العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الهابيتوس العربي العنيد والعتيد

الهابيتوس العربي العنيد والعتيد

The Obstinate and Prospective Arab Habitus

فردريك معتوق*

الملخّص

هناك أبواب عدة للإجابة عن الاسئلة الشائكة التي لا تزال تُطرح منذ قرن ونيف في العالم العربي المعاصر" لماذا تقدم الغرب ولم يتقدم العرب؟ لماذا نؤمن بالتكنولوجيا ولا نؤمن بالعلم الحديث؟ لماذا تمانع المجتمعات العربية التغيير البنيوي في السياسة كما في الاقتصاد والثقافة والاجتماع؟ من هذه الأبواب سوف أختار الهابيتوس باعتباره مفهوماً عملانياً لمحاولة تقديم فهم جديد، سوسيو-معرفي، للموضوع، علماً أن هذا المفهوم الذي صاغه تدريجياً الفرنسي بيار بورديو هو في الوقت عينه بمنزلة نظرية، لشدة تماسكه وكثافة محموله المنهجي، تماماً كما هو مفهوم العصبية عند ابن خلدون الذي يجري العمل معه باعتباره نظرية أيضاً.

Abstract

(1) Pierre Bourdieu et Jean-Claude Passeron, Les Héritiers: Les Etudiants et la culture (Paris: Éditions de Minuit,

(2) Pierre Bourdieu, Alain Darbel et Dominique Schnapper, L'Amour de l'art: Les Musées d'art européens et leur public, le sens commun (Paris: Éditions de Minuit, 1966). (3) Pierre Bourdieu et Jean-Claude Passeron, La Reproduction: Eléments pour une théorie du système d'enseignement, le sens commun (Paris: Éditions de Minuit, 1970).

الكلمات المفتاحية:
  • الهابيتوس العربي
  • سوسيولوجيا
  • التكيف الاجتماعي
Keywords:
  • Arab Habitus
  • Social Adaptation
  • Sociology

هناك أبواب عدة للإجابة عن الأسئلة الشائكة التي لا تزال تُطرَح منذ قرن ونيف في العالم العربي

المعاصر: لماذا تقدم الغرب ولم يتقدم العرب؟ لماذا نؤمن بالتكنولوجيا ولا نؤمن بالع لم الحديث؟ لماذا تمانع المجتمعات العربية التغيير البنيوي في السياسة كما في الاقتصاد والثقافة والاجتماع؟ من هذه الأبواب سوف أختار الهابيتوس (Habitus) باعتباره مفهومًا عملانيًا لمحاولة تقديم فهم

جديد، سوسيو - معرفي، للموضوع، علمً أن هذا المفهوم الذي صاغه تدريجًا الفرنسي بيار بورديو (P. Bourdieu) هو في الوقت عينه بمنزلة نظرية، لشدة تماسكه وكثافة محموله المنهجي؛ تمامًا كما هو

مفهوم العصبية عند ابن خلدون الذي يجري التعامل معه باعتباره نظرية أيضًا.

في المفهوم والنظرية

اشتغل بورديو طويلً على مفهوم الهابيتوس قبل أن يُبلوره بشكله النهائي، مع الإشارة إلى أننا نجده موزَّعًا

في مؤلفاته كلها، من دون أن يحصره أو يخصص له كتابًا منفردًا، فنجده في مؤل ف مشترك صدر في سنة

1964 بعنوان الورثة تناول فيه الثقافة الموروثة؛ وفي كتاب آخر صدر في سنة 1966 بعنوان حب الفن تناول فيه مشاركة المتاحف التشكيلية في تشكيل أنظمة الذوق الثقافي عند الناس، ثم تعمّق في

المفهوم إلى حد إعطائه بنيانًا نظريًا متكاملً في كتاب إعادة الإنتاج الذي صدر في سنة 1970، مفسرًا

التناقض البنيوي الكامن في النظام التربوي الفرنسي المبني على أساس تواؤم تام مع النظام الاقتصادي الرأسمالي القائم في البلاد.

ربيع 2015

بعد ذلك بدأ مفهوم الهابيتوس يشكّل، عمليًا، مصدرًا للإزعاج، إذ تناول على نحو غير مباشر، لا مجرد

سياسة مؤسسة رسمية كبرى هي المؤسسة التعليمية الفرنسية (مع كل ما يعني هذا من مساس بقدس أقداس الثقافة الفرنسية الحديثة) التي كانت تعتبر نفسها فوق كل اعتبار، بل إن استخدامه لتفسير الاستراتيجيا الكامنة داخل النظام التربوي الفرنسي ككل جاء بمنزلة ضربة علمية قاضية لشعار ديمقراطية التعليم الذي طالما تغنت به السلطات الفرنسية. أمر مماثل كان قد جرى مع الكتاب السابق الذي بيّ فيه بورديو، بالاعتماد على مفهوم الهابيتوس، زيف

شعار ديمقراطية الثقافة انطلاقًا من دراسة ميدانية لزوار المتاحف التشكيلية الفرنسية. لكن الأمر لم يُثر ضجة كبيرة حينذاك، لكونه اقتصر على مؤسسة صغرى، إذا جاز التعبير، تُعنى بإعادة إنتاج الثقافة

الفرنسية السائدة. أمّا مع المؤسسة التعليمية ككل، فالأمر بدا، لاحقًا، أخطر كثيرًا. نشير هنا إلى أن بورديو كان دقيقًا وحذِرًا في بلورة مفهوم الهابيتوس في هذه المؤلفات كلها التي وضعها

بالتعاون مع متخصصين وإخصائيين في مجال الثقافة والإحصاء والتربية، لذلك جاء مفهومه متماسك ا

ومتراص البناء النظري ومسؤولً في ما يقوله. تابع عالِ الاجتماع الفرنسي تعمّقه في هذا المفهوم، منفردًا، في كتاب الحس العملي الذي بيّ فيه عمق

ارتباط الهابيتوس بتشكيل الممارسات في الحياة اليومية والعملية في سنة 1980، ثم في كتاب نبالة الدولة

الصادر في سنة 1989 الذي تناول فيه آليات تشكُّل جماعات العلماء في الجامعات والمدارس العليا في فرنسا، ومحافظة هذه الجماعات على حقلها من خلال قيامها بتكريس هابيتوس خاص بمجالها المعرفي. بيد أن أبرز كتاب ضم خلاصاته المتعلقة بمفهوم الهابيتوس وقدرات هذا المفهوم النظرية في مجال تفسير المسارات التربوية والمهنية والسلوكية والاجتماعية العامة، هو كتاب تفكرات باسكالية الذي صدرت طبعته الأولى في سنة 1997، أي قبل خمس سنوات من تاريخ وفاة الكاتب.

ماذا يعني هذا المفهوم تحديدًا؟

يعتبر بورديو أن الهابيتوس «نظام من الاستعدادات في الإدراك والتقييم والعمل، يسمح للفرد بالقيام

بعمليات على صلة بالمعرفة العمَلية... وبأن يولّد استراتيجيات ملائمة ومتجددة على الدوام ». إذًا، يحمل كل واحد منا، في رأي بورديو، بوصلة خفية في وعيه، يهتدي من خلالها إلى إدراك العالم الذي

يحيط به وتقييمه واختيار الإجابة الأكثر ملاءمة عمّ يطرحه علينا من مواقف عملانية. فالهابيتوس هو بمنزلة برنامج إلكتروني جاهز، موجود في رأسنا، يقرأ حوادث الواقع ويقيّمها، ويعطينا من حيث

(4) Pierre Bourdieu, Le Sens pratique, publié par la Maison des siences de l'homme, le sens commun (Paris: Éditions de Minuit, 1980). (5) Pierre Bourdieu, La Noblesse d'Etat: Grandes écoles et esprit de corps, le sens commun; 83 (Paris: Ed. de Minuit,

(6) Pierre Bourdieu, Méditations pascaliennes, Liber (Paris: Seuil, 1997) (Éd. rev. et corr., 2003). (7) Bourdieu, Méditations pascaliennes, p. 200.

