العودة إلى تفاصيل المؤلَّف إشكالية العنف الهوياتي في ضوء الحراك الاجتماعي في المنطقة العربية

إشكالية العنف الهوياتي في ضوء الحراك الاجتماعي في المنطقة العربية

The Problematic of Identity-based Violence in Light of Social Mobility in the Arab Region: The Case of Morocco

عبد الحميد بنخطاب*

الملخّص

منذ اندلاع ما يُصطلَح عليه بالربيع العربي في المنطقة العربية، تَطرح مسألة الهوية والمطالب المتعلقة بها إشكالات متعددة الأبعاد؛ ففي دول هذه المنطقة، تُفترض الاستجابة الفورية للمطالب السياسية المتعلقة بالاعتراف بالهويات الجماعية والفردية المتصلة باحترام الحقوق الأساسية الفردية والجماعية من جهة، وتدبير المخاطر الأمنية والسياسية الناجمة عن ذلك من جهة أخرى. يحدث ذلك في سياق اجتماعي وسياسي عربي يقوم أساسًا على منطق التدبير الشخصاني للتوحد بدلًا من التدبير المؤسسي للاختلاف، وهو ما يعقّد صيرورة الانتقال نحو الديمقراطية وبناء دولة القانون والمؤسسات. ويزداد التعقيد في غياب نقاش نظري سياسي وثقافي عمومي، يسمح بتحديد دقيق لسقف السياسات الهواية الممكنة والواجبة ولمضمونها في المنطقة في أفق تحقيق دولة القانون الديمقراطية. لفهم المخاطر والفرص المترتبة عن هذا السياق السياسي، يجب الوقوف عند الزوايا التالية: الزاوية النظرية والمنهجية، التي تساعد على مقاربة إشكالية الهوية مفهومًا علميًا كثيرًا ما يساء فهمه أو شحنه بعدد كبير من الرؤى والتصورات الأيديولوجية والإقصائية، بل وحتى العنصرية في بعض الحالات؛ زاوية العنف والمخاطر الأمنية اللذين تنتجهما جدلية السلطوية والمطالب الهوياتية؛ زاوية السيناريوهات المحتملة لتدبير المخاطر المتعلقة بالاعتراف بالهوية، في ضوء التجارب السياسية الدولية في هذا المجال، مثل النماذج الإسباني والإيطالي والفرنسي.

Abstract

Since the eruption in the Arab region of what has been termed The Arab Spring, the question of identity and related demands has given rise to multi-dimensional dilemmas. One of the most pressing dilemmas involves the balancing of expectations of immediate response to the political demands for recognition of individual and collective identities and respect for basic human and collective rights with the management of related security and political dangers that arise from such recognition. This dilemma exists within an Arab social and political context based essentially on the logic of personal governance on unitary lines. This is opposed to a system of institutional governance based on differentiation, something which complicates the transition towards democracy and the construction of a state of law and institutions. To understand the risks and opportunities associated with this political context, this paper considers the following: the theoretical and methodological aspects that facilitate an approach to the problem of identity as a scientific concept (one that is often misunderstood or loaded with all manner of ideological and exclusionary – and sometimes racist – visions and perceptions); the violence and security-related risks generated by the dialectic of authoritarianism and identity-based demands; and the possible scenarios for the management of risks associated with recognizing identities in light of international political experiments in this area such as have been seen in Spain, Italy, and France.

الكلمات المفتاحية:
  • العنف الهوياتي
  • الربيع العربي
  • السلطوية
  • الحركات الاحتجاجية
  • الحركات المدنية
  • جسد الفرد
Keywords:
  • Identity
  • related Violence
  • Morocco
  • Arab Spring
  • Authoritarianism
  • Protest Movement
  • Civil Movements
  • Individual’s Body

نموذج المغرب

منذ اندلاع ما يُصطلَح عليه بالربيع العربي في المنطقة العربية، تَطرح مسألة الهوية والمطالب

المتعلقة بها إشكالات متعددة الأبعاد؛ ففي دول هذه المنطقة، تُفترض الاستجابة الفورية

للمطالب السياسية المتعلقة بالاعتراف بالهويات الجماعية والفردية المتصلة باحترام الحقوق

الأساسية الفردية والجماعية من جهة، وتدبير المخاطر الأمنية والسياسية الناجمة عن ذلك

من جهة أخرى. يحدث ذلك في سياق اجتماعي وسياسي عربي يقوم أساسًا على منطق التدبير الشخصاني

للتوحد بدلً من التدبير المؤسسي للاختلاف، وهو ما يعقّد صيرورة الانتقال نحو

الديمقراطية وبناء دولة القانون والمؤسسات. ويزداد التعقيد في غياب نقاش نظري

سياسي وثقافي عمومي، يسمح بتحديد دقيق لسقف السياسات الهواتية الممكنة والواجبة

ولمضمونها في المنطقة في أفق تحقيق دولة القانون الديمقراطية. لفهم المخاطر والفرص المترتبة عن هذا السياق السياسي، يجب الوقوف عند الزوايا التالية:

الزاوية النظرية والمنهجية، التي تساعد على مقاربة إشكالية الهوية مفهومًا علميًا كثيرًا ما

يساء فهمه أو شحنه بعدد كبير من الرؤى والتصورات الأيديولوجية والإقصائية، بل

وحتى العنصرية في بعض الحالات؛ زاوية العنف والمخاطر الأمنية اللذين تنتجهما جدلية

السلطوية والمطالب الهوياتية؛ زاوية السيناريوهات المحتملة لتدبير المخاطر المتعلقة

بالاعتراف بالهوية، في ضوء التجارب السياسية الدولية في هذا المجال، مثل النماذج الإسباني

والإيطالي والفرنسي.

مقدمة منذ اندلاع ما يصطلَح عليه بالربيع العربي في المنطقة العربية، تطرح مسألة العنف الهوياتي

والمطالب السياسية المرتبطة بها إشكالات متعددة الأبعاد؛ ففي دول هذه المنطقة، تُفترض

الاستجابة الفورية لزخم هائل ومتصاعد من المطالب المادية والاجتماعية للمواطنين، بالإضافة إلى

المطالب السياسية والرمزية المتعلقة بالاعتراف بالهويات الجماعية والفردية المتصلة باحترام الحقوق

الأساسية الفردية والجماعية، بما يترتب عن ذلك من مخاطر أمنية وسياسية تقوّض بصورة حتمية استقرار

الأنظمة وتوازنها. يحدث هذا في سياق اجتماعي وسياسي إقليمي يتأرجح بين ثنائية السلطوية والأنوقراطية، ويقوم

أساسًا، ولو بشكل متفاوت، على منطق التدبير الشخصاني المبسط لوحدة الدولة والعقيدة والشعب

والمجال، بدلً من التدبير المؤسسي لاختلاف جميع هذه الأبعاد المتشعبة والمعقدة وتعددها في المجتمعات

المعاصرة، وهو ما يعقّد صيرورة الانتقال نحو الديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات، ويزيد من

مخاطر العودة إلى السلطوية كلما عجزت المؤسسات الرسمية عن تلبية المطالب الاجتماعية والهوياتية،

ويضاعف احتمالات اللجوء إلى العنف الهوياتي كلما استحال على الحركات الاجتماعية تحقيق مطالبها

الاجتماعية والثقافية عن طريق القنوات المؤسساتية التقليدية، وكلما زاد إحباطها النسبي تجاه إمكانية

تحقيق انتظاراتها؛ فالعنف والعنف المضاد في هذا السياق يظلان آلية تقليدية للتبادل الاجتماعي، يلجأ

إليها الفاعلون السياسيون والاجتماعيون لتحقيق مطالبهم الهوياتية وأهدافهم السياسية المرتبطة بها، كلما

تصوروا أن بنية الفرص التي تتيحها تفوق بشكل جلي تلك التي يمكن تحقيقها عبر القنوات الرسمية

وعبر الاحتجاج السلمي والمفاوضات. في هذا السياق، يُعَدّ تعريف العنف والعنف الجماعي عملية صعبة بالنظر إلى أن تعريف ماهية المفهوم يُسفر

في النهاية عن موقف قيمي سلبي تجاهه؛ موقف لا يسمح مطلقًا بفهم جميع تجلياته المتحولة التي يمكن

وصفها بالسائلة؛ ذلك أن تعريف العنف انطلاقًا من ماهيته المجردة يحجب كل إمكانية لفهم المعنى الذي

(((الأنقراطية (Anocratié) نظام حكم هجين أو انتقالي، لا هو أوتوقراطي ولا هو ديمقراطي بالمعنى الدقيق للمفهوم، بالنظر

إلى كونه لا يملك مقومات القمع كما في الأنظمة الدكتاتورية، ولا المؤسسات السياسية الديمقراطية التي تمتص التعدد السياسي

والهوياتي. انظر التقرير السنوي لمركز السلم الشامل لسنة 2014 حيث صنف الأنظمة العربية الى أوتوقراطية وأنقراطية في خارطة

توزيع أنظمة الحكامة في النظام الدولي. انظر أيضًا:

Monty G. Marshall and Benjamin R. Cole, Global Report, 2014: Conflict, Governance, and State Fragility (Vienna, VA: Center for Systemic Peace, 2014), p. 23.

