العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الهجرة المغاربية الخارجية هولندا نموذجًا

الهجرة المغاربية الخارجية هولندا نموذجًا

Foreign Migration from North Africa: The Example of Holland

عبد القادر الأطرش*

الملخّص

الكتاب: هجرة العمالة من المغرب العربي إلى أوروبا: هولندا نموذجًا الكاتب: هاشم نعمة فياض مكان النشر: الدوحة/ بيروت الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تاريخ النشر: 2012 عدد الصفحات: 160

Abstract

Book title: Labor Migration from the Arab Maghreb to Europe: The Example of Holland Author: Hashim Nima Fayyad Place of publication: Doha/Beirut Publisher: ACRPS Date of publication: 2012 Number of pages: 160

الكلمات المفتاحية:
  • الهجرة المغربية
  • أوروبا
  • العمالة
  • الهجرات الدولية
Keywords:
  • Moroccan Migration
  • Europe
  • International Migration
  • Labor

هولندا نموذجًا

الكتاب الكاتب

: هاشم نعمة فياض

مكان النشر

: الدوحة/ بيروت

الناشر تاريخ النشر عدد الصفحات: ٠٦١

تتناول هذه الدراسة أحد المجالات البحثية التي عرفت في العقود الثلاثة الأخيرة توسعًا في العلوم الاجتماعية، ألا وهو الهجرات الدولية. ويعود تنامي دراسة الهجرات الدولية إلى توسع حجم هذه الهجرات عبر العالم، وبروز إشكاليات مجتمعية وسكانية وثقافية وتشريعية واقتصادية جديدة في الدول المستقبلة للمهاجرين، بل حتى في الدول التي ترسلهم، وهو ما استدعى اعتماد سياسات اجتماعية جديدة: هجرة العمالة من المغرب العربي إلى أوروبا: هولندا نموذجًا

: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

في برامجها تأخذ في عين الاعتبار التحديات المتولدة عن الهجرات الدولية. تشمل دراسة الهجرات الدولية، التي أصبحت أحد المكونات الأساسية للعلوم الاجتماعية، جملة من المحاور البحثية، منها ما يرتبط بالسياق التاريخي لبروز الهجرات الدولية، وتحليل تأثيراتها في واقع الدول المستقبلة السكاني والاجتماعيِ والثقافي والأمني، ودراسة العلاقة بين الهجرة والتنمية، وهجرة الكفاءات؛ ومنها ما يرتبط