الهابيتوس العربي العنيد والعتيد

لا ندري الموقف الأنسب لمواجهتها. لذلك، يوفر علينا مجهودًا ذهنيًا قد نبذله كل مرة نتعرض فيها لحادث

جديد في حياتنا اليومية والعملية. وهو خلاصة خبرات سابقة اكتسبناها اجتماعيًا، علمً أن هذا السابق

يعني الماضي القريب، لكنه يعني أيضًا الماضي البعيد، وحتى الماضي الغابر الذي نسيناه من دون أن ينسانا،

حيث بقي محفوظًا في جينات وعينا البشري. من هنا، إن المكوِّن الأول للهابيتوس هو التاريخ الاجتماعي؛ تاريخنا الاجتماعي الذي جعلنا نتآلف مع

خشية (نعتبرها فطرية) من الجار، أو مع تآلف أخوي معه مثل (الجار قبل الدار)، أو مع الحذر الفوري من الآخر (الدخيل) الآتي من خارج القبيلة أو الجماعة، في مقابل الانفتاح على الآخر وثقافته، أيًا يكن هذا

الآخر، في المجال المديني. إن التنشئة الاجتماعية التي تشكّل شخصيتنا الأولى، في أحضان أمهاتنا، هي تنشئة ذهنية في المقام الأول، نتلقى خلالها جوهر طرائق التفكير والتصرف والتمييز، في سلوكنا: أي ما يُسمح القيام به وما لا يُسمح؛

ما هو مطابق للأعراف وما هو غير مطابق لها، ما هو عَيب أو حرام أو محبَّذ وحلَال... إلخ؛ إذ يعلّمنا

الهابيتوس العام الذي ننشأ في إطاره مبدأ الاختيار، فيوجّه سلوكنا في ضوء برنامجه المعرفي. يضيف بورديو أن المكوّن الموروث في الهابيتوس يتلازم على الدوام مع مكوّن آخر هو مسارات الحياة

العملية؛ فالحياة اليومية والعملية تدفعنا إلى اختبار استعداداتنا المستخلصة من تجارب مجتمعنا ومن تجاربنا نحن السابقة، عبر إعادة إنتاجها من جديد، وتثبيتها باعتبارها مرجعًا لا يقبل المساءَلة أو التعديل، أو

أنموذجًا أساسيًا قابلً للإضافات. هكذا يغدو الهابيتوس منتوجًا ذهنيًا موروثًا ومبتكَرًا على حد سواء؛ فبقدر ما يُضعنا لإملاءاته، يترك

أمامنا الباب مفتوحًا للتعديل أو التغيير. من هنا الميزة الثانية للهابيتوس الذي يغدو بنية منظّمة من الاستعدادات الذهنية، لكن في الوقت نفسه

بنية منظّمة للسلوك في الحياة اليومية العملية. بيد أن هذه البنية تتميز بالدينامية لا بالجمود، لكونها ثابتة

وهادية، لكنها قابلة أيضًا للانفتاح على مقتضيات تلُي على الفرد تعديل في مسالكه الموروثة. وطبقًا لهذه الميزة النظرية، فإن الهابيتوس المتحرك على نقيض مع الأيديولوجيا الجامدة، الأمر الذي جعل أتباع الفكر الشيوعي لا يرتاحون إلى المفهوم الذي أدخله بورديو إلى سوق الأفكار منذ ستينيات القرن الماضي. يُعبّ عالِ الاجتماع الفرنسي عن مرونة الهابيتوس بقوله إن الهابيتوس «يميل إلى إنتاج مجموعات من أفعال

متناسقة في ما بينها ومطابقة لمصالح أصحاب العلاقة»، أي إن الاستعدادات الموروثة، على ثباتها

وصلابتها، تبقى عُرضةً للتعديل في ضوء مقتضيات الحياة اليومية والعملية. فالهابيتوس خيار ثابت

ومسبق، ويتميز بقوة ذهنية لا تعدلُها أي قوة أخرى؛ غير أنه نظام من الاستعدادات الحية، وبالتالي القابلة للتفاعل إيجابًا مع «إيعازاته» الذاتية على نحو عام، من دون أن يعني ذلك حتمية الالتزام بهذه الإيعازات؛

(((المصدر نفسه، ص.210

ربيع 2015

حيث إن الاحتكاك بالواقع المعيش، أو الوافد، قادر على إدخال تعديل إلى مخرجات الاختيار من دون المساس بمبدئه الأساسي. إن المصلحة الموضوعية في اعتماد التكنولوجيا الحديثة مثلً خيارٌ موضوعي يدخل إلى خط الهابيتوس

التقليدي عبر العالم، حيث يستطيع الأفراد، كما الجماعات، اعتماد تقديماتها أو عدم اعتمادها، أو حتى

اعتمادها جزئيًا أو قولَبتها في قالب محلي، طبقًا للمصلحة الفردية أو للمصلحة الجماعية، أو الاثنتين معًا.

من هنا، فإن الهابيتوس بنية مرنة نسبيًا من الاستعدادات في طرائق التفكير والتخطيط والتنفيذ، علمً أننا

نعكس هذه الاستعدادات في خياراتنا في حياتنا اليومية، وفي ما نفكر فيه، وفي ما نلبس ونأكل ونشرب ونمارس من سلوك اجتماعي ومهني وثقافي مختلف أيضًا. يعتبر بيار بورديو، ببلاغة لافتة، «أن الأجساد تقوم في العالم الاجتماعي، تمامًا كما يقوم العالم الاجتماعي في الأجساد». لكن من أين تأتي صدقية الهابيتوس هذه، ومن أين يستمد الهابيتوس شرعيته الاجتماعية؟ يجيب بورديو

عن هذه المسألة قائلً إن الهابيتوس «نتاج فئة محددة من الثوابت الموضوعية. لذلك يميل إلى توليد مَسالك

معقولة ومنسجمة تمام الانسجام مع الحس السليم». الهابيتوس الموروث مقْنع لا لأنه موروث فحسب، بل أيضًا لأن إيعازاته تقوم على ثوابت جرى التأكد من صحتها على مدى الأجيال والقرون. من هنا، تبدو العادات والتقاليد والأعراف على الدوام صحيحة، في المعتقد العام، لكونها ثمرة تجارب موضوعية خاضها الأهل والأجداد والأسلاف، ومطابقة للحس السليم العام. والهابيتوس، أيّ «هابيتوس»، ينبع من ثبات في الاستخلاص التجريبي، كما أنه يسعى إلى

إعادة إنتاج هذا الثبات لاقتناع أصحابه بصحته الموضوعية، حيث يقوم هذا التسليف المعنوي الكبير، المعكوس في استعدادات الهابيتوس الذهنية، بضمان صحة الممارسات والمسالك الاجتماعية. يبرر صاحب الهابيتوس خياراته «العفوية» و«الطبيعية» بإعادتها إلى مرجعية الحس السليم، من منطلق أن ما صح لسواي يصح لي أيضًا، ومن الطبيعي أن يفرض المقبول اجتماعيًا نفسه على مستوى السلوك

الفردي. يتماهى الهابيتوس مع العام ويجعله خاصًا. كما أنه يجعل الخاص التزامًا عامًا، من دون أن يُفرض فرضًا،

بل عبر عمليات تربوية صغيرة ومتواصلة يقوم الفرد باستيعابها تدريجًا، فيتسنّى له في نهاية المطاف

إمكان الاستمرار طوال حياته على هذا المنوال من دون أن يشعر بالغربة، حتى لو تغير العالم كله من حوله. وجميعنا يذكر في هذا المضمار قصة «دون كيشوت» المعبّ ة؛ فالهابيتوس، باعتباره منظومة ثابتة من

الاستعدادات الذهنية، الملائمة والمقْنعة في نظر صاحبها، يستمد صلابته من تاريخه (أي تاريخ الأفراد والجماعات) ويستمد شرعيته من ارتباطه بالحس السليم العام (العاقل والحكيم)، لكنه يتميز أيضًا بديناميته الخاصة، عبر تعامله بمرونة مع كل طارئ وجديد. ويضيف بورديو «أن المجتمعات ما قبل

(((المصدر نفسه، ص.218

(10) Bourdieu, Le Sens pratique , p. 93.

الهابيتوس العربي العنيد والعتيد

الرأسمالية (ومنها تلك التي تنتمي إلى البلدان النامية) ترتبط خصوصًا بهابيتوساتها لإعادة إنتاج بناها...

