الثورة على دولة الاستقلال، وماهية التحوّل الديمقراطي في الفكر الأيديولوجي التونسي المعاصر -جذور أزمة الدولة في المسار الانتقالي
Revolution against the Independent State and the Meaning of Democratic Transition in Contemporary Tunisian Ideological Thoug
الملخّص
الفكرة الأساسية التي تحاول هذه الدراسة أن تستدل عليها هي أن جذور أزمة الدولة المتجلّية في المسار الانتقالي التونسي الجاري تعود إلى المفاهيم والتصوّرات الأيديولوجية التي يصدر عنها الفاعلون السياسيون المباشرون في هذا المسار. على هذا الأساس، تُخضع الدراسة هذه المفاهيم والتصوّرات الأيديولوجية للتحليل النقدي المقارن؛ إذ تحلّل في مرحلة أولى تمثّل دولة الاستقلال في المتن الأيديولوجي التونسي المعاصر، وتبيّن كيف تمّ استبعاد فكرة الدولة الوطنية. ثمّ تقوم الدراسة في مرحلة ثانية بتحليل مفهوم الثورة على هذه الدولة وتمثُّل حادث 14 كانون الثاني/ يناير 2011 في خطاب أهمّ الفاعلين السياسيين المباشرين في المشهد التونسي الراهن. أمّا العنصر الثالث والأخير، فتخصّصه الدراسة لتحليل تمثُّل ماهية الانتقال الديمقراطي في تصوّر هؤلاء الفاعلين باعتباره حسمًا للصراع المجتمعي الذي تجسّده دولة الاستقلال في تونس، وذلك قبل أن تخلص الدراسة إلى بيان أوجه الترابط بين أزمة الدولة في المسار الانتقالي التونسي الجاري والفكر الأيديولوجي التونسي، بتنوعاته المختلفة، وتمثّلاته لدولة الاستقلال والثورة عليها وماهية التحوّل الديمقراطي.
Abstract
At the heart of al-Hubayyeb’s analysis is the fact that Tunisia’s state crisis in the current transitional phase can be understood by analyzing Tunisian politicians’ ideological visions. On this basis, the study attempts to apply a comparative critical analysis of the ideological concepts and visions of Tunisia’s main political actors. The paper investigates the Tunisian state’s representation in the wake of its independence in Tunisia’s contemporary ideological context, explaining how the notion of a national state was excluded. It further analyzes the concept of revolution against this state and the representation of the January 14, 2011 event in the discourse of the main political actors on the Tunisian scene today. Al-Hubayyeb offers a thorough investigation into the links between the Tunisian crisis and Tunisians’ different ideologies and visions of Tunisia post-independence, the revolution against it, and the meaning of democratic transition.
- الثورة التونسية
- تحول ديموقراطي
- مرحلة انتقالية
- Tunisian Revolution
- Democratic Transition
- Transition Period
- Tunisian Ideological Thought
- جذور أزمة الدولة في المسار الانتقالي الجاري -
الفكرة الأساسية التي تحاول هذه الدراسة أن تستدل عليها هي أن جذور أزمة الدولة
المتجلّية في المسار الانتقالي التونسي الجاري تعود إلى المفاهيم والتصوّرات الأيديولوجية
التي يصدر عنها الفاعلون السياسيون المباشرون في هذا المسار. على هذا الأساس، تخُضع
الدراسة هذه المفاهيم والتصوّرات الأيديولوجية للتحليل النقدي المقارن؛ إذ تحلّل في مرحلة
أولى تمثّل دولة الاستقلال في المتن الأيديولوجي التونسي المعاصر، وتبنيّ كيف تمّ استبعاد
فكرة الدولة الوطنية. ثمّ تقوم الدراسة في مرحلة ثانية بتحليل مفهوم الثورة على هذه الدولة
وتمثُّل حادث 14 كانون الثاني/ يناير 2011 في خطاب أهمّ الفاعلين السياسيين المباشرين
في المشهد التونسي الراهن. أمّا العنصر الثالث والأخير، فتخصّصه الدراسة لتحليل تمثُّل
ماهية الانتقال الديمقراطي في تصوّر هؤلاء الفاعلين باعتباره حسامً للصراع المجتمعي
الذي تجسّده دولة الاستقلال في تونس، وذلك قبل أن تخلص الدراسة إلى بيان أوجه الترابط
بين أزمة الدولة في المسار الانتقالي التونسي الجاري والفكر الأيديولوجي التونسي، بتنوعاته
المختلفة، وتمثلّاته لدولة الاستقلال والثورة عليها وماهية التحوّل الديمقراطي.
مقدّمة
في الفترة التي كنّا فيها بصدد إنجاز هذه الورقة، لفت انتباهنا خبران وردا متجاورين تقريبًا في
الموقع الإخباري الإلكتروني نفسه. كان كلٌّ من هذين الخبرين عبارة عن نقل لتصريح. التصريح
الأولمنسوب إلى الشيخ راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة الإسلامية والمنظّر الرئيسي لفكرها وخطّها
السياسي. أمّا التصريح الثاني، فهو لعدنان الحاجّي، الوجه النقابي المعروف وأبرز قادة انتفاضة الحوض
المنجمي في محافظة قفصة بتونس خلال سنة 2008. والحاجّي معروف بانتسابه إلى اليسار الراديكالي
وبمواقفه الداعية إلى الاستمرار في الحراك الاحتجاجي الاجتماعي، حتى ضد الحكومة الشرعية التي
أفرزتها انتخابات 23 تشرين الأول/ أكتوبر.2011 في التصريح الأول توجّه الغنوشي إلى جماعة «أنصار الشريعة» (التيار السلفي الجهادي)، قائالً: «أنصحكم
بأن لا تعرّضوا أنفسكم ومواطنيكم إلى مواجهة الدولة، لأن الدولة التونسية قوية وراسخة منذ آلاف
السنين». وتعليقًا على تصريحات أصحاب هذا التيار التي تصف أعوان الأمن بالطواغيت، وصف
الغنوشي هذه التصريحات بأنها «استهتار بقيمة الدولة». أمّا في الخبر الثاني، فقد نُقل عن عدنان الحاجّي
تنديده بالاعتصامات التي ينفّذها أبناء الحوض المنجمي حاليًا، وتبرّؤه منها ومطالبته ب«إعادة هيبة
الدولة وتطبيق القانون». لا تكمن أهمية هذين التصريحين المتزامنين، فقط، في الدلالة على المدى الذي
بلغته أزمة إهدار قيمة الدولة في تونس بعد أكثر من سنتين من انطلاق المسار الهادف إلى تحقيق الانتقال
الديمقراطي، فالمشهد السياسي التونسي يعجّ بمواقف وتصريحات مماثلة (الدعوة إلى استعادة هيبة الدولة)
بدأت تتواتر ويتكاثر عددها قبل أشهر من هذين التصريحين، وهي صادرة عن «قوى الثورة» التي كانت
ترى أن هيبة الدولة فزّاعة تستخدمها «قوى الثورة المضادة». إن أهمية هذين التصريحين تكمن كذلك، وهذا الأهمّ، في دلالاتهما البليغة على أزمة الفكر الأيديولوجي
التونسي المعاصر (وهو صورة تكاد تكون أمينة للفكر الأيديولوجي العربي المعاصر) في تجلّيه الإسلامي
السياسي وتجلّيه اليساري الراديكالي (الماركسي - اللينيني)؛ فأن ينتصر منظّر الحركة الإسلامية للدولة
التونسية ضد من ينادون ب«تطبيق شرع الله»، وأن ينتصر المناضل اليساري للدولة نفسها ضد «نضالات
العامّل والمعطّلين والمفقّرين»، فذانك لا يعنيان غير «ثورة» ضمنية على ثوابت أيديولوجية أدت دورًا
أساسًا في الحراك الذي عرفته تونس منذ 14 كانون الثاني/يناير 2011 وبدأت نتائجها الكارثية تظهر
تدريجيًا حتى بلغت درجة من جلاء مع منعطف السنة الثالثة من عمر الثورة التونسية تقريبًا. وستكون هذه الثوابت الأيديولوجية مدار التحليل في هذه الورقة، انطلاقًا من تحليل تمثُّل دولة الاستقلال
في المتن الأيديولوجي التونسي المعاصر، مرورًا بتحليل مفهوم الثورة عليها وتمثُّل حدث 14 كانون الثاني/
يناير 2011، وصوالً إلى تحليل تمثُّل ماهية الانتقال الديمقراطي باعتباره حسامً للصراع المجتمعي الذي
تجسّده دولة الاستقلال في تونس. والغاية من هذا العمل إنما هي الاستدلال على أن عنصرًا أساسًا، إذا لم
نقل العنصر الأساس، من عناصر أزمة الدولة المتجلية عمليًا وواقعيًا في المسار الانتقالي التونسي الجاري
حاليًا يكمن في جذور الفكر الأيديولوجي التونسي، بتنوعاته المختلفة، وتمثلّاته لدولة الاستقلال والثورة
عليها وماهية التحوّل الديمقراطي.
1 «في رسالة حازمة وصارمة، راشد الغنوشي لأنصار الشريعة: أنصحكم بان لا تعرضوا أنفسكم ومواطنيكم لمواجهة الدولة لانها قوية،»
(الصباح نيوز (موقع إلكتروني)،:)2012/5/15 <http://www.assabahnews.tn/details.php?ID_art=22357&ID_rub=1>.
