العودة إلى تفاصيل المؤلَّف "الإحصاء" والبحث الاجتماعي في الأرض المحتلة 1967: الأثر الاستعماري وتشظية المجتمع الفلسطيني

"الإحصاء" والبحث الاجتماعي في الأرض المحتلة 1967: الأثر الاستعماري وتشظية المجتمع الفلسطيني

Statistics and Social Research in the Occupied Territories: The Colonial Effect and the Fragmentation of Palestinian Society

عبّاد يحيى*

الملخّص

تتتبّع هذه الورقة مسار العلاقة الإشكالية بين الإحصاء والبحث الاجتماعي في الأرض المحتلة سنة 1967 ، وذلك للكشف عن الأثر الاستعماري فيها وتحولاته، والوقوف على الكيفية التي تعامل بها الباحثون الاجتماعيون الفلسطينيون مع البيانات الإحصائية الصادرة عن الجهاز الاستعماري وطبيعة الموقف النقدي منها. ويتعلق مجال البحث بمرحلة ما بعد أوسلو وإنشاء جهاز فلسطيني للإحصاء فتح وجوده المجال واسعًا لإنتاج أبحاث اجتماعية معتمدة على بياناته من دون تطور وعي نقدي بالأثر الاستعماري فيها، ودورها في تشظية المجتمع الفلسطيني وتصنيفه، وإدارة الفلسطينيين والرقابة عليهم، وطرح بيانات ذات سلطة معرفية يعيدون إنتاجها بحثيًا والبناء عليها. تركز الورقة على التسليم ببيانات الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء وعدم نقد الأسس التي قام عليها، وتُفرد حيّزًا للمسح الإحصائي الأهم في المرحلة الانتقالية بين مسوحات الإدارة المدنية الإسرائيلية ومسوحات جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني، وهو بحث معهد «فافو» النرويجي الذي شكّل – بحسب افتراض الورقة- التعبير الأهم عن دور الإحصاء في تشظية المجتمع الفلسطيني وتجزئته كوحدة للتحليل والدراسة، وثبّت التجزئة الإسرائيلية الجغرافية والقانونية للمجتمع الفلسطيني، ومهّد لإنشاء جهاز الإحصاء الفلسطيني كحلقة أدق في إدارة الفلسطينيين وضبطهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتوفير معلومات وبيانات يعيدون إنتاجها لتشكّل معرفتهم عن أنفسهم.

Abstract

This study traces the problematic relationship between statistics and social research in the Palestinian territories occupied in 1967, and explores how Palestinian social researchers have dealt with statistical data originating from colonial apparatus. Yahya addresses the general, uncritical acceptance of the Palestinian Central Statistical Agency’s data, and the lack of a critique upon which this apparatus was founded. Out of all surveys conducted by both the Israeli Civil Administration and the Palestinian Central Authority, Yahya focuses on a key statistical survey conducted by the Norwegian FAFO Foundation during the transitional phase. Yahya maintains that this survey represents a perfect example of how statistics fragments and divides Palestinian society as a unit of study and analysis, edifying the Israeli geographic and legal fragmentation of it. Furthermore, the author discusses the complex nature of the Palestinian territories occupied in 1967, noting that these territories are under the control of two overlapping authorities that practice population management, supervision, and control in a unique manner. The study of statistics in enshrining these practices represents an essential contribution to understanding the impact of this complexity.

الكلمات المفتاحية:
  • المجتمع الفلسطيني
  • السياسات الكولونيالية
  • مسوحات الإدارة المدنية الإسرائيلية
  • معهد «فافو» النرويجي
Keywords:
  • Palestinian Society
  • Colonial Policies
  • Israeli Civil Administration
  • Fafo Research Foundation

الأثر الاستعماري وتشظية المجتمع الفلسطيني

تتتبّع هذه الورقة مسار العلاقة الإشكالية بين الإحصاء والبحث الاجتماعي في الأرض

المحتلة سنة 1967، وذلك للكشف عن الأثر الاستعماري فيها وتحولاته، والوقوف

على الكيفية التي تعامل بها الباحثون الاجتماعيون الفلسطينيون مع البيانات الإحصائية

الصادرة عن الجهاز الاستعماري وطبيعة الموقف النقدي منها. ويتعلق مجال البحث بمرحلة

ما بعد أوسلو وإنشاء جهاز فلسطيني للإحصاء فتح وجوده المجال واسعًا لإنتاج أبحاث

اجتماعية معتمدة على بياناته من دون تطور وعي نقدي بالأثر الاستعماري فيها، ودورها في

تشظية المجتمع الفلسطيني وتصنيفه، وإدارة الفلسطينيين والرقابة عليهم، وطرح بيانات

ذات سلطة معرفية يعيدون إنتاجها بحثيًا والبناء عليها.

تركز الورقة على التسليم ببيانات الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء وعدم نقد الأسس

التي قام عليها، وتُفرد حيّزًا للمسح الإحصائي الأهم في المرحلة الانتقالية بين مسوحات

الإدارة المدنية الإسرائيلية ومسوحات جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني، وهو بحث

معهد «فافو» النرويجي الذي شكّل – بحسب افتراض الورقة - التعبير الأهم عن دور

الإحصاء في تشظية المجتمع الفلسطيني وتجزئته كوحدة للتحليل والدراسة، وثبّت التجزئة

الإسرائيلية الجغرافية والقانونية للمجتمع الفلسطيني، ومهّد لإنشاء جهاز الإحصاء

الفلسطيني كحلقة أدق في إدارة الفلسطينيين وضبطهم في الضفة الغربية وقطاع غزة،

وتوفير معلومات وبيانات يعيدون إنتاجها لتشكّل معرفتهم عن أنفسهم. مع الاهتمام بطبيعة الحالة المركّبة للمناطق المحتلة سنة 1967، وهو ما يجعلها تحت سيطرة

سلطتين متداخلتين تمارسان الإدارة والرقابة والضبط على السكان بطريقة فريدة، تشكّل

دراسة دور الإحصاء في إرسائها مساهمة أساسية في سبيل فهم أثر هذا التركيب والتداخل

في المجتمع الفلسطيني ومعرفته الاجتماعية التي ينتجها عن نفسه.

تمهيد

مع إنشاء أقسام العلوم الاجتماعية في الجامعات الفلسطينية داخل الأرض المحتلة 7196،

برزت الحاجة إلى الإحصاء والمسوح كبيانات أولية تمهّد لدراسة المجتمع الفلسطيني، وتمكّن

الطلاب والدارسين من البدء بإجراء دراسة اجتماعية تعتمد على المسوح والإحصاءات. في تلك

الفترة، لم يكن ثمة مسوح أولية بكل أنواعها إالّ تلك الصادرة عن دائرة الإحصاء في الإدارة المدنية

الإسرائيلية تحت اسم «مسح البيوتات»، وهو خاص بالمناطق المحتلة سنة 7196، وفيها الكثير من

التقريب والتخمين وعدم الدقة، غير أنها كانت المادة المسحيّة الإحصائية الوحيدة المتوافرة، ولذلك

«اضطر» البحّاثة الاجتماعيون العاملون داخل الأرض المحتلة إلى اعتمادها، مع التحوّط بإعلان وعيهم

بخطورتها كونها صادرة عن الجهاز الاستعماري، وبحسب تعبير سليم تماري، فإنهم كانوا يستفيدون

منها ويرفضونها. ويمكن القول إن هذه كانت بداية العلاقة الإشكالية بين البحث الاجتماعي في الجامعات الفلسطينية تحت

الاحتلال، والجهاز الإحصائي بكل أشكاله وتجلياته. تلت ذلك في الثمانينيات محاولات إجراء مسوح

للاستفادة منها في البحث الاجتماعي المهووس بالأرقام في تلك الفترة، وظلت تلك المسوح قطاعية

مناطقية حتى جاء في سنة 0199 بحث معهد العلوم الاجتماعية التطبيقية في أوسلو («فافو») المموَّل

من وزارة الخارجية النرويجية، والمستند إلى مسح للأوضاع الحياتية في الأراضي المحتلة، وهو الأول من

نوعه من حيث التعامل مع الضفة الغربية (بما فيها القدس) وقطاع غزة كوحدة واحدة وتعريفها على أنها

«المجتمع الفلسطيني». جاء هذا البحث الشامل كتمهيد إحصائي للتمويل الدولي اللاحق للسلطة الفلسطينية ومنظمات المجتمع

المدني الناشئة معها وبعدها، وجاء على منوال أبحاث قام بها «فافو» في الدقهلية في دلتا النيل، ومشاريع

مشابهة في أوروبا الشرقية واسكندنافيا. وإلى جانب الأهمية السياسية للبحث وعلاقته باتفاق أوسلو الذي

تركز عليه الورقة، يُعتبر هذا البحث التعبير البحثي الأبلغ بشأن التعامل المستجد مع الفلسطينيين في

الضفة وغزة والقدس على اعتبار أنهم «المجتمع الفلسطيني» من دون كثير من الاستدراك. تتضح أهمية بحث «فافو» في علاقته بمكتب الإحصاء الفلسطيني الذي أنشئ مع السلطة الفلسطينية،

ودور النرويج في تدشين هذا المؤسسة ذات الطابع الدولاني. ويمكن القول إن وجود مكتب الإحصاء

- الذي جاء كأحد التعبيرات المؤسسية عن «أيديولوجيا بناء الدولة» ببياناته ومسوحه المقتصرة على

غزة والضفة وأجزاء من القدس - كان ترسيخًا لتشظية المجتمع الفلسطيني كوحدة تحليلية وكذلك

على مستوى دلالة التعبير. ومع ظهور «سوق للأبحاث» في مناطق السلطة الفلسطينية بعد توقيع

اتفاق أوسلو ونخبة معولمة من الباحثين والخبراء، باتت الإحصاءات والبيانات الصادرة عن مكتب

الإحصاء بمنزلة مادة خام تمهّد لإجراء أبحاث كثيرة، ومجرد وجودها يدفع الباحثين والمؤسسات

إلى اعتمادها لإنجاز الكثير من المشاريع البحثية، وهذا ما تفترض الورقة أنه قاد إلى تشكيل جديد

للمقصود بالمجتمع الفلسطيني، وشكّل الإحصاء أداة محورية في هذا المسار، مع التركيز على أن الرؤية

النقدية لدى الباحثين الاجتماعيين فلسطينيًا حيال الإحصاءات التي ظهرت في السبعينيات والثمانينيات