في حين أن المجتمعات الرأسمالية تعتمد بشكل أساسي على آليات موضوعية تسعى إلى ضمان إعادة إنتاج رأس مالها الاقتصادي». فأين نحن من هذه الملاحظة؟

المكوّن الكنعاني - الفينيقي

على المستوى العام، هناك محطات يتمأسس فيها الهابيتوس ويضْحي ناطقًا رسميًا باسم شعوب وجماعات،

بعدما يكون قد فرض شرعيته وعمّمها من خلال سلسلة طويلة من الممارسات، فيغدو العمود الفقري

لهوية الشعوب والجماعات. وما نطرح عليه تسمية الهوية هو في الواقع محصلة الهابيتوسات التي تقوم عليها

شخصيتنا الاجتماعية، علمً أن هذه الهابيتوسات مستمدة في معظمها من تجارب أساسية وتأسيسية جرت في ماضينا. ونرى اليوم أن الهابيتوسات التأسيسية لهابيتوسنا العربي المعاصر ثلاثة: الهابيتوس الكنعاني – الفينيقي؛ الهابيتوس الإسلامي؛ الهابيتوس النهضوي. وبنيتنا المعرفية تقوم على تآلف مُدْرَك في بعض

جوانبه، وغير مُدْرَك في جوانبه الأخرى، بين هذه المكونات الثلاثة المتناسقة عمومًا في ما بينها. ربما يستغرب القارئ ذِكر المكوّن الأول، الكنعاني – الفينيقي، لكونه لا يُذكر في أدبياتنا الفكرية على نحو

عام، ولكونه ينتمي إلى خانة ما يُعرَف ب «المحذوف» في تقنية تحليل المحتوى (Content Analysis)،

وسنعمل على إظهار مدى أهمية هذا المكوّن البعيد في هويتنا الراهنة. تشير بداية أصول الكنعانيين إلى قدومهم من الجبال الفاصلة بين العراق وإيران، حيث هاجروا تدريجًا إلى البحرين ثم إلى اليمن ثم إلى سيناء قبل أن يستقروا في «منتصف الألفية الرابعة قبل الميلاد في جبيل

وجوارها، والانتشار لاحقًا إلى مجمل الساحل الشرقي للبحر المتوسط حتى غزة». فهناك كنعوا، أي استقروا باللغات القديمة، وثبتوا كشعب ذي جذور سامية ولغة سامية وعادات وتقاليد سامية وبدوية،

متكاملين مع المجتمع الزراعي المحلي الذي كان موجودًا قبل مجيئهم، فأنشأوا حضارة متميزة وخلّ، قة

شديدة التعلق بجذورها السامية والعربية. لذلك، كان مجالهم التجاري الأول، كما يذكره بوضوح النبي حزقيال في رثائه صور «تاجرة الشعوب»، بلاد آرام والآراميين في شمال شرق سوريا، حيث تأتي الأحجار الكريمة والأرجوان ومنسوجات الوشي والكتان والبهرمان والياقوت، وبلاد فلسطين، حيث تأتي الحنطة والدخن والعسل والزيت والبلسان، ودمشق حيث يُستورد خمر حلبون والصوف الأبيض، وددان في شبه الجزيرة العربية، حيث كان يؤتى

بنمارق الخيل، وقيدار، حيث كانت تستورَد الحملان والكباش والتيوس، وسَبأ ورَعْمة، حيث يقدّم

الطيب والأحجار الكريمة والذهب.

(11) Bourdieu, Méditations pascaliennes , p. 311. (12) Hareth Boustany, Les Cananéens-Phéniciens, peuples et terres (Beyrouth: Editions Aleph, 2007), p. 35.

(((1 الكتاب المقدس، «سفر حزقيال،» الأصحاح 27، الآيات.25-12

ربيع 2015

ويضيف علماء الأركيولوجيا أن تجار جبيل وصور وصيدون على حد سواء كانوا يعتمدون الطريق إلى ماري، على الفرات، وإلى أور وبابل، وهو ما يعني أن العمق العربي كان العمق الأساسي والأول للكنعانيين الذين اعتبروا أنفسهم على الدوام جزءًا لا يتجزأ منه. وهذا، في المناسبة، ما جعل الإغريق

يطلقون عليهم تسمية Phoeniki استهجانًا، ناعتينهم بالرجال الحمر، بلغتهم، تمامًا كما فعل الغربيون

البيض عندما احتكوا بشعوب القارة الأميركية الأصليين الذين نعتوهم بالهنود الحمر، كما هو معروف. شعر الإغريق، المعجبون جدًا بالكنعانيين الذين علّموهم، بحسب هيرودوتوس اليوناني نفسه، الأبجدية و«عددًا من المعارف الأخرى»، منها صناعة السفن الكبيرة، أن هذا الشعب الغريب عنهم في لغته وملبسه

ومعتقداته وطرائق تفكيره وتصرفه، قطف قبلهم التجارة على امتداد جزر البحر المتوسط وسواحله، وبرعوا في التجارة الثلاثية (مصر – جبيل – اليونان) في حين أن تجارتهم كانت على الدوام ثنائية. لذلك، اختلط إعجابهم بالكنعانيين بشعور مبرر بالابتعاد عن مكوناتهم الثقافية والحضارية. ومن هنا، نشأ من الحروب اللاحقة نفورهم الثقافي من هؤلاء الشرقيين البرابرة لكنهم ليسوا مثل باقي البرابرة، فوقفوا منهم وقفة عنصرية. نقل الإغريق نزعتهم العنصرية هذه إلى الرومان لاحقًا، بعدما أضحت قرطاج (قرت حدشت، أي المدينة الجديدة) لؤلؤة الحضور الكنعاني/ الصوري في شمال أفريقيا وغرب البحر المتوسط غداة إنشائها في سنة 813 ق. م على يد إليسار، ابنة ملك صور وزوجة الكاهن الأكبر في معبد ملقرت. ومع تأسيس

هذه المدينة في خليج تونس، نقلت إليسار بلاد كنعان من القارة الآسيوية إلى القارة الأفريقية، وصولً إلى الشاطئ الأطلسي حيث مدينة أغدير (Gadir، ثم Gadis، ثم Cadix) في إسبانيا، ومدينة ليكوس في

المغرب، مرورًا بالساحل الجزائري كله الذي أُسست عليه المدن الكنعانية عند كل 50/40 كلم، من

عنابا إلى رشغون، إلى الساحل الليبي الذي أُقيمت عليه مدينة لبقي (Lepcis) سوقًا للعمق الأفريقي بالنسبة إلى قرطاج. ميزة هذا الانتشار الكنعاني أنه ترافق مع انتشار حضاري كان من عناصره اللغة الكنعانية، السامية كما العربية، التي قولبت الأذهان بكلماتها ومفاهيمها. ومن اللافت في هذا الصدد أن القديس أغسطينوس، بصفته مطران المسيحيين في شمال أفريقيا إبان الاحتلال الروماني لقرطاج وساحل شمال أفريقيا، كان يفضّل رسم الكهنة الذين يتقنون اللغة الكنعانية للتبشير بالدِّين الجديد ومحاربة عبادة البَعل في تونس

والجزائر وليبيا والمغرب، إدراكًا منه أن هذه اللغة هي لغة الناس، جميع الناس. لذلك، موضوعيًا، وصلت اللغة الكنعانية، باعتبارها لغة سامية أصيلة، إلى شمال أفريقيا واحتلت الوجدان

الثقافي العام. ومع وصول اللغة الكنعانية وانتشارها انتشرت الطبائع وطرائق التفكير الشرقية التي تضع «البيت» في مرتبة الاهتمامات الاجتماعية الأولى، على عكس البنية المعرفية الإغريقية والرومانية التي كانت تقوم بشكل أساسي على الفرد والفردانية.

الهابيتوس العربي العنيد والعتيد

كان هذا الأمر مستغرَبًا؛ ففي تمثيلية بعنوان «القرطاجي الصغير»)Poenulus( كانت تُعرَض في روما

حوالى سنة 200 ق. م، يشير الكاتب بلاوتوس)Plautus(إلى شخصية حنون، التاجر القرطاجي ذي اللغة الغريبة والملبس الشرقي البعيد، القادم إلى روما للبحث عن ابنتيه اللتين خطفهما قراصنة من على شواطئ قرطاج. فيشيد الكاتب الروماني بهذا القرطاجي الساهر على جمع شمل أهل بيته، على الرغم من الصعاب كلها، حيث يستطيع في النهاية تحرير ابنتيه ومعهما المربية التي رافقتهما مع ابن أخيه الذي كان ضائعًا أيضًا في عاصمة الإمبراطورية اللاتينية. لم يكن في وسع هذه المسرحية الهزلية، التي لا تخفي نزعة عنصرية تجاه أحفاد الكنعانيين في قرطاج، إلا أن تشير بإعجاب إلى تماسك «البيت» القرطاجي، بشكله القبلي الواسع الموروث عن الأصول العربية البعيدة، والبالغ الحيوية الثقافية على الرغم من بُعده الجغرافي. وصلت البنية الاجتماعية العربية على «متن» اللغة الكنعانية والموروث الثقافي الكنعاني إلى مجمل

