العودة إلى تفاصيل المؤلَّف قراءة في الثورات العربية مخاطر الارتداد إلى المربع الأول

قراءة في الثورات العربية مخاطر الارتداد إلى المربع الأول

An Examination of the Arab Revolutions and the Threat of Falling Back to Square One

وليد نويه *ض

الملخّص

تمثل هذه الورقة الحلقة الثانية من قراءة الكاتب لكتب صادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في ما يتعلق بالثورات العربية. وهي تتناول ما طرحته هذه الكتابات من مخاطر الارتداد عن إنجازات الثورة.

Abstract

This paper is part two on the reading of books published by the ACRPS on the Arab revolutions and deals with the risks addressed by these books in terms of losing the gains of the revolution.

الكلمات المفتاحية:
  • الثورات العربية
  • الاستبداد والتسلط
  • المجتمع المدني
  • الانفجار الكبير
  • الأقباط
Keywords:
  • Arab revolutions
  • Dictatorship and Authoritarianism
  • Civil Society
  • the Big Bang
  • Copts

بدأت معالم أزمة بنيوية في الظهور بعد أكثر من ثلاث سنوات على «الانفجار العربي الكبير»؛ فالأزمة التي لم ترتسم معالمها النهائية حتى الآن أخذت تفتح الباب أمام احتمال الارتداد إلى المربع الأول، وعودة العسكر إلى السلطة بغطاء شعبوي يستغل «صناديق الاقتراع» بهدف تكريس نزعة الاستبداد من خلال استخدام منظومة القوة، وتخويف الناس من مخاطر التغيير، والتهويل من سلبيات تداعيات مرحلة الانتقال. النظام العربي الآن يلعب في الوقت الضائع بين حقبة استنفدت وظائفها وحقبة لم تنضج ظروف نهوضها، وهو ما يعطي فرصة لنمو اتجاهات تراهن على ضعف القوى الاجتماعية القادرة على تحمّل نتائج المتغيرات التي تطمح إليها الشعوب. لا شك أن هناك أزمة بدأت تنمو على سطح تشققات البنى المتوارثة والمتراكمة منذ عهود الاستبداد، الأمر الذي يطرح إشكاليات بسبب ظهور صعوبات في التغيير وبروز تصدعات في منظومة العلاقات الأهلية التي أفرزت تحديات تتصل بموضوع الهوية وكيفية التعامل مع الآخر المختلف. مسألة الهوية (الكبيرة أو الصغيرة) لا يمكن عزلها عن إشكالية الديمقراطية في مجتمعات لا تزال نامية في درجة تطورها الاقتصادي، وقاصرة في مستوى وعيها السياسي، وعانت طويلً عهود التسلط والظلم. عمومًا، التغيير يحتاج دائما إلى دولة تقود التحول. وهذا الأمر غير متوافر تاريخيًا في المنطقة العربية؛ فالنُّخب التي تهيمن على عناصر القوة تكره المجتمع وتحارب طموحاته وتطلعاته. وهي مستعدة لاستخدام أدوات النظام التسلطي لمنع التغيير، وكسر إرادة الناس من خلال توظيف مخزون القوة للانقلاب على أحلام التغيير وتحطيم محاولات الانتقال سلمً، ومنع التقدم إلى الأمام، وتعطيل إمكانات كسر الحلقة المقفلة. مقاومة أنظمة التسلط لطموحات تعديل علاقات الاستبداد مسألة كانت متوقعة، وحذرت الكثير

من الأقلام العربية من مخاطر التسرع في المراهنة على نتائج الانتفاضات العربية. فسمير المقدسي تحدث عن العجز الديمقراطي العربي في اعتبار «أن مفهوم الديمقراطية قد لا يكون من المفاهيم المتفق عليها» (١)، لأن التنوع الاجتماعي والتكوين الديني أو العرقي في بعضها يمنعان التوحد ويعطلان التقارب ويضعفان توسع الطبقة الوسطى (٢). وأشار سهيل الحبيب إلى إشكالات مسار الانتقال حين ينمو المجتمع المدني متوازنًا مع تنوع وظائف الدولة. وفي رأيه أن التجانس يخفي تباينات في المواقف والمفاهيم، وتجريد الديمقراطية وتحويلها إلى مفردة وعزلها عن الطابع الاجتماعي وحصرها بآليات نمط الحكم السياسي، وإجراءاته كلها تولد انقسامات تعطل إمكانات هزيمة الاستبداد. وهو يرى أن الديمقراطية ليست عكس الطغيان؛ إذ «ليس هناك ديمقراطية خارج البنى التي تفعّلها على أوجه مختلفة» (٣)؛ فهي ليست شعارًا يُستخدم في الصراع على السلطة، والاستبداد ليس العائق الوحيد للديمقراطية، بل توجد مقاربات للمسألة بعيدًا عن مضمونها الثقافي الحضاري، ونجاح الديمقراطية مشروط بالمستوى الثقافي الاجتماعي وعلاقة الفرد (المواطن) بالدولة (٤). يعتبر الحبيب أن تحليله ليس تهربًا من الديمقراطية؛ فالمسألة تتطلب مجموعة متغيرات اجتماعية شاملة (المواطنة بدلً من جماعات عضوية)، ونضج العوامل ضروري لنمو الحاجة إلى الديمقراطية، وهذا يتطلب عمليات إصلاح طويلة.

