المثقف في الجامعة: لماذا يجب أن نقرأ الماضي؟
The University Intellectual: Why Should We Study the Past?
الملخّص
يهدف البحث إلى قراءة إشكالية وضع المثقف في الجامعة في لحظة سياسية منغلقة لا توفر مساحة سوى الحوار المباشر مع الطلاب في قاعة الدرس. وإذا كان دور المثقف هو مسألة مأزومة بحكم التقاطع الجدلي بين السياسي والمعرفي، فإن الجامعة لا تقل في أزمتها التي يتصدرها سؤالا رئيسيا: هل الجامعة مكان أم فكرة أم وسيط؟ وهو سؤال مفارق لأن الجامعة بشكلها الحالي جاءت كتتويج للحداثة وانتصارا لها، لكن الخلل الحادث بفعل تبعية المعرفي للسياسي وهيمنة الأخير هيمنة مطلقة أعادت السؤال البديهي الذي استمدت منه الجامعة شرعيتها كفكرة. يُضاف إلى ذلك مفارقة أخرى متعلقة بالعلوم الإنسانية، تلك العلوم التي ناضلت حتى حصلت على استقلالها كحقل معرفي قائم بذاته، وإذ بهذا الاستقلال يفقد قيمته بسبب تصاعد نفوذ حقل الدراسات العلمية، وكأن الإنسانيات لا تدخل في بند التفكير العلمي. ومن أجل فهم الكيفية التي تُمكن المثقف في الجامعة من الإمساك بصورة الماضي سعيا إلى منحه معنى جديدا لابد أن نُعيد النظر في مصطلحي المثقف والجامعة. وهما مصطلحان يفتحان بداية باب تعريفات لا نهائية، مما يدفعنا إلى انتقاء ما يبدو مفصليا منها. تساعد التعريفات على التأشير على الأزمات التي تواجه كينونة المثقف- بما في ذلك علاقته بالسلطة من ناحية، وبالجماهير من ناحية أخرى- وماهية الجامعة. وفي النهاية سيقدم البحث أمثلة عملية لكيفية قراءة الماضي في قاعة الدرس ومنحه حياة جديدة في الحاضر.
Abstract
This study offers a reading into the predicament of the intellectual at university, at a time when avenues for political expression are blocked. If the role of the intellectual is a role “in crisis,” due to the dialectical intersection of the political with the epistemological, the role of the university is no less so, as it contends with the key question: Is the university a place? Or an idea? Or an intermediary? Paradoxically, the university in its current form was the culmination and triumph of modernity. But the subordination of epistemology to the hegemonic dominion of politics has caused disconnects leading to the interrogation of the accepted role of the university, from which role the institution derived its legitimacy. An additional paradox relates to the humanities, disciplines that struggled to obtain recognition as independent, stand-alone fields of knowledge, but then found themselves eclipsed by the rise of the sciences – as if the humanities do not partake of scientific inquiry. It is therefore necessary to revisit the two terms “intellectual” and “university”, if we are to grasp how the university intellectual can comprehend the past while striving to find new meaning. They are terms that, to begin with, open up the gates to an infinite number of definitions, prompting us to select those that are most critical. The study examines some definitions that can help annotate the various crises confronting the intellectual’s being, including those affecting the relationship with political authority or with the masses, as well as the identity of the university. Finally, the study presents practical examples of how to read the past in the classroom, and give it new life in the present.
- غرامشي
- قراءة الماضي
- العلوم الإنسانية
- الجامعة
- Gramsci
- University
- Modernity
- Humanities
- Amphitheater
- Public Sphere
يهدف البحث إلى قراءة إشكالية وضع المثقف في الجامعة في لحظة سياسية منغلقة لا توفر مساحة سوى الحوار المباشر مع الطلاب في قاعة الدرس. وإذا كان دور المثقف مسألة مأزومة بحكم التقاطع الجدلي بين السياسي والمعرفي، فإن الجامعة لا تقل عنه بأزمتها التي يتصدرها سؤال رئيسي هو: هل الجامعة مكان أم فكرة أم وسيط؟ إنه سؤال مفارق لأن الجامعة بشكلها الحالي جاءت تتويجًا للحداثة وانتصارًا لها، لكن الخلل الحادث بفعل
تبعية المعرفي للسياسي وهيمنة الأخير هيمنة مطلقة أعاد السؤال البديهي الذي استمدت منه الجامعة شرعيتها كفكرة، وتُضاف إلى ذلك مفارقة أخرى متعلقة بالعلوم الإنسانية، تلك العلوم التي ناضلت حتى حصلت على استقلالها حقلً معرفيًا قائمً بذاته، وإذ بهذا
الاستقلال يفقد قيمته بسبب تصاعد نفوذ حقل الدراسات العلمية، وكأن الإنسانيات لا تدخل في بند التفكير العلمي. ومن أجل فهم الكيفية التي تُكن المثقف في الجامعة من الإمساك بصورة الماضي، سعيًا إلى منحه معنى جديدًا، لا بد أن نُعيد النظر في مصطلحي
المثقف والجامعة، وهما مصطلحان يفتحان بداية باب تعريفات غير نهائية، وهو ما يدفعنا إلى انتقاء ما يبدو مفصليًا منها. تساعد التعريفات على التأشير على الأزمات التي تواجه
كينونة المثقف- بما في ذلك علاقته بالسلطة من ناحية، وبالجماهير من ناحية أخرى- وماهية الجامعة. وفي النهاية سيقدم البحث أمثلة عملية لكيفية قراءة الماضي في قاعة الدرس ومنحه حياة جديدة في الحاضر.
ربيع 2015
مقدّمة: حدث سنة 1940
في 26 تشرين الثاني/نوفمبر 1940، دخل رودولف كليفرنخا (1980-1894)، الهولندي المتخصص بالقانون المدني والتجاري، قاعة الدرس في جامعة ليدن، وهو يحمل حقيبة ملابس صغيرة، وألقى خطابًا ناريًا دان فيه قيام القوات الألمانية بإرغام أستاذه وزميله إدوارد موريتس مييرس
وعدد كبير من الزملاء اليهود على الاستقالة. واستقبل الطلاب المحاضرة بفاصل طويل من التصفيق،
حتى أن أعين بعضهم اغرورقت بالدموع تأثّرًا. وفي مساء اليوم ذاته، قام الطلاب بطبع المحاضرة وتوزيعها
على زملائهم، وفي اليوم التالي اعتُقل كليفرنخا ووضِع في السجن الخاص بالمنتمين إلى المقاومة الهولندية.
تسارعت الحوادث، فنفّذ الطلاب إضرابًا أدى إلى غلق جامعة ليدن تمامًا. وفي سنة 1970 أنشأت جامعة
ليدن كرسي كليفرنخا الذي يتسلمه كل سنة، في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر تحديدًا، أستاذ مرموق ذو إنجاز في
الحرية الأكاديمية والبحث العلمي، وكان منهم الراحل نصر حامد أبو زيد. ماذا لو التزم كليفرنخا الصمت؟
إشكالية البحث
لا يهدف هذا النموذج إلى فتح نقاش بشأن الحريات الأكاديمية، بل يهدف إلى إرساء إشكالية وضع المثقف في الجامعة في لحظة سياسية منغلقة لا توفر مساحة سوى الحوار المباشر مع الطلاب في قاعة الدرس، وإعلان موقف من خلال رؤية معرفية تتحول في لحظة احتياج إلى إجراء عملي. تتجلى أهمية كليفرنخا في أنها تؤشر على الإشكالية التي يطرحها البحث بجميع عناصرها؛ فكليفرنخا هو المثقف في الجامعة آنذاك، وفي استعادة ما فعله تأكيد لنظرية فالتر بنيامين المتعلقة بقراءة الماضي، إذ يقول: «لا يمكن الإمساك بالماضي إلا كصورة تضيء في لحظة التعرف إليها، ولن تُرى مرة أخرى... التاريخ هو المادة التي تُشيد
موقعًا لا يتسم شكله بالتوافق، وليس فارغًا من الزمن بل هو مليء بالزمن الآني». بذلك يتحول الماضي
إلى زمن حاضر، ويكتسب معناه أيضًا من الحاضر. من أجل فهم الكيفية التي تُك ن المثقف في الجامعة من الإمساك بصورة الماضي من أجل إضفاء معنى عليه، لا بد أن نُعيد النظر في مصطلحي المثقف والجامعة؛ فكلا المصطلحين يفتح بداية باب التعريفات، وهي متعددة وغير نهائية، الأمر الذي يدفعنا إلى انتقاء ما يبدو مفصليًا منها. وفي فتح باب التعريفات، لا بد من الإشارة إلى الأزمات التي تواجه كينونة المثقف
وماهية الجامعة. في النهاية، سيقدم البحث أمثلة عملية لكيفية قراءة الماضي في قاعة الدرس، إلا أن فتح باب التعريفات أيضًا يجعلنا نُعيد الإمساك بالماضي بشكل آخر، بالإضافة إلى استعادة بعض الآراء التي أسست لدور الجامعة.
المثقَّف
كلما نُطقت كلمة المثقف، يبادر الجمهور المستمع إلى حيلة تنطوي على بعض التحدي والاستعراض، فيسألك: «ومن هو المثقف؟». لا بد أن يكون السؤال مؤديًا إلى بُعد جديد لأنه سؤال قديم، ولا بد أن يأتي
(1) Walter Benjamin, «Theses on the Philosophy of History,» in: Walter Benjamin, Illuminations , Edited and with an Introduction. by Hannah Arendt; Translated by Harry Zohn (New York: Schocken Books, 1968), p. 261.
