الربيع العربي وحكاية انكسار أنظمة المراقبة والتحكّم تحت وقع شبكات التواصل الاجتماعي
The Arab Spring and Surveillance Collapse in the face of Social Media Networks
الملخّص
* أستاذ علم النفس المعرفي السياسي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية - – سايس فاس، جامعة سيدي محمد بن عبد الله – فاس.
Abstract
This study investigates the manner in which the Arab citizen turned to the Internet during the Arab Spring as means for defying surveillance mechanisms that were put in place by the region’s despotic regimes. Khabash accentuates the fact that the success of the Arab Spring in bringing down regimes was partially due to these regimes’ inability to update and develop their tools and strategies for surveillance and control. Furthermore, social media networks and digital chat rooms have provided Internet users with a range of possibilities that do not exist in daily life, including the possibility to mask one’s identity, hiding their location, taking time to react, and receiving information in a direct unmediated manner. This has allowed Internet activists to not only bypass methods of surveillance and control that are employed by the existing authority, but also have enough courage to discuss taboo subjects that could not be broached in daily life.
- أنظمة المراقبة
- شبكات التواصل
- إثنوغرافية في المراقبة
- إخفاء الهوية
- Arab revolutions
- Surveillance Systems
- Social Networking
- Ethnography in Surveillance
- Information
تسلّط هذه الدراسة الضوء على كيفية لجوء المواطن العربي إبان الربيع العربي إلى الإنترنت
لمواجهة آليات المراقبة التي تعتمدها أنظمة استبدادية، كما تحاول أن تبُرز أن نجاح ثورات
الربيع العربي في إسقاط أنظمة راجع في وجه من أوجهه إلى عجز تلك الأنظمة عن تحيين
آلياتها واستراتيجياتها للمراقبة والتحكم وتطوير هذه الآليات والاستراتيجيات. ولكون
الشبكات الاجتماعية وغرف الدردشة الرقمية توسَم بكونها وضعيات غير كفية، فإنها
وفرت لمستخدمي «النِّت» جملة من الإمكانات غير قائمة في واقعهم اليومي، ومنها إمكان
إخفاء هويتهم الشخصية، وتحييد المركز، والتروي في ردة الفعل، والحصول المباشر
على المعلومة، واللااستقطاب.... الشيء الذي مكّنهم من الانفلات من أشكال المراقبة
والتحكّم اللذين تمارسهما السلطة القائمة، ومن امتلاك الجرأة الكافية للحديث عن
موضوعات ممنوعة لم يكن في مقدورهم تداولها في معيشهم اليومي.
تقديم
لقد صار من الب بذاته اليوم، أن للإعلام الاجتماعي، وخاصة شبكات التواصل الاجتماعي
وغرف الدردشة ومنتديات «الويب»، شأنًا في بزوغ الربيع العربي على أرض الواقع، وفي يقظة
المواطن العربي، لينخرط في مسيرة التحرر من أنظمة عربية ذات طابع شمولي واستبدادي، بعد أن ظل
يعيش في كنفها ردحًا من الزمن في وضعية المتفرِّج (bystander)، بينما بقيت في المقابل، أجهزة مراقبة
تلك الأنظمة عاجزة عن التحكّم في الإنترنت وآلياته، وهو ما يجعلنا أمام سؤال يلقي بكامل ثقله على
موضوع الدراسة، ويمكن صوغه كالآتي: كيف ساهمت الشبكات الاجتماعية في تحوّل المواطن العربي من
مواطن متفرِّج إلى مواطن مشارك في سيرورة (processus) التغيير هذه؟ ولماذا عجزت الأجهزة الأمنية
للأنظمة الاستبدادية عن التحكّم في شبكة الإنترنت وما تحويه (غرف الدردشة والشبكات التواصلية) في
أثناء مواجهتها لبوادر الربيع العربي؟ نؤكد في البداية أن المعطيات المعتمَدة للإجابة عن هذه الأسئلة هي في الأساس معطيات إثنوغرافية، جزء
منها مستمد من مجريات الثورة التونسية ومن حكايات التونسيين قبل الثورة وبعدها، من دون أن يفيد
ذلك بعدم انفتاحنا على بقية الثورات العربية، لكن بنوع من التحفظ والتروي، بالنظر إلى عدم وجود
معطيات إثنوغرافية كافية في حوزتنا في ما يخص بقية البلدان العربية؛ إذ سبق لنا في المقابل زيارة تونس في
مناسبات عدة، والاطّلاع على حياة الناس وهمومهم هناك. كما أن لثورة تونس نوعًا من السحر، وذلك
من حيث كونها قوّضت نظامًا استبداديًا مركّبًا، تشكلت أسسه من بنى سلطوية منظمة عكس ما هي عليه
الحال في مصر في عهد مبارك والسادات، إذ تم الاعتماد على منظومة سلطة غير منظمة. لكن ما يهمّنا في هذه المقدمة هو معرفة كيف شكّلت منتديات «الويب» ومواقع التواصل الاجتماعي
وغرف الدردشة أدوات داعمة للثورة؟ تدعونا منطلقات الجواب عن هذا السؤال إلى الوقوف عند
عامل سيكولوجي أساس يوفره الإنترنت لمستخدميه، ولا يجدونه في الواقع، وهو عامل اللاكف
) disinhibition effect (الذي مردّه إلى قدرة مستخدم الشبكة العنكبوتية على إخفاء هويته عن أي
مراقبة خارجية، وهذا ما شجع نشطاء «النِّت» على الإفصاح عن أحلامهم وأمانيهم المتمثّلة في العيش
في مجتمع تسوده قيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، من دون هاجس الخوف من مواجهة مراقبة
النظام الحاكم. لذا، وقبل أن نعرّج على عامل اللاكف وما يحتويه من آليات ساهمت في تمكين مستخدمي الإنترنت من
2 عزمي بشارة، الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها (بيروت؛ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة
السياسات، 2012)، ص.16
3 المصدر نفسه، ص.19
4 John Suler, “The Online Disinhibition Effect,” CyberPsychology and Behavior , vol. 7, no. 3 (June 2004), p. 321.
التحوّل من وضعية المواطن المتفرِّج إلى وضعية المواطن المشارك في تغيير مصيره ومصير وطنه، ثم في إبراز
كيف ساهمت تلك الآليات في تقويض أنظمة المراقبة والتحكّم لبعض الأنظمة العربية الاستبدادية إبان
الربيع العربي، لا بد من الوقوف، بتركيز شديد، عند بعض الدراسات المرجعية لموضوع هذا البحث بما
يمكّن من خلالها من تحديد أهميته، لنبسط بعد ذلك بعض المعطيات الإثنوغرافية التي عرفتها منظومة
المراقبة والتحكّم التونسية بوصفها نموذجًا في العالم العربي لنظام محكوم بنوع من السلطوية المنظمة.
أولا: نظرة إلى الدراسات المرجعية في الموضوع
لقد اهتمّ عدد من الدراسات بالكشف عن دور عامل اللاكف في تمكين أعضاء غرف الدردشة الذين يعانون
الإحساس بالدونية، إمّا بسبب طبيعة مرضهم وإمّا بالنظر إلى إعاقتهم الجسدية أو الذهنية وإمّا لكونهم
ينتمون إلى أقليات ثقافية وإمّا بوصفهم مهاجرين جددًا، من مواجهة وصم المجتمع لهم بتوصيفات فيها
ضرب من الازدراء؛ فما دام في إمكانهم إخفاء هويتهم، يصبح تواصلهم عبر الإنترنت أكثر أريحية، وهو
ما يتيح لهم إمكان البوح بمخاوفهم وهواجسهم وأفراحهم وأتراحهم وحتى أسرارهم، من دون إبداء
أي مقاومة نفسية؛ إذ نجدهم في غرف الدردشة يتجاوزون إعاقاتهم في تعبيرهم عن مكنوناتهم الداخلية
ومشاعرهم، وأكثر رغبة في الإفصاح عن ذواتهم، وفي أن يتعرف إليهم الآخر لا كحضور فيزيقي، وإنما
كواقع نفسي داخلي، وما يحتويه من خبايا وأسرار ومعاناة. من هنا أخذت غرف الدردشة تؤدي دور
المحلل النفسي الذي يمكن أن نفصح له عن أمور ليس في مقدورنا أن نحكيها للآخرين. وبهذا يمكن
القول إن حماية الإنترنت لمستخدميه بإخفاء هويتهم من أي مراقبة خارجية منح فضاء خاليًا من الممنوعات
والمحرمات، انتفت فيه أي سلطة سياسية قهرية وأي متابعة أخلاقية من جانب المجتمع، الشيء الذي
جعل ناشط «النِّت» يتصرف، عند عملية الدردشة، بعفوية وتلقائية قلَّ نظيرها في تصرفاته المعتادة، التي
تظل رهينة حكم الآخر عليها؛ إذ نجده ملزمًا في إيقاع حياته اليومية بضبط تصرفاته، واللجوء إلى فن
الإضمار لكي لا يصطدم بالرقيب، أكان المجتمع بقيمه وتصوراته أم النظام السياسي بآلياته القهرية. تكمن أهمية موضوع دراستنا هذه في كيفية اعتماد ناشط «النّت»، إبان الربيع العربي، على عامل اللاكف
وما يحتويه من آلية لإخفاء الهوية وغيرها من الآليات، لتجاوز أساليب المراقبة والتحكّم المتّبعة من جانب
الأنظمة العربية. وهذا يعني أن المقاربة المعتمَدة في دراستنا هذه هي مقاربة سوسيومعرفية Social (
) cognitive approach بامتياز، تبتغي الكشف عن التغيرات التي أحدثها الإنترنت ومرفقاته في الحالات
الذهنية والعاطفية لعدد من النشطاء، فمك نهم من مواجهة أنظمة المراقبة والتحكّم العربية. وبالتالي تختلف
مقاربتنا هذه عن تلك المعتمَدة من طرف كاستلز، وإن كانت تنفتح عليها، والتي ركزت على عامل
5 بشارة، ص.12
D. O. Braithwaite, V. R. Waldron and J. Finn, "Communication of Social Support 6 نماذج من الدراسات السابقة في الموضوع: in Computer-Mediated Groups for People with Disabilities," Health Communication , vol. 11, no. 2 (1999), pp. 123–151, and B. F. Sharf, "Communicating Breast Cancer On-line: Support and Empowerment on the Internet," Women and Health , vol. 26, no. 1 (1997), pp. 65–84. 7 Hicham Khabbache, «Comment les réseaux sociaux ont contribué au changement politique dans le monde Arabe?: Approche sociocognitive,» Cahiers de psychologie politique , no. 20 (2012), p. 35. 8 Manuel Castells, Networks of Outrage and Hope: Social Movements in the Internet Age (Cambridge, [UK]: Polity Press, 2012), p. 9.
استقلالية الفعل التواصلي في الإعلام الاجتماعي ودوره في بزوغ قوى تأثير جديدة يصعب معها التحكّم
في الحركات الاحتجاجية وضبطها، كما حدث في الربيع العربي.