(((باستثناء تصنيف تونس ضمن الدول الحرة والمغرب ضمن الدول الحرة نسبيًا، صنفت منظمة Freedom House جميع الدول

العربية ضمن الدول غير الحرة أو ضمن أسوأها سنة 2015، انظر: >freedomhouse.Org<.

(3) Ted Robert Gurr, Why Men Rebel (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1970), p. 13.

انظر ((:(

Raymond Jamous, Honneur et baraka: Les Structures sociales traditionnelles dans le Rif , Atelier d’anthropologie sociale (Cambridge ; New York ; Melbourne: Cambridge University Press; Paris: Éditions de la Maison des sciences de l’Homme, 1981), pp. 65-97.

انظر ((:(

Sidney Tarrow and Charles Tilly, “ Contentious Politics and Social Movements,” in: Carles Boix and Susan C. Stokes, eds., The Oxford Handbook of Comparative Politics , Oxford handbooks of political science (Oxford ; New York: Oxford University Press, 2007), p. 440. (6) Philippe Braud, Violences politiques , Points. Essais (Paris: Ed. du Seuil, 2004), p. 14. (7) Zygmunt Bauman, Le Présent liquide: Peurs sociales et obsession sécuritaire , traduit de l’anglais par Laurent Bury (Paris: Seuil, 2007), p. 5.

يسبغه الفاعلون السياسيون عليه، كما لو أن وجوده مستقل عنهم وعن تصوراتهم لذواتهم وللعالم المحيط

بهم. لكن ذلك لا يمنع اعتباره فعلً ذا طبيعة سياسية في ظاهره، لكونه يدخل في صميم جميع مراحل العملية

السياسية القائمة أساسًا على الصراع لأجل الوصول إلى السلطة أو المحافظة عليها. كما يمكن التشديد

على أن العنف الجماعي يتضمن بالضرورة بُعدًا هوياتيًا يرتبط بتمثلّات الفاعلين المؤسِسة لهويتهم المشتركة

وللمخاطر التي تهددها في محيطها السياسي والمؤسسي والثقافي، حيث تحدد هذه التمثلّات للهوية الجماعية

في الغالب مضمون وحجم سجل العمل الجماعي للحركات الاجتماعية وحجم هذا العمل. انطلاقًا من هذه الزاوية، يمكن تأكيد أن العنف السياسي عنف هوياتي بالضرورة، ويرتبط بتصور

الفاعلين لذواتهم وللعالم. غير أن العنف الهوياتي ليس كله بالضرورة عنفًا سياسيًا، بالنظر إلى كونه لا

يستهدف دومًا الوصول إلى السلطة السياسية أو المحافظة عليها، بل قد يكون تجليًا للصراع من أجل

البروز (la visibilité) الاجتماعي والثقافي لجماعة ما في حال افتراضها وجود خطر عليها صادر عن

الدولة أو عن جماعة أخرى؛ إذ يصبح العنف في هذه الحالة أداة لإثبات وجود الجماعة الاجتماعي لا

أداة لولوج السلطة السياسية، على الرغم من عدم استبعاد هذه الفرضية متى نجحت المجموعة في فرض

هيمنة هويتها على الجماعات الأخرى. من هذا المنطلق، يمكن تأكيد أن العنف الهوياتي أشمل وأوسع

من العنف السياسي باعتبار أنه قد يشمل جميع أشكال العنف الجماعي (بما فيها العنف السياسي) الذي

ينتجه النظام الاجتماعي ضمن صيرورة تشكُّله التاريخية. في هذا السياق، تُعَدّ صيرورة بناء الهوية والتمثلّات المتعلقة بها آلية إدراكية أساسية تسمح للمناضلين

المعبئين ضمن الحركات الاحتجاجية بتحديد ذواتهم والحركات التي ينتمون إليها وتعريفها من جهة،

وبتحديد الآخرين كأصدقاء أو كأعداء من جهة أخرى، أي تُعَدّ، بعبارة أقل تجريدًا، آلية إدراكية لفهم

العالم وفك رموزه. غير أن إسقاط هذا النوع من التحليل على الحركات الاحتجاجية في المنطقة العربية يواجه مشكلات كثيرة،

بالنظر إلى صعوبة تحقق فرضية عقلانية الخيارات والفرص المتاحة أمام المناضلين والمقاولين السياسيين

(Political Entrepreuneurs) والتي تحيل إلى فرضية تعظيم الربح المشترك الذي يتوجب على الجماعة

(8) Charles Tilly, «La Violence collective dans une perspective européenne,» Tracés: Revue de Sciences Humaines , no. 19 (2010), p. 206, sur le site: <http:// traces.revues.org/4919 >.

(((انظر: تشارلز تلي، الحركات الاجتماعية، 2004 -1768، ترجمة وتقديم ربيع وهبه، المشروع القومي للترجمة؛ 579 (القاهرة:

المجلس الأعلى للثقافة، 2005)، ص.52

(1((ارتأينا ترجمة Social Movement Repertoir بسجل الحركات الاجتماعية، لكون السجل يحيل إلى أرشيف وذاكرة الحركة التي

تحدد طبيعة العمل الجماعي وحجمه، بدل من ذخيرة الحركات الاجتماعية التي اعتمدها مترجم كتاب الحركات الاجتماعية والتي

توحي بمخزون مادي للعمل الجماعي.

(((1 انظر:

Philippe Braud: Violences politiques , pp. 41-44, et «La Violence politique: Repères et problèmes,» Cultures et Conflits , nos. 9-10 (Printemps-Eté 1993), mis en ligne le 13 Mars 2006: <http://conflits.revues.org/406> (consulté le 15 Juillet

(12) Pierre Bourdieu, «L’Identité et la représentation: Eléments pour une réflexion critique sur l’idée de région, » Actes de la recherche en sciences sociales , no. 35 (1980), p. 65. (13) Rogers Brubaker, «Ethnicity, Race, and Nationalism,» in: Annual Review of Sociology (Palo Alto, Calif.: Annual Reviews Inc., 2009), p. 34.

(1((ارتأينا أن نترجم مصطلح Political Entrepreneurs بالمقاولين السياسيين عوض المدبرين السياسيين كما وردت في الترجمة،

لكون المقاول يحيل إلى عملية خلق الفرص، بينما يحيل التدبير إلى عملية تنظيمية روتينية. انظر: تلي، ص 54-53.

المنظمة أن تحققه في مقابل تقليص التكلفة الواجب تحمّلها، في حين أن فكرة تعظيم الفائدة التي ينبني

عليها الفعل السياسي مبدئيًا تختلف جذريًا في جوهرها وأبعادها عن الربح المادي، حتى وإن تضمنته

بمستويات متفاوتة، لأنها قد تكون رمزية أو نفسية لا تقدَّر بثمن؛ إذ ما الفائدة التي يمكن أن يجنيها

مناضل يعرّض حياته للخطر بصورة يومية؟ وما هو نوع العقلانية التي قد تدفعه إلى ذلك، غير تحقيق رضا

المجموعة ورضا الذات الرمزية في المقام الأول، ثم تحقيق المكاسب المادية في المقام الثاني؟ لتجاوز هذه الثغرات النظرية، يتعين تجاوز مقاربات تعبئة الموارد، والفعل الجماعي كفعل عقلاني محدد

لتفسير ظاهرة العنف الهوياتي في المنطقة العربية، لكونها لا تسمح بإدراج الأبعاد النفسية والقيمية المتعلقة

بالصراع لأجل الاعتراف كلما نحت المؤسسات السياسية منحى الإقصاء أو الهيمنة تجاه الهويات

الاجتماعية والثقافية والسياسية لفئات اجتماعية معيّنة باعتبارها إمّا أقلية وإمّا مهمَّشة.

من هذا المنطلق، يمكن مقاربة العنف الهوياتي لدى الحركات الاحتجاجية ولدى الدولة في السياق

السياسي المغربي، الذي طالما نُعت بالنموذج الاستثنائي، مقارنة بالنماذج القُطرية الأخرى في المنطقة.

طبيعة المطالب الهوياتية للحركات الاحتجاجية المغربية

يمكن تقسيم الحركات الاحتجاجية في المغرب إلى صنفين أساسيين، يتفاوت فيهما سجل اللجوء الى

العنف بحسب طبيعة مرجعيتهما النضالية وبنائهما الهوياتي وأهدافهما السياسية، ثم درجة تحمّلهما من

طرف السلطات العمومية، وهما الحركات الاحتجاجية ذات الخلفية السياسية والحركات المدنية.