«الانفجار الكبير»

يقرأ كمال عبد اللطيف في مقاله عن مدخل إلى قراءة الأبعاد الثقافية «الانفجار العربي الكبير» في جانبه الثقافي، لأن الثقافي في الحدث غير مفصول عن السياسي والاجتماعي (٥)، ولأن التحول الديمقراطي يتطلب خيارات ثقافية معيّنة وتأهيلً اجتماعيًا (ص. 20). وإذا كان هناك إجماع على الطابع المفاجئ للانفجار العربي، فهناك إجماع مماثل على ضرورته (ص. 25) لم تتقيد أفعال التغيير المبدعة بنمط ثوري محدد، كذلك وظف الفاعلون الجدد بعض آليات تقنية المعلومات لتسهيل تواصلهم، وبناء ثقافة افتراضية متجاوزة حدود المكان والزمان (ص 28 و 29.) وأشار عبد اللطيف إلى عوائق التحديث ومخاطره وظهور استقطابات مسنودة إلى المرجعيات الفكرية والسياسية (هويات)، وانتعاش خطابات الهوية وعودة المكبوت الإثني والطائفي والقبلي والجهوي (ص. 44)، ملاحظًا دور النعرات في التجييش والتوظيف السياسي للعصبيات، وهو ما يكشف درجة النقص في مجال التحديث السياسي وعودة الطائفية (ص 54 و 48)، وتوظيف الإسلام السياسي للحداثة لخدمة أفكار أخرى (ص. 52). وفي رأي الكاتب أن الطريق العربي نحو الديمقراطية يحتاج إلى مدى زمني طويل، وهناك إمكان تشكُّل إسلام سياسي متنور (ص 60 و 61)، مشيرًا إلى مأزق صناديق الاقتراع (ص. 68)، وضرورة الإصلاح الديني (ص. 70). فالثورة الثقافية تحتاج إلى فترة زمنية. ولا بد من تأسيس جبهة للفكر الحداثي لمواجهة الانحدار الثقافي (ص 71 و 72.) ويرى عبد السلام بنعبد العالي في مقاله عن «التشبيك وثقافة التواصل» أن الانتفاضات ليست ناتجة من وعي بل هي وليدة إحساس (ص. 73)، وهي كرنفال راقص لكثرة متدفقة وأبناء لحظة الزمن العاجل والاقتضاب والضبابية (ص -7375). وفي رأيه أن الشباب ليس فئة عمرية، وشباب البطالة المتعلمة والميادين المفتوحة تجاوزوا الفروق بسبب تقنيات الاتصال والانتشار