بتحليل واقع الجوالي الأجنبية المقيمة في الخارج، لتبرز تدريجيًا فرق عمل يتخصص كل واحد منها بأحد المجالات المذكورة، من دون أن يؤسس ذلك لميلاد مدارس فكرية متخصصة، بل بالعكس، ما زالت دراسات الهجرات الدولية تجمع بين مجالات علمية وتخصصات متعددة، وذلك على الرغم من وجود تمايزات بين المقاربات الأنغلوسكسونية والفرنكوفونية واللاتينية؛ تمايزات ترتبط أساسًا بدور الدولة وطبيعة نشأتها وتكوينها، ولاسيما مكانة الآخر أو الأجنبي. وإذا كانت دراسة الهجرات الدولية قد عرفت توسعًا وتنوعًا في العقود الاخيرة في كلٍّ من أوروبا وأميركا الشمالية وأميركا الجنوبية، فإنها أوجدت مجالً علميًا وبحثيًا مستقلً، إلا أن واقع دراسة الباحثين العرب الهجرات الدولية في البلدان العربية، ولا سيما باللغة العربية، سواء ما ارتبط منها بدراسة الهجرات الدولية في المنطقة العربية أو بدراسة الهجرات العربية إلى الخارج، ما زال متواضعًا. وهذه الدراسة، التي تخص أحد المكونات الرئيسية للهجرات العربية المعاصرة، هي مساهَ ة في إثراء البحوث الاجتماعية المتخصصة بدراسة الهجرات العربية المعاصرة وتحليلها، بل وحتى في توسيع المجالات البحثية المرتبطة بالهجرات الدولية باللغة العربية. يضاف إلى ذلك أن الدراسة شملت جملة من المجالات الرئيسية في دراسة وتحليل الهجرات الدولية المرتبطة بتحليل السياق التاريخي للظاهرة، والجانب السكاني للهجرة، ولا سيما التحليل الديموغرافي لتركيبة المهاجرين، والوقوف على طبيعة علاقات المهاجرين ببلدان إقامتهم، ومناقشة قضايا الاندماج والعنصرية وإشكالياتهما. يضاف إلى ذلك مناقشة قضايا مساهمة المهاجرين في التنمية، ومواقف الدول الأصلية من الهجرة، فتجمع هذه الدراسة بذلك بين مجالات معرفية متنوعة، شأنها شأن كثير من الدراسات المتعلقة بالهجرات الدولية المنشورة في عدد كبير من مناطق العالم، معتمدة في ذلك على أدوات تحليلية تشمل جملة من تخصصات العلوم الاجتماعية، كعلم الاجتماع، والديموغرافيا، والتاريخ والعلوم السياسية، علاوة على توقفها عند تحليل المقاربات المؤسساتية السائدة في إدارة الهجرات الدولية، سواء أكانت المقاربات الدولية (الأمم المتحدة) من خلال الوقوف على إشكالية الهجرة والتنمية التي تُعَدّ أحد مرتكزات خطاب الأمم المتحدة في التعاطي مع الهجرات الدولية، أم المقاربات الوطنية (سياسة المغرب) من خلال تحليل السمات الرئيسية لتوجهات الدولة في التعاطي مع مختلف جوانب الهجرات المغربية، بل وحتى الهجرات الدولية إلى المغرب، لتغطي هذه الدراسة، ولو بعجالة، المجالات البحثية الضرورية في مثل هذه الدراسات، وذلك من خلال توفيقها بين تحليل دور مختلف المحددات البنيوية المؤثرة في الهجرات الدولية ومكانة هذه المحددات. حدد الإطار العام للدراسة المنطلقات العلمية والمنهجية للبحث، وكذلك التحديات التي تعترض الباحث في مثل هذه الدراسات، ولا سيما تلك المتعلقة بوفرة البيانات وطبيعتها، ليختزل الباحث مقاربته إلى دور بعض المحددات البنيوية التقليدية، كدور العالم التاريخي، كما جاء ذلك في الفرضية الأولى للبحث، وهي الفرضية التي تقوم على استمرارية ارتباط الهجرات المغاربية بهوية المستعمر. غير أن واقع الهجرات المغاربية، بما في ذلك الهجرات المغربية، تجاوز التأثير الحصري للعامل التاريخي؛ فجغرافية الهجرات المغاربية تشمل اليوم أوطانًا بعيدة، كدول أميركا الشمالية (الولايات المتحدة الأميركية وكندا) التي تستقبل عشرات الآلاف من المهاجرين المغاربة، يضاف