المثقَّف في الجامعة، لماذا يجب أن نقرأ الماضي؟
التعريف مضيفًا بُعدًا جديدًا لا مكرِّرًا تعريفات قديمة؛ فما من مؤتمر أو ندوة ثقافية عُقدت في العالم العربي
في العقد الأخير إلا وتناولت تعريف المثقف ودوره وعلاقته بالسلطة، بلغة تنهل من جميع التعريفات التي قدّمها المفكرون في العالم العربي أو في الغرب في التاريخ الحديث. ومن الملاحَظ أن معظم هذه المساهمات-
التي لا نقلل من شأنها- عمدت إلى الاشتباك مع الفكر النظري من دون المساس بالواقع العملي، وهو ما يؤدي إلى مزيد من الصعوبة، فلا نعرف عن أي مثقف نتحدث، أنتحدث عن أنفسنا أم عن الآخر المجهول الذي يعرّفه أناس آخرون. بشكل عام، تتجه تلك التعريفات إلى الإعلاء من دور المثقف وإضفاء مسحة مثالية على توجهاته، مما يعتم على الواقع العملي المرير. ويبدو كأن هذا المثقف يعيش في عالم بمفرده لا تحكمه قيود سياسية أو ضائقة اقتصادية. أما في حالة اشتباك هذه التعريفات مع الواقع، فإن الترجمة الفورية لهذا الواقع هي «السلطان»، وهو أمر مفهوم إذا أخذنا في الاعتبار التوتر الدائم بين المثقف والسلطة، والمحاولات الدائمة التي تسعى إما لتدجين المثقف وإما لتحييده أو إرضائه أو محاصرته. في جميع الأحوال، أدى فصل المثقف عن الواقع بكل أطرافه واختزال واقعه في علاقته بالسلطة إلى إلقاء العبء الأكبر عليه، وهو ما جعل البعض في العقد الأخير بشكل خاص يحتج على ذلك كله عبر المناداة بإعادة تعريف المثقف، وهو سؤال له حضور دائم في ظل ازدياد ضغط الواقع السياسي، ومع التحولات السريعة لممارسات الدولة داخل حدودها (عبر القمع الصريح أو العنف الرمزي كما يُعرّفه بورديو)، وممارسات العولمة السياسية والاقتصادية من الناحية
الدولية، وعلاقات القوى المتشابكة التي تعيش في حالة سيولة مستمرة. وفي وسط ذلك كله، يلام المثقف بدعوى أنه لا يقوم بدوره. والسؤال الذي يُطرح كل مرة وكأنه سؤال جديد هو: من هو المثقف؟ ونحن
نسأل: هل يُعتبر كليفرنخا نموذجًا معياريًا لما يجب أن يكون عليه المثقف في الجامعة؟ يُعَدّ التعريف الذي قدّمه الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي (1937-1891) للمثقف في كراسات
السجن واحدًا من التعريفات التي تداولتها الثقافة العربية كثيرًا. وبسبب تغير السياق الزمني
والفكري والسياسي، لا بد أن نفكك هذا التعريف ثم نُعيد تركيبه في ضوء الحاضر، وهو أحد أشكال قراءة الماضي. يرى غرامشي أن المثقفين ينقسمون من الناحية الوظيفية إلى جماعتين: جماعة المثقفين التقليديين،
كالأدباء والعلماء وأساتذة الجامعة والصحافيين والإداريين، وهُم الذين يتبنّون موقفًا حياديًا من
الطبقات، ولا ينتمون إلى طبقة بعينها، ولا يعتبرون أنهم مكل فون بحمل أفكارها. وهناك جماعة المثقفين
العضويين، وهُم العنصر المفكر والمنظم في طبقة اجتماعية معيّنة، ويرون أنهم مكل فون بالدفاع عن
أفكار هذه الطبقة ومصالحها وتطلعاتها. ولكن، ما مدى صحة هذا التقسيم الغرامشي وما مدى دقته؟ وهل يصلح هذا المنظور لحالات المجتمعات المختلفة، وخاصة في ما يسمّى مجتمعات العالم الثالث؟
(2) Pierre Bourdieu, «The Forms of Capital,» in: John G, Richardson, ed., Handbook of Theory and Research for the Sociology of Education (New York: Greenwood Press, 1986), pp. 46-58.
(((أنطونيو غرامشي، كراسات السجن، ترجمة عادل غنيم (القاهرة: دار المستقبل العربي،.)1994
ربيع 2015
وهل كان كليفرنخا مثقفًا عضويًا أم مثقفًا تقليديا؟ ألم يكن أستاذًا جامعيًا وهو المثقف التقليدي وفق
تعريف غرامشي؟ لنأخذ مثلً من تعريف التوجهات اليمينية للمثقفين. يقدم المفكر اليميني جوليان بيندا في كتابه خيانة
المثقفين، الذي نشره سنة 1928، التعريف المثالي الأفلاطوني التالي للمثقفين: «هم هؤلاء الذين ليس نشاطهم بالدرجة الأولى ملاحقة الأهداف العملية، والذين يسعون إلى مسرتهم في ممارسة فن ما أو علم ما أو تأمل غير علمي، باختصار في امتلاك مزايا غير مادية، ولهذا السبب يقولون بطريقة محددة: مملكتي ليست من هذا العالم». في هذا التعريف المختصر، الذي ينهل من لغة دينية، تأكيد لضرورة امتلاك المثقف نقاط ارتكاز قوية في مساحات العدالة والنزاهة ورفض الاضطهاد والبؤس الإنساني، وهو موقف يشبه -إلى حد ما- الفلسفة المعاصرة المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان؛ تلك الفلسفة التي تشجب انتهاك الحق الإنساني في الأجناس والعرقيات كافة، ولا تلتفت إلى اللون أو الجنس أو الدِّين أو التوجه الأيديولوجي.
من ناحية أخرى، يطرح تعريف بيندا للمثقفين صورة هلامية تصور المثقف وكأنه معلق في الفضاء، لا تضغط عليه مشكلات ولاء أو عرقيات أو قوميات، يعيش بلا هوية وخارج أي حدود، بل هو متحرر من شبكة علاقات اجتماعية واقتصادية، وهو بالتالي غير متورط في علاقات القوى السياسية. وهذه شروط لا
تنطبق مطلقًا على مثقفي العالم الثالث بأي حال من الأحوال، ناهيك عن مثقفي الجامعة. كما أنها لا تلبي حاجات اللحظة الصاخبة سياسيًا أو معرفيًا وتتجلى بوحشية في الجامعة، وإن كانت تلبي رغبات وأهواء
أي سلطة تتمنى إبعاد المثقف عن الساحة. لكن ما يهم في تعريف بيندا هو تأكيده أن الملكات التي تؤهل
الفرد ليكون مثقفًا هي بالضرورة «ليست ملاحقة الأهداف العملية»، فهو المثقف الذي ينظر فقط من دون
أن يشتبك مع الواقع، وبالتالي فهو ليس محرضًا أو مشاركًا في أي حادث إلا بما يقدمه من تصورات خارج هذا الواقع تساهم في فصل الثقافة عن السياسة، وتحويل المجال الثقافي إلى حَ ل وديع يعيش في تهويماته
الخاصة. هل ينطبق هذا التعريف على كليفرنخا؟ بالتأكيد لا، وبالتأكيد لا أتوقع من المثقف في الجامعة أن يضع نفسه بمنأى عن كل ما يحدث خارج أسوار الجامعة أو داخلها من تحالفات قوى تسعى إلى إحداث تغيير ما سلبًا أم إيجابًا. تساءل الباحث المصري نبيل عبد الفتاح عن التعريف الحقيقي للمثقف، والمثير للدهشة أن التعريف الذي توصل إليه في سنة 2001 في كتاب اليوتوبيا والجحيميبدو صالحًا تمامًا للتأشير على المثقف العربي في
وضعه الحالي:
(((كان غرامشي يقبع في المعتقل منذ سنة 1926، ويدفع ثمنًا غاليًا بسبب أفكاره المناهضة لفاشية موسوليني. وقد كتب كراسات
السجنفي الفترة 1929 - 1935، وتم تهريبها خارج السجن، ولم تُنشر إلا في مطلع الخمسينيات، وتُرجمت إلى الإنكليزية في
السبعينيات، وتُرجمت بعد ذلك (في أواسط السبعينيات) إلى العربية، وجرى منذ ذلك الحين اعتماد تعريف غرامشي للمثقف، من
دون الأخذ في الاعتبار المتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية الجذرية التي أصابت نفس هذا المثقف، ومن دون الالتفات إلى أن
مسعى غرامشي كان إنتاج مثقف الطبقة العاملة.
(((جوليان بيندا (1956-1867) فيلسوف وروائي فرنسي، اشتهر بكتابه خيانة المثقفينالذي ناقش فيه تواطؤ المثقفين الفرنسيين
والألمان في القرن التاسع عشر والقرن العشرين مع المسائل السياسية والعسكرية، وهو ما أدى إلى ترسيخ الشوفينية.
(6) Julien Benda, The Treason of the Intellectuals (La Trahison des clercs) , Translated by Richard Aldington, Norton Library; N470 (New York: Norton, 1969), p. 43.
