العودة إلى تفاصيل المؤلَّف التعددية الإثنية واللغوية والدينية في عمان وعلاقتها بالاستقرار السياسي

التعددية الإثنية واللغوية والدينية في عمان وعلاقتها بالاستقرار السياسي

Ethnic, Linguistic, and Religious Pluralism in Oman: The Link with Political Stability

أحمد الإسماعيلي*

الملخّص

تحاول هذه الورقة مقاربة المسألة التعددية وأثرها في التوازنات السياسية والدينية للمجتمع العماني، سواء كانت تعددية لغوية، أم دينية، وكذلك التعددية المذهبية، والتعددية الاثنية، إلى جانب التعددية الثقافية الجغرافية. تضع الورقة إشكالية التعددية في سياقاتها الظرفية والمرحلية، سواء سياقاتها التاريخية، او الجغرافية، وتقدم كشفا انثروبولوجيا لأنساق البنى في دولة خليجية قلما اشتغلت الدراسات المعرفية بها. وسيسهم البحث، كمحاولات أولية، في رصد ثلاثة أنواع من الخطاب، يحاول كل منها إعادة صياغة مكونات الاجتماع- الثقافي في عمان، كالخطاب الديني وما يشكله من أثر كبير على مسألة التسامح الديني في عمان؛ كونه الخطاب الأكثر ديناميكية وحركية من بقية خطابات الاجتماع-الثقافي. سنتحدث في هذا الإشكال عن تقارب أنماط الخطاب الديني المذهبي في عمان، ومدى تأثر السلطنة بالطائفية المذهبية الموجودة اليوم بقوة في الشرق الأوسط الكبير. هناك أيضا الخطاب الثقافي، بصيغته الحداثية المعاصرة، بالرغم من كونه خطابا غير مكتمل البنى معرفيا واجتماعيا وسياسيا، وأخيرا الخطاب السياسي وما يقوم به من ترسيخ لمفهوم التعددية في المجتمع العماني.

Abstract

Al- Ismaili approaches the issue of pluralism and its effect on the political and religious balance in Omani society, whether this be linguistic, religious and confessional pluralism, ethnic, or cultural and geographical pluralism. The paper sets the problem of pluralism in its historical and geographical contexts, and provides an anthropological account of the structures in a Gulf state that have been little studied. The research will contribute, as a preliminary attempt, to observe three forms of discourse, each of which tries to reformulate the socio-cultural components in Oman. First, the religious discourse, with its profound influence on the issue of religious tolerance in Oman, is the most dynamic of the socio-cultural discourses. The challenge of the convergence of forms of religious and confessional discourse in Oman is here discussed, as well as the extent to which the Sultanate is influenced by the sectarianism currently rampant in the Greater Middle East. Second is the cultural discourse in its contemporary modern form, even though this is not fully-fledged structurally, sociologically, or politically. Lastly, comes the political discourse, and how it consolidates the concept of pluralism in Omani society.

الكلمات المفتاحية:
  • مجتمع عُماني
  • التعددية اللغوية
  • زنجبارية
  • بلوش
  • لواتية
  • الفرس البهائيون
Keywords:
  • Omani Society
  • Linguistic Pluralism
  • Ethnic Pluralism
  • Political Stability
  • Geography
  • Culture

تحاول هذه الدراسة مقاربة مسألة التعددية وأثرها في التوازنات السياسية والدينية للمجتمع

العمُاني، أكانت تعددية لغوية أم تعددية دينية، وكذلك التعددية المذهبية والتعددية الإثنية،

إلى جانب التعددية الثقافية الجغرافية. تضع الدراسة إشكالية التعددية في سياقاتها الظرفية

والمرحلية، سواء سياقاتها التاريخية أو الجغرافية، وتقدم كشفًا أنثروبولوجيًا لأنساق البنى في

دولة خليجية قلّما اشتغلت الدراسات المعرفية بها. وسيساهم البحث، كمحاولات أولية،

في رصد ثلاثة أنواع من الخطاب، يحاول كل منها إعادة صوغ مكونات الاجتماع- الثقافي

في عمُان، كالخطاب الديني وما يشكله من أثر كبير في مسألة التسامح الديني؛ كونه الخطاب

الأكثر دينامية وحركية من بقية خطابات الاجتماع - الثقافي. وسيجري في هذا الإشكال

التحدث عن تقارب أنماط الخطاب الديني المذهبي في عمُان، ومدى تأثر السلطنة بالطائفية

المذهبية الموجودة اليوم بقوة في الشرق الأوسط الكبير. هناك أيضًا الخطاب الثقافي، بصيغته

الحداثية المعاصرة، على الرغم من كونه خطابًا غير مكتمل البنى معرفيًا واجتماعيًا وسياسيًا،

وأخيرًا الخطاب السياسي وما يقوم به من ترسيخ لمفهوم التعددية في المجتمع العمُاني.

مقاربات في جوهر الإشكال

تحاول هذه الدراسة المعرفية أن تكشف إلى حد كبير أهم الظواهر الديموغرافية في عمُان، وهي

مسألة التعددية وأثرها في توازنات المجتمع العمُاني السياسية والدينية، سواء أكانت تعددية لغوية

(العربية، السواحيلية، البلوشية، المهرية، الشحرية/ الجبالية، الكمزارية، اللواتية، وغيرها)، أم تعددية

دينية (الإسلام، البهائية، الهندوسية)، وكذلك التعددية المذهبية (الإباضية، السنّة، الشيعة)، وهناك أيضًا

التعددية الإثنية (العرب، الزنجبارية، البلوش، اللواتية، البياسرة، العبيد، الفرس، والزط، وغيرهم) إلى

شتاء 2015

جانب التعددية المناطقية كثقافة أهل الجنوب، وثقافة أهل الشمال، وخاصة ما يسمّى عمُان الداخل، وثقافة

المناطق الساحلية، بداية من رأس الحد في الجنوب الشرقي وحتى رأس مسندم في الشمال الغربي. هذا المكون

الإثني واللغوي والديني ساهم، عبر خمسة قرون، في خلق توازنات سياسية وفكرية داخل المجتمع العمُاني. سنقوم هنا بإحداث مقاربات بنيوية تهدف إلى وضع إشكالية التعددية في سياقاتها الظرفية والمرحلية، سواء

سياقاتها التأريخية، كون عمُان ظلت طوال المراحل التأريخية مستقلة عن الدولة المركزية الإسلامية الأموية

والعباسية والعثمانية، أو سياقاتها الجغرافية التي ساهمت في خلق توازنات سياسية وفكرية في المجتمع

العمُاني، كون عمُان دولة ارتادت البحر منذ آلاف السنين، وكان للعمُانيين مساهمات كثيرة في شرق أفريقيا

وشرق آسيا وصوالً إلى الصين، وهو ما أوجد تراكمات ثقافية وافدة من وراء البحار كان لها تأثيرها في بنى

التفكير الداخلي للمجتمع العمُاني. إضافة إلى ذلك، تساهم الدراسة هذه، كمحاولة أولية، في رصد ثلاثة

أنواع من الخطاب، يحاول كل منها إعادة صوغ مكونات الاجتماع - الثقافي في عمُان، كالخطاب الديني

وما يشكله من أثر كبير في مسألة التسامح الديني في عمُان، كونه الخطاب الأكثر دينامية وحركية من بقية

خطابات الاجتماع-الثقافي. وسنتحدث في هذا الإشكال عن تقارب أنماط الخطاب الديني المذهبي في

عمُان، ومدى تأثر السلطنة بالطائفية المذهبية الموجودة اليوم بقوة في الشرق الأوسط الكبير. هناك أيضًا

الخطاب الثقافي، بصيغته الحداثية المعاصرة، على الرغم من كونه خطابًا غير مكتمل البنى معرفيًا واجتماعيًا

وسياسيًا، وأخيرًا الخطاب السياسي وما يقوم به من ترسيخ لمفهوم التعددية في المجتمع العمُاني. سيكون ذلك كله بحاجة إلى بحث معمَّق وطويل لفهم هذه الظاهرة؛ إذ يجب أن تستند النتائج المتعلقة

بهذه الدراسة إلى بيانات واسعة، وهذا أمر متعذّر في دراستنا هذه، وكل ما سأقوم به هو محاولات أولية

لفك شفرات هذا الموضوع بما يتيحه لنا من مساحة لا بأس فيها من فهم التحولات الديموغرافية التي تمر

بها عمُان اليوم. كما سيتيح لنا فهم مسألة التعددية في بنيتها الداخلية في السنوات المقبلة، وأثر ذلك في مفهوم

الاندماج والتسامح المجتمعي في عمُان. نبدأ بمحاكمة المفاهيم المتعلقة بهذا الموضوع ومساءلتها معرفيًا، وهي مفاهيم مرتبطة على نحو كبير

بموضوع التعددية، كمفهوم التسامح ومفهوم رؤية العالم والتفاهم والتعايش، وغيرها. هذه المفاهيم

بحاجة إلى مقاربتها معرفيًا بموضوع البحث، لكي نقارب بين هذه المفاهيم وموضوع البحث، بما يؤدي

إلى فهم الدلالات المعرفية لمفهوم التعددية القائم في عمُان. كما سنحاول في نهايات الدراسة أن نجيب عن

الأسئلة التالية: ما هي مآلات التعددية الموجودة في عمُان؟ هل يستطيع المجتمع العمُاني الصمود طويالً في

ظل الصراعات الطائفية التي تجتاح الوطن العربي؟ كيف يمكننا أن نتصور خارطة المكونات السياسية

والاجتماعية والدينية في عمُان، في ظل السنوات المقبلة؟

مقاربة مفاهيمية لمصطلح التعددية

الحديث عن إشكالية المفاهيم مهم جدًا في مدخل هذا الموضوع، لأنه يكشف عن عمق الدلالات الثقافية

والتحولات المعرفية التي رافقت هذا المفهوم أو ذاك، لتعربّ عن طبيعة التحول التاريخي والسياسي لمجتمع

ما منذ البدايات التأسيسية الأولى لظهور المفهوم في حقله الدلالي، بمعنى أن المفهوم قد يظهر مجرَّدًا من أي

دلالة إبستيمولوجية، أي إنه لا يصطبغ بدلالاته الاجتماعية والسياسية والثقافية إلا بعد فترة معينة، وبهذا يكون المصطلح قد مر بتحولات تشبه تلك التحولات التي تمر بها الكائنات الوجودية الأخرى، وربما يتحول المصطلح إلى ظاهرة في بعض الأحيان. هكذا يبدو اليومَ معظم المصطلحات الحديثة التي صنعتها أحيانًا التحولات الثقافية الكبرى التي مر بها

العقل الغربي سياسيًا واجتماعيًا ودينيًا، خاصة تلك المفاهيم المتعلقة بحقوق الإنسان، ومفاهيم المجتمع

المدني، ومفاهيم رؤية الآخر والعيش المشترك. وعلى الرغم من أن الإسقاطات التاريخية التي يضعها العقل الإسلامي على هذه المفاهيم حاضرة بقوة اليوم، فإن تلك الإسقاطات لا تمثّل سوى مدلولات مغايرة

للمدلولات التي رافقت هذه المصطلحات في العقل الغربي. بمعنى أن العقل الغربي كان خلال إنتاجه هذه المصطلحات والدلالات الكامنة فيها مدنيًا وإنسانيًا، أي المتعلقة بالمجتمع المدني وحقوق الإنسان