ساحل شمال أفريقيا كهابيتوس ومحمول معرفي بعيد، ساهم بدوره في قَولبة الأذهان والممارسات في تونس والجزائر وليبيا والمغرب، وحتى داخل الصحراء، حيث كانت العادات والتقاليد والأعراف المتبعة عند شعوب شرق المتوسط والداخل العربي هي نفسها المعتمَدة في القسم الشمالي من القارة

الأفريقية. من أبرز الرسوم التي وُجِدَت على عملات برونزية تلك التي كانت معتمَدة في قرطاج الكبرى وجزر

صقلية وسردينيا وحتى إسبانيا؛ رسوم تعود إلى سنة 340 ق. م. وتشير إلى رَمزي النخلة والحصان، أي

إن الوجدان الثقافي العام في قرطاج ومجمل الساحل الشمالي لأفريقيا كان وجدانًا شديد الارتباط بالموروث السامي العربي الذي انبثق منه في الأصل. ونقرأ في هذا الصدد في مرجع متخصص بالموضوع: «فرضت الحضارة الرائدة، التي تميزت بها قرطاج على المستويين الاقتصادي والعسكري، اللغة الكنعانية تدريجًا

باعتبارها لغةً للتجارة والتواصل والجاه الثقافي في شمال أفريقيا. فانطلاقًا من المرافئ والمدن القرطاجية، انتشرت اللغة الكنعانية في الأرياف واعتُمدت رويدًا رويدًا إلى جانب لغة البربر. وانعكس هذا الأمر على

الكتابات التي نلاحظ أنها باللغتين، البربرية والكنعانية، في الدُقة ومكتر وقسطنطين ومواقع عدة أخرى تشير كلها إلى اعتماد اللغة الكنعانية لغة رسمية». بل إن الرومان وجدوا أنفسهم مضطرين، خلال القرن الخامس بعد الميلاد، إلى تدوين كتاباتهم العلنية

باللغتين اللاتينية والكنعانية في مجمل الأراضي الليبية، اعترافًا منهم ببقاء هذه اللغة حية في ما يُعرَف

بالعمق الجغرافي القرطاجي، ستة قرون بعد تدمير قرطاج وزوالها، الأمر الذي يشير إلى أن اعتماد اللغة الكنعانية لم يكن سطحيًا، بل أضحى من مكوّنات الهوية منذ عهد طويل في بلدان شمال أفريقيا.

(14) Plaute, Plaute, tome 5: Mostellaria; Persa; Poenulus, texte établi et traduit par Alfred Ernout (Paris: Société d'édition Les Belles lettres, 1938). (15) E. Lipiński, dir., Dictionnaire de la civilisation phénicienne et punique (Turnhout: Brepols, 1992), pp. 254-255. (article: Langue).

ربيع 2015

هذا يسمح لنا بالقول إن بلدان شمال أفريقيا تعرفوا إلى العروبة، أول بأول، عبر العمران البشري والثقافي والاقتصادي الكنعاني – الفينيقي، وإن ولوجهم الهوية العربية بدأ منذ عهد حضارة قرطاج الصورية؛ فالهابيتوس الكنعاني– الفينيقي، الوافد إلى شمال أفريقيا منذ القرن الحادي عشر ق. م، في ليكسوس (Lixus)، ثم في قرطاج اعتبارًا من القرن التاسع ق. م.، دمغ الوعي العام بنماذج التفكير والممارسة المعتمَدة

في المشرق العربي وأقنع بالعمران لا بشيء آخر، السكان البربر الأصليين بجودتها وفائدتها العملية. لذلك جرى تبنّيها واعتمادها في صُلب الشخصية المحلية. وما زاد الأنموذج الكنعاني – الفينيقي قوة أنه قدّم نمط حياة اجتماعية شرقيًا محافظًا، يتمحور حول أولوية

«البيت» في الشأن الأخلاقي العام، ويقوم في المجال الروحاني على معتقد ديني شرقي أصيل، يدعو إلى عبادة إيل إله السماوات، وبعل إله العواصف والرعد والمطر، وعشتروت – تانيت إلهة الخير والبحبوحة والعائلة، وأدونيس / إشمون / ملقرت، الابن الإلهي البار. إن الأسماء التي كانت معتمَدة في قرطاج ومعظم شمال أفريقيا حينذاك كانت بتركيبها المعرفي هي نفسها

تلك التي كانت تُستخدم في أرض كنعان المشرقية، حيث راجت منذ ذلك الزمن تسميات تحمل مدلولات

دينية مشرقية، عميقًا في وجدانها. فمن بين الأسماء الأكثر رواجًا مثلً عبد ملقرت (عبد الإله ملقرت)

وحنيبعل (حن بَعْل، رحمة الإله)، وحنون تصغيره، وبركبعل (بارك بَعل)، وأبيبعل (أبي بَعل)، وعبد

بعل (عبد الإله)، ومتنبعل (عطية بعل)، وبعلعمس (شفا البعل)، وعبد عشتروت... إلخ، أي إن التبرك بالتسمية الدينية التي كانت معتمدة على مستوى الملوك كما على مستوى عموم الناس، يشير إلى نزوع شرقي عربي قديم يضع الإيمان في رأس قائمة القيَم الروحانية والاجتماعية على حد سواء، حيث إن الهامش بين

المجالين غائب معرفيًا، وإرادة الفرد هي ما تريد لها أن تكون إرادة الإله، الأمر الذي يختلف عن التقاليد

الإيمانية الإغريقية والرومانية. لذلك كله، يمكننا القول من دون مغالاة إن الهابيتوس العربي الأول الذي عايشه سكان شمال أفريقيا هو الهابيتوس الكنعاني – الفينيقي الذي ترك في شخصيتهم مكوّنًا غير قابل للمحو لأنه أضحى، منذ

تلك الأزمنة، جزءًا من هويتهم الحضارية. أما في الشرق، في مجتمعات شبه الجزيرة العربية وشعوبها، فقد

ساهم نظام القيَم المثلث الكنعاني – الفينيقي (الإيمان و«البيت» والربح) في تعميم التبادل الفاعل؛ ذلك

أن تجارة المقايضة التي اعتمدها التجار الكنعانيون جعلتهم متضلعين من فهم لغات جميع شعوب المنطقة وطرائق تفكيرها وتنفيذها وأذواقها. فالقوافل الصورية التي كانت تبلغ بابل كل سنة كانت تساهم، عبر منتوجاتها المحمّلة على أكثر من مئتي بغل وحمار، في تشكيل الأذواق الثقافية العامة وصقلها. والأمر نفسه

كانت تفعله قوافل صيدون المتجهة نحو دمشق وددان واليمن، وقوافل جبيل القاصدة أور أو ماري. فالكنعانيون الذين كانوا في الأصل قبائل تعتمد الترحال والتنقل، استقروا عمرانيًا على الساحل اللبناني –

السوري – الفلسطيني، لكنهم تابعوا ترحالهم التجاري في أنحاء الجزيرة العربية كلها، ناقلين معهم عناصر معرفية تقوم على التبادل والتواصل الدائم مع المحيط. وهذا شأن عرفه العرب بقوة قبل الإسلام، كما يشير طه حسين في كتابه المعروف في الشعر الجاهلي، معاكسًا المقولات المغلوطة المنتشرة بشأن هذا الموضوع.

الهابيتوس العربي العنيد والعتيد

ومن هنا ساهم الكنعانيون – الفينيقيون شرقًا وغربًا في تكوين الهوية العربية العامة، عبر الهابيتوس الذي

أسسوه ولا يزال ينبض فينا.