الحركات الاحتجاجية ذات الخلفية السياسية

هي الحركات التي تنتمي من الناحية التنظيمية إلى المجتمع المدني، وإن تكن مستقلة؛ إذ ربما ترتبط مذهبيًا

أو بشريًا بالأحزاب السياسية ذات الهوية السياسية المعارضة للنظام السياسي أو للسياسات العمومية

الرسمية، مثل الأذرع النقابية لبعض الأحزاب، وبعض هيئات الدفاع عن حقوق الإنسان، وبعض

الحركات النسائية والشبابية... وهي في الغالب تنظيمات تنتمي مذهبيًا إلى عائلة الحركة الوطنية والأحزاب

اليسارية والإسلامية، كحزب الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية،

والاشتراكي الموحد، والطليعة الديمقراطي الاشتراكي، والعدالة والتنمية... أو إلى المركزيات النقابية

الكبيرة كالاتحاد المغربي للشغل، والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، والاتحاد العام للشغالين، والاتحاد

الوطني للشغل، والفدرالية الديمقراطية للشغل.... لعل ما يميّز الفعل الاحتجاجي لهذا الصنف من الحركات الاحتجاجية هو طابعه السياسي الواضح أو

المستتر، والمرتبط بمطلب المشاركة في السلطة السياسية أو التأثير فيها من جهة، ثم طابعه السلمي الذي

انظر (1:((

Mancur Olson, Logique de l’action collective , préface de Raymond Boudon ; traduit de l’américain par Mario Levi, Sociologies (Paris: Presses universitaires de France, 1966), pp. 21-24 (16) Anthony Oberschall, Social Conflict and Social Movements , Prentice-Hall Series in Sociology (Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall, [1973]), and Charles Tilly, From Mobilization to Revolution (Reading, Mass.: Addison-Wesley Pub. Co., 1978). (17) Axel Honneth, La Lutte pour la reconnaissance , trad. de l’allemand par Pierre Rusch, Passages (Paris: Éd. du Cerf,

1(((ينص الفصل 11 من القانون المنظِّم للتجمعات العمومية الصادر في 51 تشرين الثاني/نوفمبر 5819 على: «لا يُسمح بتنظيم

المظاهرات بالطرق العمومية إلّ للأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والهيئات المهنية والجمعيات المصرح بها بصفة قانونية.»...

اكتسبه بفعل صيرورة طويلة من الاحتجاج والقمع والمفاوضات والصراعات الداخلية، التي أحدثت

تحولً عميقًا في علاقتها بالنظام السياسي، نحو تجاوز العنف والعنف المضاد والارتكاز على ثلاثية المطالب

السلمية والمفاوضات والتظاهر السلمي، كآليات لتدبير الأزمات والصراعات وبناء هوياتها السياسية، من

جهة أخرى. ولعل هذا ما يفسّ بشكل جلي الحذرَ الاستراتيجي الذي تعاملت به هذه الحركات (شبيبة

حزب الاتحاد الاشتراكي، والاستقلال، والتقدم والاشتراكية...) مع حركة 20 شباط/فبراير 2011؛ إذ

عبّ بعض الأحزاب الكبيرة منذ البداية عن تحفظه تجاه هذه الحركة، خصوصًا أن دعوتها تُعَدّ شكلً جديدًا

للاحتجاج لا يدخل ضمن السجل الاحتجاجي التقليدي لهذه الأحزاب، ومن ثم فهي تحمل في طياتها مخاطر

حقيقية على السلْم الاجتماعي والاستقرار السياسي، في ظل الغموض الذي يلف هوية منظميها وأهدافهم

السياسية، وهي التحفظات التي تأكدت بعد انزلاق بعض التظاهرات في كثير من المدن المغربية نحو

العنف، مثل العرائش وطنجة والحسيمة ومراكش، فيما عبّ جل الأحزاب الصغيرة ذات المرجعية الاشتراكية

والشيوعية والفوضوية عن دعم الحركة وتبنّي شعاراتها، مثل أحزاب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي،

والاشتراكي الموحد، والنهج الديمقراطي، والمؤتمر الاتحادي... التي انخرط شبابها ومناضلوها فيها بشكل

كلي، خصوصًا أن هذه الأخيرة لم ترتجع مرجعياتها السياسية والأيديولوجية لتخليصها من المنطق الصراعي

تجاه المؤسسات الرسمية، الذي تحكم فيها خلال سنوات الرصاص والعمل السري. في هذا السياق، يمكن تأكيد أن الحركات الاحتجاجية ذات الخلفية السياسية تنهل في فعلها الاحتجاجي

من سجل ممارستها الاحتجاجية، الذي تعزز بكثير من الأشكال الاحتجاجية التقليدية والمحدثة منذ

الاستقلال. غير أن أهم الأشكال الاحتجاجية المعتمدة ظلت تقتصر بشكل واضح على التظاهرات

والمسيرات والوقفات والإضرابات القطاعية أو الوطنية، التي تُعَدّ مناسبات للتعبير عن المطالب السياسية

ومعارضة توجهات السياسات العمومية. وهي أشكال تروم في الأصل الضغط على السلطات العمومية

لإدخال إشكالية سياسة قطاعية أو وطنية ضمن الأولويات المسطرة في أجندات السياسات العمومية،

وبالتالي فهي أشكال سلمية ومشروعة في الأصل تتعامل معها السلطات العمومية بشكل سلمي،

(((1 أعلن حزب التقدم والاشتراكية أنه لن ينخرط إل في الحركات السياسية والاجتماعية المنظمة والمسؤولة... فيما أكد قياديو

حزب العدالة والتنمية أن حزبهم غير معني بمسيرة 20 فبراير. أمّا الاتحاد الاشتراكي، فتخوف من المخاطر التي قد تعصف، بأشكالها

الثلاثة، بمسلسل الإصلاح في المغرب، وهي الانفصال والإرهاب والفساد، تاركًا الخيار لشبيبته بالانخراط في النقاش والتظاهرات

بشكل منفصل عن الحزب، وهو ما اعتبرته حركة 20 فبراير نوعًا من الانتهازية. انظر شهادة وداد الملحاف، في: وداد الملحاف،

«حركة 20 فبراير... خلود العزيمة وتحطيم جدار الخوف،» في: حركة أنفاس الديمقراطية [وآخرون]، إعداد، 20 فبراير: مسار ومآل

لحراك مغربي من أجل الحرية والكرامة (الدار البيضاء: حركة أنفاس الديمقراطية، 2015 ص.6 فيما أكد امحمد الهلالي، النائب)،

الثاني لرئيس حركة التوحيد والإصلاح، أن موقف الحركة لم يكن «ضد مبادرة 20 فبراير، لكن من حق الحركة أن تقرر مع من

تتجاوب ومتى تتفاعل مع هذه الدعوة أو تلك. هذا من ناحية، لكن في العمق، وبعد استعراض المعطيات في سياقها العربي والمغربي،

وقفنا على حجم الهوة بيننا وبين الأطراف الأساسية الداعية أو الداعمة لهذه المبادرة في بداياتها، فضلً عن توجسنا من المآلات التي

قد تفضي لها المبادرة». انظر: امحمد الهلالي: «التوحيد والإصلاح و 20 فبراير،» (منظمة التجديد الطلابي، 6 آذار/ مارس 2011)،

>. http://orema.ma/news167.html< على الموقع الإلكتروني:

((2(يصطلح في المغرب على المرحلة الممتدة من سنة 5196 إلى سنة 2199 بسنوات الرصاص، وهي الفترة التي اتسمت فيها

علاقة الدولة بالحركات الاحتجاجية بقمع شديد.

((2(للمزيد من المعلومات انظر:

Patrick Hassenteufel, «Les Processus de mise sur agenda: Sélection et construction des problèmes publics,» Informations sociales, no. 157 (2010), pp. 50-58.

(2((ينص الفصل 11 من القانون المنظّم للتجمعات العمومية الصادر في 51 تشرين الثاني/نوفمبر 5819 على وجوب الاستحصال

على تصريح مسبق لكل المواكب والاستعراضات و... جميع التظاهرات بالطرق العمومية.

خصوصًا أنها أشكال تعتمد على تعبئة الفاعلين الاجتماعيين وعلى التشهير الإعلامي بالقضية، ثم تسييسها

قصد دفع السلطات العمومية إلى اتخاذ القرار لحلها، كما تعتمد على مساطر الترخيص الإداري المسبق بما

يسمح بتأطيرها ودراسة تأثيرها والتفاوض بشأن توقيتها بشكل استباقي. عمومًا تتقاطع الهوية السياسية لهذه الحركات في مرجعيتها وغاياتها مع المرجعية الهوياتية للنخب المتحكمة

في القرار السياسي في المغرب، حتى وإن تباينت المواقف واختلفت التصورات بينها في ما يتعلق ببعض

القضايا السياسية والاجتماعية.

الحركات المدنية

هي جميع الحركات والتنظيمات المنظَّمة أو العفوية المستقلة عن المجتمع السياسي وعن المجال الاقتصادي،

أي تلك التنظيمات الطوعية المنتمية إلى المجتمع المدني والتي لا تضع ضمن أهدافها الوصول إلى السلطة

السياسية أو تحقيق الربح المادي. وبالرغم من تعدد تعريفات المجتمع المدني، فإنه يمكن تعريفه بأنه الفضاء

الاجتماعي المنظَّم ذاتيًا والمستقل نسبيًا عن الدولة والأحزاب السياسية وعن السوق الاقتصادية.