ورؤية الآخر والعيش المشترك، قد مر بتجربة إنسانية بداية من القرن الرابع عشر وحتى عصر الحداثة وما بعد الحداثة، ولهذا السبب لا يعطيها مدلولات نصوصية تاريخانية، وإنما وقائع إنسانية عانتها المجتمعات الغربية أكثر من خمسة قرون. لكن ما يحدث اليوم في المجتمعات الإسلامية هو محاولة أسلمة هذه المصطلحات، وتحميل دلالاتها نصوصًا تاريخية، وهنا تبدو المفارقة كبيرة متمثّلة في مفاهيم تحمل ثقافات متغايرة ومختلفة، سواء في

تأريخيتها أو في دلالاتها الثقافية. ومن هنا تصبح عملية رؤية الآخر أو العيش المشترك صعبة جدًا لسببين:

أولا لأن هذه الإسقاطات خلّفت ضبابية قاتمة بين المصطلح والدلالة الكامنة فيه والتي نبعت من تجربة

إنسانية معينة، وثانيًا لاختلاف المنطلقات والدلالات التي تكتسي بها هذه المفاهيم. ويمكننا أن نمثل هذه

المفارقة على النحو التالي:

مفاهيم تتعلق

دلالات منبثقة من تجربة إنسانية ذات

دلالات منبثقة من إسقاط تأريخي نصوصي

بالمجتمع المدني

تحولات معرفية واجتماعية خاصة

ذي دلالات معرفية واجتماعية مغايرة

هكذا تبدو إذًا هذه المفاهيم عاكسة لا لثقافة آحادية فقط، وإنما أيضًا لتحولات اجتماعية وسياسية ذات

ثقافات متباينة ومتغايرة، وأحيانًا صدامية، وهو ما يحتم صعوبة العيش الإنساني المشترك، لأن رؤية الآخر لم

تعد تنطلق من مفاهيم تحمل دلالات إنسانية مجردة فقط، بل أيضًا من دلالات تأريخية أو نصوصية وحيانية. هذا هو مدخل هذا الطرح الذي نقدمه هنا، ويتمثّل في إشباع مفاهيم المجتمع المدني وحقوق الإنسان

بثقافة إنسانية مشتركة، بصرف النظر عن المشروط الظرفي الذي تكونت فيه هذه المصطلحات. إن على

العقل السياسي، إذا أراد الاستقرار الاجتماعي في دولة ذات تعددية إثنية ولغوية ودينية، أن يتفهم أوالً المشترك الإنساني لمفاهيم المجتمع المدني وحقوق الآخر، بعيدًا عن أي إسقاط تأريخي، لكي يجعل من

التجربة الإنسانية لهذه المفاهيم حضورًا فاعالً في العقل الجمعي، على الرغم من أن تفكيك المصطلحات

الحديثة عن ظرفية الاجتماع التأريخي الذي نشأت فيه يبدو صعبًا جدًا.

شتاء 2015

إن التراث العربي، الديني والسياسي منه بشكل خاص، لم يتعامل مع مصطلحي التسامح والتفاهم ورؤية العالم، بل تعامل مع مصطلحات أخرى أكثر ورودًا في النص المقدس، كالعفو والمحبة وغيرهما؛

فالتسامح كمفهوم نشأ في مناخ دموي من الصراعات الدينية والإثنية، خاضته التجربة الإنسانية الغربية بين البروتستانت والكاثوليك، كما عربّ عن ذلك الفيلسوف الإنكليزي البروتستانتي جون لوك (-1632

7041) في كتابه A Letter Concerning Toleration («محاولة في التسامح») بعد مذبحة سانت

بارتليمي التي دبرها الكاثوليك للبروتستانت في سنة 572.1 أما «التفاهم» فقد ظهر بعد سيادة العقلانية الغربية، وظهور مقولات العقل والفهم والذهن؛ فالتفاهم مرحلة لاحقة لمرحلة التسامح، لأنه يتضمن

«اعترافًا وجوديًا بالآخر، إذ يستدعي التفاهم وجود طرفين يحدث بينهما التفاهم، في حين أن التسامح

دعوة إلى قبول الآخر اجتماعيًا وإن كان نفسيًا وعقليًا موضع نفي ورفض». ومن الصعوبة قبول هذا

التفسير؛ لأن «التسامح» يعربّ عن الذاتية والاعتراف الوجودي بالآخر، بينما يشير مصطلح «التفاهم» إلى

محاولة فهم بنى التفكير عند الآخر، بل محاكمتها معرفيًا أيضا؛ فهو يهدف إلى الاشتراك في فهم بنى التفكير

لدى الإنسان أيًّا يكن دينه وثقافته. ومهما تكن تلك الفروق المعرفية بين المفهومين، فإنهما كليهما يعبران عن

ضرورة الاعتراف بالآخر، وهي ضرورة إنسانية ملحة فرضتها تجربة الإنسان ذاته. أما مصطلح «رؤية العالم»، فهو في الأصل فلسفي نحته الفيلسوف الألماني فلهلم دلتاي (-1833 9111)،

واعتبره بحثًا في فلسفة الفلسفة. وموضوعه تصورات الإنسان الأساسية التي يعتبرها مطلقةً في رسَ يانها

وشمولها، وفي دلالاتها وتأثيراتها في الحياة الإنسانية. بيد أنه يعود لينقد هذه الإطلاقية على اعتبار أن هناك رؤىً عدة للعالم لا رؤية واحدة، وهي متضاربة بين اللاهوت والميتافيزيقا والفنون والفلسفة التي تتوخّى

جميعًا كشف مفهوم الحقيقة. وهو يتابع أنه لا بد من قراءة نقدية لا لربطها بالزمان والمكان فحسب،

بل أيضًا لاكتشاف المشتركات بينها بحيث تُشكّل أساسًا صلبًا ومؤكَّدًا لأخلاقيات الإنسان وتصرفاته،

بدوافع إعطاء حياته معنىً في قضايا الوجود والمصير؛ وهي جوهر الحياة الإنسانية وإنسانية الإنسان.

هذه القراءة النقدية من أجل كشف المشتركات تشكّل، في نظر دلتاي، استمرارًا بنّاءً لفلسفة كانط

(804-17241) بشأن الواجب الإنساني الناجم عن العقل المجرَّد في مصيره من خلال العقل العملي

إلى الدخول في الزمان والمكان. لقد انطلقت أبحاث «رؤية العالم» إذ ا من فلسفة كانط، وتفرقته بين العقل الخالص (المجرد) والعقل العملي؛ فالعقل المجرد مزوَّد من طريق التأمُّل بالتصورات الأساسية، والعقل

العملي يبحث في التدبيرات الواقعية أو ظروف تحقُّق الرؤية في الزمان والمكان أو المجتمع والدولة. على الرغم من أن التجربة العمُانية مرت طوال تاريخها بصراعات دموية داخليًا وخارجيًا منذ أن دخل

العمُانيون الإسلام، فإن مصطلحات من قبيل «التسامح» و«التفاهم» و «رؤية العالم» لم تظهر في التراث

(((حسن حنفي، «من التسامح إلى التفاهم: تحليل فينومينولوجي،» التفاهم، السنة 9، العدد 31 (شتاء 0112)، ص.23

(((المصدر نفسه، ص.29

(3) Wilhelm Dilthey, Der Aufbau der geschichtlichen Welt in den Geisteswissenschaften (Frankfurt: Suhrkamp, 1981), pp. 332-335.

(((رضوان السيد، رؤية العالم؛ وجهة نظر إسلامية، ندوة الفقه الإسلامي (مسقط/عمان: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، 2013)،

ص.1

(((المصدر نفسه، ص.1

العمُاني، الديني منه والأدبي بشكل عام، بل ظهرت بشكل كبير في بعدين: أولهما التجربة التاريخية العمُانية

في علاقتها بالمتعدد الإثني والمذهبي واللغوي، بمعنى أن الصراعات التاريخية الدامية كافة لم تتحول في

التجربة التأريخية العمُانية قط إلى صراعات طائفية تمس الدوائر الثلاث. وثانيهما التجربة السياسية المعاصرة

(بعد سنة 970.)1 إن معظم الصراعات الدموية الداخلية التي حدثت في عمُان كانت إما لإشكال ديني

خالص (نظرية الإمامة عند الإباضية) وإما لإشكال في الاجتماع/ السياسي، كان في غالبه نتاج المسألة

الدينية (الإمامة)، أما الصراعات الخارجية فتمثّلت في طرد المستعمر. نظريًا، ظهرت مفاهيم التسامح والتفاهم ورؤية الآخر في عمُان في السنوات العشر الأخيرة، وذلك

لأسباب كثيرة، تتعلق غالبًا بما يمكننا تسميته بعولمة الأفكار؛ تلك التي حدثت في العالم العربي منذ

أحداث 11 أيلول/سبتمبر 0012 في الولايات المتحدة؛ ذلك لأن ظهور هذين المفهومين لا يحتاج فقط

إلى ظهور توترات اجتماعية، دينية أو سياسية، بل يحتاج أيضًا إلى فلسفة وجودية تؤمن بحق الآخر في

العيش كما تؤمن بحق الاختلاف. إن مفهوم «التسامح» لا ينسجم كثيرًا مع المنظومة النظرية للتراث

الديني فقهيًا وكلاميًا، ولهذا نجد أغلب الصراعات الداخلية بين العمُانيين أنفسهم نابعًا من اختلافهم

العميق في فهم النظريات السياسية الدينية (الإمامة عند الإباضية)؛ فالتراث الديني، بنصوصيته

ومرجعياته التاريخية ورموزه وعلاماته وتأصيلاته العقدية وأنساقه التركيبية ومساقاته الاجترارية، لا

يمكن أن يتسامح في جوهره مع ما يعتبره خطيئة، ولهذا كان من الصعوبة بمكان أن تظهر هذه المفاهيم

في التراث الديني التقليدي.

التعددية الإثنية واللغوية في عُمان

يمكننا أن نتحدث في هذا المحور عن البنى الداخلية للمجتمع العمُاني: تركيبته المجتمعية والإثنية واللغوية

والدينية والمذهبية، وهو ما يشكل كشفًا أنتثروبولوجيًا لأنساق البنى في دولة خليجية قلمّا اشتغلت

الدراسات المعرفية بها؛ فسلطنة عمُان التي تُعتبر من المناطق الجغرافية الكثيفة بالتنوعات العرقية واللغوية

والدينية في منطقة الخليج العربي، لم تحظ في هذا المجال إلى الآن بدراسات معرفية دقيقة تكشف حجم

هذه التنوعات وقوتّها ووظائفها وقدرتها على خلق التوازنات الاستراتيجية داخل الدولة والمجتمع؛

فهي بحاجة ماسة إذًا إلى دراسات جيوبوليتيكية وإثنوغرافية ودراسات استراتيجية دقيقة قادرة على فهم

تمفصلات المجتمع العمُاني وتحولاته الثقافية، وهي التي يمكننا أن نعربّ عنها ب «التمرحل الديموغرافي

للدولة العمُانية». يمتد التاريخ العمُاني، بحسب بعض الدراسات، إلى أكثر من خمسة آلاف عام. وكان يسكنها منذ أن

دخل الإسلام عمُان أول مرة عرب نازحون من الشمال والجنوب بعد انفجار سد مأرب. وقد اعتنقت عمُان

الإسلام طواعية، وكانت من العواصم الكبرى التي بعث إليها رسول الله برسالة يدعوها إلى الدخول في

الإسلام مثلما بعث إلى مصر واليمن وروما وفارس والقسطنطينية. وبعد أحداث الفتنة الكبرى، ولعوامل

(((تشير الاكتشافات الأثرية الحديثة التي قدّمتها البعثات العلمية للتنقيب عن الآثار في عُمان إلى أن أقدم الآثار التي وج دت في

الساحل العُماني تعود إلى الألف الخامس قبل الميلاد. انظر: يوسف بديوي، تأريخ عُمان بين القديم والحديث (أبوظبي: مكتبة

الصفاء، 0082)، ص.15-14

شتاء 2015

تاريخية، دانت عمُان بمذهب الإباضية ذي الجذور التاريخية لفرقة المحكمة التي انبثقت عنها ف رق الخوارج

في ما بعد. وترجع عراقة التعدد المذهبي في عمُان إلى القرن الثالث الهجري، وربما قبل ذلك، فقد وجِد في

صحار وفي المناطق الساحلية من عمُان في تلك الفترة الزمنية الشيعة والمرجئة والمعتزلة، إلا أن هذه المذاهب

كانت ذات وجود بشري محدود، ولم تمثّل ثقالًاجتماعيًا وسياسيًا يجعلها مؤهلة للمنافسة على السلطة

السياسية للدولة، وربما لم يكن حضور تلك المذاهب بين العرب العمُانيين وإنما لدى المهاجرين القادمين

من شبه الجزيرة العربية في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، بعد الحروب الدموية التي حدثت بين

الفِرق الإسلامية بعد الفتنة الكبرى. وقد ظلت عمُان تحتفظ بتعدديتها الدينية بعيدًا عن أي صراعات دينية

مذهبية، ولم يسجل التاريخ العمُاني اعتداء مذهبيًا ودينيًا، سواء من الدولة أو من الأفراد.