ثانيًا: تونس زمن ابن علي
-1 إثنوغرافية المراقبة اللصيقة
بمجرد أن تطأ قدماك أرض تونس ابن خلدون، تلفّك عباءة بن علي، عندها تحس بأنك أمام نظام بذل
جهدًا معرفيًا كبيرًا، واستثمر إمكانات لوجيستية هائلة في مراقبة المواطنين ومتابعتهم في تفصيلات
معيشهم اليومي. وعندما تحاول التعمّق بنظرة الإثنوغرافي في حياة التونسيين ومعيشهم، تدرك أن
جهاز بن علي للمراقبة والتحكّم أفلح بالفعل في توجيه مواقف المواطنين والتحكّم فيها لتظل بمنأى
عن السياسة. وأثمن نصيحة يقدمها لك صديق تونسي هي «برشا سياسة لا، إزي سياسة». وإذا كنت
تجالس أشخاصًا في المقهى، وحدثتك نفسك بإثارة موضوعات تهم الشأن العام، فلن تلقى منهم سوى
الانسحاب من الجلسة الواحد تلو الآخر. ولأن الكلام في السياسة محرم، فإن هذا الحكم يستغرق أيضا
السياسة الدولية. أمّا إذا تفوهت بكلام نخبوي انفتحتَ فيه على بعض مفاهيم فوكو، مثل المراقبة
والعقاب، سلطة الخطاب... اعتبُر ذلك إجرامًا وكلامًا في السياسة، وبالتالي تدخل بنفسك دائرة
المغضوب عليهم. لقد ابتدأ تجوالي في حدائق مدن تونس الخضراء وشوارعها، من العاصمة إلى بنزرت وسوسة... حتى
مدينة الكاف الحدودية، فحظيت بإجمال ممتع، غير أن المتعة أفسدتها لافتات ولوائح رقمية تمجّد التحوّل
الكبير الذي عرفته تونس في 7 تشرين الثاني/ نوفمبر فغطت على الزينة والجمال الحقيقي، مدعومة بصور
ضخمة لابن علي بما يوحي بمراقبة الزعيم لكل شيء وإحاطته علامً بكل كبيرة وصغيرة في حياة التونسيين
اليومية. وإن أنت أردت تصفّح الجرائد الوطنية، في أحد الأكشاك، على قلّتها، فستجد أن مضامينها لا
تخرج عن تمجيد حدث 7 نوفمبر وأخبار المشاهير والنجوم أو زوايا تخصص للتنجيم والأبراج. هكذا،
وبناء على ما تحمله الصحافة من مضامين بائسة، نفهم ملَِأُحِل بن علي سنة 1998 بين رؤساء الدول العشرة
المعاديين للصحافة، وملَِطُردت جمعية مديري الصحف التونسية من الجمعية العالمية لمديري الصحف سنة
1997ّدت عضوية الجمعية التونسية للصحافيين في الفدرالية الدولية للصحافيين سنة، ومجُ 2004. وفي
ما يخص المراقبة الفيزيقية، لا يخفى على أحد أن عدد معاوني الأمن بين سنتي 1998 و 2004 بلغ ما يربو
على 136 ألفًا، أي بنسبة معاون أمن لكل 60 مواطنًا. زد على ذلك لجان اليقظة المكوّنة من شُعب الحزب
الحاكم وشبيبته، وهي اللجان التي تكلَّف برفع تقارير يومية إلى قيادة الحزب التي توجه تلك التقارير
إلى الديوان الرئاسي مباشرة. وأخيرًا، في سنة 1997، نجد قرارًا رئاسيًا فريدًا، مضمونه إحداث مهنة
لانظامية، ولكنها مؤثرة وذات نفوذ، أُطلق عليها اسم المواطن الرقيب. والغاية منها، بحسب نص القرار،
هي تمكين المواطنين من إبلاغ شكواهم لهذا المواطن الرقيب الذي يخوَّل له الاتصال بأعلى سلطة في البلاد
لرفع المظلمة. لكن ما خفي كان أعظم؛ إذ مكّن هذا المنصب من تشديد الخناق على الناس ومراقبتهم
9 حزب العمال الشيوعي التونسي، «مشروع وثيقة من أجل بديل ديمقراطي وشعبي،» (الحوار المتمدن، 2005/1/20)، على الموقع
<http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=30199>. الإلكتروني:
ومتابعتهم حتى في حركاتهم وسكناتهم وتأوهاتهم، ليصبح بذلك معنى منصب المواطن الرقيب أن لدى
الناس شخصًا نافذًا، عليهم احترامه والولاء له، والنزول عند رغباته لكي لا يكون مصيرهم مصير 40
ألف مواطن اعتُقلوا وعُذبوا بين سنتي 1990 و 2004، وآلاف المعارضين الذين يعيشون في المنفى، أو
لكي لا يكون مصيرهم مصير من فقدوا الحق في الحصول على وثيقة إدارية أو منحة دراسية أو وظيفة، على
الرغم من استيفاء الشروط المطلوبة، وهي أرحم الحالات. إضافة إلى ما سبق، أصبح الشغل الشاغل لدى الجمارك محكومًا بهاجس منع الكتب، بحيث أصبح المنع
يشمل، أحيانًا، كتابًا تعذّر على الجمركي فهم عنوانه. وفي هذا الصدد، منع الأمن الداخلي 31 كتابًا من
التوزيع بين سنتي 1995 و 2004، كما رفضت السلطات منح أعداد من المثقفين تأشيرة إصدار مجلات
فكرية. وأصبحت الحريات الأكاديمية بدورها عرضة للمراقبة اللصيقة؛ ففي 25 شباط/ فبراير 1997،
قُدمت توجيهات لعمداء ومديري المعاهد العليا بضرورة إعلام وزارة الداخلية بأي تظاهرة علمية
ينظمونها، مع مدّها بقائمة المشاركين وبنصوص مداخلاتهم. كما أن ما يسترعي انتباه المتجول في شوارع مدن تونس، كونها حبلى بما يشهد على قوة مركز الزعيم
وتنفّذه وتعاليه، عدد من الحافلات وقد كُتب عليها: هدية رئيس الجمهورية لشباب تونس. وعندما
تبدأ عملية الاستقصاء الإثنوغرافي، تجد أن تلك الحافلات هي هدية لشبيبة الحزب الحاكم، وقد رصُفت
أثمانها من ميزانية الدولة للمشاركة في الملتقيات والتكوينات والمخيمات الصيفية. هذا غيض من فيض
نعم بن علي على كلّ ملتحق بالحزب الحاكم؛ إذ يكفي حيازة بطاقة الحزب لولوج فئة المحميين، فهي
ستحميك من المتابعة اللصيقة للأمن، وحتى إذا خرقت قانون السير، مثالً، يُغَضّ الطرف عنك، ومن
الممكن أن تحصل على إعفاء ضريبي أو على وظيفة. لكنك في المقابل تكون مطالَبًا بحضور تكوينات
الحزب وتربّصاته. وما دام بن علي قد أفرغ الحزب الذي ورثه عن بورقيبة من أي تصور أيديولوجي
ومن أدبياته، فإن مضمون التكوينات هو خطابات الزعيم المفدى التي ألقاها في المناسبات الوطنية
والدولية (اليوم العالمي للمرأة، اليوم العالمي للبيئة...) وبيانات الحزب التي تمجّد صندوق 21/21
وبنك التضامن، وتبجّل اقتصاد تونس. ومن هنا يُطلب من أي عضو في التجمع الدستوري أو من
شبيبته بث الدعاية بشكل مستمر لدى مختلف أوساط المجتمع، لا لمصلحة للحزب، بل لمصلحة
الزعيم، والتهليل للمعجزة الاقتصادية التونسية وقوتّها الصاعدة باعتبارها «نمرًا» لشمال أفريقيا زمن
بن علي، وتسويق صورة تونس القوية كأنموذج فئة للتنمية الاقتصادية الناجحة يتعنيّ على جميع بلدان
المغرب العربي وأفريقيا التمركز حولها والاقتداء بها. وقد قام النظام في سنة 1995 بطرد مجموعة من المغاربة، بمن فيهم السياح، تحت ذريعة أنهم أتوا لمنازعة
التونسيين رفولهم في رغد العيش في ظل القيادة الرشيدة للزعيم بن علي. والجدير بالذكر هنا أن ترقية أي
عضو في مرتبته الحزبية، وفقًا لمنطق تراتبي شبه عسكري، تبقى رهن مدى قدرته على إظهار إخلاصه
ووفائه لابن علي وقدرته على الحجاج والإقناع بسياساته غير المشروعة؛ ففي إحدى زياراتي لتونس،
10 المصدر نفسه.
11 المصدر نفسه.
12 Rachel Karniol, "Egocentrism Versus Protocentrism: The Status of Self in Social Prediction," Psychological Review , vol. 110, no. 3 (July 2003), p. 564.
كان لي نقاش مع أحد التجمعيين الشباب، فألمحت إلى أن بن علي، حتى وإن افترضنا جدال أنه نجح
في تنمية تونس، فلا يجوز له أن يبقى في الحكم لولاية رابعة. فأجابني إجابة «هوبس» المعتمَدة لدى عدد
من الدكتاتوريات العربية، وهي أن تونس موزعة إلى جهات متنافسة في ما بينها، وبالتالي يعني غياب بن
علي صراعًا بين الجهات على السلطة، وهو ما يجعل بقاءه حصنًا حاميًا للبلاد والعباد من السقوط في حالة
فوضى. من هنا نفهم كيف اعتمد بن علي الحزب وشبيبته لتدجين الشعب كي يتقبّل ولاية رابعة؛ ذاك
التدجين الذي يظل واضحًا للعيان في عدد من المقاهي والمحلات التجارية، حيث يافطات ولوحات كتب
عليها تجار الحي فلان يبايعون سيادة الرئيس لولاية رابعة.
-2 المفارقة الإثنوغرافية في المراقبة المعلوماتية
يتضح ممّا سبق من الشواهد كون نظام بن علي من بين أعتى الأنظمة في الاستخبار والتجسس على
الهواتف والفاكس والإنترنت. لكن المفارقة هي كونه من بين الأنظمة الأولى في المنطقة التي شجعت
استعمال الإنترنت؛ ففي صيف سنة 1997 قام الحزب الحاكم - بناء على توجيه رئاسي - بحملات واسعة
النطاق في مدن صغيرة ومهمشة أحيانًا مثل مدينة الكاف، لتدريب الشباب على أدبيات الإنترنت. وكانت
الغاية قيام الحزب باستقطاب حاد للشباب تشديدًا على أن عهد بن علي هو عهد المعرفة الحديثة، فكانت
بداية انخراط النظام في عملية تعميم الأجهزة الإعلامية على فئات عريضة من المجتمع وتخفيض تكلفة
الإنترنت على المواطنين. وكان ذلك يتم ضمن إطار سياسة توزيع الغنائم على أفراد العائلة، حيث كان
نصيب إحدى بنات بن علي قطاع الإنترنت والأجهزة الإعلامية. ولكن ما يدهشنا حقًا، تلك المفارقة
بين تشجيع النظام للإنترنت وكون هذا الأخير أحد أسباب زوال النظام؛ فهل نحن هنا أمام مكر التاريخ؟
يبدو أن التشجيع المبكر للإنترنت مرده إلى رغبة النظام في خدمة مظهره الحداثي التي كان ينزع دائامً إلى
الظهور به أمام الغرب، وكذلك عدم إدراكه بعدُ مدى خطورته عليه. كما أن الفكرة التي كانت سائدة في
التسعينيات لدى النخب المقرَّبة من بن علي، أساسها تصوّر للفيلسوف بودريار كان شائعًا في فرنسا، مفاده
أن الإنترنت سيقوم عبر غرف الدردشة والإبحار بين المواقع بعزل مريديه عن الواقع وجعلهم مخدَّرين
وسجيني عالم السيمولاكر، وهو عالم ذهاني تخيلّي مؤثث بأحلام اليقظة التي تشكّل متنفسًا، وخاصة لدى
الأفراد العاجزين عن تحقيق أمانيهم على أرض الواقع. لكن مع انتشار «النّت» وبداية إحداثه جملة
من المشكلات للنظام الحاكم (قدرة المعارضين على نشر بياناتهم على «الويب»؛ النشر الرقمي للكتب
الممنوعة؛ تشكُّل غرف للدردشة وصفحات على «الفيسبوك» و«التويتر» ولقطات في «اليوتوب» تفضح
النظام وعائلته)، بدأت عملية ممنهجة لمراقبته والتحكم فيه؛ إذ سجلت منظمة مراسلون بلا حدود أن
الوكالة الحكومية للإنترنت تفرض مراقبة مشددة على الشبكة، اعتمادًا على برامج متخصصة ومتقدمة في
ميدان المراقبة، بما يخولها - بمقتضى قانون البريد - التقاط الرسائل الإلكترونية وتدميرها في حال شكّلت
إخ الً بالنظام العام. كما جرى تحميل المسؤولية القانونية لمتصرفي مقاهي الإنترنت بالسماح أو عدم التبليغ
عن تردد الزبائن على المواقع المحظورة؛ إذ يُطلب من الزبون تزويد صاحب مقهى الإنترنت ببطاقة تعريفه
وتاريخه زيارته؛ فمنذ سنة 2009، طلبت الوكالة التونسية للإنترنت تزويد حواسيب أصحاب المقاهي
ببرنامج (Publisoft) الذي يعاين ويسجّل بالتفصيل المواقع التي زارها رواد هذه المقاهي. كما أقام النظام
13 بشارة، ص.13
14 Jean Baudrillard, Simulacres et simulation , débats (Paris: Editions Galilée, 1981), p. 8.
برامج لمراقبة عدد من المواقع وتصفيتها، ومنها اليوتيوب وموقع راديو كندا، Dailymotion، wat.tv
وموقع Flickr لنشر الصور. زد على ذلك حجب مواقع منظمات حقوقية، من قبيل Amnesty و RSF،
ومواقع مجلات سياسية أجنبية مثل Le Nouvel observateur، Libération. إذ كلما حاول المستخدم
النفاذ إلى أحد المواقع الممنوعة أطلت عليه إشارة الخطأ التي تفيد بأن الصفحة غير موجودة، أو لا يمكن
النفاذ إليها «أعد لاحقًا». ويظهر أحيانًا رقم الخطأ 404، وهو ما يفيد بكون الموقع ممنوعًا، الشيء الذي
دعا الشارع التونسي من خلال سخريته المعهودة إلى تسمية عملية حجب الموقع باسم شخص «عمار
404 ». ومن بين البرامج التي اعتمدها النظام للمراقبة والتحكّم في الإنترنت، برنامج الانتقاء بحسب
الكلمة الأساسية التي يجوب الشبكة باحثًا عن المواقع التي تتضمن الكلمات الأساسية التي يعتبرها النظام
مشبوهة (مثل الدكتاتورية في تونس، حرية التعبير في تونس) ليقوم، بعد ذلك، بتفحص تلك المواقع
وحجبها أو تدميرها إذا ما وجدها مخالفة للنظام. كما لجأ النظام إلى تقنية القنص الرقمي (Phishing)،
أي سرقة المعلومات الشخصية للمعارضين عن طريق قرصنة بريدهم الإلكتروني واستخدامها ضدهم.