الرقمي والتحولات التقنية. فالثورة المعلوماتية تتخطى الحدود التقليدية، كما أن الإنترنت والهاتف النقال أدخلا تغييرًا على العلائق التي تربط الأفراد بعضهم ببعض (ص. 77-79) التواصل الشبكي ليس بحاجة إلى مكان واقعي؛ فعالم الكومبيوتر والشبكة العنكبوتية والواقع الافتراضي «مجرد خيالات» بين الممكن (حلول) والافتراضي (إشكالات). والفرق بين الممكن والافتراضي أن ميزة الافتراضي هي الانسلاخ عن الآن والتنافي مع الأيديولوجي (شكل جديد للنفي) (ص. 83-86) تقنية «اليوتيوب» واختراق الخصوصيات ليست ثورة تقنية، إنها ثورة شعبية وتتجاوز الرقابة؛ فهناك فضاءات جديدة للتواصل تخطت العقبات السابقة (ص -8788)، من دون إنكار أهمية فعالية دعوات أيام الجمعة (التجمع في ميدان التحرير.) تحدّث محمد نور الدين أفاية في مقاله عن «الهوية الثقافية» التي هي إثبات الذات في المجال العام، وهي ضد الاستبداد والتسلط. وهناك ارتباك المثقف وظهور نخب جديدة مسلحة بأدوات تواصل -89 (ص. 09). الانتفاضات تشير إلى انبثاق مثقف عضوي جماعي يصنع مفهومًا جديدًا للمجال العام، ولها سيولة خاصة تكسر ثنائية النخبة/ الجماهير. وفي رأيه أن التفاوت بين تطور المجتمع وجمود الحياة السياسية كان سيؤدي إلى حدوث ارتجاج ما (الديموغرافيا والديمقراطية) (ص -9192). كذلك هناك التمدن، وتنامي دور الطبقة الوسطى، والانتقال من العائلة الممتدة إلى الأسرة النووية، وانتشار التعليم، وهذه كلها مفارقات وتناقضات أربكت المثقف التقليدي ومحاولته للتكيف. فالاحتجاجات تحمل معها حركة ثقافية خاصة متمايزة المرجعيات (ص -9394). وفي رأي الكاتب أنه لا بد من التريث، لأن الكل يرى في المشهد ما يريد أن يراه (ص. 95)، فهناك سؤال الهوية واستدعاء ثنائيات. الهوية موجودة ومتقلبة (ص -9697)، ومصطلح الهوية يمتلك قدرة على الاستمرار في زمن التحولات (ص -98 105). والدولة معرضة للتهديد بسبب تنافس هويات سابقة للدولة أمازيغ/أكراد/أقباط / زنوج/مذاهب/شيعة (ص. 105-110) والهوية ليست ماهية ثابتة؛ إنها تركيب لروابط (ص -110112). لذلك تساءل أفاية عن مدى جاهزية الديمقراطية لتدبير هذا التذرر الهوياتي في الجزائر والعراق والسودان وليبيا وسورية (ص. 112-118) قرأ محمد شومان الجوانب الثقافية في الثورة المصرية؛ فالثورة لا تزال قيد التشكل: الإخوان (وسط)، حزب الوسط (يسار)، السلف (يمين) (ص -124125). ويرى شومان أن تراجع هيبة الدولة يشجع عودة الاستبداد (ص. 130)، واحتمال السطو على الثورة مسألة غير مستبعدة (ص. 136)، كذلك عودة الانقسامات ونمو مخاوف عند الأقباط (ص 126، 139 و 141.) المسألة القبطية دفع ظهور تشققات في الهوية المصرية الدكتور عزمي بشارة إلى تأليف كتاب حمل السؤال الآتي: «هل من مسألة قبطية في مصر؟» (٦). يبدأ السؤال عن المسألة القبطية بجواب، وهو أن «مفتاح التعامل مع الملف القبطي هو إعمال مبدأ المواطنة المتساوية، وأن الديمقراطية هي الإطار الملائم لمثل هذه المقاربة» (ص. 7) بعد الجواب يبدأ التساؤل عن الجهات المسؤولة عن الملف المفتعل؛ فهناك من يقول إن «من يقف وراء