ظلت السواحل العمُانية مفتوحة تجاريًا منذ القِدم، وقد وصل أبو عبيدة الصغير القاسم بن محمد

(ت 501 ه) إلى الصين، وقام بدور كبير في نشر الإسلام. كما أن ابني الجلندي (حكما عمُان في القرن

الثاني الهجري) اضطرا إلى الهروب إلى شرق أفريقيا بعد معارك دامية مع الدولة الأموية، وهذا فيه إشارة إلى الموانئ البحرية التي كان العمُانيون يرتادونها قبل ذلك. ومنذ سنة 7012 استطاعت مملكة هرمز

أن تهيمن على السواحل العمُانية بداية من رأس الحد شرقًا وحتى رأس مسندم شماالً، ثم تبعها بعد ذلك

البرتغاليون بداية من سنة 5001، لمدة قرن ونصف قرن تقريبًا، وهو ما جعل السواحل العمُانية أشبه

بمسرح ترسو فيه الهجرات الآتية من الضفة الشرقية لبحر عمُان والخليج العربي، خاصة الهجرات من

الهند وبلوشستان وفارس. وقد عرفت الدولة اليعربية ودولة آل سعيد انفتاحًا واسعًا على المحيط الهندي

والسواحل الشرقية لأفريقيا، الأمر الذي ساهم بشكل كبير في تعميق ثقافة التعددية المذهبية والإثنية واللغوية، ويمكننا أن نلخص الأسباب التي أدت بالسواحل العمُانية إلى اكتناز الكثير من الإثنيات إلى

أربعة أسباب: السبب الأول هو حضور إثني تشكَّل منذ تأريخ طويل في السواحل العمُانية. وكانت مملكة هرمز قد هيمنت

على السواحل العمُانية من أقصى الجنوب الشرقي (رأس الحد) إلى أقصى الشمال الشرقي لعمُان (مضيق

هرمز والجزر التابعة)، وذلك من سنة 7012 إلى سنة 5001، وبعدها تمكن البرتغاليون من احتلال

السواحل العمُانية مدة قرن ونصف قرن، أي حتى النصف الثاني من القرن السابع عشر، وهو عصر الدولة

اليعربية التي استطاعت طرد البرتغاليين من السواحل العمُانية والمحيط الهندي وشرق أفريقيا، واستعان

بعض حكامها في أواخر عهد الدولة بالبلوش كقوة عسكرية لحسم الخلافات الداخلية التي حدثت في

أواخر الدولة اليعربية، ولذلك تكوّنت في السواحل العمُانية عرقيات مختلفة ومتعددة عبر أكثر من خمسة

(((أشارت الرسالة التي بعث بها المرجع الديني هاشم بن غيلان (ت ق 3 ه / 9 م) إلى إمام عُمان في القرن الثالث الهجري الجلندي

بن مسعود إلى وجود مذهب القدرية والمرجئة وبعض فِرق الخوارج كالصفرية في صحار. انظر: هاشم بن غيلان (ت:ق)، رسالة

هاشم بن غيلان: كتاب السير والجوابات، تحقيق سيدة إسماعيل كاشف، ج 2، ط 1، (مسقط/عمان: وزارة التراث والثقافة، 9861)،

ص.38

(((هرمز هرمزان: هرمز العتيقة وهرمز الجديدة، أما هرمز العتيقة فتقع على البر الساحلي قرب مصب نهر ميناب، على بعد ثلاثين

ميالً من بندر عباس، في إقليم كرمان، ثم نقلت عاصمتها السياسية إلى جزيرة صغيرة في وسط البحر، في رأس جزيرة جرون الشمالي.

انظر: إبراهيم خوري وأحمد جلال التدمري، سلطنة هرمز العربية: سيطرة سلطنة هرمز العربية على الخليج العربي (رأس الخيمة،

الإمارات العربية المتحدة: مركز الدراسات والوثائق، 9991)، مج 2، ص.13-7

قرون، فرض فيها الهرمزيون والبرتغاليون هيمنتهم العسكرية، كما فرض فيها الهنود والعجم بشكل عام

هيمنتهم الاقتصادية على السواحل العمُانية المطلة على بحر عمُان والخليج العربي وصوالً إلى بحر العرب. السببالثاني هو حضور ديني تشكَّل بعد هيمنة عمُان على أفريقيا الشرقية وبلوشستان وبوشهر وبندر

عباس ومملكة هرمز المزدحمة بالوجودين الفارسي والهندي، إلى منطقة البحرين، وذلك في عهد الدولتين

اليعربية والبوسعيدية، وهو ما ساهم بشكل كبير في التعددية المذهبية، بل والدينية أيضًا. السببالثالثهو الغزو السعودي - المعروف بالغزو الوهابي في أدبيات التأريخ العمُاني- على بعض

الأراضي العمُانية، الأمر الذي جعل المذهب الوهابي يتوغل أكثر في المناطق العمُانية المحاذية للمملكة

العربية السعودية، وهي المناطق الصحراوية التي تشكل ظهر عمُان من الغرب، المطلة على صحراء الربع

الخالي، وهي الوجه المقابل للسواحل العمُانية. ولهذا أصبحت إثنيات متعددة عرقيًا ومذهبيًا ودينيًا أيضًا

تحيط بعمُان من الشمال الشرقي (السواحل البحرية)، كما توغل المذهب الوهابي من الجنوب الغربي والشمال

الغربي (الصحراء)، واستطاع أن يفرض على تلك المناطق نفوذًا لا بأس فيه، خاصة أن عددًا غير قليل من

القبائل القاطنة في تلك المناطق هو من عرب الشمال (العدنانيون). السببالرابعهو الصراع السياسي بين سلطة آل سعيد ودولة الإمامة في عمُان الداخل؛ إذ إنه جعل

من السلطة - التي كانت تحكم في تلك الفترة مناطق شاسعة خلف البحار، كبلوشستان وزنجبار

وبندر عباس- تتفكك داخليًا، على الرغم من أن كلتا السلطتين، الدينية والسياسية، تنتمي إلى مذهب

ديني واحد (الإباضية)، وتنتمي إلى العرب إثنيًا. كما أدى ذلك الصراع إلى الاستعانة كثيرًا بالبلوش

بشكل خاص - على الرغم من حضورهم القديم في عمُان- في عهد السلطان سعيد بن سلطان

(ت 8561) وما بعد ذلك، وشكلوا معظم أفراد الجيش في دولة آل سعيد إلى أواخر عهد السلطان

سعيد بن تيمور (970.)1 نذكّر بأن عمُان شهدت في القرون الخمسة الأخيرة تعددية واسعة دينيًا ومذهبيًا وإثنيًا ولغويًا، كما شهدت

عصرًا ذهبيًا من حيث التوغل في المحيطات والبحار، أو من حيث ظهور نزعة الإمامة من جديد، الأمر

الذي أدى إلى قيام حروب دموية، انقسمت في إثرها القبائل العمُانية إلى فرقتين، الفرقة الهناوية والفرقة

الغافرية، في نهايات عصر الدولة اليعربية. وهكذا، لم تخرج عمُان من هذه الدوامة بين انتصارات على

المستوى الإقليمي، وإخفاقات في الاستقرار الاجتماعي الداخلي إلا بعد سنة 9751، في عهد السلطان

قابوس الذي أدخل عمُان في استقرار ما زال قائامً منذ ذلك الحين، وهي فترة طويلة من الاستقرار إذا ما

قورنت بالتأريخ السياسي والاجتماعي المضطرب. كيف يمكننا، بعد هذه المقدمة التاريخية، أن نقرأ عمُان

كدولة متعددة الإثنيات والمذاهب واللغات في الوقت المعاصر؟ يجد الباحث الأكاديمي نفسه مجانبًا للموضوعية عند حديثه عن التعددية في عمُان، وذلك لأسباب متعددة،

أولها قلة الوثائق التاريخية التي يمكننا الاعتماد عليها بشكل موضوعي، كما لا توجد إحصاءات تفصيلية

دقيقة عن عدد المنتمين إلى هذه الإثنيات أو المتحدثين بهذه اللغات، وإنما نعتمد على بعض تلك الوثائق التي

وصلتنا، مع الاستناد بشكل كبير في تحليل تلك المعطيات الأنثروبولوجية والوثائق التاريخية إلى الملاحظة

والاستنتاج؛ فنحن نضع فرضيات أكثر ممّا هي صورة تأريخية صادقة عن هذه الجماعات الإثنية وتأثيراتها

شتاء 2015

في عمُان اقتصاديًا وثقافيًا وسياسيًا واجتماعيًا. إضافة إلى ذلك، لا تبدو اللقاءات الشفاهية موضوعية أيضًا

في كثير من الأحيان، فهي تنطلق من منطلقات تأريخية قومية أو دينية أو اجتماعية، أو من تصورات معرفية ضيقة كان للعاطفة والجهل فيها دور كبير في تشكلها في المخيال الجمعي العمُاني. قبل أن نستعرض أهم المكوّنات الإثنية في عمُان، نؤكد أن ثمة خلافًا بين المؤرخين في نسبة هذه الإثنيات

إلى العرب؛ إذ يرى بعض المؤرخين- كما سيأتي لاحقًا - أن اللواتية مثالً، والبلوش، هم من أصل عربي، نزحوا في القرن الثاني الهجري من الجزيرة العربية ثم عادوا إليها من جديد، وهذا كثيرًا ما يحدث في

الهجرات العربية والإنسانية بشكل عام. بيد أن هذا الخلاف الجينالوجي لن يشكل أهمية كبرى في هذا البحث، وإن كنا سنتطرق إليه بشكل بسيط؛ فنحن لسنا بصدد التحقيق في تأريخ هذه الإثنيات، بقدر ما تهمنا الوظائف الأنثروبولوجية الكامنة خلف هذه الإثنيات في إعادة تشكلات القوى في عمُان المعاصرة.