المكوّن الإسلامي

المحطة التأسيسية الثانية لتكوّن الهابيتوس العربي المعاصر جاءت مع ظهور الإسلام، هذا الدِّين الجديد

الذي شكّل ثورة بكل معنى الكلمة في وعي سكان شبه الجزيرة العربية، وقطيعة إبيستمولوجية مع الإيمان الوثني. أنشأ الإسلام إنسانًا جديدًا بقيَم جديدة وبنظرة إلى الكون جديدة؛ فبعدما كان الإنسان العربي يعيش في

حياة يغلب عليها همُّ تأمين المعاش، ضمن أفق محدود، أضحى يتعامل مع شؤون الحياة على أنها شؤون

الحياة وما بعد الحياة، فانفتحت آفاق جديدة عموديًا، بعدما كان معظم الآفاق السابقة أفقيًا. وبإمكاننا أن

نستدل على هذا التغير البنيوي في قسم كبير من طرائق التفكير والتخطيط والتنفيذ في الهابيتوس الجديد الذي اعتُمد لخوض ما يُعرَف بحروب الدعوة، الهادفة إلى نشر الرسالة الإسلامية؛ فملحق كتاب مَمع

الأمثال، لأبي الفضل الميداني النيسابوري (المتوفى سنة 1124) والذي يحمل عنوان «أيام العرب في الجاهلية وأيام العرب في الإسلام»، يفيدنا بالكثير عن هذا الموضوع. يشير هذا الكتاب التراثي المخصص لطبقات الحروب عند العرب، وهو يدخل في صنف كتب الطبقات والسيَ التي يزخر بها التراث العربي وتتضمن كنوزًا من المعلومات، عبر تسميات الحروب، ومن حيث

لا يدري صاحبه، إلى الفكرة التي قام عليها مبدأ العنف السياسي المعتَمد في الحروب العربية القديمة،

قبل ظهور الإسلام وبعده، فيقدّم عرضًا مفصَّلً نسبيًا ل 217 حربًا جرت حينذاك، منها 131 في زمن

الجاهلية و 86 بعد ظهور الإسلام، وهي معروفة بحروب الدعوة، علمً أن كتّاب التراث كانوا يعتمدون

مصطلح «يوم» للإشارة إلى الحرب، ذلك أن الحرب كانت تُعرَف باليوم الأخير الذي فازت فيه هذه

القبيلة على تلك. ولا بد من الإشارة هنا إلى دلالة هذا المصطلح الدال على أن فهم الحرب كان يقع آنذاك ضمن زمن سطحي تكراري، لا اهتمام فيه إلا بالزمن الراهن واليوم الأخير الذي تظهر فيه النتيجة، وهو ما يعني أن أفق هذا المفهوم البدوي القديم كان مسدودًا، لا أبعاد حقيقية له إلا البُعد الراهن. فاليوم،

كمرادف للحرب، كان يشير بوضوح إلى انحسار في معنى هذه الأخيرة وإلى اقتصاره على دلالات آنية وعَجول، وتكتيكية إذا صح التعبير، من دون أن تقيم وزنًا للبُعد الاستراتيجي لهذه الحرب، الأمر الذي

يضعنا في صُلب العقلية البدوية العربية القديمة التي كانت سائدة آنذاك. لو اعتمدنا تقنية تحليل المحتوى، سنكتشف أن تسميات أيام العرب في الجاهلية، كما هي واردة في الكتاب، تشير إلى المدلولات الآتية: 34 في المئة: تلة، واد، سهل، واحة خضراء.

(((1 أبو الفضل أحمد بن محمد الميداني، مَجْمَع الأمثال (طرابلس، لبنان: دار الشمال للطباعة والنشر والتوزيع،.)1990

31 في المئة: نقاط ماء. 20 في المئة: اسم القبيلة الظافرة. 3 في المئة: أحصنة وإبل. 3 في المئة: أسماء عَل.َم 3 في المئة: قرى ومدن. 3 في المئة: أمكنة تقع بين مكة والمدينة. 2 في المئة: صفات. 1 في المئة: الصحراء. يعني هذا أن المنظور الذي كانت تقع فيه هذه التسميات يتميز بضيقه وارتباطه بأشياء مادية على صلة بهم

البقاء؛ فالاستمرارية البيولوجية كانت هاجسًا طاغيًا، وكان تأمين البقاء، عبر تأمين نقاط الماء ومساحات

الرعي، الهمّ الأكبر والدافع إلى استخدام العنف، حيث إن 65 في المئة من هذه الحروب، أي ثلثيها عمليًا،

كانت تقع في هذه الخانة وتندرج تحت هذا العنوان الوجداني المادي الكبير. كانت الأغلبية العظمى من حروب القبائل العربية تندرج ضمن هذا السياق المعيشي الذي يدفع قبيلة إلى مراعي قبيلة أخرى ونقاط مائها، والقبيلة الثانية للدفاع عن مواقعها ومكتسباتها المادية والطبيعية في وجه غزو القبيلة الأولى. هكذا، كانت دائرة التفكير والدوافع محصورة في أشياء معظمها مادي ومعيشي، لا تبغي التعالي على الأرضيات، معتبرةً أن قيمة هذه الأخيرة تفوق أي قيمة أخرى، وأنها تستحق القتال حتى الموت، وهذا يعني أيضًا أن الرجل الأمثل، ضمن دائرة التفكير هذه، كان الفارس المقاتل، المدافع عن حدود القبيلة أو المخترق حدود سواها. لكن في الحالتين، كانت القبيلة هي المرجع الأول والأخير لهذا الإنسان المثالي الذي تُلقى عليه مهمات الدفاع وبقاء الجماعة أو اندثارها؛ فالقبيلة (التي تحمل 20 في المئة من تسميات الأيام اسم إحداها) كانت دائرة الحياة والتفكير الأساسية المتاحة أمام وعي الأفراد. كما أن أفراد القبيلة ما كانوا

يتصورون أفقًا لوجودهم غير أفق القبيلة المغلق والضيق، الأمر الذي يعني أن القبيلة، مهما كان حجمها وجاهها، كانت الأفق الضيق والوحيد المتاح أمام الهابيتوس البدوي. أما مع حروب الدعوة، فاختلفت الأمور كثيرًا، وتبدل بنيويًا القسم الأكبر من المشهد مع التأسيس لزمن

معرفي جديد، وبالتالي لهابيتوس جديد، إذ يشير إحصاء تسميات أيام العرب في الإسلام، عند الميداني، إلى الأمور الآتية: 47 في المئة: أسماء مدن. 25 في المئة: نقاط ماء.

ربيع 2015

الهابيتوس العربي العنيد والعتيد

11 في المئة: أودية، أراضٍ خصبة، تلال. 8 في المئة: حروب قادها الرسول شخصيًا.

5 في المئة: حروب بين القبائل. 4 في المئة: حروب ضد اليهود.

تحتل المدن نصف تسميات الحروب لسبب بسيط وجديد، هو أن حروب الدعوة بُنيت على استراتيجيا

واضحة تقوم على محاربة معاقل الوثنيين انطلاقًا من إدخال المدن ضمن دائرة عقيدة الخلاص الجديدة، حيث حوربت الوثنية وحوصرت انطلاقًا من التجمعات المدينية الكبيرة؛ فأيام العرب في الإسلام باتت حروبًا لدعوة الناس إلى الدِّين الجديد وإلى أخلاق جديدة يعتمدها شكل الإيمان الروحاني الجديد. ولم تعد

الحرب تقوم على أساسها القديم المتمحور حول أولوية الأشياء على الإنسان، بل أضحى الإنسان والنَفس الإنسانية هما الدافع الرئيسي للرغبة في التغيير. والعقيدة الجديدة، المبنية على خطة استراتيجية متكاملة، لم تتمكن من محو نزعات البداوة وحروبها العصبية بالكامل، لكنها غلبت عليها نزعة روحانية جديدة قوامها مفاهيم ورؤية جديدة للذات والآخر والكون برمّته. إن المقاتل في الإسلام، الذي بلغ أقاصي الأرض آنذاك، لم يكن يحارب من أجل مكسب مادي، بل من أجل مكاسب روحانية. والأمة، أي جماعة المسلمين من دون تمييز، كانت أفقه الاجتماعي الأبعد، لا القبيلة ذات الأفق الضيق والمسدود. والفارس لم يعد مجرد مقاتل عربي يركب حصانًا، بل غدا فارسًا يحمل قضية

سامية، غير ملموسة، يستعد للموت من أجلها. وهذه القضية العليا كانت بالغة الأهمية إلى درجة أن الرسول نفسه دخل المعركة شخصيًا، أربع مرات، للدفاع عنها. من هنا، ومن هذه الثورة المعرفية، نشأ هابيتوس جعل الاستعدادات العربية، شرقًا ثم غربًا، تتقولب في

قوالب استعدادات وخيارات ومواقف وممارسات جديدة في جوهرها، وتأسيسية في وقْعها على مستوى الجماعات والأفراد. لا يعني ظهور الهابيتوس الإسلامي الجديد ثم انتشاره وتمأسسه، اختفاء عناصر الهابيتوس البدوي كلها التي كانت سائدة من قبْل في عمق شبه الجزيرة العربية، كما يشير طه حسين الذي كتب، مخالفًا مقولات

عصره، عن أهل الجاهلية: «لم يكونوا جهال ولا أغبياء، ولا غلاظًا ولا أصحاب خشنة جافية؛ وإنما كانوا أصحاب علم وذكاء وأصحاب عواطف رقيقة وعيش فيه لين ونعمة». ويلفت طه حسين إلى أن القرآن الكريم نفسه يشير إلى انفتاح العرب آنذاك على البيزنطيين من ناحية وعلى الفرس والهند من ناحية

ثانية، وعلى الح بَشة وأفريقيا من ناحية ثالثة، معيدًا قراءة الشعر الجاهلي المنسوب عنوةً إلى شعراء ذلك

العصر من دون وجه حق، لأغراض أيديولوجية.

