المخزن في مغرب القرن التاسع عشر، ناظرًا ومنظورًا إليه
The Makhzen in 19th Century Morocco: Beholder and Beheld
الملخّص
أثار مفهوم الدولة/ المخزن في مغرب القرن التاسع عشر جدلًا واسعًا في الكتابات التاريخية الاستعمارية. ويحاول هذا المقال جرد أهم توجهات هذه الكتابات بالكشف عن النصوص المؤطرة لها والتناقضات التي تكتنفها، بمقارنتها بغيرها من النصوص التي حاولت الاقتراب، موضوعيًا، من كنه تعقيدات المفهوم في الحالة المغربية.
Abstract
1 Marc Bloch, Apologie pour l›histoire ou Métier d›historien , cahier des annales; 3, 2éme éd. (Paris: Librairie Armand Colin, 1952), p. 27, disponible sur le site électronique: <http://www.uqac.ca/Classiques_des_sciences_sociales>.
- مخزن مغربي
- أسرة علوية
- مرابطون
- مخيال أوروبي
- رحالة فرنسيون
- Moroccan Makhzen
- Alawite Dynasty
- al-Murabitun
- European Imaginary
- Moroccan Tribes
أثار مفهوم الدولة/ المخزن في مغرب القرن التاسع عشر جدال واسعًا في الكتابات التاريخية
الاستعمارية. ويحاول هذا المقال جرد أهم توجهات هذه الكتابات بالكشف عن النصوص
المؤطرة لها والتناقضات التي تكتنفها، بمقارنتها بغيرها من النصوص التي حاولت
الاقتراب، موضوعيًا، من كنه تعقيدات المفهوم في الحالة المغربية.
مقدّمة
يقول مارك بلوك: ينشأ عدم فهم الحاضر من الجهل بالماضي، وبالمثل يصعب استبصار الماضي
من دون معرفة الحاضر. ضمن هذه المقولة نحاول مقاربة إشكالية بناء الدولة في المغرب
خلال القرن التاسع عشر. وإذا كنا نتناول الموضوع من زاوية الاستقراء التاريخي، فإننا نثير أسئلة الحاضر
بكل تعقيداته وملابساته وتناقضاته. تشكّلت الدولة المغربية على امتداد فترات تاريخية قديمة، وبلغت درجة من النضج في فترات الدول
العصبية (المرابطون والموحدون والمرينيون...)، وحققت الندية مع الدولة العثمانية في عهد السعديين مع
السلطان أحمد المنصور، حيث حافظ المغرب، على خلاف باقي الكيانات العربية، على استقلاله السياسي
وأوجه العسكري والاقتصادي. بانتقال السلطة السياسية إلى الأسرة العلوية، حافظت الدولة المغربية على ثبات مؤسساتها رغم بعض
فترات الاضطراب السياسي التي شهدتها بعض المناطق. ولم تشذ فترة القرن التاسع عشر عن النسق
العام الذي انتظمت فيه الدولة المغربية، إذ حافظت على بنائها العام. ويمكننا أن نستقرئ استقراء تاريخيًا
لمكوّناتها والعلاقات التي ربطتها بذاتها وبغيرها من فهم طبيعة الدولة المغربية الراهنة. اخترنا فترة القرن التاسع عشر موضوعًا لدراستنا باعتبار قربها من الفترة المعاصرة وعلى أساس غنى
الوثائق التاريخية التي كُتبت في أثنائها. وقد أغفلنا الاستقراء التاريخي لمؤسسة المخزن في الفترة السعدية
لأنه يستدعي رصد بدايات تشكّل الدولة المغربية خلال الفترات السابقة عنها، وخاصة في العصرين
المرابطي والموحدي والمريني والوطاسي، وهو ما يصرفنا عن محاولة حصر الموضوع من الناحية الزمنية. فما هي خصوصيات بناء الدولة المغربية خلال القرن التاسع عشر؟ وكيف نظرت إليها الدراسات
السوسيولوجية الاستعمارية؟ وما العلاقات التي كانت تربطها بالمكونات السياسية الداخلية؟ وهل تمكّننا
المقاربات التاريخية من فهم صحيح لأوضاعنا الراهنة؟ وإلى أي حد يمكننا القول ببنيوية الأزمة في مسيرة
بناء الدولة في تاريخنا الوطني؟
إشكالية الدولة في الدراسات السوسيولوجية الاستعمارية
تعدّدت الكتابات التاريخية التي تناولت موضوع المخزن المغربي وعلاقته بمفهوم الدولة، والأكيد أن
مصطلح المخزن لم يتحدد بمعنى واحد ومحدَّد. وإذا استعرنا مصطلحات الأصوليين، يمكننا الحديث
عن قضية ظنية الدلالة. وتجنح بنا الآراء والمواقف نحو هذا الاتجاه أو ذاك، بالشكل الذي يجعلنا أمام
مقاربات متعددة ومتباينة للمسألة. ونحاول في هذه الورقة استقراء النصوص التاريخية والتعقيب عليها
ونقدها والمقابلة بين أضدادها للوصول إلى تمثّل نظري لمفهوم الدولة المغربية خلال القرن التاسع عشر. قال روبير مونتاني (1954-1893) إن نفوذ الجهاز المخزني اقتصر على ما يسمّى بلاد المخزن، بينما ظل
القسم الكبير خارج نفوذه، تتصرف فيه قبائل السيبة. وينتمي هذا النوع من الكتابة إلى الأطاريح
الاستعمارية التي كانت تتوسل بالمقولات «العلمية» - في نظرها- لتسويغ الفعل الاستعماري، فألغت، بناءً
عليه، خاصيةَ توفير الأمن، وأثبتت ما رأته حالة من الاضطراب السياسي والأمني من خلال ما سمّته ظاهرة
السيبة (التمرد)، وأعطتها مفهومًا وشكالً من أشكال الانفصال والتمرد على سلطة المركز. وحاولت، بناءً
عليه، النيل من سيادة الدولة ومن قدراتها على توفير الأمن والاستقرار، والتأسيس لمقدمات مشروع
استعماري، كان يروم – بحسب هذا المفهوم - تحديث الدولة والمجتمع، والقضاء على الفوضى المزعومة. قريبًا من هذا المعنى تفتقت «عبقرية» مولييراس (1931-1855) الذي قال: «تتمتع جل المحافظات
بالاستقلال، ولا تعترف سوى بالسلطة الروحية لسلطان فاس... وتمثّل بلاد السيبة أربعة أخماس مساحة
المغرب، ويقتصر الخمس المتبقي على بلاد المخزن».
شكّلت هذه الأطروحة الاستعمارية إطارًا لكثير من الدراسات والمقالات التي حاولت التشكيك في قيمتها
«العلمية»، وهي ترى أن «تصنيف المجتمع القروي المغربي، مثالً، وفق بعض المفاهيم (جماعة، وتاقبيلت،
وقبيلة، ولف..) أو تقسيمه وفق بعض الثنائيات: قبيلة - زعامة فردية، وسيبة - مخزن، وعرب - بربر.. ليس
2 Robert Montagne, Les Berbères et le Makhzen dans le sud du Maroc: Essai sur la transformation politique des Berbères sédentaires (Paris: F. Alcan, 1930), p. 385. 3 Auguste Mouliéras, Le Maroc inconnu: Etude géographique et sociologique , 2 vols. (Paris: J. André, 1895-1899), vol. 1: Exploration du Rif (Maroc septentrional) , p. 47.
عيبًا في حد ذاته إذا كان يحمل مضمونًا إمبريقيًا (تجريبيًا)، إالّ أنه وصل إلينا مبلورًا في نظرة جزئية للواقع..