الأحداث الطائفية الأخيرة (2-0100122) هم بعض قيادات أمن الدولة الذين يتّبعون المنهج القديم لفرض السيطرة عبر إثارة الفوضى والفتنة» (ص. 11). والجيش «بدا عاجزًا كليًا عن إدارة الأزمة»، فهو فشل في «فض الاشتباكات الطائفية التي اندلعت ليلة 81 آذار/مارس»0112، كذلك عجز «عن إقناع الأهالي بإعادة بناء كنيسة في موقعها» (ص. 15) لذلك، يرى بشارة في مقدمة الكتاب أن الحوادث الطائفية في مصر «أظهرت وجود نزعات وتطورات جديدة»، وأن «الطائفية في الوعي الاجتماعي اليومي ليست أمرًا مصطنعًا»، وبالتالي لا يمكن معالجة الملف جذريًا «إلا في إطار دولة المواطنين، وفي إطار الهوية الوطنية المشتركة» (ص. 16-17) انطلاقًا من هذا المدخل النظري التمهيدي، يبدأ الكاتب قراءة المسألة من عناصرها التكوينية. فالقبط تسمية أطلقها العرب على مصر، وهي كلمة محرفة عن اليونانية «ايجبتوس» لكنها أصبحت إجرائيًا تدل على «المصريين المسيحيين» (ص. 19). وبهذا المعنى التاريخي فإن الأقباط «مصريون أصليون يصعب عليهم تقبل اعتبارهم أقلية»، إذ يوجد في مصر «5242 كنيسة بينها 3191 كنيسة قبطية أرثوذكسية» (ص. 19) في رأي الكاتب أن الأقباط جزء من «الأكثرية المصرية وحتى العربية»، وهذه الأقلية «لا تقارَن بًالأقليات المهاجرة في الدول الأوروبية مثل » (ص. 20)، لأن تاريخ وجودها يشهد على أصالتها وصولً إلى عهد محمد علي باشا الذي عمل على إنشاء دولة حديثة بالتوازي مع نشوء فكرة المواطنة و«النزوع نحو مساواة الأقباط ببقية المواطنين في الحقوق والواجبات» (ص في عهد سعيد باشا «اقترب التعامل مع الأقباط خطوات أخرى من مفهوم المواطنة»، وفي عهد الخديوي إسماعيل شهدت أوضاع الأقباط تحسنًا ملحوظًا حين بدأ مفهوم المواطنة يترسخ «خلال العقدين الأول والثاني من القرن العشرين» (ص. 22) بعد ثورة تموز/يوليو 9521، تعرضت أوضاع الأقباط ل«تناقضات عدة»؛ إذ أيدت الثورة الفئاتُ الاجتماعية الدنيا وعارضتها «النخبة الاقتصادية القبطية الليبرالية» (ص. 23)، وهو ما ساهم في تعزيز الميل «إلى الانسحاب من الحياة السياسية» من دون أن يعني الأمر «أن الأقباط تصرفوا ككتلة متجانسة» (ص. 24-25) وبعد اصطدام عبد الناصر بجماعة الإخوان المسلمين، لجأت السلطة إلى اتخاذ تدابير للمزايدة، فأقرت الدين مادة أساسية في مراحل التعليم المختلفة، وأنشأت جامعة (جامعة الأزهر) مقصورة «على الطلبة المسلمين» (ص. 25) في وقت اتخذت إجراءات اشتراكية «يستفيد من خدماتها الجميع من مسلمين وأقباط» (ص. 26) وفي عهد السادات لجأت السلطة إلى الانفتاح على التيار الإسلامي كي يساعدها في التخلص من «التيار الناصري واليساري»، الأمر الذي «أثّر سلبًا في أقباط مصر»، حين أضاف «الإسلام دين الدولة» إلى المادة الثانية من دستور 9711 ثم «الشريعة هي المصدر الرئيس للتشريع بحسب تعديل عام 9801، فازدادت الهوة بين الأقباط والدولة» (ص. 28)، الأمر الذي انسحب «على عملية المشاركة السياسية للمواطنين المصريين الأقباط في الأحزاب أو الانتخابات» (ص. 29) وفي عهد مبارك تحسن وضع الأقباط نسبيًا مقارنة بعهد السادات، حين أبدت السلطة مرونة في