وللإشارة قامت شرطة «النّت» بحملة واسعة لقرصنة الأرقام السرية لحسابات «الفيسبوك» لعدد كبير
من المنخرطين، الأمر الذي أدى إلى تدخّل مباشر لدى إدارة «الفيسبوك»، ومساعدة مستخدمي «النّت»
التونسيين، ومنحهم برامج للحماية. خلاصة القول، كانت تونس زمن بن علي دولة أمنية بامتياز، ويرى المتتبّع للشأن التونسي بشكل خاص
والشأن العربي بشكل عام أن جميع المؤشرات كانت تسير في اتجاه الإقرار باستحالة قيام ثورة في تونس؛
فالمواطنون كانوا موزعين في أغلبية لا حول لها ولا قوة، تتفرج على ما يحدث، وأقلية موالية للنظام،
ومعارضة في طور الانقراض. لكن على الرغم من ذلك حدث التحول غير المتوقع؟ والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف ساهمت الشبكة العنكبوتية في هذا التحوّل؟ وكيف انكسرت أعتى
أنظمة المراقبة والتحكّم أمام غرف الدردشة الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي؟
ثالثًا: الربيع العربي ومحدودية أنظمة المراقبة والتحكّم أمام الشبكات الاجتماعية وغرف الدردشة
تؤكد جملة من المعطيات الإحصائية أن الإعلام الاجتماعي كان حاضرًا في السنوات الأخيرة، وبقوة، في
حياة مواطني بلدان الربيع العربي؛ ففي سنة 2009، بلغت نسبة مستخدمي الهاتف الجوال في تونس
95.38 في المئة من مجموع السكان، في حين بلغت نسبة المشاركين في الإنترنت 34.07 في المئة. أمّا في
سنة 2011، فقد بلغت نسبة مستخدمي «الفيسبوك» 28.9 في المئة من مجموع السكان. والملاحَظ أن
منحنى أعداد مستخدمي «الفيسبوك» ظل في ازدياد مطرد سنة بعد أخرى؛ ففي سنة 2008 سُجّل حوالى
16.000 تونسي مشارك في «الفيسبوك» ليصل إلى 180.000 مشارك في كانون الثاني/ يناير 2011.
15 تقرير راديو كندا الدولي، آلية المراقبة، على الموقع الإلكتروني: <http://www.rcinet.ca/arabe/archives/chronique/chroniques-
de-rci/mecansme-censure-en-tunisie>. 16 Romain Lecomte, «Révolution tunisienne et Internet: Le Rôle des médias sociaux,» dans: L’Année du Maghreb, VII: Sahara en movement (Paris: CNRS éd., 2011), disponible sur le site électronique: <http://anneemaghreb.revues. org/1288>.
ووصلت نسبة مستخدمي «الفيسبوك» بين الشباب التونسي المراوحة سنهم بين 15 و 29 سنة إلى ما يقرب
75 في المئة من المجموع العام للمستخدمين، وهي نسبة تتماشى وارتفاع نسبة الشباب العربي المستخدم ل
«الفيسبوك»، وهي 70 في المئة. أمّا نسبة التونسيات المستخدمات ل «الفيسبوك»، فقد بلغت 42 في المئة
من مجموع المستخدمين. وننوه في هذا الصدد إلى أن نسبة الولوج إلى صفحات «الفيسبوك» في الأيام الأولى
للثورة التونسية بلغت 18.8 في المئة من مجموع السكان. وبهذا تم تسجيل ارتفاع في أعداد مستخدمي
«الفيسبوك» من 10 في المئة سنة 2010 إلى 18 في المئة سنة 2011، وذلك مع بداية الحراك الشعبي. كما أن
حجم التغريدات على «التويتر»، وبخاصة تلك المتضمنة كلمة سيدي بوزيد، ازداد بشكل ملحوظ لدى
التونسيين في محطتين رئيستين، الأولى في بداية حراك 14 كانون الثاني/ يناير 2011 والثانية في 27 شباط/
فبراير، في أثناء تعيين الرئيس التونسي المؤقت رئيسًا جديدًا للوزراء. في مصر، سنة 2009، وصلت نسبة عدد المشتركين في الهواتف الجوالة في سنة 2009 إلى 66.69 في المئة،
وبلغت نسبة مستخدمي الإنترنت 24.26 في المئة، ووصلت نسبة انتشار «الفيسبوك» سنة 2011 إلى
7.66 في المئة، أي نحو سبعة ملايين مشترك في «الفيسبوك»، شكّل فيها الشباب نسبة معتبرة ناهزت 75
في المئة. أما نسبة النساء، فلم تتجاوز 36 في المئة. كما لا يفوتنا في هذا الصدد استدعاء معطيات إحصائية
تفيد التصاعد الدال في منحنى أعداد المصريين مستخدمي «الفيسبوك» من 822.560 مستخدمًا في سنة
2008 إلى خمسة ملايين مستخدم عشية الثورة، وإلى أكثر من 9.3 ملايين في بداية سنة 2012. وتأكيدًا
للترابط القائم بين شبكات التواصل الاجتماعي والاهتمام بالفعل السياسي، ارتفع عدد مستخدمي
«الفيسبوك» في أثناء الثورة من 12 في المئة إلى 29 في المئة، كما ارتفعت أعداد تغريدات «التويتر» بشكل
ملحوظ لدى المصريين تزامنًا مع حدثين سياسيين، الأول في 14 كانون الثاني/ يناير وقد اقترن بارتفاع
وتيرة الاحتجاجات الشعبية في تونس، والثاني في 11 شباط/ فبراير، في أثناء تنحّي مبارك عن الحكم.
وفي دراسة ميدانية وزِّع فيها استبيان على 126 مستخدمًا ل «الفيسبوك» من مصر و 105 مستخدمين من
تونس، ذهب المستجوَبون، بنسب معتبرة، إلى أن الموقع استُخدم أساسًا لرفع مستوى الوعي في بلدانهم
بأهمية الاحتجاجات الشعبية (31 في المئة في كلٍّ من تونس ومصر)، ونشر المعلومات في العالم بشأن
الحركات الاحتجاجية (33 في المئة في تونس و 24 في المئة في مصر)، والتنسيق بين الناشطين وتنظيم
التحركات (22 في المئة في تونس و 30 في المئة في مصر)، بينما رأى أقل من 15 في المئة في كلا البلدين أن
«الفيسبوك» كان يُستخدم بشكل أساس للتسلية أو لأغراض اجتماعية. على الرغم من كون المعطيات الإحصائية السابقة الذكر تفيد بوجود علاقة واضحة المعالم بين الاهتمام
بالشأن السياسي واستخدام مواقع التواصل الاجتماعي، فإننا نعتقد، عكس ما اتجه إليه بعض الدراسات،
أن من الصعوبة بمكان تحديد طبيعة العلاقة بين الإنترنت والربيع العربي من خلال معطيات كمية فقط،
والجزم بالقول، مثالً، ما دامت أعداد مستخدمي «الفيسبوك» منخفضة نسبيًا في مصر مقارنة بعدد سكانها،
فهذا يعني أن شبكات التواصل الاجتماعي لا تشكل عامالً مؤثرًا في الحراك الشعبي. ونرى في المقابل،
من جهتنا، أن ما يجب وضعه في الاعتبار هو أن الشخص المستخدم لشبكات التواصل الاجتماعية يرتبط
بدوائر من العلاقات الاجتماعية (أسرية، حزبية، مهنية، مجتمع مدني)، فيكون حامالً يوصِل إليها كماًّ من
17 "Civil Movements: The Impact of Facebook and Twitter," Arab Social Media Report, vol. 1, no. 2 (May 2011), on the Web: <www.arabsocialmediareport.com>. 18 <www.arabsocialmediareport.com>.
المعلومات عبر وسائط التواصل التقليدية، وهو بهذا يمثّل نوعًا من الصحافة غير النظامية. ولا أدل على
قوة تأثير الإنترنت في سلوك المواطنين السياسي من الموقف الملتبس الذي تتخذه أنظمة المراقبة العربية
حياله؛ فمن بين أهم المحطات التي عرفها التونسيون في تاريخهم المعاصر رفع النظام التونسي المراقبة
بالكامل عن الإنترنت في مساء يوم 13 كانون الثاني/ يناير 2011 بناء على خطبة بن علي المشهورة «أنا
فهمتكم»، ومن بين ما تضمنته هذه الخطبة إلغاء عملية منع عدد من المواقع مثل اليوتيوب. وبعد ذلك،
يأتي حدث رحيل بن علي، ليدرك الجميع أن الثورة انتصرت، الشيء الذي سيمنح نوعًا من الدعم النفسي
للشارع في عدد من أقطار العالم العربي للتحرك من أجل التغيير، وتكون ردة فعل الأنظمة على هذا الحراك
ملتبسة بين حجب الإنترنت ورفع الحظر عنه وعن الهاتف الجوال. فقد استمرت عملية قطع الاتصال
بشبكة الإنترنت خمسة أيام في مصر (من 28 كانون الثاني/ يناير حتى 2 شباط/ فبراير) بينما بدأ في ليبيا
انخفاض في تدفق الاتصال بالإنترنت في 20 شباط/ فبراير 2011. في حين قامت الحكومة السورية
برفع الحظر عن مواقع الإعلام الاجتماعي في السابع من شباط/ فبراير، فشهدت حركة استخدام موقع
«يوتيوب» وغيره من مواقع الإعلام الاجتماعي الأخرى ارتفاعًا ملحوظًا. بينما أنشأ المجلس العسكري
المصري صفحات على «الفيسبوك» ليخطب ود نشطاء «النّت». تُظهر المعطيات السابقة الذكر مدى ارتباك الأنظمة العربية في تعاملها مع الإنترنت ورهبتها منه. وينمّ
هذا الارتباك عن محدودية أساليبها الرقابية لحصر تأثيراته في الشارع العربي. وللتذكير نشير إلى أن الشبكة
العنكبوتية تتضمن «العامل اللاكفي» الذي يحتوي على جملة من الخصائص التي مكّنت نشطاء «النّت» من
تجاوز آليات المراقبة والضبط للأنظمة الاستبدادية والمرور إلى الفعل الذي وجد تحققه في إسقاط النظام.