1 سليم تماري، مقابلة شخصية، رام الله، تموز/ يوليو.2012

تلاشت تقريبًا في مرحلة التسعينيات، وبات ما يصدره جهاز الإحصاء الفلسطيني من بيانات وأرقام

ومسوح أقرب إلى المادة الخام الموضوعية. وبالتالي فإن لهذه الدراسة افتراضات ثلاثة تبتغي فحصها: - إن تتبّع مسار الإحصاء منذ سنة 7196 في الضفة الغربية والقدس وغزة بدءًا بالإدارة المدنية الإسرائيلية،

ومرورًا ببحث معهد «فافو»، ووصوال إلى الجهاز المركزي للإحصاء التابع للسلطة الفلسطينية، يُظهر

مساهمة الإحصاء في تشظية المجتمع الفلسطيني وغياب التعامل معه كوحدة تحليلية واحدة، من دون

تبرير معرفي أو علمي. - إن المقارنة بين الرؤية النقدية للباحثين الاجتماعيين للمسوح والإحصاءات في مرحلة السبعينيات

والثمانينيات، ورؤيتهم وتعاملهم مع المسوح والإحصاءات بعد أوسلو تُظهر تلاشي تلك الرؤية النقدية،

والتحول للتعامل مع المسوح والإحصاءات والبيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء كمواد أولية

أقرب إلى الحقائق. - إن بحث «فافو» النرويجي شكّل التعبير الأساس عمليًّا ونظريًّا للتحول في تحديد «المجتمع الفلسطيني»،

وشكّل التعبير الأهم عن دور الإحصاء في التأسيس للسلطة الفلسطينية وإدارة أموال مانحيها.

المنهجية

في سبيل فحص الافتراضات السابقة، اعتمد الباحث على تحليل الآثار والشهادات، أي مجموعة من

الأبحاث والمجلات التي صدرت في مراحل السبعينيات والثمانينيات، معتمدة على البيانات الإحصائية،

بالإضافة إلى تحليل المقاربات النقدية لفكرة الإحصاء في تلك الفترة وفق رؤية باحثين فلسطينيين أنتجوا في

البيئة البحثية الفلسطينية. يضاف إلى ذلك النظر في إنتاج بحثي متصل لباحثين فلسطينيين وفحص علاقته

الإشكالية مع المادة الإحصائية، وصوالً إلى فحص الافتراضات المذكورة سلفًا. وتحليل الشهادات إنما هو

تحليل لمقابلات معمّقة مع مجموعة من أبرز البحاثة الاجتماعيين الفلسطينيين منذ أواسط السبعينيات

وحتى أواخر التسعينيات، وذلك للوقوف على الموقف النقدي من الإحصاء، والدراية بدوره كأداة

استعمارية في البداية، ومن ثم كأداة للتدخّل السياسي وتنظيم التمويل وبناء مؤسسات السلطة الفلسطينية،

وبعدها كأداة في تشظية المجتمع الفلسطيني كوحدة تحليل في الأبحاث الاجتماعية.

الفلسطينيون كموضوع للإدارة الاستعمارية

ضمن محاولة تعقّب التطور التاريخي للكتابات العلمية عن فلسطين في الثقافة الأنغلو سكسونية، يرى

المؤرخ بشارة دوماني أن هذه الكتابات تناولت في معظمها ثلاثة عناوين رئيسة هي: الأرض (المقدسة)

2 والتعبير للباحث المغربي عبد الله العروي في توصيفه لنهج كارل منهايم الذي طور بناء عليه مساهماته في اجتماعيات الثقافة، ويسمّي

العروي هذا النهج والمساهمات البحثية القريبة منه النهج الاجتماعي لتفهّم الأعمال الفكرية، انظر: عبد الله العروي، مفهوم الأيديولوجيا،

ط 5 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1993)، ص.71

3 تشمل المقابلات سليم تماري وجميل هلال وليزا تراكي وغيرهم.

والدولة (فلسطين) والمجتمع (الفلسطينيون). ولعل الميزة الأهم لطرح دوماني أنه يرصد غياب أو

إسكات السكان الأصليين عن الكتابة عن فلسطين، إالّ أنه يعرض لوجه بالغ الأهمية من التعامل معهم

حين أصبح شعار «أرض بلا شعب» غير قابل للتصديق والتبرير، وأصبح «الشعب» غير قابل للإنكار،

ويؤرخ لمرحلة الإقرار بوجود السكان الفلسطينيين بالتحول من الكتابة عن «الأرض/ المقدسة» إلى

«الدولة/ فلسطين». بحسب دوماني، صارت الدولة منذ عشرينيات القرن العشرين وحتى السبعينيات منه الإطار الأساس

للتحليل. وجرت محاولة الانتقال من الإمبراطورية إلى الدولة بصفتها الشكل السائد للتنظيم السياسي،

ولإنشاء هياكل جديدة للسيطرة الاستعمارية على السكان المتمردين. وبعد فشل الإنكار وتمنيات اختفاء

السكان الأصليين، بدأ الفلسطينيون يطلّون ككتلة بشرية تعرّف في الكتابات التاريخية الأوروبية كعرب

أو كمسلمين. إالّ أن السلطة الاستعمارية كانت تراهم موضوعًا للإدارة والتنظيم والضبط، وبدأ الناس

الذين كانوا غائبين إلى حد كبير في الإطار التوراتي المشغول بالأرض المقدسة يظهرون في إطار الدولة

كشخوص يجب إحصاؤهم وتهذيبهم وحكمهم. ولا أدل على هذا التحوّل المركزي من الحجم الضخم لنتاج البيانات الرقمية في تلك الفترة؛ «إذ قامت

جملة من المؤسسات التابعة للدولة بتنفيذ ثلاثة أنواع من الممارسات هي: الإحصاء والحكم ووضع أسس

الملْكية القانونية ومفاهيم الحق. فالأرشيفات البريطانية والفرنسية والألمانية والروسية ملأى بالسجلات

المتسلسلة كتعداد للسكان، وكشوف للتجنيد، وسجلات الضرائب، وإحصاءات الصادرات والواردات

وغيرها». ويضاف إلى ذلك جميع الوثائق الورقية التي خلّفتها المدارس والبلديات والمستشفيات

والمؤسسات القانونية والسجلات التجارية والمالية، وكان لهذه الأوراق كلها فعلها وأثرها في كل ما كُتب

عن تلك الفترة وفي البحث الذي أجري عنها. وجاءت بعد ذلك مرحلة «المجتمع/ الفلسطينيين» التي

بدأت الكتابة فيها تهتم بالفلسطينيين، وبدأ المؤرخون يحوّلون انتباههم من فلسطين إلى حياة الفلسطينيين

الاجتماعية والثقافية تحت ضغط عوامل عدة، بعضها متعلق بالحراك الشعبي في الانتفاضة الأولى وبعضها

الآخر متصل بمتغيرات معرفية على مستوى العالم. وبدأت الكتابة التاريخية تبحث لنفسها عن أدوات

ومنهجيات جديدة، فظهر التاريخ الشفوي واليوميات والرسائل وغيرها من مواد كتابة التاريخ. لئن كان ما يرصده دوماني تحديدًا هو الكتابات العلمية عن فلسطين في الثقافة الأنغلو سكسونية، فإنه

يضيء على عقدة مهمة واجهت المشروع الاستعماري في فلسطين وهي السكان الأصليون؛ فبعد التطهير

العرقي سنة 8194 ومحاولات تهجير السكان، ظلّت العقدة ماثلة في بقاء الكثير منهم داخل حدود

إسرائيل، وفي الأجزاء الأخرى من فلسطين التاريخية. وصار لا بد من إدارة وجود هؤلاء السكان بعد أن

4 بشارة دوماني، «المحذوفون من السرد التاريخي،» مجلة الدراسات الفلسطينية، السنة 21، العدد 84 (خريف 0102)، ص.41-35

5 المصدر نفسه، ص.39

6 يورد دوماني ما كتبه مدرّس في دائرة التربية والتعليم في نهاية حكم الانتداب سنة 8194 حين قال: «كان يمكن لهذا البلد أن يكون في

غاية الجمال لو كان الشعب الموجود فيه مختلفًا».

7 دوماني، ص.40

8 المصدر نفسه.

9 تبدو أهمية طرح دوماني في هذه المقالة عند هذه النقطة تحديدًا، وتتسق مع مجمل الطروحات النظرية بشأن ظهور الإحصاء كحادث

لاحق لحادث أهم، وربما سبب مؤسس، وهو ظهور «السكان» مع الدولة القومية الحديثة، بعد أن كانوا «رعايا» قبلها.

أصبح خيار التخلص منهم غير ممكن ولا عمليّ. وبعد النكسة واحتلال الضفة وغزة والجولان وسيناء،

«توحّد» المجتمع الفلسطيني فعالً تحت سيطرة الاحتلال، وازداد حجم الكتلة البشرية التي تعنيّ على

الاحتلال إدارتها، وبدأت السلطة الاستعمارية منذ سنة 7196 بانتهاج أساليب وسياسات جديدة لإدارة

هذه الكتلة البشرية وضبطها. والحال أن حرب 7196 جعلت إسرائيل في مواجهة كتلة بشرية بقيت في أرضها بعد هزيمة الجيوش

العربية، ولا بد من إدارة هذا المجموع البشري وبأدوات ومؤسسات مختلفة عن تلك التي تدير بها ما

تبقى من المجتمع الفلسطيني في الأرض المحتلة سنة 8194. وبدأت بسلسلة من السياسات والإجراءات

التي ترمي إلى ضبط هذا الجزء من فلسطين، أي الضفة وغزة، وإدارته. ولعل واحدًا من أهم الإجراءات

وأولها كان فرض تسجيل اسم الحمولة كاسم عائلي أخير، وذلك من أجل تحديد السكان وتصنيفهم.