ويتكوّن هذا الفضاء من نسيج متشابك ومتعدد الأطياف يضم المنظمات غير الحكومية والمنظمات غير

الربحية الفاعلة في الحياة العامة، والتي ترافع وتعبّ وتدافع بشكل حر عن اهتمامات أعضائها وقيمهم

وفقًا لمرجعيات وهويات أخلاقية أو ثقافية أو سياسية أو علمية أو دينية أو خيرية مشتركة، مثل: الجمعيات

المحلية والترابية، والمنظمات الخيرية، والمنظمات الثقافية والرياضية، والمنظمات الحقوقية والنسائية، والهيئات

المهنية، والمنظمات غير الحكومية. ورغم التشابه الكبير بينها - في ما يتعلق بالأهداف والغايات والمبادئ، فإنه

يتعيّ التمييز بين صنف المنظمات غير الحكومية وصنف هيئات المجتمع المدني انطلاقًا من طبيعة هيكلتها

وعلاقاتها القانونية بالدولة؛ إذ يحيل الصنف الأول إلى ذلك النوع من التنظيمات المدنية المستقلة عن الدولة

والمتمتعة بهياكل تنظيمية مؤسسة ومسجلة رسميًا لدى السلطات العمومية، فيما يحيل الصنف الثاني إلى

جميع المنظمات والهيئات المدنية والاجتماعية والمهنية والثقافية والترابية التي تدافع عن مصالح أعضائها،

سواء عبر أشكال تنظيمية رسمية مهيكلة من الناحية القانونية أو عبر أشكال أخرى غير خاضعة للتأطير

القانوني، مثل الحركات الاجتماعية والحركات الاحتجاجية العفوية أو المنظمة. ومن ثم، يمكن القول

إن الصنف الأول من التنظيمات يُعَدّ أكثر من الصنف الثاني شمولية واتساعًا. وتشمل هذه الهيئات أزيد

من مئة ألف منظمة تشتغل في جميع القطاعات وعلى جميع المستويات الترابية. وتعمل هذه المنظمات،

((2(ينص الفصل الثالث من القانون المنظم للتجمعات العمومية الصادر في 51 تشرين الثاني/نوفمبر 5819 على وجوب أن

«يكون كل اجتماع عمومي مسبوقًا بتصريح يبيّن فيه اليوم والساعة والمكان الذي ينعقد فيه الاجتماع ويوضح في التصريح موضوع

الاجتماع...» وهو الشرط نفسه الذي تضمنه الفصل 11 من القانون إياه في ما يتعلق بالتظاهرات بالطرق العمومية.

((2(على الرغم من كون الاستقلالية عن الدولة والأحزاب والتنظيمات الاقتصادية تُعَدّ معيارًا أساسيًا لتعريف المجتمع المدني،

فإنها تظل نسبية، بالنظر إلى استحالة وجودها في غياب اعتراف قانوني وسياسي من جانب الدولة من جهة، وغياب دعم مادي من

جانب الفاعلين الاقتصاديين من جهة أخرى.

(2((انظر: عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقدية، ط 6 (بيروت؛ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)،

ص 8-436، و Azeddine Akesbi, “Etude de l’Indice de la Société Civile, Maroc,” (Projet Indice de la société civile, Espace

>. associatif, Avril 2011), pp. 17-19, sur le site: <http://81.192.48.236:8080/Intranet/systeme/data/ISC/RISC.pdf

انظر ((2:(

«Comprendre la société civile: Enjeux pour l’OMS, Initiative société civile, Relations extérieures et organes directeurs,» (Document de synthèse; no. 2, Organisation mondiale de la Santé, Février 2002), p. 4.

((2 حصي حوالى عشرة أصناف من منظمات المجتمع المدني، مثل: منظمات حقوق الإنسان؛ منظمات التنمية والخدمات؛ (أ

المنظمات التربوية و الثقافية؛ المنظمات العقائدية والدينية؛ المنظمات المهنية؛ الحركات الاجتماعية؛ النقابات؛ المؤسسات المدنية؛

وسائل الإعلام الخصوصية؛ الزوايا. انظر:.Akesbi, p. 19

انطلاقًا من وضعيتها الاعتبارية المستقلة عن الدولة ومؤسساتها، وفقًا لمبدأ الترافع والتشاور والحوار مع

السلطات العمومية، قصد الضغط عليها لتلبية متطلبات زبائنها، بما يجعلها في كثير من الأحيان فاعلً

أساسيًا مؤثرًا في بلورة مجمل السياسيات العمومية وتنفيذها وتقييمها، سواء على الصعيد المحلي أو على

الصعيد الوطني، خصوصًا بعد أن مُنحت أدوارًا وصلاحيات جديدة وفقًا لمقتضيات الدستور الجديد،

الذي نص في فصله 21 على مساهمتها الفعلية: «... في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة

والسلطات العمومية، وكذا في تفعيلها وتقييمها. وعلى هذه المؤسسات والسلطات تنظيم هذه المشاركة،

طبق شروط وكيفيات يحددها القانون». كما أن آليات قانونية أخرى تسمح لهذه المنظمات بالتأثير في

عمليات صوغ السياسات العمومية، من قبيل: إجبار السلطات العمومية على «إحداث هيئات للتشاور،

قصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين، في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها»،

وفقًا للفصل 13، والحق في تقديم ملتمسات ومبادرات في مجال التشريع على جانب البرلمان، طبقًا للفصل

41، والحق في تقديم العرائض إلى السلطات العمومية قصد حملها على اتخاذ قرارات تهم المواطنين، وفقًا

للفصل 5.1 هذا بالإضافة إلى حقها الجديد في الدفع بعدم دستورية القوانين كلما تبيّ، خلال محاكمة ما،

أن القانون المطبَّق في النزاع يمس بالحقوق والحريات الأساسية للمواطن، طبقًا لمنطوق الفصل 133. غير أن الضمانات القانونية والإدارية المقدمة من طرف السلطات العمومية لم تمنع كلها ظهور احتقانات

وشحنات صراعية مع السلطات العمومية بشأن التطبيق الديمقراطي للمقتضيات الدستورية نفسها،

وبشأن عدد كبير من القضايا الاجتماعية والاقتصادية الوطنية والترابية والمرجعيات المحددة لها (إشكالية

المرأة، الجهوية، الأمازيغية، الإرهاب، الأمن، مكانة الإسلام في الشأن العمومي،)...، الأمر الذي

دفع بجزء مهم منها نحو الاحتجاج أو نحو اعتماد مقاربة ثنائية تجمع بين المرافعة والضغط المنظم عبر

الاحتجاج والنزول إلى الشارع، كتعبير عن نيتها المشاركة في بناء المعنى السياسي للحقوق والحريات

المضمونة في الوثيقة الدستورية. يأتي نزوع كثير من منظمات المجتمع المدني نحو الاحتجاج عمومًا، انطلاقًا من ثلاثة عوامل محددة أساسية: - طبيعة المرجعية الهوياتية للمنظمات المعنية (جهادية، ماركسية، انفصالية...)؛ إذ كلما كانت هوياتها

الجماعية والأيديولوجية قوية ومتماسكة، انعكس ذلك على قوة تنظيمها وقيادتها، وتشبعت بمنطق

الاستقلال التنظيمي والمادي عن الدولة والمجتمع السياسي، بما يتيح لها إمكانية الصراع والمواجهة وحتى

الإقصاء مع مؤسسات الدولة ومع المنظمات والحركات الحاملة لهويات مختلفة، كلما كانت لديها حاجة في

عرض قوتها وفرض مطالبها وخلق فرص للظهور في المجال العمومي واستقطاب المناضلين. - نوعية العلاقة بالسلطة السياسية؛ فكلما كانت هذه العلاقة متوترة وصراعية، ازداد القمع الموجه ضدها

وضد قادتها، حيث إن التوتر في العلاقة بين السلطة والتنظيمات المدنية يأتي في الغالب انطلاقًا من إرادة هذه

الأخيرة المعلنة (العدل والإحسان، والفصائل الطلابية اليسارية، انفصاليو الداخل) أو المبطنة (الجمعية

المغربية لحقوق الإنسان، فصيل النهج الديمقراطي القاعدي، بعض فصائل وتيارات حركة 20 فبراير...)

((2(لوحظ بعد مرور سنة 2011 أن الرهان السياسي للحركات الاحتجاجية تحوّل بشكل لافت من المطالب الإصلاحية للدولة

ولمؤسساتها إلى إشكالية التنزيل الديمقراطي التشاركي للمقتضيات الدستورية في ما يتعلق بسقف الحريات الأساسية، وتمثيلية

النساء، والمناصفة، والجهوية، والتقسيم الترابي للمملكة، ومكانة الأمازيغية كلغة رسمية في المجال العمومي، والديمقراطية

التشاركية، والمجتمع المدني، ومفهوم الهوية الوطنية وجدليتها مع الدين الإسلامي والحريات الأساسية....

في تحقيق تغيير جذري في الدولة ومؤسساتها، قد يكون سلميًا، كما قد يكون عنيفًا إذا ما اقتضت الضرورة

السياسية؛ ذلك أن المرجعية الدينية الجهادية والماركسية-اللينينية لا تستثني العنف السياسي لتغيير الأوضاع

بشكل مطلق، بل قد تشرعنه وتجد له سندًا من حيث كونه عنفًا مشروعًا وعادلً ضد الكفر والاستبداد.