ونعرض لهذه الخصائص كما يلي:
-1 خاصية إخفاء الهوية
إن عدم كشف عدد من النشطاء إبان الربيع العربي عن هويتهم، ومنهم وائل غنيم الذي دعا على
«الفيسبوك» إلى تنظيم عدد من التظاهرات الجريئة في صيف وخريف 2010، كما دعا المواطنين إلى
القيام بذلك، وبكثافة، يوم 25 كانون الثاني/ يناير 2011، حين وصل عدد المشاركين عشية الثورة إلى
38.000 فرد، يجعلنا نقف عند إمكان إخفاء الهوية بفعل الإنترنت بعناصره المختلفة (غرف الدردشة
ومواقع التواصل الاجتماعي)، لتجاوز مراقبة الأنظمة الحاكمة؛ ففي غرف الدردشة، وحتى في مواقع
التواصل الاجتماعي، ليس من الضروري أن يكشف الفرد عن بطاقة هويته الشخصية، ولكن الأهم أن
يتعاون مع الآخرين ويعربّ عن مكنوناته الداخلية بكل أريحية. من هنا، عندما يجد الفرد نفسه قادرًا
على إخفاء هويته الشخصية وحمايتها باستخدامه اسامً مستعارًا في أثناء حواره مع الآخرين، فإنه سيلغي
أي مقاومة نفسية ليتحرر في تعبيره، مفسحًا في المجال للبوح الصريح عن مكبوتاته ومعاناته ومواقفه التي
كثيرًا ما يحجم عن البوح بها في حياته اليومية. إن هذا الاطمئنان الذي يسكن الإنسان في غرف الدردشة
19 <www.arabsocialmediareport.com>. 20 David M. Faris, "La Révolte en réseau: Le «Printemps arabe» et les médias sociaux,» Politique étrangère , no. 1 (Printemps 2012), p. 104. 21 Azy Barak, Meyran Boniel-Nissim and John Suler, "Fostering Empowerment in Online Support Groups,” Computers in Human Behavior , vol. 24, no. 5 (September 2008), p. 1867.
ويشجعه على قول كل شيء والحديث عن أي شيء، يرجع إلى إدراكه أن بمقدار ما يجهل الآخرون اسمه
وهويته الحقيقية يكونون عاجزين عن استغلال ما عربّ عنه من مواقف تجاه النظام القائم ضده في يوم
ما؛ فكل ما يقوله يظل حبيس جدران الغرفة الرقمية، وبالتالي لن يكون ضحية وشاية مواطن رقيب أو
عون أمن. كما أن اعتماد مجموعة من الاستعارات والصيغ المجازية للإشارة إلى النظام القائم ومعاونيه في
المدوَّنات الرقمية وفي الشبكات الاجتماعية يمكّن المدوِّن من الانفلات من نظام المراقبة الرقمي القائم على
برنامج انتقاء الكلمات (كأن يبدل اسم بن علي بالقرصان، حاكم قرطاج، الزين...). نود أن ننوه هنا أن نشطاء «النِّت» التونسيين اعتمدوا على تقنية «بروكسي») Proxy) لإخفاء هويتهم
الرقمية. وقد سألتُ مدوِّنة تونسية: «ماذا تعني لها كلمة «بروكسي»؟» فأجابت: «تعني برنامجًا رقميًا
يمكّنني من التخفّي من شرطة مراقبة ‹النِّت›، كي لا يتمكّنوا من تحديد موقعي». وتبقى برامج Hotspot
Shield و Tor و TCP optimiser من أهم برامج «بروكسي» التي اعتمدها التونسيون من أجل تمويه نظام
المراقبة وتحسين عملية النفاذ إلى شبكة «النِّت». وبحسب إحصاءات «غوغل»، تم الكشف عن أن كلمة
«بروكسي» هي من بين أكثر الكلمات التي بحث التونسيون عنها أيام الثورة. يبقى أن أهمية مبدأ إخفاء الهوية لا تنحصر في اتّقاء الفرد شر الأنظمة الاستبدادية القائمة، وإنما تتعدى ذلك
إلى امتلاكه جرأة التعبير عن مواقفه؛ فهو في حياته اليومية محكوم بهاجس الربح والخسارة، ومتوجس خيفة
من التعبير عن قناعته الحقيقية تجاه موضوع ما بقول الصراحة، خشية أن يؤدي به ذلك، مثالً، إلى فقدانه
صديقًا («لم أصارحه بخطئه خوفًا من أن أفقده»)، أو إلى فقدان مركزه داخل جماعة الانتماء («لا يمكنني
أن اتخذ موقفًا بهذا الشكل لأنه مخالف لتوجّه حزبي، وأنا شخص مسؤول داخل الحزب»)، أو إلى النظر
بصفته موضوع استقطاب («أتود أن أتبنّى موقف الإسلاميين من الموضوع كذا لأُحسب عليهم؟»). لكن
ما دامت غرفة الدردشة تضمن لأعضائها إمكان إخفاء الهوية، فإنه ليس هناك اعتبار لجماعة الانتماء، ولا
خوف من عملية الاستقطاب أو من فقدان صديق، لأن المهم هو مدى تمكّن الفرد من التعبير عن وجهة
نظره الشخصية، وإفراغ ما في جعبته من دون مراعاة حكم الآخر عليه، ذلك بأن الآخر الذي يُصدر بشأنه
حكامً سلبيًا يجهل هويته أصلا. بمعنى أدق، يتمثّل الفارق بين الحوار في الواقع اليومي نظيره في غرف
الدردشة في أن رهان محادثاتنا في الواقع اليومي هو رضى الآخرين عنا، بينما يبقى الرهان الأساس في غرف
الدردشة أن نرضى نحن على ذواتنا. وقد تأخذ البعض، في غرف الدردشة، الرغبة في إرضاء ذواتهم من
دون الاكتراث بالآخر إلى حد استخدامهم عبارات نابية وسوقية وغير محتشمة، على الرغم من انتمائهم
إلى مراكز اجتماعية مرموقة (محامون، مهندسون).... وبهذا تسمح تلك الغرف لأعضائها بتفريغ
مكبوتات لا يستطيعون البوح بها في حياتهم اليومية. وتجدر الإشارة هنا إلى مدوّنة «تكريز» (Takriz)
التي كان أصحابها معارضين لنظام بن علي، ومشاركين فعليين في الثورة التونسية؛ فهُم استخدموا لذاك
الغرض عبارات سوقية تخل بالحياء، معللين ذلك رغبتهم في البقاء قريبين من لغة الشارع التونسي. غير أن ما يهمنا أكثر في اعتماد غرف الدردشة على مبدأ إخفاء الهوية هو كوننا لا نأبه لخلفية المحاوِر
22 Lecomte, «Révolution tunisienne et Internet». 23 Hicham Khabbache, "Empowering Mindreading Skills Via Online Social Networks,” dans: Analele Universității Ovidius (Seria Psihologie) ([Constanța, Romania]: Ovidius University Press, 2012), p. 137. 24 Barak, Boniel-Nissim and Suler, p. 1870.
25 انظر صفحتهم على «الفيسبوك» المليئة بعبارات تخدش بالحياء في تناولهم الشأن المحلي: <https://www.facebook.com/takrizo>.
السياسية: هل هو إسلامي ماركسي أم ليبرالي... وإنما نهتم أكثر بمدى فهمه وتفهمه لموقفنا من موضوع
ما. وعليه، نعتقد أن عملية تحييد الانتماء السياسي في غرف الدردشة وفي شبكات التواصل الاجتماعي،
شكّلت عامالً مهامً مكّن شبابًا من أطياف سياسية مختلفة في تونس ومصر واليمن من التوحد في صفحات
«الفيسبوك» نفسها، ليطرحوا بكل شجاعة سؤاالً مصيريًا يؤرقهم وهو كيف نُسقط النظام؟ هذا إلى جانب كون الأسلوب المعتمَد في غرف الدردشة لمعرفة الآخر يختلف عن الطرائق التي
اعتدنا سلوكها في حياتنا اليومية للتعرف إليه؛ فما دامت هويتنا في حياتنا اليومية مكشوفة، فإننا نعتمد
على استراتيجيتين، الأولىتسمّى استراتيجية التنظير الحدسي intuitive theory()، وهي استراتيجيا
سوسيومعرفية مركّبة تتطلّب جهدًا معرفيًا كبيرًا، وتنبني على صوغ فرضية تتعلق بالشخص المستهدف:
«هل هو، مثالً، شخص نزيه ومصدر ثقة أم لا»، والتحقق من مدى صدقها على أرض الواقع من
خلال معاشرة ذاك الشخص، ومن ثم تعميمها على أشخاص آخرين يشاركونه عددًا من الخصائص،
ثم اعتمادها بعد ذلك كقانون للتوقّع. فعلى سبيل المثال: «ما دام إسلاميًا فإنه يمكن الوثوق به، لأنه
سبق لي أن عاشرت عددًا من الإسلاميين فكانوا جميعًا مصدر ثقة». والاستراتيجيا الثانية هي استراتيجية
الازدراء derogatory strategy) (التي تعتمد على الشائعة والوصم والأحكام الجاهزة والقوالب لتعريف
الآخر، وهي لا تتطلب مجهودًا معرفيًا كبيرًا («إنه إخوانجي، إنه ظلامي لا يمكنني أن أصافحه»)،
بينما الاستراتيجيا الوحيدة الفعالة في هذا الصدد هي استراتيجية التقييس simulation() التي تُتّبع في
غرف الدردشة وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، ما دامت هوية الأنا وهوية الآخر تظلان خفيتين،
وما دام لديهما الحق في التعبير عن حقيقتهما السرية وعن معاناتهما العميقة والمشتركة من الوضع القائم
من دون الإحساس بالذنب أو بالدونية («أنا لا أحس بأني أخون وطني عندما أنتقد الوضع القائم على
‹النت›») على حد تعبير أحد المدوّنين التونسيين، أو من دون الخوف من التعرض للتهكم بحسب آخر.
مضمون هذه الاستراتيجيا هو أن أحاول فهم معاناة الآخر من خلال معاناتي الشخصية، وأن أضع نفسي
في مكانه وأعتبر حالاته الذهنية والعاطفية جزءًا من معيشي النفسي. بتعبير أدق، نحن هنا أمام ضرب
من التفاعل مع الآخر ينتهي إلى مستوى التعاطف معه والتأثر بوضعه. لكن بسبب تلقائية مضامين
الرسائل الرقمية وعدم نمطيتها، وتضمّنها عبارات عاطفية وانفعالية، واعتمادها على اللهجات المحلية
أحيانًا، واشتمالها على وقائع يتم الإدلاء بها من المصدر الأصل، أي من الشخص الذي عاش تلك الوقائع،
وتعزيزها بمشاهد قوية تبثّها قنوات فضائية مؤثرة («قناة الجزيرة نموذجًا»)، بسبب ذلك كله، يتحوّل
أعضاء غرفة الدردشة أو شبكة التواصل الاجتماعي من مستوى التعاطف مع الآخر إلى مستوى تقمّص
حالاته الذهنية والعاطفية، بمعنى أن الآخر يصبح أنا، وهذا يبدو جليًا، في حالة البوعزيزي، حيث نجد
في مدوّنات بعض الناشطين التونسيين عبارة «سنحرق أنفسنا مثل البوعزيزي»، أو في مدونات بعض
المصريين شعار «كلنا خالد سعيد». ومعلوم أن عدد الذين انضموا إلى صفحة «كلنا خالد سعيد» على
«الفيسبوك» بلغ في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2012 مليونين ونصف مليون شخص. وفي ما يخص حالة
البوعزيزي، قام النشطاء التونسيون باستحداث مدوّنة عنوانها «السيد الرئيس، التونسيون يحترقون جميعًا
26 Hicham Khabbache, "Are you a Mind Reader?," in: Hicham Khabbache [et al.], eds., Le Travail social à l’épreuve des coopérations ouvertes et des copérations fermées: Enjeu capital pour le développement humain: Deuxième Spring institute international du 10 au 16 Mai 2010 , développement humain; no. 2 (Fès, Morocco: Université Sidi Mohamed Ben Abdellah, 2010), p. 133.