ويمكن تخيّل حجم الإرباك والتوتر اللذين يفرزهما قرار كهذا في بيئة ريفية كان اسم العائلة فيها يتغير

كثيرًا ولأسباب عديدة، منها الانضواء تحت اسم عائلات ذات منعة وقوة، والميل إلى إطلاق الألقاب على

أشخاص لأسباب مختلفة فتحمل عوائلهم الأسماء بعد ذلك. ويمكن النظر إلى هذا الإجراء كأول خطوة

في متوالية الضبط والإدارة. ويمكن القول إن حالة من عدم يقين ظهرت إزاء الأساليب الأكثر ملاءمة لإدارة هذه الكتلة البشرية

والتعامل معها كحالة مؤقتة وعدم حسم الموقف منها، ووسمت السلوك الاستعماري الإسرائيلي حيال

سكان الضفة وغزة. فعلى الرغم من بناء جهاز الإدارة المدنية وتويلّ المهمات الإدارية التي اضطلعت بها

السلطات الأردنية والمصرية، فإن حالة من عدم استدامة أي نظام أو إجراء كانت تشي باعتقاد عدم دوام

الحالة السائدة في الضفة وغزة إداريًا، وربما يفسر هذا غياب جهد إحصائي دقيق للفلسطينيين في الضفة

وغزة تتولاه سلطات الاحتلال وإداراته. وقد جرى الاكتفاء بمسح تقديري لوحدته الأولية هي «البيت»

لا الفرد، وعُرف ب«مسح البيوتات» (Household Survey)، وساد لدى الباحثين الفلسطينيين اقتناع

بعدم دقته وباعتماده على التخمين. يمكن الانتباه إلى أن جوهر التعامل مع الكتلة البشرية في الضفة وغزة كان أمنيًا، وجميع محاولات التصنيف

والإحصاء من خلال منح بطاقات هوية بألوان وصفات مختلفة، وضبط حركة التنقل والإقامة وغيرها،

كانت تؤدي غرضًا أمنيًا بالدرجة الأولى. وكان القرارات العسكرية وأوامر الحاكم العسكري هي

0 1 صالح عبد الجواد، «تأثير الهجرة الفلسطينية في ملكية الأراضي والزعامة المحلية،» مجلة الدراسات الفلسطينية، السنة 02، العدد 78

(ربيع 0092)، ص.85-84

11 تعرّف الإدارة المدنية الإسرائيلية ليهودا والسامرة نفسها على أنها: «جزء من جهاز تنسيق أعمال الحكومة (الإسرائيلية) في المناطق،

الذراع المسؤولة عن تطبيق سياسة الحكومة في أراضي يهودا والسامرة وتطوير المنطقة في المجالات المدنية، حسب توجيهات المستوى

السياسي وبالتنسيق مع الوزارات المختلفة، جيش [...] الإسرائيلي وجهاز الأمن. وبذلك فإن الإدارة المدنية هي جزء لا يتجزأ من نشاط

[ال]جيش [...] وقيادة المنطقة الوسطى في الحالات العادية وحالات الطوارئ». ويتضح غلبة الجانب الأمني على عملها في المرحلة بعد

إنشاء السلطة الفلسطينية، أمّا بالنسبة إلى غزة، فتوجد مديرية تنسيق وارتباط ولكن مهماتها مختلفة حاليًا، كما يوضح الموقع الإلكتروني

< http://www.cogat.idf.il/894-ar/Matpash.aspx>. للإدارة المدنية:

12 Quarterly Statistics of the Administered Territories (QSAT), by the Israeli Central Bureau of Statistics.

13 حتى التعداد السكاني الذي جرى بعد النكبة والنكسة كان في جزء كبير منه محاولة لاستكمال مشروع التطهير العرقي من خلال

عدم إحصاء من كانوا خارج فلسطين حين التعداد، والتعامل مع أملاكهم تحت مسمّى «أملاك الغائبين»، لتستولي السلطات الاستعمارية

عليها بعد ذلك وتضعها تحت قبضة «حارس أملاك الغائبين». انظر: إيليا زريق، «تشكيل فلسطين عبر ممارسات المراقبة،» عمران للعلوم

الاجتماعية والإنسانية، السنة 2، العدد 6 (خريف 0132)، ص.83-82

التعبير الأوضح عن طبيعة العلاقة بين الاحتلال وسكان الضفة وغزة. ولعل عدم توافر معلومات

إحصائية دقيقة عن سكان الضفة وغزة يعود إلى عدم التثبّت من وضعهم الحالي، وبالتالي الامتناع من

ترسيخه أو تنظيمه على شاكلة ثابتة. ولا يعنينا في هذه الدراسة بالدرجة الأولى الوقوف على ما كانت سلطة الاحتلال الاستعمارية تريده من

هذه الإحصاءات، وإنما ينصب الاهتمام هنا على تعامل الفلسطينيين معها، والأوضاع التي جاء فيها

هذا التعامل، وكيفية تطوره، وأثره بشكل كبير في المجتمع الفلسطيني كواقع ومصطلح.

البحث الاجتماعي الفلسطيني والبيانات الاستعمارية

كان البحث الاجتماعي الفلسطيني في أواخر السبعينيات وحتى إنشاء السلطة يواجه معضلة أساسية

في الحصول على الإحصاءات والمسوح، وهو ما جعل القياس الإحصائي – كمحدد علمي في البحث

الاجتماعي- معتمِدًا على تجميع بيانات على نطاق ضيّق وبإمكانات ضئيلة تصلح لدراسات محدودة،

من دون توافر إحصاءات عامة عن المجتمع ككل أو عن المدن أو عن أي قطاع من القطاعات؛

فالمسوح الإحصائية التي تمهّد للقياس الإحصائي كانت حكرًا على دوائر الإدارة المدنية الإسرائيلية،

وكان الباحث الفلسطيني يُمنع من الحصول عليها أو الاطّلاع عليها لأسباب أمنية. وفي أواخر

السبعينيات، يقول سليم تماري - أحد مؤسسي أول دائرة لعلم الاجتماع في الضفة الغربية وغزة، وهي

دائرة علم الاجتماع والإنسان في جامعة بيرزيت - إنه استخدم في هذه الدائرة الإحصاءات المنشورة

عن الإدارة المدنية الإسرائيلية تحت مسمّى «مسح البيوتات» في أغراض بحثية. وعلى الرغم من

إدراك ما للإحصاء من قيمة كعملية ضمن السياسة الاستعمارية والوعي بخطورة التسليم بالأرقام

والإحصاءات الواردة عن السلطة الاستعمارية، فإن مبررات البحث العلمي الجاد -كما يرى تماري -

كانت تستوجب على الأقل الاسترشاد بهذه الإحصاءات، وهذا ما اعتُمد في الجامعة في تدريس الطلاب

وإجراء بعض الأبحاث، مع الدراية بخطورة البناء على معطيات أولية ينشرها المستعمِر عن واقع

المستعمَرين. ويرى تماري أن التعامل مع تلك الأبحاث كان يتم بمنطق الاستفادة منها لأنها ضرورية،

ومن دونها يفقد البحث الكثير من شروطه وضوابطه، وكانت في الوقت ذاته مرفوضة لصدورها عن

الجهاز الاستعماري. على الرغم من أن تبريرات الحذر من استعمال الإحصاء الاسرائيلي نابعة من التشكيك في صدقه ودقته

والقلق العام من أهدافه وما يبطنه ويخفيه، فإن حدًّا معقوالً من التعامل النقدي مع هذه الإحصاءات

14 ربما يمكن النظر إلى روابط القرى ودعم الاحتلال لمرشحين في الانتخابات البلدية في الضفة الغربية كمحاولة للتعامل مع فلسطينيي

الضفة عبر الزعامات المحلية، وهو أسلوب استعماري قديم متجدد، وعدم حسم شكل العلاقة مع الفلسطينيين بشكل مباشر ونهائي، بل

التعامل مع طرف وسيط وإدارتهم من خلاله.

15 لمزيد من التفصيل بشأن الأسس الرئيسة للتعامل الإحصائي والرقابي الإسرائيلي مع المساحة والسكان في فلسطين، انظر: زريق،

«تشكيل فلسطين عبر ممارسات المراقبة،» ص.98-73

16 Salim Tamari, “Problems of Social Science Research in Palestine: An Overview,” Current Sociology , vol. 42, no. 2 (June 1994), p. 79. 17 Salim Tamari, “Building Other People’s Homes: The Palestinian Peasant’s Household and Work in Israel ,” Journal of Palestine Studies , vol. 11, no. 1 (Autumn 1981), pp. 31-66.

كان متوافرًا لدى الباحثين، ولكن من دون دراسات أو مقالات تؤسس لرفض الإحصاء

الاستعماري أو تقف على حقيقة أهدافه وأدواره، وتنبّه إلى خطورته الكامنة في أنه «يحدد التصنيف

ويغريّه عدة مرات تحت مفاهيم رؤيته هو للناس، وليس كما يرون أنفسهم، وهكذا يعوّد الناس على فهم

أنفسهم كطوائف وديانات وأعراق بمجرد إبلاغ الناس على الملأ عن نسب كهذه من السكان، وبمجرد

تعامل الدولة معهم على هذا الأساس على مستوى التمثيل أو التوظيف وهكذا.. وهذا اختراع لم

يكن قائامً قبل الاستعمار بأي معنى شبيه أو مشابه». ويشير إيليا زريق إلى خطورة الإحصاء في

المجتمعات المستعمرة والمنقسمة على ذاتها، «ففي مواجهة النظام الاجتماعي التقليدي الذي يحتوي على

عدة انتماءات وعلى هويات هجينة، كما هو الحال في العالم العربي المستعمر، فإن تيموثي ميتشل وروجر

أوين يلاحظان أن الدولة الاستعمارية تحاول إعادة تكوينها (الهويات) كمجموعات محدَّدة وموحَّدة

من خلال سيطرتها على بعض وسائل التعداد مثل تنظيم عملية الإحصاء». ولا تُعنى الورقة هنا

بالإسهاب في تحديد أثر الإحصاء في المجتمع، أو نوع التصنيفات التي ولّدها، بل تشير إلى أن وعيًا

بالعملية الإحصائية من هذا المنطلق النقدي لم يكن متوافرًا. إن عدم توافر البيانات الأولية المسحية المتعلقة بأعداد السكان وخلفياتهم الاجتماعية والمعطيات

الاقتصادية، وعدم توفر إمكان الوصول إلى خرائط مسحية أو سجلات المحاكم أو بيانات مراكز الشرطة

ودوائر تسجيل الأراضي وأرشيف البلديات والمجالس المحلية، كانا سمة واضحة للبحث الاجتماعي

قبل أوسلو، وحازا هامشًا كبيرًا من المحاولات الخجولة لدراسة البحث الاجتماعي قبل أوسلو. وقد

انصرفت أغلبية المقالات والدراسات إلى توصيف طبيعة البيئة التي تجعل من البحث العلمي الاجتماعي

مهمة شبه مستحيلة.