المثقَّف في الجامعة، لماذا يجب أن نقرأ الماضي؟
هل نريد الإمساك بالمثقف العصري العام، أي بمستهلك الثقافة الحديثة وتجلياتها المختلفة، أم نقصد منتج الأفكار الحديثة؟ إن هذا المثقف الذي نسعى جاهدين لوضعه تحت المجهر التحليلي يتحدد، في تقديرنا -ونرجو ألا نكون مخطئين- في تعارض مع المثقف التقليدي المنتج، أو الذي يعيد تكرار أو إنتاج نظام الأفكار القديم الذي يدور حول تأويل النصوص المقدسة، والتفسيرات القديمة، وتتجلى تقليديته في لغته ومرجعياته وما كشفه من تناص مع النص الفقهي والتفسيري القديم، وفي أطروحاته وأفقه -فالمثقف الحديث- هو الذي يطرح في نصه القيم الحداثية التي تدور حول حرية الإنسان وسلطاته في الحياة حول فكره وقيمه وسلوكه، بالفصل بين المرئي وغير المرئي، وأن لا سلطان للأخير على نظام الحياة والجسد والعقل والروح، وينزع إلى القبول بالعلم الحديث ومنجزاته، وبالتعدديات في السياسة والأديان والأعراق والقيم والثقافات، وأن هذه المعايير كلها لا تفاضل بين إنسان وآخر في الفرص والمكانات
والتقييم إلا على أسس المساواة والمواطَنة والحقوق والحريات العامة كافة، المنصوص عليها في دساتير الدول القومية الحديثة. بالتأكيد لم يتوقع نبيل عبد الفتاح أن يكون ما كتبه في سنة 2001 جوهر المعركة بعد مرور أكثر من عقد من الزمن؛ فالإشكالية الآن في ما يخص المثقف في الجامعة لا تتعلق فقط بالتوجهات السياسية الضاغطة وبالولاء للسلطة المباشرة (رئيس مجلس القسم، عميد الكلية، رئيس الجامعة)، بل تتعلق أيضًا بضرورة تثوير اللغة المستخدمة في التدريس وفي البحث العلمي، بل وفي النقاش والتفاوض، فاللغة هي وعاء الفكر. إن اتخاذ أي مسار جديد على هدي اللغة القديمة هو إصرار على تكرار تجارب فشلت، أو لم تعد ملائمة للسياق الزمني في أفضل الأحوال. وكلما أمعن المثقف الجامعي في توظيف اللغة القديمة، نسج
وهمًا مبالغًا فيه مفاده ضرورة الحيادية التي تُعَدّ رمزًا لنزاهة. والحقيقة أنه يُعمق عزلته من ناحية، ويختار
من ناحية أخرى أن يكون بلا دور ولا خطاب يُميزه، وذلك على الرغم من وجوب أن يكون للباحث
موقف معرفي (وسياسي). هل كان في إمكان كليفرنخا أن يُلقي محاضرته من دون الإيمان بحرّية الإنسان
وبالمساواة والمواطَنة والتعددية؟ لا يمكن تجاهل رؤى المثقف الثرية التي قدمها الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد - الذي كان أستاذًا في جامعة كولومبيا- في كتابه صور المثقف الذي هو مجموعة محاضرات ألقاها الراحل في إذاعة «بي. بي. سي»
سنة 1993. اشتبك سعيد مع رؤى عدة للمثقف، إلا أنه خلص إلى تعريف للمثقف مؤداه أن المثقف هو المنفي والهامشي باختياره: «أنا ضد الاهتداء والإيمان برب سياسي من أي نوع. وأعتبر أنه سلوك غير صالح للمثقف. هذا لا يعني أن على المثقف أن يبقى على حافة الماء، يتحسسه بإصبع قدمه من حين إلى آخر، ويبقى معظم الوقت دون بلل». يدعو سعيد المثقف إلى اتخاذ موقع هامشي قصدي بوعي كامل، وهو يقصد بالطبع الهامشية التي تسمح بحرّية كاملة مُتخلصة من الولاءات والحسابات في ما يتعلق
بتشكيل الرؤى المعرفية والأنطولوجية، بمعنى ألا يكون المثقف مقيدًا بما يجذبه إلى منطقة تابعة في التفكير.
(((نبيل عبد الفتاح، اليوتوبيا والجحيم: قضايا الحداثة والعولمة في مصر، سلسلة المواطنة؛ 4 (القاهرة: المركز القبطي للدراسات
الاجتماعية، 2001)، ص.55
(((إدوارد سعيد، صور المثقف، ترجمة حسام الدين خضور (بيروت: دار التكوين، 2003)، ص.16
ربيع 2015
ثم يحث سعيد المثقف على تبنّي موقف الترحال (مجازًا) الدائم الذي يجدد الأفكار ويول د الخطاب النقدي
بدلً من حالة السكون والاستقرار التي تدفع العقل إلى القبول والاستكانة، ويقول: «إن كون المثقف هامشيًا وغير مدجن مثل شخص ما في منفى حقيقي عليه أن يكون مستجيبًا على نحو غير عادي للخبير
بالسفر لا لصاحب السلطة، للمؤقت والمنذر بالخطر لا للمعتاد، للابتكار والتجربة لا لشرط الوضع القائم بقوة السلطة. إن المثقف المنفي لا يستجيب لمنطق التقاليد بل لجرأة المغامرة، وتمثيل التغيير، والسير
قدُمًا، لا للسكون الراكد». كان ذلك في سنة 1993، لكن إدوارد سعيد، كأي باحث جاد، يراجع دائم
أفكاره في ظل التطورات المحلية والعالمية السريعة التي تفرض إعادة النظر في المسلمات كافة؛ ففي المقال الذي نشره سنة 2001 تحت عنوان «دور المثقف والكاتب في الشأن العام» وأعاد نشره في كتابه الإنسانوية والنقد الديمقراطيسنة 2004، يعيد التفكير في تعريفه للمثقف من ناحية ضرورة عدم اهتدائه بأي قوى سياسية. ويقر بأن التحولات الكثيرة التي وقعت منذ سنة 1993 جعلت تعريف المثقف والكاتب عملية مربكة إن لم تكن مستعصية، وهو الأمر الذي أتفق معه تمامًا. يخلص سعيد إلى أن أحد التغيرات الرئيسية
هو عدم إمكان بقاء الكاتب والمثقف على الحياد السياسي، «وتكمن صعوبة هذه الإشكالية لدى المثقف في اتساع المجال السياسي والعام حتى أصبح افتراضيًا بلا حدود»، بل إن المجال الافتراضي نفسه على
الشبكة العنكبوتية تحول إلى مجال سياسي مفتوح. من الصعب فصل السياسة عن الثقافة في العالم العربي (وربما في العالم أجمع)؛ إذ إن اشتباك الدِّين مع الثقافة هو بحد ذاته توجه سياسي. بناء عليه، لا يمكن البقاء في حالة من الانغلاق داخل أسوار الجامعة بمعناها الضيق المتمثّل في كتب ومذكرات وامتحانات وتقارير وتصحيح أوراق. كما لا يمكن تجاهل تكالب جميع التيارات السياسية التي تسعى الآن للسيطرة على المجال الثقافي للنفاذ منه إلى السياسي، وهو ما يجعل الإشكالية -عدم الحياد السياسي- التي أعاد سعيد النظر فيها ذات وجاهة وشأن في عملية قراءة الواقع اليومي العملي. وفي هذه الحالة، يمكن، طبقًا لمعطيات المشهد السياسي والمجتمعي، إعادة صوغ إشكالية سعيد عبر التساؤل عن علاقة المثقف في الجامعة بالسلطة؛ فهي علاقة شائكة، تتشعب أبعادها وتتكاثر بمقدار تلاحق الحوادث، حتى أن تاريخ هذه العلاقة يُمكن أن يشكل جزءًا من تاريخ علاقة
المثقف بالسلطة؛ ففي الجامعة، سواء أكان المثقف منكبًا على البحث العلمي أم ملقيًا محاضرة أم متفاعلً
مع الزملاء والطلاب، تبدو علاقته بالسلطة حتمية، أكانت علاقة توافقية أم علاقة تصادمية؛ علاقة لا
مفر منها، سواء أكان المثقف معارضًا للسلطة أم مواليا لها، فهو يعيش في قلب السلطة حتى لو ادعى أنه بمعزل عنها. في الأحوال كلها، تبدو السلطة بجميع تجلياتها متوغلة في مفردات الواقع الجامعي ومؤثرة في
أطراف العملية الجامعية، وهو ما يجعل تجاهلها شكلً من أشكال الترف والرفاهية لا يقدر عليه كثيرون. ولأن المثقف ينتمي إلى تلك الفئة التي يجب ألّ تملك مثل هذه الرفاهية، فإنه غالبًا ما يرى أن دوره هو
قيادة الجموع لتسلك المسار الثوري الصائب، وهو ما يبرر الهاجس الذي يسيطر عليه دائمً بضرورة
(((المصدر نفسه، ص.77
(10) Edward W. Said, Humanism and Democratic Criticism (New York: Palgrave MacMillan, 2004), p. 120.
المثقَّف في الجامعة، لماذا يجب أن نقرأ الماضي؟
قيادة الجماهير، وقيادة الطلاب، وإملاء الواجب عليهم بوصفهم عديمي الخبرة، وفي أحيان أخرى تحريضهم، وفي أسوأ الحالات استخدامهم. إلا أن هذا ليس إلا وهمًا آخر أضاع فيه بعض مثقفي الجامعة وقتهم فيه؛ ففي سنة 1972، وفي حوار بين الناقدَين ما بعد البنيويين ميشيل فوكو وجيل دولوز، أشار فوكو إلى ما حدث للمثقفين في حوادث أيار/مايو 1968 في فرنسا والتي بدأت بإضراب طلاب الجامعات، فيقول: اكتشف المثقف أن الجماهير لم تعد في حاجة إليه لتكتسب المعرفة؛ فهي تعرف جيدًا، ومن دون أي أوهام، بل تعرف أفضل منه، ولديها بالتأكيد القدرة على التعبير عن نفسها. لكن هناك نظام قوة يحجب هذا الخطاب وهذه المعرفة ويمنعهما ويبطلهما. وهو نظام ليس موجودًا في سلطة الرقابة الواضحة فقط،
بل يتغلغل بعمق وهدوء في الشبكة المجتمعية كلها أيضًا. إن المثقفين أنفسهم هم عملاء نظام القوة هذا، ففكرة مسؤوليتهم عن «الوعي» والخطاب تشكل جزءًا من هذا النظام. لم يعد دور المثقف أن
يضع نفسه «بجانب الجموع في مكان متقدم عليهم» ليوضح الحقيقة المخنوقة الخاصة بهم، بل دوره هو أن يناضل ضد أشكال القوى التي تحوّله إلى موضوع وأداة في مجالات «المعرفة» و«الحق» و«الوعي»
و«الخطاب». إذا كانت «الجماهير» -وأود التركيز على نواة الجماهير كما تتجلى في الجامعة - لا تنتظر قيادة أو توجيهًا أو
وصاية، فما الذي نتوقعه من المثقف في وسط هذه الجماهير، فهو تارة يرتدي عباءة المرشد، أو الم وجّه، أو
التربوي، أو المدرّس، أو الباحث، أو الزميل، والحقيقة أنه يكون في كثير من الأحيان في موقع السلطة
(أحمد لطفي السيد وطه حسين). ونذكر بأن كليفرنخا لم يكن يمارس أي دور قيادي تجاه الطلاب عندما ألقى تلك المحاضرة التي أدت إلى الزج به في السجن، لكنه كان يُعلن موقفه الواضح تجاه الظلم والفاشية،
وكان يثور على تبعية المعرفي والأكاديمي للسياسي والعسكري. الحقيقة أن كليفرنخا كان ينتصر للمعرفة وينقذها من الزيف.
