العودة إلى تفاصيل المؤلَّف السعي نحو الرخاء: كيف يتسنى للدول النامية تحقيق مرحلة الانطلاق الاقتصادي/ جستن يفو لين

السعي نحو الرخاء: كيف يتسنى للدول النامية تحقيق مرحلة الانطلاق الاقتصادي/ جستن يفو لين

The Quest for Prosperity: How Developing Economies Can Take Off by Justin Yifu Lin

علي عبد القادر علي*

الملخّص

العنوان الأصلي للكتاب: The Quest for Prosperity: How Developing Economies Can Take Off الكاتب : جستن يفو لين مكان النشر : برينستون، الولايات المتحدة الناشر : مطبعة جامعة برينستون تاريخ النشر: 2012 عدد الصفحات: 322

Abstract

Book Title: The Quest for Prosperity: How Developing Economies Can Take Off Author: Justin Yifu Lin Place of publication: Princeton, NJ Publisher: Princeton University Press Date of publication: 2012 Number of pages: 322

الكلمات المفتاحية:
  • الدول النامية
  • الرخاء الاقتصادي
  • النمو الاقتصادي
  • التنمية المستدامة
Keywords:
  • Developing States
  • Economic Prosperity
  • Economic Growth

الكاتب: جستن يفو لين مكان النشر: برينستون، الولايات المتحدة الناشر: مطبعة جامعة برينستون تاريخ النشر: 2012 عدد الصفحات 322:

مقدّمة

يشتمل هذا الكتاب على افتتاحية أو استهلال (ص 9 – 17 بالأرقام الرومانية)، وعشرة فصول (ص 1 – 250)، وثبت لأهم المفاهيم (ص 251 – 257)، وقائمة بالهوامش، لكل فصل على حدة (ص 259 – 285)، وقائمة بالمراجع تضم 377 مرجعًا (ص 287 –.)308 في الفصل الأول، يوضح المؤلف أنه يفهم طبيعة التنمية الاقتصادية بأنها «عملية مستمرة للتحوّل الهيكلي، بما في ذلك ليس فقط الارتقاء الصناعي والتقني والتنويع الاقتصادي وإنما أيضًا التغيرات في هيكل التشغيل (حيث ينتقل العمال إلى قطاعات مرتفعة الإنتاجية) والتغيرات في البنى التحتية» (8 ص). كما يوضح في الصفحة نفسها أن الكتاب يركز على «التحديات الطويلة المدى التي تواجه صنّاع القرار، ويحاول توفير خارطة طريق للذين

ينخرطون في السعي نحو تحقيق الرخاء لدولهم» (8 ص). على أساس هذا الفهم، يقدم الكتاب مقاربة هيكلية جديدة لتحليل التنمية، ولصوغ السياسات التنموية، بديلا من المقاربة الهيكلية القديمة التي سادت في خمسينيات القرن العشرين وستينياته، ومن أهمها مقاربة مدرسة التبعية التي تطورت في أميركا اللاتينية. وفي هذا الصدد يلاحظ المؤلف أن الاختلافات المشاهدة بين دول العالم لم تترتب على توزيع غير متكافئ للقوة السياسية أو على أيٍّ من عوامل عدم المرونة الخارجة عن نطاق تحكّم الدول، وإنما هي نتيجة عوامل تتعلق بهيكل الهبات وبعمل آلية السوق. ويسارع المؤلف ليلاحظ أن المقاربة الهيكلية القديمة ترتب عليها اتّباع الدول النامية استراتيجيات وسياسات تنموية لا تتسق مع هباتها ولا ميزاتها النسبية، وهي استراتيجيات وسياسات تمثّلت في سياسات إحلال الواردات الكثيفة رأس المال. من جانب آخر، يعربّ المؤلف عن رفضه «الإيمان الأعمى في الفضائل السحرية لآلية الأسواق الحرة وعصمتها من الزلل» (ص 10-9). استنادًا إلى قراءة الشواهد التاريخية منذ القِدم، وتطور الفكر التنموي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يتوصل المؤلف إلى نتيجة متفائلة: «أعتقد أن في إمكان جميع الدول النامية، بما فيها تلك التي هي في أفريقيا جنوب الصحراء، أن تنمو بمعدل سنوي يبلغ 8 في المئة أو أكثر وبطريقة مستمرة لعدد من الحقب في ظل عالم متعولم على الدوام» ص.)9(من دون محاولة رصد مفصّل لمحتوى الكتاب في القسم الثاني من هذه المراجعة، سيتم إطلاع القارئ على تسلسل وترابط ما جاء فيه، خدمة لهدف تأليفه الذي أشرنا إليه أعلاه.