البلوش دينيًا واجتماعيًا ولغويًا

تُعتبر قبيلة البلوش اليوم من أكبر القبائل العمُانية عددًا، ويتوزع أفرادها في معظم مناطق السلطنة،

خاصة المناطق الساحلية، نظرًا إلى العلاقات التأريخية المتوترة بينهم وبين القبائل العمُانية في الداخل

لأسباب سياسية واجتماعية، وربما اقتصادية أيضًا، وهو ما جعلهم يقيمون على السواحل العمُانية، لكنهم

استطاعوا، عبر مراحل تاريخية متفاوتة، التوغل داخل مكوّنات المجتمع العمُاني وإن تكن آثار تلك

التوترات الاجتماعية بشكل خاص لا تزال قائمة سيكولوجيًا، وربما سوسيولوجيًا. وقد أثار المؤرخون

والباحثون أسئلة معرفية كثيرة عن البدايات الأولى للوجود البلوشي في عمُان: متى أتوا إلى عمُان؟ كيف؟

ما هو الدور السياسي الذي أداه البلوش بداية من القرن السابع عشر وإلى اليوم؟ ما هي الثقافة التي يتميزون بها؟ ما الدور الذي قامت به تلك الثقافة الآتية من بلوشستان ومكران في خلق التوازنات الدينية والاجتماعية داخل المجتمع العمُاني؟ لكن، أيًّا تكن الإجابات عن تلك الأسئلة التاريخية والمعرفية، فإن من المؤكد أن حضور البلوش السياسي

والاجتماعي في عمُان راح ينمو يومًا بعد آخر منذ خمسة قرون على أقل تقدير، واستطاعوا أن يحدثوا

عمليات اندماج كبيرة مع العمُانيين على المستويين السياسي والاجتماعي؛ فقد غدوا من أكثر القبائل

العمُانية إخلاصًا لدولة آل سعيد عبر تاريخيها السياسي، ولهذا يشكلون مقاربات سياسية واحدة مع

السلطة السياسية. إضافة إلى ذلك، استطاعوا الاندماج بسهولة مع مكوّنات المجتمع العمُاني في الداخل،

ومنهم من اعتنق المذهب الإباضي، وأصبح بعضهم قضاة في عهد السلطة الدينية الإباضية للإمام محمد بن عبدالله الخليلي (ت 9541)، كالقاضي أبي عبيدة عبد الله بن محمد البلوشي (ت 9981)، غير أن معظم البلوش في عمُان حافظ على مذهبه السنّي، وبعضهم اعتنق المذهب الشيعي، ويظهر أن من يعتنق المذهب

الشيعي قلة اختلطت بالشيعة العجم الموجودين على السواحل، أو ربما هم عجم أصالً، أي من جاء منهم من إيران لا من بلوشستان. وعلى العموم، لا تنطلق طرائق التفكير السياسي لدى البلوش بشكل عام

(((البلوش/ البلوشي نسبة إلى بلوشستان؛ المكان الجغرافي الذي جاءوا منه، وهم قبائل كثيرة في بلوشستان، كقبائل الكوركيج

والزدجال والهوتي والرئيسي، وغيرها.

من إشكالات مذهبية أو دينية، ولا تشكل لهم هذه المسألة أهمية كبيرة، بل تجدهم الأقدر على الاندماج مع العمُانيين الإباضية، وهم يصلّون في مساجدهم ويرفعون الأذان، وفي المقابل؛ لا تجد القبائل العمُانية

الإباضية تستنكر عليهم مذهبهم الذي يعتنقونه، ولهذا ظل كثير منهم يعيش بين القبائل العمُانية في داخل

عمُان ويمارس طقوسه الدينية بكل حرية. علىالصعيد الاجتماعي، عانى البلوش التمييز الاجتماعي كثيرًا؛ إذ كان الزواج من القبائل العربية في

الداخل أمرًا صعبًا بالنسبة إليهم، لأسباب كثيرة يعود أهمها إلى كونهم عجامً، كما يصفهم بعض المؤرخين

العمُانيين، وهذه هي الصورة التي تشكلت في العقل الجمعي العمُاني. ولا تزال هذه النظرة الإثنية قائمة

إلى يومنا هذا على الرغم من الاختراقات الكبيرة التي حدثت لدى الأجيال المدنية الجديدة. لكن ينبغي

أيضًا أن نقرأ البلوش في المناطق الجغرافية التي وجِدوا فيها في عمُان؛ فأولئك الذين وجِدوا في المناطق الداخلية لعمُان استطاعوا الاندماج أكثر بالقبائل العمُانية الداخلية، وأصبح كثير منهم لا يتحدث البلوشية

بل العربية بداية من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كما أصبحت لهم كيانات خاصة بهم تعربّ

عن مكونات اجتماعية شبه عربية. أما بالنسبة إلى البلوش الذين سكنوا واستقروا في الساحل العمُاني،

فقد ظلت اللغة العربية تشكل عائقًا كبيرًا أمام قدرتهم على الاندماج، فكان جيل النصف الثاني من القرن

العشرين يجد صعوبة في تعلم العربية. هذه المفارقة بين تقبّل العمُانيين للبلوش دينيًا وتمايزهم سوسيولوجيًا تعطي دلالات عميقة في فهم طرائق

التفكير في العقل العمُاني؛ فالدين في المجتمع الإباضي العمُاني لم يكن يشكل أهمية كبيرة في رؤية الآخر،

فهناك مساحة لا بأس فيها من الحريات الدينية والمذهبية، في حين تُعتبر الإثنية (كسياج اجتماعي) دائرة مغلقة، وهذا لا يتعلق بالبلوش فقط، وإنما يسري على باقي الإثنيات الأخرى أيضًا، بل نلاحظ التمايز الاجتماعي حتى بين القبائل العمُانية، بحيث أصبح التفكير الاجتماعي مكرسًا في المجتمع. وما زالت هذه

المسألة تهيمن إلى يومنا هذا على العقل الاجتماعي العمُاني؛ فهناك العبيد في مقابل الأحرار، والعرب في

مقابل العجم، والبدو في مقابل الحضر، وهناك الصيادون في منطقة الباطنة في مقابل القبائل البدوية، والعمُانيون في مقابل الزنجباريين، وهكذا نشأت تمايزات اجتماعية عميقة لا تزال آثارها قائمة. يحتفظ البلوش بعاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية إلى حد كبير، خاصة أولئك الذين يقطنون في المناطق المطلة على السواحل، سواء ما تعلق منها بالأفراح، كالأعراس وحفلات الأعياد الدينية، أو ما تعلق منها بثقافة الطهو، أو التقاليد الغنائية في المناسبات المختلفة، ولهذا تكونت شخصيتهم الثقافية المستقلة وأثّرت في أجيالهم. ويقيم البلوش في عمُان كل سنة أسبوعًا ثقافيًا، يُظهرون فيه ثقافتهم التقليدية التي تميزهم من

غيرهم من الإثنيات الأخرى في عمُان. وأصبحت هذه الثقافة تؤدي أدوارًا إيجابية مهمة في التمايزات

الإثنولوجية في المجتمع العمُاني، كما نستطيع القول بأنهم يشكلون اليوم أهمية إثنولوجية كبرى في التوازنات

السياسية داخل عمُان.

شتاء 2015

اللواتية دينيًا واجتماعيًا ولغويًا

ينسب بعض المؤرخين اللواتية إلى أصول عربية عمُانية، بينما لا يذكر بعض المؤرخين هذا النسب، بل

«ينعتونهم في كتاباتهم بالحيدرآبادية، نسبة إلى موطنهم الذي قدموا منه، كما ينسبون البلوش إلى موطنهم بلوشستان. وقد ظلت هذه النسبة إلى عهد قريب هي الأكثر شيوعًا من مسمّى اللواتية، ولهذا تسمّى

أولئك الموجودون في منطقة الخابورة بعمُان بالخابوري؛ نسبة إلى المكان كخيار آخر بديالً عن مسمّى

الحيدرآبادية الهندية، وقد انتهى مسمّى الحيدر آبادية تقريبًا في السنوات الثلاثين الماضية، مع بقاء مسمّى

الخابوري إلى اليوم». ليس اللواتية كالبلوش في طرائق العيش ونظم التفكير، ولهذا ظلوا أكثر من خمسة قرون (على أقل تقدير) في عمُان منعزلين عن القبائل العمُانية الأخرى، وعاشوا في منطقة صغيرة داخل مدينة مطرح تسمّى «سور

اللواتية»، لهم ثقافتهم الخاصة، ومدارسهم التربوية، ومرجعياتهم الدينية، ومساجدهم وحسينياتهم. ولهذا وجدوا صعوبة كبيرة في الاندماج في المجتمع العمُاني بثقافته ونظم تفكيره وعاداته وتقاليده الاجتماعية، كما

أنهم لم يندمجوا في بقية الإثنيات العرقية، كالبلوش مثالً، وهم يسكنون في جوارهم. وما زالت عوائق كثيرة تحول دون اندماج اللواتية بشكل كبير في بقية القبائل العمُانية، والعكس كذلك، خاصة في الزواج الذي

يشكل أساس الانصهار الاجتماعي. لكن، لا بد أن نفهم أوالً أن ثمة عوامل مهمة أدت إلى هذه القطيعة،

أو لنقُل إلى العزلة والانزواء، والعيش ضمن نطاق محصور جدًا، من أهمها:

الدين (المذهب الشيعي)

يعتنق اللواتية المذهب الشيعي، وهو مذهب له طقوسه وعاداته وتقاليده الدينية المستقلة والمختلفة عن المذهبين السنّي والإباضي؛ فمن حيث الطقوس الشكلانية للتدين، نجد تقاربًا كبيرًا بين المذهبين السنّي

والإباضي، إذ كان الاندماج الديني بين السنّة والإباضية أسهل كثيرًا من الاندماج بين الشيعة والإباضية،

ولهذا يمكننا أن نفسر عدم وجود الشيعة بكثرة في المساجد الإباضية والسنّية، وكذلك لا نجد الإباضية

والسنّة يصلون في المساجد الشيعية. هذا عنصر مهم من عناصر الانغلاق على الذات في ما يتعلق بالطقوس في الثقافة الشكلانية للدين، بعكس القومية البلوشية، فمعظم البلوش على المذهب السني، وهم غير متعصبين لمذهبيتهم بقدر ما هم متعصبون لقوميتهم، ولهذا نجد من البلوش من اعتنق المذهب الإباضي، بل والشيعي أيضًا، ومنهم من اشتغل بالقضاء داخل الدولة الدينية في عمُان في زمن الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، وقد استطاعوا الاندماج في

المجتمع العمُاني في الداخل على الرغم من العداء التاريخي بينهم، بينما لم يستطع اللواتية الاندماج على الرغم

1(((جواد بن جعفر بن إبراهيم الخابوري اللواتي، الأدوار العمانية في القارة الهندية، دور بني سامة بن لؤي - اللواتية (بيروت: دار

النبلاء، 0012)، ص 46. يعود نسبهم، كما يقول جواد الخابوري، «إلى لؤي بن الحارث بن سامة بن لؤي القرشي، خرجوا من عُمان

إلى الهند غزاة في الجيش الإسلامي سنة 51 للهجرة، واستقروا في السند، وعُرفوا هناك ببني لؤي، ويُطلق عليهم اللوائية نسبة إلى

لؤي بن الحارث، ثم استُبدلت الهمز بالتاء تخفيفًا في النطق، فقيل لهم لواتية كما ورد في العربية كاللائي واللاتي، وأشيائي وأشياتي»

(المصدر المذكور، ص.)48

(((1 بلال الخابوري (مقابلة شفهية)، مسقط، بتاريخ.2014/6/4

من أنهم لم يشتركوا قط في الحرب (كجنود عسكريين) ضد القبائل العمُانية في الداخل، واشتغلوا طوال

فترة وجودهم في عمُان بالتجارة، وبهذا وضعوا أنفسهم في إطار مغلق داخل «سور اللواتية»، وقليل منهم

من خرج إلى ساحل الباطنة، واستطاعوا بالتدريج أن يكوّنوا مجموعات لا بأس فيها على ساحل الباطنة،

خاصة في الخابورة وصحار وبركاء والمصنعة.