ماهية الجامعة
هل تُعتبر الجامعة مكانًا أم فكرة؟ التعريف المباشر للجامعة هو أنها مؤسسة للتعليم العالي تتيح إنجاز البحث العلمي ونقله (التدريس) وأرشفته (المكتبة). لكن الجامعات كلها تفعل ذلك، أكان موقعها في أميركا أم في مصر أم في تشاد. ما يهمنا هو الماهية الفلسفية للجامعة، ورؤية المثقف لجوهرها، ولدوره، وللحيز الذي يشغله، وما إذا كان يُشغله. سأتناول آراء ثلاثة مفكرين ينتمون إلى خلفيات فكرية
وأيديولوجية مختلفة، من أجل فهم الوضع المأزوم للعلوم الإنسانية في الجامعة، وذلك على مستوى العالم بأكمله لا على مستوى العالم العربي فقط.
(11) Michel Foucault, Language, Counter-Memory, Practice: Selected Essays and Interviews , Edited, with an Introduction., by Donald F. Bouchard; Translated from the French by Donald F. Bouchard and Sherry Simon (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1977), pp. 47-53.
ربيع 2015
في سنة 2001، أصدر جاك دريدا كتابًا بعنوان الجامعة بلا شروط. كانت جامعة دريدا -المفكر
التفكيكي- تسعى لتفكيك جمود الجامعة أو قولبتها عبر دفعها إلى التخلص من أي شروط، أي دفعها نحو التعددية. ويُعرّف دريدا مبدأ عدم المشروطية بأنه يتمثل في الأصل في العلوم الإنسانية، إذ يكتسب
حيزًا للتعريف والتجلي والبقاء بشكل أصيل ومتميز في إطار العلوم الإنسانية؛ فلهذا المبدأ مجاله الخاص
للنقاش ولإعادة الصياغة في هذه العلوم، وهذا يتحقق بقدر متساو في الأدب واللغة (أي العلوم المسماة بعلوم الإنسان والثقافة). وفي الفنون غير الخطابية، وفي القانون والفلسفة، وفي النقد والتساؤل... حيث لا يتعلق الأمر إلا بإعادة التفكير في مفهوم الإنسانية وفي شكل الإنسانية بوجه عام. يؤكد تيري إيغلتون أهمية العلوم الإنسانية التي عمدت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر إلى إضعافها، ويقول: «إذا اختفى التاريخ والفلسفة وغيرهما من الحياة الأكاديمية، فما يتبقى لدينا هو مجرد مكان للتدريب التقني أو معهد بحوث. لكنها لن تكون جامعة بالمعنى الكلاسيكي للمصطلح، وسيكون من الخداع أن نسمّيها هكذا». وحين يتموضع مفهوم الإنسانية في قلب الجامعة، فإنه يُمكن
أن يتخلص من كل القيود المفروضة عليه في العصر الحديث، حتى أن دريدا يضع مفهوم الإنسانيات الجديدة التي تهتم ب«قضية الحقيقة وتاريخها في علاقتها بقضية الإنسان» كوسيلة من الوسائل التي تساعد الجامعة على تحقيق مبدأ عدم المشروطية. أمّا المبادئ الأخرى، فمنها مفهوم الحريات الأكاديمية
(طه حسين، علي عبد الرازق، نصر أبو زيد)، ومفهوم سلطة الجامعة الذي يرتدي أهمية بالغة؛ فهو يعني التخلي عن أي شرط مرتبط بما يقع خارج الحيز المعرفي للجامعة، ومواجهة أي قيود مفروضة عليها، سياسية أكانت أم دينية أم اقتصادية، بمعنى آخر، تتحول الجامعة إلى حائط صد منيع ضد جميع أشكال السلطة، «في مواجهة عدد كبير من السلطات: سلطات الدولة... السلطات الاقتصادية... سلطات الإعلام والسلطات الدينية والأيديولوجية والثقافية... إلخ. باختصار، في مواجهة كل السلطات التي تحد من ديمقراطية المستقبل». واقع الأمر أن مشكلة تبعية الجامعة للسلطات التي تقع خارج الحيز الأكاديمي يعمل على إلغاء جوهر الجامعة وماهيتها؛ فقد أكد إيغلتون المشكلة نفسها عندما قال إنه «منذ عهد مارغريت ثاتشر، أصبح دور المجتمع الأكاديمي أن يكون في خدمة الوضع القائم، وليس تحديه باسم العدالة والتراث والخيال والرفاه الإنساني واللعب الحر للعقل أو رؤى بديلة للمستقبل». لا يختلف رأي سعيد كثيرًا عن رأي دريدا، وإن يكن رأيه يجنح إلى وضع الجامعة في المكان الذي يتيح لها التفاعل
(12) Jacques Derrida, L’Université sans condition , collection Incises (Paris: Galilée, 2001).
اعتمدتُ على ترجمة منى طلبة لمقتطفات من هذا الكتاب في بحثها المنشور في العدد رقم 29 (2009) من مجلة التي تصدر ألف
عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وكان المحور بعنوان «الجامعة وهمومها: محليًا وعالميًا»، انظر: منى طلبة، «مجاز الجامعة: الجامعة
وكأنها....،»، العدد ألف 29 (2009)، ص.49-24
(((1 المصدر نفسه، ص.31
(14) Terry Eagleton, «The Death of Universities,» Guardian , 17/12/2010.
(((1 طلبة، ص.32
(((1 المصدر نفسه، ص.32
(((1 المصدر نفسه، ص.32
(18) Eagleton, «The Death of Universities».
المثقَّف في الجامعة، لماذا يجب أن نقرأ الماضي؟
المستمر مع البيئة الخارجية، وبذلك تتوالد الأفكار وتُنتج المعرفة. ففي محاضرته التي ألقاها سنة 1999
في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، قال: «أن يمضي المرء حياته في عالم الجامعة مثلكم أنتم الخريجين الجدد
ومثل أساتذتكم، إذن هو بمثابة دخول في سعي لا نهائي نحو المبادئ والمعرفة، وأخيرًا نحو العدالة».
ولا يغفل سعيد أهمية العلوم الإنسانية التي تمتلك القدرة على مواجهة النزاعات الدينية والشوفينية،
والإحساس الزائف بالتفوق، ويستطرد: «إن افتراض أن هدف التعليم يتحقق بأفضل شكل عندما نركز
أساسًا على تمايزنا الخاص وما يتوافق وهويتنا العرقية وتراثنا يجعلنا -ويا للمفارقة- نضع أنفسنا في المكان
الذي وضعتنا فيه النظرية العنصرية في القرن التاسع عشر كعِرق أقل أو أدنى، غير قابل للمشاركة في ثروة
الثقافة الإنسانية». ما يلفت النظر هو تأكيد كلٍّ من دريدا وسعيد وإيغلتون أهمية العلوم الإنسانية، فهي التي تدفع الفكر
إلى الحركة لا إلى الجمود، وهي التي تحفز على إنتاج المعرفة بدل من استهلاكها، وهي التي تستفز العقل
من أجل أن يدافع عن حقه في طرح رؤى بديلة بدلً من الاستسلام للوضع الراهن (أو الراكد؟)، وبهذا
تتميز الدراسات الإنسانية عن الدراسات العلمية البحتة المتعاملة مع بيئة خارجية تتطلب حلولً صارمة
لمشكلات علمية ومنهجية؛ حلول إذا اتخذت من التعددية مبدأ قد تنهار البناية فوق رؤوسنا أو تنفجر
آلات المصانع في وجه العمال. تنتج العلوم الإنسانية فئة من المثقفين قادرين على الترحال بين الثقافات
والعصور؛ إنه المسافر الذي «يعتمد عى حرية مواصلة الرحلة والقدرة على النقد والتفكير المستقل»،
فكيف هي حال المشتغلين في العلوم الإنسانية في الجامعة؟ أصبح مجال العلوم الإنسانية في الفترة الأخيرة يحتل مكانة ثانوية، لا في الجامعة فحسب، بل أيضًا في مجال
البحث العلمي بشكل عام، حتى أن كليات الطب والهندسة والاقتصاد والعلوم السياسية في مصر، على
سبيل المثال، تسمّى «كليات القمة». وقد قام إدوارد سعيد في سنة 1998 بوصف الحال التي وصلت
إليها العلوم الإنسانية في عهد الرئيس الأميركي الجمهوري رونالد ريغان، وخص الدراسات الأدبية
والنقدية بالكثير من الاهتمام. وبقراءة متأنية ندرك أن إقصاء النقد الأدبي والدراسات النقدية عن مجال
التأثير في المجال العام ليس قاصرًا على أميركا، بل قائم في جميع البلدان التي ترزح تحت أنظمة سلطوية
لا ترى في الثقافة سوى خطاب يخدم أهدافها، وهو بالتالي تابع لها. يبدأ سعيد مقاله بطرح ثلاثة أسئلة
جوهرية، ويجعل من المقال محاولة للإجابة عنها: «من يكتب؟ لمن تتوجه الكتابة؟ تحت أي ظروف؟»،
وهي الأسئلة الثلاثة التي يمكن أن تساعدنا على فهم وضع العلوم الإنسانية والمشتغلين بها في جامعاتنا
في هذه اللحظة الملتبسة.