2 «عدنان الحاجي يندد بالاعتصامات العشوائية ويطالب بإعادة هيبة الدولة وتطبيق القانون،» (الصباح نيوز، 2012/5/15)، على
<http://www.assabahnews.tn/details.php?ID_art=22377&ID_rub=1>. الموقع الإلكتروني:
أولا: دولة الاستقلال في المتن الأيديولوجي التونسي: استبعاد مفهوم الدولة الوطنية وتنويعات على مفهوم دولة الأقلية
من اللافت، تاريخيًا، أن اللحظة ذاتها التي عرفت فيها تونس بداية التأسيس لدولة الاستقلال عرفت فيها
كذلك تشكّل النواة الأولى لمعارضة هذه الدولة والثورة ضدها؛ فلقد أدى توقيع الزعيم الحبيب بورقيبة
على وثيقة الاستقلال الداخلي مع الاستعمار الفرنسي يوم 3 حزيران/ يونيو 1955 إلى تفجّر صراع
دموي بين جناحين في الحزب الحرّ الدستوري الجديد الذي قاد الحركة الوطنية منذ سنة 1934. ففي
مقابل الجناح المتبنّي لسياسة المرحلية (الاستقلال الداخلي خطوة على طريق الاستقلال الكامل) الذي
قاده رئيس الحزب الحبيب بورقيبة، نشأ جناح تزعّمه أمين عام الحزب صالح بن يوسف الذي كان يرى
وجوب مواصلة الثورة المسلّحة، وإرغام المستعمر على الانسحاب، بعيدًا عن جميع أشكال التسوية معه،
وفي إطار الترابط الوثيق مع حركتي التحرر في كلٍّ من الجزائر والمغرب، ومدّ الجسور مع مصر عبد الناصر
زمن ذاك. أدى هذا الصراع إلى حرب أهلية بين الطرفين امتدت أكثر من ستة أشهر (من تشرين الثاني/ نوفمبر
1955 إلى أيار/ مايو 1956). وقد خاض الشق البورقيبي هذه الحرب الأهلية بالتوازي مع بداية تركيزه
لمعالم دولة الاستقلال. ولعلّ ما يعنينا أكثر، في هذا السياق، هو أن تمثّل هذا الصراع البورقيبي - اليوسفي،
من قِبل اليوسفيين (الذين يُعدّون بواكير المعارضة العروبية أو القومية العربية في تونس)، قد حمل في طياته
جذور الفكرة الأيديولوجية التي توصّف دولة الاستقلال الناشئة في تونس سنة 1956 باعتبارها دولة
جماعة أقلية مخصوصة تمثّل امتدادًا للاستعمار في مقابل أغلبية الشعب. فمؤدى الفكرة التي على أساسها
بقي مناصرو التيار اليوسفي يناهضون دولة الاستقلال التونسية - حتى بعد أن حسم الصراع نهائيًا
لمصلحة الشقّ البورقيبي - هو القول إن هذه الدولة إنما هي دولة الجماعة التي تخدم مصالح الاستعمار
الفرنسي والغرب عامة، ولا تمثّل إرادة الشعب التونسي، ولا تدافع عن قضيته الوطنية ومصالحه. تدعّمت هذه الفكرة الأيديولوجية حول دولة الاستقلال التونسية مع ظهور ما يُعرف ب«اليسار الجديد»،
وهو جماع الحركات والمنظمات السياسية التي نشأت بداية من ستينيات القرن الماضي ويجمع بينها الانتساب
الأيديولوجي إلى الماركسية - اللينينية، وإن كان بعضها انتسب إلى التروتسكية والبعض الآخر تبنّى الماوية
(أو فكر ماو تسي تونغ) باعتبارها حلقة متطوّرة من الماركسية - اللينينية. باين هذا اليسار الجديد، بمختلف
مكوّناته، سياسيًا وأيديولوجيًا، الحزب الشيوعي التونسي («التحريفي» في منظور هذا اليسار الجديد)
الذي يرجع تأسيسه إلى سنة 1939 (سنة الانفصال عن الحزب الشيوعي الفرنسي). وكان الموقف من
دولة الاستقلال الناشئة سنة 1956 أحد أهم محاور التباين بين الحزب الشيوعي التونسي واليسار التونسي
الجديد. فعمومًا كان الحزب يبني سياساته على اعتبار أنه يتحرك في ظل دولة وطنية؛ إذ على الرغم من أنه
لا ينفي عنها الطابع الطبقي البرجوازي، فإنه يتقاطع معها في أمور كما يختلف معها في أمور أخرى، بينما
لم ينظر اليسار الراديكالي الجديد إلى هذه الدولة إالّ باعتبارها التعبير السياسي عن مصالح القوى الطبقية
الرجعية المسيطرة اقتصاديًا، وذلك على الرغم من الاختلافات في تعيين هذه القوى الطبقية الرجعية،
3 انظر: توفيق المديني، تاريخ المعارضة التونسية من النشأة إلى الثورة: الأحزاب القومية واليسارية والإسلامية (تونس: مسكيلياني للنشر
والتوزيع، 2012)، ص.50-49
4 انظر: المصدر نفسه، ص 154 –.159
وهي الاختلافات التي شقّت هذا اليسار إلى عائلات وفصائل متعدّدة. وقد ذهب بعض هذه الفصائل إلى
القول إن دولة الاستقلال هي دولة البرجوازية التونسية الكبيرة العميلة للإمبريالية، ضمن منظور يرى
أن النمط الإنتاجي السائد في تونس (البنية التحتية المحدِّدة) هو نمط الرأسمالية التابعة للاستعمار، في
حين ذهبت فصائل أخرى من اليسار الراديكالي إلى القول إن هذه الدولة هي دولة الإقطاع والكمبرادور
(البرجوازية الطفيلية العميلة للاستعمار)، ضمن رؤية تسم النمط الإنتاجي السائد في الوطن العربي، ومنه
تونس، ب«الشبه الإقطاعي الشبه المستعمر». ولم يخرج توصيف دولة الاستقلال من جانب الحركة الإسلامية التونسية الناشئة في سبعينيات القرن الماضي
عن منطق تمثيليتها لفئة أقلية تشكّل امتدادًا للاستعمار. ولئن ركّز اليوسفيون المتأثرون بالقومية العربية
الناهضة، في توصيف هذه الأقلية، على البُعد السياسي (السياسة الاستسلامية التصفوية وخيانة مشروع
الاستقلال الوطني الحقيقي)، وركّز اليسار الراديكالي على البُعد الاقتصادي (التبعية الاقتصادية والاستغلال
الطبقي)، فإن الإسلاميين ركّزوا، بصورة خاصة، على البُعد الثقافي الحضاري؛ فدولة الاستقلال هي امتداد
للاستعمار، لأنها دولة التيار التغريبي العلماني الذي يتمثّل مشروعه في تدمير الهوية والكيان، فهي «دولة
صممت على ابتلاع المجتمع واجتثاثه من الجذور واستكمال تفكيك أدوات مقاومته». ولقد حاولت حركة النهضة الإسلامية خلال السنوات الأخيرة، وخاصة بعد ثورة 14 كانون الثاني/ يناير
2011، أن توحي بأنها تمثّل، بمعنى ما، امتدادًا للحركة اليوسفية المحسوبة تاريخيًا على المنحى العروبي أو
القومي العربي، باعتبار أن الصراع السياسي البورقيبي - اليوسفي كان يتحرّك، في منظور حركة النهضة،
على أرضية ثقافية حضارية، وهو وجه من وجوه الصراع بين التيار النخبوي الأقيلّ من دعاة التغريب
والتيار الشعبي الأغلبي من أنصار الهوية العربية الإسلامية. وأهمّ مستند ترتكز عليه هذه المحاولة هو
أن شقًّا واسعًا من علماء الدِّين الزيتونيين وقف تاريخيًا، في أثناء فترة الصراع المباشر بين الطرفين، في صفّ
التيار اليوسفي. غير أن الحراك السياسي الذي يعرفه المشهد التونسي منذ هروب بن علي حتى اليوم
فجّر من جديد الجدال حول الصراع البورقيبي - اليوسفي ومشروعية هذه القراءة التي تستثمرها حركة
النهضة في سجالها الراهن مع شقّ من خصومها السياسيين. ومهما تختلف القراءات في شأن التقارب أو التباعد الأيديولوجيين بين الحركة اليوسفية التاريخية والحركة
الإسلامية الراهنة (التي تمثّلها حركة النهضة)، فإن هذا لا ينفي أن أطرافًا من المنتسبين إلى الفكر القومي
العربي في تونس قد تماهت، بصورة تامّة تقريبًا، مع التوصيف الإسلامي لدولة الاستقلال التونسية
5 حمة الهمامي، المجتمع التونسي: دراسة اقتصادية اجتماعية (صفاقس: صامد للنشر والتوزيع، 1989)، ص.176
6 انظر مثالً: عبد الرزاق الهمامي، «حول طبيعة المجتمع في الوطن العربي: الوطن العربي بلد زراعي متخلّف،» أطروحات (كانون
الثاني/ يناير – شباط/ فبراير.)1985
7 راشد الغنوشي، من تجربة الحركة الإسلامية في تونس (تونس: دار المجتهد، 2011)، ص.8
8 انظر مثالً: المصدر نفسه، ص 91 –.93
9 المديني، ص.42
10 تفجّر هذا الجدال بالخصوص بعد حوادث الاعتداء على اجتماع عام نظّمته حركة نداء تونس بقيادة الباجي قائد السبسي بمدينة جربة
التونسية (مسقط رأس صالح بن يوسف) يوم 22 كانون الأول/ ديسمبر 2012. وقد أرجع قياديون من حركة النهضة الحوادث إلى ردة
فعل من أقارب بن يوسف وأبناء بلدته تجاه السبسي الذي يُعتبر رمزًا من رموز النظام البورقيبي. في مقابل ذلك، انبرى بعض المناوئين
لحركة النهضة يدللون على أن لا علاقة لهذه الحركة بالخط اليوسفي، وأن الصراع بين بورقيبة وبن يوسف كان صراعًا سياسيًا وزعاميًا،
ولا صلة له بالخيارات المجتمعية والثقافية التي كان الرجلان متّفقين في شأنها. انظر مثلا: خميس بن هنية، «التطفل على الحركة اليوسفية
في سوق السياسة: حادثة جربة مثالا،» المغرب، 2013/1/3.
باعتبارها دولة الأقلية المتغرّبة في مواجهة الأغلبية المتمسّكة بالهوية العربية الإسلامية. ولا شكّ في أن
هذا التماهي إنما هو ثمرة من ثمار التقارب الوفاقي ضمن ما يُعرف ب«المؤتمر القومي الإسلامي». وقد قام
هذا التقارب الوفاقي، في بُعد من أبعاده الأساسية، على تبنّي الأطروحة الإسلامية القائلة بمركزية الصراع
الثقافي أو الحضاري في الأقطار العربية بين الهوية الإسلامية والعلمانية. ومن نتائج تبنّي هذه الأطروحة
أن جانبًا من الفكر القومي العربي لم يعُد يركّز في معاداته للدول والأنظمة القطرية على الجوانب السياسية
والاجتماعية والاقتصادية، بل على الجوانب الثقافية الهوياتية. على العموم، لئن اختلفت هذه التوصيفات الأيديولوجية المختلفة لدولة الاستقلال في تونس في منطلقاتها،
فإنها التقت، أو تشابهت والتبس بعضها بالبعض الآخر، في محتوياتها. ذلك أن انطلاق اليسار الراديكالي،
في موقفه العدائي تجاه دولة الاستقلال، من المحدّدات الاقتصادية الاجتماعية المتجسّدة في النمط الإنتاجي
الرأسمالي التابع لا ينفي أنه يتخذ الموقف ذاته من خياراتها المجتمعية والثقافية، باعتبار أن هذه الخيارات
تشكّل لهذا النمط البنية الفوقية التي «تتماشى مع ضرورات تطوير وتعميم الرأسمالية في نطاق الهيمنة
الأمريكية». فما قامت به دولة الاستقلال يدخل في باب تصفية الأنظمة الإدارية والقضائية والتعليمية
التربوية والفكرية والتشريعية الدينية الإقطاعية، وذلك «باسم أيديولوجية بورجوازية استعمارية
جديدة (العصرانية»). وبالمثل، فإن انطلاق الحركة الإسلامية، في موقفها العدائي تجاه دولة الاستقلال التونسية، من المحدّدات
الثقافية الحضارية المتجسّدة في نهج التغريب وضرب الهوية لا ينفي أنها تتخذ الموقف ذاته من الخيارات
الرأسمالية التابعة لهذه الدولة، باعتبار أن هذه الخيارات الاقتصادية الاجتماعية قرينة لطبيعة التغريبية
العلمانية. فمثالً يرى الإسلامي أنه «يعسر فصل مجلة ‹الأحوال الشخصية› وما حملته من دعاوي [كذا]
تحرّرية نسوية عن التوجّهات البورجوازية الرأسمالية للنظام الجديد، والأشخاص الذين قاموا عليه كانوا
مشبعين بتلك التوجهات، فلقد تمتعت المرأة في المؤسسات الرأسمالية التي وافق النظام على قيامها وكانت
جزءًا من مخطط إدماج بلادنا تحت السيطرة الرأسمالية بدعوى نقل الخبرات التقنية، تمتعت بالأولوية
في التشغيل». إن هذا التلاقي الظاهر في التوصيف الأيديولوجي لدولة الاستقلال التونسية بين اليسار الراديكالي
واليمين الإسلامي خاصة مازال يؤدي، وسيؤدي دورًا حاسامً في الحراك السياسي والمجتمعي في تونس
ما بعد 14 كانون الثاني/ يناير 2011، وهو ما سنراه لاحقًا في قادم عناصر هذه الورقة. لكن لنبق هنا
في مستوى التحليل الأيديولوجي النظري المحض، كي نتساءل عن خلفيات هذا التقاطع في المواقف
الأيديولوجية، رغم التباين، بل لنقُل التعارض، في منطلقاتها ومرجعياتها المعلنة. وإذ نقول التعارض
هنا، فذلك من جهة أن الماركسيين ينطلقون من أرضية مادية (نمط الإنتاج الاقتصادي)، في حين ينطلق
الإسلاميون من أرضية روحية فكرية (هوية الأمّة وهوية الآخر).