اللغة

يتحدث اللواتية اللغة اللواتية، وهي «مشتقة من اسم الجماعة التي تتحدث بها، أو ما تسمّى أيضًا

بالخوجكية نسبة إلى الاسم القديم للجماعة في أرض السند، يطلق عليه خوجا، وهو النطق المعدل في اللغة اللواتية للكلمة الفارسية خواجة». وتُعتبر اللغة اللواتية من اللغات الهندية - الآرية الشمالية الغربية، وتنتمي إلى العائلة اللغوية التي يُطلق عليها علماء اللغة الهندو- أوروبية. وكانت اللغة

اللواتية تُكتب بالخط الكوجكي، وهو خط انقرض في عمُان وكان مقتصرًا على جماعة الإسماعيليين

النزاريين الموجودين في إقليم السند وكجرات والبنجاب في الهند، وذلك من أجل تدوين الأدب الديني. وكان اللواتية، باستثناء المتعلمين منهم، يجدون صعوبة كبيرة في التحدث بالعربية في القرون الماضية، وربما إلى القرن العشرين. ولهذا كان من الصعوبة التأقلم مع كثير من القبائل العمُانية التي

لا تتحدث سوى العربية فقط. وكما نعلم، فإن عدم إتقان اللغة يشكل تمايزات اجتماعية تصل أحيانًا إلى السخرية من الآخر الذي لا يتقن العربية. وما ساهم بشكل كبير في عدم إتقان اللواتية للغة العربية في القرون الماضية هو وجودهم في منطقة مغلقة جدًا، على مدخلها حراس لا يسمحون بدخول أحد إلا

من كان ضيفًا معروفًا. وينبغي في هذه النقطة أن نفرق بين اللواتية الذين سكنوا في ساحل الباطنة بداية من ولاية بركاء وحتى صحار، واللواتية في مطرح، فالذين سكنوا مناطق الباطنة كانوا أكثر اندماجًا في

القبائل الأخرى، وبداية من النصف الثاني من القرن العشرين لم يعد يتقن اللغة اللواتية سوى عدد قليل جدًا منهم، ولهذا ساعدتهم قدرتهم على التحدث بالعربية ووجودهم في مناطق مفتوحة في الاندماج ببقية مكونات المجتمع القبلي العمُاني.

المكوّن الثقافي

يشكل هذا نقطة مهمة أيضًا؛ إذ لم يكن ثمة مشتركات ثقافية بين عمُانيي الداخل واللواتية، ذلك أن الثقافة

الدينية واللغوية والثقافة المكانية كانت كلها متغايرة ومختلفة. وهذا الأمر لا يعود سببه إلى اللواتية فقط، بل إلى المكوّنات القبلية الأخرى أيضًا؛ فعلى الرغم من كون العمُانيين نجحوا في الاندماج في الأفارقة في

شرق أفريقيا رغم الاختلاف الجوهري بينهم إثنيًا ولغويًا ودينيًا، فإنهم لم يتمكنوا من الاندماج في اللواتية

داخل مسقط! وهذه مفارقة تحتاج إلى قراءة أنثربولوجية عميقة.

(1((الموسوعة العُمانية، 11 مج (مسقط: وزارة التراث والثقافة، 0132)، مج 8، ص.3073

(1((المصدر نفسه، ص 3073.

(1((المصدر نفسه، ص.3073

(1((بلال الخابوري (مقابلة شفهية)، مسقط، بتاريخ.2014/6/4

(1((بلال الخابوري (مقابلة شفهية)، مسقط، بتاريخ.2014/6/4

شتاء 2015

البُعد الاقتصادي

لم يكن اللواتية منذ البداية بحاجة إلى العمُانيين في طلب الرزق، فهُم دخلوا مسقط كتجار، وربما كانوا

من طبقات اجتماعية رفيعة في منطقة ملتان في الهند، وظلوا كذلك في مسقط، فالإمام أحمد بن سعيد، مؤسس دولة آل سعيد في القرن الثامن عشر، كان يلتقي في لحظة نزوله في مسقط قبيلة بني حسن (قبيلة عربية في مسقط) ثم اللواتية ثم بقية الناس، وهذا يدل على مكانة اللواتية الاجتماعية الكبيرة. ولهذا، يرى اللواتية أنفسهم أنهم ليسوا بحاجة إلى الاندماج في القبائل العمُانية، فعندهم ما يكفيهم من المال

للاستمرار في مطرح بعيدًا عن الآخرين، وكانوا يهيمنون على سوق مطرح، أكبر الأسواق الأثرية في

عمُان، كما أنهم يملكون الكثير من المحلات التجارية في سوق الخابورة المركزية التقليدية القديمة، بل كانوا

يدعمون السلطة السياسية المركزية بالمال، كمثل ما حدث في زمن السلطان فيصل بن تركي ضد الدولة الدينية في عمُان الداخل، واشتراكهم ماليًا في القضاء على الغزو الوهابي في مناطق عمُان، خاصة البريمي.

وقد ساهمت هذه القوة الاقتصادية سلبًا في مسألة الاندماج، وستكون كذلك في السنوات المقبلة. تلك العوامل كلها ساهمت في إغلاق الدائرة التي يعيشون فيها محافظين على عاداتهم وتقاليدهم ولغتهم وثقافتهم، ويشيدون حسينياتهم ومآتمهم الدينية الخاصة بهم، ويشكلون توازنات استراتيجية مهمة اقتصاديًا وسياسيًا، تمثلت في دعمهم السلطة السياسية المركزية. كما أن التأريخ العمُاني لم يسجل اعتداءات

عليهم من جانب القبائل العمُانية الداخلية أو من الإمامة الدينية لأسباب مذهبية أو إثنية، على الرغم من

الاختلاف الاجتماعي والديني والإثني بينهم. ونتصور أن هذه القطيعة - وإن أصبحت اليوم أقل حدة مما كانت عليه- ستستمر في العشرين سنة التالية، وسيكون الاندماج مرهونًا بمدى التقارب بين المذهبين

الإباضي والشيعي سياسيًا أوالً، ثم مدى قدرتهم على التفريط في المكاسب الاقتصادية التي حققوها طوال

القرون الخمسة الأخيرة، فالزواج من خارج العائلة يشكل قلقًا اقتصاديًا أيضًا.

الزنجبارية دينيًا واجتماعيًا ولغويًا

هم الآتون من زنجبار في عهد السلطان قابوس بن سعيد، واسمهم يحمل دلالات الهجرة إلى شرق أفريقيا (زنجبار)، ويتمركز معظمهم في مسقط، وفي عمُان الداخل. والزنجباريون قبائل عربية عمُانية هاجرت إلى

شرق أفريقيا بكثافة في القرون الثلاثة الأخيرة، خاصة في عهد السلطان سعيد بن تيمور، نظرًا إلى ما

آلت إليه الأوضاع السياسية والاقتصادية في عمُان من قتامة شديدة، ثم عادوا بعد ذلك في عهد السلطان

(1((بلال الخابوري (مقابلة شفهية)، مسقط، بتاريخ.2014/6/4

(1((يرقى الوجود العُماني في القارة السمراء- بحسب وثائق الأمين المزروعي- إلى ما بعد منتصف الألف الأول قبل الميلاد، أي

قبل عهد الإسكندر الكبير وفتوحاته. وقد أدى البحارة العُمانيون دورًا كبيرًا في تلك الحقبة، وهجرة سليمان وسعيد (ابني الجلندي

في القرن الأول الهجري) إلى تلك الأصقاع يشير إلى الوجود العُماني هناك؛ إذ من غير المعقول أن يهاجر ملكان عُمانيان إلى أرض

مجهولة، ليس للعُمانيين بها سابق عهد، لكن عمليًا، تُعَدّ تلك الهجرة أول هجرة موثقة من هجرات العُمانيين إلى الشرق الأفريقي،

غير أن سنة -1698 أي في عهد قيد الأرض الإمام اليعربي سيف بن سلطان اليعربي- تُعتبر تأريخًا رسميًا لخضوع جزر كلوة وبتا

وزنجبار وممباسا للحكم العُماني، ومن ثم يُعتبر هذا التأريخ بوابة الوجود الرسمي الفعلي للعُمانيين. انظر: وليم هارولد انغرامز،

زنجبار: تاريخها وشعبها، ترجمة عدنان خالد عبد الله؛ راجعه وعلق عليه محمد بن سال بن عبد الله الحارثي (أبو ظبي: هيئة

أبو ظبى للسياحة والثقافة، 0122)، ص 5.11

قابوس بن سعيد، وتقلد بعضهم مناصب مهمة في الدولة في بدايات حكمه، لكونهم أصحاب شهادات

علمية ويتقنون لغات عدة، منها الإنكليزية والزنجبارية والعربية، وبعضهم يتقن الفرنسية، وهم الآتون

من المناطق التي تهيمن عليها الثقافة الفرنسية في شرق أفريقيا كبروندي وجزر القمر وغيرهما. يعتنق معظم الوافدين من شرق أفريقيا المذهب الإباضي، لأن «عرب زنجبار هم أساسًا هؤلاء الذين

هاجر آباؤهم من مسقط، ومعظم هؤلاء من الإباضية، مع وجود قليل من العمُانيين السنّة»، فهُم

كانوا قبل أن يهاجروا من عمُان ينتمون إلى جبال الحجر الغربي وجبال الحجر الشرقي، وهي المناطق التي

يقطنها الإباضية بكثافة عالية، ولذلك رجعت أجيالهم تحمل المذهب الإسلامي ذاته. وقد ساهموا كثيرًا

في نشر التقاليد والعادات والأعراف العمُانية الخالصة، ومنهم من اعتنق المذهب السنّي الشافعي تأثرًا

بالشافعية الموجودين في شرق أفريقيا، لكن المذهب أو الدين لم يكن يمثّل تمايزًا حقيقيًا بينهم، وهذا يشكّل

نقطة مهمة جدًا؛ فهُم يفكرون لغويًا أكثر ممّا يفكرون دينيًا كاللواتية أو قوميًا كالبلوش، بمعنى أن اللغة

الزنجبارية ساهمت في تكتلهم أكثر من الإشكال المذهبي الديني، ولذلك يتزوج بعضهم من بعض بكل

أريحية، ولا يجدون في ذلك عائقًا مذهبيًا؛ فالانتماء اللغوي فرض عليهم طريقة مختلفة في التفكير ومنهجية

العيش؛ الأمر الذي أدى إلى زحزحة الديني لمصلحة الثقافي، فأصبحوا جماعات ثقافية لا جماعات دينية،

وهكذا كانوا يعيشون في زنجبار مندمجين في بقية الأديان والمذاهب الأخرى، بحسب ما تصفهم كتابات

المستشرقين في أدب الرحلات. تتضح من هنا الفروق الكبيرة بين اللواتية والبلوش والزنجبارية في طرائق التفكير، حيث يغلب على

اللواتية البُعد الديني المذهبي، ويغلب على البلوش البُعد القومي الاجتماعي، ويغلب على الزنجباريين

البُعد اللغوي الثقافي، في حين أن الدين والقبيلة يشكلان أهم العوامل التي تؤثر في طرائق التفكير لدى

المكونات العمُانية في داخل عمُان. هذه الطرائق المختلفة في التفكير ساهمت بلا شك في تكوين تداخل ثقافي

عميق في المجتمع العمُاني، وفي خلق توازنات سياسية في عمُان.

الفرس البهائيون

يشكلون نسبة قليلة جدًا من المواطنين العمُانيين الذين حصلوا على الجنسية العمُانية في الثلاثين سنة الماضية.