(((1 أصدرت مجلة ألفالتي تصدر عن الجامعة الأمريكية في القاهرة العدد رقم 25 (2005)، وكان محوره «إدوارد سعيد
والتقويض النقدي للاستعمار». وكان سعيد قد ألقى في هذه الجامعة سنة ٩٩٩١ محاضرة عنوانها «عن الجامعة»، وذلك في سياق
منحه الدكتوراه الفخرية، وقد نُشرت المحاضرة باللغتين العربية والإنكليزية في العدد رقم 25. انظر: إدوارد سعيد، «عن الجامعة،»
ترجمة لميس النقاش، (القاهرة)، العدد ألف 25 (2005)، ص.15
(((2 المصدر نفسه، ص.12
(((2 المصدر نفسه، ص 15. ونلاحظ هنا أن إدوارد سعيد يكرر ما قاله عن المثقف من قبل، فهو في ترحال دائم من أجل كسر الجمود.
(22) Edward W. Said, «Opponents, Audiences, Constituencies, and Community,» in: Hal Foster, ed., The Anti-Aesthetic: Essays on Postmodern Culture , pp. 155-183.
ربيع 2015
تتجلى الإشكالية الأولى في فكرة تشكّل المجال المعرفي، بكل ما يستلزم من إتقان للمنهج والخطاب والتراكم العلمي بالمعنى الذي طرحه ميشيل فوكو وأطلق عليه «طبقات المعرفة». إنها الخبرة التي تعني وجوب قبول السلطة في هذا المجال، وبالتالي يبدأ مصطلح «الخبير» في الظهور، ولكل مجال خبراؤه ومتخصصون به، فالخبير في مجال علم الاجتماع لا يمكن أن يكون خبيرًا في العلوم السياسية أو النقدية. لكن الخبير
العلمي يمكنه دخول المجال السياسي بسهولة لشهرته وجديته ودقته (أحمد زويل ومحمد البرادعي وطارق حجي على سبيل المثال). وقد تصاعدت قوة التخصص بعد اندلاع ثورات العالم العربي، فكان أن حاول المثقف مقاومة الظاهرة والحصول على مكان في المجال، ثم استسلم سريعًا، لأن قوة الفضائيات تفوق أي
قوة أخرى. هكذا ينغلق كل مجال على نفسه ليلوك لغته ومفرداته وخطابه للجمهور نفسه، ويحرص على عدم السماح ل«الخصوم-» وهم خبراء المجالات الأخرى في هذه الحالة- بدخول المجال، وكأن اللغة التي تُستخدم لتفسير نص أدبي لا يمكن تطبيقها على نص تاريخي أو خطبة سياسية أو مستند اقتصادي، كأنها لغة منقطعة الصلة بالواقع. ينتهي الأمر بالانفصال الكامل وبغياب أي تأثير حقيقي للعلوم الإنسانية في المجالات الأخرى، على الرغم من قدرة المجالات الأخرى على ممارسة التأثير عليه. كانت الرسالة أن المرحلة الانتقالية في العالم العربي لا تحتاج إلى النقد الأدبي أو الفكر الفلسفي أو المنهج القانوني، وإن كانت تحتاج إلى المثقف إذا كان تابعًا للسلطة المهيمنة بشكل كامل. والحق أنه لم يكن هناك دور لمثقف الجامعة في
هذه المراحل الانتقالية اللانهائية، في ما عدا محاولاته الحثيثة لعدم التورط مع أي طرف، أو لعدم الانخراط الكامل في السلطة المهيمنة. يضرب سعيد مثلً بمدرسة النقد الجديد الأميركية التي تأسست بهدف إتاحة النصوص للجميع، وسارت المدرسة الفرنسية (رولان بارت) على النهج نفسه، إلا أن المطاف انتهى بهما معًا إلى الغوص في لغة نقدية لا
يفهمها إلا الغيتو النقدي فقط، ومن هنا كانت المفارقة التي تزداد حدتها بإدراك أن هذه اللغة «المتخصصة» تتنامى في ظل حماية المجال الأكاديمي (ذلك الكم الهائل من الدراسات الأكاديمية المتخصصة الموجهة إلى الجمهور ذاته). يؤدي ذلك إلى طرح إشكالية إنتاج المعرفة، وما إذا كانت المعرفة تُنتج بشكل عام وكوني أم أنها تحتاج إلى دوائر متخصصة ومغلقة. ويحاول سعيد -عبر تطوير الجدلية- أن يجد مخرجًا من
هذا الغيتو المتخصص «الخبير» عبر تبنّي نظرية المتلقّي التي طرحها ستانلي فيش، خاصة في كتابه الشهير
هل هناك نص في هذا الفصل؟، في ضرورة إنشاء ما يسمّى مجتمعًا تفسيريًا عبر توظيف الإقناع وليس
التوضيح العلمي «المتخصص» الغارق في مفرداته. قد يؤدي خطاب الإقناع إلى كسر العزلة المفروضة على
العلوم الإنسانية، تلك العزلة التي جعلته حقل وديعًا هادئًا غير مؤذٍ ومنفصلً تمامًا عن المجالين السياسي
والاجتماعي، وبالتالي لا يهدد السلطة بأي شكل.
(23) Michel Foucault, Archaeology of Knowledge , Translated by A.M. Sheridan Smith, Routledge classics (London; New York: Routledge, 2002).
وفي العربية يُستخدم مصطلح طبقات أو حفريات. وقد ترجمه إلى العربية سالم يفوت، وصدر عن المركز الثقافي العربي سنة.1987
(24) Stanley Fish, Is there a Text in this Class?: The Authority of Interpretive Communities (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1980).
من المتعارف عليه في العالم العربي أن النقد الأدبي، مثل، هو محل عمل «الناقد المتخصص» الذي حصل على اعتراف بقدرته على تفسير النصوص الأدبية ومقارنتها بعضها ببعض. وقد تحوّل هذا الناقد في نهاية
القرن العشرين إلى خبير في مجاله، منعزل داخل دوائر يُفترض أنها تتلقى المصطلحات المتعلقة بالشكلانية
والبنيوية وما بعدهما. لكن تدريجيًا، ومع انحسار تأثير النقد، عمد هذا الناقد إلى تغيير دوره، واندفع إلى
تفسير العمل الأدبي كوحدة قائمة بذاتها (مدرسة النقد الجديد)، وحاول في الوقت ذاته، وبما أ وتي من جهد، ربطه، عمومًا، بواقع حي. ومع الوقت تحول هذا النقد إلى مجرد تفسير لمضمون النص، فكان ذلك
نافعًا لجمهور توقف عن القراءة، وبدا أن هذا الناقد راض بما يشبه إعادة الحكي في المجال العام والإشراف
على بحوث علمية «متخصصة» بالمجال الأكاديمي. إلا أن صعود الصحافة الثقافية أثّر سلبًا في المثقف
الأكاديمي. ويوضح بورديو ما يحدث من تأثير وتأثر بين المجالات المختلفة، فيقول إن هيمنة المجال
الصحافي على مجال الإنتاج الثقافي (في مواد الفلسفة والعلوم الاجتماعية على وجه الخصوص) تُارَس
أساسًا عبر تدخل المنتجين الثقافيين الموجودين في موقع غير واضح وغير مؤكد بين المجال الصحافي
والمجالات المتخصصة (أدبية أو فلسفية... إلخ). هؤلاء المفكرون الصحافيون الذين يستطيعون بسبب مظهرهم المزدوج تجنّب الشروط والالتزامات الخاصة بأيٍّ من المجالين، يسعون إلى إدخال قوى مكتسبة
بشكل أو بآخر من كل مجال إلى المجال الآخر، هؤلاء يحتلون وضعًا يمارسون فيه تأثيرين كبيرين: من
ناحية، إدخال أشكال جديدة من الإنتاج الثقافي تقع في الما بين- بين، إنتاج سيئ يقع بين النزعة الانعزالية الأكاديمية والسهولة الصحافية، ومن ناحية أخرى، يفرضون عبر أحكامهم النقدية تحديدًا، مبادئ لتقويم
الإنتاج الثقافي الذي يُضفون عليه سلطة وقيمة ثقافية ظاهرية عبر تدشينه وعرضه وفقًا لمطالب وأحكام
السوق.... يجب ألّ نشعر بالدهشة إذن إزاء انعزال العلوم الإنسانية إذا كان هذا هو حالها عندما تتجاوز أسوار الجامعة. لكن هناك ما هو أسوأ من الصحافة؛ فقد حاول المثقف الأكاديمي بكل جهده أن يعلن نفسه بالوسائل كافة (فقط لم يجرب أن يقوم بدوره داخل الجامعة)، وجاءت القنوات الفضائية لتقدم له ما كان يحلم به. يشرح المفكر الفرنسي روجيه دوبري في كتابهالمعلمون والكتاب والمشاهير الذي نشر سنة 1979 مسار المثقف في فرنسا عبر ثلاث حقب: بدأت الحقبة الأولىسنة 1880 واستمرت حتى سنة 1930، وكانت الجامعة توازي الكنيسة في قوتها، فكانت القوة للإنتاج الفكري. وبدأت الحقبة الثانية -التي تتداخل مع الأولى- سنة 1920 واستمرت حتى سنة 1960، حين ظهرت جماعات أدبية مستقلة على هامش الجامعة،
فتمكن النشر من نفض وصاية الجامعة. ثم حلّت الحقبة الثالثة التي بدأت في فرنسا سنة 1968 وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا، وهي حقبة وسائل الإعلام.
(((2 بيير بورديو، التليفزيون وآليات التلاعب بالعقول، ترجمة درويش الحلوجي (القاهرة: دار ميريت، 2007)، ص.139
(26) Régis Debray, Teachers, Writers, Celebrities: The Intellectuals of Modern France , Introduction by Francis Mulhern; Translated by David Macey (London: NLB; Verso, 1981) (published in 1979).