8 1 انظر مثالً: عادل سماره، «أداء المؤسسات الاقتصادية في المناطق المحتلة قبل الانتفاضة وخلالها،» مجلة الدراسات الفلسطينية،

السنة 1، العدد 1 (شتاء 0199)، ص.61 وفيها يعتمد سمارة في دراسته للمؤسسات الاقتصادية في الضفة وغزة على بيانات إحصائية

إسرائيلية صادرة عن دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، ويقول في أحد الهوامش: «ليس من السهل اعتماد البيانات الإحصائية

الإسرائيلية في شأن اقتصاد المناطق المحتلة، نظرًا إلى تباين تقديرات المصادر الإسرائيلية، ونظرًا إلى خضوعها لتحريف مقصود ومحفوز

بالأهواء الأيديولوجية، ونظرًا إلى عدم إجراء مسوحات عملية ميدانية»، وعلى الرغم من أن هذه التحوطات والهوامش كانت ترافق في

تلك الفترة أغلبية استخدامات المعلومات الصادرة عن دوائر إحصائية إسرائيلية، فإن ذلك لم يكن يمنع استخدامها، ويبدو الخطاب الذي

تحمله هذه الاستدراكات موجَّهًا إلى القارئ الفلسطيني وإلى دفع شبهة عن مستخدم الإحصاءات تلك.

ويمكن مراجعة الأعداد الأولى باللغة العربية ل مجلة الدراسات الفلسطينية وملاحظة أن هنالك ثلاثة مصادر رئيسة للحصول على

المعلومات والبيانات الإحصائية في مجمل الدراسات المنشورة في المجلة، وهي على الترتيب من حيث الاستخدام: بيانات دوائر الإحصاء

الإسرائيلية، وأهمها Israel, Central Bureau of Statistic (CBS)؛ بيانات مؤسسات الأمم المتحدة، وتحديدًا الأنروا ومنظمة الصحة

العالمية؛ بيانات قطاعيّة محدودة توفرها مسوحات تجريها مؤسسات فلسطينية تركز أغلبيتها في القدس.

19 انظر: عزمي بشارة، «تقديم،» في: بندكت أندرسن، الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها، ترجمة ثائر ديب؛ تقديم

عزمي بشارة (دمشق: قدمس للنشر والتوزيع، 0092)، ص.45-39

0 2 انظر: إيليا زريق، «الخطاب الإسرائيلي حول التوازن السكاني العربي – اليهودي،» أبحاث فلسطينية في المجتمع والتاريخ، العدد 1

(ربيع 0062)، ص.30-7

21 بحسب دراسة لواقع البحث الاجتماعي في فترة الثمانينيات، يسرد سليم تماري كثيرًا من الشواهد على شح البيانات الأولية

والإجراءات الإسرائيلية الحائلة دون الحصول عليها، حتى وصل الأمر إلى اعتقاله في إثر إحدى محاولاته للحصول على بعض المعلومات

من دوائر رسمية!

22 انظر مثلا: عبد اللطيف عقل، «واقع البحث العلمي وآفاق تطويره،» مجلة النجاح للأبحاث، العدد 4 (8619)، ص 0-15922،

. Tamari, “Problems of Social Science Research” و

وفي ضوء اقتناع مجموعة الباحثين الاجتماعيين في بيرزيت بأهمية الإحصاء والمسوحات للوصول

بالبحث الاجتماعي إلى صيغة علمية مقبولة، حاولت مجلة آفاق فلسطينية أو نشرة أبحاث بيرزيت

توفير قدر أدنى من المعلومات التي تشكّل خريطة مفتاحية للباحثين حتى يتمكنوا من العمل ضمن

هذه البيئة ويتعرفوا عليها. وقد عرّفت المجلة نفسها بأنها «مجلة تعتني بمراجعة الأبحاث المتعلقة

بالمجتمع الفلسطيني في العلوم الإنسانية والاجتماعية» بكل ما للتعريف الصريح هذا من دلالة

نقدية إرشادية، ومن هنا جاء العدد الأول مخصصًا للتعريف بأهم المراكز والمؤسسات البحثية

الناشطة، وعرض بيبلوغرافيا لمنشوراتها وإنجازاتها، وتوضيح توفّرها على أرشيف أو خرائط أو أي

بيانات أولية، في محاولة لتجاوز الشح في هذه الموارد ولدفع البحث الاجتماعي قدر الإمكان ضمن

الأوضاع السائدة. ولا بد من الإشارة إلى أن الشرط الاجتماعي، المتمثّل في كون الإدارة المدنية الإسرائيلية هي الجهة الرسمية

التي تتولى إدارة شؤون الضفة وغزة في تلك الفترة، يُعتبر جزءًا مه من البراديغم الاجتماعي لمرحلة ما قبل

أوسلو، وأن كل ما ورد من توصيف لسيطرتها على المعلومات وتحكّمها في أحوال البحث الاجتماعي يُعتبر

جزءًا من فهم مسار البحث الاجتماعي وتحديد البراديغم الاجتماعي في تلك الفترة. ويمكن القول إن

توافر الإحصاءات تلك هو ما قاد إلى إنتاج أبحاث اجتماعية مستندة إليها، وتدرس بشكل قطاعي مناطق

في الضفة الغربية. وعلى الرغم من أن الدراسات الاجتماعية القطاعية والمناطقية مبررة معرفيًا أو لا تحتاج

إلى تبرير، فإنها في السياق الفلسطيني في مرحلة أواخر السبعينيات والثمانينيات كانت بداية مسار من

البحث الاجتماعي الراضخ أو القانع بالحدود التي تفرضها السلطات الاستعمارية، وهو ما مهّد بعد حين

لتغريّ كبير في دلالة تعبير «المجتمع الفلسطيني» واستخدامه كوحدة للدراسة، فالتقسيم والعزل الإداري

المناطقي بدآ يتسربان إلى البحث الاجتماعي ضمن مسار متصاعد، ويمكن القول إن البحث الاجتماعي

ساهم في تصاعد المسار وتثبيته.

23 لا يُقصد هنا وجود مجموعة متينة ثابتة تصح تسميتها «الجماعة العلمية»، كما يرد في أدبيات علم اجتماع العلوم، وإنما هو تركّز

لمجموعة من الباحثين كانت لهم المساهمة الأكبر في مسيرة البحث الاجتماعي الفلسطيني، وتشاركهم مجموعة من المشاريع والتصورات

لواقع البحث تحت الاحتلال.

24 يأتي اهتمام الباحث بهذه المجلة بناء على بحث مطوَّل أجراه عن العلاقة بين البحث الاجتماعي الفلسطيني والأيديولوجيا السائدة

في المجتمع الفلسطيني من أوائل السبعينيات وحتى بُعيد توقيع اتفاق أوسلو. وتكتسب المجلة أهمية كونها المجلة العلمية الأولى المعنية

بالأبحاث الاجتماعية تحت الاحتلال بعد سنة 7196، ومثّلت جهدًا جمعيًا لباحثين شكلت مساهمتهم مجمل الإنتاج البحثي الاجتماعي

الفلسطيني تحت الاحتلال، وكون المجلة شكلت رؤية نقدية معرفية واضحة حيال الإنتاج البحثي والسائد الأيديولوجي. انظر: عبّاد

خالد عبد يحيى، “ مساهمة في نقد الإنشغال العربي بثنائية «المعرفي/ الأيديولوجي»: الحالة الفلسطينية مثالا،» إشراف ليزا تراكي (رسالة

ماجستير في علم الاجتماع، جامعة بيرزيت، كلية الدراسات العليا، رام الله،.)2013

25 البراديغم الاجتماعي هو ما طوره جان بياجيه في دراسته لتكوّن المعارف. ويكتسب المفهوم أهمية في هذا السياق كونه يمكّن الباحث

من فهم الشروط والمحددات التي تحكمت في البحث الاجتماعي في سياق ما، من دون الاتكاء بشكل مبالغ فيه على الأيديولوجيا السائدة

أو خيارات الباحثين الصرف في تحديد مسارهم البحثي وطبيعة إنتاجهم، فلا يمكن البحث في دوافع أيديولوجية أو معرفية وراء الإحجام

عن الأبحاث المستند إلى إحصاءات سكانية مثالً في ظل شرط اجتماعي يعيق الحصول على المعلومات ولا يمكّن الباحثين منها.

26 يرى سليم تماري أن البحث الاجتماعي الفلسطيني ظل مشغوالً بالعمل على مستوى شمولي أو على مستوى الماكرو، وبالتالي فإن كان

التحوّل إلى دراسات مركّزة على مستوى المايكرو اجتماعيًا يحمل دلالات ويقبل كثيرًا من التفسيرات، فإنه على المستوى العلمي والمعرفي

ليس بحاجة إلى تبرير بل هو في صلب التصور العلمي للبحث العلمي.

الانزياح المستمر في تحديد «المجتمع الفلسطيني»

لعل واحدة من أهم القضايا التي يطرحها التحليل الإبيستيمولوجي للبحث الاجتماعي في فلسطين

هي قضية التحوّل والتغريّ في دلالة «المجتمع الفلسطيني» خلال مسار البحث الاجتماعي ككل.