وهم جاءوا إلى عمُان بهدف «إبلاغ الكلمة»، وهو المصطلح المتعارف عليه في الديانة البهائية كمصطلح

الدعوة والوعظ في الإسلام. وتعود البدايات التاريخية الأولى للوجود البهائي في عمُان إلى سنة 1950. لا يشكل البهائيون في عمُان أهمية إثنولوجية، أي ليس لهم حتى الآن تأثير ثقافي أو اجتماعي أو سياسي أو

حتى اقتصادي، وقد اضطروا إلى الانتساب إلى غير قبائلهم الأصلية؛ لما يواجهونه من إشكالات اجتماعية

تتعلق بالاندماج في المجتمع العمُاني، خاصة في مسألة الزواج، فمع أن قبيلتهم «العجمي» معروفة في عمُان،

(1((انغرامز، ص.187

(2((ما أقيده هنا من معلومات في ما يتصل بالبهائية في عُمان أخذته من نبيل العجمي، وهو بهائي عُماني من أصل فارسي، وذلك

في أثناء مقابلة معه في 013/12/16.2 ففي سنة 9501 أتى خمسة من البهائيين الفرس كتجار وكأطباء أسنان إلى عُمان. وقد مات

أربعة منهم، وما زال واحد على قيد الحياة، يعيش في منطقة صحار. نزلوا أوالً في مسقط، ثم ذهب بعضهم إلى صور، وبعدها توزعوا

في المدن الكبرى في عُمان كصحار والبريمي وعبري ونزوى وصلالة.

شتاء 2015

وهم القادمون من فارس، ومعظمهم من المسلمين السنّة والشيعة، فإن العجم البهائيين لا يستطيعون

الزواج حتى من القبيلة نفسها بسبب اختلاف الدين، ولهذا يضطرون إلى الزواج من خارج عمُان. أما لغويًا، فإن جميع البهائيين في عمُان يتحدثون اللغة الفارسية، كما يتحدثون اللغة العربية بعبارات ركيكة

فيُعرفون من خلال ذلك أنهم ليسوا عربًا. وهناك من العمُانيين من اعتنقوا الديانة البهائية، غير أنهم لا

يتجاوزون عدد الأصابع، كما أنهم يمارسون تدينهم بطريقة سرية خوفًا من القانون المنظِّم للحريات الدينية

الذي لا يجيز تغيير الديانة.

الهندوس

يسمّيهم العمُانيون، وكذلك الدراسات الاستشراقية (أدب الرحلات)، «البانيان». وقد حضروا إلى

السواحل العمُانية من أجل التجارة، فشكلوا تأريخ التبادل التجاري بين عمُان والمحيط الهندي. يقول

ماكس أوبنهايم: «وقد استقر عدد كبير من الهنود في مسقط نتيجة للعلاقات العريقة مع الهند، وينتمي جزء

منهم إلى المذهب الهندوسي، أو كما يسمّيهم العمُانيون، بالبانيان، ويعيشون في عزلة تامة عن السكان، ولا

يعمل هؤلاء إلا في ميدان التجارة، ويمكن معرفتهم في العادة بسهولة عن طريق بنيتهم الضعيفة النحيفة،

وملابسهم المتميزة، أما عددهم فلا يتجاوز الخمس مئة». تؤكد هذه النصوص التاريخية الوجود الهندوسي في السواحل العمُانية، غير أن حضورهم الاقتصادي بدأ

يظهر في القرون الخمسة الأخيرة، وهم لا يشكلون ثقالً في الاجتماع السياسي، لكن هيمنتهم تظهر في

الاقتصاد السياسي، فتأثيرهم يظهر في بعض القرارات المتعلقة بالاقتصاد بسبب تأثيرهم المباشر في السوق؛

إذ لهم ثقل كبير في الاقتصاد. ويمكن القول إن عمُان تفاعلت ثقافيًا، بشكل أو بآخر، مع المحيط الهندي،

ولهذا تجد قواسم مشتركة في اللباس والمأكل بين العمُانيين وثقافة المحيط الهندي، فالتبادل التجاري كان له

دوره الكبير في التشكل الثقافي عند العمُانيين. علىالصعيد الديني، الهندوس بطبيعتهم الاجتماعية مسالمون، وليسوا دعاة دين معنيّ، كما لا يشتركون في

الحروب، ولا يدخلون في نزاعات طائفية أو اجتماعية. وقد استقر بعضهم - بحكم التقادم الزمني - في

ساحل عمُان، وأخذ يمارس ديانته الهندوسية في عهد السلطان قابوس بحرّية كبيرة، كما أنهم يحترمون كثيرًا

القوانين المنظِّمة للحريات الدينية في الدولة، وهذا ما يجعل الدولة تقبلهم منذ أمد بعيد. هذه هي أهم المكوّنات الإثنية في عمُان، وهي تُعتبر الأهم في حضورها الإثنولوجي إلى جانب

القبائل العربية العمُانية. كما تكمن أهميتها الإثنولوجية في قدرتها على ممارسة أدوار كبيرة في التوازنات

الاجتماعية والدينية والاقتصادية، على الرغم من وجود عرقيات أخرى في المجتمع العمُاني، كالعبيد

الذين يتعذّر علينا تقديم معلومات دقيقة وموثقة علميًا عن البدايات التأريخية الأولى لوجودهم في

عمُان. لكن من المؤكد أن هجرتهم إلى عمُان كانت متتابعة، ومن أماكن جغرافية متعددة، ولهذا فإنهم

ينتمون إلى إثنيات متعددة، كما أن هجرتهم كانت تخضع للمتغيرات السياسية والاجتماعية التي تمر بها

عمُان، خاصة في القرون الخمسة الأخيرة. وقد عاش العبيد أو البياسرة تمايزًا اجتماعيًا كبيرًا، وهو ما

(((2 ماكس أبنهايم، رحلة إلى مسقط عبر الخليج (بغداد: دار الوراق، 0072)، ص.56-55

يسجله التأريخ الاجتماعي في عمُان في مسائل الزواج بشكل خاص. ولهذا تشعر هذه الفئة دائما أنها

خارج التأثير الاجتماعي، غير أنها تظل ذات حضور إثنولوجي كبير في التأريخ الاجتماعي العمُاني، لكن

هذا الحضور يبدو فاقدًا قوته الاجتماعية والسياسية، لعدم امتلاكهم ثقافة مغايرة للثقافة التي يحملها

العمُانيون العرب ومعربّة عن شخصيتهم، فليس لهم لغة خاصة بهم، كما يعتنق أغلبهم المذهبين الإباضي

والسنّي، بمعنى أن وجودهم الطويل في التأريخ العمُاني جعل ثقافتهم الأصلية تتماهى مع ثقافة المنطقة

الجغرافية التي سكنوا بها، ولهذا ليس لهم مرجعيات جغرافية ودينية ولغوية مستقلة كما هو الشأن في المكونات الإثنية الأخرى. كما يوجد عرقيات أخرى لها تأثيرات مختلفة كالبحارنة ذوي الأصول العربية الآتية من البحرين والعراق، وربما من شبه الجزيرة العربية، والمنتمين إلى المذهب الجعفري، ويشكلون حضورًا اقتصاديًا كبيرًا في عمُان. إن هذه المكونات الإثنية المتعددة أفرزت لغات كثيرة في المجتمع العمُاني، نظرًا إلى أن معظم المكوّنات

الاجتماعية في عمُان أتت من خارج عمُان، ولم تكن العربية لغتها الأولى، ولهذا نجد أن عمُان غنية بالتعددية

اللغوية؛ فهناك إلى جانب العربية كلٌّ من البلوشية واللواتية والكمزارية والفارسية والسواحيلية، واللغات الأربع لأهل الجنوب العمُاني وهي المهرية والحرسوسية والشحرية والبطحرية، ولغة خامسة

تسمّى الهبويتية، وكلها لغات حية. وقد كوّنت هذه اللغات مقاربات ثقافية بين سكان منطقة

الجنوب العمُاني، سواء أكان ذلك في العادات والتقاليد والأعراف أم في الغناء، فأصبحت طرائق التفكير

لديهم متشابهة، وساعد على ذلك الدين، فهُم جميعًا يعتنقون المذهب الشافعي السنّي. ولهذا، فإن منطقة

الجنوب العمُاني تُعتبر من المناطق الغنية بالوحدة الأنثروبولوجية إثنيًا ولغويًا ودينيًا.

(((2 يعتبر المؤرخون اللغة الكمزارية من اللغات الهندو- أوروبية التي تنتمي إلى المجموعة الجنوبية الغربية من اللغات الإيرانية.

وتُعتبر اللغة الكمزارية من اللغات النادرة في العالم، ويتحدث بها سكان جزيرة كمزار التابعة لمحافظ مسندم في سلطنة عُمان، وهي

شبه جزيرة، تقع بالقرب من مضيق هرمز على الخليج العربي، كا يوجد من يتحدث بها في إيران أيضًا، وفئة قليلة في الإمارات العربية

المتحدة، غير أن من يتحدث بها في الإمارات هم الكمزاريون، المهاجرون من هذه الجزيرة للعمل في دولة الإمارات. وقد اعتبرت

منظمة اليونسكو هذه اللغة من اللغات المهدَّدة بالانقراض. والكمزار نسبة إلى شبه جزيرة كمزار، وسكانها ينتسبون إلى قبيلة الشحي،

وهي قبيلة عربية، تنتشر كثيرًا في مسندم، ويتحدث الكمزاريون باللغة العربية، إضافة إلى اللغة الكمزارية، غير أن بعضهم لا يتقنها

جيدًا، كما شاهدنا ذلك في أثناء زيارة لهذه الجزيرة من أجل هذا البحث.

(2((تنتشر في محافظة ظفار (الجنوب العُماني) لغات عدة، وهي لغات قديمة، ويُرجعها بعض المصادر إلى اللغات العربية القديمة

الموجودة في منطقة الجنوب؛ ولهذا فهي لغات متقاربة في التركيب والأصوات كاللغة الشحرية/ الجبالية والمهرية والحرسوسية

والبطحرية والهبويتية. أما البطحرية، فهي لغة محكية (غير مكتوبة) من قبل مجموعة عُمانية تعيش في بادية محافظة ظفار، كما يتحدث

بها بعض سكان محافظة الوسطى كولاية شليم وجزر الحلانيات، والشويمية، وهي قريبة لغويًا من الحرسوسية والشحرية/الجبالية،

والمهرية، الأمر الذي يشير إلى أن هذه اللغات جميعًا منحدرة من أصل لغوي واحد. فالحرسوسية لغة محكية أيضًا، ولا نعرف نشأتها

وتطورها، غير أنها من اللغات التي نشأت في الجنوب العُماني، ويعرف المتحدثون بهذه اللغة بالحراسيس، كما تنتشر اللغة الحرسوسية

في هيما، ويتحدث جميع سكان هذه المنطقة اللغة الحرسوسية، وهي قريبة من اللغات الأخرى الموجودة في الجنوب، حيث تتشابه

معها في الأسماء والضمائر والأفعال والمفردات. والمتحدثون بالشحرية لا ينتمون إلى فئة اجتماعية واحدة كما هي الحال بالنسبة إلى

الحرسوسية والبطحرية والمهرية، وإنما هي لسان كل من يقطن مناطق صلالة وعوقد والحافة والدهاريز، من القبائل كافة. وقد كانت

هذه اللغة حتى بداية السبعينيات من القرن الماضي لغة معظم السكان. أما اللغة الهبويتية، فتنتشر في منطقة حدودية تقع بين سلطنة عُمان

والجمهورية العربية اليمنية، في منطقة جبلية وساحلية، وهي قريبة من اللغتين الجبالية والمهرية. ليس هناك تأريخ معروف لنشأة هذه

اللغة، وهي تشبه لغات الجنوب في الأصوات والتركيب والمفردات والدلالة، وهذا التشابه ناجم عن العوامل الجغرافية والاجتماعية

والاقتصادية، فاللغتان المهرية والشحرية تجاوران المنطقة التي تتحدث بالهيبوتية من جهتي الشرق والغرب. وتكمن خلف جميع هذه

اللغات ثقافات متعددة، ولذلك تجد في كل هذه اللغات أدبًا جميالً وشعرًا جزالً يحكي عن المجتمع الجنوبي.