بالنار». وقد وصل عدد الداعمين لهذه المدوَّنة إلى حوالى 10.000 شخص، وكلما قام النظام بحجبها،
عمل النشطاء بشكل متكرر ودؤوب على تغيير أحد أحرف اسمها على الإنترنت، أو إضافة رقم جديد
لعنوانها ونشرها من جديد، وهذا يدل على مدى إصرار هؤلاء النشطاء على مواقفهم وتمسكهم بها. لكن لا بد أن ننبّه إلى أن الصور والعبارات التي نقلتها هذه المدوَّنات ومواقع التواصل الاجتماعي
وقنوات إخبارية فضائية كان لها دور في نقل بعض الأفراد من مستوى التعاطف إلى مستوى التقمص؛
إذ سُجّل ما يقرب من 63 حالة في الوطن العربي عُرفت بما يسمّى في علم النفس الاجتماعي التصرّف
المعدي الذي يتمثّل في قيام تلك الحالات بمحاولة حرق أنفسها، على غرار البوعزيزي، احتجاجًا على
وضعها البائس. لكن نلفت الانتباه إلى أن مديري الغرف وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي لا يُبقون هويتهم طي
الكتمان دومًا، بل نجدهم يكشفون عنها كليًا أو جزئيًا، عن طريق ترك عدد من الآثار الرقمية الدالة
عليهم، معلنين بذلك انهيار جدار الخوف، وخاصة عندما يلحظون ازدياد أعداد منخرطي الغرفة،
وعندما يحسون بتحوّل الحوار مع هؤلاء المنخرطين من التعاطف إلى التقمص، وتنبعث روح التضامن
في ما بينهم، وتصبح مشاركتهم في حوارات الغرفة نوعًا من الالتزام اليومي، ويضحي انتماؤهم إليها
أقوى من انتمائهم إلى حزب أو إلى جماعة، فيعيشون صيرورة اللااستقطاب) depolarization (،
أي، بمعنى أدق، يشرعون في التحرر من انتمائهم الحزبي السابق لمعانقة آراء ومواقف الغرفة المبنية على
المشاركة الأفقية. وهكذا، عندما يكشف رواد الغرف وصفحات «الفيسبوك» عن هويتهم يكون الاعتقال
مصيرهم، فيخرج أولئك الذين شاركوهم حواراتهم إلى الشارع مطالبين في البداية بإطلاقهم ليتحول
المطلب بعد ذلك إلى إسقاط النظام (ومن أمثلة ذلك، طلال الموحدي من سورية، وائل غنيم من مصر،
ومغنّي الراب التونسي حماده بن عمر الملقّب بالجنرال). وبهذا تبدأ صيرورة تحوّل المواطن من مشاهد إلى
مشارك في عملية التغيير.
-2 خاصية الذات غير المرئية
إن غياب الإدراك الفيزيقي المباشر للآخر، وهو متمثل أساسًا في جهل كل عضو لشكل جسد بقية
الأعضاء ونبرات أصواتهم، يسهّل عملية التواصل، وينشئ منها وضعية لا رقابية بامتياز، وهو ما يضمن
لمن يود التعبير عن فكرة ما عدم ارتباكه في أثناء إبلاغه لها بسبب عبوس محاوره وتجهّمه، بينما نجد في
الواقع الاجتماعي المرء في حديثه مع الآخر مهتامً بإيماءات وجه هذا الآخر وحركات جسده وهمساته؛
فحركة رأس المتلقّي التي تفيد الرفض، وابتسامته الساخرة ونظراته التحذيرية، قد تؤدي بالمرسل إلى تغيير
اتجاه الحديث نحو وجهة نظر قد ترضي المتلقّي. إن هذه الخاصية هي التي مكّنت الشاب العربي الذي يعاني القهر النفسي والاجتماعي من تجاوز هاجس
27 Lecomte, "Révolution tunisienne et Internet».
28 مازن السديري، «لماذا يحرق 63 عربيا أنفسهم؟،» الرياض، 2013/7/17، على الموقع الإلكتروني: <http://www.alriyadh.
com/2013/07/17/article852728.html>. 29 Daniel Favre [et al.], “Empathie, contagion émotionnelle et coupure par rapport aux emotions,» Enfance , vol. 57, no. 4 (2005), pp. 363-382. 30 Amiram Vinokur and Eugene Burnstein, «Depolarization of Attitudes in Groups,» Journal of Personality and Social Psychology , vol 36, no. 8 (August 1978), p. 872. 31 Barak, Boniel-Nissim and Suler, p. 1871.
الخوف من مواجهة الرقيب وجهًا لوجه في أثناء إبدائه لرأيه، والتحدث بثقة عالية بالنفس عن مواقفه
وقناعاته من دون الاكتراث بنظرة حراس النظام إليه؛ فجسده غير مكشوف لحراس النظام وغير محصور
في مكان معنيّ يسهل ضبطه ومراقبته. وهنا نجد مثال ناشط تونسي، أيام الثورة، يعمل يوميًا على تحديث
صفحته على «الفيسبوك» ويقوم في الوقت نفسه بتدبير حساب له على «التويتر» الذي يضم الآلاف من
المنخرطين، وينشر صورًا فيديوية على «اليوتوب» و«دايلي إيموشن»، ومبرره في ذلك قوله «أنا مثل الشبح،
لا أسكن مكانًا بعينه وإنما في كل مكان ولا يمكن لبن علي الإمساك بي».
-3 خاصية التروي في ردة الفعل
إن ما يميّز عملية التواصل عبر شبكة الإنترنت، أكان عبر الرسائل الرقمية أم من خلال غرف ومنتديات
الدردشة أو المواقع الاجتماعية، هو عدم إلزامها للمتلقّي بالرد على الرسالة في حينه؛ إذ من الممكن أن
يتريث في الإجابة، ويأخذ قسطًا من الوقت يراه كافيًا للرد ربما لا يتعدى ثواني أو دقائق أو ربما يدوم
ساعات أو أيامًا. وعلى العكس من ذلك، يُشترط في الوضعيات التواصلية الطبيعية، وخاصة الشفوية
منها، وهي تتم وجهًا لوجه بين المرسل والمتلقّي، أن جتُاب الرسالة فورًا، الشيء الذي يثير لدى هذا المتلقّي
هاجس الرد الآني وما يترتب عنه من وضعيات إرباك لا تسمح له أحيانًا بالإبحار في أفكاره، وتقليبها
على جميع الأوجه، وتنظيمها وإعادة صوغها، لتخرج تلك الأفكار بشكل متسرع وغامض وغير واضح،
وتتخللها أحيانًا زالّت اللسان وأخطاء التعبير، ويغيب عنها فن الإقناع والإبلاغ. ارتباطًا بسياقنا هذا، نشير إلى أن نظام بن علي أحاط نفسه بمجموعة من الخطباء والمتكلمين الذين يتقنون
فن الإبلاغ وصوغ الحجج بناء على معطيات مختلَقة، كما أحاط مبارك نفسه بمؤسسات إعلامية ضخمة
وصحافيين يعملون على الترويج لنظامه والدعاية لما يُعتبر حسنات ومنجزات له. هكذا، وأمام هذا
المشهد، من الصعوبة بمكان أن يتمكن شاب يافع ليس لديه تجربة في السجال السياسي مواجهة متكلمي
نظام مبارك أو بن علي وصحافييهما في المناظرات السياسية. لكن شكل المواجهة سيختلف عبر الرسائل
الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي؛ فهذا الشاب ليس مطالَبًا بالرد على الرسالة في حينه ولا بالتقيد
بزمان الرد ومكانه، ولا بمواجهة جمهور عريض من الناس؛ فبمقدوره أخذ وقته الكافي للرد، الشيء الذي
سيساعده على تجاوز عائق الخجل والخوف في مواجهة أبواق النظام. وما دام لديه الوقت الكافي ليستجمع
أفكاره ويمعن في الإجابة، فإنه سيتسنى له المجال كي ينظّم أفكاره بتؤدة ويراجعها ويرتّبها، ويبحث عن
اللفظ الملائم للتعبير عنها، وكي يبحث في الشبكة العنكبوتية عن المعطيات والحجج المضادة لأطروحات
النظام. كما يمكنه القيام بنوع من التوصيف الذاتيself-description) (لإجاباته، أي البحث بشكل
واع عن مظاهر توفق إجاباته وقصورها لدحض مقولات النظام قبل أن ينشرها على مدونته. ولا جدال
في أن هذه الاستراتيجيا مكّنت مجموعة من المدوِّنين الشباب قبل الثورة وفي أثنائها من عرض بيانات قوية
32 المعطيات الإمبريقية المعتمَدة في هذه الدراسة مستمدة من نتائج مقابلات أجريناها عبر «سكايب» ومن خلال البريد الإلكتروني
مع عشرين ناشط «نت» ومدونًا تونسيًا، وذلك بعد شهرين من تاريخ رحيل بن علي. وقصد إغناء الدراسة، تم الانفتاح، كذلك، على
Lecomte, "Révolution tunisienne et Internet». انظر:. Lecomte معطيات مقابلات أجراها
33 Jacqui Taylor and John MacDonald, "The Effects of Asynchronous Computer-Mediated Group Interaction on Group Processes,» Social Science Computer Review , vol. 20, no. 3 (Fall 2002), p. 260.
34 هشام خباش، «نظرة إلى الطفولة من خلال مد الجسور بين المعرفية التعددية وعلوم التربية،» مجلة الطفولة العربية، السنة 8، العدد
32 (أيلول/ سبتمبر 2007)، ص.89
ومؤثرة على شبكة «الويب»؛ ففي مصر، تمكن الأعضاء السابقون لشبيبة حركة كفاية في آذار/ مارس
2008 من فتح صفحة مؤثرة على «الفيسبوك» تحكي بالتفصيل عن معاناة عمال النسيج في مدينة المحلة
وتدعو إلى التضامن معهم. لقد كان في إنجاز هذه الصفحة ضرب من الاحترافية وحضور لاستراتيجية
التروي في ردة الفعل. وقد ترتب عن ذلك ارتفاع أعداد الزائرين لتلك الصفحة، وخروج تظاهرات
عارمة في 6 نيسان/ أبريل، وتنفيذ إضرابات قوية، وبزوغ حركة شبابية سياسية من ناشطي «النّت» أُطلق
عليها اسم 6 أبريل، وكان لها دور فعال إبان الثورة. من هنا نفهم أن نضج فعل التدوين كان له تأثيره في
اتجاه الرأي العام المصري، كما حظي باهتمام الشباب المصري، إذ قُدّر عدد المدوّنين الذين هم في أغلبهم
شباب سنة 2008 ب 160.000 مدوّن.
أمّا في تونس، فقد ظهر فعل التدوين في وقت مبكر، وبالتحديد في سنة 1999، لكنه كان يخلو من أي
رؤية احترافية، حتى نُظر إلى المدوِّنين بوصفهم منعزلين كليًا عن المجتمع التونسي، ونُعتوا بمنشقي «النّت»
) Cyberdissident). ومن بين المدوّنات المعارضة للنظام التي ظهرت في هذه الفترة، مدونة «تكريز» سنة
1998، وكانت تعتمد في نقدها للنظام، وكما سبقت الإشارة، على اللغة السوقية المخلة بالحياء، ومدوّنة
«تونزين») Tunezine (سنة 2001، و«اليقظة التونسية» سنة 2002. لكن تمثّلت مرحلة التقدم في عملية
التدوين في تأسيس مدوّنة «نواة» التي اعتمدت بوضوح استراتيجية التروي في ردة الفعل؛ فهي لم تنهج
سياسة النقد من أجل نقد مؤسسات النظام الحاكم بل النقد المبني على التوصيف الذاتي لخطابات النظام،
والبحث عن معلومات ومعارف إخبارية دقيقة مترجمة أحيانًا من الفرنسية والإنكليزية، واعتمدها حججًا
لدحض افتراءات النظام، بحيث قامت مثالً بترجمة أخبار «ويكيليكس» من الإنكليزية إلى العربية. كما
ترفعت عن استخدام اللغة السوقية في انتقاد مؤسسات النظام ورموزه. وبالتالي شكّلت مدوّنة «نواة»
منذ سنة 2004 جيالً جديدًا في فعل التدوين، وراهنت، من خلال اعتمادها على استراتيجية التروي في
ردة الفعل، على كسب ثقة نشطاء «النّت»، ودعوتهم إلى الخروج من وضعية فضاء «البلقنة السيبرنيتية»
(Cyberbalkanisation)، والمتمثّل في كون كل مدوِّن يعيش في فضائه الخاص، معزوالً عن فضاء المدوِّن
الآخر، نحو فضاءات رقمية مشتركة. من هنا، أدرك المدوِّنون التونسيون أن إنهاء تشرذمهم في الفضاء
الرقمي سيشجعهم مستقبالً على التوحد في الفضاء العمومي خلال مواجهتهم للنظام الحاكم. وتأسيسًا
على ذلك، ظهر لدى المدوِّنين التونسيين تكتيك التجميع (Agrégateur) المتمثّل في تضمّن أي مدوّنة
عددًا من الروابط التي تحيل إلى مدوِّنات أخرى، الشيء الذي أشار إلى بداية ترسيم السلوك التضامني بين
مناضلي «الويب».
إن ما يميّز الجيل الجديد من المدوّنات في تونس هو إجماالًانفتاحها على شبكات التواصل الاجتماعي وعلى
عدد من الخبراء والأطر، قصد الاستشارة للرد على افتراءات النظام، والتعاون في ما بينها لتحريك أكبر عدد
من نشطاء «النّت» للرد على تعليقات شرطة «النّت» (Cyber police) على «الفيسبوك» و«التويتر» ودحض
ادعاءاتهم بالحجة والدليل. زد على ذلك استخدامها في بياناتها التونسية الدارجة والمؤثثة أحيانًا بعبارات
تسخر من النظام، مع ابتعادها عن الخطابات المطوّلة لعدم إزعاج الملتقّي، واعتمادها، كذلك، على تقنية إرسال
النشرات الإخبارية اليومية (Newsletter) إلى البريد الرقمي إلى أكبر عدد ممكن من التونسيين.