من هنا تبدأ دائرة المواجهة بين المجموعة والدولة، بحيث إنها يمكن أن تتطور من مجرد عنف خطابي تحريضي

إلى عنف مادي متبادل، حيث تبرِّر المجموعة التصعيد كرد فعل مؤسس تجاه القمع والتهميش التي يطاولها،

بما يقلص لديها الخيارات المطروحة ويوجهها تدريجيًا نحو العنف بجميع أشكاله، باعتباره خيارًا نضاليًا

ملائمً بانتظار فرص سياسية أقل تكلفة. كما أن الغاية من النزوع غير المعلن لهذه المنظمات نحو الصراع

مع مؤسسات الدولة قد تبرَّر بشكل ضمني كفعل سياسي ثوري (التنظيمات ذات المرجعية الماركسية) أو

جهادي (التنظيمات الدينية والدعوية) أو وطني (التنظيمات الانفصالية) لإضعاف الدولة ومؤسساتها في

أفق تحقيق هدف سياسي أسمى، كأن يكون إرساء الخلافة أو قلب نظام الحكم أو الانفصال عن الدولة أو

إحداث تغيرات جذرية في هندستها وشكلها. لكن باستثناء التنظيمات الانفصالية والجهادية ذات النزوع الأيديولوجي الطبيعي نحو الصراع والعنف

مع الدولة والمجتمع، لا تدعو التنظيمات الأخرى بالضرورة إلى العنف في فعلها الاحتجاجي،

بل قد تدينه وتشجبه وتتبرأ منه مسبقًا. بيد أن ذلك لا يمنعها من أن تُنتجه بشكل عفوي من خلال

((2(يرى عبد السلام ياسين، إمام جماعة العدل والإحسان، أن «لو قدرنا أن نتجنب استعمال السلاح ضد الأنظمة الفاسدة، ونقاطعها

حتى تشل حركتها، ويسقط سلطانها، وترذل كلمتها كما فعل إخواننا في إيران، لكان ذلك أشبه بروح الإسلام الذي يوصي ألا تسفك

دماء المسلمين بينهم... على أن المقاطعة والمقاومة الصابرة، متعانقتين، قد لا تتأتى ظروفهما في كل قطر من أقطار الإسلام. وقد

لا يناسب هذا الأسلوب حالات يكون فيها الحاكم الباطش متمثلً في شرذمة ثعلبية مستأسدة...». انظر: عبد السلام ياسين، رجال

القومة والإصلاح (بيروت: دار لبنان للطباعة والنشر، 2001)، ص.36 هذا فيما يرى النهج الديمقراطي أن «... مسألة بناء الأداة

السياسية، المستقلة للطبقة العاملة والكادحين هي، في نظرنا، مسألة صحيحة وحاسمة في التغيير بأفق اشتراكي، ولا يجب التراجع

عنها تحت ذريعة أن الحزب البلشفي قد تحول من حزب ثوري بروليتاري طليعي إلى حزب ديمقراطي... إن النهج الديمقراطي يعتبر

أن للطبقة العاملة دورًا قياديًا في عملية التغيير بأفق اشتراكي، بل إن دورها أساسي في التغيير الديمقراطي الجذري أيضًا، وأن بناء الأداة

السياسية المستقلة للطبقة العاملة والكادحين مسألة حاسمة». انظر: عبد الله الحريف، من «إلى الأمام» إلى «النهج الديمقراطي»،»

(شبيبة النهج الديمقراطي (موقع إعلامي))، على الموقع الإلكتروني:

< http://www.chabibanahj.org/index.php/2015-05-22-12-41-13/2015-05-22-12-47-28/664-2015-05-24-21-48-02>.

أمّا فصيل التوجه القاعدي (الماركسي) الذي ينشط في النقابة الوطنية لطلبة المغرب، فإنه يتبنى العنف الثوري «... أي العنف الذي

تمارسه الجماهير ومناضلوها ضد أعدائهم الطبقيين». من أدبيات التوجه القاعدي: « توضيحات حول مقال «مواقف الفصائل الطلابية

اليسارية من العنف والتنظيم والعمل الوحدوي» المنشور بجريدة النهج الديمقراطي » (التوجه القاعدي، الاتحاد الوطني لطلبة

المغرب، 16 آذار/ مارس 2014)، على الموقع الإلكتروني: >.http://attawajohalkaidi.com<

(3((تُعَدّ التنظيمات الجهادية مجموعة متناثرة وغير منسجمة من الشخصيات الدعوية (حسن الكتاني، عبد الوهاب رفيقي الملقب

بأبو حفص، عمر الحدوشي، محمد الفيزازي...) والتنظيمات مثل الصراط المستقيم، الهجرة والتكفير، الدعوة والتبليغ، السنّة

والجماعة... أمّا التنظيمات الانفصالية، مثل بوليساريو الداخل، فتنشط، خصوصًا، في بعض الجمعيات المدنية والحقوقية في جنوب

المغرب أو في النقابة الوطنية لطلبة المغرب وحركة الاستقلال الذاتي للريف.

(((3 انظر: المملكة المغربية والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، «تقرير رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان أمام مجلسي

البرلمان، الاثنين 16 يونيو 2014،» ص 03، على الموقع الإلكتروني: http://www.cndh.org.ma/sites/default/files/documents/<

.rapport_integral_arabe_1_.pdf>, and Tilly, «La Violence collective,» p. 206

(3((«إن حركة 20 فبراير تريد ثورة جذرية، إل أنها تريدها بشكل سلمي... هذا يطرح المسألة الجوهرية، كيف يمكن تسليح

المواطنين بالوعي الضروري الذي يحصنهم للاستمرار في طريق المطالبة بالدولة الجديدة أي الدستور الجديد بدون أن تخمد شوكة

المقاومة ومن دون اعتماد العنف كوسيلة لمواجهة عنف السلطة المخزنية المتنفذة؟»، انظر: محمد المباركي، «حركة 20 فبراير:

من المساندة والتنديد إلى العصيان المدني،» (مامفاكينش (موقع إلكتروني)، 81 آذار/ مارس:)2012

< https://www.mamfakinch.com>.

تصوراتها ومطالبها الراديكالية وعلاقاتها المتوترة مع السلطات العمومية؛ إذ إنها غالبًا ما تكون هي

نفسها ضحية عنف السلطات العمومية الذي يبُرَّر كدفاع عن الأمن العام في غياب شرعية الاحتجاج، فيما

هو في الأصل نوع من القمع الذي تمارسه الدولة على هذه الحركات كمؤشر على قوتّها من جهة، وكتحذير

موجه إلى المقاولين السياسيين والمناضلين، من جهة أخرى. عمومًا تظل هذه المجموعات والتنظيمات هامشية، مقارنة بتلك التي تنبذ العنف والصراع مع مؤسسات

الدولة، بالنظر إلى استحالة وجودها القانوني إذا ما ثبت أن مرجعيتها تمجد العنف أو تدعو إليه من

جهة، وإلى صعوبة تعبئة المناضلين في بيئة اجتماعية هجينة لا تساعد على توطين العصبيات التنظيمية

والأيديولوجية الحديثة، من جهة أخرى.

التدبير السياسي للمخاطر المتعلقة بالعنف الهوياتي

إذا كانت الحركات الاحتجاجية في المغرب تبقى حركات سلمية المنحى عمومًا، فإن السلطات

العمومية تظل محتكرة للعنف بشكل كبير، حيث إن هذه الأخيرة تلجأ إليه بشكل طبيعي لتفريق

مسيرات الاحتجاج من جهة، ولضمان احتكارها المجال العمومي، باعتباره مجالً لتمظهر السلطة

السياسية وقوتّها من جهة أخرى. كما أن اللجوء إلى العنف يظل آلية سياسية يتحكم فيها متغيران

أساسيان هما: السجل التاريخي للعنف الرسمي، الذي كلما كان غنيًا و كثيفًا انعكس بشكل جدلي

على خبرة الدولة بتفكيك الحركات الاحتجاجية وقمعها بشكل استباقي وتفاعلي، وعلى

هذه الأخيرة، التي تستعصي عليها المأسسة والاستمرار ضمن سياق قمعي، ثم التبعية للمسار

الذي يأتي من تعوّد الدولة ومؤسساتها على تتبّع مساطر وسلوكات أمنية روتينية يصعب

(((3 انظر العرض الذي ألقاه عبد الحميد أمين يوم 2011/08/25 في مقر الاتحاد المغربي للشغل بفاس: «إن الهدف الأساسي

للحركة هو تخليص المغرب والشعب المغربي من السيطرة المخزنية التي دامت قرونًا طويلة، معرقلة إمكانية تطور البلاد نحو

الديمقراطية، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقيمية». انظر الموقع الإلكتروني:

< http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=275174>.