أولا: محتوى الكتاب

خصص الفصل الثاني، الذي جاء بعنوان «معركة الحكاوي وتبدّل النماذج الفكرية المهيمنة»، لاستعراض أهم الأفكار والنظريات والنماذج التي حاولت تفسير النمو الاقتصادي الطويل المدى، بما في ذلك نظريات ونماذج اقتصاديات التنمية التي تبلورت منذ أربعينيات القرن الماضي تحت ما أسماه بول كروغمان، الحائز جائزة نوبل في علوم الاقتصاد، «النظرية الراقية للتنمية». بعد هذا الاستعراض توصل المؤلف إلى ثلاث ملاحظات وصفها بالمربكة: - إن مختلف المقاربات في مجال دراسة النمو الاقتصادي الطويل المدى أثارت أسئلة مهمة، وأضاءت قضايا شائقة بشأن النمو الاقتصادي، إالّ أن جميعها لم تتمكن من شرح فشل مختلف الأقطار ونجاحها في عملية التحوّل الهيكلي والارتقاء الصناعي. - إن السياسات التنموية تطورت على الدوام على هدي الأفكار البحثية السائدة، بما في ذلك توصيات مؤسسات التمويل الدولية التي قدمت النصح للدول النامية في مجال السياسات. - إن الدول التي حققت نجاحًا يُعتد به في مجال التحوّل الهيكلي والارتقاء بهياكلها الصناعية لم تتبع، إالّ في حالات نادرة، توصيات السياسات التي ارتكزت على النموذج التنموي المهيمن. على أساس هذا الفهم، يلاحظ المؤلف أن «الوقت أزف لتكملة المعرفة التنموية المتراكمة بإطار نظري عريض يوفر تحليلاهيكليًا للعوامل المحددة للنمو الاقتصادي المستمر – وبالأخص استنباط العوامل التي تمكّن الدول الفقيرة من الانتقال