ربيع 2015
تختلف هذه التواريخ كثيرًا بالنظر إلى العالم العربي الذي كان معظمه يرزح تحت الاستعمار في جميع تلك
الحقب تقريبًا. هكذا انتقلت المراحل الثلاث إلى العالم العربي بشكل مضغوط زمنيًا على نحو واضح،
للعيش في حالة «حداثة لم تكتمل»، فقفزنا من الجامعة إلى سياسات النشر حتى دخلنا في تسعينيات القرن الماضي- حين انطلقت القنوات الفضائية- عصر وسائل الإعلام، وبالتحديد التلفزيون والصحف
المستقلة. بدت هذه العلاقة في أحيان كثيرة مملّة للمُشاهد الذي يفضل الدراما على خطاب يستعصي على
الفهم أحيانًا، وهو ما زاد من انعزالية المثقف بشكل كبير، فقرر هذا المثقف التخلّ عن النص، ليشتبك مع
اليومي والسائد، مركّزًا على الجزئي ومهم لًالكلي، محاولً أن يُكوّن جمهورًا أمام الشاشة، على الرغم من
أن الجمهور الحقيقي ينتظره في الجامعة. أدى موقف المثقف إلى الانحدار بمنزلة الجامعة بحيث لم تعد مكانًا لتوليد الأفكار من وجهة نظره، بل باتت مكانًا لتأدية عمل روتيني. لم يخطر ببال هذا المثقف أن مسرحية
شكسبير ماكبثتتيح له الحديث مثلً عن وسائل مداهنة السلطة عبر اللعب على حب السلطة لذاتها. تؤدي الإشكالية الأولى، وهي فصل المجالات، إلى الثانية المتعلقة بسلطة الخبير في داخل المجال. وبمقدار
ما تسمح الخبرة بممارسة منهجية صارمة في التحليل، تسمح أيضًا، وبالقدر نفسه، بمنع ذلك؛ فمثلً تؤسس السلطة الاجتماعية للخبراء نصوصًا عدة باعتبارها النصوص التأسيسية في الأدب، ولا يمكن
إعادة طرح التساؤل عن أسباب تقديس تلك النصوص دون غيرها- وهو ما يستتبع تأليه مؤلّفيها، ومن هنا يحظى عدد كبير من الكتب برواج غير مبرر سوى إجازة الخبراء لهذا الكاتب (وليس الكتاب) دون ذاك. لا بد من تأكيد سياق العالم العربي الذي يندفع -ربما من دون قصدية- إلى ذلك المسار لترسيخ سلطة بعض الأفراد في كل مجال، ويتحول قبول أفكارهم إلى خطوة واجبة قبل الالتحاق بالمجال، وهو ما يظهر أيضًا بشكل آخر في المقالات النقدية؛ فبعض الكتّاب لا يعتبر أنه دشن بوصفه كاتبًا إلا عندما يقوم أحد
«الخبراء» بالكتابة عنه. وعلى الرغم من ذلك، لا يحاول هذا الخبير تحديث المعرفة في الجامعة، بل إنه لا يبالي عندما يُمنع تدريس رواية موسم الهجرة إلى الشمالفي قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة القاهرة
على سبيل المثال وليس الحصر. أمّا السؤال الذي نحاول تأجيله قدر المستطاع، فلا بد من طرحه: من يقرأ ما يكتبه الباحث الجامعي؟
زملاؤه (ربما)، أم النخبة الثقافية (الأمر مستبعد)؟ لكن الأكيد أن البحث العلمي داخل الجامعة توارى
عن الأنظار مخلِّفًا مكانه لليومي والسريع، القصير والمبتسر، الحاضر وليس الماضي، المباشر وليس الضمني، التوصيفي وليس التحليلي. يعيدنا ذلك كله إلى نقطة كنا نظن أننا تجاوزناها، وذلك حين يأتي البحث العلمي في حقل العلوم الإنسانية في مرتبة ثانوية لا يلتفت إليها أحد سوى لجان الترقية داخل الجامعات. بهذا يتوجب علينا أن نعيد النظر في كثير من الإشكاليات: علاقة المثقف بالنص الذي يكتبه، والمنهج الذي يُوظفه الباحث في أثناء الكتابة، والجمهور الافتراضي الذي يتوجه البحث إليه، وأخيرًا العلاقة بين فعل
الكتابة وفعل السياسة.
(((2 هبة شريف، الكارو والمرسيدس: حداثة لم تكتمل (القاهرة: دار سلامة،.)2014
المثقَّف في الجامعة، لماذا يجب أن نقرأ الماضي؟
أمّا الإشكالية الثالثة، فهي متعلقة بالظروف التي يتم في سياقها النشاط النقدي التحليلي. ويؤكد إدوارد
سعيد أن هذه الظروف غالبًا ما يتم تجاهلها وإغفالها بحيث لا تدخل في دائرة الكتابة، ويضرب مثلً
باستدعاء بعض النقاد «الخبراء» عند مناقشة بعض القضايا العامة من أجل محاولة الارتقاء بالشكل، أو حتى من أجل الحصول على شرعية شكلية بحتة، أو دعوة أساتذة الجامعة إلى الانضمام إلى لجان سياسية رسمية. وقد شهدنا هذا الأمر في مصر وسورية وتونس. يستطرد سعيد في فكرة الظروف لينتهي إلى أن العمل النقدي التحليلي يتوجه أحيانًا إلى «زبون»، كأنه خدمة ذات سعر (ليس بالمعنى التجريحي الذي
درجنا على استخدامه في العالم العربي)، بل يقصد التمويل المادي والمعنوي؛ فمثل، عند صدور كتابه تغطية الإسلامسأله مدير الندوة التي عُدت للكتاب فور صدوره في الولايات الأميركية المتحدة: «بما أنك ترى
أن تغطية الإسلام في الإعلام الغربي ليست جيدة، فما الذي تقترحه إذن لتوضيح المصالح الاستراتيجية
لأميركا في المنطقة؟»، فيشرح سعيد أنه أصيب بكثير من الإحباط لأن كتابه لم يتناول ذلك أصل، بل إنه خلص إلى أن «الإسلام» ليس المعطى الذي يمكن تغطيته في وسائل الإعلام لأنه مفهوم أيديولوجي مجرد. يدل هذا السؤال على أن الإعلام استوعب بصمت وهدوء المصالح الأمنية للدولة، وهو يرى أيضًا أنه
الزبون المفترض لهذا الكتاب. يخلص سعيد إلى فكرة جدلية مفادها أن على النشاط النقدي أل يتأثر بانتسابه المؤسسي على الرغم من أن هذا الانتساب هو الذي يجعل فكرة «الخبير» ممكنة. إن التأثر بالانتساب إلى مؤسسة بعينها ومراعاة مصالحها ومحاولة تدعيم خطابها لا يختلف كثيرًا عن فكرة المثقف العضوي، بل ربما
يكون هذا الانتساب هو الشكل الحديث لمفهوم غرامشي للمثقف العضوي. لقد قرر كليفرنخا أن يكون انتسابه الحقيقي إلى ماهية المؤسسة (الجامعة) لا إلى مصالحها الأمنية. وهنا يبرز دور مجموعة 9 مارس من
أجل العمل على استقلال الجامعات، وكانت هذه المجموعة قد أُسست في نهاية سنة 2003، وكان الهدف الرئيسي -ولا يزال- هو العمل على استقلال الجامعة عن التدخلات الأمنية. واعتمدت المجموعة أن تكون العضوية قاصرة على الأساتذة، ولكنها لم تتخل عن مشكلات الطلاب في صدامهم مع الأمن. وفي
كل سنة تقيم المجموعة احتفالية يوم 9 مارس تطرح فيها المشكلات المُلحّة، وتستعيد فيها ذكرى استقالة
لطفي السيد من منصبه في 9 آذار/مارس 1922 احتجاجًا على نقل طه حسين خارج الجامعة من دون
علمه. تأكدت صدقية المجموعة من كونها تضم أساتذة من جميع التيارات السياسية، اجتمعوا كلهم على هدف استقلال الجامعة، ومؤخرًا يعملون على آليات نبذ العنف داخل الجامعة. وقد تلقت المجموعة
الكثير من التهديدات في بداية عملها بوصفها تخرج عن الانتساب الرئيسي، وتدعو إلى الالتزام بالقانون والدستور اللذين ينصّان على استقلال الجامعة. بيد أن مفهوم الانتساب بالنسبة إلى السلطة يعني ضرورة
تدعيم الجهاز الأمني، وهو ما ترفضه المجموعة. ويكفي أن نقارن بين قانون تنظيم الجامعات لسنة 1925 (حين كانت مزاولة جميع الأنشطة مسموحًا بها) والقانون نفسه لسنة 2015 (تجريم الأنشطة كلها.) في العالم العربي، ليس في استطاعة كل من ينتسب إلى مؤسسة بحثية تموِّل عمله ماديًا وتدعمه معنويًا، أو
يحصل منها على دخل ثابت، أن يخرج عن محددات خطاب هذه المؤسسة. وقد دأبت الأنظمة منذ نهاية
(((2 محمد أبو الغار، إهدار استقلال الجامعات (القاهرة: [المؤلف]، 2004)، ص.12
ربيع 2015
القرن العشرين على إلصاق تهمة الإضرار بصورة الوطن بمن يوجّه سهام النقد أو يكشف المسكوت عنه،
وبذلك يتداخل مفهوم الجامعة مع المصالح الأمنية، وتنتفي بالتدريج فكرة التفكير النقدي ليحل محلها التفكير الأمني. أما النقاد الآخرون الهادئون غير المعترضين، فيرى سعيد أنهم يكتبون للجمهور نفسه المكوَّن من زملائهم وطلابهم، وأحيانًا للمجالس التنفيذية ولوسائل الإعلام، وهو جمهور يرى أن هذا
الوضع الذي يُبقي على العلوم الإنسانية والأدب والثقافة بمنأى عن السياسة هو الوضع الطبيعي. هكذا
تتحول الإنسانيات إلى ما يشبه الغيتو المغلق الذي يتّبع سياسة عدم التدخل في الشؤون السياسية الكبرى،
وهي بالتالي تقدم نقدًا لا يخلخل أي منظومة فكرية أو خطابية مهيمنة؛ ففي مجال النقد الأدبي مثل، يسود الآن الشعار القائل: «لندعهم يحكمون وسنقرأ نحن الأدب». يبدو الأمر شديد الالتباس عندما ندرك
أن معظم المشتغلين بالنقد الأدبي مثلً قد اشتبكوا مع الشأن الجاري بجميع الوسائل المتاحة لهم، منها الاشتراك في حملات أو توقيع بيانات أو المشاركة في فعاليات الاحتجاج الثوري. وعلى الرغم من ذلك لم ينعكس هذا الاشتباك على مسار الخطاب النقدي أو لغته أو رؤيته. لكأن أستاذ الجامعة المنخرط في حقل العلوم الإنسانية يعيش حياتين: حياة خارج الجامعة وقاعة الدرس، حيث يتحدث بلغة يفهمها القارئ أو المشاهد أو المستمع، ويُدلي برأيه في وسائل الإعلام ويشتبك
مع الحوادث، وحياة أخرى داخل الجامعة وفي قاعة الدرس، حيث يتواصل مع الطلاب بلغة «قد» تكون مفهومة، يدور في فلك المصطلحات المنغلقة على ذاتها، والتي تُفسر الماء بالماء، فيقول لك أحدهم أن ما بعد الحداثة يعني أن «المجتمع تخلى عن مرحلة التخييلي ودخل في المرحلة الرمزية، لكنه يُعاني
اضطرابًا لغويًا يؤشر على حالة الشيزوفرنيا»!. وكلما حاول هذا المثقف أن يقرأ الماضي لا يجد ملاذ ا
سوى «عصر النهضة» من كتّاب وشعراء ومجلات أدبية، أو التاريخ العثماني. ومن الملاحَظ أن معظم
المراكز والجامعات الأوروبية تهتم كثيرًا بهاتين الحقبتين: من هو الجمهور الذي يقرأ هذه البحوث؟
غالبًا الطلاب إذا كان ذلك جزءًا من المقرر (وكم من الأساتذة يفرضون كتبهم على الطلاب)، وبعض
الزملاء. يبقى الأمر كله منغلقًا على ذاته، يدور في دائرة مفرغة، لا ينتج منه فكرة واحدة تربط القصيدة التي تُدرَّس في المدرج مع الحالة التي تحدث خارجه. النتيجة بالتأكيد ليست في مصلحة أحد؛ فالطالب
يتساءل طوال الوقت عن جدوى ما يدرسه، والأستاذ يتساءل عن ميعاد انتهاء الفصل الدراسي ليتفرغ
لما هو أهم. وتتحول العلوم الإنسانية إلى زائدة دودية، رفاهية، أو مجال ملائمً ل«البنات» لا تتوانى الأنظمة عن إضعافه والإقلال من أهميته.