3(((يقر تقرير رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان أمام مجلسي البرلمان أن المجلس قام ب«... عمليات رصد وتقص ووساطة

في عدد من حالات التوتر الذي ترتبت عنها انتهاكات لحقوق الإنسان... [في] خريبكة...، بوعرفة...، آسفي...، الداخلة...،

الحسيمة...، طنجة...، سلا...، العيون...». انظر: المملكة المغربية والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، ص 03.

(3((ينص الفصل 23 من دستور 2011 على: «يُحظَر كل تحريض على العنصرية أو الكراهية أو العنف». كما تنص المادة 3 من

قانون الجمعييات الصادر في 51 تشرين الثاني/نوفمبر 58:19 «كل جمعية تؤسَّس لغاية أو لهدف غير مشروع ويتنافى مع القوانين أو

الآداب العامة، أو قد تهدف إلى المس بالدين الإسلامي أو بوحدة التراب الوطني أو بالنظام الملكي، أو تدعو إلى كافة أشكال التمييز،

تكون باطلة». كما تنص المادة 29 من القانون نفسه على حل السلطات العمومية لجميع الجمعيات التي.1...« قد تحرض على قيام

مظاهرات مسلحة في الشارع؛... قد تهدف على المس بوحدة التراب الوطني أو الاستيلاء على مقاليد الحكم بالقوة أو الاعتداء على

النظام الملكي للدولة».

(((3 تشير دراسة قياس مستوى التماسك الاجتماعي في المغرب التي قام بها المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية في /21 آذار

7 في 0 أن أزيد من إلى Lien social au Maroc: quel rôle pour l’État et l’ensemble des acteurs sociaux? مارس 2012 بعنوان

المئة من المغاربة لا يعتبرون العصبية السياسية مهمة في حياتهم، مفضّلين عليها الروابط العائلية (43.1 في المئة) والصداقة (1.13

في المئة)، وأن أقل من 0 1 في المئة فقط منهم شاركوا فعلً خلال السنة الماضية في تظاهرة أو إضراب أو اعتصام. كما أن حوالى

87.8 في المئة لا يحبذون اللجوء إلى العنف لأجل الحصول على حقوقهم. انظر الموقع الإلكتروني:

<http://www.ires.ma/sites/default/files/rapport_de_lenquete_nationale_sur_le_lien_social.pdf>. (37) Charles Tilly, Regimes and repertoires (Chicago: University of Chicago Press, 2006), p. 74. (38) Tilly, «La Violence collective, » p. 206. (39) Hélène Combes et Olivier Fillieule, «De la répression considérée dans ses rapports à l’activité protestataire: Modèles structuraux et interactions stratégiques,» Revue française de science politique, vol.61, no. 6 (Décembre 2011), p. 1049.

التخلي عنها، لارتفاع مردوديتها من جهة ولعدم التحقق من مردودية البدائل المطروحة من جهة

أخرى. من هذا المنطلق، يبدو أن ما يميز السياق السياسي المغربي من السياقات السياسية لدول المنطقة ليس انعدام

العنف الهوياتي في ذاته، ما دامت الشروط الاجتماعية والثقافية المنتجة لهذا الأخير هي نفسها- ولو بدرجات

متفاوتة- في الدول كلها، بل نوعية وكمية الفرص السياسية التي يتيحها النظام السياسي للحركات

الاحتجاجية وللعنف السياسي، حيث تظل هزيلة مقارنةً بالفرص التي يتيحها التفاوض والاحتجاج

السلمي، وإلّ ما الذي يفسر أن المغرب يُعَد من الدول الأكثر تصديرًا للجهاديين في العالم، من دون أن

ينعكس ذلك بشكل مباشر على السلوك الاحتجاجي للتنظيمات الاجتماعية والسياسية الوطنية، الذي ظل

في عمومه سلميًا؟ هل هو ضعف إنتاج المجتمع المغربي للعنف الجماعي مقارنةً بالمجتمعات العربية، أم أن

الأمر يتعلق أساسًا بالخبرة العالية التي اكتسبها النظام السياسي المغربي في استباق الحركات الاحتجاجية

العنيفة ومكافحتها وقمعها، إضافة إلى خبرته بتقليص قدرتها على تعبئة الموارد وتوزيعها بين مناضليها

بما يحقق ولاءهم وانخراطهم المستديم؟ و يبدو هذا جليًا في حالة الحركات الجهادية المغربية وحركة

20 فبراير التي لم تستطع الثبات في تقدمها ونموها جرّاء المضايقات الأمنية وملاحقة قيادييها ونشطائها.

غير أن تعامل السلطة مع هذه الحركات لم يقتصر على العنف والقمع، بل اعتمد أيضًا على منطق التضييق

النفسي عليها من خلال إذكاء بعض الصراعات والتناقضات الداخلية فيها من جهة، ومن خلال تحييد

القيادات والنشطاء من جهة أخرى بآليتين ثبتت فاعليتهما، مثل القمع، تمامًا كالاستقطاب السياسي أو

المهني (التوسط للناشط للانخراط في حزب سياسي نافذ كما حدث لبعض نشطاء 20 فبراير وبعض

الجهاديين التائبين، أو إيجاد وظيفة لدى مؤسسات الدولة كعربون ثقة، كما جرى في حالات بعض

الحقوقيين المعطلين والمعتقلين السابقين الذين كوفئوا بوظائف مهمة...). غير أن الاستقطاب السياسي

والمهني للنشطاء قد لا يجدي في بعض الحالات، وهو ما يستوجب تفعيل آلية تحييدهم أو تعطيل قدراتهم

عن طريق استغلال سوابقهم العدلية نشرها عبر وسائل الإعلام، أو عن طريق نشر شائعات مغرضة

بشأنهم، بما قد يفقدهم أتبعاهم ويضرب مصداقيتهم (كما هي الحال في الحركة الطلابية وحركة المعطلين

وحركة 20 فبراير، حيث ينفجر بين حين وآخر النقاش حول استقامة وولاء بعض النشطاء، وينتهي، في

الغالب، إمّا إلى طردهم وإمّا إلى تجريدهم من المسؤوليات الداخلية أو الوظائف في الدولة). بيد أن سجل تعامل الدولة مع الحركات الاحتجاجية ربما يشمل أيضًا تجريد هذه الأخيرة من الموارد التي

قد تسمح لها بالديمومة والتوسع؛ إذ يمكن اعتبار الدعم التنظيمي وقدرة الحركة على الدخول في تحالفات

((4(انظر:

Bruno Palier, «Path Dependence (dépendance au chemin emprunté,» dans: Laurie Boussaguet, Sophie Jacquot et Pauline Ravinet, dirs., Dictionnaire des politiques publiques , préface de Pierre Muller, 3ème éd. actualisée et augmentée, Références: gouvernances (Paris: Presses de Sciences po, 2010), pp. 411-419.

((4(بحسب تقرير مجموعة Soufan Group للاستعلامات، يوجد في سورية أزيد من 5001 مقاتل مغربي، وهو ما يجعل المغرب

ثالث دولة تصدّر جهاديين إلى سورية، بعد تونس والسعودية، سنة 2014، انظر الموقع الإلكتروني:

< http://soufangroup.com/wp-content/uploads/2014/06/TSG-Foreign-Fighters-in-Syria.pdf>.

وهي تقديرات تقترب من التقديرات الرسمية التي قدمها المكتب الوطني للتحقيقات القضائية التي تشير الى وجود أزيد من 1355

جهاديًا في كلٍّ من سورية والعراق، و 500 مقاتل في صفوف الدولة الإسلامية في العراق والشام، انظر: الموقع الإلكتروني:

< http://www.le360.ma/fr/politique/terrorisme-les-chiffres-impressionnants-des-missions-du-bcij-35485>.

((4(بحسب الموقع الإلكتروني نفسه، استطاعت المصالح الأمنية المغربية أن تفكك أزيد من 213 خلية إرهابية، وأن تحبط نحو

119 تفجيرًا و 091 اغتيالات بين سنتي 2002 و.2015

وشبكات احتجاجية أوسع والانسجام الهوياتي والوقت المستثمر، من المتغيرات الأساسية في تاريخ

الحركة باعتبارها موارد حيوية لوجود ونمو الحركات الاحتجاجية التي قد تحدد تحولّها نحو حركات

اجتماعية مؤسسة ذات هوية جماعية قوية تسمح لها بالدخول في صراع مع الدولة يُلحق بها أضرارًا بنيوية.