شتاء 2015

هذا التعدد اللغوي ساهم بشكل كبير في تشكل الثقافة العمُانية، سواء في طرائق التفكير أو في تشكل

الشخصية التأريخية لهذه التجمعات الإثنية. ولا شك في أن التعدد اللغوي يساهم إلى حد كبير في جعل

المجتمع يتحرك في فضاءات واسعة من التسامح؛ فكل لغة تكمن خلفها ثقافة، كما تكمن خلفها شخصية

تاريخية مستقلة في عاداتها وتقاليدها وطرائق عيشها. وقد لاحظنا سابقًا كيف ساهمت اللغة الزنجبارية

في إحداث تحولات كبيرة في طرائق التفكير لدى الوافدين من زنجبار، على الرغم من امتدادهم التأريخي

العربي، ومن أنهم عرب عمُانيون.

التعدديات الدينية والمذهبية

مثلما تتميز عمُان بتعددية لغوية وإثنية، فإنها تتميز أيضًا بتعددية دينية ومذهبية، فهي الدولة الوحيدة في

الوطن العربي التي تشكّل المذاهب الإسلامية الثلاثة فيها حضورًا قويًا، وتمثّل كيانات تمارس ثقافتها

وهويتها وتقاليدها الدينية بحريّة تامة منذ قرون، وهي الإباضية والشيعة والسنّة. كما أن فيها حضورًا

دينيًا يتمثّل في البهائيين والهندوس والمسيحيين. إضافة إلى ذلك، كان في مطرح جالية يهودية صغيرة يقال

إنها هاجرت من بغداد في مطلع القرن التاسع عشر؛ لكن لم يعد لها وجود اليوم. هذا التنوع عربّ عنه

الرحالة الإنكليزي وليام بالغريف، الذي زار عمُان في القرن التاسع عشر، في معرض حديثه عن التنوع

الديني في عمُان بقوله: «تجد [في عمُان] تشكيلة متنوعة من الأعراق والأديان؛ فهناك اليهود والمسيحيون

والمحمديون والهندوس». نقدّم هنا مقاربات بنيوية لفهم العلاقة بين الديني والثقافي بشكل خاص، أو الديني وبقية أنماط الخطابات

الأخرى الاجتماعي والسياسي بشكل عام، وذلك من أجل فهم حركة الخطاب الديني وسيرورته في عمُان. نطرح أوالً إشكاليتين مهمتين في التكوين الفكري للخطاب الديني بشكل عام والإباضي بشكل خاص:

أولهما ما تشكله مفردات الخطاب الديني من علاقة محورية مهمة في إعادة صوغ مكونات الاجتماع -

الديني العمُاني، وهي عملية أنثروبولوجية توضح كيف تتحرك أنماط الخطاب في الثالوث الديني/

الثقافي/ الاجتماعي. والإشكال الثانييتضمن فهم التحولات البراغماتية التي تحدث بين خطابين مهمين

هما الخطاب الديني والخطاب السياسي، في محاولة الهيمنة على الضمير الجمعي، وهو إشكال معرفي أكثر

من كونه إشكاالً أنثروبولوجيًا، وهما متداخلان بشكل عميق. تتعلق المسألة الأولى بضرورة فهم الارتباط البنيوي بين الثقافي باعتباره خطابًا اجتماعيًا، تشكّل بفعل

التنوع العرقي الموجود في عمُان مذهبيًا ولغويًا ودينيًا، والديني باعتباره خطابًا سياسيًا أوالً، أي يحمل

مشروعًا سياسيًا (نظرية الإمامة)، ثم باعتباره خطابًا اجتماعيًا (هوية علاماتية)، وخطابًا مذهبيًا أيضًا

(الصراع المذهبي بين الحق/ الباطل). علينا أن نفهم هذه العلاقة الجدلية بين هذه العناصر المتداخلة، من

حيث علاقة الديني بالثقافي أوالً، ثم علاقة الديني بالاجتماعي (الإشكال القبلي)، وكذلك علاقة الديني

بالسياسي (نظرية الإمامة)، وأخيرًا علاقة الديني بالديني (الأسلمة والمذهبية).

(2((أبنهايم، ص.53

(25) William Gifford Palgrave, Narrative of Year’s Journey through Central and Eastern Arabia (1862-1863) , 2 vols (London: Macmillan, 1865), p. 244.

ندرك من خلال استقراء بسيط للتأريخ العمُاني المعاصر أن عملية فك الارتباط بين الديني والخطابات

الأخرى معقدة جدًا؛ فعندما يعلن الديني وجوده كنظرية سياسية (الإمامة/الخلافة) في المجتمع والدولة،

فإنه غالبًا ما يؤثر في بنية المنظومة القبلية الاجتماعية، وهذا ما يمكن ملاحظته بشكل طبيعي في التأريخ

العمُاني؛ لكنه لا يتحول إلى مشروع مذهبي خالص، ولا يتحول أيضًا إلى مشروع هيمنة على المشتركات

الثقافية بين جميع التعدديات في عمُان، فالمجتمع العمُاني مشبع في عاداته وتقاليده بثقافة متعددة. هكذا، تصبح المعادلة قائمة بين مكوّنات المجتمع الديني والثقافي، ولذلك تمثّل هذه النقطة أهمية بالغة؛

فالثقافي بكل تجلياته اللغوية والإثنية والدينية أيضًا كان له حضور متعدد في التأريخ العمُاني حتى سنة

9701، ولم يكن الخطاب الديني حريصًا على الهمينة. كما أن نظرية الإمامة الإباضية كتأصيل سياسي ديني

لا تتحول مباشرة إلى مشروع مذهبي أو مشروع ثقافي أيديولوجي، بل تسعى فقط إلى تطبيق العدالة في

أحكامها الشرعية وسلوكها الاجتماعي العام، بحسب ما تقتضيه أحكام المدرسة الإباضية. ولهذا، تجد أن

العمُانيين حكموا أجزاء كبيرة من الشرق الأفريقي ولم يسعوا إلى نشر مذهبهم أو الدعوة إليه على الرغم من

أنهم يمثّلون السلطة السياسية الحاكمة هناك، كما أن بعض العلماء الإباضية الكبار عاش هناك فترة طويلة

من الزمن من دون أن تكون له مدارس فقهية ينشر من خلالها المذهب الإباضي. إن الخطاب الديني في عمُان لم يتجرد تاريخيًا عن التركيبة القبلية الاجتماعية، ولا يستطيع التحرك من دون

ملامسة مكوّنات الاجتماع العمُاني القبلي؛ فالصراع السياسي/الديني بشأن نظرية الإمامة يتحول أحيانًا إلى

صراع اجتماعي خالص بين القبائل العمُانية، بل يتطور في بعض الأحيان إلى إشكال اجتماعي جديد، كما

حدث في أواخر الدولة اليعربية، حيث انقسم العمُانيون اجتماعيًا إلى تشكلات جديدة تمثّلت في ما يُعرف

في التاريخ الاجتماعي العمُاني بفرقتي الهناوية والغافرية (1718). غير أن هذه الأحداث السياسية

الاجتماعية - التي أشرنا إليها في الهامش- تطورت بحيث تحولت عمُان بكاملها إلى كتلتين قبليتين هما

الهناوية بزعامة خلف بن مبارك الهنائي، والغافرية بزعامة محمد بن ناصر الغافري، وظلت الحرب الأهلية

قائمة فترة طويلة، بل ظلت آثارها قائمة حتى عصر السلطان سعيد بن تيمور (ت 972.)1 ساهمت هذه التحالفات القبلية الجديدة في خفت بريق النزعات المذهبية في المجتمع العمُاني، وهي نزعات

لم تكن حاضرة أساسًا، كما ساهمت بصورة كبيرة في تطور التشكلات الاجتماعية، الأمر الذي جعل العقل

الجمعي العمُاني يشتغل بالمكونات الاجتماعية الجديدة أكثر من اشتغاله بالتكوينات المذهبية التقليدية. إضافة

إلى ذلك، أعاد هذا الصراع صوغ الإشكال الاجتماعي من جديد، فبعد أن كان العمُانيون ينقسمون إلى قبائل

عدنانية وقبائل قحطانية؛ عرب الشمال وعرب الجنوب، أصبحت الكتلة الهناوية والغافرية تمثّل تغييرًا جذريًا

جديدًا في التشكل الاجتماعي القبلي العمُاني؛ إذ تتركب كل كتلة من قبائل عدنانية وقحطانية، ومن مذاهب

سنية وإباضية، وهكذا تغيرت خارطة الاجتماع السياسي لأول مرة في تاريخ الاجتماع السياسي العمُاني.

(2((كان ذلك بعد وفاة الإمام سلطان بن سيف سنة 7181، وكان بعض المرجعيات الاجتماعية (الأسرة من الدولة اليعربية بشكل

خاص وباقي عرب الشمال) أراد تنصيب ابنه إمامًا على عُمان على الرغم من صغر سنه (لم يكن يتجاوز حينها العشر سنوات)، في

حين أن المرجعيات الدينية الإباضية رأت في تعيينه خرقًا لشروط الإمامة الإباضية، التي تفترض البلوغ شرطًا أساسيًا لتولّي الإمامة،

ولهذا قام العلماء بتنصيب مهنا بن سلطان، وهو زوج عمة الصبي سيف بن سلطان اليعربي، بينما أبقت الأسرة اليعربية على الصبي

الصغير إمامًا، الأمر الذي أدى إلى انقسام العُمانيين إلى فرقتين: الهناوية والغافرية. انظر: عبد الله بن حميد السالمي، تحفة الأعيان

بسيرة أهل عُمان، 2 ج (مسقط: المطابع الذهبية، 993[]1)، ج 2، ص.115

شتاء 2015

عودًا على بدء؛ فإن الديني كنظرية مذهبية خالصة لم تتجلَّ بصورة واضحة في تاريخ الدولة العمُانية،

ولم تهيمن على فكر الأئمة الإباضية، ولهذا لا نجد كثيرًا من الجدل اللاهوتي الديني /الديني في التأريخ

الديني العمُاني، ولا في تأريخ شرق أفريقيا التي حكمها العمُانيون، خاصة في القرون الخمسة الأخيرة.