11 انظر مثالً: سالم لبيض، الهوية: الإسلام، العروبة، التونسة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، ص 43 و 257 12 انظر في هذا الصدد دواعي ثورة 23 تموز/ يوليو ومبرّرات قيامها بحسب جمال عبد الناصر في الميثاق الوطني. في: جمال عبد الناصر،
فلسفة الثورة والميثاق (بيروت: دار الجيل؛ دار المعرفة، 1970)، ص 119 –.120
13 الهمامي، المجتمع التونسي، ص 63 –.64
14 راشد الغنوشي، المرأة بين القرآن وواقع المسلمين (تونس: دار المجتهد، 2011)، ص.109
لكن إذا ما تأملنا الأمر جيّدًا، وجدنا أن القاع النظري الذي يرتكز على الموقف من دولة الاستقلال في هذا
المتن الأيديولوجي التونسي (بمكوّناته اليسارية الراديكالية والإسلامية والقومية العربية) يتجاوز هذا
المستوى التعدّدي الأيديولوجي المرجعي المعلن إلى مستوى خفي يتعلّق بالجانب المنطقي والمنهجي في
بناء الموقف، وهو مستوى يضمحل معه التضاد الظاهر بين «المادية» و«المثالية» بلغة الماركسيين. ومدخلنا
إلى هذا المستوى العميق هو مفهوم الدولة المجرّد الذي يخرق جميع التوصيفات الأيديولوجية لدولة
الاستقلال التونسية التي أتينا إليها في سابق السطور. فهو المفهوم الذي جرّده المفكّر عبد الله العروي
من كتاب فريدريك أنغلز حول أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة، والذي «ينحصر في مفهوم الجهاز
الذي يخدم المصلحة الخاصة ويخضع لقواعد القانون الخاص». «المصلحة الخاصة» في استخدام أنغلز
هي المصلحة الطبقية التي تخصّ جماعة بشرية محدّدة بموقعها المعلوم ضمن العلاقات الإنتاجية. من هنا
جاءت النظرية اللينينية القائلة بأن الدولة إنما هي جهاز للسيادة الطبقية، أي لتكريس هيمنة طبقة اجتماعية
على طبقات أخرى، مؤوالً ماركس في هذا الاتجاه، ومستبعدًا أن يكون له أي علاقة بمفهوم الدولة الحديثة
البرجوازي، أي مفهوم الدولة - الأمّة. إن موقف اليسار الراديكالي تجاه دولة الاستقلال في تونس يستند بوضوح إلى هذه المرجعية الماركسية -
اللينينية في مفهوم الدولة من حيث هي جهاز من أجهزة الصراع الاجتماعي الطبقي المادي. ولكن
إذا كان مفهوم الدولة، باعتبارها جهازًا خاصًا يستدعيه، منطقيًا وضروريًا، منظور الصراع الاجتماعي
المادي، فكيف يمكن أن يستقيم هذا المفهوم ويُفعّل في سياق الصراع الثقافي الهوياتي «المثالي»؟ لقد مثّلت
المثالية الهيغلية رافدًا من روافد الدولة الحديثة، دولة الوحدة أو الدولة الأمّة، فلماذا لم تفض «المثالية»
الإسلامية، بكل ما تحمله من «عدائية» للمادية الماركسية، إلى نتيجة مشابهة؟ السبب في ذلك أن الإسلاميين
نزعوا، خلال السنوات الأخيرة خاصة، إلى تمثّل ما يعتبرون صراعًا ثقافيًا بين العلمانية والإسلام، أو بين
التغريب والهوية، تمثاّلً ماديًا؛ إذ نجد بوضوح توصيفًا للعلمانية من جهة أنها محمول لحوامل اجتماعية مادية
مخصوصة، فهي «لم تكن في أي وقت من الأوقات تعبيرًا عن مصالح القوى المجتمعية الواسعة، بقدر ما
كانت انعكاسًا لمصالح بعض الفئات النخبوية المتسلّحة بمخالب الدولة ثم بحماية القوى الخارجية».
إن الإسلامي لا يتمثّل العلمانية هنا باعتبارها فكرة أو باعتبارها خيارًا ثقافيًا أو مشروعًا مجتمعيًا (نمطًا في
العيش)، بل يتمثّلها بوصفها تعبيرة «فوقية» عن مصالح مادية لنخبة اجتماعية مخصوصة. لذلك، لم يكن
مستغربًا، في نظره، «أن تتحوّل هذه النخبة إلى قوة عنيفة وقهرية متسلّحة بالأنياب الحادّة للدولة الحديثة،
مقابل مجتمع مفكك الأوصال منزوع الإرادة». إن القائلين بمركزية صراع الهوية والتغريب في المجتمع
التونسي، من الإسلاميين والقوميين المتوافقين معهم، يتمثّلون هذا الصراع، أو يتخيّلونه، على منوال
15 عبد الله العروي، مفهوم الدولة، ط 6 (بيروت؛ الدار البيضاء، المغرب: المركز الثقافي العربي، 1998)، ص.61
16 يذهب العروي إلى أن مفهوم الدولة عند ماركس مندرج ضمن مفهوم الدولة الحديثة. انظر المرجع نفسه، ص 62-61. وحول
رفض لينين لهذه الفكرة عند كاوسكي وأنصار الأممية الثانية انظر: فلاديمير إيليتش لينين، « الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي،» في:
فلاديمير إيليتش لينين، المختارات في 10 مجلدات، 10 مج (موسكو: دار التقدم، 1979-1976)، مج 3، ج 1، ص -81 189.
17 انظر كيف يصدّر حمة الهمامي حديثه عن الدولة التونسية بقولة لينين: «برأي ماركس الدولة هي هيئة للسيادة الطبقية، هي لاضطهاد
طبقة من قبل طبقة أخرى»: الهمامي، المجتمع التونسي، ص.175
18 انظر: العروي، ص 20 –.32
19 رفيق عبد السلام، تفكيك العلمانية في الدين والديمقراطية (تونس: دار المجتهد، 2011)، ص.213
20 المصدر نفسه، ص.180
21 انظر: لبيض، ص.257
الصراع الطبقي في الماركسية - اللينينية، فلا تكون الدولة التونسية (دولة الاستقلال)، بهذه الكيفية، غير
أداة تضطهد بها الأقلية العلمانية المجتمع التونسي بأكمله المتمسّك بهويته العربية الإسلامية. هكذا نرى كيف أن المواقف الأيديولوجية المختلفة من دولة الاستقلال في تونس تلتقي على قاعدة نظرية
واحدة، هي القول بالصراع المادي بين فئات محدّدة (وإن كان أصل التحديد ثقافيًا عند الإسلاميين
والقوميين)، الأمر الذي يجعل الدولة بالضرورة ترتبط بمفهوم الجهاز الذي يخدم المصالح الخاصة.
المشكلة في هذا المفهوم للدولة أنه يصدر، كما يقول العروي، عن نموذج فضفاض جدًا، وهذا المفهوم
يستخدمه اليوم «من يهمّه تشييد أنتروبولوجيا سياسية لأنه مضطر إلى تعيين الظواهر العامة التي تشترك
فيها المجتمعات المتباعدة». في متاهة هذا التعويم الذي يربط مفهوم الدولة بمفهوم الصراع بين الفئات
الاجتماعية مطلقًا، يُطمس مفهوم الدولة الذي ابتكرته المجتمعات الحديثة، والذي من دونه لا يمكن فهم
الحداثة السياسية في الجوهر. يميل شقّ من علماء الاجتماع المعاصرين إلى فهم ابتكار الدولة، والتطوّرات السياسية عامة، في الغرب
الحديث من جهة أنها خضعت لعوامل مستقلّة، تمام الاستقلال، عن الحراكات والتحولّات الاقتصادية
الاجتماعية؛ فلقد ضاعت سدى «جهود العلوم الاجتماعية التي استوحت الماركسية والتي حاولت
تفسير ظهور الدولة [الحديثة] استنادًا إلى انطلاقة الرأسمالية التجارية». لذلك غلب الميل في التوجهات
السوسيولوجية المعاصرة إلى ربط فكرة الدولة الحديثة بفكرة الاندماج الاجتماعي والوحدة القومية
والمصلحة الجماعية، بدل ربطها بفكرة الصراع وخدمة المصلحة الخاصة واضطهاد جماعة مخصوصة لجماعة
أخرى داخل المجتمع الواحد. ذلك أنه، و«بشكل عام، ومن خلال منظور ماكرو - اجتماعي، يمكن
القول إن نشأة الدولة تُردّ إلى أزمة المجتمع المدني. إنها أزمة التكامل المرتبطة بالفشل المشترك لأشكال
التضامن التعاقدية وأشكال التضامن الطوائفية، كما هي مرتبطة بالظهور القويّ للمصالح الجماعية التي لم
يستطع المجتمع الإقطاعي ضبطها وتنظيمها».