35 Faris, pp. 101-103. 36 Lecomte, "Révolution tunisienne et Internet».
رابعًا: اللاستقطاب من خلال استدماج الآخر في الذات
إن التحاور في غرف الدردشة ومنتدياتها يعتمد في الغالب الأعم على فعل الكتابة. وبسبب أجواء الصمت
التي تحيط بفعل الكتابة، ينتاب الفردَ شعورٌ بكونه لا يتحاور مع الآخرين بل يفكر معهم، إذ يتسلل إليه
الإحساس بكونه يتماهى مع أذهانهم، فإعجابه بأفكار الآخرين لتناغمها مع أفكاره، وتعاطفه مع معاناتهم
الشبيهة بمعاناته، يفضيان به إلى الشعور بأن تلك الأفكار هي أفكاره وتلك المعاناة هي معاناته، وكأن
هؤلاء الآخرين يفكرون ويتحدثون داخل ذهنه. وإذا كنا في تواصلنا اليومي مع الآخر نُلصق به جملة من الأحكام الجاهزة والنعوت النمطية، بناء على
ملاحظتنا لطريقة حديثه وتصرفه، فإن الأمر يختلف في عالم الدردشة الرقمية الذي يحرك فينا نوعًا من
الإحساس بكون حديث الآخر وتصرفه جزءًا من حديثنا وتصرفنا؛ إذ نجد أنفسنا ننظر إلى ذواتنا من
خلاله ونتماهى معه، ونعتبر حالاته النفسية انعكاسًا لعوالمنا النفسية الداخلية، بل أكثر من ذلك، ننتظر
من كلامه أن يجاري كلامنا ومن أمانيه أن تكون شبيهة بأمانينا، وهو ما يجعلنا أكثر تعاطفًا معه وأكثر
تفهامً لمشكلاته. وفي هذا الصدد نعتمد نوعًا من التقمص النفسي لقراءة حالات الآخر الذهنية والعاطفية
متلخّصة بفكرة مفادها أننا وضعنا أنفسنا مكان الآخر لمعرفته، الشيء الذي يؤسس لا لتوافقات على
مستوى المواقف السياسية فقط، بل أيضًا لنوع من الانصهار في الحالات الذهنية والعاطفية نفسها،
ومن الفهم المشترك لجملة من الموضوعات. وهنا يبرز على «النّت» ضرب من الصداقة الإيجابية، التي
تُبنى على التآلف والتعاطف والحميمية بين أفرادها، وتنتهي بهم إلى الانخراط في علاقات تضامنية
نوعيه، إذ عندما يُعتقل أي فرد يخرج الجميع إلى الشارع مماديًا بإطلاقه، مع أنه غير معروف لدى بقية
أعضاء الغرفة كوجود فيزيقي، وإنما كوجود افتراضي فقط. وانطلاقًا من ديناميكية الانصهار العاطفي
التي تتلخّص بشهادة أُخذت من مغربي يداوم في إحدى غرف الدردشة حيث يقول: «كنمشي نشاطي
حقاش تما صحابي لي كايفهموني»، ينخرط الفرد بشكل إرادي في صيرورة اللاستقطاب من النظام
الحاكم ومؤسساته الحزبية والجمعوية إلى الانتماء إلى غرفة الدردشة؛ هذا الانتماء الذي سيصبح في ما
بعد نوعًا من الالتزام اليومي، حيث يغدو انضباط الفرد وتقيده بمواعيد غرفة الدردشة أمتن من
التزامه بحضور تجمّع خطابي لحزب ما، بل لعله يصبح من الرافضين للانتماء الحزبي، إذ نجد في بدايات
الربيع العربي انتشار صفحات عدة على «الفيسبوك» تدعو في المغرب إلى إسقاط الأحزاب وزعمائها.
كما نستشف من خلال مضمر جواب مغني الراب الملقب بالجنرال «أنا لا أفهم في السياسة» في حوار له
على قناة الجزيرة، كونه ضد السياسة في شكلها القائم في الوطن العربي والمبنية على الحزبية الضيقة التي
تخدم مصالح زعماء الحزب والاستقطاب الحاد وصوغ القرارات بشكل فوقي. وما يؤكد هذا المعطى
خروج دراسة ميدانية شملت 1200 من نشطاء «النّت» شاركوا في اعتصامات ميدان التحرير، بنتيجة
مؤداها أن 65.3 في المئة من مجموع العينة أقرت بعدم انتمائها إلى أي جهة حزبية وأي جمعية أهلية أو
خيرية. زد على ذلك أن 66 في المئة من مجموع العينة أكدت عدم مشاركتها من قبل في أي تظاهرة أو
37 المصدر نفسه، و , vol. Psychoanalytic Psychology Sherry Turkle, «Whither Psychoanalysis in a Computer Culture?,» 21, no. 1 (2004), p. 16.
اعتصام. كما أن أغلب المدوّنين ونشطاء «النّت» التونسيين الذين تم استجوابهم أفادوا بأن ليس لهم
أي انتمائي سياسي حزبي. إن قوة الانتماء إلى غرف الدردشة ومواقع التواصل الاجتماعي هي التي تحولت لاحقًا إلى قوة انتماء الثوار
إلى ميدان التحرير وإلى ساحة القصبة، وهو ما بدا لدى الجميع في تلك اللحظة أنه أقوى من انتماء بعض
النشطاء إلى حزبه أو جماعته؛ إذ عندما سئل أحد شباب الإخوان المسلمين قبل أيام من سقوط مبارك:
ما موقفكم إذا طلب منكم تنظيمكم ترك الميدان؟ كانت إجابته بلا، وقد أكد ما يفيد بانتمائه إلى ميدان
التحرير أكثر ممّا هو إلى الجماعة.
-1 تحييد المركز
لا خلاف في كون أغلب المجتمعات محكومًا بمنظومة تراتبية من العلاقات تمكّن بعض الناس دون غيرهم
من النفاذ إلى الموارد المادية والطبيعية للمجتمع بسهولة ويسر. هذه المنظومة ترسّخ في أذهان الناس اعتبار
الطبقية الاجتماعية والهرمية السياسية واحتكار وسائل الإنتاج في أيدي فئة قليلة من الأشخاص أمرًا
بديهيا لا محيد عنه، الشيء الذي يتيح لتلك الفئة المحظوظة نفوذًا سياسيًا واجتماعيًا يمكّنها من التحكّم
في الآخرين وفي مصائرهم. ولكن شراهتها غير المحسوبة تدعوها، أحيانًا، إلى البحث أكثر فأكثر عن
المزيد من النفوذ والهيمنة الاجتماعية. والنتيجة هي دخول بعض المستضعفين في مواجهات حادة معها،
بينما يعمل البعض الآخر على التكيف مع هذا الواقع غير العادل، وذلك من خلال اعتماد مجموعة من
العمليات المعرفية والعاطفية التي ترسّخ في أذهان هذا البعض كيفية الامتثال والطاعة العمياء للفئة
السائدة، وتعلمه كيفية توقُّع غضب تلك الفئة وتجنّب شرّها. أمّا في غرف الدردشة الرقمية، فعلى عكس ذلك، أي لا وجود لأي عضو يتمتع بنفوذ اجتماعي أو سلطة
سياسية مهيمنة على بقية الأعضاء، وذلك لكون الشرط الأساس للالتحاق بالغرفة يتمثّل في تحييد المركز
(neutralizing of status (، حيت يتم تغييب أي إشارة تحيل إلى مراكز المتحاورين ومستويات نفوذهم
السياسي والمؤسساتي، بينما نرى في الوضعيات التواصلية الطبيعية جملة من الزخارف و " الأكسيسوارات "
التي تبنيّ درجة نفوذ المخاطب اجتماعيًا (لباس غالي الثمن، مكتب فاخر، شهادات ودبلومات معلقة على
حائط المكتب، حرس خاص...)، والغاية من هذا كله هي أن يبنيّ لمحاوريه مدى تميّزه ومدى قوة مركزه
الاجتماعي، وأن يرسّخ في أذهانهم كونه شخصًا مهامّ جدًا وعليهم احترامهم والانصياع لقراراته.
ومن الملاحَظ أن جزءًا كبيرًا من أساليب المراقبة والتحكّم في العالم العربي قائم على إضفاء نوع من الهالة
والقدسية على الحاكمين من خلال خلع بعض الألقاب والصفات عليهم (بابا مبارك، ماما سوزان، بن
علي القائد المنقذ، القذافي ملك ملوك أفريقيا...)، وتأثيث الساحات العمومية بصور ضخمة لهم، وأحيانًا
بتماثيل (كتماثيل بشار الأسد وحافظ الأسد في سورية) ولافتات تشيد بمناقبهم وسننهم، ومنح معاونيهم
38 Christopher Wilson and Alexandra Dunn, " The Arab Spring Digital Media in the Egyptian Revolution: Descriptive Analysis from the Tahrir Data Set,» International Journal of Communication , vol. 5 (2011), p. 1250.
39 انظر الهامش رقم 32 من هذه المقالة.
40 Denise Dellarosa Cummins, “How the Social Environment Shaped the Evolution of Mind,» Synthese , no. 122 (2000), p. 28. 41 Barak, Boniel-Nissim and Suler, p. 1872.
ومن هم في خدمتهم أوسمة ونياشين تبنيّ للموطنين درجة نفوذهم. والغاية من ذلك كله وضع مسافة
نفسية بينهم وبين المواطنين، تكون محكومة بضرب من التعالي، مضفية على أولئك الحكام وحراسهم نوعًا
من الهيبة التي تؤهلهم للتحكّم في رقاب المواطنين، وتوجيه هؤلاء المواطنين نحو غايات ومرامٍ تخدم في
النظام وزمرته في الغالب الأعم. في المقابل، يشكّل جهلنا التام، في مواقع الدردشة، بمراكز الآخرين الاجتماعية سببًا رئيسًا لانتفاء الفوارق
بين الأفراد وتساويهم على مستوى الحق في عرضهم لأفكارهم وتصوراتهم. وتجدر الإشارة هنا إلى أن
التقدير والاحترام لا ينبعان من مدى تمتُّع زيد أو عمرو بمركز اجتماعي قوي، وإنما من مدى تمكّن الفرد
من فهم الآخرين والتعاطف مع معاناتهم، ومدى قدرته على إبداع أفكار نوعية ومقترحات عملية يمكن
اعتمادها لمواجهة مشكلاتهم؛ إذ يتم التعامل مع المرء في غرفة الدردشة بوصفه إنسانًا أوالً وأخيرًا من دون
اعتبار للونه أو لجنسه أو لنسبه أو لانتمائه الطبقي. من هنا ينتفي جميع أشكال السلطة الموجِّهة للحوار. وفي
غيابها يجد الفرد نفسه في وضعية لا رقابية تدعوه إلى التعبير عن آرائه ومواقفه بكل طلاقة وحرية. بناء على ذلك، فإن نقل آلية تحييد المركز من غرف الدردشة الرقمية ومن مواقع التواصل الاجتماعي
إلى الواقع السياسي المعيش، لهو إنجاز حيُسب لشباب الثورة في العالم العربي؛ فانطلاقًا من وعيهم بكون
الديمقراطية الحقيقية تُبنى من خلال مدى تمكنّنا من تقويم أداء الأفراد بصرف النظر عن مراكزهم، امتلك
هؤلاء الشباب الشجاعة الكافية لتجاوز مراكز حاكميهم. وقد ظهر ذلك من خلال جرأة رفع شعار
«بن علي إرحل... إرحل» في ساحة القصبة، أو رسم مبارك على شكل كاريكاتير على جداريات ساحة
التحرير، أو القيام بتقليد كوميدي مسرحي لشخص القذافي في بنغازي. بالعودة إلى الثورة التونسية، تجدر الإشارة إلى أن من بين التكتيكات التي اعتُمدت لجس نبض النظام
التونسي، بغية المس بهيبته والعمل على تحييد مركزه: تكتيك الاعتصام المفاجئ، إذ قامت في بداية الثورة
جماعة صغيرة من المدوّنين التونسيين بعملية جريئة تمثّلت في اعتصام مفاجئ في مترو تونس تضامنًا مع
حوادث سيدي بوزيد، إذ لم يسمحوا للمترو بالتحرك مدة ناهزت الساعة. كما ظهرت آلية تحييد المركز
بجلاء على الإنترنت يوم 2 كانون الثاني/ يناير، حين قام عدد كبير من «الهاكرز» و«الأنونيموس» بهجوم
شامل على سبعة مواقع لوزارات سيادية، وتركوا وراءهم وعلى صفحات مواقع تلك الوزارات العبارة
التالية: «لقد سمع الأنونيموس نداء الشعب التونسي من أجل الحرية. وهم دائامً مستعدون لمساعدة
التونسيين ضد القمع... وهذا تحذير للحكومة التونسية التي تحارب حرية التعبير والإعلام...». وقد
علّق أحد نشطاء «النّت» التونسيين على ما قام به «الأنونيموس» بقوله: «تخيّل معي أن مواطنًا عاديًا
يدخل إلى أحد المواقع ليبحث عن معلومات تهمه، فيجد الرسالة التي تركها الأنونيموس، فأي هيبة
تبقى للنظام؟». في خضم الثورة التونسية، يظل سؤال المجتمع المدني وكيفية تفاعله مع آلية تحييد المركز سؤاالً مشروعًا،
بالنظر إلى أن المجتمع المدني في تونس كان شبه غائب، أو بالأحرى كان مغيبًا في زمن بن علي. فأغلب
الجمعيات كانت عبارة عن شعب تابع لحزب التجمع الدستوري الحاكم، ورؤساء تلك الجمعيات
معيَّنون من طرف الحزب. لكن على الرغم من ذلك، سُجلت بعض حالات الاستثناء. نأخذ مثال منتدى