أما على الصعيدين الديني والاجتماعي، فإن النظرية الدينية كمشروع سياسي يتعلق بالإمامة (الخلافة) ارتبط في فترات كثيرة بالقبيلة كعنصر مهم من عناصر تكوّن المشروع السياسي الإباضي، ولهذا تقف معه

أحيانًا القبائل العمُانية كلها، بمذاهبها الدينية المختلفة. يمكننا إذًا القول بأن العلاقة بين الديني كنظرية

سياسية والاجتماعي كتركيبة قبلية هي علاقة متوترة وجدلية، لا يمكن أن ينفصل الديني عنها، في حين تصبح العلاقة بين الديني كممارسة مذهبية والاجتماعي كحضور ثقافي علاقة خافتة تمامًا في التأريخ

العمُاني؛ فالتأريخ الاجتماعي والتأريخ الديني الإباضي بشكل خاص لم يسجلا وجود مشروع مذهبي أو

مشروع ثقافي ذي منطلقات دينية أيديولوجية قامت به دولة الإمامة في عمُان عبر تأريخها الطويل. ثمة

إشكال مهم هنا؛ فالدين لم يكن في عمُان سوى جزء من المتعدد الثقافي وليس العكس، ذلك أن الثقافي

هو المتحكم الأول في ارتباط المجتمع بالدولة، ويصبح التدين في هذه الحالة جزءًا من التراث المعنوي

للدولة؛ لأن نظام التفكير داخل المجتمعات ذات التكوينات الثقافية المتعددة يحتفظ بمساحة لا بأس فيها للثقافي داخل المجتمع على حساب النظريات الدينية الدوغمائية المنغلقة والمرتبطة بثنائية الحق/ الباطل والحلال/ الحرام. والدين هنا يتحول إلى ثقافة تأريخانية ليعربّ عن هوية علاماتية أكثر من كونه

عقيدة تفترض الحق المطلق، كما يتحول إلى ممارسات طقوسية يومية، فهو يمارس فاعليته في المجتمع كعلامة ثقافية مرتبطة بالهوية السياسية والوجود التأريخي، وهذا ما يفسر عدم وجود أي صراع مذهبي في التأريخ العمُاني، وحتى التأريخ الحديث. كان الدين والقبيلة يشكلان مكوّنات الاجتماع- السياسي في عمُان، كما كانا يمثلّان أعمدة التفكير في نظام

الدولة (الإمامة الإباضية العمُانية)، وهنا نتحدث بشكل واضح عن شكل الدولة التقليدي، الذي كان

يتجلى بهذه الطريقة:

المراجع الدينية (الديني والقبلي)

الدولة

المجتمع

في حين أن الدولة المدنية الحديثة بعد سنة 9701 عملت على مأسسة الخطاب الديني، وذلك بوضعه

داخل مؤسسة دينية تتحرك في مساحات ذات مشروطيات ظرفية محددة هيكليًا وتشريعيًا، وتُعنى بخطاب

نوعي موجّه، كالشكل التالي:

الدولة الخطاب الديني

السلطان

بنية الدولة؛ مؤسساتها والخطابات

الفاعلة فيها

هذا التحول المأسسي للخطاب الديني، أو بعبارة أخرى، هذه المحاولة لوضع الخطاب الديني في إطار

مؤسساتي جعلت الخطاب الإباضي - باعتباره الفاعل الحقيقي في الخطاب الديني العمُاني- يتحول

تلقائيًا من خطاب يتحكم في شكل الدولة إلى خطاب جزئي يسعى إلى إعادة صوغ المدرسة الإباضية

مفهومًا وموضوعًا وفق نظم التفكير Système de pensée() المقارب للأقليات الدينية. ولكي

نكون أكثر دقة؛ فإن هذا التحول جعل المدرسة الإباضية تشتغل ضمن نظام المجموعات وليس

ضمن الدولة، ولهذا، تحوّل النتاج المعرفي للمدرسة اليوم والاشتغال الأيديولوجي أيضًا ليخدما هذا

النوع من التفكير. هذا التحول البنيوي يشبه تلك التحولات الكبرى التي تحدث داخل الحركات

الدينية التي تُعنى بالجماعة كمنظومة فكرية/عقدية معاصرة أكثر من اعتنائها بالاجتماع كسيرورة

متغير اجتماعي جذري. ولذلك، نجد أن الحركات الدينية في العالم الإسلامي تتحول بشكل اعتباطي

أحيانًا وبشكل ممنهج أحيانًا أخرى إلى كتل مغلقة، تمارس خطاباتها وتشريعاتها في فضاءات ضيقة

جدًا، وهو ما يجعلها تتمايز عن غيرها سلوكيًا وفكريًا وثقافيًا، وتنظيميًا أيضًا. غير أن نقل الخطاب من

إطاره المغلق (الجماعة) إلى فضائه الاجتماعي الواسع (المجتمع) يحدث بصورة اعتباطية في كثير من

الأحيان، ويهدف إلى تكوين «حركة تصحيحية» داخل المجتمعات؛ فالمجتمعات الإسلامية انحرفت

عن المنهج النبوي، ولهذا يجري إخضاع السلطة السياسية وكسر قراراتها السيادية من خلال الهيمنة

على «المجتمع»، وهو ما يسبب ارتباكات مذهبية ودينية داخل الدولة. فالدولة كنظرية سياسية تختفي

لتحل محلها النظرية الدينية، وهي تتمثّل في قوى ناشئة جديدة تمارس ذاتها دينيًا أو اجتماعيًا بشكل

منفصل ومغلق. وهكذا، غالبًا ما تشتغل حركة الأفكار الدينية في بنية الدولة؛ فالفكر الديني يعاني

هواجس تاريخية تجعله يتحول تلقائيًا في خطابه من شكل إلى آخر بحسب السياقات الظرفية التي

يمر بها، كما يقوم بإعادة إنتاج المفاهيم والنظريات لكي تنسجم والمرحلة التي يمر بها، لكنه يفشل

في أغلب الأحيان، لأن التفكير الديني بطبيعته مغلق في نصوصه التاريخانية التي لا يستطيع الخروج

عنها بسهولة.

شتاء 2015

إن المدرسة الإباضية بعد سنة 1970 - وهي تتحول من مفهوم الدولة إلى مفهوم الجماعة - تراجعت بشكل كبير في بناء العلاقة بين الديني والاجتماعي؛ أي إن هذه العلاقة شهدت تراجعًا كبيرًا جدًا عما كانت

عليه في عصور الإمامة. وقد هيمنت الدولة العمُانية الحديثة على هذا الملف (الفاعل الاجتماعي) بخطابها

السياسي الذي انفصل نهائيًا عن الخطاب الديني، كما أن الدولة عملت على تفكيك صورة الاجتماعي

التأريخي السابق (تمثّل ذلك في تعيين وزراء من خارج الفاعلين الاجتماعيين التاريخيين)، فقامت بإعادة

بنائه من جديد، أو ربما تركته يعيد بناء ذاته وفق رؤية مدنية تُعنى بالفرد أكثر ممّا تُعنى بالقبلية كفضاء

اجتماعي مدني جديد. إضافة إلى ذلك، دخل المجتمع العمُاني بعد النهضة في دائرة المعرفة الشمولية، التي

أكسبته وعيًا جديًا بصيرورة التحولات الاجتماعية، فلم تعد المراجع الاجتماعية تمثّل قيمة معنوية كبرى في

بناء الذات الاجتماعية، فأنتج ذلك تبدلات وتحولات كبيرة في الملف الاجتماعي العمُاني، وتمثّل هذا بشكل

واضح في الأحداث التي طولب فيها بالإصلاحات الاقتصادية والسياسية سنة 0112، حيث لم تستطع المرجعيات الاجتماعية القيام بأي دور إيجابي في تلك الأحداث، وفرضت سلطة الفرد قوتّها على حساب

المنظومات الاجتماعية، في حين أن العلاقة بين الديني والثقافي أصبحت اليوم نوعًا ما في مصلحة الديني؛

لأن الخطابات الدينية في العالم العربي بشكل عام بدأت تتحول إلى أشكال أيديولوجية، تمارس تأريخيتها وصورتها وطقوسها الشكلانية بقوة في العقل الجمعي، وهو ما يبدو أنه يحدث بشكل اعتباطي أو حركي في المجتمع العمُاني اليوم، إلا أن هذه الظاهرة تحتاج إلى مزيد من الرصد في علامات التحول التي لم تظهر

في عمُان بشكل واضح إلى الآن. هكذا إذًا يتشكل الخطاب الديني العمُاني في مرحلتيه التأريخية والحديثة، فهناك تحولات جذرية حدثت

في بنية التفكير الديني في جميع مساقاته السياسية والاجتماعية والثقافية، وفي علاقته بالدولة وعلاقته بالمكونات المذهبية والاجتماعية الأخرى في عمُان. بناء عليه، تبدو العلاقة جدلية بين الديني والسياسي،

كما تبدو العلاقة بين الديني والاجتماعي خافتة بحكم التغيرات الكبرى التي طاولت الملف الاجتماعي في عمُان، وهكذا تبدو العلاقة بين الديني والثقافي أيضًا متوترة لما يشهده الثقافي من تحولات حداثية

كبرى. لكن على الرغم من أن العقل الجمعي العمُاني عقل ديني بتاريخيته، فإن التعدد الإثنولوجي في

عمُان جعل الخطاب الديني أكثر تسامحًا في فرض أطروحاته السياسية اليوم. كما أن الخطاب الديني ذاته

متعدد المدارس المذهبية، ولهذا، فإن الوعي الاجتماعي يتشكل عبر خطابات دينية متعددة ومتضادة

أحيانًا في أطروحاتها السياسية والاجتماعية، الأمر الذي يؤدي إلى ضعف الخطاب الديني وعدم قدرته على الفعل الاجتماعي والسياسي.

استشرافات

إن سيناريو المستقبل السياسي في عمُان تفرضه سياقات ذات مشروطية ظرفية راهنة تختلف عن

تلك السياقات التي كانت عليها الدولة في مراحلها التاريخية السابقة؛ فالتحول من الدولة التقليدية (المعتمدة على التضاريس العرقية والمذهبية والمناطقية) إلى دولة المجتمع المدني أصبح يفرض إيقاعاته السياسية على مراكز صنع القرار السياسي، كما أن الموازين البراغماتية لمراكز القوى التقليدية تغيرت

كثيرًا بفعل التجاذبات الإقليمية العالمية، إضافة إلى أن التحولات الديموغرافية التي حدثت في عمُان

في سنيّها الأخيرة فرضت هي الأخرى منطقها على الخارطة السياسية في عمُان. إننا نرصد اليوم ملامح

تحولات جديدة في المشهد السياسي العمُاني من حيث البدايات التأسيسية لمؤسسات مدنية متعددة

الأطياف الفكرية، ومن حيث ما تحدثه تلك القوى الفكرية الراهنة من رمزية سياسية في العقل الجمعي

العمُاني أوالً، وفي الملفات الفاعلة في إدارة الدولة ثانيًا. ولهذا، فإن مراكز القوى الاقتصادية والدينية

والسياسية، وبالتالي التأثير في صناعة القرار السياسي، أصبحا موزعين على عدة استقطابات ناشئة؛ إذ نستطيع أن نقرأ عمُان كقطع إثنوغرافية أو دينية أو اجتماعية/ قبلية أو حتى مناطقية، تتميز كل منها

بشخصيتها التاريخية المستقلة بطرائق تفكيرها وسياقاتها الدينية وتركيبتها القبلية واللغوية وتقاليدها الاجتماعية والدينية. لقد فرضت التعددية اللغوية والإثنية والدينية والمذهبية والقبلية على العقل العمُاني لغة التسامح؛ لأنه

أصبح يشتغل في مساحات أضيق ممّا كانت عليه سابقًا، خاصة التسامح الديني الذي فقدته معظم الدول

العربية، غير أن هذا الاستقرار لا يملك ضمانات مؤكدة لاستمراره في السنوات المقبلة التي ستشهد ربما انفجارًا سكانيًا يتبعه انفجار فكري في شكله السياسي والديني والاجتماعي، وستشهد نضوبًا في موارد

النفط، وربما تغيرًا في شكل الدولة السياسي (الملكية الدستورية)، بل تغيرًا في شكل المنطقة العربية، الذي

لا شك أنه سيؤثر في عمُان بشكل غير مباشر؛ تلك التحولات المتوقع حدوثها تجعلنا كلها لا نستبعد

تشكالً جديدًا للخارطة الجيوبوليتيكية في عمُان؛ نظرًا إلى التحولات الديموغرافية التي فرضتها التعددية

الإثنية والدينية واللغوية في هذا البلد.

حنّا بطاطو

فل اّ حو سورية

أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأنًا وسياساتهم