في هذا السياق، يمكن تأكيد أن السلطات العمومية استطاعت أن تعرقل الجهود التي بذلتها حركة 20

فبراير وحركة المعطلين والمجموعات الجهادية والفصائل الطلابية الراديكالية لتوحيد صفوفها وبناء

تنظيمات مستديمة، وذلك عبر منعها قانونيًا، وبشكل ممنهج، من التأسيس والتجمهر والتظاهر من دون

ترخيص، ومن جمع أموال وتبرعات عمومية أو خصوصية، وهو ما انعكس بشكل أو بآخر على فعاليتها

التنظيمية والتأطيرية للاحتجاج واستمراريته، كما أنه شلّ جُل قدراتها التوزيعية للموارد بين المناضلين

والنشطاء. غير أن هذا الشلل لا ينسحب على جماعة العدل والإحسان التي استطاعت، إلى حد كبير،

تجاوزه، نظرًا إلى الهوية العقدية (الصوفية والسياسية) القوية التي تؤسس لفعلها الاحتجاجي، من جهة،

وإلى الدور الريادي الكبير الذي قام به إمامها الشيخ ياسين في التنظير وتوحيد الآراء والتعبئة السياسية

للمناضلين، بما انعكس إيجابيًا على الفعالية التنظيمية والتوزيعية للموارد لدى الجماعة، من جهة أخرى. كما أن الدولة عرقلت بشكل حازم جميع محاولات التشبيك وبناء التحالفات بين الحركات الاحتجاجية،

حيث عمدت في كثير من الأحيان إلى التشويش على محاولاتها لبناء تحالفات مذهبية ومصلحية دائمة

تسمح لها بتجاوز هشاشتها التنظيمية. وسعت الدولة أيضًا إلى اللعب على التناقضات السياسية والمجالية

والقطاعية واللغوية والثقافية البنيوية لهذه التنظيمات، كي تعزلها عن محيطها وإجبارها على الاكتفاء بمجالها

الترابي والقطاعي الضيق؛ فالتناقضات القائمة داخل هذه الحركات استُغلت لإضعافها ومنعها من بناء

تحالفات وتوافقات قد تفضي إلى زعزعة الاستقرار السياسي في البلاد إذا ما كُتب لها النجاح والاستمرار؛

فالصراع الأيديولوجي بين الفصائل الطلابية ومكونات حركة 20 فبراير والحركات الجهادية والنسائية

والأمازيغية، والانشقاقات والمراجعات النظرية والتحالفات الظرفية، كل ذلك يدخل في صميم السياسات

الأمنية للدولة التي تدخلت بشكل لافت في عزل الحركة الطلابية عن محيطها الاجتماعي والمجالي، عبر

الاهمج نع الزهعت تاعماجلل ةينارمع ةئيته قيرط نعو، ةعمالاج راوسأ قاطن نع جرتخ ةرهاظت يأ عمق

الجغرافي. كما أنها تدخلت عبر المنع والقمع لدفع حركة 20 فبراير إلى التظاهر في الأحياء الهامشية للمدن

بدلً من الأحياء الرئيسية (يعقوب المنصور في الرباط بدلً من شارع محمد الخامس، بني مكادة في طنجة

بدلً من شارع محمد الخامس، بني بوعياش وإيمزورن بدلً من شارع محمد الخامس في الحسيمة...). كان تدخّل السلطات العمومية حاسمً أيضًا في عرقلة سريان المعلومات والمعطيات السياسية بشأن هذه

الحركات، وذلك عبر التضييق على جميع وسائل الإعلام التي تتعاطف أو تتفاعل معها، الأمر الذي

ساهم، إلى حد بعيد، في تدهور حالة حرية الصحافة في المغرب، بالنظر إلى أعمال الاعتقال والمنع التي

طاولت عددًا كبيرًا من الصحافيين والمنابر الإعلامية. إن أكثر ما تدخلت فيه الدولة لكسب رهانها ضد الحركات الاحتجاجية كان، ولا يزال، متغير الزمن،

على اعتبار أن الفرص السياسية التي أتاحها النظام السياسي، تحت ضغط الحراك السياسي العربي انطلاقًا

من سنة 2011، لم تكن لتستمر طويلً؛ إذ إن اندلاع الحراك الاجتماعي في كلٍّ من مصر وتونس واليمن

(4((من المواقع الإعلامية التي تعرضت للتضييق ثم المنع، هناك موقع «لكم» الذي اعتُقل مديرها على خلفية نشره شريط ا منسوبًا

إلى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في 17 أيلول/سبتمبر.2013

وليبيا، وآثاره السياسية السريعة التي عصفت باستقرار الأنظمة السياسية فيها أدى في حينه إلى زعزعة

الثقة في قدرة النسق السياسي المغربي على تحمّل احتجاج سياسي ممتد زمنيًا ومجاليًا كالاحتجاجات التي

جرت في الدول المجاورة، وهو ما ساعد بشكل جدلي على رفع سقف مطالب الحركة الاحتجاجية من

جهة، وإن لم تصل حينها الى درجة رفع شعار إرحل، وعلى جاهزية الدولة لتقديم تنازلات مهمة في

مجال إعادة توزيع السلطات ومحاربة الفساد ومراعاة حقوق الإنسان، من جهة أخرى. ورغم ذلك، يبدو

أن الحركات الاحتجاجية بأطيافها السياسية كلها لم تستطع أن تجعل من عامل الزمن موردًا سياسيًا في

صيرورتها النضالية، خصوصًا أن التكلفة الزمنية للفعل الاحتجاجي تظل مرتفعة جدًا، سواء بالنسبة

إلى الحركة برمّتها أو بالنسبة إلى المناضلين في سياق سياسي تتقلص فيه الفرص بشكل متسارع؛ ذلك

أن هدر الزمن الاحتجاجي تم بشكل سريع على مستويين: مستوى التنظيم الداخلي للحركة، حيث ساد

النقاش الدائر حول طبيعة التنظيم الذاتي للحركة وحول مرجعيتها الفكرية والسياسية وطبيعة القيادة،

ثم مستوى التفاعل مع السلطات العمومية من جهة، ومع باقي الفاعلين السياسيين من جهة أخرى.

فمنذ البداية، طُرحت إشكالية التنظيم والتحالفات الداخلية والهوية السياسية للحركة: هل هي يسارية

أم أسلامية أم جماهيرية مستقلة؟ لكن الحركة لم تحسم في هذه القضايا الجوهرية، معتبرة نفسها مجرد حركة

جماهيرية تتسع للجميع، وهو ما طرح إشكالية وحدتها وهويتها التنظيمية ما دامت التنظيمات كلها

تتماهى معها، بما حولّها في نهاية الأمر إلى مجرد حركة قابضة على كل شيء (catch all)؛ ففي غياب هوية

سياسية وتنظيمية موحدة ومُلزمة، تعاملت التنظيمات في مجملها مع الحركة بنوع من البراغماتية إن لم يكن

بنوع من الانتهازية، فتبنّت مطالبها بالجملة من دون أن تستثمر فيها تنظيميًا وبشريًا. من هذا المنطلق،

تبنّت الأحزاب السياسية اليسارية والنقابات مجمل مطالب الحركة، مع التحفظ على الحركة نفسها، فيما

تبنّت أحزاب اليسار الراديكالي مطالب حركة 20 فبراير برمّتها، واستثمرت فيها سياسيًا، لأنها سمحت

لها بأن تكون موجودة وبأن تظهر بقوة في الفضاء العمومي وتستقطب شرائح اجتماعية جديدة ما كانت

لتصل إليها في غياب الحراك. أمّا الحركات الأمازيغية، فإنها انخرطت في الحركة وتبنّت مطالبها، غير أن

سرعان ما خفت حضورها بعد تلبية متطلباتها بتبنّي الطابع الرسمي للغة الأمازيغية في الدستور الجديد.

هذا التعامل البراغماتي نفسه ينسحب على الحركات النسائية التي أعابت على الحركة وجود جماعة العدل

والإحسان التي لا تتبنّى القضايا النسائية، وحركة المعطلين التي اعتبرت أن مطالبها لا تدخل في سياق

المطالب السياسية ما دامت تقتصر حصريًا على التشغيل فورًا في أسلاك الوظيفة العمومية. في هذا السياق، تظل قدرة النظام السياسي في المغرب على كسب رهان الوقت أمام الحركات الاحتجاجية

من أهم الآليات السياسية المعتمدة، خصوصًا أن هذه الأخيرة توجد موضوعيًا في الطرف الأضعف لموازين

((4(هناك شعور عام في المغرب بأن حركة 20 فبراير انتهت، من دون أن تحقق المكاسب السياسية التي ناضلت من أجلها، في حين

يطرح النقاش العمومي التساؤل حول ما تبقى اليوم من هذه الحركة، ولماذا لم تستمر بالزخم نفسه الذي بدأت به...

((4(انظر: أسامة الخليفي، «مكاسب حركة 20 فبراير والآفاق،» في: حركة أنفاس الديمقراطية [وآخرون]، ص.16

((4(هذا المفهوم مقتبس من مفهوم catch all parties الذي استخدمه أوتو كيرشهايمر (O. Kirchheimer) ابتداء من سنة 1966

للتعبير عن نهاية أحزاب الجماهير وبداية عصر الأحزاب، التي تبحث عن تجميع أكبر قدر من الناخبين مهما تشعبت رؤاهم السياسية

حول برنامج سياسي واحد. انظر:

Steven B. Wolinetz, « Beyond the Catch-all Party: Approaches to the Study of Parties and Party Organization in Contemporary Democracies,» in: Gunther, José Ramón Montéro and Juan J. Linz, eds., Political Parties: Old Concepts and New challenges (Oxford; New York: Oxford University Press, 2002), p. 137. (47) Olson, p. 22.