جتُرّد المجتمع من ديناميته وخصوبته لتجعل منه هيكالً تنظيميًا جامدًا يُرضي العقل، لكنه يعجز عن تأطير
الواقع»، وإن كنا نرى أنه، أحيانًا كثيرة، لا ينسجم مع منطق الأشياء وحقيقتها، ولا يساير مقتضيات العقل. وقد تحدث دوتي قائالً: «من الصعب على المسيحي أن يصدر حكامً على المسلم، فأفكارنا الغربية المسبقة
تغشي أبصارنا، رغم مقاومتنا لها، إنها تجعل تقواه تزمتًا، وزهده كسالً، وحذره لامبالاة، واستسلامه قضاء
وقدرًا، وتعاضده عصبية». ويقول منصف وناس: «تبدو الدولة الوطنية في المغرب.. ظاهرة مركّبة
ومستعصية.. و.. تبدو، أيضًا منفلتة من الخضوع النهائي والدقيق للمقاربات النظرية والمنهجية».
وتتضح عناصر الاضطراب المنهجي في العديد من المقاربات؛ ففي مجال ممارسة السلطة، تحدث أكيل
فيلياس (1881-1821)، سنة 1860، عن «أن سلطان المغرب كان، في آن معًا، حاكامً ومشرّعًا أعلى،
ولم يكن يعتمد في ذلك إالّ على القرآن»، وكأن القرآن يمنح السلطان مشروعية السلطة المطلقة، كما
كانت تفعل الكنيسة الكاثوليكية وهي تبارك استبداد أمراء الإقطاع في أوروبا الفيودالية وتجني المكاسب
والمغارم المادية، بفعل تحالفها الاستراتيجي مع مؤسسي «نظرية الحق الإلهي». من الأخطاء المنهجية الكبرى الحكم على النص القرآني انطلاقًا من أزمنة التراجع والتخلف. ولا شك
أن المغرب، كغيره من دول العالم الإسلامي، لم يخرج خلال هذه الفترة عن النسق العام الذي أطّر هذه
الأزمنة وأنتج هذا التخلّف. ولم تكن الدولة في مغرب القرن التاسع عشر، بممارستها السياسية والإدارية
والاقتصادية المختلفة، منتَجًا خالصًا لثقافة النصوص القرآنية وتعاليمها وروحها.
من هذا الجانب وغيره، يمكن القول إن الخلل في المقاربات الأوروبية يكمن في قراءة مضامين المؤسسات
في المغرب، انطلاقًا من تجارب أوروبية سابقة في المجال والزمن، عندما غاب مفهوم الدولة - الأمّة في
أوروبا طوال فترة العصور الفيودالية. وكانت التقارير الأوروبية ترى في الحالة المغربية نموذجًا يذكِّر
الأوروبيين بزمن الفوضى الإدارية الذاتية قبل أن يتمكنوا من تشكيل واقع الدولة المركزية، بكل ما تعنيه
من حمولات فكرية وتعاقدات سياسية واجتماعية.
مفهوم الدولة ووهم المخيال الأوروبي
لم تظهر كلمة الدولة في النسق السياسي الأوروبي إالّ في حدود القرنين الخامس عشر والسادس عشر.
وكانت تدل على شكل تنظيم الحقل السياسي الذي أخذ يتطور مع حركة النهضة الأوروبية. وقد عرَّف
ماكس فيبر (-1864 1920) الدولة، في كتابه الاقتصاد والمجتمع، بأنها «مقاولة سياسية بمواصفات
مؤسساتية»، تضمن تطبيق القوانين عن طريق الجيش والعدالة والأمن. وبحسب معجم الأكاديمية
الفرنسية سنة 1696، فإن الدولة «تعني حكومة الشعب، الخاضعة لسيطرة الأمير، أو الرئيس». وفي
4 ناجم مهلة، «نظام التحالف التقليدي وظهور الزعامات الفردية في المغرب الشرقي (1876-1842)،» في: المغرب الشرقي بين
الماضي والحاضر: الوسط الطبيعي، التاريخ، الثقافة، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة. ندوات ومناظرات (وجدة،
المغرب: جامعة محمد الاول، كلية الآداب والعلوم الانسانية، 1988)، ص.473
5 دانييل ريفي، «خطاب الفوضى المغربية وتنوعاته في بداية القرن العشرين،» ترجمة محمد المؤيد، أمل، السنة 2، العدد 5 (1994)، ص.9
6 المنصف وناس، الدولة والمسألة الثقافية في المملكة المغربية (تونس: المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات، 1991)، ص.19
7 Achille Fillias, L’Espagne et le Maroc en 1860 (Paris: Poulet-Malassis et De Broise, 1860), p. 76. 8 Max Weber, Economie et société (1921), p. 97, sur le site électronique: <http://fr.wikipedia.org/wiki/Etat#_ref2>. 9 «État,» sur le site électronique: <http://fr.wikipedia.org/wiki/Etat#_ref-2>.
القرن التاسع عشر، اكتسحت معاني الدولة القومية أو مفهوم الدولة - الأمّة حقول التداول السياسي
والقانوني. وصُنفت المدوَّنات الدستورية والحقوقية، ونشأت مدارس متباينة في تحديد مفهوم الدولة
داخل نسق منظومة الغرب الفكرية، وهو مفهوم تأسس على منطق مركزية الحكم وتوحيد القوانين
والجبايات والضرائب وغيرها.. لم تكن الإسقاطات الذاتية، المتشبعة بنواميس تحوّل الدولة في أوروبا، غائبة في أثناء نحت مصطلح
السيبا، في المغرب، لدى الرحالة والأدباء والجواسيس الأوروبيين؛ فكان من الطبيعي أن يعقد هؤلاء،
بوعي وبغيره، حالة المقارنة بين نمطين إداريين مختلفين في التسيير، فجاءت معالجتهم لآليات السلطة
ومضمونها في المغرب محكومة بالانطباعات الذاتية أكثر ممّا هي محكومة بتمثيل الواقع وتصويره بتجلياته
الحقيقية والموضوعية. وأجمل دانييل ريفي (Daniel Rive) -1942(....) هذه الانطباعات، قائالً: «.. وباختصار إن هذه
الإمبراطورية الشريفة [بهذا الشكل]، ليست سوى وهم نسجته المخيلة الأوروبية». من جانب آخر افتتح ميشو بيلير (1930-1857) دراسته لمنطقة الهبط، قائالً: «غالبًا ما يتم تقسيم المغرب إلى مجموعتين: بلاد المخزن، وهي المنطقة الخاضعة للسلطان، وبلاد السيبا، البلد
المستقل حيث يبَرزُ نفوذ السلطان الديني، إالّ أنه لا يمارس أيَّ سلطة إدارية». وعقَّب على ذلك موضّحًا:
«توجد في المغرب، من دون شك، جهات خاضعة للمخزن وأخرى غير منقادة، لكن يصعب الفصل الدقيق
لحدود كل منهما. وهنا تكمن إحدى القضايا التي تعقد دراسة المغرب من وجهة نظر أوروبية ». وفي مقالة مركّزة أشار سالمون قائالً: «يضم المغرب، بالطبع، مناطق خاضعة للمخزن وأخرى غير
خاضعة. لكن العديد من الفروق الدقيقة تُعدل بشكل واسع من القيمة النسبية للمصطلحين من نقطة
ترابية لأخرى». وفَّ معقبًا: «وهكذا تتحول القبيلة من مبدأ الخضوع للحكم المحلي في زمن معنيّ
إلى الجنوح نحو الفوضى في زمن آخر». كما حاول التشكيك في قيمة الانفصال التي قال بها بعض
المنظّرين الاستعماريين موضحًا ما يلي: «تبين الملاحظات الدقيقة بخصوص قبائل الأنجرة القريبة
من طنجة أن أفرادها كانوا أحيانًا رعايا للسلطان وأحيانًا أخرى ثوارًا». وهو قول يقترب من
الموضوعية ومن مضمون معظم الكتابات المغربية المعاصرة التي نسجت مقولاتها ضمن منطق الرد على
الأطروحات الاستعمارية. على مستوى آخر نقرأ مضمونًا آخر لمفهوم المخزن، وخاصة لدى الرحالة الفرنسيين، وفي مقدمتهم بيير
لوتي (1850 - 1923) الذي مثّل وصفه للمغرب نقطة التقاء بين المجال الأدبي كنص إبداعي، والمجال
10 ريفي، ص.84
11 Edouard Michaux-Bellaire, Quelques tribus de montagnes de la région du Habt , archives marocaines; 17 (Paris: E. Leroux, 1911), p. 13.
12 المصدر نفسه، ص.13
13 Georges Salmon, Essai sur l’histoire politique du Nord-Marocain , archives marocaines; 2:1 (Paris: E. Leroux, 1904), p. 1.
14 المصدر نفسه، ص.1
15 المصدر نفسه، ص.1
16 Roland Lebel, Les Voyageurs français du Maroc: L’Exotisme marocain dans la littérature de voyage , bibliothèque de culture et de vulgarisation Nord-Africaines (Paris: Librairie coloniale et orientaliste Larose, 1936).
السياسي الاستعماري كهدف وغاية؛ فقد اختاره السفير الفرنسي جول باتنوتر (1925-1845) الذي
كان في مهمة دبلوماسية إلى فاس سنة 1889، للقيام بهذا الدور. وكان هو نفسه مقتنعًا بذلك. ولا غرابة
أن نتفق مع إدوارد سعيد عندما اعتبر الإنتاج الأدبي، رغم قيمه الجمالية، نصًا استشراقيًا خالصًا، وُظّف
لخدمة طموحات استعمارية محددة.
أتقن لوتي ميزة الوصف في كثير من إبداعاته الأدبية السابقة، ولذا لم يكن مستغرَبًا أن يلجأ إلى تقديم
خدماته الوصفية للسفير الفرنسي باتنوتر، وإلى بدء كتابه بالعبارة الآتية:
«... أيها المغرب المعتم، فلتبق دائامً مغلقًا وعصيًا على الانفتاح على الأشياء الجديدة، ولتُدر ظهرك لأوروبا
ولتعش على ذكرياتك الماضية. نم طويالً واستمر في حلمك القديم حتى تكون-على الأقل- البلد الأخير
حيث يقوم الرجال بأداء صلواتهم... وحتى يحفظ الله للسلطان حدوده المنفلتة وقفاره المفروشة بالورود،
وصحاريه المقفرة ليتمكّن، عبر هذا الفضاء الشاسع، من نقل فرسانه والقيام، كما كان سابقًا، بمحاربة
المتمردين وقطع رؤوس الثوار».
تماهى فايزغيربر (1946-1868) من جانبه مع هذا النص، بل صدَّر به كتابه. وبشكل ميكانيكي
حاول التمييز بين المسافة التي كانت تفصل بين المخزن والمنظومة القبلية، وقسم هذه الأخيرة إلى
ثلاث مجموعات:
فإذا كانت المجموعتان الأولى والثانية مصنفتين ضمن ثنائية التبعية والانفصال، فإن الطبيب/الجاسوس
يضيف مجموعة ثالثة سامّها شبه مستقلة، وضمَّنها قبائل الأنجرة وجبالة، وآيت يوسي، وجزءًا من قبائل بني
مطير، وكروان.. ويضيف إليهم القواد الكبار أمثال الجلاوي والكندافي والمتوكي... وتدل هذه الرؤية على
انقسام في الذات المنتجة للخبر الوصفي، وفقدانها لخاصية الموضوعية في أثناء مقاربتها قضايا رمزية السلطة
المخزنية في علاقتها بالتشكيلات القبلية المتباينة. وتتضح عناصر الاختلال من ذكره لبعض الوظائف التي
كانت تقوم بها القبائل الريفية، «المستقلة» في منطق فايزغيربر، فقد كانت تنتخب من فقهائها قضاة يفصلون
بين أهله في ما يحدث من النزاعات على وجه شرعي، وتلتمس من السلطان إقرارهم، فإذا اطمأن السلطان إلى
كفايتهم بعث إليهم ظهائر يقرهم بها على خطة القضاء بالقبائل، ويسدي إليهم نصائحه وتوجيهاته.
تساؤلات وانتقادات
من هذه الظهائر التي أشرنا إليها سالفًا ظهير يقر به السلطان مولاي الحسن الفقيه السيد الحسين بن
أحمد ترينت على القضاء بقبيلة بني توزين - بدائرة الريف من إقليم الناظور- موصيًا إياه بالتسوية بين
الخصمين والتزام مذهب الإمام مالك بن أنس في الأحكام.
17 تمت سفرة باتنوتر إلى فاس سنة 1889 في ظروف تخوف الدبلوماسية الفرنسية من مؤازرة ألمانيا لتجديد التحالف الثلاثي بين إنكلترا
وإيطاليا وإسبانيا. فدفعها ذلك إلى التخلي عن لغة التهديد العسكري، وتعويضه بأسلوب المناورة، التي احتاجت إلى جمع أكبر قدر من
المعلومات عن المغرب. وفي هذا الإطار تم تكليف لوتي بمهمة الوصف/التجسس.
18 Pierre Loti, Au Maroc , présentation de Denise Brahimi (Paris: La Boîte à documents, 1988), p. 95.
19 فايزغيربر (F. Weisgerber) (1946-1868)، طبيب ألماني، كان يرافق المحلات المخزنية، الأمر الذي سمح له بجمع معلومات دقيقة
عن الحوادث التي عرفها المغرب، وخاصة في عهد المولى عبد العزيز والمولى عبد الحفيظ. وقد أشار إليه لوي أرنو Louis Arnaud) (عند حديثه
عن محلة السلطان المولى عبد العزيز سنة 1897، التي كانت في مهمة في حدود تادلة والشاوية، وتكلف بمعالجة مرض الوزير باحماد. انظر:
Louis Arnaud, Au temps des Mehallas, ou le Maroc de 1860 à 1912 (Casablanca: Éditions Atlantides, 1932), p. 126. 20 Frédéric Weisgerber, Au seuil du Maroc moderne , notes et documents (Rabat: Les Éditions la Porte, 1947).
21 المصدر نفسه، ص.96
22 عبد الوهاب بن منصور، معد، الوثائق، مج 3 (الرباط: مديرية الوثائق الملكية، 1976)، ص.463
وبخصوص قبائل الأنجرة، كتب أعيانها رسالة إلى وزير الخارجية السيد محمد بركاش، تتعلق بطغيان
مغربي محتم بالبرتغال وتعكيره صفو الهناء في القبيلة، «يلتمسون منه أن يتخابر مع السفير البرتوكالي،
بقصد وضع حد للتوتر السائد بالقبيلة بسبب هذا الشخص الذي يدعي حماية دولته». إذا كان تاريخ العلاقة بين السلطة والقبائل يتأرجح بين الاستقرار والاضطراب، فهل التمرد والثورة، في
منطق لوتي وغيره، دليلان على غياب الإدارة والدولة؟ ألم توجد الدولة لمواجهة التمرد والثورة، وضبط
إيقاع التوازن المجتمعي؟ ألا تستدعي الانتفاضات، نظريًا، ضرورة وجود جهاز سياسي يتم الاختلاف
معه في قضية من القضايا المتعلقة بالتسيير والتدبير؟ ألا يمكن القول أيضًا إن حالات «الانفلات الأمني»
منحت السلطة مسوغات الوجود من خلال الحركات التي كانت تُصنف ضمن عمليات الضبط التأديبية
ضد ما يمكن نعته، في الأدبيات المخزنية، ب«الفُسَّاد».
من جانب آخر، كان المخزن، عبر عيونه وجواسيسه، يدرك تفاصيل الخلافات والصراعات بين القبائل،
فكان يتراخى أحيانًا في التدخل لحلها، بغية إيجاد حالة من الفوضى التي تستدعي تدخله ووساطته،
والاعتراف بدوره السياسي والرمزي. وكان الهدف الأخير، بالنسبة إليه، «استتباب الأمن بربوع البلاد،
لأن سيادته تؤدي إلى الازدهار الذي يخلق فائضًا للقيمة، تدفع منه الضرائب». كما يمكن القول، بالمعنى نفسه، إن القبائل والزعامات المنتفضة كانت تروم لفت انتباه الدولة إلى
مشكلاتها الأمنية والجبائية، وهو ما يدل في حد ذاته على عدم إمكان تجاوز أدوارها التاريخية، وكانت ترى
في علاقتها بالدولة شرًا لا بد منه. وهكذا، فإن «جميع الصراعات التي خاضتها قبائل زمور مع المخزن
كانت تبتدئ بمقاومة عنيفة وتنتهي بطلب الشفاعة». ولا شك أن بعضًا من منظّري «الاستقلال» عن
الإدارة المخزنية، كان، من جهة يثبت الانتفاضة والفوضى ورفض الانصياع لقرارات السلطة، ومن جهة
أخرى، يتنكّر لطلب الشفاعة، كرمز للتبعية والإلحاق الذي غالبًا ما كانت السلطة تقبله برضى وارتياح.
وقريبًا من هذا المعنى استدرك لوتي، وتحوّل من مجرد أديب انطباعي إلى واصف دقيق لقبائل زمور التي كانت
في انتفاضة مفتوحة ضد حكومة فاس والسلطان نفسه عندما يرحل بصحبة 30.000 رجل يتفادى
منطقة استقرارها. تعترف القبائل الثائرة، في منطق لوتي، بسيادة السلطان، لكنها تنتفض ضد الضغط الضريبي الذي يمارسه
القواد. وعندما تتعرض قوافل وممثلو المخزن للنهب، فإن ذلك لا يدل على الاحتجاج ضد السلطة
بقدر ما هو نفور لمستلزمات الانصياع لها من قبيل أداء الرسوم الواجبة. وبخصوص هذه المجموعة
23 عبد الوهاب بن منصور، معد، الوثائق، مج 4 (الرباط: مديرية الوثائق الملكية، 1977)، ص 451-450. وقد أورد في آخر
الرسالة، ص.451
24 عبارة الفساد كان يطلقها المخزن على من كان يسعى إلى الفساد الأمني والسياسي والاقتصادي وعلى المعارضين السياسيين والرافضين
لامتثال قراراته الجبائية وغيرها.
25 مصطفى بوشعراء، علاقة المخزن بأحواز سلا: قبيلة بني أحسن، 1912-1860 (الرباط: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1996)،
ص.64
26 Rahma Bourqia, «La Caïdité chez les tribus Zemmour au 19éme siécle,» Bulletin économique et social du Maroc , no. 158 (1986), p. 138. 27 Loti, p. 95.
28 المصدر نفسه، ص.204-203
29 Rahma Bourqia, «Vol, pillage et banditisme dans le Maroc du XIXe siècle,» Hespéris Tamuda , vol. 191, no. 2 (1991), p. 263.
القبلية، احتاجت السلطة إلى تسيير إداري خاص، اهتم بتعيين واحد وعشرين قائدًا لكل مجموعة، وهو
تقسيم يهدف إلى تحقيق أكبر درجة من الضبط المجالي لرمزية امتداد السلطة الإدارية، ومراقبة الأخطار
التي يمكن أن تثيرها القبيلة أمام السلطة المخزنية.
الدولة ومسألتا البيعة والتحكيم
حاولت الكتابات الوطنية تأكيدَ وجود دولة مغربية، معتمدةً في ذلك على الوثيقة التاريخية، وما تحمله
هذه الأخيرة من مضامين سياسية وإدارية، ومنها كتابات محمد الحبابي وجرمان عياش ومحمد عابد
الجابري وأحمد التوفيق وغيرهم. وأكدت مبدأ خصوصية النظام السياسي والإداري والقانوني
لمؤسسة السلطان، وقالت إن «القانون المغربي لم يعرف إالّ سلطة وحيدة ممثّلة في سلطة الأمة». وتخوّل
هذه الأخيرة للسلطان إرادة الفعل المقيد بعناصر منضبطة، تأسست، عبر مختلف العصور، على منطق
البيعة والالتزامات المتبادلة بين الأطراف المتعاقدة بالمعروف. تُعتبر أي مقاربة لمفهوم الدولة المغربية غير ذات فائدة إذا تم تناولها بمنظار تماثلي مع نموذج الدولة القومية
في دول أوروبا الغربية خلال القرن التاسع عشر، بل «إن لغة المخزن.. مجرد خزان لرموز ذات دلالات تعربّ
عن تصورات خاصة.. إن ما تدل عليه هنا هو أن المشروع الذي كان يحرك السلطة المركزية منذ قيامها على
أساس ديني هو مشروع تأسيس الدولة الإسلامية، ممّا يجعل الوحدة المغربية هنا هي بالدرجة الأولى وحدة
ثقافية وروحية، يكون الدين الإسلامي محورها الأساسي، أكثر منها وحدة إدارية». ويفتح أمامنا هذا
المفهوم ضرورةَ مقاربة صورة الدولة الإسلامية كما تجلّت في مدوّنة الأحكام السلطانية. ونكتفي بالقول،
هنا، إن «مشروعية السلطان قائمة على مفهوم البيعة والإمامة. والبيعة، كما هو معلوم عقد بين السلطان
ورعاياه ينص على التزامات الطرفين». ويكتسي العقد في مدوّنة الأحكام السلطانية طابع الإلزام،
وأحيانًا الإكراه للحفاظ على وحدة السلطة وتجنّب الفوضى والفتن والاضطراب.
احتلّت الإشارات الرمزية مكانة متميزة في مشهد العلاقة بين السلطة وبعض القبائل التي كانت لها
وضعيتها المجالية الخاصة. هنا، السلطان «لا يحكم بواسطة القائد والجابي والشريف فقط، بل يحكم
بواسطة الرسالة والظهير». ضمن هذا الإطار، أيضًا، يمكننا قراءة معاني بيعة أهل تلمسان للسلطان
30 Bourqia, «La Caïdité chez les tribus Zemmour,» p. 132. 31 Mohamed Lahbabi, Le Gouvernement marocain à l’aube du XXe siècle , préf. de M. Mehdi Ben Barka, 2 eme éd. (Casablanca: Ed. maghrébines, 1975).
32 جرمان عياش، دراسات في تاريخ المغرب (الدار البيضاء: الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1986)، ص.162
33 محمد عابد الجابري، المغرب المعاصر: الخصوصية والهوية، الحداثة والتنمية (الدار البيضاء، المغرب: مؤسسة بنشرة؛ بيروت: المركز
الثقافي العربي،.)1988
34 أحمد التوفيق، مساهمة في دراسة المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر: إينولتان، 1912-1850، منشورات كلية الآداب والعلوم
الإنسانية بالرباط. أطروحات ورسائل؛ 1 (الدار البيضاء، المغرب: دار النشر المغربية،.)1980
35 Lahbabi, p. 66.
36 رحمة بورقية، الدولة والسلطة والمجتمع: دراسة في الثابت والمتحول في علاقة الدولة بالقبائل في المغرب (بيروت: دار الطليعة،
1991)، ص.26
37 أحمد التوفيق، «صلحاء وسلاطين، دينامكية السلطة في المغرب قبل الحماية،» في: عمر أفا [وآخرون]، وقفات في تاريخ المغرب:
دراسات مهداة للأستاذ إبراهيم بو طالب، تنسيق عبد المجيد القدوري، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط. أطروحات
ورسائل؛ 27 (الرباط: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2001)، ص.411
38 عبد الرحمن الموذن، البوادي المغربية قبل الاستعمار: قبائل إيناون والمخزن بين القرن السادس عشر والتاسع عشر، منشورات كلية الآداب
والعلوم الإنسانية بالرباط. رسائل وأطروحات؛ 29 (الرباط: جامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1995)، ص.243
عبد الرحمن بن هشام (1859-1789) كرمز من رموز الوحدة الثقافية والروحية بين المسلمين،
والتداعيات التي آلت إليها العلاقات المغربية الفرنسية جرّاء هذا التضامن الذي انتهى بمعركة إيسلي،
ونتائجها السلبية على الطرفين. لم يكن المخزن موجودًا وراء كل حجر وشجر، ولم تكن سلطته مطلقة استبدادية، في صورتها الأوروبية
خلال العصور الوسطى، لاعتبارات مجالية جغرافية، وبسبب تركيبة المجتمع المغربي الإثنية المتنوعة التي
احتاجت إلى سلطة تحكيمية محايدة وإلى إطار مرجعي سياسي قائم على منطق البيعة والمولاة بالمعروف. تحدث جرمان عياش عن الوظيفة التحكيمية للمخزن كشكل من أشكال ممارسة السلطة؛ فإذا كانت
القبائل تخوض الحرب، «فإنها لم تكن تخوضها من أجل التسلية أو النزعة الفطرية. لقد كانت تكابدها
كجائحة لم تكن لتعرف سبل الاحتراز منها لو تُركت وشأنها، وهذا ما كرس الحاجة لديها إلى اللجوء إلى
سلطة تتجاوزها، وتتجسد هذه السلطة في شخص السلطان».
المخزن والثقافة التشاركية في تعيين القواد والممثّلين
يمكن القول إن بعض شيوخ الزوايا كانوا يتصدرون لأداء الدور التحكيمي نفسه لاعتبارات معنوية، إالّ
أن ذلك لم يكن ليتم من دون تفويض من السلطان: «وعندما يُنزع هذا التفويض من شيخ الزاوية، يصبح
هو نفسه بحاجة إلى الحماية. وأبرز مثال على ذلك مشكلة عبد السلام الوزاني، فقد كان يشتغل قبل سنة
1860 م منصب نائب السلطان في أقاليم الشمال، وإقليم توات، إالّ أنه فقد تأثيره داخل البلاط حينما أظهر
تطرفًا أدى إلى حرب 1860-1859 م ضد الإسبان». ما يمكن قوله في هذا المقام هو أن المخزن، وإن كانت قراراته تستأنس بمبدأ التشاور، فإنه لم يبنِتصوراته
السياسية والإدارية على مبدأ الإشراك المستمر والدائم للعناصر القبلية والدينية في صناعة القرار السياسي،
وهو ما ألغى إمكان توفير شروط تراكم كفيلة بنشأة فئة مجتمعية، تنافس المخزن، وتعينه على بلورة رؤية
تنموية ذات عمق اجتماعي فعال وإيجابي؛ فكانت مؤسسة السلطان الثابت الوحيد الذي لا يتحول، وما
عداه، يضحي متغيرًا، من ممثلّي الزوايا والوزراء والسفراء والقواد وغيرهم. من جانب آخر، إذا كان القائد، ممثلُ السلطان في القبيلة، يستمد قوته ونفوذه من تمثيليته للمخزن، فإن
تنزيلَ سلطته وممارستها على مستوى الواقع «لا يمكنه أن يتحقق من دون رضى قبيلته»؛ وفي حالة
قبائل زمور، لم يكن تعيين القواد خاضعًا لقرارات فوقية، بل امتثل ل«انتخابات محلية، الأمر الذي جعلهم
يحظون بنوع من الشرعية». بسبب التركيبة القبلية للمغرب، والعمق التاريخي الذي زاد من صلابتها، كان من الصعب تعيين القواد
مباشرة من قبَل المخزن؛ «إذ تخضع تسميتهم لعديد من المفاوضات والمشاورات، سواء فيما بين المخزن
وممثّليه المحليين الآخرين من قواد وأشياخ مجاورين، أم أعوانه غير الرسميين كالأشراف. وتوازي هذه
39 عياش، دراسات في تاريخ المغرب، ص.162
40 عبد الله العروي، «العلاقة بين الزوايا والمخزن في مغرب القرن 19،» ترجمة نوال متزكي، أمل، السنة 8، العددان 23-22 (2001)،
ص.17
41 Bourqia, «La Caïdité chez les tribus Zemmour,» p. 137.
42 المصدر نفسه، ص.137
المشاورات العمودية مفاوضات أفقية محلية، فيما بين أعيان المجموعة المعنية، بتعيين القائد الجديد. ولا
يكون التعيين في غالب الأحيان سوى إضفاء الصفة الرسمية المخزنية على سلطة محلية واقعية سابقة
على التعيين». خضع هذا الانتخاب لمجموعة من المعايير، ومنها معيار الثروة؛ ذلك أن هذا المنصب فرض على القائد
مجموعة من الالتزامات المادية، وفي مقدمتها «تحمّل أعباء الخدمة المخزنية التي تلزمه بضيافة الموفدين
والنازلين، ومرافقة المحال والحركات والالتحاق ثلاث مرات على الأقل بالقاعدة التي يوجد بها السلطان
لأداء واجب التهنئة والهدية بمناسبة الأعياد الثلاثة». إن المجال الترابي ل«المشروعية المخزنية أوسع بكثير، في كل الظروف، من المجال الذي يمثّله فيه عمال
دائمون أو من المجال الجبائي... بيْدَ أن ممّا يُغني فهم البنية المخزنية تكيفها مع البُنى الحضرية المتشعبة
بالنواميس المكتوبة ومع البنى القروية العاملة بأعراف جماعية يقوم إنفاذها على آليات التوازن المتجدد
على الدوام». وفي هذا السياق لم يمارس المخزن سياسة ثابتة تجاه ممثلي القبائل من قواد ووسطاء، كما لم
ينهج هؤلاء القواد نفس درجة العلاقة مع مؤسسة السلطان. وتكفي الإشارة هنا إلى القائد ابن الغازي
الزموري؛ فقد عاصر كلاًّ من المولى سليمان والمولى عبد الرحمن، وإذا كان دوره أساسًا في إنجاح فعالية
التحالف الذي أقامه مع قبائل كروان وآيت يدراسن، التي واجهت عسكريًا المولى سليمان، فإنه سيتحول،
هو نفسه، إلى أحد أبرز مستشاري المولى عبد الرحمن (1859-1789)، وهو ما يدل على المرونة في تغيير
المواقع والمواقف تجاه السلطة المخزنية. كان المخزن في غالب الأحيان «عاجزًا عن المراقبة الشاملة لمجال الدولة السياسي، بالرغم من وجود
امتدادات ومؤسسات ووسطاء قادرين على القيام بذلك. إن سلطة المخزن تتمظهر عبر تراتبات رمزية
وإدارية بيروقراطية تطورت ابتداء من 1860 م».
الحركة العسكرية وسياسة القرب السياسي والإداري
تعددت الحركات العسكرية في عهد الحسن الأول (-1873 1894) نحو العديد من المجالات الحضرية
والقروية. واستهدف هذا التعدد تأكيد الوجود المخزني وتقريب كاريزماتية السلطة، وتوجيه إشارات
«العز والصولة» لأعداء الخارج وتمردات الداخل. كما عرف هذا العهد تعدد العواصم وتنقلها. ووظف
الحسن الأول (-1873 1894) ذلك كإحدى الآليات الفاعلة لترويض المجال السياسي، «فكل عاصمة
هي نقطة استدلال لحركة السلطان في المجال، ويرمز التعدد المكاني هنا إلى تعدد نقط الاستدلال هذه؛ إذ
كوّنت كلٌّ من مراكش والرباط ومكناس وفاس عواصم لعصر الحسن الأول». لم تكن الحركة وسيلة لجمع الضرائب، «بل كانت إدارة مخزنية متنقلة يعالج السلطان، بمناسبتها ومن
43 الموذن، ص.257
44 المصدر نفسه، ص.255
45 مصطفى الشابي، النخبة المخزنية في مغرب القرن التاسع عشر، ترجمة أحمد التوفيق (الرباط: جامعة محمد الخامس، منشورات كلية
الآداب، 1995)، ص.23
46 الهادي الهروي، القبيلة، الإقطاع والمخزن: مقاربة سوسيولوجية للمجتمع المغربي الحديث، 1934-1844 (الدار البيضاء: إفريقيا
الشرق، 2005)، ص.142
47 بورقية، ص.29
خلالها، مشاكل مختلف مناطق البلاد معالجة مباشرة... ولم يكتف الحسن الأول بالحركة كوسيلة لتدعيم
سلطة الدولة المركزية ونشرها بل أضاف إلى ذلك تقسيم البلاد إلى مناطق صغرى عنيّ على كل منها قوادًا
وباشوات صغارًا». لم يأخذ منحى العلاقة بين الدولة والقبائل اتجاهًا واحدًا؛ فإذا كانت حالات الاضطراب موجودة ومثبتة
في الأدبيات التاريخية، فإنها لم تمثل ناموسًا مستمرًا، يصح معه القول بوجود مؤسسة السيبا، بشكل دائم
ومستمر على مستوى المجال والزمن.
شعرة معاوية بين المخزن والقبائل
لم تكن التشكيلات القبلية المغربية تتطلع إلى الاستقلال، وكان تمردها يدل، في الحقيقة، على رفضها الوهن
الذي أصاب أركان الدولة بفعل التسربات الأوروبية التي نالت من قدسية مؤسسة السلطان والدولة
ورمزيتهما. ويمكن القول إن انتفاضاتها لم تكتس طابع التنظيم، ولم تحمل مشروعًا مجتمعيًا وسياسيًا بديالً
للنظام القائم؛ فقبائل زمور، التي اشتهرت بانتفاضاتها ضد المخزن الحسني، لم تتردد، بعد وفاة المولى
الحسن الأول (1894-1873)، في إرسال وفد من القبائل المحلية، يتألف من «مائتي فارس، فتبرأوا
أوالً ممّا شهدته مناطق الغرب من أعمال اللصوصية قبيل وفاة المولى الحسن، وهنأوا ابنه وخلفه بالسلطنة
وأعلنوا له خضوعهم، ثم رحبوا باستعدادهم لضمان عبور محلة السلطان لأراضيهم إلى فاس في الأمان
التام، وفي اليوم نفسه، تقدم وفد من قبيلة زعير فرفع التهاني وسلم الهدايا إلى العاهل الجديد». ظلت شعرة معاوية ممتدة بين المخزن والقبائل الثائرة، وهو ما دل على وجود شكل من أشكال التعاقدات
السياسية اللامرئية بين الطرفين؛ فقد كان بعض أهالي القبائل لا يترددون في تأجيج الاضطرابات «متى
شعروا أن تدبيرًا سلطانيًا ا ذ لغير مصلحتهم أو لحرمانهم من حقوق اكتسبوها. وعلى العكس كانوا عونًا
للسلطان في إطفاء نيران الفتن مقابل تحريرهم من الوظائف والإنعام عليهم بجزء من مال الدولة وبظهائر
التوقير والاحترام». استطاعت الدولة المغربية تدبير عناصر الاختلاف بالحيل الدبلوماسية والرموز المعنوية والقوة المادية.
ويبدو أنها استفادت، من ذلك، في الحفاظ على استمرارية رمزيتها، من خصوصيات هذه الفسيفساء، التي
اتسمت بالتنوع والتعدد، وأحيانًا بالصراع المادي والمعنوي، وهو ما أفسح أمامها مجاالً واسعًا للمناورة
على المستوى الداخلي.
الحاجب باحماد ومفهوم المخزن ناظرًا إلى نفسه
تختلف المقاربات التي تناولت مفهوم المخزن/الدولة من زوايا متباينة ومن خلال رؤى ومرجعيات ثقافية
وأيديولوجية متعددة. وأحسب أن الحاجب الوزير باحماد (حكم 1900-1890) تفوق وأتقن، بشكل
كبير، وصفَ هذه المؤسسة والعلاقات التي نسجتها، عبر سلطة القواد، مع أطياف المجتمع المختلفة.
48 عبد السلام الحيمر، النخبة المغربية وإشكالية التحديث (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2001)، ص.115
49 خالد بن الصغير، بريطانيا وإشكالية الإصلاح في المغرب، 1904-1886 (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2003)،
ص.373
50 مصطفى بوشعراء، الاستيطان والحماية بالمغرب، 1894-1863، 4 ج (الرباط: المطبعة الملكية، 1984 1987-)، ج 1، ص.24
ففي إحدى أحرج اللحظات التاريخية التي مر بها المغرب السياسي، والمتمثّلة في وفاة المولى الحسن الأول
(-1873 1894)، والتهيؤ لمبايعة ابنه المولى عبد العزيز (-1878 1943)، وما صاحب ذلك من تكتم
ودسائس وصراعات، جمع الحاجب رموز الدولة وممثّليها على المستوى المركزي والإقليمي، ووجّه خطابه
مباشرة إلى القواد، قائالً: «فلتسمعوني جيدًا أيها القواد، ماذا نقصد بالمخزن؟ إنه خيمة كبيرة، تشبه هذه
التي نجتمع داخلها اليوم، وتحتاج، لبقائها قائمةً ومقاومةً للعواصف، لكل دعاماتها الرئيسة: «فالسلطان هو السارية المركزية، أو الجذع الضخم لشجرة الأرز، الذي يرفع هذه الخيمة عاليًا. لكن مجموع
الأوتاد المبثوثة في الجنبات، التي تشد الحافات الممدودة وتمنع الرياح من رفعها هم أنتم أيها القواد»... بكلمات مقتضبة، وتصوير بارع ومعربّ، وبمرجعية البيئة المحلية، تدرك خصوصيات النظام السياسي،
وحجم الأخطار المحدقة به، نجح باحماد في مقاربة مفهوم المخزن. ويأتي التعريف هنا من شخصية لا
يمكن الجدال في حنكتها السياسية وإدراكها طبيعة النظام السياسي وآلياته في المغرب، في أثناء الفترة
موضوع الدراسة. ولتوضيح «نظرية باحماد»، يمكننا القول إن بنية المخزن حملت صفات المرونة، بشكل
يسمح لبناء الخيمة/ الدولة بالتموج والاهتزاز، من دون الانهيار، وبتغيير قطع الغيار/الأوتاد/القواد،
من دون النيل والمساس بالسارية المركزية/السلطان. يمكن أن تحدث ثقوب في الخيمة، كما يمكن لزوابع رملية أن تؤثر في بعض أطرفها، أو تزيل بعض أوتادها،
لكن سرعان ما يتم تدارك الأمر بإصلاح الثقوب وتعيين القواد الجدد. صحيح أن إصلاح الثقوب يذهب بالجمال الأصلي للخيمة، لكنه يحفظ لها وظيفتها الأصلية، ويبقيها قائمة
ومحافظة على رمزيتها السياسية والمعنوية. كما أن فناءها الداخلي المرن يتسع للصراعات والخلافات الداخلية
بشكل يمنعها من الاقتلاع. ولا شك أن السلطان/الركيزة الأساسية للخيمة شرط وجوب ضروري لبقائها
منتصبة. وعندما يتوفى وتنتشر شائعات حول وفاته، تجنح القبائل نحو الفوضى وعمليات السلب والنهب،
وكأنها، بطريقة غير واعية، تطلب وترغب في سلطان جديد يؤدبها ويسوس أمرها. ولعل ذلك أحد الأسباب
التي دفعت باحماد إلى التكتم حول وفاة المولى الحسن الأول (1894-1873) الذي كان في محلة بالجنوب،
لأن انتشار خبر وفاته لم يكن يعني سوى القضاء على عناصرها وسلب ما في حوزتها من مال ومتاع. ما نستنتجه من هذه الإشارات هو وجود نظام إداري خاص داخل المغرب، تأسس على منطق تعدد
أنساق ممارسة السلطة، أخذًا بعين الاعتبار الخصوصيات المحلية للمجتمع المغربي في أثناء عملية التنزيل
والتنفيذ، وهي خصوصيات تميّزت بتعدد الشركاء واختلافاتهم بحسب ثنائية القبيلة/الزاوية. إالّ أن هذا
التعدد لم يكتس طابع الاستمرارية، والصفة المؤسساتية، كما تمت الإشارة إلى ذلك سالفًا، وهو ما أفقده
صفتي النضج والفعالية المطلوبتين في عمليات الإصلاح الكبرى. نكتشف، من ثنايا هذه المقدمات، وجود الإطار والصورة لممارسة حكامة جيدة وفاعلة في المجال السياسي.
وكان في الإمكان الارتقاء بهذه الممارسة نحو الأفضل لولا الوهن البنيوي الذي لازم مؤسسة السلطان التي
افتقدت عناصر ضبط قواعد انتقال السلطة السياسية، وفي مقدمتها تنظيم ولاية العهد بشكل مؤسساتي. لم
تكن مؤسسة السلطان، في غالب الفترات، منتجًا مجتمعيًا يضمن لها عنصر الاستمرارية والفعالية في قضايا
التدبير المشترك لهموم الأمّة وتطلعاتها، بل اقتصر الأمر، ظاهرًا، على بعض الفترات الاستثنائية، حملت
51 Arnaud, p. 86.
خلالها السلطةُ المجتمعَ على مجاراة تصوراتها السياسية والأمنية، مثلما حدث في عهد المولى إسماعيل، حيث
تحكمت الهواجس الأمنية في رسم ملامح علاقة المخزن بالمجتمع. وتمثّلت أقوى صورها في تأسيس جيش
العبيد ومسألة تجنيد الحراطين، وما سببته من محن للمعارضين والمخالفين. لذا، لا نستغرب دخول المغرب عقب وفاة السلطان مباشرة في فوضى سياسية وأمنية واجتماعية عميقة،
تبعثرت من خلالها عناصر الفضاء السياسي الداخلي لمدة طويلة لم تهدأ فيها عناصر الأزمة إالّ مع عهد
المولى السلطان محمد بن عبد الله. افتقد المغرب، إذن، التراكمات العميقة التي تؤهله لبناء عقد سياسي كفيل بإعطاء المعنى والغاية لمفهوم
الدولة، بالشكل الذي يجعل من مفردات المجتمع المختلفة منخرطة، طوعًا، في هذا البناء، ودافعة في جعله
حالة مستمرة في المجال والزمن.
نحو بناء حقيقي لمفهوم المخزن المغربي
من الملاحَظ أن أغلب المقاربات وظفت مفهومها لسلطة المخزن بغية تبرير قضية من القضايا، من
موقع الدفاع أو الهجوم. وقمين بنا اليوم جرد مختلف الوثائق والمراسلات لمعرفة حدود سلطة المخزن
من زاوية الناظر لنفسه والمنظور إليه؛ فإذا كانت الآراء السالفة تندرج ضمن موقع المنظور إليه، فلا بد
من تقديم مشروع إجابة حول زاوية الناظر لنفسه، بإثارة سؤال أساس: كيف كان المخزن ينظر إلى ذاته
في قضية ممارسة السلطة على امتداد فترة المولى الحسن الأول والمولى عبد العزيز؟ ويستدعي ذلك أيضًا
جرد النصوص والوثائق الوسيطية التي تمثّل العمق الحقيقي لمعضلة تشكّل الدولة ووظائفها، والعلاقات
التي نسجتها مع أطياف المجتمع، ومدى مساهمتها في تحقيق التراكمات الكفيلة بتأسيس خيارات التعاقد
المجتمعي داخل بنية الدولة. نتحدث اليوم عن عجز الدولة والأحزاب في تحقيق التمثيلية المجتمعية، كما نشتكي من نفور القطاع
العريض من الشباب عن المشاركة السياسية، والانخراط الطوعي في مسلسل التنمية الداخلية. ويبدو
أن الخلل موجود وكامن في عمقنا التاريخي الطويل، وفي نمط العلاقة التي تأسست، بداية، على أسس
غير تعاقدية. نحتاج إذن إلى ممارسة حفريات عميقة في تاريخنا وذاكرتنا والتقاط عناصر الفعل الإيجابي في
علاقة الدولة بالمجتمع والبحث عن أنماط التواصل الكفيلة بترسيخ مفهوم الدولة المواطنة. إن ما يهمنا من مختلف هذه التصورات هو الإقرار بوجود نظام إداري سياسي وإداري خاص بالمغرب.
صحيح أنه كان عتيقًا وفي حالة صراع وسلم مع بعض القبائل لأسباب جبائية وأمنية، ولكنه كان موجودًا
ويمارس سلطته المادية والرمزية، ومثّل الجهة الوحيدة التي تكلفت بعملية الإصلاحات ومن ضمنها
إرسال البعثات التعليمية إلى الخارج، بل إن «جميع تدابير الإصلاح المتخذة آنئذ بالمغرب، الجسيمة منها
والتافهة، كانت على يد الدولة وحدها، إن لم تكن على يد السلطان بصفته فردًا».
المخزن ومنطق التوازن السياسي
عرف المخزن الحسني في فترة حكم الحسن الأول (1894-1873)، تحولات في صورته وشكله، فقد
«انتقلت الوزارة المغربية من شكلها العتيق إلى شكل ديواني حكومي بالمعنى الحديث».
52 جرمان عياش، «إمكانيات الإصلاح وأسباب الفشل في المغرب»، في: الإصلاح والمجتمع المغربي فى القرن التاسع عشر: أيام دراسية
من 6 إلى 9 رجب 1404، موافق 23-20 أبريل 1983، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط. ندوات ومناظرات؛ 7
(الرباط: جامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1986)، ص.360
53 علال الفاسي، الحركات الاستقلالية في المغرب العربي (الرباط: مطبعة الرسالة، 1980)، ص.86-85
ويبدو أن الجهاز المخزني لم يكن منسجامً في مواقفه من القضايا الناجمة عن انفتاح المجتمع المغربي أمام
مظاهر التحديث الغربي وقد ميز جان مييج داخل الجهاز المخزني بين تيارين: أحدهما «تقليدي، معاد
للانفتاح على أوروبا وكان يخشى - في اعتقاده- من التحولات المهددة للبنية المجتمعية التقليدية، وكان
يفضّل انغلاق المغرب على نفسه». وكان لهذا التيار موقف معارض من توجيه البعثات التعليمية إلى
بلاد أوروبا، ومنهم وزير المالية محمد بنيس والحاجب موسى بن أحمد ورئيس العبيد البخاري المكلف
بالسفارات الجيلالي بن أحمد، بالإضافة إلى النائب السلطاني في طنجة محمد الخطيب. أمّا التيار الثاني ف«ليبرالي» منفتح على أوروبا ومتحمس لاستلهام منتجاتها وتنظيماتها العسكرية والإدارية،
وأبرز من يمثّله النائب السلطاني في طنجة محمد بركاش والكاتب إدريس بن إدريس العمراوي ومحمد
الصفار الذي أصبح وزيرًا في عهد المولى محمد الرابع (1873-1859) وابنه الحسن الأول (-1873
1894)،. لكن إلى أي حد يمكن الحديث عن تيارات حقيقية وفاعلة داخل الإدارة المخزنية؟ ألم تكن
مجرد أسماء وأوراق تفاوضية في يد السلطان يناور بها في أثناء ممارسة الفعل السياسي والدبلوماسي؟ سؤال
يحتاج إلى حفريات في منطق العقل السياسي لمؤسسة السلطان في المغرب للكشف عن ثوابته وتحولاته على
امتداد فترات زمنية، تعود على أقل تقدير إلى فترة الدول العصبية خلال العصر الوسيط. تأسس أسلوب الممارسة السياسية على منطق استغلال التناقضات بين مكونات المخزن المركزي. وقد
عرف هذا الأخير صراعًا مريرًا بين أسرتين عريقتين، وهما آل ابن موسى البواخر الذين احتكروا خطة
الحجابة، وأولاد الجامعي الذين تعاقبوا على الصدارة الوزارية، «وبذلك خلق بهم المخزن نوعًا من التوازن
في جهازه المركزي، الذي كان البواخر يهيمنون على جل مناصبه».
أدرك الحسن الأول (1894-1873)، الطُموح الجارف الذي كان يسكن حاجبه موسى بن أحمد، كما
تنبّه للدسائس التي كان يكيدها في الخفاء لإبعاد محمد بن العربي، وهو ما جعله يلتفت إلى أخواله أولاد
الجامعي من أجل «التخفيف من نفوذ البواخر وتفتير صهدهم في الجهاز المركزي من أجل خلق توازن
في دواليبه». لكن ألم تتسبب هذه المناورة في تلغيم الحياة السياسية في المغرب، وخاصة بعد وفاة الحسن الأول،
وانقضاض الحاجب السلطاني على شؤون الأمر والنهي داخل دواليب السلطة المركزية، مستغالً حداثة
سن المولى عبد العزيز؟ استمرت الصراعات بين الزعامات السياسية داخل المخزن العزيزي؛ فقد صُنّف الوزير المنبهي ضمن
خيارات الانفتاح والعصرنة، واشتهر بانتصاره للمقاربات الإصلاحية الإنكليزية، وانتهت مغامراته
السياسية بالارتماء في أحضان الحماية الإنكليزية. لم تنتج الدولة المغربية تقاليد سياسية راسخة، ولم تحقق النضج الكافي لممارسة أنماط إدارية فاعلة بين القاعدة
المجتمعية والقمة السياسية؛ فقد نشأ شرخ عميق في بنية الدولة منذ فترة العصر الوسيط، وطرأت قطائع
على مستويات أفقية وعمودية، يمكن اعتبارها حدودًا فاصلة، أسست للمراحل المتعاقبة مند زمن الدول
54 Jean-Louis Miège, Le Maroc et l’Europe , 4 vols (Paris: Presses universitaires de France, 1961-1963), vol. 3: Les Difficultés, 1830-1894 (1962), p. 109.
55 عبد السلام حيمر، «المغرب والحداثة،» أبحاث، العدد 26، ص.45
56 المصدر نفسه، ص.45
57 عبد الرزاق الصديقي، «أولاد الجامعي بين اتساع السطوة وانهيار الحظوة،» في: البحث التاريخي: مجلة الجمعية المغربية للبحث
التاريخي (الرباط: الجمعية المغربية للبحث التاريخي، 2004)، ص.43
58 الشابي، ص.31
العصبية؛ فقد تنكرت مصمودة للإرث المرابطي، وحملت بشدة على رموزه ومعالمه الحضارية إلى درجة
يمكن القول معها إن تاريخ دولة لمتونة قرئ وأعيد إنتاجه بأعين البيدق وعبد الواحد المراكشي، وغيرهما. من جهة أخرى أسس المرينيون دولتهم على أنقاض دولة مصمودة، فغيروا النحلة والمذهب، واستماتوا في
تبرير حكمهم السياسي من خلال المنابر التعليمية المختلفة. كانت الدولة تريد من المجتمع أن يساير تصوراتها السياسية والثقافية، واستعملت لتحقيق ذلك وسائل
الترغيب والترهيب، ومثّلت بذلك بنية فوقية متعالية، سرعان ما كانت تتهاوى، في لحظات الوهن
التاريخي، من دون أن تجد السند المجتمعي لتجنيبها لحظات الانهيار. ألم تنته دولة محمد علي في مصر إلى المآل نفسه؟ ألم تكن رؤيته التنموية مفارقة للعمق المجتمعي فحُرمت
من إمكان الاستمرار والنجاعة؟ ألا تحمل الدولة القطرية العربية الحديثة والمعاصرة الآليات نفسها التي
أوصلت المشروع التنموي العربي إلى الأفق المسدود؟
خاتمة
لا يمكننا مقاربة الحاضر السياسي من دون الخوض في عمق التاريخ القريب والبعيد، بما يسمح لنا
بالكشف عن البدايات الأولى لتشكّل الصور السياسية وتطورها على المستوى الزمني.
إن النظام السياسي في المغرب مازال محافظًا على سماته البنيوية التي لازمته خلال القرن التاسع عشر؛
فالسلطان/الملك هو حجر الزاوية في الممارسة السياسية، وحوله تتحلق الكتل السياسية وتأتمر بتوجيهاته.
من جانب آخر يعتمد المخزن على تعدد الشركاء السياسيين، ويتيح له ذلك القدرة على المناورة واستغلال
التناقضات، وهو ما يجعل منه فاعالً سياسيًا متعاليًا على جميع المكوّنات السياسية.
تشبه حركات الحسن الأول (1894-1873) بشأن مناطق المغرب المختلفة ما يقوم به الملك محمد
السادس اليوم من معاينات ميدانية مباشرة لورش التنمية المفتوحة والممتدة لمختلف جهات البلاد التي
جرى تهميشها منذ عقود طويلة.
تعتمد الملَكية في المغرب على ثنائية التقليد والحداثة، وهو ما يسمح لها بمخاطبة جميع أطياف المجتمع
ومكوّناته الفكرية والأيديولوجية والفنية.
لقد أخذ المخزن سابقًا بمبدأ التشاور في هندسة الفضاء السياسي والإداري على المستوى الداخلي.
وسمحت موجات الإصلاح التي عرفها العالم العربي، ومنها المغرب خلال القرن التاسع عشر، باعتماد
الدستور كإطار نظري مرجعي ينظم العلاقة السياسية ويحدد الاختصاصات والمهمات المتنوعة. تتصف الملكية في المغرب بقدرتها الفائقة على التكيف مع الظروف والمستجدات، وتمتلك كاريزما خاصة
تؤهلها لوظيفة التحكيم بين الفرقاء السياسيين والاجتماعيين، وهو ما يحتمل أن يجنّبه الصدمات السياسية
والأمنية العنيفة. ألا تفسر هذه المقدمات طبيعة الربيع العربي في المغرب؟ ألا يعد الوعي التاريخي وسيلة مثلى لمقاربة صور
الحاضر كما قال مارك بلوك سالفًا؟ من جانب آخر، ما هو المدى الإصلاحي الذي يمكن أن يصل إليه النظام السياسي في المغرب؟ وما هو
الدور الذي على الأحزاب والنقابات ومكوّنات المجتمع المدني أن تقوم به للرقي بالممارسة السياسية إلى
الأفق المنشود؟ وكيف تتم المحافظة على المكتسبات وتطوير الوعي السياسي بالشكل الذي يمكّن من
إزاحة العقبات من طريق الانتقال الديمقراطي الحقيقي؟