(((1 طه حسين، فيالشعر الجاهلي (القاهرة: دار الكتب المصرية، 1926)، ص.20

ربيع 2015

على الرغم من ضرورة اعترافنا بعدم صحة الصورة القاتمة التي كان يقدمها الأدب العربي عن الحقبة

السابقة للإسلام، يبقى أن زمنًا معرفيا جديدًا ظهر بعد انتشار الدعوة الإسلامية واختفاء الوثنية، وشك ل

نمط إدراك وتفكير وممارسة للشعوب الناطقة بالعربية كما للشعوب الناطقة سابقًا بالكنعانية على شواطئ المتوسط الشرقية والغربية على حد سواء. في هذا السياق، يُعيد المؤرخون الغربيون سرعة انتشار الدِّين الإسلامي وسهولته في بلدان شمال أفريقيا

في بداية الفتح إلى عنصر رئيسيين: أولهما الحقد على الحكم الروماني الذي دمر قرطاج وحاول أن يدمر الهوية الكنعانية باستبدالها القسري بهوية رومانية لاتينية، الأمر الذي جوبه بممانعة ثقافية ومعرفية عارمة، وثانيهما التمسك باللغة الكنعانية السامية التي تنازلت لمصلحة اللغة العربية السامية هي أيضًا، في حين أنها مانعت التخلي عن جذورها الثقافية أمام اللغة اللاتينية، الأمر الذي يعني أن نظام الاستعدادات يتكيف

بحسب معطياته الخاصة مع الدعوات إلى التغيير الذي يحدث تدريجًا وبنسب مختلفة بحسب الحالة، منِ دون أن يؤدي إلى طلاق كلي مع الهابيتوس السابق الذي كان سائدًا قبله؛ فالهابيتوس الجاهلي يتراجع إلى

المرتبة الثانية بعد ظهور الإسلام، لكنه لا يختفي، لا بعصبياته ولا بنزعته المادية الربحية المباشرة. كما أن

الهابيتوس الكنعاني – الفينيقي يذوب طوعًا في الهابيتوس الإسلامي لاعتباره أنه يأتي متوائمً مع القيَم

التي كان ينشدها ويسير عليها (الإيمان وأخلاقيات العائلة)، مقدمًا في الوقت عينه أفقًا روحانيًا جديدًا

لممارسات البشر.

مكون النهضة

أضافت حركة النهضة العربية التي بدأت إنمائية – اقتصادية مع محمد علي باشا في مصر في الربع الأول من القرن التاسع عشر، وتحولت بعد ذلك إلى حركة فكرية وثقافية عارمة، مكوّنًا جديدًا إلى الهابيتوس

العربي العام؛ فبعد المكوّن الكنعاني – الفينيقي العملاني المبني على ثلاثية قيَمية جمعت الإيمان والبيت

والربح، وبعد المكوّن الإسلامي الديني الفاعل والمبني على الأخلاقيات والتقليد، جاء دور مكوّن النهضة

الطوباوي والطامح إلى التقدم والتغيير. تداخل المكوّنان الأول والثاني بسلاسة لكونهما يرتبطان بتقليد معرفي مشرقي سامٍ قديم واحد، وبذهنية

تقوم على قيَم متشابهة نسبيًا في سوادها الأعظم. غير أن مكوّن النهضة الجديد، الذي لم يكن لا مشرقي

المصدر ولا إيماني الأساس ولا تقليدي الجوهر، جاء عمليًا عكس السير؛ جاء برانيًا ومفروضًا عمليًا،

بفعل التقدم الغربي الهائل في غير مجال، وأبرزها التكنولوجي والعلمي والعسكري والحياتي. وهذا أمر لم

ترتح له بطبيعة الحال، على وجه عام، الذهنية العربية التقليدية السائدة منذ نحو ألفيتين، فمانعته بدايةً، ثم بدأت تتآلف معه رويدًا رويدًا بالاعتماد على كتابات مفيدة وجديدة كان يعود بها أدباء وعلماء في الدِّين

زاروا الغرب حينذاك أو اطلعوا على تجربته عن كثب. كان للعلماء، أمثال رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده، تأثير أكبر نظرًا إلى الصدقية التي يتمتع بها رجل الدِّين

في الأوساط الشعبية عمومًا في منطقتنا، ماضيًا وحاضرًا. إلا أن مساهمات الأدباء والمفكرين، ومنهم فرح

الهابيتوس العربي العنيد والعتيد

أنطون وجرجي زيدان وشبلي الشميل وشكيب أرسلان وروز أنطون ونقولا الحداد، كان لها أيضًا وقع اجتماعي وثقافي إيجابي، نظرًا إلى أن الأنموذج التقدمي الأوروبي كان حاضرًا أكثر فأكثر في تفصيلات

الحياة اليومية والعملية؛ فالسلطنة العثمانية، على سبيل المثال، كانت تستورد عمليًا كل شيء من البلدان

الغربية، ولا تصدّر إليها مواد ذات قيمة، فكانت صادرات ولايات السلطنة باتجاه الأسواق في الغرب تقتصر على الجلود وحجر الشب والأصواف الخام والقطن والبهارات. أمّا المادة الوحيدة التي حاولت

أن تخترق بها الأسواق الأوروبية تجاريًا، فكانت البن العربي. لكن أحد القناصل الفرنسيين تمكن من أن

يحصل على خفض على الرسم الجمركي الذي كان مفروضًا على البن البرازيلي، فاجتاح هذا الأخير، عبر التجار الغربيين، الأسواق العثمانية كلها. في المقابل، كانت السلطنة تستورد من البلدان الأوروبية الآلات والقصدير والورق والقماش الفاخر والزجاج، وحتى العملات الذهبية لتدفع بها مشترياتها في أسواق الهند والشرق الأقصى. ولم تتحول السلطنة آنذاك إلى عملاق اقتصادي، أقله في حوض البحر المتوسط، على الرغم من الدخول الكبيرة التي كانت تجنيها من الضرائب، وإنما بقيت طوعًا تدور في فلك الاقتصاد الأوروبي، بل وقعت رهينة

له، حيث بدأت اللجوء إلى عمليات الاقتراض اعتبارًا من سنة 1850، فاقترضت الحكومة العثمانية 55

مليون فرنك فرنسي من شركتين قائمتين في باريس ولندن. ثم عاودت الحكومة اللجوء إلى قرض بريطاني بقيمة 5 ملايين جنيه إسترليني في سنة 1854، لكنها عجزت عن تسديده بشكل كامل، فضمنت الباقي بتجييرها عائدات مصر وجمارك سوريا وإزمير. فقدت الحكومة العثمانية في سنة 1875 قدرتها على سداد ديونها كلها، وفي هذا الصدد يفيدنا المؤرخ إكمال الدين أوغلو بما يأتي: «في عام 1876 جرى إيقاف سداد القروض تمامًا. فكانت نتيجة ذلك أن

أدى تدهور الأسعار الذي ظهر في قيمة السندات إلى دخول العديد من البنوك في أزمة مالية، ومنها بنك إستنبول والبنك العثماني»، أي إن الدولة التي كان يعيش في إطارها الإنسان العربي كانت دولة مفلسة وقاصرة اقتصاديًا وتابعة للغرب الأوروبي الذي تمكن من السيطرة على جماركها. علاوةً على ذلك، كان

الفساد المستشري في بلدان السلطنة شائعًا ومعروفًا على مستوى أبسط الناس، من خلال ممارسة العسكر

وموظفي المؤسسات الرسمية المعتمدين مبدأ «البخشيش» لتمرير المعاملات. يشير أوغلو نفسه أيضًا إلى هذه الظاهرة اللافتة والمتنامية، حيث يكتب: «هناك تناقض مستمر لأرقام

الميزانية. فالواقع أن قسمً من موارد الدولة، وكان يبلغ 49 بالمئة تقريبًا منها، لم يكن يظهر في ميزانيات

القرن السادس عشر. ثم ارتفعت هذه النسبة في العقد السابع من القرن السابع عشر إلى 75 بالمئة من مجمل الموارد».