«إجراءات بناء الكنائس، واعتبار عيد الميلاد المسيحي عطلة رسمية للدولة» في موازاة «محاربة التيار الأصولي أو مهادنته» (ص. 29)، وهو ما عرّض حقوق الأقباط للإهمال، وخصوصًا في مجال التمثيل النيابي أو التعيين الوزاري (ص. 30-31) في مقابل هذا الجانب السياسي – الدستوري، كان الأقباط اقتصاديًا «يمارسون المهن المختلفة» (ص. 32)، فهم «مندمجون في الطبقات الاجتماعية»، كذلك يمتلكون «ما يزيد على ثلث الثروة القومية مع أن نسبتهم %10 من مجموع السكان»، كما أعلنت الحكومة المصرية سنة 0072 (ص. 33) على الرغم من ذلك، يبقى هناك مصادر متنوعة للشكوى من الغبن، مثل إغلاق أبواب الوظائف الرسمية العليا (الدبلوماسية والعسكرية) أمام الأقباط، وتجاهل الديانة المسيحية في مناهج التعليم، وتضييق الحكومة على بناء المدارس والكنائس وترميمها، وحصر رئاسة الدولة في المسلمين، وغياب مفهوم المواطنة (ص. 35-41) يعتبر بشارة أن «الدولة ونظام الحكم تحديدًا هما من يتحمل المسؤولية الأساسية عن وضع الأقباط»، بسبب فشل النظام «في بناء المواطَنة المصرية المتساوية والمتكاملة في إطار الانتماء العربي وفي فضاء الحضارة الإسلامية، وفي ترسيخ عمومية مبادئ العدالة والمساواة أمام القانون (...) من دون تمييز على أساس ديني أو عرقي» (ص. 42) كذلك «إن ضعف الدولة وفشلها المدني والقانوني أديا إلى حالة الاحتقان الطائفي والاختراقات الأمنية (...) وهي حالة عامة لا تخص الأقباط وحدهم» (ص. 43) ضعف الدولة، في رأي الكاتب، ساهم في «فشلها في تحقيق مبدأ المواطَنة»، وهو ما دفع الأفراد إلى اللجوء إلى «كيانات أخرى تعيد تشكيل مبادئهم وفق إطار ذهني جمعي قد يضيق في أحيان كثيرة عن احتواء مبدأ المواطنة» (ص. 44). وهذه المعضلة المتوارثة والمركَّبة تؤكد وجود ملف قبطي مفتوح يتطلب المعالجة، بدءا من الاعتراف بالمشكلة ومفتاحها المواطَنة المتساوية والديمقراطية (ص. 70). والحل لا شك مرهون بالتحولات التي تشكل فرصة تاريخية لتوضيح المبادئ المتعلقة بشأن المسائل المدنية. ما قبل الانفجار وما بعده إذن هناك ملفات مكبوتة انفتحت في لحظة الانفجار، وطافت من أجواف التفسخات العصبيات والهويات الصغيرة والضيقة. في تونس برزت مشكلة التفاوت بين محافظات الداخل ومحافظات الساحل؛ في ليبيا عادت خريطة المناطق الجهوية للظهور وارتسمت توجهات متخالفة بين مراكز القوى في الشرق والغرب والجنوب بشأن مكونات الدولة ووحدتها؛ في اليمن بدأت الانقسامات تعصف بالدولة وتهدد الوحدة ليس بين الشمال والجنوب فقط وإنما أيضًا في الشمال (التمدد الحوثي) وفي الجنوب (انعزال حضرموت وانكفاء عدن)؛ في سورية اجتاحت العصبيات الطائفية والمذهبية شوارع المدن ومناطق المحافظات القريبة والبعيدة لترسم خريطة قد تمهّد الطريق لنشوء مواقع متنافرة تعتمد مبدأ تحالف الأقليات ضد الأكثرية. أما في مصر، فباتت عودة العسكر إلى السلطة مضمونة بعد أن نجحت «الدولة» في الانقلاب على الثورة بتعاطف «شعبوي» عطّل إمكانات تطور الديمقراطية سلمً من خلال التصويت ضدها اعتمادًا على صناديق الاقتراع. الأزمة المصرية وثورتها كانتا محطة مهمة في مجال أنشطة المركز العربي للأبحاث، الذي أصدر

مجلدين: الأولحمل عنوان « الثورة المصرية – الدوافع والاتجاهات والتحديات، »0122، والثانيحمل عنوان « 25 يناير، مباحث وشهادات،

تطرقت الدراسات إلى مختلف النواحي قبل الانفجار وبعده، فجاءت إلى ذكر الخلفيات التاريخية، والمقدمات السياسية، والشروط الاقتصادية، والعوامل الثقافية، والدوافع المباشرة، وطبيعة الثورة، ودور الشباب، واستخدام التكنولوجيا والصلات التفاعلية، والتعددية الحزبية، واختلاف المطالب والرؤى، وظهور الاتجاهات المناطقية، والتمدد الأفقي للجماهير، ودور المجلس العسكري وتولّيه إدارة المرحلة الانتقالية... وصولً إلى التحدث عن جهاز مباحث أمن الدولة، ومعضلة الجيش ومخاطر تدخله والانقلاب على مبادئ الثورة. عن الخلفيات التاريخية كتب أحمد بهاء الدين شعبان أن الثورة ليست ابنة اللحظة، بل كانت تطورًا طبيعيًا شاركت في صنعه «جميع طبقات الشعب المصري وفئاته وطوائفه» (ص 32 و 24)، وهي جاءت امتدادًا لموجات وانتفاضات سابقة حدثت في سنتي 9541 و 9681 (عهد جمال عبد الناصر) وفي السنوات 9721 و 9771 و 9811 (عهد أنور السادات)، وصولا إلى صرخة «كفاية» ضد التمديد لعهد حسني مبارك في سنة 0042 (ص 27-26، 29، 31، 33، 36 و 37.) عن المقدمات السياسية كتب محمد فرج، مشيرًا إلى تزوير انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر – كانون الأول/ديسمبر 0102 ومحاولة توريث السلطة لجمال ابن حسني مبارك (ص. 68) وجاءت هذه المحاولات في إطار تراكم موجات من التمرد وتوسع الحركة الاحتجاجية في سنتي 0042 و 0052 وتوسعها مجددا في سنتي 0062 و 0072، وتطورها بعد ظهور ثلاث حركات احتجاجية بين سنتي 0032 و 0102، وصول إلى إزاحة مبارك بعد فشل التمديد للمرة الخامسة وطرده من مقر الرئاسة في 11 شباط/فبراير 0112 (ص. 91-94) عن الشروط الاقتصادية كتب عبد القادر ياسين بشأن قانون الضرائب في سنة 0052 الذي جاء مجافيًا للعدالة (ص-42 إنتاج 43)، وهبوط القمح في الفترة -98019901، وإعادة الأراضي المصادرة في سنة 9961، وشح المياه وانخفاض العمل المأجور وارتفاع التضخم (2007)، وتذبذب نظام الأجور واتساع رقعة الفقر وإشاعة الفساد وتفشي البطالة (ص. 43-45) وزاد الطين بلة ارتفاع الديون الخارجية والمحلية، وسوء توزيع الدخل، وتراجع مخصصات الدعم للسلع التموينية، وانهيار الخدمات الصحية، وتحكّم ضباط الشرطة في القضاء (ثلث القضاة)، واستحواذ القلة (25 في المئة) على نصف إجمالي الدخل القومي (ص. 51-58) كل ذلك ساهم في إشعال حركات مطلبية؛ إذ حدث بين سنتي 9981 و 0032 أكثر من 596 إضرابًا (ص. 59)، وشهدت مصر بين سنتي 0052 و 0092 أكثر من 3311 تحركًا مطلبيًا (ص. 66) وصولً إلى إضراب 6 أبريل 0082 وظهور حركة احتجاج شبابية (كفاية) ودعوتها إلى التغيير في سنة 0092 (ص. 70-72) وعن العوامل الثقافية كتب محمد قاياتي عن وسائل الإعلام وصحيفة الدستور)6991-3991(والقنوات الفضائية ومخطط التوريث ودور الإنترنت في التواصل الاجتماعي وكشف تزوير