((4(انظر شهادة: الملحاف، ص.7

القوى السياسية، وهي من ثم الأقل قدرة على تحمّل هدر الزمن السياسي. بناء على ذلك، تلجأ السلطات

العمومية إلى سجلها التدبيري للأزمات السياسية؛ السجل الذي يتمحور على ثنائية القمع والتفاوض مع

المحتجين. فإذا كان القمع يرمي إلى اجتثاث الاحتجاج عن طريق إضعاف التنظيمات الاحتجاجية وكسرها

من جهة، ثم معاقبة المناضلين وقياداتهم جسديًا ونفسيًا ورمزيًا، عن طريق ضربهم ثم سجنهم وعزلهم عن

تنظيماتهم، من جهة أخرى، فإن التفاوض يرمي أساسًا إلى إضعاف الحركة عن طريق إبقائها فاعلة بلا فعَالية

في محيطها السياسي بالنقاش معها حول سقف المطالب الممكنة وحجمها. غير أن التفاوض بين الحركات

الاحتجاجية والدولة لا يتم دائمً بشكل مباشر، كما أنه لا يتم في إطارٍ مؤسسي موجود سلفًا قد يحدد مداه، بل

هو صيرورة سياسية تفاعلية ممتدة في الزمن بين الدولة والحركات الاحتجاجية، تكون تارة مباشرة وتكون

في كثير من الأحيان غير مباشرة، وتتم عبر البيانات والخطب وعبر فاعلين سياسيين خارجيين قد يؤدون

دور الوساطة؛ ذلك أن خطاب الملك في 9 آذار/مارس 2011 شكّل في حينه منعطفًا سياسيًا مهمًّ، نظرًا

إلى استجابة القصر لمجموعة كبيرة من المطالب والشعارات السياسية التي جرى تداولها في الحراك من دون

تفاوض مباشر مع قياداته. كما شكلت لحظة الاستشارة السياسية مع الهيئات السياسية والمدنية التي قامت

بها اللجنة الاستشارية لمراجعة الدستور حول المطالب السياسية القابلة للدسترة، لحظة تفاوضية بين الدولة

والمجتمع السياسي والمدني، استطاعت الدولة من خلالها استباق مجموعة من مطالب هذا المجتمع وتبنّيها

ثم تحويرها وتقييدها بمجموعة من الشروط والمساطر التي أفرغتها من محتواها في النهاية، بالنظر إلى صعوبة

أو استحالة تحقيقها على أرض الواقع؛ إذ إن مطلب الملكية البرلمانية الذي يرمي إلى تقليص سلطات الملك

لجعله يسود ولا يحكم جرى التعاطي معه في حدوده الدنيا، أي في حدود الملكية الدستورية التي يحكم

فيها الملك ويسود وفقًا لأحكام الدستور. كما أن دسترة الأمازيغية والجهوية والتمثيلية السياسية العادلة

للنساء والديمقراطية التشاركية والحكامة وشفافية الدولة ومؤسساتها وسمو القوانين الدولية على القوانين

الوطنية...، أصبحت أيضًا أحكامًا دستورية يصعب تحقيقها بالنظر إلى الشروط المسطرية والقانونية التي

قيدت بها. من هذه الزاوية، يبدو أن الحركات الاحتجاجية خسرت رهانها من حيث ظنت أنها ربحته،

خصوصًا أن الدولة في المغرب تتوفّر على سجل تاريخي من المفاوضات مع الحركات الاحتجاجية والسياسية

التي استطاعت من خلالها ربح الوقت والجهد والالتفاف على مطالبها أو عبر تبنّيها وتحويرها أو عبر استغلال

تناقضاتها الداخلية، بما يسمح في نهاية الأمر بتحقيق الهدف الأساسي المتعلق باستقرار الدولة ومؤسساتها

واستمرارها في الزمن. ولعل ما يفسر استقرار النظام السياسي في المغرب، على الرغم من الأزمات الدورية

التي عاشها، يظل في الأساس قدرة هذا الأخير على مواصلة التفاوض مع المعارضين والمحتجين من جهة،

وعلى تعدد القنوات والوسائط التواصلية بين المتفاوضين حتى في اللحظات السياسية الحاسمة التي تكون

فيها الأزمة على أشدها.

خاتمة

إن فشل الحركات الاحتجاجية المغربية في صيرورة تحولّها نحو حركات اجتماعية مؤسسة ممتدة في الزمن

يظل رهين تداخل وتفاعل كثير من المتغيرات الذاتية والموضوعية، التي حددت مسارها وهويتها الجماعية،

ومن ثم قدرتها على الحركة وتعبئة الموارد وتوزيعها بين زبائنها؛ فعلى المستوى الموضوعي، تُعَدّ نوعية

الفرص السياسية التي يتيحها النظام السياسي للعنف الهوياتي لدى الحركات الاحتجاجية ضعيفة بالنظر

(49) Érik Neveu, Sociologie des mouvements sociaux , Repères; 207, 4ème éd. (Paris: La Découverte, 2005), p. 19.

إلى تكلفتها العالية مقارنة بالاحتجاج السلمي. كما أن الأحزاب السياسية والنقابات وهيئات المجتمع

المدني والحركات الإسلامية المعتدلة، بمختلف أطيافها، أدت دورًا مهمًّ في الوساطة بين السلطات

العمومية والحركات الاحتجاجية، بالنظر إلى أنها كانت المتلقي المباشر لمطالبها، حيث عملت على تجميعها

ثم صوغها في شكل مطالب سياسية ممكنة التحقق، من قبيل الملكية البرلمانية، وفصل السلطات، والحكامة

السياسية والجهوية... لكن يظل أهم ما قام به هؤلاء الفاعلون، لتليين المواقف الاحتجاجية وتقويض النزوع نحو العنف الهوياتي،

هو الوظيفة المستترة المنبرية التي سمحت لأعداد مهمة من المحتجين والغاضبين والمتمردين بالحصول على

منبر للتعبير والتنفيس عن غضبهم بشكل حر ومن دون خشية من القمع؛ إذ تمكنت جماعة العدل

والإحسان وبعض الأحزاب اليسارية الراديكالية وحزب العدالة والتنمية، إضافة إلى منظمات المجتمع

المدني مثل الجمعيات الحقوقية والنسائية والجهوية، من القيام بدور مهم في هذا المجال، عبر الوساطة

والمرافعات المستمرة تجاه الدولة، بما يسمح في كثير من الأحيان بالتنفيس عن الاحتقان وتقليص الحاجة

إلى استعمال العنف كوسيلة أساسية للتفاوض السياسي. كما استطاعت بعض المنظمات المدنية القطاعية، مثل حركة المعطلين الشباب، والنسائية والثقافية، أن

تؤدي دورًا مهمًّ في عملية لامركزة الاحتجاج ونقله من العاصمة إلى المدن والقرى الهامشية، بما ساهم

إلى حد بعيد في ابتذاله من جهة، وجعله من جهة أخرى مجرد آلية تفاعل روتيني بين مختلف الفاعلين

السياسيين والمدنيين ومؤسسات الدولة، تشبه الآليات التقليدية، مثل التظلم وتقديم العرائض

والاعتصام والإضراب. أمّا على المستوى الذاتي، فإن الحركات الاحتجاجية الوطنية فشلت في صيرورة بنائها لهويات سياسية

وتنظيمية منسجمة وقوية وقادرة على القيام بدور اندماجي لمختلف مكوناتها، في مواجهة القمع ومقاومة

السلطات العمومية. كما إنها فشلت في بناء تنظيم مؤسس يسمح بتعظيم الموارد السياسية والرمزية

الجماعية والفردية للمناضلين من جهة، وتوزيعها بشكل يضمن استمرار ولائهم ونضالهم من جهة ثانية.

ولعل ذلك يرجع أيضًا إلى الطبيعة التعادلية للمجتمع المغربي، الذي لا يسمح في كثير من الأحيان ببروز

الزعامات السياسية والتنظيمية التي قد تستطيع تعبئة المناضلين حول هوية مشتركة ولهدف مركزي

موحد؛ إذ يبدو أن ذلك قد انعكس على قدرة هذه الحركات على تطعيم صفوفها بمناضلين جدد من بين

الأغلبية الصامتة، التي ظلت كذلك حتى بعد الحراك. بيد أن هذا الفشل التنظيمي يجب ألّ يحجب الطفرة النوعية التي أحدثتها هذه الحركات على مفهوم

الاحتجاج في المغرب؛ إذ استطاعت أن تُدث تغيرًا جذريًا في براديغم الهويات السياسية الجماعية على

مستويين أساسيين: مستوى الفرد كجسد وكفكر، حيث إنه أصبح - أكثر من أي وقت مضى- المتغير

الأساسي لكل فعل سياسي واجتماعي، ثم مستوى الفضاء العمومي الذي لم تعد السلطة العمومية تحتكره،

بل أصبح فضاء مشتركًا للصراع والتفاوض، وأصبح احتلاله رمزًا للاعتراف بالهويات السياسية والجماعية

والفردية في المغرب بعد الحراك.

(50) Georges Lavau, « À la recherche d’un cadre théorique pour l’étude du Parti communiste français,» Revue française de science politique , vol. 18, no. 3 (1968), pp. 445-466. (51) Combes et Fillieule, p. 1070.