ثانيًا: الثورة على دولة الاستقلال أو «النبوءات الأيديولوجية» التي بدأ تجسيدها يوم 14 كانون الثاني/ يناير 2011
يرتبط مفهوم الثورة في الماركسية - اللينينية ارتباطًا صميميًا بمفهوم الدولة من حيث هي جهاز لسيادة
فئات اجتماعية على فئات أخرى. على هذا الأساس، نفرسّ «أصالة» فكرة الثورة على دولة الاستقلال
وحتميتها في مختلف التصورات الأيديولوجية التونسية المعاصرة. فتوصيف هذه الدولة، في مختلف
صوره اليسارية الراديكالية والقومية والإسلامية، يحيل إلى وضع ما تسمّيه الأدبيات الماركسية «التناقض
العدائي» الذي لا سبيل إلى حسمه إالّ بالثورة. نقرأ في أدبيات «اليسار الجديد» تأسيسًا لفكرة حتمية
22 العروي، ص.62
23 برتران بادي، الدولتان: الدولة والمجتمع في الغرب وفي دار الإسلام، ترجمة نخلة فريفر (بيروت؛ الدار البيضاء، المغرب: المركز الثقافي
العربي، 1996)، ص.126
24 المصدر نفسه، ص.125
25 المصدر نفسه، ص.147
26 المصدر نفسه، ص.132
27 Mao Tsé-toung, « De la contradiction ,» dans: Mao Tsé-toung, Oeuvres choisies (Pékin: Editions en langues étrangères, 1976), p. 383.
الثورة على دولة الاستقلال التونسية، ضمن سياق سجالي مع الطروحات «التحريفية» للحزب الشيوعي
التونسي المائلة إلى القول بوطنية الدولة، وبإمكانية النضال من أجل إصلاحات ديمقراطية في نطاقها.
وقد حمل هذا السياق، في طياته، الكثير من عناصر النقد اللينيني ل«المرتد» كاوسكي والأممية الثانية،
منها خاصة استبعاد فكرة الدولة الأمة وفكرة التغيير الاجتماعي بغير «العنف الثوري» الذي يدمّر دولة
الطبقات الرجعية ويبني دولة الطبقات الثورية. وإذا كان اليسار الراديكالي التونسي مسنودًا بإرث أيديولوجي تمثّل الثورة على الدولة القائمة معلامً من
معالمه الجوهرية، فإن مشكلة الحركة الإسلامية التونسية أنها تنوء بعبء تراث من الأحاديث النبوية
والأحكام الفقهية السنّية يحرّم الخروج على السلطان تحريامً يكاد يكون مطلقًا. ومع ذلك، نرى فكر
هذه الحركة يحاول اجتراح شرعية أو مشروعية للثورة من دون الخروج عن «أصول» هذا الإرث. يقول
الشيخ راشد الغنوشي في هذا الصدد: «إذا حصل منه [= من الحاكم] زيغ أو إهمال أو انحراف جزئي عن
الشريعة، أو صدر منه ظلم دون أن يطال ذلك المشروعية العليا للدولة، كان تقويمه بالنصح والوعظ
وسائر ضروب الضغط والاحتجاج وحتى التهديد. أمّا إذا تجاوز ذلك الحدّ فتمرّد على الشريعة وعطّل
إرادة الأمّة وتمحّض للظلم فقد أخلّ بالعقد، فسقطت شرعيته وفقد مبرّر الطاعة. وحقّ على الأمّة أن
تنصحه وتحذّره وتهدّده، فإذا لجّ في طغيانه وجبروته لم يبق أمام الأمّة إالّ أن تنتفض عليه وتمارس ما
وسعها من وسائل حمله على الجادة والعودة إلى الشرعية والإطاحة به إن أمكنها دون فتنة واستحكام
للفوضى الشاملة، فإنه لا بدّ للناس من سلطة برّة أو فاجرة، مؤمنة أو كافرة. ذلك ما يبدو اتجاهًا عامًّا من
موقف الوسط الإسلامي أو الجمهور». رغم كلّ هذا التضييق الذي يحدّ به الغنوشي من شروط الخروج على السلطان وفاء للتراث السلفي
السنّي في هذا الباب، فإن وضع دولة الاستقلال في تونس يبقى، في منظوره، وضعًا تشرّع فيه الثورة
على الدولة، عند إمكان إسقاطها، لأن الأمر متعلّق، ببساطة، لا بدولة «متمرّدة» على الشريعة فحسب،
بل بدولة «علمانية» (أي «خارجة عن ملة الإسلام») أيضًا تستهدف الأمّة في دينها وهويتها. وهكذا،
فإن الثورة على دولة الاستقلال التونسية في البنية الأيديولوجية للإسلاميين لا تقلّ حتمية عن نظيرتها
في البنية الأيديولوجية لليسار الراديكالي الماركسي - اللينيني. وحينما نقول إن فكرة حتمية هذه الثورة
تتعلّق بمفهوم أيديولوجي، فلا يعني ذلك أنها مثّلت شعارًا سياسيًا ثابت الحضور في برامج اليساريين
والقوميين والإسلاميين، خاصة خلال العقدين الأخيرين. ذلك أن المتغريّات الدولية والقومية والوطنية
في أواخر القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين أخفتت من وهج الفكرة الثورية الطبقية عند
اليسار الماركسي - اللينيني والفكرة الثورية الهوياتية عند الإسلاميين، وغيرهما من الأفكار الثورية التي
تستند إلى ما يسمّى البنى الأيديولوجية «الشمولية» أو «الكليانية».
يكفي أن نذكر أن حركة 18 أكتوبر للحقوق والحريات في تونس كانت ذات أهداف إصلاحية تتعلّق
بالنضال من أجل مكاسب في الحريات السياسية وحرية التعبير والتنظّم والنشر.. إلخ. والمعلوم أن هذه
الحركة ضمّت حزب العامّل الشيوعي التونسي آنذاك (الفصيل الأهمّ في اليسار الراديكالي التونسي)
وحركة النهضة، إلى جانب أحزاب غير أيديولوجية من وسط اليسار، هي الحزب الديمقراطي التقدمي
28 الهمامي، المجتمع التونسي، ص.178
29 راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية (تونس: دار المجتهد، 2011)، ص.212
آنذاك (الحزب الجمهوري حاليًا) وحزب التكتّل من أجل العمل والحريات وحزب المؤتمر من أجل
الجمهورية، هذا بالإضافة إلى مشاركة شخصيات حقوقية وقومية، بصفتها الفردية، في هذه الحركة. وعلى
هذا النحو تراجعت الفكرة الثورية الأيديولوجية، أكان في صيغتها اليسارية الراديكالية أم في صيغتها
الإسلامية، خلال السنوات الأخيرة، خلف مطالب الإصلاح السياسي الحقوقي الديمقراطي. لكن ثورة
14 كانون الثاني/ يناير 2011 أخرجت هذه الفكرة من قمقمها ونفخت في روحها لتلعب دورًا أساسًا
وفاعالً في المشهد التونسي الذي أعقب هروب الرئيس بن علي. على الرغم من أن أيًّا من القوى الأيديولوجية أو السياسية أمكنها الزعم بالتخطيط لثورة 14 كانون
الثاني/ يناير أو قيادتها، فإن الجميع لم يتوان في تمثّل الحادث على أنه تجسيد، أو بالأصحّ بداية تجسيد،
ل«نبوءاته» الأيديولوجية وإشاعة هذا التمثّل على نحو واسع في شروط سياسية واجتماعية كانت ملائمة
لانتشار الوعي الثوري الحامل معاني التغيير الجذري والحاسم والفوري. لقد كان اليسار الراديكالي سبّاقًا
في طرح فكره الثوري باعتباره التعبير الأيديولوجي للحراك الجماهيري التونسي الذي أطاح حكم بن
علي، وباعتباره مرشدًا عمليًا لهذا الحراك كي لا «تلتف» عليه «القوى الرجعية» و«القوى الإصلاحية»
فتصرفه إلى مجرد إصلاحات تبقي على النظام القائم. وعلى هذا الأساس، قام اليسار الراديكالي بدور
أساس في اعتصامي القصبة 1 و 2 اللذين أطاحا حكومة السيد محمد الغنوشي التي شارك فيها الحزب
الديمقراطي التقدمي وحركة التجديد، كما أطاحا معها الخيار الإصلاحي الذاهب إلى انتخابات رئاسية
وبرلمانية على أساس الدستور التونسي القائم في مناخ من الإصلاحات السياسية التي تكرّس الديمقراطية
والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية لفائدة المناطق التي اندلعت منها شرارة الثورة. لقد فرض اعتصاما القصبة الذهاب إلى خيار المجلس التأسيسي باعتباره دلالة على الثورة من حيث هي
قطيعة مع حقبة دولة الاستقلال؛ إذ كان لا بد - كما يرى أحد «فلاسفة» اليسار الراديكالي- «من
إعادة البناء كلّيًا، لا إصلاح ولا ترقيع، ولذلك تمسّكت حركة الثورة بالمجلس التأسيسي علامةً على البداية
الجديدة والقطع الكيلّ مع الماضي». في هذا السياق، تكرّس مفهوم الثورة باعتبارها سيرورة لا بد من
مواصلتها للقضاء على الدولة التونسية القائمة، استنادًا إلى الخلفية المفهومية الأيديولوجية الناهضة من
جديد التي تعتبر هذه الدولة جهازًا في يد أقلية (طبقية بالنسبة إلى اليسار الراديكالي) تقمع أغلبية الشعب
التونسي. وقد عكس خطاب اليسار الراديكالي التونسي هذه المعاني الثورية، خلال الأسابيع الأولى التي
تلت هروب بن علي، في مثل القول بأن «الثورة في منتصف الطريق، أسقطت بن علي، ولكن الديكتاتورية
- رغم وهنها - لا تزال قائمة بمؤسساتها وأجهزتها ودستورها وقوانينها وحزبها (التجمّع»). مال فريق، أو فرق، من اليسار الراديكالي إلى وسم ما تشهده تونس ب«الانتفاضة» لا «الثورة». وقد كتب
«فيلسوف» آخر من «فلاسفة» هذا اليسار يقول: «تتطلّب أي ثورة القضاء على الطبقات القديمة، لا
سياسيًا وحقوقيًا فحسب، وإنما اقتصاديًا أيضًا، فهذا ما يمثّل شرطها الأساسي، أي السيطرة على أملاك
تلك الطبقات وتأميمها لفائدة الشعب»، وهذا أمر غير ممكن، عمليًا، من دون هدم أركان دولة
30 نستخدم هنا وفي قادم السطور تعبير «أحد الفلاسفة» أو «فيلسوف» للإشارة إلى أن صاحب القول هو من الجامعيين المشتغلين
بالفلسفة، أي إن خطابه مقدَّم على أساس أنه ذو طبيعة نظرية شاملة (أيديولوجية) وليس ذا طبيعة سياسية جزئية.