((1(الدولة العثمانية تاريخ وحضارة، إشراف وتقديم إكمل الدين إحسان أوغلى؛ نقله إلى العربية صالح سعداوي، سلسلة الدولة

العثمانية تاريخ وحضارة؛ 3، 2 مج (استانبول: مركز الأبحاث الإسلامية للتاريخ والفنون والثقافة، 1999)، مج 1، ص.657

(((1 المصدر نفسه، ص.628

ربيع 2015

كان من شأن هذا الواقع الاقتصادي والسياسي العام أن يولّد عند «الرعايا» العرب نفورًا متزايدًا من هذه

الدولة التي كان كل شيء فيها ملكًا للسلطان وحاشيته وعسكره، من دون مقابل اجتماعي. فبدلً من

أن تكون الدولة مثالً أعلى للناس، كانت الدولة العلية دولةً للمُلك، كما يصفها ابن خلدون، أي دولة

للعصبية، عصبية السلطان العثماني التي لا تُساءَل ولا تُراجَع. في المقابل، كان الغرب يقدّم، بعد قيام الثورة الفرنسية، أنموذجًا جديدًا للدولة. وهذا الأنموذج الذي

تُرجِمَ بشكل غير دقيق تحت اسم الجمهورية (La république) (المشتقة من كلمتي res، و publica اللتين

تعنيان الشأن العام)، كان يقدم فهمً جديدًا وقاعدة غير مسبوقة للمسألة السياسية. بدا واضحًا أن الرأي العام العربي، بعد اطلاعه على تجربة نظام الشأن العام وتجلياته الاجتماعية (العدالة

الاجتماعية والحرية والمساواة)، من أفواه علمائه وتحت قلم أدبائه، وجد ضالته السياسية، وطلق فكريًا

وثقافيًا أنموذج دولة المُلك العصبانية السلطانية. ولذلك رغب، بصدق، في أن يتحول من مجتمع رعايا

إلى مجتمع مواطنين، على غرار أبناء هذه البلدان الغربية التي كانت تُبهِره بتقدمها. فالمثال الأعلى الغربي، التقدمي والعقلاني، جاء أول ما جاء من إخفاق المثال العثماني الرجعي والعصباني، فقامت النهضة، في

النفوس والنصوص، مثل شعلة نار، تَع دُ بمستقبل زاهر. ولم تتمكن الإجراءات الرقابية العثمانية (ومنها حجبها المطبعة مدة ثلاثة قرون ونيف بعد اختراعها وانتشارها في الغرب) ولا المشانق من كبح انتشار هذا الهابيتوس الجديد، المستورَد من الغرب، والداعي إلى النهوض الثقافي والاجتماعي والعلمي في البلدان

العربية، خدمةً لمشروع شعبي قومي عربي شامل طالما انتظره الجميع. حيكَ، لذلك، المشروعُ النهضوي العربي على هذه الخلفية المعرفية الموضوعية، المتمثّلة في فشل دولة المُلك

العثمانية من تقديم نفسها مثالً أعلى سياسيًا للعرب المشرقيين المتواصلين أكثر فأكثر مع المصادر الأوروبية

التي كانت تقدّم، في المقابل، بديل قيَميًا ناجحًا وملموسًا من خلال دولة الشأن العام، المعروفة اليوم باسم

الدولة الغربية الحديثة، دولة المواطَنة والقانون والمؤسسات. إن مثقفي النهضة هم الذين قاموا بحياكة الهابيتوس النهضوي العربي الذي عمّموه ونشروه، مضيفين

بشكل طوعي مكونًا غربيًا مستورَدًا إلى مكونات الهابيتوس السابق (الذي أضحى يمثّل بعد ذاك الصيغة

التقليدية للهابيتوس الموروث)، وبُعدًا جديدًا إلى التوجه المعرفي العام المعتمد حتى ذلك الحين. ومع مكوّن النهضة نشأ عالم معرفي جديد، وتمأسست منظومة جديدة من الم فْتَضات (présupposés)

والمعايير (العقلانية) والأفكار (التقدم الاجتماعي) والأهداف (الحرية) التي جعلت المشهد بعد

ذلك مختلفًا، في الطوبى، عمّ كان عليه من قبل، حيث إن مصدر الم ثل العليا والقيَم لم يعد التجربة

المحلية أو التقليد الديني، الأبعد أو الأقرب، بل التجربة الأوروبية غير القابلة للتجاهل.

كانت المُفْتَضات الجديدة التي بنى عليها رواد النهضة مشروعهم الثقافي والاجتماعي والسياسي لا تقصد السباحة عكس التيار، بقدر ما كانت ترغب في رسم مسار جديد لحياة أبناء المجتمعات العربية؛ لكن

الهابيتوس العربي العنيد والعتيد

التعامل مع هذه المفترضات الفكرية المبنية على فكرة العلمانية، لا على فكرة الإيمان، جعل أصحاب التفكير الديني يتشنجون ولا يرتاحون للمآل النهائي، المعرفي، لمشروع النهضة؛ فأفكار النهضة لم تكن مبعثرة ولا متفرقة، بل كانت تقوم على منظومة فكرية وقيمية (doxa) متماسكة، مستوحاة من مخاض طويل وعسير مع النظام الملكي، أفضى إلى ابتكار نظام الشأن العام على قاعدة الديمقراطية، وكانت تقوم أيضًا على قاعدة سيادة العقل والعقلانية. فالمفترض النهضوي، في جوهره، مفترض مبني على العقل لا على الإيمان، وهذا ما وضعه، منذ بداية الطريق، على ضفة مختلفة عن ضفة المكوّنين الكنعاني – الفينيقي والإسلامي

المعتَمدين في البنية المعرفية التقليدية العربية؛ فإلى جانب المفترضات العقلانية كان يقف نظام التقييم،

العقلاني هو أيضًا، الذي بنى لنفسه أخلاقيات جديدة تُرْج تْ خطأً، مرة جديدة، فوُصفت بالمدنية، في

حين أنها كانت تعني، في لغتها الأم، المواطنية (ذلك أن كلمة civil مشتقة من civis التي تعني، باللاتينية،

المواطن، لا الم دن ولا المدنية ولا المدينية). فالأخلاقيات التي استوحتها حركة النهضة العربية عمومًا

كانت أخلاقيات مستوحاة قسرًا من مصدر جديد حصلت فيه قطيعة إبيستمولوجية مع التراث والعقيدة

الدينية، الأمر الذي استتبع ابتعادًا نسبيًا عن مصدر طالما كان يعتبر المصدر الأصيل والأول والأخير. لذلك، قامت حركة النهضة على مشروع بناء مكوّن جديد أثبت نجاحه وتفوقه عند المسيطِرين (علمً

أن المسيطَر عليه يميل دومًا إلى التشبه بمن يسيطر عليه، بحسب ما لاحظه ابن خلدون) وكان مستحيلً

تجاهله أو تجاوزه، خصوصًا في ظل الأفق المسدود الذي كانت تقدمه السلطنة العثمانية، المريضة في تكوينها

السياسي والقائمة على سلطة العسكر وهيبتها فحسب، مع خطاب إسلاموي لم يكن يغري أحدًا. قدمت حركة النهضة رؤية جديدة للدنيا والأخلاق السياسية والاجتماعية، وكانت جريئة في طروحاتها

المتمسكة بحقوق العدالة الاجتماعية والمساواة لجميع المواطنين، من دون تمييز، ورسمَت أفقًا واعدًا جديدًا

للأجيال العربية الجديدة الراغبة في التطور النوعي على المستويات كلها. لذلك، جاء مشروعها الطوباوي الشديد الجاذبية، خصوصًا أنه صيغ باللغة العربية البالغة القدرات في التعبير عن المشاعر والأحاسيس،

وبأقلام مبدعة وساحرة.

صدام المكوّنات

صحيح أن حركة النهضة كانت قد قدمت رؤية جديدة لأمور الحياة والسياسة، بيد أنها لم تقدّم، في الفهم

الشعبي العام، بديل معرفيًا مكتمَلً يستجيب للمُمكن الموضوعي. وظهرت كمكوّن أساسي وأصيل

وجديد من مكونات الهابيتوس العربي العام، لكنها جاءت على تباين معرفي مع المكونين السابقين. كانت حركة النهضة أصيلة في دورها لكونها ناشئة من سلسلة تجارب في الحياة اليومية والعملية؛ ذلك أن

منشأ الهابيتوس عند بورديو هو الحياة العملية، دائمً وأبدًا. لذلك تمامًا، ومثلما نقر بأن مصدر هابيتوس

النهضة العربية كان خارجيا وناشئًا من الاحتكاك العملي والفكري بمنتوجات الحداثة الغربية المادية

والرمزية، فإننا نسلّم أيضًا بأن اقتباس نفَس هذه الحداثة جاء بناءً على اقتناع ذاتي بجودتها وفي ضوء طلاق

معنوي حقيقي مع التجربة العثمانية.