انتخابات 0102 (الاستئثار ب 97 في المئة من المقاعد) والرشاوى والاختلاس وارتفاع معدل الفقر إلى 40 في المئة. وأدى هذا التراكم إلى اندلاع 746 احتجاجًا بين أيار/ مايو 0082 وأيار/ مايو 0092 (ص. 148-153) (٧). هذه العوامل المتراكمة كانت كلها بحاجة إلى دوافع مباشرة للانفجار؛ فانهيار أُسر الطبقة الوسطى، وتردّي الأوضاع الاقتصادية (35 مليونًا تحت خط الفقر) وتفشي الأمّية (71 مليون أمّي بحسب إحصاء سنة 0082) ونمو سكان المناطق العشوائية (6.81 في المئة) أدت إلى قيام الثورة، كما كتب علي ليلة (لماذا قامت؟)، بعد أن بيع غاز مصر إلى إسرائيل بسعر بخس لقاء عمولات وسمسرة (ص. 42)، وبعد فضيحة انتخابات 0102 وتأكّل مكانة مصر ودورها، واحتكار مؤسسة الرئاسة القرار السيادي (ص. 41-42) وبشأن طبيعة الثورة، رصد أمل حمادة العلاقة التفاعلية بين استخدام التكنولوجيا (15 مليون مصري) وتطور الحركات الاحتجاجية (ص -98101)؛ فالشباب هو الفاعل الحقيقي ثم التحقت به الشرائح الشعبية بعد أن استمر التصعيد لمدة 18 يومًا (ص. 102) وكتب آية نصار عن رمزية ميدان التحرير واختلاف المطالب والرؤى (ص. 121). وكتب جمال علي زهران عن الاتجاهات المناطقية وامتداد الاحتجاج الأفقي على 29 محافظة عشية الثورة (ص. 141). فالمحافظات تعاني البؤس بعد أن أشارت تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى وصول الفقر إلى نسبة 55 في المئة، وهو ما ساهم في إشعال خمسة آلاف احتجاج خلال ستة أعوام (ص. 139) وعن وثائق الثورة كتب محمد صابر عرب عن الفساد، وقانون الطوارئ، وسطوة رجال الشرطة، والاستيلاء على المال العام، وطول فترة الرئيس وسياسة التوريث، وارتفاع الدين الخارجي (تضاعف خلال عشر سنوات) من 18 مليار دولار في سنة 0012 إلى 34 مليارًا في سنة 0102، وتزوير انتخابات نهاية سنة 0102 (ص. 165-166) وعن التعددية الحزبية، كتب أحمد عبد ربه عن نمو ظاهرة الأحزاب الشكلية في ظل قيود قانونية شلّت حركتها مواد دستور أعطت رئيس الجمهورية صلاحيات مطلقة (المادة 74)، وهو ما ساهم في توليد منظمات «شخصية» من بين 24 حزبًا تأسس في فترة بين سنتي 9761 و 0112 (ص. 196-197) إلى هذا الكم السياسي من الأحزاب التي كانت تعاني انشقاقات وتدخّل القضاء لفض خلافاتها وتجميد أنشطة بعضها، كتب زهران عن نمو ظواهر صحية وطبيعية عندما تأسست حركة شباب من أجل التغيير (شباط/ فبراير 005)2، وحركة تضامن (أيلول/ سبتمبر 007)2، وحركة شباب 6 أبريل (نيسان/ أبريل 008)2، وحركة شباب من أجل الحرية والعدالة (نسيان/ أبريل 0102)، والجبهة الحرة للتغيير السلمي (أيلول/ سبتمبر 0102)، والحملة الشعبية لدعم البرادعي (نهاية سنة 0092)، وحركة كلنا خالد سعيد (حزيران/ يونيو 0102)، وحركة شباب حزب الجبهة الديمقراطية (منتصف سنة 0062)، وهو ما ساهم في توسيع شبكة الإنترنت («التويتر»،«الفيسبوك») وتبلور 21 مطلبًا إصلاحيًا (ص. 155) كل هذا التراكم الصحيح لم يمنع الجيش من التدخل بعد أن استدعاه الرئيس في 28 كانون الثاني/ يناير 0112 لضبط الأمن، فأقدم على تولّ مقاليد الحكم في إثر قرار مبارك التخلي عن منصبه؛ فالجيش استغل الفراغ الرئاسي في المرحلة