إلى ذلك الهجرات المغاربية إلى الدول العربية البعيدة كالدول الخليجية، أو الهجرات بين الدول المغاربية. أمّا في ما يتعلق بالهجرات القريبة، فإن الهجرات المغاربية تشمل بلدانًا أوروبية لا تربطها بها علاقات تاريخية بالضرورة، كإيطاليا وبلجيكا وألمانيا، وحتى هولندا والدول الاسكندنافية، ليغيب عن الدراسة دور تأثير عولمة الهجرات الدولية في خارطة حركية المهاجرين المغاربة اليوم٬ وهي تحولات تشترك فيها هجرات دولية كثيرة منذ نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحالي. وإذا كانت الهجرة لا تزال ترتبط بواقع التنمية في البلدان المغاربية، فإنها تتأثر كذلك بالفوارق التنموية بين دول الشمال والجنوب، وبقدرات اقتصاديات الجنوب على توفير فرص عمل للأجيال الجديدة من المغاربة، ذكورًا وإناثًا، ليبرز عاملا التاريخ والتنمية من بين المحددات الأساسية للهجرات المغاربية، لكن هذا لا يعني أن دورهما يبقى حصريًا، وذلك لارتباط الهجرات الدولية، بما فيها الهجرات المغاربية، بعوامل أخرى لها علاقة باستراتيجيات الأفراد والجماعات، بل وحتى عوامل مؤسساتية. هذا ويُعَدّ طبيعيًا وجود تباينات في تركيبة الجوالي، لكن هذا لا يعني أن تركيبة المهاجرين المغاربة متجانسة؛ إذ إن تركيبة المهاجرين المغاربة تعرف أشكالً من التفاوت الداخلي تعود إلى خصائص المهاجرين عند الهجرة، ولا سيما السن والحالة الاجتماعية والمستوى التعليمي ومكانة النساء والأطفال في التدفقات السنوية للمهاجرين، والأصول الجغرافية للمهاجرين، ومكانة سكان المدن والأرياف في كل تيار. تحتوي الدراسة على ستة عشر فصلً، يتناول كل واحد منها جانبًا من جوانب دراسة الهجرات الدولية وتحليلها. وقد نجح الكاتب في التوفيق بين محتويات الفصول بحيث جعل كل واحد منها جزءًا من الدراسة، وهو ما يشهد على تمك ن الباحث من موضوعه، وحرصه على الإحاطة بجوانب البحث المختلفة بأسلوب سلس وواضح. تناول الفصل الأول، الذي يُعتبر مدخلً تاريخيًا للبحث، تطور هجرة العمالة من بلدان المغرب العربي، حيث عرض الباحث لأهم التحولات التاريخية للهجرات المغاربية، ولا سيما تحولاتها الكمية ووجهاتها، بل وحتى تركيبتها، بغية توضيح صورة المسار التاريخي للهجرات المغاربية في العقود الأخيرة. وكان من الممكن أن يكتمل جهد الباحث في تحليل المسار التاريخي للهجرات المغاربية من خلال التوسع في تحليل وجهات كل تيار من تيارات الهجرات المغاربية، لأن مسارات الهجرات المغاربية ليست متجانسة بل ثمة تباين بين الهجرات الجزائرية والمغربية والتونسية. والتوسع هذا يخص خارطة المهاجرين وبعض خصائصهم، وبالتالي تبدو الهجرات المغاربية غير متجانسة المسار، بل هناك خصوصيات تميز بين التيارات الثلاثة. أمّا الفصل الثاني، فيتناول الباحث فيه أهم مراحل تطور هجرة العمالة المغربية في العقود الأخيرة، وتوقف عند أهم التحولات، مبرزًا دور توجهات الدول المستقبلة للعمالة المغربيةِ، كفرنسا أو بلجيكا، في مدى حاجتها إلى استقبال العمال المغاربة، من جهة، ودور المغرب في تنويع هجراته من خلال إبرام اتفاقيات تنقّل لمواطنيه مع عدد كبير من الدول، من جهة أخرى، فيبرز، في فترات تاريخية معيّنة، دور الدول في توسيع حجم الهجرات الدولية. في الفصل الثالث، يجري تناول أسباب هجرة المغاربة، فيشير الباحث إلى تعدد أسباب الهجرات المغاربية وتداخلها، مع التركيز أكثر