والمقصود تحديدًا التغريّ في التعامل مع وحدة تحليل هي المجتمع الفلسطيني، وخضوع هذه الوحدة

للشرط الاستعماري الذي قسم فلسطين جغرافيًا إلى أراض محتلة سنة 8194 وأراض محتلة سنة

1967، واستمرار نفاذ الكثير من القوانين المنتمية إلى حقب ماضية كالعثمانية والانتدابية والأردنية

والمصرية ثم الإسرائيلية، وتأثيرها بشكل أساس في ملْكية الأراضي وحجم تلك التي يملكها

العرب الفلسطينيون، مع تشتت الشعب الفلسطيني إلى شتات لاجئ في دول الجوار وفلسطينيين

في مناطق 84 وآخرين في مناطق 7.6 والكيفية التي تعامل بها الباحثون الاجتماعيون مع هذا التشظي

حمّالة تحليلات وتفسيرات عديدة لم تُدرس بشكل كاف، ولا تزال التشظية تفعل فعلها في المجتمع

الفلسطيني وفي دراسته أو دراسة أي قطاع منه. توضح دراسة التحوّل في التعامل مع نتاج الفعل الاستعماري وتجزئته لفلسطين بحثيًا أنه في ظل

أيديولوجيا التحرر الوطني وأيديولوجيا الالتزام الوطني، ما كان ممكنًا إجراء بحث اجتماعي عن

72 في فترة الثمانينيات وأوائل التسعينيات، كان تعبير الأراضي المحتلة والمناطق المحتلة يعني الضفة وغزة، ولم يكن يرافق استخدام هذا

التعبير أي تبرير معرفي أو علمي له، وكان يعكس صراحة أن هنالك اختلافًا يقرّ به بين الضفة وغزة والأرض المحتلة سنة 8.194 ويمكن

أن يكون بدء الحديث عن/ والبحث في «التنمية تحت الاحتلال» في أوائل الثمانينيات إشارة إلى سلطة الأمر الواقع التي تكرست وتسربت

إلى البحث الاجتماعي وجرى الإقرار بها والعمل من داخلها، على الرغم من هيمنة أيديولوجيا الالتزام الوطني التي دفعت بالباحثين

إلى تبرير هذه الاستخدامات؛ فمثالً، يأتي العدد الثالث من نشرة أبحاث بيرزيت (ربيع 8619) الذي جاء تحت عنوان «دراسات في

التنمية والتخلّف»، إلى تلمّس غياب التنمية في ظل الاحتلال الذي كان يشارف على إكمال عقده الثاني من حكم الضفة الغربية وغزة.

وقد شهد العقد الثاني طفرة في الحديث عن التنمية وعقد المؤتمرات والندوات خارج فلسطين، وظهور مراكز أبحاث في الداخل، وكلّها

تبحث في إمكانات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمناطق المحتلة. ويطرح سليم تماري في تقديمه للعدد إشارة إلى مؤتمر عُقد في جامعة

أوكسفورد بهدف التعريف بمشكلات المناطق المحتلة ومستقبلها، وكان شعاره «التنمية الاقتصادية في ظل الاحتلال الطويل المدى».

ويقول تماري إن عبارة «طويل المدى» جاءت «لتعكس طبيعة الزمن الذي نعيش فيه، ولو حاول الدارس الملتزم وطنيًا أو أكاديميًا أن

يستعمل هذه العبارة في أيّ دراسة قبل بضع سنوات لانهالت عليه حملة من الاتهامات التشكيكية حول مآربه وتوجهاته، إالّ أننا نجدها

اليوم مناسِبة وصفيًا وملائمة استراتيجيًا لفهم طبيعة المرحلة التي نعيشها». انظر: سليم تماري، «مقدمة المحرر،» نشرة أبحاث بيرزيت:

العدد 2 (8519)، ص.3

82 لعل البيئة القانونية في فلسطين واحدة من أهم القضايا التي تشير إلى مقدار التعقيد الذي تراكم خلال القرن الماضي، بما ينفي وحدة

المجتمع والحيّز الجغرافي. ويمكن القول إن الاحتفاظ بكل هذه الطبقات من القوانين وقرارات المحاكم ساهم في تشظية قانونية للمجتمع

الفلسطيني وتعقيد علاقته بسلطة الاحتلال وحتى بالسلطة الفلسطينية ومؤسساتها.

29 انظر: زريق، «تشكيل فلسطين عبر ممارسات المراقبة،» ص.78

03 يحوّر الباحث تعبير «أيديولوجيا الالتزام الوطني» كتعبير أوفى في حالة هذه الدراسة من تعبير «أيديولوجيا التحرر الوطني» التي

استخدمها كثير من الباحثين في توصيف الأيديولوجيا السائدة في المجال السياسي الفلسطيني بعد النكسة وانطلاق الثورة الفلسطينية.

ويتحدث جميل هلال عن هذه الأيديولوجيا بوضوح في معرض شرحه للانتقال من أيديولوجيا التحرر إلى أيديولوجيا الدولة فلسطينيًا،

ويرى، بالاستناد إلى مساهمات بحثية في الخطاب الرسمي الفلسطيني، أن الحركة الوطنية الفلسطينية بدأت تتحول بالتدريج من حركة

تحرر وطني إلى حركة يرتكز جهدها على إقامة دولة على جزء من فلسطين. وشهد الحقل السياسي الفلسطيني خلال عقدي السبعينيات

والثمانينيات تحولات دفعت في اتجاه الانتقال من أيديولوجيا التحرير إلى أيديولوجيا بناء الدولة، مع الإشارة إلى أن البحث يفترض

تخصيصًا في أيديولوجيا التحرير هو أيديولوجيا الالتزام الوطني كمرحلة أخيرة من أيديولوجيا التحرير، وتحديدًا في فترة الانتفاضة

الأولى. انظر: جميل هلال، إضاءة على مأزق النخبة السياسية الفلسطينية، القضية الفلسطينية آفاق المستقبل؛ 1 (بيروت: مؤسسة

الدراسات الفلسطينية، 0132)، ص.12-10

ومن المهم القول إن دخول أيديولوجيا بناء الدولة خفف من حدة أيديولوجيا الالتزام الوطني وهيمنتها، إالّ أنه لم يلغ وجودها، بل بقيت

حاضرة وبقوة حتى اليوم. وفي كثير من الحالات تمت المواءمة بين الأيديولوجيتين. وفي مراحل تصاعد المواجهة مع الاحتلال، تعود

أيديولوجيا الالتزام الوطني لتفرض نفسها وبقوة، وتشكّل خيارات الباحثين وتحددها، أكانوا واعين بذلك أم لا.

المجتمع الفلسطيني ميدانه الضفة وغزة، إال أن تغيرًا بطيئًا ساهم في الوصول إلى هذه الدراسة. ولم

يكن هذا التغريّ وليد تصورات موضوعية للباحثين بالدرجة الأولى وإن كانوا يعتقدون بها، بل جاء

نتيجة التحوّل التدريجي من أيديولوجيا التحرر الوطني إلى أيديولوجيا بناء الدولة، وهذا التحول بدأ

في المجال السياسي مع برنامج النقاط العشر لمنظمة التحرير، وصوالً إلى إعلان الاستقلال في الجزائر،

وتُوّج بتوقيع اتفاق أوسلو، وهذا ما يرصده جميل هلال في مراقبته لهذا التحوّل التدريجي الذي أثر

بشكل حاسم في البحث الاجتماعي. وترى ليزا تراكي أن التغريّ في البرنامج السياسي هو ما منح هذا

التحول في دراسة المجتمع الفلسطيني شرعية، ويمكن القول إن هذا التحوّل في الدراسة هو تعبير

مهم عن التحوّل في مسار البحث الاجتماعي في فلسطين تبعًا لموقعه وموقفه من الأيديولوجيا السائدة.

وبعيدًا عن المبررات المعرفية – في بداية الأمر - كانت وحدة التحليل كمجتمع فلسطيني خاضعة لهيمنة

الأيديولوجيا السائدة. ويمكن القول إن بداية التسعينيات كانت الفترة التي بدأ فيها العمل بشكل واسع على دراسة الضفة وغزة

والقدس. ولعل أهم بحث أُنجز في هذا المجال هو كتاب المجتمع الفلسطيني في غزة والضفة الغربية

والقدس العربي: بحث في الأوضاع الحياتية الذي صدر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية سنة 9941

باللغة العربية، أي بعد سنة واحدة من إصدار «فافو» له باللغة الإنكليزية، وشارك في تأليفه مجموعة من

الباحثين الفلسطينيين والنرويجيين. وتكمن أهمية البحث في كونه مستندًا إلى مسح للأوضاع الحياتية في

الأراضي المحتلة، وهو الأول من نوعه من حيث التعامل مع الضفة وغزة والقدس، ويشبه أبحاث «فافو»

في الدقهلية في دلتا النيل ومشاريع مشابهة في أوروبا الشرقية واسكندنافيا. ويتضح من تصدير البحث أن

احتواءه على توجهات تطبيقية واضحة كان محدَّدًا أساسًا في إنتاجه، وضُمن له التمويل من جانب وزارة

الخارجية النرويجية ومؤسسة فورد، وبدأ العمل الميداني في سنة 0199 وانتهى في سنة 9921، وكانت

الخلاصة تضم مجموعة المعطيات الاقتصادية – الاجتماعية الأكثر شمولية بالنسبة إلى الأوضاع الحياتية في

الأراضي المحتلة. وفي تقديم البحث وتوضيح الهدف منه وسياقه وتأطيره النظري والعملي، تقول ماريان هيبرغ إن «هذه

ليست دراسة للاحتلال، ولا هي في الواقع سبر لآثار الاحتلال على حياة الفلسطينيين تم بطريقة

31 بالضرورة يعربّ كون أغلبية وفد التفاوض في مدريد من الأكاديميين، وتحديدًا من بيرزيت، عن حجم انخراط النخبة الفلسطينية في

أيديولوجيا بناء الدولة بما هي تعبير عن التحول من تحرير فلسطين كلها إلى إقامة دولة على جزء من فلسطين، أي الضفة وغزة والقدس.

32 ليزا تراكي، مقابلة شخصية، جامعة بيرزيت، رام الله، 82 أيار/ مايو.2012

33 من المهم الإشارة إلى أن التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية اللاحقة جعلت تبرير دراسات قطاعية للضفة أو القدس أو

غزة أو الداخل بمعزل عن بقية شظايا المجتمع الفلسطيني بمبررات معرفية وموضوعية مقبولة، إالّ أن الحال لم تكن خاضعة لهذه المبررات

عند الإقدام على البحث أو الإحجام عنه.

34 ماريان هيبرغ [وآخرون]، المجتمع الفلسطيني في غزة والضفة الغربية والقدس العربية: بحث في الأوضاع الحياتية، تحرير كنود

كنودسن؛ ترجمة عفيف الرزاز؛ مراجعة سليم تماري (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1994)، ص-1.5 ويشمل تصدير

الكتاب شكرًا وافرًا لكل من شارك في إنجازه، مع إشارة مهمة وذات دلالة إلى الإشادة بمساعدة المكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي

عبر خرائط مفصّلة لازمة لرسم عيّنة تمثيلية للسكان الفلسطينيين، والإشادة بدور وزارة الخارجية النرويجية في تمهيد التربة السياسية التي

كان على البحث اجتيازها. وكانت طبعته باللغة الإنكليزية قد صدرت تحت عنوان: Palestinian Society Marianne Heiberg [et al.],

in Gaza, West Bank and Arab Jerusalem: A Survey of Living Conditions , Special Adviser Kurt Knudsen, FAFO-Report; 151 (Oslo: FAFO, 1993).