31 محمد بن ساسي، «الثورة التونسية، 2011/1/14-2010/12/17: مساءلة المفهوم،» البديل، العدد 1 (2012)، ص.93
32 حوار مع حمة الهمامي في: الشروق (تونس)،.2011/2/8
33 فريد العليبي، تونس: الانتفاضة والثورة (تونس: [د. ن].، 2011)، ص 62 –.63
الطبقات القديمة وإقامة دولة الطبقات الشعبية. لذلك، فإن هذا الصراع الطبقي لم حيُ سم مع هروب بن
علي، لأن «الطبقات القديمة لا تزال على حالها، وإن فقدت بعض امتيازاتها السياسية والقانونية، وهي
تستجمع قواها أكثر فأكثر... وبإمكان القول بأن الصراع بين الشعب وأعدائه لم ينته». وعلى هذا
النحو أصبحت دلالة استمرار الثورة، أو تحوّل الانتفاضة إلى ثورة، في هذا الخطاب اليساري الراديكالي
التونسي، لا تفيد غير التقدم في تكريس سلطة الجماهير المنتفضة على حساب سلطة الدولة القائمة التي هي
سلطة الطبقات الرجعية. من هنا كانت مواقف اليسار الراديكالي عمومًا مناصرة للحراك الجماهيري الذي يستهدف ما أسمته
الحكومات التونسية المتعاقبة بعد 14 كانون الثاني/ يناير 2011 «هيبة الدولة». لقد اعتبر هذا الحراك في
الاتجاه الصحيح للثورة؛ إذ «يمكن القول إن الانتفاضة التونسية قد حققت انتصارًا جزئيًا ولكنه انتصار
كبير، وهذا ما يميّزها عن الانتفاضات الكبرى السابقة في الثمانينات من القرن الماضي، فقد نجحت في
تحقيق هدف مهمّ هو إسقاط الرئيس رغم كونها بقيت عاجزة حتى الآن عن إسقاط النظام، ومن مكاسبها
إدراك الجماهير جزئيًا أنه لا بناء للجديد دون تحطيم القديم، ولا مجال للسلطة البديلة دون تفكيك السلطة
القديمة، وقد شهدت بعض المؤسسات حركة احتجاجية في هذا الاتجاه، ونجح المحتجّون في فرض
موظّفين منتخَبين وطرد الموظفين المنصّبين من قبل جهاز الدولة، وأصبحت لكلمة ‹ارحل › - التي يجري
تتفيهها الآن- مفعولها السحري الذي يختزل إرادة المقهورين التوّاقين لفرض سلطتهم، كما تمّ تشكيل
هيئات تنظيمية لتكون بديالً للسلطة الرجعية». هكذا، كان لليسار الراديكالي التونسي «فضل السبق» في إشاعة تمثّل ثورة 14 كانون الثاني/ يناير 2011
باعتبارها ثورة على الدولة التونسية القائمة منذ سنة الاستقلال (1956)، التي لا تعني غير جهاز تمارس
من خلاله الأقلية الطبقية (البرجوازية الكبيرة أو الإقطاع والكمبرادور بحسب القراءات المختلفة)
الاضطهاد على بقية طبقات الشعب التونسي. وإذا قلنا إن لهذا اليسار «فضل السبق»، فذاك لأن المواقف
السياسية الأولى لقيادات حركة النهضة الإسلامية - خلافًا لمواقف قيادات اليسار الراديكالي وحزبي
«التكتل» و«المؤتمر» - كانت أقرب إلى الخيار الإصلاحي منها إلى خيار الثوري، إذ مالت مواقف رئيس
الحركة الشيخ راشد الغنوشي عمومًا إلى القبول بمبدأ الإصلاحات الدستورية والقانونية، والذهاب إلى
انتخابات رئاسية وبرلمانية، وعدم اجتثاث التجمع الدستوري الديمقراطي الحزب الذي كان حاكمًا.
غير أن هذه المواقف الرسمية لرموز حزب حركة النهضة سرعان ما «تعدّلت» على إيقاع الفكرة الثورية
ذات مضمون القطيعة الكلّية التي يرمز إليها خيار المجلس التأسيسي؛ فالغنوشي نفسه أصبح يُدخل في
باب «محاولات الالتفاف على الثورة» تلك الأصوات التي «تلوّح بمسارات أخرى غير الاتجاه إلى انتخاب
مجلس تأسيسي مثل المضي قدمًا إلى تعديلات دستورية ودعوة الشعب إلى الاستفتاء عليها ثم انتخاب
رئيس جمهورية».
34 المصدر نفسه، ص.63
35 المصدر نفسه، ص -89.90
36 انظر في هذا الصدد المواقف الأولى للشيخ راشد الغنوشي في: «راشد الغنوشي يدعو لإنجاح الثورة،» (الجزيرة نت، 2011/1/22)،
على الموقع الإلكتروني: http://www.aljazeera.net/news/pages/b5e2e19e-4a2e-4313-8ae6-541cdec3ca8b> <، و«الغنوشي
يعود لتونس وآلاف باستقباله،» (الجزيرة نت، 2011/01/30)، على الموقع الإلكتروني: < http://www.aljazeera.net/news/
pages/2eadf7c0-9a08-4595-867c-07b2f8415b17>.
37 راشد الغنوشي، «في الذكرى الثلاثين لميلاد «الاتجاه الإسلامي»: حركة النهضة مشروع يفجّر طاقات الإبداع،» الفجر (17 حزيران/
يونيو.)2011
طبعًا لم يكن يعوز الإسلاميين التونسيين المستند النظري «الأصيل» و«الثابت» الذي ينبع من صميم
بنيتهم الأيديولوجية والذي يجعلهم في طليعة الثوّار على دولة الاستقلال التونسية، وتمثّل ثورة 14 كانون
الثاني/ يناير 2011 وتوجيه مسار «استكمال مهامها» على هذا النحو. وإذا كان اليساريون الراديكاليون
لم يجدوا أي صعوبة في الربط بين الطابع الاجتماعي للحراك الجماهيري وفكرة «ثورة الطبقات الكادحة
على دولة الطبقات الرجعية»، فإن الإسلاميين لم يحفلوا أصالً بصعوبات الربط بين المضامين الديمقراطية
والاجتماعية التي برزت في مطالب الحراك الثوري (المختزلة في مطلبي: الحرية والكرامة) وفكرة «ثورة
شعب الهوية على دولة العلمانية»، فراحوا يمارسون ما أسميناه «لعبة الإدماج الحيسّ الأيديولوجي»
التي بموجبها يتحدّثون عن «ثورة شباب تونس التي كانت الهوية العربية الإسلامية والكرامة والحرية
مرتكزاتها الأساسية». إن دلالات «الثورة المباركة» تفيد، عند الشيخ راشد الغنوشي، انتصار الشعب وهويته على دولة
الاستقلال التونسية؛ إذ «بعد أزيد من نصف القرن من كيد الدولة الحديثة الدؤوب عن اقتلاع
تونس من تربتها الطبيعية العربية الإسلامية لمصلحة استبدالها بتربة غريبة عنها، أثبت شعب تونس
تمسكه المطلق بهويته وتأبّيه عن محاولات السلخ والتفكيك والتدمير». على هذا الأساس يصوغ
«الفيلسوف» الإسلامي تصوّره لمضمون شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، وهو شعار لم يُرفع إالّ
بداية من بروز الحراك «القصبوي» (نسبة إلى اعتصامي القصبة) بتأثير واضح، في رأينا، من ناشطي
اليسار الراديكالي. فهذا الشعار لا يفيد، في المنظور الأيديولوجي الإسلامي، غير إسقاط الدولة العلمانية
التي يمثّل دعاتها، بالضرورة، النظام السابق، أكانوا من أنصار بن علي أم من معارضيه. ذلك أن قصد
مطلب إسقاط النظام إنما هو «إسقاط كل ما أُسقط من الوطن ما يجعله وطنًا. فأعداء الثورة الحالية هم
الذي أفسدوا النظام السياسي والنظام التربوي والنظام الاقتصادي والنظام الثقافي، مؤسّسين ذلك كلّه
على حرب هوجاء يشنّونها على أصل كلّ القيم أعني ما يحرّر الأمة من.... تصوّر دولة القانون متنافية
مع الإيمان التام»ّ. من هنا نرى بعض «الفلاسفة» الإسلاميين، حينما يتحدّث عن 14 كانون الثاني/ يناير 2011 باعتباره
انتفاضة قابلة لأن تتحوّل إلى ثورة، يحتذي بنسق الفكر الماركسي - اللينيني ومفاهيمه «حذو النعل
بالنعل»، فيجعل شرط هذا التحوّل نفي جماعة مجتمعية بعينها، هي النخب العلمانية واليسارية الانتهازية
التي كانت في خدمة دولة الاستقلال والتي «تقيس تقدّميتها وحداثتها بمقياس التمانع المطلق مع معروف
الشعب ومنكره، أي مع الوعي الباطن للأمة وضميرها الحيّ». ومثلما يرى «الفيلسوف» الماركسي
- اللينيني الحالم بتحوّل الانتفاضة إلى ثورة أن الطبقات الرجعية بصدد خوض فصل جديد من الصراع
38 سهيل الحبيّب، «دور الإدماج الحيسّ سياسيا وإيديولوجيا في الانتخابات التونسية»، على موقع المركز العربي للأبحاث ودراسة
السياساتبتاريخ 2012/02/12. انظر الرابط:
http://www.dohainstitute.org/release/340ccddb-4ec8-49bd-ab2b-b639d3f6c942
39 الضاوي خوالدية، «مصير تونس تحسمه نتيجة الصراع بين 14 قرنا و 50 سنة،» الفجر (12 آب/ أغسطس.)2011
40 الغنوشي، «في الذكرى الثلاثين لميلاد «الاتجاه الإسلامي.»