على العوامل التاريخية الناتجة من تحولات المجتمعات المغاربية واقتصادياتها من جرّاء تسلط المستعمر. يضاف إلى ذلك دور الضغوط الديموغرافية في تفعيل الهجرات الدولية التي ترتبط كذلك بقضايا الاندماج والإقصاء التي يعانيها الأفراد والجماعات، ناهيك عن العوامل السياسية التي تُعَدّ في كثير من الحالات أحد عوامل تنشيط الهجرات الدولية، وبالتالي ليست تركيبة المهاجرين منسجمة إداريًا، نظرًا إلى وجود مهاجرين ينتمون إلى فئات إدارية متنوعة، فمنهم العمال وذووهم والشباب والقصّ وأصحاب الكفاءات، ومنهم كذلك المهاجرون غير الشرعيين، يضاف إليهم من تركوا أوطانهم قسرًا، لتتعدد بذلك أسباب الهجرات. أمّا الفصل الرابع، فيتناول تطور هجرة العمالة المغربية إلى هولندا وظروف نشأتها وتوسعها التي يعزوها إلى إنتاج ظروف نشأة الهجرات المغربية نفسها إلى باقي الدول الأوروبية، والمتمثّلة في توسع هجرة العمال الرجال، وجمع شمل الأ، سر وتكوين أُسر مغربية مقيمة. يلي ذلك بداية تراجع مستوى وجود المهاجرين أو من هم من أصول مغربية، سواء من خلال العودة إلى المغرب أم من خلال الهجرة إلى بلد آخر. يُعنى الفصلالخامسبمصادر هجرة العمالة في المغرب، ويبيّ فيه الباحث الأصول الجغرافية للمهاجرين المغاربة في هولندا، ولا سيما في المدن والمناطق التي ينحدرون منها في المغرب، ليتبين أن أغلبية مهاجري الجيل الأول إلى هولندا هي من منطقة الريف في شمال المغرب، وخصوصًا من سكان أقاليم الناظور والحسيمة وتطوان، في حين أن نصف الجيل الأول من المهاجرين الذين أقاموا في هولندا كان قد ولد في إقليم تازة وينحدر من مناطق بين جبال الريف والأطلس المتوسط، ومن أقاليم ومدن كبرى، مثل ورززات وطنجة والدار البيضاء ومكناس وفاس ومراكش والرباط، لتتعدد بذلك مصادر الهجرات المغربية إلى هولندا، ولتشمل أقاليم ومدنًا متعددة وذات مستويات تنموية متباينة، وتركيبة سكانية وثقافية متنوعة. لكن، هل تعيد مصادر الهجرات المغربية إلى هولندا إنتاج تركيبة مصادر الهجرات المغربية كلها، أم هنالك خصوصيات للهجرات المغربية إلى هولندا؟ وقد كان من الممكن اعتماد مقارنات بين بعض الهجرات المغربية حتى تتبين خصوصيات الهجرات المغربية إلى هولندا من إجمالي الهجرات المغربية كلها وما يجمعهما. في الفصل السادس تحليل للتوزيع الجغرافي للمهاجرين في هولندا، فيبرز تركز المهاجرين المغاربة في المدن الكبرى؛ ففي سنة 2008، كان 9 في المئة من المهاجرين المغاربة يقطنون في أمستردام، ونحو 9 في المئة في أوترخت، وأكثر من 6 في المئة في روتردام، وما يزيد على 5 في المئة في لاهاي، وأكثر من 3 في المئة في الميرا، وهو ما يشترك فيه المهاجرون المغاربة مع بقية المهاجرين أو الجوالي الأجنبية المقيمة في هولندا، في حين يتركز المهاجرون الذين جاؤوا بصفة اضطرارية (على حد تعبير الكاتب)، مثل اللاجئين العراقيين، في البلديات الصغيرة. وإذا كانت أغلبية المهاجرين المغاربة وبقية المهاجرين في هولندا تقيم بالدرجة الأولى في المدن الكبرى نظرًا إلى تعدد فرص العمل فيها، فإن التباينات بين الجوالي كان يمكن ربطها بمستويات وجود كل واحدة منها بحسب القطاعات الاقتصادية والمهن، ليتقاطع التوزيع الجغرافي مع النشاط الاقتصادي، ولا سيما مع وجود خصائص لكل يد عاملة مقيمة في الخارج، ومرتبطة في كثير من