منظمة... وعلى الرغم من اتساع نطاق ما كتب عن الأراضي المحتلة في الواقع، فإن معظم ما كُتب يميل

إلى التعامل مع مظهر واحد فقط من مظاهر الوضع الفلسطيني، ألا وهو البُعد الفلسطيني – الإسرائيلي...

والحقيقة أن الكمية التي أنتجها هذا الاهتمام من الوثائق المنشورة وغير المنشورة كمية مذهلة، وعلى الرغم

من هذا، فإن الإحصاءات المعقولة المتعلقة بالصحة والأوضاع السكنية أو المشاركة في القوة العاملة أو

منزلة المرأة أو الحصول على التعليم، محدودة. أمّا الإحصاءات التي تحاول الربط بين هذه الأبعاد، فتكاد

تكون غير موجودة على الإطلاق». وحيال هذا الواقع، تستنج هيبرغ أن هنالك نتائج مترتبة على هذه

الحال لاثنتين منها مغزى خاص بالنسبة إلى الدراسة؛ «أولا: إن المنظمات الدولية كالحكومة النرويجية

التي موّلت هذه الدراسة توفّر ملايين الدولارات سنويًا للمساعدات الإنسانية والتنمية، ومع ذلك فإن

هذه المنظمات تعمل في ظل أوضاع غير مواتية إلى حد خطِر، وتجد هذه المنظمات نفسها مجبرة على العمل

اعتباطيًا وعلى أسس ارتجالية... ثانيًا: إن لدى الفلسطينيين والإسرائيليين نظرات ثابتة متباينة حول طبيعة

المعطيات الفلسطينية، وكثيرًا ما تتعارض هذه النظرات كليًا، ولقد تم إجراء هذا المسح للتوجه إلى كلا

هذين البُعدين».

ويبدو واضحًا الإطار الذي جاء به هذا البحث والأهداف المرجوة منه، مع الإشارة إلى أن تعبير «المجتمع

الفلسطيني» يرد كإشارة إلى الفلسطينيين في الضفة وغزة، وهذا التغريّ ما كان له أن يتم لولا التغير في

الأيديولوجيا السياسية كما يرى سليم تماري، المشارك كباحث رئيس ومراجع للبحث. ويعتقد أن التغير

في الموقف السياسي هو ما قاد إلى تغير في تحديد المجتمع الفلسطيني، وتوّج الأمر بتوقيع اتفاق أوسلو وما

نتج منه من تأسيس مكتب للإحصاء ورسم خرائط لحدود الدولة الفلسطينية الموعودة، وإصدار هوية

شخصية للفلسطينيين في مناطق السلطة وجوازات سفر. فكل هذا أوجد حالة جديدة من الوقائع العملية

التي عززت التوجه نحو دراسة قطاعية للمجتمع الفلسطيني بدل الدراسة الشاملة. وفي ظل الوقائع

السياسية والعملية التي جعلت لكل جزء من فلسطين معطياته الخاصة، يبدو التوجه نحو دراسة شاملة

إسقاطًا أيديولوجيًا يتنافى مع الوقائع العملية الموضوعية.

وعلى الرغم من إمكان القول بأن التحوّل من أيديولوجيا التحرر الوطني والالتزام الوطني إلى

أيديولوجيا بناء الدولة والتغير في البرنامج السياسي لمنظمة التحرير هو ما مهّد الطريق لظهور أبحاث

كهذه، فإن الجانب السياساتي والتطبيقي في الأبحاث والتصريح بهذا الجانب يُظهر مدى تعزيز هذه

الأبحاث للأيديولوجيا السائدة ودفعها لها. وفي هذا المعرض تبرز المقولة الشهيرة الموضحة لدور

العلم في حالة إنشاء الكيانات السياسية ومساهماته، فعبارة «العِلم قبل العَلم» تبدو ذات قدرة

تفسيرية كبيرة توضح دور البحث الاجتماعي في التمهيد لنشوء السلطة الفلسطينية كمرحلة انتقالية

في سبيل الدولة، ولعل هذه المقولة تنطبق على بحث «فافو» وعلى جزء كبير من التحولّات في الأجندة

البحثية فلسطينيًا.

35 هيبرغ [وآخرون]، ص.12

36 سليم تماري، مقابلة شخصية، رام الله، تموز/ يوليو.2012

73 يرى جميل هلال أن مؤسسات السلطة ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص، التي نمت بتسارع مع إنشاء السلطة ونحت منحى

بحثيًا كانت مرتبطة بشكل أساس بالأبحاث التطبيقية – السياساتية – ولم تكن ترمي إلى إنتاج معرفة أساسية (substantive knowledge)،

بل تنتج أبحاثًا تُستخلص منها سياسات. وبالضرورة لا توجد سياسات معزولة عن الأيديولوجيا- بالمعنى العام للأيديولوجيا- وهذا

معناه عمليًا أنك مقيد باقتصاد السوق الحرة، وبالتالي لا بد من تقديم سياسات لا تتعارض مع سياسات السوق الحرة - هذا إن لم تتوافق

- في سياق سلطة فلسطينية مع أهدافها بعد سنة 1994 أو مع أوهامها، ومع تبرير التحوّل من سلطة حكم ذاتي محدود الصلاحيات

إن الأهمية الأكبر لبحث «فافو» تتمثّل في أنه وفّر قاعدة معلومات أساسية عن المجتمع الفلسطيني،

تمهيدًا لاستثمارها في إدارة الضفة وغزة بعد التوصل إلى حل سلمي أو وصول المفاوضات التي كانت

الخارجية النرويجية – مموِّلة البحث - ترعاها إلى نتيجة تقضي بقيام سلطة فلسطينية، وهذا ما كان.

وقاعدة البيانات الإحصائية تلك وما تطور على منوالها كانا التمهيد الفعلي لتدفّق أموال المانحين بعد

توقيع اتفاقيات السلام والبدء ببناء مؤسسات السلطة الفلسطينية أو الدولة الفلسطينية، كما كان قادتها

يطمحون ويروِّجون. ولعل واحدة من أهم المؤسسات كانت الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني

الذي أسس سنة 9931، وشغل منصب رئيسه الباحث الفلسطيني الرئيس في بحث «فافو» حسن

أبو لبدة الذي ظل في موقعه حتى سنة 005.2 ومن المهم الإشارة هنا إلى أن أول تقرير لجهاز الإحصاء

الفلسطيني، وهو بعنوان «ديمغرافيا السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة»، لم يستند

إلى أي إحصاء سكاني جديد أجراه المكتب المركزي للإحصاء، بل إلى بيانات الإحصاء الإسرائيلي

لسنة 7 691. شهدت المرحلة المحيطة بتوقيع اتفاق أوسلو وبُعيده توجهًا تطبيقيًا في الأبحاث، وتركيزًا على أهمية هذا

الجانب في مقابل الأبحاث الأساسية. ويمكن القول إن هذا التوجه كان في بدايته تعبيرًا عن الالتزام

الوطني؛ فالدولة آتية، ولا بد من العمل على بناء مؤسساتها، إالّ أن الحال اختلفت مع خروج

البحث من الجامعات إلى مؤسسات خاصة أو أهلية أو مرتبطة بوكالات تنمية، ودخل البحث

إلى توجّه دولة مستقلة ذات سيادة. وكان من البديهي أن جزءًا من هذا السياسات كان يستخلص في خدمة هذا المسار، بغضّ النظر عن

الأوضاع وكيفية تطور الأمور. مثالً ساهمتُ أنا في تأسيس «ماس»، وكان الجهد منصبًّا على العمل على نظام ضمان اجتماعي ومؤسسات

الدعم الاجتماعي الرسمية وغير الرسمية، وكنتُ مشاركًا في الفريق الوطني لمكافحة الفقر، وكنا نبحث على اعتبار أن هناك سلطة تتحول

إلى دولة معنية بمكافحة الفقر وتأسيس نظام ضمان اجتماعي، وسادت التسعينيات الأبحاثُ المتناوِلة لطبيعة المجتمع القادم والنظام

السياسي ونظام الانتخاب.

83 للاطلاع على علاقة البحث و«فافو» باتفاق أوسلو، انظر: Elia Zureik, “Palestinian Society in Gaza, West Bank and Arab Jerusalem: A survey on Living Conditions,” Journal of Refugee Studies , vol. 6, no. 4 (1993).

وقد كشفت وثائق لوزارة الخارجية النرويجية عُرضت في الفيلم الوثائقي «ثمن أوسلو»، أن البحث ونشاط «فافو» كانا أشبه بغطاء

للقاءات السرية بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني في الطريق إلى توقيع اتفاق أوسلو، وقد قدمت رئيسة المعهد مداخلة عرضت فيها

أبرز نتائج البحث في أول جلسة مفاوضات سرية بين الجانبين. انظر الموقع الإلكتروني: <http://www.aljazeera.net/programs/pages/

effd491c-d331-44fb-92d8-7e725a6939fb>.

39 انظر: زريق، «تشكيل فلسطين عبر ممارسات المراقبة،» ص.79

0 4 في العدد الخامس من آفاق فلسطينية، سنة 0199، وفي التقرير الذي يشمل مجمل النقاش الذي دار في معرض الكتاب بصورة

نقدية حول الكتابة عن الانتفاضة، يرد للأستاذة في دائرة علم الاجتماع حينها موقف لإيلين كتّاب التي أشارت إلى «ضرورة أن تركز

الأبحاث على الجانب التطبيقي بدالً من الجانب الأكاديمي المجرد، وضرورة أن يخدم البحث قضايا التخطيط لبناء البنية التحتية

لدولة فلسطين المستقبلية، وأن تؤخذ بعين الاعتبار الأبعاد الطبقية للمجتمع الفلسطيني»... وتتابع وصوالً إلى الإشارة إلى «مشكلة

الفصل الجبري بين الباحث الأكاديمي والواقع الفعلي، أو بين النظرية والممارسة، فما دام هدف البحث هو فهم الواقع لأجل تغييره

ووضع البديل المناسب، فمن الضروري أن تأخذ الأبحاث الطابع النقدي أولا وليس الوصفي كما هو الحال الآن». ويتضح بجلاء

أن الحديث يدور حول دوافع أيديولوجية هي جزء من أيديولوجيا الالتزام الوطني، فالبحث لا بد أن يسعى إلى تغيير الواقع وأن

يساهم في بناء الدولة القادمة.