المدرج كمجال عام
المدرج، قاعة الدرس، هو أحد تجليات المجال العام، الذي يجب أن تتحول فيه المعرفة إلى أداة لفهم العالم ولإنتاج رؤية كلية تتمكن من ربط الماضي بالحاضر؛ رؤية تحقق مفهوم دريدا للجامعة، وتؤكد، كما يقول سعيد، أنه «ليس ثمة مصدر واحد لأي شيء: إن كل الشعوب تشارك في تكوين التاريخ، وكلها تصنع
(((2 خليط من سبيفاك ولاكان وفريدريك جيمسون. فيتم تفسير ما بعد الحداثة بمصطلحات ما بعد حداثية.
المثقَّف في الجامعة، لماذا يجب أن نقرأ الماضي؟
تاريخًا». ولكي لا أطرح أفكارًا طوباوية مُ لِّقة في أجواء مثالية، سأضرب مثلً بممارستي الشخصية في
المدرج، الذي أتعامل معه بوصفه مجال عامًا، يضم جمهور طلاب أفترض أنني وقّعت معهم عقدًا ضمنيًا
مبنيًا على الحقوق والواجبات؛ فمن حقهم أن يفهموا النص في سياقه الزمني والتاريخي والاجتماعي
والسياسي، ومن واجبي أن أ وضح مكانة هذا النص كحلقة جزئية في مسار كلي: نتيجة تاريخية، أو تاريخ
أدبي، أو أساس لنظرية، أو دافع لفعل سياسي، وهو ما يُسهل ربطه بالحاضر الكلي، ويُوله-أي النص-
إلى وثيقة تنير الغموض المعرفي الراهن، وت لل مغزى ما يحدث، وتؤشر على أهمية العلوم الإنسانية في
توسيع آفاق مفهوم الإنسانية التي لا بد أن تمتد لتشمل كل عرق وكل جنس. بمعنى آخر، نحاول في لحظة
التعرف إلى الماضي أن نضعه في سياق الحاضر. ما الذي يُمكن أن يستفيده الطالب الذي يدرس الشعر الإنكليزي في القرن السادس عشر؟ كيف يُمكن
إقناع الطالب بجدوى فهم مغزى قصيدة إدموند سبنسر عن الملكة إليزابيث آنذاك؟ كيف يدرك أهمية
موقع الشاعر في البلاط الملكي (كان مندوبًا لبريطانيا في إيرلندا المحتلة) وهو ما أثر في خطابه الشعري؟
كيف يقتنع الطالب بجدوى ذلك كله بدلً من أن يصب غضبه على بوابة الجامعة الرئيسية ويحاول فتحها
عنوة ليشتبك مع أفراد الأمن الجامعي الذين يمثّلون له سلطة ينبغي سحقها؟ كيف يُمكن تحويل مسار
هذه الطاقة من أجل توسيع دائرة التفكير؟ كيف نحفز هذا الطالب على الاشتباك مع القرن السادس عشر
والتخلي عن لحظة صاخبة تحدث على بُعد أمتار من المدرج في القرن الحادي والعشرين؟ لا بد من الخوض في مقدمة ثقافية اجتماعية سياسية عن القرن السادس عشر (وهو جزء من المنهج على
كل حال). لكن يمكن الحديث عن هذا القرن في ما يزيد على سنة كاملة، فكان لا بد من انتقاء عناصر
محددة. اخترت من الخلفية السياسية الصراع الذي دام قرنًا بأكمله بين المذهب الكاثوليكي والمذهب
البروتستانتي، وأكدت ما كانت تفعله كل سلطة ملكية للتنكيل بخصومها من المذهب المخالف: اعتقال
وتعذيب، مصادرة الممتلكات، رقابة شديدة على الإنتاج الفكري، وأضفت أن السلطة بأشكالها المختلفة
كانت ترى أنها حرب على الإرهاب. وشددت على دور مؤسسة الكنيسة في تأجيج هذه الصراعات سواء
أكانت متطرفة أو متواطئة مع القصر، ووصفت لهم مشهد بقع الدم التي لا تزال كائنة في قلعة إدنبرة
باسكتلندا، وختمت أن أوروبا دفعت الثمن غاليًا في النزاعات الدينية. ثم سألت باللغة العربية سؤالً
استنكاريًا: هل فهمتم الآن معنى الصراعات الدينية؟ يبدو أن الأغلبية كانت قد التقطت الرسالة، إذ كان
الوجوم يعلو الوجوه. وكما يعرف أي أستاذ جامعي، هناك دائمً من الطلاب من يطرح سؤال يبدو بسيطًا
لكنه رئيسي، فسأل أحدهم بالعامية المصرية: «وليه ده كله؟»، وكانت فرصة ذهبية لم أ فلتها. استفضت
في شرح شخصية الملك هنري الثامن الذي وقع في هوى آن بولين وأراد أن ينجب منها مولودًا ذكرًا،
فتحايل لتطليق زوجته، وسخّر لذلك نفوذه كله، ولم ا لم ينجح غيَّ مذهب إنكلترا من المذهب الكاثوليكيّ
إلى المذهب البروتستانتي. واستفضت في الحديث عن أهواء السلطة وأنانيتها وتسخيرها الدِّين من أجل
خدمة أغراضها. وفي النهاية أكدت أن كل سلطة سياسية أو دينية تسير على النهج عينه. ومن الخلفية
الثقافية كان لا بد أن أختار عصر النهضة والإحياء من أجل شرح القوالب الشعرية التي ظهرت في هذا
(((3 سعيد، «عن الجامعة،» ص.10
ربيع 2015
القرن وأنتجت كاتبًا مثل شكسبير. أمّا النقطة التي ركزتُ عليها، فهي كيف أدى تداخل الثقافات إلى هذا
الإنتاج الخالد. كانت النتيجة إيجابية بشكل لم أتوقعه؛ إذ جاءني بعد المحاضرة كثير من الطلاب ناظرين
إلى اللحظة الراهنة من خلال الماضي السحيق. «لماذا ندرس الماضي؟»، لابد أن ندرسه من أجل إنتاج
استمرارية زمنية وفكرية. في سياق آخر، كُلّفت في الجامعة الأمريكية بالقاهرة بتدريس مادة الأدب العربي الحديث والسينما، وهي من
المواد الإجبارية المفروضة على جميع طلاب الجامعة من التخصصات كافة، فكان التحدي أكبر؛ فالطالب
المتخصص بالهندسة يدرس المادة مضطرًا آسفًا لتضييع الوقت في قراءة نصوص أدبية. اخترت النصوص
بعناية، وكان منها ميرامار والسمان والخريفلنجيب محفوظ. ومن المعروف أن كلا العملين يتناول
الفترة التي تلت ثورة 52 وموقف الشخصيات منها. يتعلق نجاح هذه التجربة بعبقرية نجيب محفوظ،
فشخصيات ميرامار مثلً، على اختلاف موقفها من الثورة واختلاف الطبقة التي تنتمي إليها، تعبّ بشكل
كبير عن المواقف السياسية المتعددة التي يشهدها المجتمع المصري الآن تجاه ثورة 25 يناير، والموقف من
السلطة، والنظام السابق. على الجانب الآخر، توضح السمان والخريفالصراع بين القديم والجديد، بين
جيل سابق وجيل حاضر، بين خطابين يرغب كل منهما في إزاحة الآخر، والأهم أن الرواية تتناول تقلّب
المواقف وتغيّها بما يسمح بالأكل على الموائد كلها. كان النقاش الذي دار حول العملين عميقًا وثريًا،
وانخرط الطلاب- على اختلاف تخصصاتهم- في الإتيان بأمثلة من الحاضر تشبه نماذج نجيب محفوظ.