من مرحلة تنموية إلى أخرى، والدول المتقدمة من الاستمرار في خلق الفرص والثروة» (ص 47). تناول الكتاب في فصله الثالث، وهو بعنوان «التنمية الاقتصادية: ودروس التجارب الفاشلة»، أهم التجارب التنموية التي مر بها عدد من الدول النامية بعد نيله الاستقلال السياسي. وبحسب قراءة المؤلف للشواهد التاريخية، تمثّل فشل هذه التجارب في محاولة إنشاء قواعد للصناعة الثقيلة الكثيفة رأس المال، وهي استراتيجيا تنموية تعاكس الهبات الطبيعية لكلٍّ منها، وتخالف الميزات النسبية التي تتمتع بها كل واحدة منها. وعلى الرغم من أن المؤلف ركز على غانا مثاالً تفصيليًا، فإن الدول الأخرى المذكورة اشتملت على الصين (في عهد ماو)، ومصر (في عهد عبد الناصر) والهند (في عهد نهرو)، وإندونيسيا (في عهد سوكارنو)، ومعظم الدول في أفريقيا جنوب الصحراء وآسيا وأميركا اللاتينية. كما يلاحظ المؤلف فشل التجارب التنموية التي فرضتها مؤسسات التمويل الدولية منذ أوائل ثمانينيات القرن العشرين على الدول النامية تحت ما عرف بسياسات «وفاق واشنطن»، وهي سياسات مثّلت النقيض لما اتُّبع في الماضي في ما يتعلق بدور الدولة في إحداث التنمية وتحقيق النمو الاقتصادي. ويضرب المؤلف مثلا لفشل هذه السياسات بما حدث في إلسلفادور وبيرو وكوت ديفوار وغانا (التي أشيد بتطبيقها الملتزم)، ودول أوروبا الشرقية وروسيا. وتناول الفصل الرابعدروس الدول التي نجحت في تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة ولفترة زمنية طويلة نسبيًا، ونجحت في اللحاق بالدول المتقدمة صناعيًا. اعتمد هذا الفصل، بعد الإشادة، على التقرير الذي أصدرته اللجنة الدولية للنمو سنة 2008 بعنوان «تقرير النمو: استراتيجيات للنمو المستدام والتنمية غير الإقصائية». وقد عرّفت اللجنة الدولية النمو الاقتصادي المستدام بأنه يتمثّل في تحقيق متوسط معدل نمو سنوي يساوي أو يفوق 7 في المئة، ولمدة 25 عامًا أو أكثر منذ الحرب العالمية الثانية. لكن لم تتمكّن من تحقيق مثل هذا النمو سوى 13 دولة فقط من مختلف أنحاء العالم. وتمعنت اللجنة في الخصائص المشتركة لهذه الدول، ووجدت أن أهم هذه الخصائص تمثّلت في استغلال هذه الدول كلها للاقتصاد العالمي، بمعنى: الاستفادة من العولمة؛ الحفاظ على بيئة اقتصادية كلية مستقرة (معدلات تضخّم غير مرتفعة، وعجز محتمل في الموازنة، ونسبة دَين للناتج المحلي الإجمالي يمكن تمويلها بواسطة التدفقات العادية للنقد الأجنبي)؛ معدلات ادخار واستثمار مرتفعة نسبيًا؛ الاعتماد على آلية السوق في تخصيص الموارد؛ وجود حكومات ملتزمة ومقتدرة وذات صدقية. وبعد مناقشة هذه الخصائص المشتركة للتجارب الناجحة في تحقيق النمو المستدام في عيّنة من الدول النامية منذ الحرب العالمية الثانية، يخلص المؤلف إلى أن التحدي الحقيقي الذي يواجه صنّاع القرار في الدول النامية يتمثّل في «مساعدة القطاع الخاص في التعرّف إلى الصناعات الجديدة التي تتسق مع الميزة النسبية للاقتصاد الوطني.. وفي تيسير دخول الوحدات الإنتاجية في الصناعات التي تمكّنها من الازدهار» (ص 101). في الفصل الخامس، واستنادًا إلى فهم للتجارب التنموية وللتطورات في الفكر التنموي، يصل المؤلف إلى مرحلة تقديم إطاره المقترح لإعادة التفكير في عملية التنمية، وهو الإطار الذي أسماه «الاقتصاد الهيكلي الجديد». ينطلق المؤلف في هذا الفصل من الموافقة على تلخيص يقول إن قصة سر النمو الاقتصادي، ومن ثم محتوى اقتصاديات النمو، تتمحور حول عدد من الموضوعات تشتمل على: «أهمية عملية تراكم رأس المال العيني ورأس المال البشري؛