41 يقف على هذه الظاهرة عالميًا، وبصورة وافية الباحث محمود ممداني الذي يشرح الاوضاع التي رافقت خروج البحث الاجتماعي من

الجامعات في أفريقيا وظهور ثقافة الاستشارات بدل البحث العلمي، انظر: Mahmood Mamdani, “The Importance of Research

in a University,” Makerere Institute of Social Research , no. 526 (2011), on the Web: <http://pambazuka.org/en/category/ features/72782>.

مرحلة التمويل. ومع إنشاء السلطة الفلسطينية، ظهرت سوق للأبحاث الاجتماعية لها متطلباتها

العديدة وأجندتها الخاصة. وجاءت البيانات التي يوفّرها الجهاز المركزي للإحصاء كمادة أولية

أساسية في هذه الأبحاث السياساتية التي كانت تتم لمصلحة مؤسسات دولية أو وزارات فلسطينية

ومنظمات مجتمع مدني. وبطبيعة الحال، فمن غير الممكن، من دون الإعداد، ممارسة الحكم والإدارة أو

البيروقراطية، وتقترن – حتى في بنية الخيال العميقة - الإحصاءات بشكل مفصّل ونظامي بالحكومة

الحديثة وممارستها للإدارة والحكم. كان توافر كمية كبيرة من البيانات يصدرها الجهاز المركزي للإحصاء بمنزلة إغراق لواقع البحث

الاجتماعي بكمٍّ كبير من البيانات، بعد سنوات من الشح وصعوبة الحصول على أي بيانات موثوقة حتى

تلك الضرورية لتدريب طلبة علم الاجتماع في الجامعات. ويمكن القول إن الأمر شبيه بالإفراج عن

الأرشيف السري في دولة ما، وما ينشأ عن ذلك من إمكان للقيام بدراسات وأبحاث ما كانت متوافرة قبل

نشر تلك البيانات أو إعادة كتابة تاريخ حقب معيّنة. وعلى الرغم من القيمة العلمية لتوافر هذه البيانات

وإمكان ضبط الإنتاج البحثي بمعايير أكثر صرامة وإبعاده عن مجال التنظير الاجتماعي أو الفلسفة

الاجتماعية، فإن الملاحظة الأهم التي تسترعي الانتباه في هذا السياق هي أن المجتمع الفلسطيني بالنسبة

إلى جهاز الإحصاء كان مجتمع الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة وغزة والقدس «الشرقية»، وفلسطين

هي هذان الإقليمان الجغرافيان، وفي ضوء هذا التحديد وإنتاج القدر الكبير من البيانات، بما فيها من تعداد

للسكان وجميع المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، يمكن القول إن تشظية المجتمع الفلسطيني تواصلت

في المحصلة، وبات الباحث أمام وقائع جديدة مدعومة إحصائيًا. كانت فترة أواسط التسعينيات مرحلة الذروة بالنسبة إلى أيديولوجيا بناء الدولة. ويمكن - بالحد الأدنى

من الملاحظة - الوقوف على أعداد المؤسسات الأهلية وغير الحكومية التي انطلقت لتبحث في المسار

الديمقراطي والمشاركة السياسية، وتقيِّم الأحوال الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، في أجواء انخراط

واسع في مشروع بناء الدولة الموعودة في نهاية مسار التفاوض وتثبيت السلطة وتدعيمها ضمن هذا المسار.

وباتت أيديولوجيا بناء الدولة تتحول إلى مؤسسات بعد أن كانت جملة مقولات نظرية وخطابية، وكان

التعداد السكاني والمسوح الإحصائية يشهدان مرحلة طفرة في المجالات كلها، وظهرت الأعداد الكبيرة

من استطلاعات الرأي، وعاد الرقم ليحتل مكانة مهمة في ظل الحاجة إلى توفير معلومات وافية عمّن

ستحكمهم الدولة المقبلة وسلطتها الحالية. وفي غمرة هذه التوجهات الكاسحة، بدأت الحساسية النقدية

حيال البيانات الإحصائية ودورها في الضبط والسيطرة والرقابة تتلاشى، وكانت لغة سوق البحث غالبة

والحاجة إلى خبراء ملحة والنخبة المعولمة مشغولة بالأدوار الجديدة لها، وغاب التعامل مع جهاز

42 تزخر الكتابات التي تصف البحث العلمي في مرحلة الثمانينيات وحتى بداية التسعينيات بطابع الشكوى من شح الموارد والإمكانات

لإنتاج البحث الاجتماعي أو العلمي بشكل عام، وغياب التمويل وتراكم العبء الدراسي على الباحثين في الجامعات، وهذا ما جعل

الطريق مفتوحة أمام البحث المموَّل وصوالً إلى مرحلة أصبح فيها كل بحث مموَاّلً، وتخلت الجامعات عن دورها، أو أنشئت صيغ وسيطة

مثل المعاهد في الجامعات، مع العلم أنها قائمة بشكل شبه كامل على التمويل.

43 ديبيش شاكرابراتي، مواطن الحداثة: مقالات في صحوة دراسات التابع (أبو ظبي: مشروع كلمة، 0112)، ص.184

Sari Hanafi, “Palestinian Sociological Production: Funding and National Considerations,” in: Sujata Patel, ed., انظر:44 The ISA Handbook of Diverse Sociological Traditions , Sage Studies in International Sociology (Angeles, Calif.; London: SAGE Publications, 2010).

الإحصاء المركزي نقديًا ومعرفيًا كجزء من سلطة سياسية لها تصوراتها عن إدارة السكان وضبطهم،

ويغلب عليها الطابع الأمني الإداري. لا بد من الإشارة إلى أنه يمكن الوقوف على كمٍّ هائل من الآراء والطروحات النظرية التي ترى الإحصاء

بداية متتالية للضبط والإدارة والسيطرة، وترى الرقابة واحدة من حلقات هذه المتتالية المستحكمة. ويتم

ربط الإحصاء مباشرة في التصنيف والتجزئة بكل أشكالها، ولا سيما المناطقية والجغرافية، وتليها إمعانًا

في التجزئة والتصنيف سياسات إدارة مختلفة ومتباينة وكل ما يستتبع ذلك من قوانين مختلفة وتشريعات

متعددة. ويبدو هذا التوصيف المختصر معربًّا بشكل واضح عن واقع التعامل الاستعماري الإسرائيلي

مع فلسطين التاريخية بعد تقسيمها إلى أرض محتلة سنة 8194 وضفة غربية وقطاع غزة وقدس شرقية.

ولعل الإضافة التي أرادت هذه الورقة تقديمها هي توضيح الكيفية التي ساهمت فيها العملية الإحصائية

في تثبيت هذه التجزئة الجغرافية والقانونية والسياسية، وجعل سياسات الضبط والسيطرة والرقابة أمتن

وأكثر فاعلية. ويمكن القول إن التعامل مع الإحصاء والأعداد في مرحلة ما بعد توقيع اتفاق أوسلو كان واحدًا

من التعبيرات الدولانية التي تبنّتها السلطة الوليدة وركزت عليها قبل وجود الدولة الفلسطينية.

ولأن الدولة لم تقم وتستقر بكل مقوّماتها، فإن الجانب الرقابي لم يظهر - كما يظهر في الدولة

الحديثة والأدبيات الباحثة في طبيعة الفعل الرقابي واعتماده على الإحصاء والتصنيف- في عملها

كسلطة إدارية وأمنية فقيرة الصلاحيات، وتعيش حالة من تداخل السيطرة على السكان والأرض،

فاستخدمت أساليب محدودة الفعالية وقائمة على شكل أوليّ من جمع المعلومات والتصنيف مثل

سياسة السلامة الأمنية. ويمكن القول إن ضعف جانب الضبط والسيطرة لهذه السلطة كان

نتيجة بديهية لوقوعها والسكان الذين تديرهم تحت السيطرة والرقابة الاستعمارية الإسرائيلية،

وهذا يقود إلى ملاحظة منهجية مفادها أن التعامل مع سكان الضفة وغزة على اعتبار أنهم خاضعون

للسلطة الفلسطينية بشكل كامل، ودراسة أساليب إدارتهم وضبطهم ومراقبتهم وإغفال العلاقة مع

دولة الاحتلال، غير مبررين ولا ممكنين. وفي الوقت نفسه، لا يمكن نفي وجود السلطة وإسقاطها

من الدرس، بل لا بد من فهم الحالة على أنها حالة رقابة وسيطرة مركّبة، تشترك فيها السلطتان بشكل

45 عند مراقبة الخطاب الرسمي لرموز السلطة في لحظات انسداد الأفق بعد الانتفاضة الثانية، ترد عبارات من قبيل أن إسرائيل تتعامل

مع السلطة الفلسطينية كبلدية كبيرة أو كشرطي أو حارس. ومع أن هذه التعابير كانت ترد في سياق خطاب استنكاري، فإنها تعكس

بشكل كبير طبيعة مسار السلطة ودورها حين لم تتحول إلى دولة، وبقيت في حال أدنى من سلطة للحكم الذاتي على المستويين القانوني

والسياسي.

46 إجراء اتّبعته الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية يقضي بحصول المتقدمين للعمل فيها، وفي مراحل لاحقة المتقدمين للعمل في

الوظائف الحكومية، على وثيقة تفيد بسلامتهم الأمنية وعدم ارتباطهم بجهات وتيارات وفصائل معيّنة. وعلى الرغم من الصيغة القانونية

التي يبدو بها إجراء كهذا، فإنه أقرب إلى العرف غير المعلن وغير المصرَّح به. وقد خاضت الكثير من الجهات الحقوقية مواجهة طويلة مع

السلطة لإلغائه، وتم إصدار قرارات بهذا الصدد، إالّ أنه لا يزال ساريًا بطرق غير رسمية، ويعتمد بشكل أساس على معلومات مخابراتية

واستخبارية تجمعها الأجهزة الأمنية عن الفلسطينيين في الضفة وغزة، ولا سيما في مجال التوظيف. ويختلف هذا الإجراء عامّ يُعرف

ب«شهادة عدم المحكومية» التي تصدرها المحاكم المدنية.