ربيع 2015

من هنا، فإن مكوّن النهضة المعرفي أصيل وموضوعي، مثله مثل المكوّنين الآخرين. وعلى الرغم من

تباينه المعرفي معهما، استجابت حركة النهضة، بتعابيرها المختلفة، لمطلب اجتماعي قوي ومستدام عرفته المجتمعات العربية؛ فالحاجة إلى مشروع النهضة الطوباوي لم تكن طوباوية، بل كانت موضوعية ونابعة من رصد وتقييم للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي المحلي في ضوء ثلاثة قرون من الاحتلال العثماني. لم يجبر أحدٌ أحدًا على متابعة ما كان يكتبه بطرس البستاني، ولا على إبداء الشغف بالسجالات الأدبية – الفكرية التي كانت تزخر بها المجلات المصرية الواسعة الانتشار في أنحاء العالم العربي كلها. وعندما قامت روز أنطون بإنشاء مجلة السيدات والبناتالتي سرعان ما تحولت إلى مجلة السيدات والرجال، أو عندما بادرت عفيفة صعب إلى إطلاق مجلة الخدر، لم يدفعهما أحد إلى ذلك، بل جاءت مبادرتاهما من منطلق قناعات وقرارات شجاعة فردية، معبِّة بصدق وموضوعية عن رغبة عارمة في التغيير،

تمامًا كما جرى مع المكوّن الكنعاني – الفينيقي ومع المكوّن الإسلامي اللذين استجابا لرغبة حقيقية

وموضوعية في تغيير الواقع العملي السائد آنذاك. فعند تمأسُس أفكار هذا المكوّن ومعانيه وقيمه،

تتحول إلى هابيتوس جديد يُضاف إلى الهابيتوسات الجزئية السابقة، على شكل طبقات الأرض التي

يحدثها فوران بركان أو هزة أرضية نابعة من الأرض، فتصبح بعدها طبقات الأرض مرصوفة بعضها فوق بعض ومتعايشة. ميزة هذه الظاهرة عندما تحصل في مجال المعرفة البشرية أنها تختلف عمّ يحدث في مجال الطبقات الجيولوجية؛ ففي المجال الجيولوجي تتجمد الطبقة بشكل نهائي، فيما طبقة الهابيتوس الجديدة تحل فوق الطبقات السابقة من دون أن تلغيها، بل تتفاعل معها، وتارة تصعد هذه الطبقة إلى وجه الأرض... وتارة أخرى تصعد الطبقة الثانية أو الثالثة، حيث إن مكونات الهابيتوس العام متفاعلة في ما بينها، بحسب مقتضيات

الحياة العملية. ولا علاقة للق دَم الزمني بتسلسل هذه المكونات؛ فقِدَمها الزمني لا يعني قِدَمها التاريخي البشري. لذلك، بإمكان مكوّن قديم من مكوّنات الهابيتوس أن يعود ويطفو على سطح الوعي، بحسب

حاجة الأفراد أو الجماعات إليه. يشير بورديو في هذا الصدد إلى أن «الماضي يبقى حاضرًا وفاعلً في الاستعدادات التي سبق له أن أنتجها »، أي إن بالإمكان استحضار مكوّن قديم من مكوّنات الهابيتوس العام لمواجهة وضعية اجتماعية أو سياسية

أو اقتصادية شائكة يرى الناس أن مكوّن الهابيتوس الأحدث زمنيًا لا يصلح لحلها أو معالجتها. يعني هذا، في خلاصة الأمر، أن مكوّنات الهابيتوس العام، العربي وغير العربي، لا تعتمد تراتبية زمنية

واحدة وثابتة، بل تستجيب للمطلب الاجتماعي العام في الظرف الراهن. كما يعني أن لا أولوية في الأهمية لهذا المكوّن أو ذاك، لكونه طبقات أرضية متحركة، أو حتى أدراج في خزانة يقع بعضها فوق بعض، تتيح

لنا أن نقرر فتح هذا الدرج أو ذاك بالأولوية، أو حتى الاثنين معًا، واستخدام محتوياتهما معًا، أو حتى

(20) Bourdieu, Méditations pascaliennes, p. 94.

الهابيتوس العربي العنيد والعتيد

إدخال الدرج الثالث في عملية الاختيار الأنسب هذه. فالاستعدادات كلها، على الرغم من تمأسُسها،

موجودة في خزانة معرفية واحدة ورهن طلب صاحبها. في الحالة الغربية، نجد أن مكوّنات الهابيتوس متناسقة زمنيًا وتاريخيًا في ما بينها، حيث لا تضارب في

ما بينها، بل انسجام. أمّا في الحالة العربية، فالوضع مختلف، ذلك أن المنطق الزمني والمنطق التاريخي

للمكوّنات الثلاثة التي أتينا إلى ذكرها غير منسجمين؛ ففي حين أن المكوّنين الأول والثاني يشدان العربة

نحو التقليد، يشد المكوّن الثالث العربة نحو التجديد والتغيير. لذلك، وحتى إشعار آخر، فإن الحظ

الأوفر في الفوز نتيجة هذا التعارض الثابت والدائم بين التقليدي والحديث، هو من نصيب المكون الأول لكونه الأقدم والأكثر تجذرًا. أما في أحسن الأحوال، فإن التعادل السلبي هو الذي ينتج من حركة المكوّن

النهضوي في تعارضه مع المكوّن التقليدي.

عزمي بشارة

الدين والعلمانية في سياق تاريخي

الجزء الثاني/المجلدان الأول والثاني

في هذا الجزء الثاني/ المجلد الأول من كتاب الدين والعلمانية، يتصدى الدكتور عزمي بشارة لفهم تطور العلمانية من اللفظ وحتى الأيديولوجيا في السياق التاريخي الأوروبي، بما فيه تاريخ الأفكار. وت فهم العلمانية غالبًا كشعار مثل "فصل الدين عن الدولة" أو "فصل الدين عن السياسة" أو "حياد الدولة عن الشريعة"، وهذا فهم اختزالي لا يشمل بالضرورة معرفة معمّقة وتاريخية ونقدية لتطور المصطلح في سياقه التاريخي والحضاري. ويحلل المؤلف في منهج عابر للاختصاصات عصارة التجربة الإنسانية، الأوروبية في المقام الأول، فكرًا ودينًا واجتماعًا وتاريخًا وسياسة. في مرحلة يدور فيها نقاش حاد حول الدين والعلمانية يضع المؤلف بين أيدي الباحثين والمثقفين العرب موسوعة معرفية ستكون المرجعية الأكثر دقة وشمولً بين المصادر المتعددة عن العلمانية. ويبحث المجلد الثاني في الصيرورة التاريخية للعلمنة وصولً إلى الأيديولوجيا العلمانية، وفي علاقة الدين بالدولة كما ظهرت عيانًا في أوروبا، ثم يقارن ذلك بالأنموذج الأميركي، مبينًا وجود نماذج مختلفة من العلمانية. ويركز المؤلف على فكرة "توليد العلمنة لنقيضها" أكان ذلك على مستوى عودة الديانات التقليدية إلى القيام بدور في المجال العام، أو بنشوء الديانات السياسية وأشباه الديانات البديلة. ويتضمن الكتاب نقدًا لنظريات العَلمنة ومساهمة معمقة في تطوير صيغة مركبة وجديدة لنظرية العلمنة. ويشير الكاتب إلى عملية التأريخ كتحد للرواية الدينية، فالتأريخ مهمة علمانية. ويبيّن أن الحداثة قد تؤدي في بداياتها قبل علمنة الوعي إلى انتشار التدين مع انتشار القراءة والطباعة، ولا سيما حين يصبح الدين جزءًا من الهوية الوطنية في بعض الحالات. وخلافًا لما هو شائع فإن هيمنة الكنيسة على السلطات الدنيوية انتهت قبل الحداثة، وهذا يعني أن بداية الحداثة كانت في إخضاع الدين للدولة وليس فصل الدين عن الدولة.