تأثير العوامل التقنية في معدل التراكم وعملية خلق المعرفة وتأثيرها في الإنتاجية؛ الاعتماد المتداخل لمعدلات نمو مختلف الدول؛ أخيرًا، دور المؤسسات الاقتصادية والسياسية في تحفيز تراكم رأس المال والابتكارات والتغير» (ص 102 – 103). ومن الناحية المنهجية، ولأغراض تحليل التنمية الاقتصادية، يقترح المؤلف أن يبدأ التحليل من النظر إلى «هبات القطر من عوامل الإنتاج»، وهو متغير معطى في أي لحظة زمنية، وأساسي وقابل للتغيير. ويتوسع الفصل في شرح أساسيات المقاربة الهيكلية الجديدة التي سبق للمؤلف أن لخص أهم أفكارها في الفصل الأول (ص. 15) على النحو التالي: • فكرة هيكل هبات الاقتصاد من عوامل الإنتاج: إن ما يتوفّر عليه أي اقتصاد مشاهد في عوامل الإنتاج التقليدية (الأرض، والعمل ورأس المال)، وهو هيكل يكون عادة معطى عند نقطة زمنية معيّنة ولكنه قابل للتغير مع الزمن، يحدد مقدرة الاقتصاد المالية، والأسعار النسبية لعوامل الإنتاج، والميزات النسبية، وهو هيكل يتطور من مرحلة تنموية إلى أخرى. ومن ثم، فإن الهيكل الصناعي لأي بلد سوف يكون مختلفًا بحسب المرحلة التنموية. ويحتاج كل هيكل صناعي لما يلائمه من بنى تحتية لتسيير عمله ومبادلاته. • فكرة متصل مراحل التنمية: تمثّل كل مرحلة من مراحل التنمية الاقتصادية نقطة في متصل للتنمية، من اقتصاد زراعي بدخل متخصص إلى اقتصاد صناعي بدخل مرتفع، وهي فكرة مقابلة لتلك النظرة الثنائية التي تصنف الاقتصادات إلى فقيرة ومتقدمة، أو إلى دول الهامش الصناعي ودول المركز، ومن ثم ينبغي للدول النامية، في سعيها للارتقاء بهيكلها الصناعي وتحسين بناها التحتية، أالّ تتعلم من، أو أالّ تقلد، الدول المتقدمة صناعيًا. • فكرة آلية تخصيص الموارد: في كل مرحلة تنموية تمثّل السوق الآلية الأساسية للتخصيص الفعال للموارد. إالّ أن التنمية الاقتصادية بطبعها هي عملية ديناميكية تتطلب الارتقاء الصناعي والتنويع، مصحوبًا بالتحسن في البنى التحتية في كل مرحلة تنموية. مثل هذه التحسينات ينطوي على تأثيرات خارجية واسعة النطاق تؤثر في تكلفة المبادلات للوحدات الإنتاجية والعوائد على رأس المال. وبناء عليه، فإنه إضافة إلى آلية سوق فعالة، هنالك دور مهم للحكومة لتنسق بين الفاعلين الاقتصاديين، خصوصًا في ما يتعلق بقضايا الاستثمار، وتوفير التحسينات اللازمة في البنى التحتية، وتقديم التعويضات اللازمة التي يتطلبها تفشي التأثيرات الخارجية. يناقش الكتاب في الفصل السادس عددًا من قضايا السياسات الاقتصادية تحت الإطار المقترح، واختلافها عن، أو توافقها مع، السياسات التقليدية تحت كلٍّ من المقاربة الهيكلية القديمة أو المقاربة النيوكلاسيكية. ويلاحظ في هذا الصدد أن المقاربة المقترحة تسند دورًا مهماًّ للدولة في عملية الارتقاء الصناعي. هذا وقد اشتملت القضايا التي جرى التطرّق إليها على: قضية السياسة المالية (حيث حُبِّذت المقاربة الكينزية التي تفضّل زيادة الإنفاق الحكومي خلال الأزمات الاقتصادية)؛ قضية السياسات النقدية (حيث فُضِّل استخدامها كما في حالة السياسة المالية عن طريق سعر الفائدة، ولم يجرِ تحديد موقف من قضية استقلال البنك المركزي)؛ قضية تطوير القطاع التمويلي (حيث اقرتُح على الدول النامية عدم محاكاة ما يحدث في الدول المتقدمة من هياكل للبنوك وأسواق المال، وذلك مراعاة للمراحل التنموية)؛ قضية السياسة بشأن تدفق رأس المال الأجنبي (حيث حُبِّذت سياسة الترحيب بالاستثمار الأجنبي المباشر وتثبيط تدفق الاستثمارات المالية المضاربة)؛ قضية السياسة التجارية (حيث أُوصي بالتحرير التدريجي للتجارة الخارجية)؛ قضية الاستثمار في رأس المال البشري