41 أبو يعرب المرزوقي، استئناف العرب لتاريخهم الكوني: ثورة الحرية والكرامة، تونس نموذجا (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات؛
بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2012)، ص.47
42 سالم العيادي، «بيان فلسفي لأجل نخب بديلة،» في: سالم العيادي وزهير المدنيني، في الثورة (صفاقس، تونس: مكتبة علاء الدين،
2011)، ص.23
المجتمعي الطبقي، يرى «الفيلسوف» الإسلامي المسكون بالحلم ذاته أن النخب العلمانية واليسارية بصدد
خوض فصل جديد من الصراع الثقافي الهوياتي، فهي قد «اختارت لأجل التموقع الجديد أن تستهدف
الشعب بالتشكيك في هويته فظهرت بمظهر أكثر فاجعية من مظهرها أيام بورقيبة وبن علي... خطابهم فجّ
متعجرف لم يرقَ إلى مرتبة الخطاب المخاتل لزعيمهم المجاهد الأكبر [الحبيب بورقيبة]. لقد ترك بورقيبة
علمانّيينا أيتامًا من الناحية السياسية وتركهم بن علي أيتامًا من الناحية البوليسية». إن «الفيلسوف» الإسلامي يرى، شأنه شأن «الفيلسوف» الماركسي - اللينيني، أن ثورة 14 كانون الثاني/
يناير 2011 إنما هي عملية تنازع على القوة (القرار والتنفيذ وبسط النفوذ) بين الشعب والدولة. فمن دلالة
هذه الثورة، بالنسبة إليه، أن «المجتمع التونسي لم يعد يملك حقّ التفكير والعقيدة فحسب، وإنما يملك
أيضًا القوة التي يريد المدّ العلماني الإبقاء عليها بيد الدولة». وإذا كان الصراع بين الشعب التونسي
والدولة، في الرؤية الأيديولوجية لليسار الراديكالي، إنما هو صراع بين المسحوقين ومستغلّهم، فإن هذا
الصراع، في الرؤية الأيديولوجية للإسلام السياسي، إنما هو صراع بين العلمانية والمطلق الإلهي حسمته
الثورة التونسية عندما «عربّت عن رفض الاعتقاد بأن نجاح تنظيم المجتمع التونسي وتسييره متوقّف على
لائكية الدولة، فيكفي إلى هذا الحدّ النتائج السلبية والبؤس الاجتماعي الذي تمخّض عن التجربة اللائكية
لأكثر من نصف قرن، كما أبانت هذه الثورة بأن المطلق الإلهي يعلو على كل تقدير بشري وينأى في دلالاته
وأبعاده عن دائرة الفهم العلمي مهما تكن درجة تطوره». ثمة اختلافات جذرية، بطبيعة الحال، بين تمثّل حادث 14 كانون الثاني/ يناير 2011 باعتباره ثورة طبقية
على دولة الاستقلال التونسية وتمثّله باعتباره ثورة هوياتية على هذه الدولة. بيد أن هذه الاختلافات
الجذرية لا تشكّل، في تقديرنا، إالّ المستويات السطحية والمتوسّطة من الفكر الأيديولوجي التونسي
المعاصر. ذلك أن مستوى القاع من هذا الفكر يبنيّ عن وحدة تجسّدها، اختزاالً وتكثيفًا، الفكرة التي
تقيم علاقة ضدّية بين الثورة والدولة. هذه الفكرة نقرأها هكذا، في صيغتها المجرّدة، في الفجر جريدة
حركة النهضة الإسلامية، كما نقرأها في البديل، المجلة التي يديرها السيد حمة الهمامي، أمين عام حزب
العامّل (الشيوعي) التونسي. فكاتب الفجر ينقد ويحذّر من الثورة «حين تنتصر وتتشكّل في هيئة ‹دولة›
[فهي] تبدأ في ‹البرود› والانحسار، وتبدأ مفردات جديدة في الشيوع من ‹واقعية› و‹تدرّجية› و‹ضرورات
المرحلة› و‹مقتضيات السياسة›... تلك السياسة ماكرة ومتربّصة ومنتقمة». أمّا كاتب البديل، فهو
يتحدّث عن طور التحوّل «من أسطورة الثورة إلى أسطورة الدولة»، في هذا الطوّر يتجىلّ «البعد السلّبي
للأسطورة... بمجرّد اكتمال إعادة بناء الدولة وبلوغها العنفوان، وهو فعل العقلنة الذي يعني أيضًا إلغاء
للثورة... لوغوس الدولة سينشئ أساطيره، والأسطورة الأولى التي سينشئها هي الدولة... إن دور
الأسطرة سيلعب دورًا إيديولوجيًا محافظًا».
43 المصدر نفسه، ص.43
44 زهير المدنيني، «الثورة التونسية بين الخصوصية والكونية،» ضمن: العيادي والمدنيني، ص.118
45 المصدر نفسه، ص.123
46 أسقط الحزب لفظة (شيوعي) من اسمه مؤخرًا.
47 بحري العرفاوي، «ثقافة الثورة وثقافة الدولة،» الفجر (4 تشرين الثاني/ نوفمبر.)2011
48 محسن الخوني، «الثورة التونسية بين الأسطورة والعقل،» البديل، العدد.)2012(1
ثالثًا: من الثورة إلى الديمقراطية: تمثّل التحوّل الديمقراطي على أنه حسم للصراع المجتمعي الذي تجسّده دولة الاستقلال
انعقد إجماع، كاد أن يكون كلّيا، في صفوف النخب كما في صفوف الجماهير في تونس، على أن التحوّل من
الحكم السياسي الاستبدادي أو الدكتاتوري إلى الحكم الديمقراطي يشكّل عنصرًا من العناصر الأساسية
التي يجب أن يؤول إليها أفق ثورة 14 كانون الثاني/ يناير 2011. على هذا الأساس، بدا التحوّل
الديمقراطي، خلال الأسابيع والأشهر الأولى التي تلت هروب بن علي، مطلبًا وفاقيًا بين جميع «قوى
الثورة»، والمعني بها الأحزاب والجماعات السياسية التي عانت استبداد دولة الاستقلال. لقد سادت
النزعة الوفاقية خلال الفترة الأولى من المسار الانتقالي التونسي استنادًا إلى تمثّل أيديولوجي عام اشترك
فيه جلّ الأطراف السياسية والمدنية الفاعلة في هذا المسار. ويقوم هذا التمثّل الأيديولوجي على المماهاة بين
«استكمال مهام الثورة» من حيث هي قطيعة كلّية وفورية مع دولة الاستقلال والتحوّل الديمقراطي من
حيث هو تحوّل سلطوي ودستوري وتشريعي فحسب. وقد أرجعنا سابقًا سيادة هذه الفكرة الوفاقية إلى حراك عملي وفكري عرفته تونس قبيل ثورة 14 كانون
الثاني/ يناير 2011. هذا الحراك المعروف ب«حركة 18 أكتوبر» انخرطت فيه قطاعات من نخب المعارضة
التونسية من مختلف المرجعيات الأيديولوجية المعروفة (الإسلامية والقومية والماركسية والليبرالية)،
غير أن ما يبدو لنا الآن هو أن البنى الأيديولوجية الأصلية للنخب السياسية التونسية الفاعلة بعد 14
كانون الثاني/ يناير 2011 هي التي تُشكّل جذور هذا التمثّل الأيديولوجي الذي كان عماد الوهم الوفاقي
في الفترة الأولى من المسار الانتقالي التونسي (نقول وهْم بالنظر إلى تفجّر الصراعات الأيديولوجية بعد
فترة وجيزة)، لكن من دون أن ينفي ذلك أن تراث «حركة 18 أكتوبر» كان عنصرًا من العناصر التي
أسّست لهذا الوهم الوفاقي. كي نفهم سرّ هذا التوافق على الديمقراطية باعتبارها تكريسًا للثورة على دولة الاستقلال وللقطع الكيلّ
معها، لا بدّ أن نعود إلى التفسيرات التي حواها المتن الأيديولوجي التونسي المعاصر بشأن ظاهرة الطابع
الاستبدادي أو الدكتاتوري الذي وسم هذه الدولة منذ نشأتها سنة 1956. فهذه التفسيرات التقت،
على اختلاف مرجعياتها التحليلية، عند اعتبار أن الاستبداد (أو الدكتاتورية) يشكّل مكوّنًا بنيويًا من
مكوّنات هذه الدولة، أي جزءًا أصيالً من طبيعتها. ويرتبط النظر إلى الاستبداد السياسي، على هذا النحو،
ارتباطًا صميميًا، بتمثّل الدولة التونسية من حيث هي جهاز في يد أقلية في صراعها مع أغلبية الشعب.
فاليسار الراديكالي التونسي يفرسّ دكتاتورية الدولة التونسية في علاقة جوهرية بطبيعة القوة أو القوى
الطبقية التي تعربّ عنها، ذلك أن «الشكل الديكتاتوري للدولة التونسية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بطبيعة الطبقة
المهيمنة في مجتمعنا. فالبورجوازية الكبيرة العميلة للإمبريالية تلجأ إلى هذا الشكل بهدف صيانة مصالحها
ومصالح الاحتكارات الإمبريالية واستغلال الطبقات الكادحة استغ الً وحشيًا ونهب ثروات البلاد
نهبًا فظيعًا».
49 انظر: سهيل الحبيّب، «الانتقال الديمقراطي في التفكير العربي المعاصر أمام إشكالات أنموذج ثورة 14 يناير،» ورقة مقدمة إلى
مؤتمر الثورات والإصلاح والتحول الديمقراطي في الوطن العربي: من خلال الثورة التونسية، الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة
السياسات، نيسان / ابريل 2011. ومنشورة ضمن: مجموعة مؤلفين، ثورة تونس: الأسباب والسياقات والتحديات (الدوحة: المركز
العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2012
50 الهمامي، المجتمع التونسي، ص.178
أمّا المنظّر الأيديولوجي الإسلامي، فهو يربط الاستبداد السياسي في تونس، ربطًا عضويًا، بقيام دولة
الاستقلال التي عملت «مأخوذة بالنموذج المركزي للدولة الحديثة، ولا سيما اليعقوبية الفرنسية والتجارب
الفاشية والشيوعية... على تقويض... البنية التقليدية بما في ذلك نموذج العائلة الممتدة، بغرض السيطرة
عبر تفكيك تلك البنية، وإرساء بديل خليط من الليبرالية الثقافية والاشتراكية الاجتماعية والفاشية
السياسية وتراث دولة البايات المطلقة مع مسوح من الإسلام للتسويق الشعبي. وكان من الطبيعي أن
يفضي هذا الخليط الغريب عن ثقافة المجتمع... إلى ديكتاتورية سياسية تتمحور حول عبادة الزعيم وهيبة
الدولة والحزب الواحد». ومثلما يردّ الماركسي - اللينيني دكتاتورية دولة الاستقلال التونسية إلى «قاعدتها المادية» المتجسّدة في
«الأقلية البرجوازية» التي تهيمن، في منظوره، على هذه الدولة، فإن الإسلامي ينسج على المنوال ذاته
تقريبًا، أي يقرن، على نحو بنيوي، بين هذه الدكتاتورية و«الأقلية العلمانية» التي أسّست، بحسب تصوّره،
الدولة بداية من سنة 1956، ذلك أن «عملية حسم الصراع لصالح الجناح البورقيبي على حساب الجناح
الوطني العروبي الإسلامي أقامت أسس الحكم الشمولي الفردي، فقد كان من نتائج ذلك اختلال التوازن
في الحياة السياسية التونسية لصالح الجناح التحديثي المفرنس، ولصالح الزعامة الفردية البورقيبية المتماهية
في الدولة، وهكذا لم يبق من خيار أمام المعارضين سوى الانضمام إلى الحزب والاعتراف بالزعامة الخارقة
لبورقيبة، أو الخضوع للتهميش والسحق عبر آلة الدولة. وقد تحوّل هذا الأسلوب في التعاطي مع الفرقاء
والخصوم إلى أسلوب مكين وراسخ في إدارة الحكم والشأن العام». على هذا الأساس، فإن الصراع بين الدكتاتورية أو الاستبداد السياسي من جهة والديمقراطية من جهة
ثانية، في منظور هذا الفكر الأيديولوجي التونسي، لا يعدو أن يكون واجهة لصراع مجتمعي بين أقلية تمثّلها
دولة الاستقلال وأغلبية الشعب. إن البديل الديمقراطي يغدو، بهذه الكيفية، جزءًا من صيرورة نفي
دولة الاستقلال والقوى المجتمعية التي تمثّلها، وهي قوى مستبدّة بطبيعتها الطبقية عند اليسار الراديكالي
وبطبيعتها الثقافية عند الإسلام السياسي. وفي المتن «الأصولي» الأيديولوجي لليسار التونسي الراديكالي
نجد صياغات واضحة لهذه الفكرة القائمة على نقد الرؤية «التحريفية» للحزب الشيوعي التونسي التي
تطالب ب«نظام بورجوازي تعدّدي يتمكّن فيه هذا الحزب من منافسة الأحزاب البورجوازية الأخرى
على مقاعد في البرلمان وكراسي في الحكومة»، ذلك أن الرؤية الماركسية - اللينينية «الصحيحة» تدعو
إلى ثورة وطنية ديمقراطية شعبية على دولة الاستقلال التونسية، والديمقراطية هنا بمعنى أنها «تهدف
إلى تحرير الفلاحين من الاستغلال الرأسمالي وبقايا الاستثمار ما قبل الرأسمالي وإقامة نظام سياسي قوامه
السيادة الشعبية... كما أنها لا تهدف إلى إقامة ديكتاتورية بورجوازية وإنما تهدف إلى إقامة الديكتاتورية
الديمقراطية للعمال والفلاحين الذين يشكّلون المضمون الأساسي للشعب». وإذا كان اليساري الراديكالي يدرج المطلب الديمقراطي ضمن مصالح «الأغلبية الطبقية» للمجتمع
التونسي المضطهدة من دولة الاستقلال، فإن الإسلامي يدرجه ضمن أهداف «الأغلبية الثقافية المسلمة»
51 الغنوشي، من تجربة الحركة الإسلامية في تونس، ص.163
52 رفيق عبد السلام، «التجربة التونسية نموذجا: الاستبداد الحداثي العربي،» (الجزيرة نت، 2004/10/3)، على الموقع الإلكتروني:
<http://www.aljazeera.net/coverage/pages/b5b53bd4-82ad-437d-bd14-a0eb75efa068>.