الحالات بتركيبة سوق العمل المحلية وطبيعة الأنشطة السائدة فيها. يتوقف الفصل السابع عند تحليل بنية المهاجرين المغاربة العمرية والجنسية، فيبيّ أن التركيبة المغربة العمرية تتميز بهيمنة من هم تحت سن 19 سنة، مقارنة بالهولنديين الأصليين والأتراك والعراقيين، ووجود محدود لنسبة الأشخاص في سوق العمل مقارنة بالمجموعات الوطنية الأخرى. هذا ويطغى على تركيبة المهاجرين المغاربة العمرية الطابع الذكوري، وهو ما يرتبط بتاريخ الهجرة المغربية على الرغم من وجود تباينات في بعض الوجهات، ولا سيما الهجرات المغربية الحديثة إلى إسبانيا أو كندا، أو هجرات الطلبة التي تتميز بنصيب كبير للإناث. يتناول الفصل الثامنأحد المجالات الرئيسية في دراسة واقع المهاجرين الديموغرافي المرتبط بسلوكياتهم الإنجابية أو الخصوبة. ولعل ما يميّز مستوى خصوبة المغربيات في هولندا هو ارتفاع معدل إنجابهن مقارنة بالمغربيات في المغرب، شأنهم شأن المغربيات في باقي البلدان الأوروبية، على الرغم من وجود مؤشرات على تراجعه مستقبلً. لكن، هل هذا يعود إلى تراجع عدد المهاجرين المغاربة من الجيل الأول؟ إن تحليل خصوبة المهاجرات يتطلب اعتماد أدوات تحليلية تساهم في فهم الفوارق بين مستويات الإنجاب لدى من هاجرن ومن لم تهاجرن، وتحديد مكانة بعض العوامل، كالمستوى التعليمي ومشاركة النساء في سوق العمل وأصولهن الجغرافية، وهي عوامل تؤثر مباشرة في السلوكيات الإنجابية للمغربيات اللواتي لم تهاجرن، لأن واقع الخصوبة في المغرب ليس متجانسًا بين جميع النساء، بل يتأثر بالمستوى التعليمي ومكان الإقامة (الحضر والريف...) وعمل المرأة، وبالتالي، فإن تحليل واقع الخصوبة يتطلب الرجوع إلى إدماج سلوكيات الأفراد في البلد الأصلي، وذلك لارتباط تحليل الهجرات الدولية بواقعَي الهجرة من

ويتوقف الباحث في الفصلالتاسعمن البحث عند دراسة واقع الوفيات بين المهاجرين المغاربة؛ إذ تشير البيانات إلى انخفاض معدل الوفيات بين فئات المغاربة العمرية المختلفة، لكنه يبقى مرتفعًا مقارنة بواقع وفيات الهولنديين مهما تعددت أعمارهم. مع هذا، يبقى معدل الوفيات الرضع وسط الجالية المغربية مرتفعًا، ففي الفترة 2002 – 2006 بلغ المعدل 5.5 في الألف. أمّا معدل وفيات الرجال ما فوق ال 40 سنة، فإنه يبقى منخفضًا نسبيًا مقارنة بالرجال من باقي الجوالي. وفي ما يتعلق بمعدل الوفيات لدى النساء المغربيات، فإنه يقترب من واقع وفيات الهولنديات الأصليات. وإذا كان واقع الوفيات يرتبط بمستويات المشاركة في سوق العمل، فإن لطبيعة المهن، وخاصة المهن الشاقة أو الصعبة، دورًا في تحديد حجم الوفيات بين النشطين والنشطات اقتصاديًا. أمّا البنية العائلية التي تناولها الفصل العاشر من الدراسة، فإنها تبيّ كثرة المتزوجين بين المغاربة (47 في المئة)، وهو ما يشترك فيه المغاربة والأتراك، في حين أن نسبة الأطفال الذين يعيشون وحدهم لا تتجاوز 12 في المئة عند الجاليتين. وبالنسبة إلى حالات الزواج المختلط بين المغاربة والسكان الهولنديين، فهي قليلة، في حين يتميز زواج المغاربة بارتفاع عدد الزوجات من خارج هولندا؛ فقد تزوج رُبع الرجال المغاربة نساء خارج هولندا، في مقابل نسبة 17 في المئة عند النساء المغربيات. وإذا