الانتقالية فألقى القبض على رؤوس النظام في 3 شباط/ فبراير 0112، وحل مجلس الشعب وعطّل الدستور في 13 شباط/ فبراير، وأقال حكومة الفريق أحمد شفيق في 3 آذار/ مارس 0112، وحل جهاز أمن الدولة في 15 آذار/ مارس، واعتقل مبارك في 13 نيسان/ أبريل 0112، وحل الحزب الوطني الديمقراطي في 16 نيسان/ أبريل، وحل المجالس المحلية في الريف والمدينة في 28 حزيران/ يونيو 0112، وأعلن إجراء محاكمات علنية لشخصيات النظام في 3 آب/ أغسطس.0112 هذه الإجراءات عززت من مكانة الجيش ودوره، ورفعت سقف طموحاته، وهو ما شجعه لاحقًا على الانقلاب على الرئيس المنتخب (محمد مرسي) ومصادرة السلطة والبدء في تأسيس ثورة مضادة. عن الثورة المضادة كتبت رابحة سيف علام تعرّف بعناصرها، فهي صراع «بين نظام جديد يحاول أن يرى النور، ونظام قديم سقط شعبيًا لكن أركانه الفعلية لا تزال تحاول جاهدة استعادته حتى لو غيّت أشخاصه» (ص 388). وترى علام أن بوادر الثورة المضادة «بدأت قبل الحادي عشر من شباط/ فبراير 0112، أي قبل إطاحة مبارك (...) وكان قادة النظام السابق وأنصاره يملكون إطارًا تنظيميًا لنشاطهم المناهض للثورة» (ص. 389) بناء على هذا التصور، تعتقد علام أن قوى الثورة المضادة اعتمدت في رهاناتها على عناصر مختلفة، منها الفوضى والفتنة الطائفية والتخويف من الإخوان المسلمين وتدهور الوضع الاقتصادي، واستخدام الإنترنت والإعلام للتحريض ضد التغيير، وطمأنة الناس على حسن نيات المجلس العسكري (ص. 390-414) وتتوصل علام إلى استنتاج مبكر حين تؤكد في خاتمة دراستها أن «الثورة المصرية لم تتوصل بعد إلى إحداث تغيير جذري وهيكلي في المجالات المختلفة التي تجلت فيها الثورة المضادة»، والثورة «لم تتحول إلى بناء هياكل جديدة أو إحداث تغيير حقيقي في الهياكل القائمة» (ص. 415). وكل «يوم يمر من دون إحراز تقدم جديد في أي مجال هو بالفعل نجاح لقوى الثورة المضادة في عرقلة تقدّم الثورة» (ص. 416) وفي السياق نفسه تخوفت شيماء حطب من الارتداد على الثورة حين لاحظت «التناقضات التي حكمت موقف الجيش عقب تولّ المجلس الأعلى للقوات المسلحة مقاليد الأمور في 11 شباط/ فبراير 0112 واستجابته البطيئة للمطالب الثورية» (ص. 474)، الأمر «الذي يدفع إلى تصور وجود إصرار لدى الجيش على كبح جماح المد الثوري وتحويل مسار الحركة الثورية إلى حركة إصلاحية (...) الجيش نفسه يمكن أن يعدّ جزءًا من النظام السابق، فقيادته العليا تنتمي إلى الطبقة السياسية الأوليغارشية ذاتها، نظرًا إلى انغماس الجيش المباشر في الكثير من المشاريع الاستثمارية والخدمية العملاقة، الأمر الذي أفرز بيروقراطية عسكرية تتشابك مصالحها مع البنى الاجتماعية موضع التفكيك، أو نظرًا إلى أن الجيش يُعدّ قاعدة تجنيد سياسي للمناصب القيادية العليا في جهاز الدولة...» (ص. 475) وحذرت حطب باكرًا من خطورة أن إطالة «مدة بقاء المجلس العسكري في السلطة تعني الإصرار على إقحام الجيش في المعادلة السياسية المستقبلية» (ص. 476)، إذ «هناك الكثير من المنافذ التي يمكن أن يجد الجيش فيها سبيلً إلى العملية السياسية بعيدًا من الخيار العسكري المباشر (...) ومن شأن هذا