53 الهمامي، المجتمع التونسي، ص.183
54 المصدر نفسه، ص.181
لهذا المجتمع المناقضة لأهداف «الأقلية الثقافية العلمانية» التي تمسك بزمام هذه الدولة. يقول الشيخ راشد
الغنوشي: «اقترن التغريب والتحديث بالديكتاتورية، بينما كان هدف الحركة الإسلامية الإصلاحية،
ولا يزال هدف الصحوة المعاصرة، هو إعادة المجتمع المدني والدولة الشورية - أو الديمقراطية - على
أسس إسلامية». قامت هذه «الأصولية الأيديولوجية»، بشقّيها اليساري الراديكالي والإسلامي، بدور حاسم في حراك
المشهد التونسي بعد 14 كانون الثاني/ يناير 2011، بدءًا برفض التحوّل الديمقراطي باعتباره سيرورة
إصلاحية لا تهدّد مكاسب الدولة والمجتمع، ولا تكون على حساب السير الطبيعي لنشاط الاقتصاد
الوطني وعلى حساب أمن المجتمع التونسي وتماسك وحدته. وقد اختار شقّ من المعارضة الديمقراطية
(الحزب الديمقراطي التقدمي وحركة التجديد آنذاك) الذهاب في هذا التميشّ من خلال حكومة
محمد الغنوشي التي أعقبت الثورة. ورغم أهمية القرارات التي اتخذتها هذه الحكومة في أيام قليلة، من
وجهة نظر تكريس الديمقراطية وحقوق الإنسان (العفو التشريعي العام، وإبرام معاهدات حقوقية
دولية، ومنح التأشيرة القانونية لجميع الأحزاب والجمعيات المحظورة....)، فإنها كانت مدار هجوم
عنيف من «القوى الثورية» كلها، باعتبارها تضمّ «رجالات بن علي»، وسياساتها لا تعدو أن تكون
«إصلاحية ترقيعية». لم يكن بمقدور هذه الحكومة، مهما أتت من سياسيات، أن تساهم في مشروع التحوّل الديمقراطي
في تونس، بحسب منظور اليسار الراديكالي، لأن هذا التحوّل لا يمكن أن يتمّ خارج حسم الصراع
المجتمعي الطبقي لفائدة الطبقات المسحوقة وعلى حساب مصالح الطبقات الرجعية. وهذا الأمر لن
يحدث في ظلّ حكومة تضمّ «رجالات بن علي» وآخرين من المعارضة «التحريفية» و«البرجوازية».
لهذا، لم يعن وجود هذه الحكومة، بالنسبة إلى السياسي اليساري الراديكالي، سوى أن «الدكتاتورية
مازالت قائمة بمؤسساتها وحزبها وأجهزتها الأمنية... كما أن قاعدة الدكتاتورية الاقتصادية ما زالت
قائمة وهي الطبقة الطفيلية وحفنة العائلات التي تنهب الشعب التونسي بتواطؤ مع الشركات والدول
الأجنبية». أمّا الصياغة «الفلسفية» لهذا الموقف السياسي اليساري الراديكالي، فمضمونها أن
الإصلاحات الديمقراطية تعني أن «الرجعية تدفع باتجاه ديمقراطية خاوية، يطغى عليها الشكل دون
المضمون... يغلب عليها الطابع الحقوقي يتبارى فيها المنافسون على أحقية حكم الشعب تحت يافطات
تمويهية في معظمها. ويعدّ الترويج لهذا الطراز من الديمقراطية انزياحًا عن مطالب المنتفضين الذي
يهمهم في المقام تحقيق المطالب التي رفعوها». لهذا نرى السياسي اليساري الراديكالي حينما يفصح عن بديله الثوري الديمقراطي الحقيقي، يقول:
«نحن مع إصلاح زراعي لفائدة الفلاحين حتى لا تهمَل الأرض، ونحن مع أن ترجع الثروات الأساسية
لفائدة الشعب لا أن تنهب منه من طرف حفنة من البرجوازيين». ليس هذا الموقف السياسي إالّ ترجمة
مطلبية عملية للأصل الأيديولوجي الذي يقول بأنه «في بلد مثل تونس فإن العقدة الرئيسية ضمن المسألة
55 راشد الغنوشي، مقاربات في العلمانية والمجتمع المدني (تونس: دار المجتهد، 2011)، ص.99
56 حوار مع حمة الهمامي في: الصباح الأسبوعي (تونس) (31 كانون الثاني/ يناير.)2011
57 العليبي، ص 69 –.70
58 حوار مع حمة الهمامي في: الصباح الأسبوعي (31 كانون الثاني/ يناير.)2011
الديمقراطية تتمثّل في الإصلاح الزراعي، ويتوقّف مصير جموع غفيرة من الفلاحين الفقراء والمتوسطين
على حلّ هذه العقدة». لم يكن الإسلاميون، خاصة مع منعطف اعتصام «القصبة 2»، أقلّ «ثورة» على المنحى الإصلاحي
الديمقراطي الذي سارت فيه حكومة محمد الغنوشي، بل إن «فلاسفتهم» كانوا أكثر «عمقًا» في الشتم
الرخيص للأطراف السياسية التي راهنت على هذا التميشّ؛ فهُم من «فضلات» نظام بن علي و«بقاياه»
و«نخبه الفاسدة». كما هاجم «الفيلسوف» الإسلامي بشدّة «الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة
والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي» و«الهيئة العليا المستقلة للانتخابات»، ووصف أعضاءهما
ب«الدعاة المعادين للحرية والديمقراطية»، لأنهم «يريدون التحديث بعكس مبدئه الأساسي وصاية
وفرضًا أجنبيًا». وطبيعي جدًا ألاّ يرى «الفيلسوف» الإسلامي أي إمكانية لأن تقود إلى التحوّل
الديمقراطي عناصر تكنوقراطية عملت مع نظام بن علي (مثل محمد الغنوشي) وعناصر من المعارضة
اليسارية الوسطية (مثل أحمد نجيب الشابي وأحمد إبراهيم)، ووجوه حقوقية مستقلة (مثل عياض
ابن عاشور وكمال الجندوبي). فهؤلاء جميعهم من «العلمانيين»، أي من «النخب الفاسدة» بالضرورة،
وهم إمّا من «أصحاب المطامع المادية للمافيا» وإمّا من «أصحاب المطامع الرمزية للحرب على روح الأمّة
وشروط قيامها المستقل». وبالتالي، فإن هؤلاء ليسوا ديمقراطيين بطبيعة هويتهم الثقافية العلمانية، إذ
«الديمقراطية تتحوّل في ممارستهم إلى أوليغارشية العلمانيين». وعلى هذا النحو، لا يحدث التحوّل الديمقراطي، في المنظور الأيديولوجي للإسلام السياسي التونسي،
من دون حسم الصراع المجتمعي لمصلحة أغلبية الشعب المتمسك بهويته العربية الإسلامية، وعلى
حساب الأقلية العلمانية التي هيمنت على دولة الاستقلال. فالإصلاح السياسي يتجسّد في «انتهاج
العلاج الديمقراطي المستند إلى ثقة في حسّ الشعب السليم الذي يحدّد شرعية المؤسسات بما يرضاه
ويقبله من خيارات». وإذا كان التحوّل الديمقراطي يعني، بالنسبة إلى اليسار الراديكالي، في المطاف
الأخير، صيرورة نفي (قضاء) مجتمعي لطبقات البرجوازية الكبيرة أو الإقطاع والكمبرادور (بحسب
الاجتهادات المختلفة) من قِبل ممثلّي العامّل والفلاحين والبرجوازية الصغيرة، فإن هذا التحوّل يعني،
بالنسبة إلى الإسلاميين، وفي المطاف الأخير كذلك، عملية نفي مجتمعي للنخب العلمانية من قِبل النخبة
الممثّلة للشعب العربي المسلم؛ فهذا «هو الضامن الوحيد للديمقراطية والتقدّم. سواء كانت ديمقراطية
اليسار أو ديمقراطية اليمين. نحن في حاجة إلى نخب قادرة فعليًا على تنبيه الشعب إلى ما في عروبته
وإسلامه من إمكانات التلاقي الخصبة بكونية الإنسان الحديث في أبعادها المختلفة».
59 العليبي، ص.64
60 انظر: المرزوقي، ص 103 – 121، والعيادي، ص.37
61 المرزوقي، ص.76
62 الأول زعيم الحزب الديمقراطي التقدمي (الجمهوري حاليًا) والثاني زعيم حركة التجديد (المسار الاجتماعي الديمقراطي حاليًا.)
63 الأول رئيس الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، والثاني رئيس الهيئة العليا للانتخابات.