كان لقوانين الهجرة، والتحولات الديموغرافية للجوالي المهاجرة، ولاسيما وزن مستويات وجود المهاجرين من الجيلين الأول والثاني، وقضايا الاندماج، تأثير في طبيعة زواج المهاجرين، فمن غير الممكن بخس دور عوامل اجتماعية، كواقع الزواج بين أفراد الأسرة نفسها أو المدينة نفسها أو القرية نفسها، أو تأثير المستوى التعليمي للمهاجرين والمهاجرات في اختيار الزوج. هذا ولا يمكن الفصل بين تحولات منظومة الزواج في المغرب وزواج المهاجرين المغاربة. على صعيد البنية التعليمية للمهاجرين المغاربة، جرى في الفصل الحادي عشر الوقوف على المستوى التعليمي للجيل الأول من العمال المغاربة والتحصيل العلمي للتلاميذ المغاربة من الجيل الثاني. فجاء أن المستوى التعليمي للجيل الأول من المهاجرين المغاربة، الذين يتكونون من الأيدي العاملة غير الماهرة، متدن والأمية متفشية بينهم، كما لا يزال التحصيل الدراسي لدى أبناء الجيل الثاني من المهاجرين المغاربة منخفضًا مقارنة بالهولنديين. ويتوجه الطلاب المغاربة عمومًا نحو الدراسات الاقتصادية في مقررات التعليم المهني العالي، ونسب الرسوب بينهم عالية. أمّا في ما يتعلق بالتعليم العالي، فإن الاقتصاد والحقوق يستقطبان أكثر الطلاب، مع وجود تباين في مستويات التحاق الذكور والإناث بكل واحد منهما. وما زال مستوى التحاق المغاربة بالتعليم العالي متخلفًا على الرغم من التوسع الذي شهدته الفترة 2003 – 2004، وهذا قاسم مشترك بين الطلاب المغاربة في هولندا والطلاب المغاربة في بلجيكا. وتتشابه البنية التعليمية للمهاجرين المغاربة في كلٍّ من إسبانيا وايطاليا، لتعيد ظروف إنتاج الهجرات المغاربية إلى البنى التعليمية نفسها للمهاجرين المغاربة في عدد كبير من البلدان الأوروبية. لكن هذا لا يعني أن البنية التعليمية أو المستوى التعليمي للمهاجرين المغاربة ما زالا متدنيين في معظم الدول الأوروبية، بل بالعكس، فهناك الكثير من التحولات التي تشهد على ارتقاء المستوى التعليمي للمهاجرين المغاربة أو من هم من أصول مغاربية؛ تحولات تبرز جليًا في مستويات وجود المغاربة في المهن العليا في عدد كبيرمن القطاعات الاقتصادية والحيوية في الولايات المتحدة الأميركية وكندا، وحتى في فرنسا أو بلجيكا؛ فالهجرات المغاربية الحديثة والمتكونة من حمَلة شهادات، من مهندسين وأطباء وباحثين وطلبة، أحدثت تحولات في مجالات عدة، بما فيها البنية التعليمية للمهاجرين، حتى وإن سلّمنا بوزن الهجرات المغاربية الأولى في إجمالي الهجرات المغربية. وبالتالي، فإن التحليل الكامل لمسار الهجرات والمهاجرين يتطلب اعتماد نوعين من البيانات: البيانات الكلية التي تتوقف عند إجمالي خصائص المهاجرين، والبيانات السنوية أو الفصلية التي تصف خصائص المستقدَمين الجدد أو الأفواج الجديدة من المهاجرين. وفي ما يتعلق بالبنية التعليمية، تناول الفصل الثاني عشر البنية المهنية، فأشار إلى أن المهاجرين المغاربة يتميزون بسرعة ترك العمل، على الرغم من مشاركتهم في كثير من القطاعات الاقتصادية، ولا سيما الحكومية منها. يضاف الى ذلك أنهم أقل مشاركة في سوق العمل، مقارنة بالهولنديين، بل وحتى بكثير من أفراد الجوالي الأجنبية الأخرى المقيمة في هولندا. ومن شأن هذا أن يرفع معدل البطالة بين المغاربة، ويجعل عددًا كبيرًا منهم يعتمدون على الإعانة الاجتماعية. وهناك تباين في مستويات المشاركة في سوق العمل والبطالة لدى الجيلين الأول والثاني، إذ إن فرص الحصول على العمل بالنسبة