أمّا رواية رجال في الشمسللكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، فقد دفعتهم إلى إجراء مناقشة مبهرة حول
قضية الاحتلال الصهيوني لفلسطين، وسمح النقاش بتصحيح الكثير من المفاهيم السائدة، خاصة تلك
التي تقول إن «الفلسطيني باع أرضه طواعية». أمّا ما لم أتوقعه، فهو ربطهم بين هجرة الأجيال الثلاثة في
الرواية والهجرة من العالم العربي بشكل عام. إن الطريقة التي يُقدَّم بها النص في المدرج لا بد أن تكون طريقة في الوقت ذاته للاشتباك مع المجال
العام، قراءته، فهمه، تحليله، نقده، من أجل أن يكون هناك مستقبل للعلوم الإنسانية، وإلا «ما هي فائدة
إيسخليوس في دارفور؟». علي الجانب الآخر، تتضمن دراسة الماضي وربطه بالحاضر بُعدًا إضافيًا هو
البّعد المقارن. لكن إذا كانت المقارنة قاصرة على الإشارة إلى أوجه التشابه والاختلاف، فإن هذا كفيل
بإنتاج أفكار جوفاء تُوحي بفوقية نص على آخر أو فوقية ثقافة على أخرى، وعندها يطرح السؤال نفسه
بتلقائية: «لماذا نقارن؟». في المقارنة، ينبغي وضع النصين (في أي مجال في العلوم الإنسانية) بوصفهما
نصين مختلفين، بما لا يسمح لأحدهما بالتفوق على الآخر، أو يضع واحد منهما كمرجعية قياسية،
وبهذا الشد والجذب يمكن فتح آفاق سياسات مقارنة جديدة، تُعيد إلى العلوم الإنسانية المكانة المفقودة
في الجامعة.
(31) Gayatri Chakravorty Spivak, Why Study the Past?,” Modern Language Quarterly , vol. 73, no. 1 (March 2012). (32) Mary Beard, «Live Classics: Or ‘What’s the Use of Aeschylus in Darfur’?,» in: Jonathan Bate, ed., The Public Value of the Humanities (London: Bloomsbury Academic, 2011), pp. 17-29. (33) R. Radhakrishnan, «Why Compare?,» in: Rita Felski and Susan Stanford Friedman, eds., Comparison: Theories, Approaches, Uses (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 2013), pp. 15-33. (34) Susan Stanford Friedman, «Why Not Compare?,» in: Felski and Friedman, eds., pp. 34-45.
المثقَّف في الجامعة، لماذا يجب أن نقرأ الماضي؟
إذا كانت فكرة التمثيل -كما ظهرت منذ أفلاطون وحتى إيريك أورباخ الذي تناولها في كتابه الشهير المحاكاة- مرتبطة بالمعرفة الاجتماعية المشتركة، فمن الضروري أن يظهر الاجتماعي والشخصي
والسياسي في المجال الأدبي. إلا أن السلطة المؤسسية سعت إلى فرض حدود صارمة -لها الناقد والأستاذ قبِ بسلاسة- على المجال الأدبي، وما على الناقد إلا قراءة علامات التمثيل الأدبي في النص الأدبي، وكأن النص بلا تاريخ (كانت هذه الفكرة هي التي دفعت فيكو إلى تأسيس منهجه كردة فعل على لاتاريخانية التجريد الديكارتي)، أما المجالات الأخرى فلها خبراؤها. إنها عملية تفريغ سياسي كامل لممارسة النقد الأدبي من ناحية وإقصاء -إن لم يكن تهميشًا- للمشتغلين به من ناحية أخرى، كأن مشروع الحداثة والتنوير أدى إلى تشكيل مجتمعات نقدية منغلقة، أشبه ما تكون بالمجتمعات «الدينية»، ومن هنا يحفز إدوارد سعيد كل ناقد على إنشاء مجتمعات «علمانية» بديلة، ومصطلح «علمانية» هنا لا يعني الحركة الفكرية المعروفة والمنادية بفصل الدِّين عن الدولة، بل يعني عند سعيد ضرورة إيجاد موقع للنص في العالم الذي نشأ فيه وربطه بمفردات هذا العالم، فالنص جزء من العالم، ولن يحدث ذلك إلا عبر رفض الانصياع للعزلة في مجال معرفي بعينه، وعبر تطبيق منهجية العلوم الإنسانية على نصوص بديلة، مثل التصوير الفوتوغرافي ووسائل الإعلام وكتابة التاريخ التي لا تهمِّش تجارب الآخر، وهو ما يتوافر في مجال الدراسات البينية.
ويعني ما بعد الحداثة من وجهة نظر إدوارد سعيد عبور الحدود المعرفية، بل اجتراحها في مقاومة للعزلة والتهميش، وفي سعي للاشتباك مع العالم الذي يُكتب فيه النص، وهو ما يسمح للناقد بأن يوظف منهجه
العلمي في التحليل في مجالات مجاورة للنصوص المكتوبة ومكمِّلة لها، وهي النتيجة التي كان قد وصل
إليها في كتابه صور المثقف، حيث أكد أن الناقد (المثقف) لا بد أن يكون مقلقل للراسخ، عبر طرح
أسئلة «مزعجة»، وعبر طرح المسكوت عنه، وليس متوقعًا منه إطلاقًا أن يكون داعمً للسلطة أو مطمئنًا
إليها. من المفهوم طبعًا أن حديث سعيد عن السلطة لا يختزل المعنى في السلطة السياسية، بل يتوقع من
الناقد الأدبي أن يشكل خطابه بحيث يشتبك مع جميع تجليات السلطة، فيحقق الانفتاح الذي ينطوي عليه الفن بالتعريف. يبدو أننا في أشد الحاجة إلى إعادة النظر في موقع الناقد الآن، سواء أكان «خبيرًا» أم
وديعًا مهمَّشًا أم منغلقًا في مجاله الضيق. كما أن التساؤل عن الظروف التي تسمح بممارسة النشاط النقدي
(المؤسسة، الهدف السياسي، الجمهور المتخيل، الخصوم الوهميون، الدور، الرسالة، معنى النقد، مكان النص،... إلخ) يبدو لي أنه بمثابة الباب الذي سيكشف عن التعطل والتكدر والانعزال والتهميش الذي يمارسه الناقد على نفسه، وكأنه استوعب درس السلطة فراح يعيد إنتاجه بنفسه.
(((3 في سنة 2003 احتُفل بمرور خمسين سنة على ترجمة كتاب إيريك أورباخ المحاكاة الذي كتب إدوارد سعيد مقدمة له.
وقد رأيت في هذا التواصل المدهش المعنى الإيجابي الحقيقي للعلوم الإنسانية؛ فسعيد الفلسطيني المسيحي يكتب عن اليهودي
Erich Auerbach, Mimesis: The Representation of Reality in Western:الألماني الذي أنجز كتابه في دولة مسلمة هي تركيا. انظر Literature , Translated from the German by Willard R. Trask; with a New Introduction by Edward W. Said (Princeton:.Princeton University Press, 2003)
(((3 عمد المثقفون في الفترة التي سبقت اندلاع الثورات في العالم العربي إلى الإشارة كثيرًا إلى ما طرحه سعيد في هذا الكتاب
-وهو مرجع سبق ذكره- من أن خطاب المثقف لا بد أن يكون مزعجًا لخطاب السلطة، وكأن الإشارة إلى هذا الكتاب تعني أنه قام
بفعل الإزعاج والخلخلة فعليًا.
ربيع 2015
خاتمة
من المدهش أن الحديث عن تثوير الرؤى في منهجية العلوم الإنسانية الذي بدأ منذ زمن، لم يظهر مطلقًا في المجال حتى هذا اليوم. وهكذا بقيت العلوم الإنسانية بمنأى عن التغيرات السياسية، وهادئة ومنغلقة
على ذاتها، ومعها الأستاذ الذي يُدرّسها ويُنظر إليه كشخص لا يشك ل ضررًا ولا خطرًا علي الإطلاق؛ إذ
إنه لا يعمل في السياسة، وهذا حقيقي، لكنه يعمل في ما هو أخطر منها: في العقول. وإذا كان دور المثقف مسألة مأزومة بلا رجعة أو هوادة بحكم التقاطع الجدلي بين السياسي والمعرفي، فإن دوره في الجامعة مأزوم
بشكل أكبر، لأنه لا يمارس الدور المنوط به، والذي طرحنا قراءة الماضي شكلً من أشكاله. السؤال الآن: هل الجامعة مكان أم فكرة أم وسيط أم آلية؟ وهو سؤال مفارق لأن الجامعة بشكلها الحالي جاءت تتويجًا للحداثة وانتصارًا لها، لكن الخلل الحادث بفعل تبعية المعرفي والفكري للسياسي وهيمنة الأخير هيمنة
مطلقة أعاد السؤال البديهي الذي استمدت منه الجامعة شرعيتها كفكرة. تُشكل العلوم الإنسانية الآن معبرًا للخروج من الأزمة؛ تلك العلوم التي ناضلت للحصول على استقلالها
كمجال معرفي، وإذا بها تفقد تأثيرها، سواء من ناحية المكانة العلمية أو من ناحية التمويل المادي أو الممارسة الفعلية أو قدرتها على إضفاء معنى على الماضي. لا بد أن نتذكر أن كليفرنخا لم يكن يعمل في السياسة سنة
1940، بل كان أستاذًا جامعيًا متخصصًا بالقانون المدني والتجاري.