64 المرزوقي، ص.73
65 المصدر نفسه، ص 75. لاحظ أن مجريات الحوادث سفّهت تمامًا هذه الأحكام المسبقة؛ فلقد أفضى جهد الهيئتين «العلمانيتين» إلى
انتخابات حرة ونزيهة لم يشكك فيها أحد، وفاز فيها الإسلاميون بنسبة كبيرة من مقاعد المجلس التأسيسي، ومنهم كان صاحب هذا الرأي
«الفيلسوف» أبو يعرب المرزقي.
66 المصدر نفسه، ص.108
67 العيادي، ص.93
خاتمة: أزمة أيديولوجية
كتب عبد الله العروي وعزمي بشارة قبل سنوات عديدة حول إشكالية الدولة في الوطن العربي،
مؤكدين أنها إشكالية أيديولوجية بامتياز. تحدّث العروي عن الأيديولوجيا الدولوية (نسبة إلى الدولة
بالمعنى الحديث) المفقودة والمغيّبة في الطوبى التقليدية (الخلافة) والمستوردة (الليبرالية والماركسية)،
والحال أن هذه الأيديولوجيا «عقيدة وجدانية وليست شعارًا فقط، إنها الوجه المعنوي، إن لم نقل الوجه
الحقيقي، للدولة». وبالمعنى نفسه كتب بشارة: «إن الدولة العربية أضعف بكثير من أن تكون دولة
شمولية، وهي في المرحلة الراهنة تفتقد إلى الأيديولوجيا أصالً، إالّ إذا أطلقنا تسمية أيديولوجيا على
هذا الخليط من الإرهاب والبراغماتية السياسية والخطاب السياسي الذي يشتمل لمامًا من الحداثوية
والإسلاموية والشعبوية». بقيت فكرة غياب أيديولوجيا الدولة الحديثة (الدولة الأمّة) في الوطن العربي، خلال السنوات الأخيرة،
«حبيسة» سياقات الفكر النقدي، ربما لأنها كانت عصية على الفهم في صيغتها المجرّدة. واليوم توفّر
المعطيات العملية الملموسة للمسارات الانتقالية الجارية عربيًا فرصة ذهبية، في تقديرنا، لأن تدنو هذه
الفكرة من أفهام أوسع النخب العربية المسيّسة والمثقّفة. وحتى نجسّد هذا الكلام العام في صيغة خاصة
تستمد معطياتها من المادة البحثية التي راكمناها في هذه الورقة، نقول إن غياب أيديولوجية الدولة الحديثة
ليس إالّ تعبيرًا نظريًا عن الصورة الملموسة التي رصدناها أعلاه، نعني صورة ذاك الأفق الذهني العام
الذي يتحرّك فيه ومنه الفاعلون السياسيون المباشرون في المسار الانتقالي التونسي الجاري على اختلاف
أيديولوجياتهم الجزئية (الماركسية والإسلامية والقومية). في هذا الأفق الذهني العام، يقع تمثُّل الدولة
باعتبارها أداة لهيمنة جماعة أو جماعات مجتمعية على أخرى، وتمثُّل الثورة باعتبارها مقابالً للدولة، وتمثُّل
الديمقراطية أو الدولة الديمقراطية باعتبارها جزءًا من صيرورة حسم صراع ينفي فيه شطر من المجتمع
شطرًا آخر. حينما تتحوّل هذه الأيديولوجيا التي تنفي فكرة الدولة الحديثة إلى خيارات عملية، ماذا تنتج؟ الجواب
عن مثل هذا السؤال نجده عمليًا اليوم في المشهد التونسي: الإضرابات والاعتصامات وتخريب المنشآت
العمومية وتعطيل الإنتاج وحرق السفارات الأجنبية والصراع الديني وتكديس الأسلحة والعزل
السياسي (مشروع «تحصين الثورة» في تونس) وإفساد الاجتماعات الحزبية للخصوم والصراع على مواد
الدستور (الشريعة، كونية حقوق الإنسان، حرية الضمير، الإسلام دين الدولة...). حينما ننظر إلى كل
مظهر من هذه المظاهر على حدة، نراه ترجمة عملية مباشرة لفكرة تصفية دولة الاستقلال، إمّا انخراطًا في
سيرورة حسم الصراع الطبقي وإمّا انخراطًا في سيرورة حسم الصراع الهوياتي. المشكلة هي أن لا أحد من «الرفاق» يمكن أن يجزم بأن الصراع الاجتماعي وعنفه المادي والمعنوي
68 يقول العروي: «مهما يكن من أمر الليبرالية والماركسية في ذاتهما، فإنهما عندما تنتشران في المجتمع العربي تكتسبان بالضرورة حلة
طوباوية مكثّفة لأنهما تلتبسان بذهنية معتادة منذ زمن طويل على انتظار الدولة الفضلى وعلى هجران التنظيم السياسي القائم». انظر:
العروي، ص 151.
69 المصدر نفسه، ص.147
70 عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقدية (مع إشارة للمجتمع المدني العربي)، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،
2008)، ص.296
هما بصدد قيادتنا إلى أفق «الديمقراطيات الشعبية» في المتخيّل الماركسي - اللينيني. كما أن لا أحد من
«الإخوان» يمكن أن يجزم بأن الصراع الهوياتي وعنفه المادي والمعنوي هما بصدد قيادتنا إلى أفق «الخلافة
الراشدة» في المتخيّل الإسلامي. الجميع في تونس بات مقتنعًا بأن هذه المظاهر الصراعية تهدد اليوم وحدة
المجتمع واقتصاد البلاد وأمنها، فيتباكى على الدولة التي كانت. ذاك هو، في تقديرنا، مظهر من مظاهر أزمة المفاهيم الأيديولوجية العربية المعاصرة حينما استحالت إلى
خيارات عملية في المسارات الانتقالية العربية الجارية. فهذه المسارات تمثّل صورة عينية مجسّمة لما حذّر منه
بشارة من فصل فكرتي الديمقراطية والمجتمع المدني عن فكرة الدولة الحديثة. كما أن وضع السياسيين
الفاعلين المباشرين في هذه المسارات اليوم يجسّد، تجسيدًا واقعيًا، للصورة التي رسمها العروي قبل
سنوات: «ينظر كثير من الناس إلى الدولة وكأنها جهاز قمعي فقط، ويسمّون ما عداه أمة. لكنهم يمنعون
على أنفسهم فهم حقيقة قوة وضعف الجهاز، عندما ينهار أثناء ثورة ولا يدركون الأسباب».
71 انظر تفصيل ذلك في: سهيل الحبيّب، «مشروع عزمي بشارة في التحوّل الديمقراطي عربيا، » تبنيّ، العدد 3، المجلد 1 (شتاء
2013)، ص 153 –.159
72 العروي، ص.147
المراجع
-1 العربية
كتب بادي، برتران. الدولتان: الدولة والمجتمع في الغرب وفي دار الإسلام. ترجمة نخلة فريفر. بيروت؛ الدار
البيضاء، المغرب: المركز الثقافي العربي،.1996 بشارة، عزمي. المجتمع المدني: دراسة نقدية (مع إشارة للمجتمع المدني العربي). ط 3. بيروت: مركز
دراسات الوحدة العربية،.2008 عبد السلام، رفيق. تفكيك العلمانية في الدين والديمقراطية. تونس: دار المجتهد،.2011 عبد الناصر، جمال. فلسفة الثورة والميثاق. بيروت: دار الجيل؛ دار المعرفة،.1970 العروي، عبد الله. مفهوم الدولة. ط 6. بيروت؛ الدار البيضاء، المغرب: المركز الثقافي العربي،.1998 العليبي، فريد. تونس: الانتفاضة والثورة. تونس: [د. ن].،.2011 العيادي، سالم وزهير المدنيني. في الثورة. صفاقس، تونس: مكتبة علاء الدين،.2011 الغنوشي، راشد. الحريات العامة في الدولة الإسلامية. تونس: دار المجتهد،.2011. المرأة بين القرآن وواقع المسلمين. تونس: دار المجتهد،.2011. مقاربات في العلمانية والمجتمع المدني. تونس: دار المجتهد،.2011. من تجربة الحركة الإسلامية في تونس. تونس: دار المجتهد،.2011 لبيض، سالم. الهوية: الإسلام، العروبة، التونسة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2009 لينين، فلاديمير إيليتش. المختارات في 10 مجلدات. 10 مج. موسكو: دار التقدم،.1979-1976 المديني، توفيق. تاريخ المعارضة التونسية من النشأة إلى الثورة: الأحزاب القومية واليسارية والإسلامية.
تونس: مسكيلياني للنشر والتوزيع،.2012 المرزوقي، أبو يعرب. استئناف العرب لتاريخهم الكوني: ثورة الحرية والكرامة، تونس نموذجا. الدوحة:
مركز الجزيرة للدراسات؛ بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2012 الهمامي، حمة. المجتمع التونسي: دراسة اقتصادية اجتماعية. صفاقس: صامد للنشر والتوزيع،.1989
دوريات ابن ساسي، محمد. «الثورة التونسية، 2011/1/14-2010/12/17: مساءلة المفهوم.» البديل: العدد
الخوني، محسن. «الثورة التونسية بين الأسطورة والعقل.» البديل: العدد 1،.2012 الهمامي، عبد الرزاق. «حول طبيعة المجتمع في الوطن العربي: الوطن العربي بلد زراعي متخلّف.»
أطروحات: كانون الثاني/ يناير – شباط/ فبراير.1985
وثائق «راشد الغنوشي يدعو لإنجاح الثورة.» (الجزيرة نت، 2011/1/22)، على الموقع الإلكتروني: <http://
www.aljazeera.net/news/pages/b5e2e19e-4a2e-4313-8ae6-541cdec3ca8b>
عبد السلام، رفيق. «التجربة التونسية نموذجا: الاستبداد الحداثي العربي.» (الجزيرة نت، 2004/10/3)،
<http://www.aljazeera.net/coverage/pages/b5b53bd4-82ad-: الإلكتروني الموقع على 437d-bd14-a0eb75efa068>.
«عدنان الحاجي يندد بالاعتصامات العشوائية ويطالب بإعادة هيبة الدولة وتطبيق القانون.» (الصباح
نيوز (موقع إلكتروني)،:)2012/5/15 <http://www.assabahnews.tn/details.php?ID_ art=22377&ID_rub=1>.
«الغنوشي يعود لتونس وآلاف باستقباله.» (الجزيرة نت، 2011/01/30)، على الموقع الإلكتروني:
<http://www.aljazeera.net/news/pages/2eadf7c0-9a08-4595-867c-07b2f8415b17>.
«في رسالة حازمة وصارمة، راشد الغنوشي لأنصار الشريعة: أنصحكم بان لا تعرضوا أنفسكم
ومواطنيكم لمواجهة الدولة لانها قوية.» (الصباح نيوز، 2012/5/15)، على الموقع الإلكتروني:
<http://www.assabahnews.tn/details.php?ID_art=22357&ID_rub=1>.
الأجنبية
Mao Tsé-toung. Oeuvres choisies. Pékin: Editions en langues étrangères, 1976.