الثاني أكثر من فرص توظيف عمال إلى الجيل من الجيل الأول. ويتميز المغاربة بتدنّ دخلهم السنوي مقارنة بالسكان الأصليين والأتراك. وإذا كانت المؤشرات المعتمَدة تعطي صورة عن الواقع الاقتصادي للمهاجرين المغاربة، فإن تحليل مثل هذه القطاعات يتطلب اعتماد مؤشرات وتحليلات أخرى ترتبط ببعض المحددات الاقتصادية التي لا يمكن التقليل من دورها، ولا سيما المحددات المرتبطة بتأثير سوق العمل غير النظامية، على واقع المهاجرين الاقتصادي، يضاف إلى ذلك دور الأنشطة الاقتصادية بين بلد الإقامة والبلد الأصلي. ويفترض أن يكون توسّع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة باستهلاك الجوالي، كاللحم الحلال والمطاعم الحلال واللباس الديني... قد ساهم في خلق فرص عمل جديدة غير مستقرة وغير نظامية، غير أنه يساهم في القضاء على البطالة بين النشطين المغاربة وفي رفع دخولهم. بعد ما تقدّم، يعالج الفصل الثالث عشر إحدى الإشكاليات الصعبة المترتبة عن الهجرات الدولية والخاصة بالاندماج في المجتمع الهولندي. وعلى عكس المجالات التي عولجت في الفصول الأولى من الدراسة بالاعتماد على مؤشرات كمية، فإن دراسة موضوع الاندماج تقوم على تحليل انطباعات الأفراد وأحاسيسهم. ويلاحظ الكاتب هنا أن نطاق اندماج الكثير من المغاربة مع أبناء بلدهم أوسع، في حين تشعر مجموعة أخرى بالانتماء إلى هولندا والمغرب في الوقت نفسه. أمّا اندماج أبناء الجيل الثاني من المهاجرين مع مجموعاتهم الأصلية، فهو أقل، لتتعدد بذلك انطباعات المهاجرين المغاربة تجاه تعريف اندماجهم الاجتماعي. وفي ما يتعلق بمظاهر اندماج المغاربة، فلا تزال نسبة اهتمام المغاربة بالسياسة منخفضة، لكن هذا لا يلغي وجودهم في الوظائف المنتخبة، كما هو الشأن بالنسبة إلى بلدية روتردام التي يرأسها عمدة من أصول مغربية. أمّا في المجال الفكري والأدبي، فإن أدباء من أصول مغربية يساهمون بإبداعاتهم في القصة والشعر والرواية باللغة الهولندية. لكن على الرغم من النجاحات غير القليلة، فلا يزال اندماج المغاربة في المجتمع الهولندي ضعيفًا، لكن هذا لا يعود إلى تعدد المنظمات الخاصة بالمغاربة، بل إلى عدم تنوع مجالاتها وغياب مبادرات انفتاحها على الثقافة الهولندية والسعي إلى التقريب بين الثقافة المغربية والثقافة الهولندية. يضاف إلى ذلك أن الانطباع أو الإحساس بالاندماج يرتبط كذلك برؤية الآخر، سواء أكان ذلك في البرامج التعليمية والإعلام وبرامج الأحزاب السياسية والسياسات الاجتماعية، أم بالخطاب السياسي المرتبط بقضايا الأمن والهوية.... ويتناول الباحث في الفصل الرابع عشر إحدى القضايا المحورية التي تطرحها الهجرات الدولية على المجتمعات المستقبلة للمهاجرين والمرتبطة بتصاعد العنصرية. وقد شهدت بلدان أوروبية عدة في السنوات الأخيرة تنامي مواقف عدائية تجاه المهاجرين عامة والمهاجرين العرب والمسلمين على وجه الخصوص، وهوما أدى إلى بروز «إسلاموفوبيا» معل نة. ويتزامن هذا الوضع مع انكماش فرص العمل في أسواق العمل الأوروبية وتراجع السياسات الاجتماعية، بحيث تُرفع شعارات سياسية معادية للمهاجرين العرب مبنية على صعوبة اندماج العرب والمسلمين في المجتمعات الأوروبية، لتصبح بذلك إشكالية اندماج المهاجرين إحدى أولويات الحكومات في