(حيث أُوصي بصوغ استراتيجيات للتعليم والتدريب تأخذ بعين الاعتبار الترقي المتوقَّع على سلم الهياكل الصناعية). بالإضافة إلى ذلك كله، تطرّق الفصل بالنقاش إلى قضية إدارة الموارد العامة في الدول الغنية بالموارد الطبيعية. خصص الفصل السابعالذي جاء بعنوان «تطبيق المقاربة الهيكلية الجديدة، مسارين وست خطوات»، لتقديم موجّهات عملية لصنّاع القرار التنموي. تستند الموجهات العملية التي تم التوصل إليها إلى أن هدف تحقيق نمو اقتصادي مستدام يعتمد على اكتشاف الهيكل الصناعي الملائم الذي يمكّن كل دولة نامية من تنفيذ استراتيجيا تنموية متوافقة مع ميزاتها النسبية (كما تعرفها هباتها الطبيعية وبناها التحتية). وفي هذا الصدد استُنبطت ست خطوات ينبغي لحكومات الدول النامية اتّباعها لصوغ الاستراتيجيا التنموية. الخطوة الأولى هي أن تقوم الحكومة بالتعرّف إلى «قائمة السلع والخدمات القابلة للتبادل التجاري والتي شهدت نموًا مستمرًا لمدى عشرين عامًا في الدول المشابهة لها في الهبات الطبيعية ولكنها تتمتع بدخل حقيقي للفرد أعلى (بقيمة 100 دولار، على سبيل المثال). الخطوة الثانية هي التخلص من القيود الحاكمة؛ فمن قائمة السلع والخدمات القابلة للتبادل التجاري التي تم التعرّف إليها في الخطوة الأولى، يمكن الحكومة أن تعطي أولوية للصناعات التي نشطت فيها وحدات إنتاجية محلية بطريقة تلقائية، وأن تتعرّف إلى القيود التي تمنع هذه الوحدات من تحسين نوعية المنتجات، أو من توسيع نطاق الإنتاج، أو من عدم تشجيع وحدات إنتاجية جديدة على ولوج مجالات الإنتاج وتكوين مجمعات صناعية. الخطوة الثالثة هي إغراء المستثمرين الأجانب وجذبهم، خصوصًا في الصناعات التي يحيط بها قدر كبير من المخاطر نسبة إلى عدم توافر المعلومات بشأنها لدى الوحدات الإنتاجية المحلية بسبب قلة التجربة. الخطوة الرابعة هي تصميم عملية اكتشاف النفس؛ فبغضّ النظر عن قائمة السلع والخدمات التي تم التعرف إليها في الخطوة الأولى، ربما تمكنت بعض الوحدات الإنتاجية المحلية، وبحسب الظروف المحلية، من ارتياد مجالات واعدة في إنتاج سلع وخدمات أخرى متوافقة مع ما يتمتع به البلد المعني من ميزات نسبية. في مثل هذه الحالات، يتوجب على الحكومة دعم هذه الوحدات الإنتاجية، والتخلص من القيود التي تحدّ من توسع الإنتاج ودخول وحدات إنتاجية محلية في المجال المعني. الخطوة الخامسة هي فهم قوة المناطق الصناعية وسحرها واستيعابهما. وللتغلب على القيود التي تفرضها حالة تخلّف البنى التحتية وضعفها، يمكن الحكومات في الدول النامية إنشاء مناطق حرة ومناطق صناعية توفر فيها بنى تحتية ذات نوعية جيدة تكون جاذبة للوحدات الإنتاجية الأجنبية والمحلية، قبيل توفير مثل هذه البنى على مستوى القطر ككل. الخطوة السادسة هي توفير حوافز للصناعات المستهدفة؛ إذ يمكن الحكومات أن تقدم حوافز لبعض الصناعات التي تم استنباطها في الخطوة الأولى، خصوصًا تلك التي ينطوي نشاطها على مخاطر، أو ينطوي إنتاجها على معلومات يمكن استخدامها بواسطة الغير من دون مقابل. وقد تناول الفصل الثامننقاش تجربتي الصين والاتحاد السوفياتي من وجهة نظر المقاربة الهيكلية الجديدة، وركز على توضيح كيف كانت الاستراتيجيات التي اتُّبعت، قبيل الإصلاحات الاقتصادية في كلٍّ منهما، متعارضة مع الميزات النسبية للاقتصادين، وكيف أنها أفرزت تشوّهات