أن يفسح المجال أمام الجيش للظهور بوصفه فاعل رئيسيًا في فعاليات المشهد السياسي لحماية الدولة والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي» (ص. 477) واعتبرت باكينام الشرقاوي أن البيان الرقم واحد الذي صدر في 10 شباط/ فبراير 0112 هو بداية مرحلة جديدة في تاريخ مصر والمنطقة، لأنه «دشن الدور الجديد للمؤسسة العسكرية بصفتها حاكمً سياسيًا لا حاكمً عسكريًا، وهو دور جديد مختلف وفريد من نوعه» (ص. 495)، إذ أعطاها صفة «تولّ الحكم استجابة لتطورات الثورة التي فرضت عليه التدخل منعًا لتفاقم الأوضاع» (ص. 498) ترى الشرقاوي أن دور العسكر في المرحلة الحالية يؤشر إلى نمو «ربيع الجيوش العربية» وليس «ربيع الشعوب العربية»، على الرغم من اختلاف المشهد بين تونس ومصر؛ «ففي تونس توارى الجيش وراء الكواليس بينما تصدّر نظيره المشهد السياسي في مصر» ف«أصبح المجلس الأعلى هو المؤسسة السياسية الأولى التي تحوز السلطة الفعلية وفق الأمر الواقع ووفق الإعلان الدستوري في 13 شباط/ فبراير 011»2 (ص 503، 504، و 505). وأضحى «هو الجهة المخولة إدارة شؤون البلاد، والقائمة مقام السلطتين التشريعية والتنفيذية إلى حين إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية» (ص. 507) ترافق الأمر مع تطمينات أرسلتها المؤسسة العسكرية إلى إسرائيل، كما يذكر عبد العليم محمد في مقاله، للحد من مخاوف تل أبيب على معاهدة السلام واتفاقات الغاز ووصول الإخوان إلى الحكم. ولم تتراجع المخاوف «إلا بعد صدور بيان المجلس العسكري باحترام الاتفاقيات الدولية التي وقّعتها مصر، ويشمل ذلك بطبيعة الحال اتفاقيات كامب ديفيد عام 8791 والمعاهدة المصرية – الإسرائيلية في عام 9791، وهو البيان الذي رحبت به إسرائيل» (ص. 536) كل هذه القراءات المبكرة عن مخاطر المؤسسة العسكرية واحتمال مصادرتها السلطة السياسية من دون حاجة إلى انقلاب جاءت صائبة في توقعاتها؛ إذ حصل لاحقا ما أثارته المقالات من احتمالات. فالرئيس المنتخب أصبح في السجن ينتظر صدور حكم ضده، ورئيس المجلس العسكري الأعلى بات الزعيم المنقذ من الإرهاب كما قدم نفسه في معركة ترشحه للرئاسة. مصر الآن في مرحلة تحوّل دقيقة كما يقول عبد الرحمن حسام في مقاله؛ إذ «ثمة في الأعماق أمّة تبحث عن مستقبلها. أما على السطح، فإن خريطة القوى المجتمعية في حالة تبلور؛ إنها تتشكل وتتحدد، وستتغير وتعيد تكوين ذاتها من جديد. والشهور المقبلة ستكون كاشفة لكثير من الادعاءات، والفرص، والتحديات، والأوهام والحقائق» (ص. 580)

الهوامش