74 ولعل أبرز مثال لهذا الواقع هو السيطرة الإسرائيلية على جميع المعابر والنقاط الحدودية التي يتنقل عبرها الفلسطينيون في الضفة

وغزة، وكذلك الرقابة والسيطرة على حركة البضائع والأموال. ويمكن النظر إلى السيطرة على معبر الكرامة – أللنبي كواحد من التجليات

البالغة التركيب لحالة السيطرة والرقابة، ويختصر الكثير من الحديث عن طبيعة العلاقة بين السيطرة الإسرائيلية الإدارية والأمنية وموقع

السلطة الفلسطينية منها، انظر: زريق، «تشكيل فلسطين عبر ممارسات المراقبة،» ص -92.94

فعلي وتتقاطعان في قطاعات التنسيق الأمني والارتباط المدني. وتخضع السلطة الفلسطينية وسكان

الضفة وغزة جميعًا لسياسات الرقابة والسيطرة - وكذلك العقاب- الاستعمارية الإسرائيلية، وهذا

جانب من فرادة هذه الحالة. وما رصدته هذه الدراسة هو عملية تجزئة المجتمع وتصنيفه مناطقيًا

وسكانيًا في ظل هذه الحالة المركّبة، وتحديدًا من زاوية دور البحث الاجتماعي الفلسطيني في تعزيز

هذه السياسات وتثبيتها بقصد ودراية أو من دونهما.

خاتمة

لم تقف هذه المساهمة على فعل أجهزة الإحصاء، التي تعاقبت على فلسطين ككل وفي مرحلة لاحقة

في الضفة وغزة، في المجتمع ودوره في تشظيته أو إعادة تشكيله بهويات مختلفة أو تصنيفات جديدة أو

تقسيمه طبقيًا عبر الإحصاء، إالّ أنها حاولت تشكيل مساهمة في تحديد دور مسيرة الإحصاء في فلسطين

في تشظية ما تحيل إليه عبارة «المجتمع الفلسطيني» وحصره في من يعيشون في أجزاء من الضفة وغزة،

وغياب التصور النقدي ضمن البحث الاجتماعي الفلسطيني والقائمين عليه لدور هذا الإحصاء في

هذه المتتالية المستمرة من الانزياحات وإعادة التحديد والتعريف. وفي ظل الانقسام السياسي الحاصل

بين الضفة وغزة، ركن كثير من المؤسسات البحثية العاملة في الضفة الغربية إلى إجراء دراسات عن

الضفة فحسب، مع جرأة غريبة لتعميم هذه الأطروحات والقول إنها تتصل بالمجتمع الفلسطيني من

دون تحديد أو استدراك. إن هذه المساهمة جاءت ضمن تصور مفاده أن البحث الاجتماعي ليس فعالً أو مقولة لاحقة للواقع

ومتغيراته فحسب، بل هي مشكّلة له أيضًا، تمامًا كما كانت المعرفة الاستعمارية مشكّلة لواقع المستعمرين

حول العالم. وما جرى في فلسطين إنما يوضح الكيفية البطيئة المؤثرة التي ساهم فيها الإحصاء بكل أشكاله

والبحث الاجتماعي المستند إليه، في إعادة تحديد المقصود بفلسطين والمجتمع الفلسطيني عبر انزياحات

مستمرة لا صلة لها بالمعايير العلمية والمعرفية، بل هي استجابة للمتغريّ السياسي وتمهيد له، وساهمت

بشكل كبير في تمكين الجهاز الاستعماري من التوسع في سياسات الضبط والسيطرة عبر التحكم في الأرض

والسكان وتجزئتهم وتقسيمهم.

84 تُصدر الإدارة المدنية الإسرائيلية ما يزيد على مئة نوع مختلف من تصاريح التنقل للفلسطينيين في الضفة وغزة، ويتولى الارتباط المدني

الفلسطيني مهمات إجرائية، من قبول للملفات وتسليمها واستلامها من السلطات الإسرائيلية. ويمكن تخيّل حجم التصنيف الواسع

الذي تعتمده السلطات الإسرائيلية مع هذا الكم الهائل من أنواع وألوان التصاريح المعتمدة بشكل أساس على المعايير الأمنية، ويمكن

ملاحظة الكيفية التي تعزل بها إسرائيل من تريد استهدافهم من الفلسطينيين وتوجه إجراءات عقابية محددة بحقهم، ومنها الحرمان من

التنقل والعمل اعتمادًا على آليات التصنيف الواسعة التي تخضع الفلسطينيين لها، من دون الاضطرار إلى سياسات العقاب الجماعي التي

تعود عليها بالضرر عمليًا وإعلاميًا.

49 قد يكون من اللافت والمهم ملاحظة أن دراسة الكولونيالية الإسرائيلية وسياساتها تشكّل مدخالً مه لرفض هذه التجزئة في تحديد

المجتمع الفلسطيني، وتعيد تعريفه وتحديده من دون الخضوع للشروط الاستعمارية والتفتيت الجغرافي. وفي السياق نفسه يرى جميل هلال

– مقابلة شخصية، رام الله - أن دراسة «الثقافة الفلسطينية» قد تكون مدخالً لإعادة تحديد «فلسطين» و«الفلسطينيين» من دون الرضوخ

للانزياحات المستمرة في التحديد والتي تقف وراءها دوافع غير معرفية بالدرجة الأولى.

من الدارج أن يتهم الفلسطينيون إسرائيل في المحافل السياسية والإعلامية بأنها حولت مناطق السلطة

الفلسطينية إلى «سجن كبير» عبر ممارسات الحصار ومنع حركة الأفراد والبضائع والرقابة. وهنا تحضر

بالبداهة تعبيرات ميشيل فوكو في وصف السجن كشكل سبق وجوده الفعلي و«تشكّل عندما وضعت

الإجراءات من أجل تفريق الأفراد، وتثبيتهم، وتوزيعهم فضائيًا، وتصنيفهم، واستخراج أقصى ما يمكن

من الوقت منهم، وأقصى ما يمكن من القوى، وتقويم أجسادهم، وتقنين سلوكهم الدائم، وإبقائهم

ضمن دائرة الرؤية التي لا ثغرة فيها، وإحاطتهم بجهاز كامل من الرقابة والتسجيل والترقيم، وإقامة

معرفة حولهم تتراكم وتتمركز». يبدو هذا التوصيف الدقيق منطبقًا تمامًا على حالة الضفة وغزة كما

يراها ويتعامل معها الجهاز الاستعماري الإسرائيلي، إالّ أن الإضافة النوعية إلى هذا الوصف هي في ما

يتعلق بالمعرفة التي تتراكم وتتمركز حول الأفراد المسجونين حين يعتمدها السجناء أنفسهم، ويعيدون

إنتاجها، ويراكمون بناءً عليها معرفتهم لأنفسهم.

0 5 ميشيل فوكو، المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن، ترجمة علي مقلد؛ مراجعة وتقديم مطاع صفدي (بيروت: مركز الإنماء القومي،

0199)، ص.235

المراجع

1 - العربية

كتب

بشارة. دمشق: قدمس للنشر والتوزيع،.2009

العروي، عبد الله. مفهوم الأيديولوجيا. ط.5 الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 993.1 مركز الإنماء القومي،.0199 013.2 (القضية الفلسطينية آفاق المستقبل؛ 1)

مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 994.1

دوريات

تماري، سليم. «مقدمة المحرر.» نشرة أبحاث بيرزيت: العدد 2، 85.19 خريف.2010 العدد 6، خريف.2013 والتاريخ: العدد 1، ربيع 2.006 الفلسطينية: السنة 1، العدد 1، شتاء 991.0 الفلسطينية: السنة 02، العدد 78، ربيع.2009

أندرسن، بندكت. الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها. ترجمة ثائر ديب؛ تقديم عزمي شاكرابراتي، ديبيش. مواطن الحداثة: مقالات في صحوة دراسات التابع. أبو ظبي: مشروع كلمة،.2011

فوكو، ميشيل. المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن. ترجمة علي مقلد؛ مراجعة وتقديم مطاع صفدي. بيروت: هلال، جميل. إضاءة على مأزق النخبة السياسية الفلسطينية. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، هيبرغ، ماريان [وآخرون]. المجتمع الفلسطيني في غزة والضفة الغربية والقدس العربية: بحث في

الأوضاع الحياتية. تحرير كنود كنودسن؛ ترجمة عفيف الرزاز؛ مراجعة سليم تماري. بيروت:

دوماني، بشارة. «المحذوفون من السرد التاريخي.» مجلة الدراسات الفلسطينية: السنة 21، العدد 84، زريق، إيليا. «تشكيل فلسطين عبر ممارسات المراقبة.» عمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية: السنة 2، ______. «الخطاب الإسرائيلي حول التوازن السكاني العربي – اليهودي.» أبحاث فلسطينية في المجتمع سماره، عادل. «أداء المؤسسات الاقتصادية في المناطق المحتلة قبل الانتفاضة وخلالها.» مجلة الدراسات عبد الجواد، صالح. « تأثير الهجرة الفلسطينية في ملكية الأراضي والزعامة المحلية.» مجلة الدراسات عقل، عبد اللطيف. «واقع البحث العلمي وآفاق تطويره.» مجلة النجاح للأبحاث: العدد 4،.1986

رسالة يحيى، عبّاد خالد عبد. «مساهمة في نقد الإنشغال العربي بثنائية «المعرفي/ الأيديولوجي»: الحالة الفلسطينية

مثاالً.» اشراف ليزا تراكي (رسالة ماجستير في علم الاجتماع، جامعة بيرزيت، كلية الدراسات

العليا، رام الله،.)2013

2 - الأجنبية Books

Heiberg, Marianne [et al.]. Palestinian society in Gaza, West Bank and Arab Jerusalem: A Survey of Living Conditions. Special Adviser Kurt Knudsen. Oslo: FAFO, 1993. (FAFO-Report; 151) Patel, Sujata (ed.). The ISA Handbook of Diverse Sociological Traditions. Angeles, Calif.; London: SAGE Publications, 2010. (Sage Studies in International Sociology)

Periodicals

Mamdani, Mahmood. “The Importance of Research in a University.” Makerere Institute of Social Research: no. 526, 2011. Tamari, Salim. “Building Other People’s Homes: The Palestinian Peasant’s Household and Work in Israel.” Journal of Palestine Studies: vol. 11, no. 1, Autumn 1981. ______. “Problems of Social Science Research in Palestine: An Overview.” Current Sociology: vol. 42, no. 2, June 1994. Zureik, Elia. “Palestinian Society in Gaza, West Bank and Arab Jerusalem: A survey on living conditions.” Journal of Refugee Studies: vol. 6, no. 4, 1993.