اقتصادية مثّلت تحديات مستقبلية لصنّاع القرار عندما تبيّنت لهم أهمية تغيير الاستراتيجيات التنموية القديمة. ويلاحظ المؤلف أن التشوهات الاقتصادية التي ترتبت على اتّباع استراتيجيات وسياسات اقتصادية غير ملائمة، والتحديات التي فرضتها على صنّاع القرار، أثارت أسئلة ملحة حول «سرعة الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة وتتابعها؛ إذ ينبغي لصنّاع القرار تحقيق مكاسب في مجال الكفاءة الاقتصادية نتيجة القضاء على التشوهات الموروثة، ولكن ينبغي لهم في الوقت عينه اختيار استراتيجيا متوافقة مع ‹المقاربة الهيكلية الجديدة في ما يتعلق باختيار عملية الارتقاء بالهيكل الصناعي وتيسيرها بطريقة قابلة للاستمرار›» (ص. 181). بناء على تصوّر أن عملية التنمية الاقتصادية تمثّل متصلا يضم جميع الأقطار، من أفقرها إلى أغناها، خُصص الفصل التاسعالذي جاء بعنوان «تفعيل التغير الهيكلي على مستويات مرتفعة للتنمية»، للتحديات التنموية التي تواجه الدول ذات الدخل المتوسط والدخل المرتفع. وهو يناقش التحديات الطويلة المدى التي ينبغي لصنّاع القرار في الدول النامية التي حققت نجاحًا في التنمية الاقتصادية، وخصوصًا الدول النامية ذات الدخل المتوسط، أخذها بعين الاعتبار؛ ويتطرق إلى كيفية تعامل بعض الدول مع مثل هذه التحديات بواسطة سياسات تتسق مع المقاربة الهيكلية الجديدة وإطارها العملي المتعلق بالتعرّف إلى عملية النمو وتيسيرها، مستعرضًا بعض الأمثلة من الدول المتقدمة. ويلاحظ المؤلف، في صدد مأزق الدول ذات الدخل المتوسط في سعيها للحاق بالدول ذات الدخل المرتفع، أن مثل هذا الهدف ينبغي أالّ يكون الغاية القصوى والوحيدة لصنّاع القرار؛ إذ إن «الارتقاء التقني والصناعي المستمر والتحول الهيكلي سيظلان أهم القوى المحركة لتعظيم الرفاه المجتمعي، وخلق فرص العمل، والاستقرار الاجتماعي» (ص. 214) فيالفصل الختامي للكتاب، وقد جاء بعنوان «وصفة للرخاء الاقتصادي»، لخص المؤلف، كما هو متوقَّع، أهم مكونات المقاربة الهيكلية الجديدة، وأفصح عن عدد من أفكاره الخاصة المتعلقة بعلم الاقتصاد، ولا سيما في ما يتعلق بالدول النامية. ويهمنا في هذا الصدد تلخيص أهم ما عربّ عنه المؤلف: • التشديد على أن «النظريات الاقتصادية الموجودة حاليًا فشلت في توفير توصيات بشأن السياسات الملائمة للدول النامية، على الرغم من الجهود البحثية، بواسطة العديد من الاقتصاديين العباقرة الذين تصدوا لمثل هذه المهمة بعد نشر كتاب آدم سميث» (ص. 236) • من الناحية المفاهيمية، هنالك فوائد تحليلية من فهم هبات أي اقتصاد على أنها تشتمل على البنى التحتية إضافة إلى الموارد الطبيعية والعمال ورأس المال بنوعيه العيني والبشري. كما أن هنالك فوائد تحليلية من النظر إلى البنى التحتية على أنها تشتمل على الموارد المادية (كالطرق، والمطارات، والموانئ، ونظم الاتصالات، وشبكات الطاقة، والخدمات العامة الأخرى)، والموارد المؤسسية (كالأعراف، والقوانين، والإجراءات واللوائح، والعلاقات الاجتماعية، والقيم المجتمعية) (ص 240). • إن أخذ هيكل هبات كل قطر بعين الاعتبار عند صوغ السياسات التنموية يتطلب القيام بجهد بحثي منضبط منهجيًا، وأصيل، وذي علاقة بأوضاع القطر المعني (ص. 241). • «إن جميع الدول التي تحوّلت من اقتصادات زراعية إلى اقتصادات حديثة متقدمة – بما في ذلك القوى الصناعية الحديثة في شرق آسيا – توفرت على حكومات قامت بمساعدة الشركات الخاصة

