dirk (ed.). Genocide and Settler Society: Frontier Violence and Stolen In- digenous Children in Australian History. New York: Berghahn Books, 2005. (War and Genocide; v. 6) Muslih, Muhammad Y. The Origins of Palestinian Nationalism. New York: Columbia University Press, 1988. (Institute for Palestine Studies Series) Nafi, Basheer M. Arabism, Islamism and the Palestine Question, 1908-1941: A Political History. Reading, England: Ithaca Press, 1998. Palestine Commission on the Disturbances of August, 1929. 3 vols. London: H. M. Stationery off., 1930. Porath, Yehoshua. The Emergence of the Palestinian-Arab National Movement, 1918- 1929. London: Cass, [1974]. Priestland, Jane (ed.). Records of Jerusalem 1917-1971. 9 vols. Cambridge, UK: Ar- chive Editions, 2002. Sanders, Ronald. The High Walls of Jerusalem: A History of the Balfour Declaration and the Birth of the British Mandate for Palestine. New York: Holt, Rinehart and Winston, 1983. Segev, Tom. One Palestine, Complete: Jews and Arabs under the Mandate. Translated by Haim Watzman. New York: Henry Holt and Company, 1999. Shamir, Ronen. The Colonies of Law: Colonialism, Zionism, and Law in Early Mandate Palestine. Cambridge, UK; New York: Cambridge University Press, 2000. (Cam- bridge Studies in Law and Society) Shepherd, Naomi. Ploughing Sand: British Rule in Palestine, 1917-1948. New Bruns- wick, NJ: Rutgers University Press, 2000. Simson, H. J. British Rule in Palestine and the Arab Rebellion of 1936-1937. Edin- burgh: William Blackwood and Sons, Ltd, 1938. Singha, Radhika. A Despotism of Law: Crime and Justice in Early Colonial India. Del- hi; New York: Oxford University Press, 1998. Smith, Barbara J. The Roots of Separatism in Palestine: British Economic Policy, 1920- 1929. Syracuse, [New York]: Syracuse University Press, 1993. (Contemporary is- sues in the Middle East) Statement of Policy (Wailing Wall). London: HMSO, 1928. (Cmd; 3229) Stein, Leonard. The Balfour Declaration. London: Vallentine, Mitchell, 1961.
Storrs, Ronald. The Memoirs of Sir Ronald Storrs. New York: Putnam, 1937. Swedenburg, Ted. Memories of Revolt: The 1936-1939 Rebellion and the Palestinian National Past. Minneapolis, Minn.: University of Minnesota Press, 1995. Tannous, Izzat. The Palestinians: A Detailed Documented Eyewitness History of Pales- tine under British Mandate. New York, NY: I.G.T. Co., 1988. Tibawi, Abdul Latif. Anglo-Arab Relations and the Question of Palestine, 1914-1921. London: Luzac, 1977. ________. British Interests in Palestine, 1800-1901; a Study of Religious and Educa- tional Enterprise. [London]: Oxford University Press, 1961. Wasserstein, Bernard. The British in Palestine: The Mandatory Government and Arab- Jewish Conflict, 1917-1929. 2 nd ed. Oxford, UK; Cambridge, Mass.: B. Blackwell,
Periodicals
Dubber, Markus Dirk. “The Historical Analysis of Criminal Codes.” Law and History Review: vol. 18, no. 2, Summer 2000. Khalidi, Tarif. “Palestinian Historiography, 1900-1948.” Journal of Palestine Studies: vol. 10, no. 3, Spring 1981. Kolsky, Elizabeth. “Codification and the Rule of Colonial Difference: Criminal Proce- dure in British India.” Law and History Review: vol. 23, no. 3, Fall 2005. Lundsten, Mary Ellen. “Wall Politics: Zionist and Palestinian Strategies in Jerusalem, 1928.” Journal of Palestine Studies: vol. 8, no. 1, Autumn 1978. Mattar, Philip. “The Role of the Mufti of Jerusalem in the Political Struggle over the Western Wall, 1928-29.” Middle Eastern Studies: vol. 19, no. 1, January 1983. Rahman, Fazlur. “A Survey of Modernization of Muslim Family Law.” International Journal of Middle East Studies: vol. 11, no. 4, July 1980. Ricca, Simone. “Heritage, Nationalism and the Shifting Symbolism of the Wailing Wall.” Jerusalem Quarterly: no. 24, Summer 2005. Sebba, Leslie. “The Creation and Evolution of Criminal Law in Colonial and Post- Colonial Societies.” Crime, History, and Societies: vol. 3, no. 1, 1999. Wolfe, Patrick. “Settler Colonialism and the Elimination of the Native.” Journal of Genocide Research: vol. 8, no. 4, 2006.
Thesis Barakat, Rana. “Thawrat al-Buraq in British mandate Palestine: Jerusalem, Mass Mo- bilization and Colonial Politics, 1928-1930.” 2 vols. (Ph. D. Dissertation, Univer- sity of Chicago, Dept. of History, 2007). Sheffer, Gabriel. “Policy Making and British Policies Towards Palestine, 1929-1939.” (Ph. D. Dissertation, Oxford University, 1971).