42 Lecomte, "Révolution tunisienne et Internet».
الدردشة للنادي الأفريقي لكرة القدم وكيف قرر أعضاؤه الانخراط في مسار الثورة، وكيف قاموا بتحييد
المركز بشكل متدرج؛ ففي 6 كانون الثاني/ يناير شرع بعض أعضاء المنتدى، بخجل شديد، في تداول ما
يحدث في تونس من حراك. ولكن في 9 كانون الثاني/ يناير بدأ الحديث عامّ يجري يتم بشكل صريح، إذ
نجد الشهادة التالية: «اليوم قُتل 11 فردًا في مدينة تالة، مسقط رأسي، رميًا بالرصاص، منهم فتاة لم تتجاوز
ال 8 سنوات. ووفقًا لمصادر طبية، فإن أغلب الإصابات في القلب والبطن... أعلم أنه منتدى رياضي
ولكن لا أستطيع التحمّل أكثر....»، وجاء ردّ يقول «الله يرحمهم»، وردّ آخر من طرف مدير المنتدى يقول
«رجاء تحدثوا عامّ يهم كرة القدم، فالنادي ليس ناديًا سياسيًا، كما أن عامّر يراقب هذه الأيام مختلف المواقع،
وكلام مثل هذا سيؤدي إلى غلق المنتدى». لكن في 10 كانون الثاني/ يناير، ومع ازدياد حدة حراك الشارع
وازدياد عدد الضحايا، نجد أن أعضاء المنتدى لم يتوقفوا عند حدود التأسف والتعزية، بل أخذوا يدينون
بشكل صريح جرائم النظام، فبعد أن كانت الإدانة في البداية متواضعة تتضمّن نوعًا من السخرية («برافو
لمن رمى الرصاص على المتظاهرين، برافو لتوانسا الذين يقتلون توانسا»)، أصبحت في ما بعد أكثر حدة
(«اليوم قتل 20 شخصًا وأنا جد مصدوم، لا مكان لكرة القدم في ذهني، نادينا نادي كبير وتونس أكبر
منه، أصدقاؤنا يموتون كل يوم ونحن نتفرج» و«آه من قناة 7 التونسية تعرض الحفلات الراقصة، كأن
شيئًا لم يحدث، أنا أحس بأن هذه القناة تهيننا» و«لنتوقف عن الحديث عن الكرة ولنلتحق بأصدقائنا في
الشارع»)، لتظهر بعد ذلك في صفحات المنتدى، وبالضبط عشية 10 كانون الثاني/ يناير، بعد خطاب بن
علي، عبارات صريحة لتحييد المركز «تونس أكبر من أن يحكمها رئيس غبي، بن علي إرحل».
-2 خاصية الحصول على المعلومة بصورة مباشرة
من بين أهم الأشياء التي تعلّمها مواطن بلدان الربيع العربي هو أن يثق بالمعلومات التي يحصل عليها من
مصدرها الأصلي بصورة أكثر من تلك التي تبلّغه بها مؤسسات النظام؛ فمن المعلوم أن الأنظمة الاستبدادية
تلجأ إلى ما يسمّى وكلاء انتقاء المعلومة (filtering agent) الذين يعملون على تصريف المعلومات التي
يرونها تخدم مصالح النظام وحجب تلك التي تشوش عليه. و«وكلاء الانتقاء» في سياقنا هذا ليسوا
سوى مؤسسات الدولة، فيتخذون شكل مراكز إعلامية ضخمة سمعية بصرية ومكتوبة، كما هي الحال
في نظام مبارك، أو جمعيات وجامعات ومعاهد تعليمية ومساجد، كما هو الأمر بالنسبة إلى نظام بن
علي، فيصبح الشغل الشاغل لهذه المؤسسات ليس القيام بالوظائف المنوطة بها، وإنما تقديم معلومة ما
بصورة مؤثرة، يمكن من خلالها التحكّم في الرأي العام وتوجيهه بالشكل الذي يخدم مصالح النظام
الضيقة. ولنتذكر جميعًا كيف أن في عهد مبارك قام عدد من القنوات الفضائية المقربة من النظام، وبناء
على نتائج مباراة لكرة القدم، بتأجيج مشاعر الغضب لدى المصريين تجاه الجزائريين، وحولت المشهد إلى
قضية وطنية، إذ من الواضح أن تضخيم هذا الحادث سمح بإبعاد الرأي العام، ولو مؤقتًا، عن مشكلات
جوهرية وعميقة كان المجتمع المصري يعانيها آنذاك. كما تجدر الإشارة إلى أن النظام التونسي قام إبّان الثورة بتجنيد أكبر عدد من المخبرين الذين اقتصرت
43 المصدر نفسه.
44 Z. Sonia Worotynec, "The Good, the Bad and the Ugly: Listserv as Support," CyberPsychology and Behavior , vol. 3, no. 5 (October 2000), p. 797.
مهمتهم على المشاركة في الحوارات القائمة على «الفيسبوك»، مدّعين أنهم مواطنون عاديون، والرد على
نشطاء «النّت» وتشويه سمعتهم وتقديم معلومات خاطئة عنهم. تبقى فائدة الشبكة العنكبوتية بهذا الصدد متمثّلة في تمكين مستخدميها من الحصول على المعلومة من
مصدرها الأصلي ومن دون حاجة إلى مرورها بوسيط انتقائي. وقد اكتشف شباب ليبيا من خلال هذه
الآلية أن العالم مختلف عن ذلك الذي رسمه لهم معمر القذافي، فجرى اعتماد المصدر الأصل بشكل جلي في
اللحظة التي قرر فيها «وكلاء التصفية» حجب المعلومة عن المواطنين بمنع مجموعة من القنوات الفضائية
من تغطية حوادث الربيع العربي. وأضحى «اليوتوب» ومواقع التواصل الاجتماعي مصدر المعلومة،
فبتنا نرى ناشطين وفاعلين في تلك الحوادث وعائلات الضحايا ومواطنين عاديين هم من يقوم بتغطيتها
وبثها على «النت». وهنا ظهر ما يُطلق عليه اليوم المواطن الصحافي أو الصحافي غير النظامي الذي لا
ينتمي إلى أي مؤسسة إعلامية، فهو يقوم بالفعل الصحافي بشكل عفوي وتلقائي. ومن بين أهم المشاهد
المؤثرة في الرأي العام، تلك التي تداولها نشطاء «النّت» في عدد من مواقع التواصل، وحظيت بأكبر عدد
من الزائرين الذين أشروا ب «لايك» (like)، وهي استخدام ليلى الطرابلسي، زوجة الرئيس السابق بن
علي، طائرة الدولة في رحلاتها الخاصة للتسوق، ونشر صور الطائرة وهي تهبط عائدة من مدن التبضع
الأوروبية براكب واحد، زوجة الرئيس. وفي مصر، تمكّن أحد ناشطي «النّت» قبل الثورة من أن ينشر على
عدد من مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو تضمن معتقالً يتعرض لاعتداء جنسي من طرف عنصر
في جهاز أمن دولة. وقد خلّف هذا المقطع استياء لدى عدد كبير من الناس في أوساط مصر. في احتجاجات سيدي بوزيد، وأمام سياسة التعتيم الاخباري للنظام، تمكّن عدد من نشطاء «النّت»
من تصوير حوادث ونشرها على صفحات «الفيسبوك» و«اليوتيوب»، من دون إضافة أي تعليق، وذلك
لكي لا تكون عرضة للحجب، كي تُنشر بعد ذلك على نطاق واسع لدى مستخدمي «الفيسبوك»، وبهذا
يصعب تتبعها ومنعها. وهكذا، في ظل سياسة التعتيم الاخباري، أضحت بعض القنوات الإخبارية
الفضائية، مثل فرانس 24 والجزيرة، تعتمد على ناشطي «النّت» لمدها بالأخبار والصور. إضافة إلى ما سبق، كشفت لنا عملية الحصول على المعلومة من مصدرها الأصلي عن شكل جديد من
المراسلين الذين ينقلون الحادث ويشاركون أيضًا في صناعته، فنجد في تونس عددًا من المدوّنين أمثال
سفيان الشورابي ولينا بن مهني وسليم عمامو، ينقلون الخبر وفي الوقت نفسه يشاركون في التظاهرات. وفي سياق آخر، تؤدي المعلومة التي تؤخذ من مصدرها الأصل، أي من الناس الذين عاشوا تلك التجربة
أو عايشوا تلك الحوادث، دورًا فاعالً في تمكين الفرد من امتلاك جرأة اتخاذ القرار؛ ففي دراسة لنساء
مصابات بسرطان الثدي، جاء أن نساء منهن كنّ مترددات في إجراء عملية استئصال الثدي، ثم لوحظ
أنهن امتلكن الشجاعة الكافية للخضوع لتلك العملية الجراحية، ولم يكنَّ قد استشرن الطبيب المعالج وإنما
نساء أخريات سبق لهن أن أجرين تلك العملية، وذلك عبر غرف الدردشة. وربما الحكاية ذاتها تكررت
مع صيرورة الثورات العربية، فالشباب المصري كان مترددًا أمام الانتقال إلى مرحلة الفعل، وهو إسقاط
45 Faris, p. 101. 46 Lecomte, "Révolution tunisienne et Internet». 47 Mette Terp Hoybye, Christoffer Johansen and Tine Tjornhoj-Thomsen, «Online Interaction: Effects of Storytelling in an Internet Breast Cancer Support Group,» Psycho-Oncology , vol. 14, no. 3 (March 2005), p. 211.
النظام، إلى أن عايشوا، في حواراتهم مع أشقائهم التونسيين على مواقع التواصل الاجتماعي، تجربة سقوط
بن علي، فتم، آنذاك، رفع شعار «أنتم السابقون ونحن اللاحقون». تتجلى أهمية المعلومة التي نحصل عليها من مصدرها الأصل كذلك، في تمكيننا من امتلاك نوع من التعلم
غير المباشر؛ فنحن نميل في الغالب إلى عدم الانخراط في تجارب جديدة إالّ بعد الاستفسار عن مآل
أولئك الذين عاشوا تلك التجارب، والتعرف إلى الاستراتيجيات والأدوات التي اعتمدوها في معالجتهم
لتلك التجارب، لنقتصد الوقت والمجهود الذهني وكيلا ندخل في مغامرات غير محمودة العواقب وباهظة
التكلفة. ونعتقد أن هذا ما حصل بالفعل بين الناشطين المصريين والتونسيين، إذ استفاد المصريون من تجارب
التونسيين عبر تبادل المعلومات من خلال غرف الدردشة ومواقع التواصل الاجتماعي بشأن تقنيات التظاهر
وكيفية التعامل مع أعوان الأمن، من ذلك أنه أوصي بإحاطتهم بالمتظاهرين من كل جانب إذا ما حاولوا
القبض على أحد الناشطين، وباستخدام المشروبات الغازية لإبطال مفعول القنابل المسيلة للدموع.