كثير من الدول الأوروبية، بل وحتى أولويات الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الدولية من خلال سن تشريعات تلزم الدول بضرورة ضمان مختلف أنواع الحماية للمهاجرين، ووضع سياسات اجتماعية تساهم في تسريع عملية اندماجهم؛ سياسات حققت نتائج متباينة هنا وهنالك، لكنها تؤكد الطابع المؤسساتي لعملية اندماج المهاجرين واعتبارهم جزءًا لا يتجزأ من بلدان اقامتهم. في الفصل الخامس عشر، يتوقف الباحث عند تحليل إحدى القضايا المستجدة في دراسة الهجرات الدولية والمتمثّلة في الدور الإيجابي لهذه الهجرات، ومساهمتها المتعددة في التنمية المحلية في بلدان المهاجرين الأصلية، وذلك من خلال التركيز على دور تحويلات المهاجرين التي يعتبرها كثيرون أحد المؤشرات على ارتباط المهاجر ببلده، وعلى مساهمتها في إجمالي الناتج المحلي وفي خفض مستوى الفقر، والمساهمة في التنمية المحلية... ممّا لا شك فيه أن للهجرات الدولية دورًا في تحقيق نمو معيّ في كثير من الحالات، غير أن هذا النمو يبقى محدودًا ومرهونًا بجملة من المحددات المؤسساتية والاقتصادية، بل وحتى المجتمعية التي تحكم الواقع الاقتصادي في دول الإقامة، وتشريعات الدول الأصلية، وحتى طبيعة علاقة المهاجرين وأبنائهم ببلدانهم وبلدان آبائهم، وهو ما قد يقلل من الدور المعوَّل عليه لتحويلات المهاجرين العينية لتحل محلها تحويلات اجتماعية ومعرفية ومجتمعية دائمة. يختم الكاتب في الفصل السادس عشر من دراسته بتحليل سياسة المغرب تجاه الهجرة، وذلك من خلال تفكيك توجهات المغرب في هذا المجال. وقد حظيت الهجرة المغربية باهتمام مؤسساتي واسع برز جليًا من خلال إنشاء مؤسسات حكومية مختصة في إدارة شؤون المغاربة المقيمين في الخارج، وإدماج قضايا الهجرة إلى الخارج في التشريعات الوطنية. وتتبنّى الحكومة المغربية موقفًا إيجابيًا من الهجرة الخارجية للمغاربة، وتعمل على تنظيمها. ويعمل المغرب على تقوية روابط المهاجرين المغاربة بوطنهم، والدفاع عن حقوق المغاربة المقيمين في الخارج، ناهيك عن تشجيع المغاربة على المساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية في المغرب. لا ريب في أن هذه الدراسة ساهمت في إثراء الدراسات المعنية بالهجرات الدولية في البلدان العربية، وباللغة العربية، لتفتح الباب أمام دراسات مماثلة للجوالي العربية المقيمة في الخارج ولتأسيس مدرسة فكرية عربية مختصة في هذا المجال العلمي، وذلك من خلال اعتماد المنهج المقارن وأدوات تحليلية مبتكرة، ورصد المستجدات البحثية في مجال الهجرات الدولية.