في التغلب على قضايا التنسيق والتأثيرات الخارجية في السعي نحو التحوّل الهيكلي. وإن حكومات الدول ذات الدخل المرتفع لا تزال تقوم بتأدية مثل هذا الدور» (ص. 241) • مهما يكن من أمر الجدل الدائر حول فشل أو نجاح تطبيق السياسات الصناعية في الدول النامية، ولأغراض صوغ سياسات ملائمة للمرحلة التنموية التي يمر بها أي قطر، يجب التفرقة بين نوعين من أنواع تدخّل الحكومات في الشأن التنموي: « الأولهو السياسات التي تيسر التحوّل الهيكلي بالتغلب على القيود التي تفرضها قضايا توافر المعلومات، والتنسيق، والتأثيرات الخارجية، وهي قيود تتأتى من طبيعة عملية تطوير الهيكل الصناعي، والتنويع الاقتصادي، والتحوّل الهيكلي... والثانييتمثّل في السياسات الرامية إلى توفير الحماية لعدد من الوحدات الإنتاجية والصناعات التي يتم اختيارها بعناية في قطاعات جديدة متطورة أو في قطاعات قديمة فقدت ميزتها النسبية» (ص 243). في إطار هذا الفهم، ليس هنالك ما يمنع الدول النامية من صوغ سياسات صناعية تتوافق مع مرحلتها التنموية وتتسق مع ميزاتها النسبية. • «تتمثل أهداف قادة الدول في الحفاظ على السلطة السياسة والتمتع بسمعة حسنة في تاريخ دولهم». ومهما يكن من أمر جماعات المصالح التي تحيط بهم، فإنهم عادة ما يتمتعون بقدر كبير من حرية التصرف التي تمكّنهم من تغيير بلدانهم باتّباع الأفكار النريّة التي تنطوي على سياسات تنموية ملائمة متى ما توافرت (ص. 250)

ثانيًا: ملاحظات

ليس هنالك من شك في الأهمية العلمية لهذا الكتاب، خصوصًا بالنسبة إلى الاقتصاديين وصنّاع القرار في الدول النامية. كما أنه ليس هنالك من شك في أن القارئ، أكان متخصصًا أم غير متخصص، سيجد متعة غير متناهية في الاطّلاع على كتاب كُتب بلغة رفيعة وأسلوب مشوق ومعلومات وشواهد تطبيقية تلخص الحالة المعرفية في الفكر التنموي من دون تعنت وتقعّر وادّعاء. يزيد من أهمية الكتاب أن مؤلفه، مثله في ذلك مثل أمارتيا سِن، ينتمي إلى دولة نامية حققت معجزة تنموية في زمن قلّت فيه التجارب التنموية الخارقة. وعلى الرغم من تدريبه المهني العالي في أرقى مدارس الاقتصاد العالمية، مدرسة جامعة شيكاغو، فإن كتابه استبطن التجربة الصينية في مقترحه للمقاربة الهيكلية الجديدة التي برشّ بها. من الناحية الفنية، وكما فعل كثير من الاقتصاديين قبله، أعاد الكاتب اكتشاف الحكمة التنموية التي قالت بها نظرية التنمية الاقتصادية الراقية التي تبلورت خلال أربعينيات القرن العشرين وخمسينياته. وفي هذا الصدد يمكن القارئ الحريص ملاحظة أن الفكرة المحورية للمؤلف تتمثّل في اعتقاده بأن العالم لا ينقسم إلى معسكرين: الدول المتقدمة (المركز) والدول النامية (الأطراف)، وأن العلاقة بينهما تتلخص في هيمنة المركز على الأمور الاقتصادية الدولية وما ينطوي على هذه الهيمنة من استغلال (كما قالت بذلك نظرية التبعية التي تبلورت في أميركا اللاتينية)، وإنما يمكن النظر إلى الدول على أنها تصطف على متصل من المراحل التنموية بحسب هباتها الطبيعية وغير الطبيعية، وأن التنمية الاقتصادية تعني الارتقاء بالهياكل الصناعية. كما سيلاحظ القارئ الحريص أن محتوى السياسات التنموية التي قال بها الكتاب لا تختلف في كثير أو قليل، عن تلك التي أوصت بها نظرية التنمية الاقتصادية الراقية، في ما عدا إصرار المؤلف على

توجيه نقد لاذع، ومتكرر، لاستراتيجية إحلال الواردات، خصوصًا في ما ترتب عليها من تشوهات في تخصيص الموارد. ويلاحَظ في هذا الصدد أن مثل هذا الموقف النقدي غير المتحفظ ربما كان بسبب عدم اطّلاع المؤلف على ما توصل إليه داني رودريك، بعد تقويم منضبط للشواهد التطبيقية، من أنه خلال الفترة 1960 – 1973 سجلت 42 دولة نامية، من بين 50 دولة توافرت لها المعلومات، معدلات نمو الدخل الحقيقي للفرد فاقت 2.5 في المئة سنويًا، وأن معظم هذه الدول اتّبعت استراتيجية إحلال الواردات. كما لاحظ رودريك أن ما حدث من انهيار للنمو في عدد كبير من الدول النامية لم يكن مرده إلى استنفاد استراتيجية إحلال الواردات لطاقتها وإنما لأسباب خارجة عن نطاق تحكم الدول النامية، بما في ذلك التخلي عن نظام بريتون وودز لأسعار الصرف الثابتة، وصدمتا أسعار البترول، ودورات ارتفاع وانهيار أسعار السلع الأولية. وقد عربّ رودريك عامّ توصل إليه بملاحظة ذكية هي: «لو انتهى العالم في عام 1973 لما اكتسبت استراتيجية إحلال الواردات تلك السمعة السيئة»، وهذه ملاحظة ردّدها مؤلف الكتاب الذي نحن بصدده. يضاف إلى ذلك تجاهل المؤلف التطرق إلى كيفية إدارة عملية التنمية بواسطة الدولة النشطة المقتدرة؛ ففي حين أولت النظرية الراقية للتنمية اهتمامًا خاصًا بالتخطيط لإحداث التنمية، صمت الكتاب عن هذا الجانب تمامًا. وتكمن المفارقة في هذا الصدد في أن الخطوات العملية التي تمخض عنها إطار اكتشاف عملية النمو الاقتصادي وتيسيرها تتطلب صراحة ليس فقط التزام الدولة وإنما أيضًا تخطيطًا واعيًا ومتواصالً بواسطتها حتى تتمكن من تحقيق تطوير الهيكل الصناعي. ويمكن فهم إغفال المؤلف هذا الجانب بأنه محاولة مجاملة منه للمؤسسة التي كان يعمل فيها نائبًا للرئيس لاقتصاديات التنمية (البنك الدولي)، وذلك قبيل تأليف الكتاب وفي أثناء تطويره مقاربته الهيكلية الجديدة والتبشير بها في أروقة المؤسسة المحافظة.