خاتمة
هناك من يقول إن ما حدث في العالم العربي لا يمكن وسمه بصفة الثورة، لأنه لا يتوفّر على قائد، وشرط
الثورة يقتضي حضور القيادة. لكن أرى أن ما يميّز ثورة الربيع العربي هو أنها أتت لتقويض مسلَّمة الزعيم
والقائد، كما أتت لتحييد المركز وترسيخ مبدأ القيادة التشاركية. إن ثورات الربيع العربي ثورات من دون
زعيم، وهذا هو العامل الأساس بين عوامل أخرى مكّنتها من الانفلات من أجهزة الأنظمة الاستبدادية
للمراقبة والتحكم. ويبقى للشبكات الاجتماعية وغرف الدردشة دور فعال في نجاحها، الشيء الذي
يشكّل تقويضًا لفرضية بودريار القائلة إن الشبكة العنكبوتية تؤسس لعالم ذهاني تخيلي، يجعل مريديها
حبيسي أحلام اليقظة، ومتنفسًا حالامً لأشخاص غير قادرين على تغيير واقعهم وينتهون أحيانًا كثيرة إلى
فقدان صلتهم بالواقع. لكن ما يمكن تأكيده هو أن «النّت» بغرفه ومواقعه الاجتماعية أسس لنوع من
النشاط التنظيري والتخطيطي لما سنكون عليه مستقبالً، بمعنى أن شباب تونس ومصر شرعوا في تغيير
واقع بلدانهم السياسي والاجتماعي على «الفيسبوك» و«التويتر». وعندما اكتملت الصورة الافتراضية
نقلوها إلى الواقع، وعملوا على تنفيذها وفقًا لما خططوا له في عالمهم الافتراضي؛ إذ قياسًا على العلم الذي
لا يمكن أن يتطور من دون افتراض وتنظير وترييض، يجوز القول إن من بين شروط نجاح أي حراك
اجتماعي وسياسي هو أنه يجب أن يكون مسبوقًا بنشاط تنظيري. والشبكة العنكبوتية وفّرت فضاء مشجعًا
لفعل التنظير هذا. إن ما شجّع الناشطين على نقل فعل التغيير من مجرد افتراض إلى واقع معيش هو تمتع الشبكة العنكبوتية
بخاصية اللاكف والانفلات من المراقبة، الشيء الذي مكّن شباب «الفيسبوك» من نقل المواجهة من العالم
الافتراضي إلى العالم الواقعي، متجاوزين في ذلك الإحساس بالخوف من السلطة المؤسساتية القائمة، حاملين
معهم الإحساس بالتضامن والتآزر الذي خبروه في غرف الدردشة والمواقع الاجتماعية إلى ميدان التحرير
48 Robert S. Siegler, “Microgenetic Studies of Self-Explanation,” in: Nira Granott and Jim Parziale, eds., Microde- velopment: Transition Processes in Development and Learning , Cambridge Studies in Cognitive Perceptual Develop- ment (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 2002), p. 31. 49 Baudrillard, p. 21.
في مصر أو ساحة القصبة في تونس؛ فبحسب شهادة للناشطة والمدونة التونسية لنا بن مهني «تمكن، في
22 [أيار] ماي 2010، عدد من الناشطين من تجاوز حاجز الخوف وإقناع جمهور عريض من الناس عبر
الإنترنت للتظاهر ضدًا عن نظام المراقبة والمنع في تونس، وكان هذا أول حدث شهد عن نقل المواجهة مع
النظام من العالم الافتراضي إلى العالم الواقعي المعيش»، بينما كان الناشطون المصريون سباقين إلى هذا، إذ
شرعوا منذ سنة 2003 في تنظيم تظاهراتهم واحتجاجاتهم على " النّت " ونقلها إلى الواقع. نود أخيرًا طرح السؤال التالي: عند حديثنا عن أهمية الإنترنت في ثورات الربيع العربي، ألا نتبنّى الموقف
القائل بحتمية التكنولوجيا Techno-deterministic ideology()؟ أي إلى أي حد يتماشى عملنا هذا
والتصور الذي يقر بكون الإنسان مع التكنولوجيا الحديثة أصبح مقدرًا له أن يغريّ سلوكياته السياسية
والاجتماعية ونظرته إلى العالم، وأن يتقبل بصدر رحب، بحسب شيركياي، المعادلة التالية: الإعلام
الاجتماعي = ديمقراطية أكثر = حرية أكثر؟. لا أحد يشك في كون ظهور المطبعة في القرن الخامس عشر قد غريّ من مصير الإنسان. فقد أدى ذلك،
بجانب عوامل أخرى، إلى ثورات وتحولات كبرى في أوروبا، كما مكن دولها من الانتقال من منظومات
فيودالية فلاحية إلى أنظمة ليبرالية ديمقراطية. فالمطبعة سمحت للمواطن بالولوج إلى رأس مال المعرفة
ومشاركة الآخرين رأس المال هذا الذي كان سابقًا حكرًا على فئة قليلة من الناس. وبالتالي، إن الديمقراطية
في الحصول على المعرفة والمعلومة أسست لدعوات نحو ديمقراطية سياسية واجتماعية. لكن مع تكنولوجيا
الإعلام الاجتماعي، أصبح في إمكان أي فرد لا الحصول على المعلومة فقط وإنما إعادة بنائها وتشكيلها أيضًا،
ومشاركة الآخرين إياها لا في حمولتها المعرفية والاخبارية فحسب، بل كذلك في حمولتها الانفعالية العاطفية؛
فعندما يرسل لك صديق شريط فيديو مؤثرًا فيه صور مقتل أطفال سوريين بالسلاح الكيمياوي، فإنه ينتظر
منك أن تشاركه انفعاله وتأثره. كما أصبحنا نلاحظ أنه أصبح في الإمكان، مع الإنترنت، عدم البقاء حبيسي
فضائنا الشخصي، وإنما اختراق فضاءات أخرى، أو بناء فضاءات جديدة لنشر المعلومات التي نريد،
بمعنى أن مستخدم الإنترنت صار يبني بشكل تدريجي نوعًا من الاستقلالية في عملية التواصل والاتصال،
بحسب تعبير كاستيلز. فهو ليس في حاجة إلى مطبعة ولا إلى مؤسسة صحافية ولا إلى ناشر أو موزع
ليحصل على المعلومة أو ليوزعها، بل نجده قادرًا على القيام بهذه الأدوار كلها من خلال عملية الانتقال
من مشاركة الآخرين على " النّت " في المعلومات والأحاسيس إلى المشاركة في الحراك السياسي والاجتماعي.
ومن البديهي أن يؤدي الشكل الجديد من أشكال الحصول على المعلومة وإعادة تصريفها للآخرين – وهو
ما يعد به الإنترنت - إلى تغيرات في سلوكياتنا السياسية والاجتماعية. ولا يعني هذا الاستنتاج أننا نتفق مع
الافتراض القائم على فكرة أن الإنترنت هو العامل الأساس في التحولات السياسية التي عرفها العالم العربي
مؤخرًا، وإنما يمكن اعتباره عامال مشجعًا optimal effect()، ساهم إلى جانب عوامل أخرى في ثورات
الربيع العربي. ومن بين تلك العوامل: الوضعيات الاقتصادية المتردية لدول الربيع العربي، والانقسامات بين
أجنحة النظام نفسه، ودرجة قمع النظام لشعبه بما تجاوز حدود الاحتمال.
50 Lecomte, "Révolution tunisienne et Internet». 51 Faris, p. 101. 52 Clay Shirky, "The Political Power of Social Media," Foreign Affairs , vol. 90, no. 1 (January-February 2011), p. 38. 53 Castells, pp. 111-117. 54 Faris, p. 109.
المراجع
-1 العربية كتاب بشارة، عزمي. الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها. بيروت؛ الدوحة: المركز العربي
للأبحاث والدراسة السياسات،.2012 دورية خباش، هشام. «نظرة إلى الطفولة من خلال مد الجسور بين المعرفية التعددية وعلوم التربية.» مجلة الطفولة
العربية: السنة 8، العدد 32، أيلول/ سبتمبر.2007
-2 الأجنبية Books
Analele Universității Ovidius (Seria Psihologie). [Constanța, Romania]: Ovidius University Press, 2012. Baudrillard, Jean. Simulacres et simulation. Paris: Editions Galilée, 1981. (Débats) Castells, Manuel. Networks of Outrage and Hope: Social Movements in the Internet Age. Cambridge, [UK]: Polity Press, 2012. Crisp, Richard J. and Rhiannon N. Turner. Essential Social Psychology. 2 nd ed. Los Angeles: SAGE, 2010. Granott, Nira and Jim Parziale (eds.). Microdevelopment: Transition Processes in Development and Learning. Cambridge; New York: Cambridge University Press, 2002. (Cambridge Studies in Cognitive Perceptual Development) Khabbache, Hicham [et al.] (eds.). Le Travail social à l’épreuve des coopérations ouvertes et des copérations fermées: Enjeu capital pour le développement humain: Deuxième Spring institute international du 10 au 16 Mai 2010. Fès, Morocco: Université Sidi Mohamed Ben Abdellah, 2010. (Développement humain; no. 2)
Periodicals
Barak, Azy, Meyran Boniel-Nissim and John Suler. “ Fostering Empowerment in Online Support Groups.” Computers in Human Behavior: vol. 24, no. 5, September 2008. Braithwaite, D. O., V. R. Waldron and J. Finn. “Communication of Social Support in
Computer-Mediated Groups for People with Disabilities.” Health Communication: vol. 11, no. 2, 1999. Cummins, Denise Dellarosa. “How the Social Environment Shaped the Evolution of Mind.» Synthese: no. 122, 2000. Faris, David M. “La Révolte en réseau: Le «Printemps arabe» et les médias sociaux.» Politique étrangère: no. 1, Printemps 2012. Favre, Daniel [et al.]. “Empathie, contagion émotionnelle et coupure par rapport aux emotions.» Enfance: vol. 57, no. 4, 2005. Hoybye, Mette Terp, Christoffer Johansen and Tine Tjornhoj-Thomsen. «Online Interaction: Effects of Storytelling in an Internet Breast Cancer Support Group.» Psycho-oncology: vol. 14, no. 3, March 2005. Karniol, Rachel. «Egocentrism Versus Protocentrism: The Status of Self in Social Prediction.» Psychological Review: vol. 110, no. 3, July 2003. Khabbache, Hicham. «Comment les réseaux sociaux ont contribué au changement politique dans le monde Arabe?: Approche sociocognitive.» Cahiers de psychologie politique: no. 20, 2012. Sharf, B. F. «Communicating Breast Cancer On-line: Support and Empowerment on the Internet.” Women and Health: vol. 26, no. 1, 1997. Shirky, Clay. “The Political Power of Social Media.” Foreign Affairs: vol. 90, no. 1, January-February 2011. Suler, John. “The Online Disinhibition Effect.” CyberPsychology and Behavior: vol. 7, no. 3, June 2004. Taylor, Jacqui and John MacDonald. “The Effects of Asynchronous Computer-Mediated Group Interaction on Group Processes.» Social Science Computer Review: vol. 20, no. 3, Fall 2002. Turkle, Sherry. “Whither Psychoanalysis in a Computer Culture?.» Psychoanalytic Psychology: vol. 21, no. 1, 2004. Vinokur, Amiram and Eugene Burnstein. «Depolarization of Attitudes in Groups.» Journal of Personality and Social Psychology: vol 36, no. 8, August 1978. Wilson, Christopher and Alexandra Dunn. « The Arab Spring Digital Media in the Egyptian Revolution: Descriptive Analysis from the Tahrir Data Set.» International Journal of Communication: vol. 5 , 2011. Worotynec, Z. Sonia. “The Good, the Bad and the Ugly: Listserv as Support.” CyberPsychology and Behavior: vol. 3, no. 5, October 2000.
العدد 6 - المجلد الثاني - خريف 2013
المحور:
الترجمة وتطوير اللغة العربية
• الترجمة وتطوير العربية: الوجه والقفا • أثر الترجمة في تطوُّر اللغة العربية
معجم بارتليمي أنموذجًا • ترجمة العلوم ومصائرها في الثقافة العربية: محاولة في سياسات الترجمة • الترجمة وتجدد الفلسفة في العربية
دراسات من المكتبة مناقشات ومراجعات تقارير
• دور المعاجم الثنائية اللغة في حركة الترجمة العربية: