العودة إلى تفاصيل المؤلَّف تحسين الولوجية وإعادة تنظيم النقل والتنقل حالة دراسية: المدينة القديمة في فاس

تحسين الولوجية وإعادة تنظيم النقل والتنقل حالة دراسية: المدينة القديمة في فاس

Enhancing Accessibility, Reorganizing Transport and Mobility: The Old City of Fez

محمد البغدادي* حسن الحجامي **

الملخّص

ظلت مدينة فاس القديمة، وهي واحدة من أبرز المدن التراثية الإسلامية وأكبرها في العالم العربي، محافظة، ولقرون كثيرة، على طابعها التقليدي، خاصة ما تعلق بشكلها المورفولوجي وبشبكة طرقها التي تتميز بتخطيط خاص جعلها متفردة ومغايرة لما يمكن ملاحظته في المدن التي أُنشئت إبان المرحلة الاستعمارية أو في فترة الاستقلال. وقد شكلت هذه الشبكة الطرقية وحدة عضوية متجانسة على الرغم من التباين في وظيفة كل صنف من أصنافها المختلفة، وإليها يعود الفضل في جعل مدينة فاس القديمة أكبر مجال للراجلين في العالم. إلّا أن ذلك لا يعني أن المدينة بقيت بمعزل عن التحديات التي بات الواقع الحالي يطرحها، خاصة على مستوى التنقل وحركة المرور، فمع ظهور وسائل النقل العصرية وازدياد الحاجة إلى خدماتها، هذا بالإضافة إلى تزايد تدفق المارة والسياح وأيضًا الأنشطة والخدمات، أصبحت المدينة القديمة تواجه تحديًا كبيرًا يتعلق بمسألة الولوجية، وهي تحدٍ بات يُطرح بحدة، ولا سيما في ظل الحديث عن مدينة فاس القديمة كمدينة لها حمولة تراثية ذائعة الصيت. إن رفع التحدي المتعلق بالولوجية يُعَدّ من الأسس الكفيلة بإنقاذ نسيج فاس الحضري القديم ودفعه نحو المساهمة في تحريك عجلة التنمية المحلية. وفي هذا الصدد، حظيت مدينة فاس القديمة بنصيبها من الاستراتيجيات التي تروم إنقاذ المدينة وردّ الاعتبار إليها، حيث استهدفت هذه الاستراتيجيات البنية التحتية للمدينة القديمة، مركزة على شبكة طرق الراجلين، والمداخل الخمسة المخصصة للنقل العصري، إلى جانب ما تتوفر عليه من مواقف لركن السيارات.

Abstract

The ancient city of Fez, one of the leading and largest cities of Islamic heritage in the Arab world, has retained its traditional character over many centuries. This is particularly the case with regards to its morphologically distinctive network of access roads. These roads were established according to a plan that renders the network unique and different from cities that were established during the colonial period or in the period after independence. This road network forms a homogeneous organic whole despite the variation in each of the many types of roads, giving the ancient city of Fez the largest pedestrian area in the world. Though unique, the city has remained isolated from the challenges facing the wider city, and the country as a whole, especially with regard to mobility and circulation of traffic. With the emergence of modern transportation and the increased need for transportation services, as well as the increasing flow of passers-by, tourists, and expanding range of activities and services, the old city faces a great challenge of accessibility. This challenge one that is posed sharply by burden of the ancient city’s renowned heritage. Addressing the challenge of accessibility is one of the foundations of any project to save the urban fabric of old Fez. Such a plan would enable the city to accommodate local development. In this regard, the Fez has been blessed with its share of strategies that seek to save and rehabilitate the city. These plans have targeted its old infrastructure and focused on pedestrian walkways and five gateways, and focused on making the city accessible for modern transport, as well as on the provision of parking facilities.

الكلمات المفتاحية:
  • الولوجية
  • النقل
  • التنقل
  • المدينة القديمة
  • القناطر
  • أبواب فاس
  • الاختناقات المرورية
Keywords:
  • Fez- Morocco
  • Old Medina
  • Road Network
  • Arcades
  • Traffic Congestion

حالة دراسية: المدينة القديمة في فاس

ظلت مدينة فاس القديمة، وهي واحدة من أبرز المدن التراثية الإسلامية وأكبرها في العالم

العربي، محافظة، ولقرون كثيرة، على طابعها التقليدي، خاصة ما تعلق بشكلها المورفولوجي

وبشبكة طرقها التي تتميز بتخطيط خاص جعلها متفردة ومغايرة لما يمكن ملاحظته في المدن

التي أُنشئت إبان المرحلة الاستعمارية أو في فترة الاستقلال. وقد شكلت هذه الشبكة الطرقية

وحدة عضوية متجانسة على الرغم من التباين في وظيفة كل صنف من أصنافها المختلفة،

وإليها يعود الفضل في جعل مدينة فاس القديمة أكبر مجال للراجلين في العالم. إلّ أن ذلك

لا يعني أن المدينة بقيت بمعزل عن التحديات التي بات الواقع الحالي يطرحها، خاصة

على مستوى التنقل وحركة المرور، فمع ظهور وسائل النقل العصرية وازدياد الحاجة إلى

خدماتها، هذا بالإضافة إلى تزايد تدفق المارة والسياح وأيضًا الأنشطة والخدمات، أصبحت

المدينة القديمة تواجه تحديًا كبيرًا يتعلق بمسألة الولوجية، وهي تحدٍ بات يُطرح بحدة،

ولا سيما في ظل الحديث عن مدينة فاس القديمة كمدينة لها حمولة تراثية ذائعة الصيت. إن رفع التحدي المتعلق بالولوجية يُعَدّ من الأسس الكفيلة بإنقاذ نسيج فاس الحضري

القديم ودفعه نحو المساهمة في تحريك عجلة التنمية المحلية. وفي هذا الصدد، حظيت مدينة

فاس القديمة بنصيبها من الاستراتيجيات التي تروم إنقاذ المدينة وردّ الاعتبار إليها، حيث

استهدفت هذه الاستراتيجيات البنية التحتية للمدينة القديمة، مركزة على شبكة طرق

الراجلين، والمداخل الخمسة المخصصة للنقل العصري، إلى جانب ما تتوفر عليه من

مواقف لركن السيارات.

الإنسانية، ظهر المهراز، فاس، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، المغرب. سيدي محمد بن عبد الله، المغرب.

مقدمة

تتميز شبكة الطرق في الأنسجة الحضرية القديمة في المغرب بجملة من الخصائص والمحددات

التي تجعلها متفردة عن مثيلتها في المدن الحديثة النشأة، وهو الشيء الذي يبقيها بعيدة نسبيًا عن

وسائل النقل العصرية، التي بات يُعتمد عليها بشكل كبير في الوقت الحاضر من أجل تقريب الخدمات وتلبية

الحاجات الضرورية. وتُعتبر إكراهات النقل وضعف مستوى الولوجية من أبرز التحديات التي تتقاسمها

المدن المغربية القديمة،  وخصوصًا مدينة فاس القديمة، وهو تحد يهدد كيانها التاريخي باعتبارها مصدرًا مهمً

للتراث الحضري الذي يُعَدّ بمثابة عامل جذب للسياح، على اختلاف انتماءاتهم الجغرافية والثقافية. يعود تاريخ تأسيس مدينة فاس القديمة إلى فترة حكم الأدارسة، وتحديدًا إلى سنة 193 ه / 809 م.

وقد استطاعت هذه المدينة - الممتدة على مساحة 003 هكتار، والبالغ عدد سكانها حوالى 00.0001

نسمة (إحصاء -)2004 أن تحافظ نسبيًا على إرثها الحضري والثقافي لأزيد من 21 قرنًا، مقارنة بمدن

عربية إسلامية أخرى لم تسلم من تدخلات غير ملائمة، غيرت ملامحها ومشاهدها وبيئتها الحضرية إلى

الأبد، كما هو الشأن بالنسبة إلى مدينة دمشق السورية التي سُمح لوسائل النقل باختراق بلدتها القديمة

بعد بقرها وتوسيع بعض طرقاتها بموجب المخطط الذي صاغه المهندسان إيكوشار وبانشويا. على الرغم من هيمنة المحاور المخصصة للراجلين، فإن بعض المناطق في نسيج فاس الحضري القديم

تتيح لوسائل النقل العصرية إمكانية ولوج المدينة، إلّ أن ذلك لم يشفع للأخيرة في أن تكون بمنأى عن

مشكلات مرتبطة بالنقل والتنقل؛ فمع ظهور وسائل النقل العصرية وازدياد الحاجة إلى خدماتها، إلى جانب

تزايد تدفق المارة والسياح، وأيضًا ارتفاع وتيرة الأنشطة والخدمات، أصبحت المدينة القديمة تواجه تحديًا

كبيرًا يتعلق بمسألة الولوجية. ووعيًا بثقل هذا التحدي، أُدرج مشروع تحسين الولوجية ضمن أولويات

سياسات الإنقاذ وردّ الاعتبار التي شهدتها مدينة فاس القديمة في مطلع تسعينيات القرن الماضي. على الرغم من الحمولة التاريخية والتراثية التي تحظى بها مدينة فاس القديمة، فإن تحسين الولوجية

يظل العامل الجوهري للتعريف بهذه المدينة ووصلها بباقي التجمعات الحضرية، حتى لا يحكم عليها

طابعها التقليدي بأن تبقى سجينة الماضي في ظل الحداثة؛ ذلك أن إنقاذ المدينة وبث الدينامية داخل أحيائها

رهينا النهوض بمستوى الولوجية فيها، وتمكينها من الاستفادة من خدمات النقل العصري الذي يمكنه

أن يشكل عامل نهوض وتنمية للمدينة ككل. تعمل هذه الدراسة على تبيان الإكراهات التي تشهدها مدينة فاس القديمة على مستوى النقل والتنقل،

وتحليل الاستراتيجيات التي جرى تبنّيها لرفع هذه الإكراهات وتنظيم حركة المواصلات والراجلين،

(((أول سلالة أرست أركان الدولة الإسلامية في المغرب سنة 0/17 ه 867 م، وسُمّيت الأدارسةَ نسبة إلى المولى إدريس الأول

بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. وبعد وفاة المولى إدريس الأول، خلفه ابنه المولى إدريس الثاني مؤسس مدينة

فاس.

(((مصطلح الولوجية مشتق في اللغة العربية من فعل ولج، وفي لسان العربلابن منظور نجد ولج البيت أي دخله،

والمَولج هو المدخل، أمّا الوُلج فتعني الأزقة. وفي اللغة الفرنسية تُترجم الولوجية بكلمة Accessibilité التي يُقصد بها،

كما ورد في معجم لاروس، حق شخص ما في الوصول إلى مكان معيّن وإمكانية الوصول. وللإشارة، يعود أصل الكلمتين

كلتيهما إلى الكلمة اللاتينية Accessibilis ويُقصد بها القرب. وهناك كثير من الكلمات العربية التي تستخدمها مختلف

المنظمات والأفراد للدلالة على كلمة Accessibilité، منها، على سبيل المثال لا الحصر، الكلمات التالية: الإتاحة، تسهيل

الوصول إلى، تسهيل الحصول على، التيسير والميسورية، ثم الإيصالية، وغيرها من الكلمات.

وإبراز مدى مساهمة المشاريع المتعلقة بالبنية التحتية، وتحسين الولوجية في التخفيف من «عزلة» مدينة

فاس القديمة. وتشدد الدراسة على أن المجال هو مجال خاص بالراجلين بامتياز، مع ضرورة الحفاظ عليه. المقاربة التي اعتُمدت في إنجاز هذه الدراسة هي مقاربة جغرافية، قوامها الجمع بين التشخيص والتحليل

بهدف الوصول إلى ضبط العلاقات والتفاعلات بين مختلف العناصر المشكّلة للظاهرة المدروسة. وقد تم

ذلك بالاعتماد على كثير من أدوات البحث الكمية والكيفية، مع ضبط محكم لكل عناوينه، هذا إلى جانب

الانفتاح على مقاربات وأدوات بحث أخرى، وأخص بالذكر المقاربتين التاريخية والسوسيولوجية وعلى

مستوى العمل الميداني، اعتُمد على عدد كبير من الدراسات التقنية والميدانية المتعلقة بتحسين البنية التحتية

في المدينة القديمة. أمّا بخصوص العمل الخرائطي، فاعتُمد على نظام المعلومات الجغرافي لإعداد الخرائط

التي تستلزمها هذه الدراسة.

شبكة الطرق والأزقة: شبكة للراجلين بامتياز

الخصائص المميزة للشبكة الطرقية

بقيت مدينة فاس القديمة بمأمن من التدخلات «العشوائية» التي لا تقيم وزنًا لكل ما له قيمة تاريخية.

ومن ضمن المكونات الأساسية لهذا النسيج الحضري، وهي مكونات ظلت على حالها قرونًا طويلة، نجد

شبكة الطرق والأزقة والدروب التي تمثّل نسيجًا حضريًا خاصًا بالراجلين بامتياز. لذلك، فإن هذه المدينة

تشكل النسيج الحضري التقليدي الأكثر اكتمالً والأكثر تعبيرًا عن أشكال التمدن الإسلامي وأنماطه،

وهو بذلك النسيج الأوحد تقريبًا، المتميز بهذه الصفات ولا يزال قائمً ومسكونًا في عالمنا المعاصر. تنفرد شبكة الطرق التقليدية بخصائص متميزة تضفي عليها قيمة تراثية تسترعي اهتمام زوار المدينة على

اختلاف انتماءاتهم الجغرافية والاجتماعية. وتتجلى هذه الخصائص في الانحدار والانعراج ثم خاصية ضيق

الأزقة، من دون أن ننسى خاصيتها الجمالية. - خاصية الانحدار: نشأت مدينة فاس القديمة وتطورت على سفحي وادي فاس، وتركت الخصائصُ

غير المنتظمة للموضع بصماتها على شكل الأزقة، خاصة في ما يتعلق بانحدارها حيث تتجه كلٌّ من

الضفة الشرقية لمدينة فاس القديمة وضفتها الغربية (عُدْوة الأندلس وعُدْوة القرويين) نحو سافلة

الواد، وهنا تظهر خاصية الانحدار بشكل جلي يتراوح بين 7 و 51 في المئة، خصوصًا في محاور المرور

الرئيسية مثل الطَّالعة الكبيرة والطَّالعة الصغيرة، مرورًا بزُقاق لَْجَرْ. وتتقلص حدة الانحدار كلما

اتجهنا نحو مركز المدينة القديمة الديني والاقتصادي الذي أقيم على المكان الوحيد المنبسط لعُدْوة

القرويين. ويساعد الانعراج، وهو أحد أبرز الخصائص التي تسم شبكة الطرق، على التخفيف من

حدة الانحدار.

(3) Mohamed Naciri, «La Médina de Fès: Trame urbaine en impasses et impasse de la planification urbaine,» dans: Présent et avenir des médinas: Marrakech à Alep, présentation de J. Bisson et Jean-François Troin, Urbanisation du monde arabe; 10-11 (Tours: Institut de géographie, 1982), p. 237. (4) Mohammed Baghdadi, «La Médina de Fès: Flux d'hommes et de produits,» (Thèse de Doctorat en Géographie, Université de Tours, 1990), p. 34.

المصدر: وكالة التنمية وردّ الاعتبار إلى مدينة فاس (بتصرف.)

- ضيق الأزقة: هي خاصية تطغى بشكل واضح وجلي على مجال فاس الحضري القديم، وتجعله بمثابة

«متاهة» معقدة يستحيل ولوجها بواسطة وسيلة نقل عصرية. ويجد ضيق أزقة المدينة القديمة ودروبها

تفسيره في تفاعل مجموعة من العوامل تتراوح بين ما هو حضري واجتماعي وطبوغرافي ومناخي. من

ضمن العوامل الحضرية المساهمة في ضيق الأزقة، يمكن ذكر الأسوار المحيطة بالمدينة القديمة؛ فقد كان

لها دور كبير في تضييق الشوارع، فبتحديدها المسبق لمساحة المدينة، دفعت السكان إلى استغلالها استغلالً

مكثفًا... وقد أعيد توسيع مساحة المدينة المسوَّرة بعد أن هُدمت أسوار المدينة وأعيد بناؤها مرتين،

استجابة للحاجة الملحة إلى مزيد من المساحات والأراضي الفارغة التي تتطلبها الامتدادات العمرانية. أمّا المحددات المناخية المفسِّة لضيق الأزقة، فتتمثل بالتحديد في اتجاه الرياح وأشعة الشمس؛ ففي

الدروب المغطاة المظلمة الطويلة في غالب الأحيان والتي تذكّر بالأنفاق، يصطدم الظل والنور في الأيام

المشمسة. ومدينة فاس القديمة تتألف من «متاهة» من الأزقة والدروب الضيقة والملتوية التي تقوم على

طولها بنايات منخفضة الارتفاع وتوفر التظليل الطبيعي والصحي، وترسخ القيم الاجتماعية. بالنسبة إلى العوامل الاجتماعية، فإنها تركت هي الأخرى بصمتها على تخطيط شبكة الطرق. لذلك،

عمل ضيق الأزقة من الناحية الاجتماعية على ترسيخ وتجسيد نمط من التعايش الاجتماعي، القائم على

أساس كثير من شبكات التآزر والتضامن مع غياب لمنطق التفاوت الطبقي. كما أن وجود أحياء اتسمت

بانسجامها، سواء على مستوى المكونات السكانية الاجتماعية أو على مستوى الانتماء القبلي أو الجغرافي،

مثل حي فندق اليهودي، وقصبة فيلالَة، وقصبَة اشَِْ اكَة، والملاَّحْ... إلخ يستدعي إعادة النظر في الصورة

الباعثة على «الحنين» لمجتمع فاس القديم، حيث لا وجود لتمييز أساسه الفروق السوسيو- اقتصادية ولا

علاقة للسكن بالرخاء المادي.

(5) رشيد أعفيرات وعمر الإدريسي، «مقاربة الشكل في العمارة الأصيلة نموذج مدينة فاس،» (بحث لنيل دبلوم مهندس معماري،

المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية، الرباط، 2199)، ص.79

(((روجي لوطورنو، فاس قبل الحماية، ترجمه إلى العربية محمد حجي ومحمد الأخضر (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2199)،

ص.188

(7) Michal Kubis, "Masdar City - A Fez of the future?: Using the Traditional Urban Design Features and City's Social Patterns as a Base for the Design of a Sustainable City in the 21st Century," (EAU, 2012), p. 3.

(((اليزيد حمدوني علمي، «التمدين والبيئة الحضرية بمدينة فاس،» (أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في الآداب والعلوم الإنسانية

تخصص جغرافية المدن، كلية الآداب ظهر المهراز، فاس، 2004)، ص.174

- البُعد الجمالي للطرقات والأزقة: تحظى واجهات الطرقات والأزقة والدروب بسِمات معمارية جمالية،

لا تقل أهمية عن باقي المعالم التاريخية بالمدينة القديمة؛ فالتواءات طرق مدينة فاس القديمة وانعراجاتها

تشكل قيمة جمالية في حد ذاتها، ذلك أن السير فيها يتم عبر مسافات قصيرة متصلة تمكّن من التأمل الهادئ،

وتعطي فرصة للتجول البصري في الاتجاهات المختلفة. ووجود ما يسمّى «السابات » وهي تغطي

دروبًا وأزقة عدة في مدينة فاس، لا يُفسر فقط الرغبة في الوقاية من حر أشعة الشمس، بل يضفي أيضًا بُعدًا

جماليًا على المشهد الحضري، هذا إلى جانب النوافذ التي تتوسط واجهتها والمزينة بنقوش تجلب الأنظار.

تصنيف الأزقة والطرقات

تصنَّف أزقة مدينة فاس القديمة وطرقاتها وفقًا لوظيفتها المجالية. ورغم اختلاف أصنافها، فإنها تبقى

مرتبطة بعضها ببعض، مشكّلة وحدة مجالية متكاملة. ويمكن تصنيف طرقات مجال فاس الحضري القديم

وأزقته على النحو الآتي:

- الأزقة الرئيسية: للأزقة الرئيسية، أو ما يُطلَق عليها اسم «الزَّنقَة»، دور محوري ضمن منظومة السير

بنسيج فاس الحضري القديم؛ فبفضلها ترتبط أطراف المدينة بمركزها الديني والاقتصادي، حيث يوجد

جامع القرويين وضريح مؤسس المدينة المولى إدريس، والمحاور التجارية، كمحور الطالعة الكبيرة الذي

يربط باب المَحْروق وباب بُوجْلُود غرب المدينة القديمة بسوق العطَّارين التجارية في مركز المدينة. وتتميز

الحركة في الأزقة الرئيسية بكونها مستمرة دومًا.

تؤدي هذه الأزقة إلى عدد من المعالم التراثية (الفنادق، المدارس، المساجد...)، وأيضًا الرياض ودور

الضيافة التي تقدم خدمات متنوعة للسياح. ويتراوح عرض هذه الأزقة بين ثلاثة وخمسة أمتار، وهو

ما يسمح نسبيًا باستيعاب تدفّق السلع والمارة، بما في ذلك الوفود السياحية، حيث تشهد هذه الأزقة على

طول السنة تدفقًا مهمً للسياح الأجانب من مختلف الجنسيات.

- الأزقة الثانوية: تُعرف الأزقة الثانوية ب «الزْقَاق»، وهي لا تقل أهمية ضمن منظومة شبكة الطرق

التقليدية، إذ تشكل حلقة وصل بين المجال العام المتمثل في محاور المرور الرئيسية، حيث تقع أهم الأنشطة

التجارية، والمجال المخصص للوحدات السكنية. ويمكن أن نذكر على سبيل المثال زقاق الرْوَاح الذي

يربط ساكنيه بزنقة الطالعة الصغيرة، حيث تتمركز الأنشطة التجارية والحرفية. - الأزقة غير النافذة: تشكل الأزقة أو الدروب غير النافذة أصغر وحدة في نظام الطرق. وهي تربط

التجمعات السكنية بالأزقة الثانوية، ومن ثم بالأزقة الرئيسية. وما يميزها هو كونها مجالً غير نافذ يسمح

بالولوج ولا يسمح بالمرور. ويُعرف الدرب بكونه وحدة سكنية جوارية، وهو عنصر عمراني انتشر

استعماله في المدن الإسلامية منذ عصر مبكر، وكان بناؤه يحقق الأمن والسكينة. من هنا يتضح أن

الدرب يبقى مجالً خاصًا بالسكان القاطنين فيه، وبالتالي يمكن اعتباره امتدادًا للوحدات السكنية. وتُعَدّ

دروب مدينة فاس القديمة الأكثر ضيقًا، مشكّلة بذلك «عنق زجاجة»، ويتراوح عرض كلٍّ منها بين

0.50 و 0.80 سم، ونادرًا ما يتجاوز المتر الواحد.

(((أعفيرات والإدريسي، ص 84.

(1((السابات هي أزقة مغطاة تعلوها بناية صغيرة تتوسطها نافذة. وتبدو هذه السابات كأنفاق فوق الأرض.

(((1 أعفيرات والإدريسي، ص 66-65.

(12) Said Ennahid, «Access Regulation in Islamic Urbanism: The Case of Medieval Fès,» Journal of North African Studies , vol. 7, no. 3, 2002. (This Article Was Downloaded by Al Akhawayn University, 2 September 2010), p. 132, on the Web: <http://citi.aui.ma/shss/Said_ennahid/Access_Regulation_in_Islamic_Urbanism2_Ennahid.pdf>.

درب لَْقوَّص في زنقة العيون

من أزقة الضفة اليسرى لمدينة فاس القديمة. وكما يلاحظ في الصورة، لا يتجاوز عرضه 0.50 سم

(شباط/فبراير 2013، صورة شخصية)

القناطر: موروث حضاري وعنصر اتصال

شكلت القناطر في مدينة فاس القديمة أحد أبرز عناصر شبكة الطرق التي توحدت المدينة بفضلها وكونت

اللحمة بين الضفتين اليمنى واليسرى. وبالرجوع إلى تاريخ نشأتها، يمكن اكتشاف الدور الذي أدته على

مستوى تيسير حركة السير والتنقل داخل المدينة القديمة، مساهِة في اختصار المسافات وربح الوقت.

يعود تاريخ القناطر في نسيج فاس الحضري القديم إلى عهد الأمراء الزَّنَاتيين في القرن الحادي عشر،

حين زادت شهرة مدينة فاس مع الأمراء الزناتيين المغراويين، وقصدها الناس والتجار من جميع الأقطار

والأمصار، فأضحت حاضرة المغرب، وتمدنت وعظم شأنها، وازدادت فيها العمارة وكثرت أرباضها

وحُصِّنت أبوابها ومُدت بين عُدْوتيها القناطر، وهو ما كان له بالغ الأثر في تطور المدينة العمراني

وفي توحيد عُدْوتيها القرويين والأندلس من خلال إنشاء القناطر التي بلغ عددها آنذاك ست قناطر،

وهي: قنطرة أبي طوبة، وكانت تسمّى أيضًا قنطرة بُوعجَّارة؛ قنطرة أبي برقوقة، وكانت تُعرف بقنطرة

الرَّصِيفْ؛ قنطرة باب السلسلة، ويطلق عليها حاليًا اسم قنطرة الطرَّافين؛ قنطرة الصبَّاغين التي ما زالت

تحمل الاسم نفسه، وتُعرف أيضًا بقنطرة الخرَاشْفيِيّنْ؛ قنطرة كهف الوقَّادِين، وتسمّى حاليًا قنطرة بين

المدن؛ قنطرة الرَّمِيلَة. هذه القناطر ساهمت بشكل كبير في تنظيم المرور نحو المركز الروحي والاقتصادي لمدينة فاس القديمة، ومنها

ثلاث قناطر ما زالت في مأمن من عمليات الهدم، وهي: قنطرة بيَن المُدن وقنطرة الطَّرَّافين وقنطرة الصَّبَّاغِين.

(((1 محمد مزين [وآخرون]، تاريخ مدينة فاس من التأسيس إلى آواخر القرن العشرين: الثوابت والمتغيرات (فاس: مطبعة سيباما،

2010)، ص.51

(1((المصدر نفسه، ص 52

الأبواب: منافذ ومعالم تاريخية

لا يستقيم الحديث عن السير في مدينة فاس القديمة والتجول فيها من دون الحديث عن الأبواب، التي

تجمعها بشبكة الطرق والأزقة علاقة عضوية وطيدة. وقد شكّل تخطيط الأبواب منذ قيام مدينة فاس

القديمة آلية لضمان استقرار هذه الأخيرة، وتأمين حياة سكانها وقاصديها، وهي ما زالت إلى اليوم المنافذ

التي بفضلها تنفتح المدينة على محيطها الخارجي ويتدفق عبرها المارة والسلع نحو المدينة القديمة وخارجها. تُعَدّ هذه الأبواب في الوقت الحالي نقطة الاتصال بين شبكة الطرق السيارةالموجودة خارج الأسوار

وشبكة الطرق المخصصة للراجلين داخل أسوار المدينة، كما تُعَدّ منافذ لولوج وسائل النقل العصري.

وفي ظل مشاريع الترميم وردّ الاعتبار التي شهدتها مدينة فاس القديمة في مطلع سنة 2000، استفادت

الأبواب من مشاريع واسعة رُمّت فيها جنباتها المتأكلة وجرى تبليط واجهاتها، وذلك وفقًا للمعايير

التي يقتضيها البناء التقليدي. ويقدَّر عدد الأبواب حاليًا ب 11 بابًا في كل من فاس البالي وفاس الجديد.

وسنقتصر في هذا الصدد على ذكر أبرز الأبواب التي تحيط بفاس البالي من جهاته الأربع. - باب بوجلود: دشّن الفرنسيون هذا الباب بحلته الجديدة المستحدثة سنة 9131، وهو ذو ثلاث فتحات

مزخرفة بالزليج الأزرق الفاسي من الواجهة الخارجية، وبالأخضر من الواجهة الداخلية. وإذا كان هذا

الإنجاز قد طمس الباب التاريخي القديم لقصبة بوجلود المرابطية، فإنه أضاف معلمً جديدًا إلى المجال

العمراني الفاسي لتنشيط حركة المرور والتجارة، ولاستقطاب السياح الأجانب الذين عادة ما يقدَّم لهم

على أنه من صلب التراث الفاسي الأصيل. يُعتبر باب بوجلود من الناحية السياحية معلمً سياحيًا يحظى باهتمام كبير من جانب السياح، كما يُعَدّ منفذًا

رئيسيًا يؤدي إلى قلب المدينة القديمة عبر الشريانين الرئيسيين للمرور: الطالعة الكبيرة والطالعة الصغيرة.

وبعد إقامة المسارات السياحية سنة 2004، أصبح باب بوجلود من أول المعالم التراثية التي يتعرف إليها

السياح الوافدون إلى مدينة فاس، خاصة زوار مسار «المعالم والأسواق»، الذي يمتاز بخصائص معمارية

فنية متميزة تتمثّل أساسًا في الفسيفساء ذات اللون الأزرق من الخارج واللون الأخضر من الداخل. - باب الفتوح: يقع جنوب شرق المدينة القديمة، وولوجه سهل لأنه يسمح بمرور مختلف وسائل النقل

العصرية (سيارات خاصة، سيارات أجرة وشاحنات...). كما أنه يتميز باحتضانه محطات طرقية تخص

حافلات وسيارات الأجرة الصغيرة والكبيرة داخل الأسوار وخارجها، وهو يربط المدينة القديمة بباقي

الأبواب وأيضًا بالتجمعات الحضرية المجاورة. تتفرع من باب الفُتوح ثلاث طرق داخل النسيج الحضري القديم، وهي سهلة الولوج بالنسبة إلى مختلف

وسائل النقل العصرية، كالشاحنات المخصصة لحمل السلع والبضائع، خاصة أن المنطقة تعرف تمركزًا

مهمً للأنشطة الاقتصادية. ويمكن عبر هذه الطرق الثلاث الوصول إلى نواة الضفة اليمنى للمدينة المتمثلة

في جامع الأندلس. ويُعتبر هذا الباب منذ سنة 2004 معلمً سياحيًا ضمن مسار الأسوار والحصون. وعلى

الرغم من افتقاره إلى الخصائص الجمالية كالزليج المتعدد الألوان أو ما شابه ذلك من أشكال الفن التي

تزين المعمار الأصيل، فإن له قيمة تاريخية مهمة تعود إلى القرن الحادي عشر.

(1((الطرق السيارة هي التي تسمح بولوج المركبات إلى أقرب نقطة من نواة المدينة القديمة.

(((1 مزين [وآخرون]، ص.263

- باب الكيسة: تتميز منطقة هذا الباب، وهي في شمال المدينة القديمة، بوجود منطقتين لتقطّع السير

الأولى خارج الأسوار، وهي ذات مساحة شاسعة تحتضن محطة لسيارات الأجرة الكبيرة وموقفًا لركن

السيارات تتراوح طاقته الاستيعابية بين 200 و 250 سيارة، وهو الأكبر من نوعه في المدينة القديمة.

أمّا منطقة تقطّع السير الثانية، فهي داخل الأسوار، وراء باب الكيسة، حيث تتمكن السيارات الخاصة

وسيارات نقل البضائع من ولوجها. وتشتهر هذه المنطقة بتمركز الأنشطة التجارية والإنتاجية التي يهيمن

عليها نشاط نجارة الخشب ومعاصر الزيتون. وترتبط منطقة باب الكيسة بالأبواب الأخرى المحيطة

بمدينة فاس القديمة وباقي التراب الحضري، بفضل الطريق الرئيسية التي تحدها شمالً وتربطها أيضًا

بالمناطق القروية المجاورة. - باب الجديد: تخترق منطقةَ هذا الباب طريق لمرور المركبات جرى شقها بعد تغطية واد الجواهر في بداية

السبعينيات من القرن الماضي، وتمتد من باب الجديد إلى باب سوق الرَّصيف الأقرب إلى مركز المدينة

القديمة. ويمر عبر هذه الطريق مختلف وسائل النقل العصرية، سواء الخاصة أو العمومية. وتُوفر المجالات الفارغة المجاورة لباب الجديد أماكن لوقوف وسائل النقل العصرية، وهي كفيلة بتخفيف

ضغط حركة المرور وحماية الراجلين في مدخل «الرَّصِيفْ»، في حال قيام الجميع بركن سياراتهم فيها، غير

أن حافلات النقل السياحي هي فقط وسيلة النقل التي تستفيد حاليًا من أماكن الوقوف تلك لتعذّر إمكان

متابعة سيرها إلى نهاية مدخل «الرصيف»، تفاديًا لمشكلة الاختناقات المرورية التي تفاقمت بحدة بعد

انطلاق مشروع إعادة تهيئة ساحة سِيد العوَّاد مؤخرًا.

المصدر: ملاحظة ميدانية -عمل شخصي.)2013(

(((1 يشير مفهوم منطقة تقطع السير إلى المناطق التي تتوقف عندها وسائل النقل العصرية، نظرًا إلى عدم استطاعتها متابعة السير في

مجال لا تسمح طبيعة شبكته الطرقية بذلك. وغالبًا ما تشكل منطقة تقطع السير الحد الفاصل بين الطرق السيارة والمناطق المخصصة

للراجلين.

(1((مقابلات متفرقة مع الأشخاص الذين يحرسون موقف السيارات في باب الكيسة، تاريخ.2013/4/20

النقل بواسطة الحمير والعربات المجرورة: وسيلة النقل المهيمنة في أحياء مدينة فاس القديمة

انعكست خصوصية شبكة الطرق والأزقة على نوع وسائل النقل المسخّرة لنقل البضائع؛ فإلى عهد قريب،

كانت هنالك جماعة من الأفراد يُسمَّون «زَرْزَايَة»، كان لها دور محوري في حياة السير والتنقل في مدينة فاس

القديمة، إذ كان أفراد تلك الجماعة يسخَّرون لنقل الأمتعة والسلع بكل حرص وأمانة، معتمدين فقط على

قوتهم العضلية. وقد بطل هذا النمط من النقل التقليدي بسبب كثير من المتغيرات الاجتماعية، منها هجرة

الفئات الميسورة التي كانت تعتمد على ال«زرزاية» بشكل كبير في مختلف أنشطتها اليومية بما كان يعنيه

ذلك من أشكال التباهي وتعزيز المكانة الاجتماعية. ويضاف إلى ذلك ظهور وسائل نقل بديلة تتلاءم مع

طبيعة أزقة المدينة القديمة ودروبها، وتتميز بسرعتها وحمولتها الكبيرة. من هذه الوسائل الحمير التي كانت تُستعمل لحمل السلع وجمع النفايات من الأزقة والدروب الضيقة.

وكانت مصدر إزعاج، لكنها كانت في الوقت نفسه جزءًا مهمً من المحيط الحضري، ومن مخيلة السياح

الذين كانت تثير حماستهم. وهناك أيضًا النقل بواسطة عربات الجر «الكراريس» المهيمنة على النقل

التقليدي في مدينة فاس القديمة والأقل تلويثًا من الحمير. تستمد مدينة فاس القديمة خاصيتها الحيوية من كونها في معزل عن التلوث والضوضاء الذي تحدثه

السيارات، وهذا ما يستهوي السياح الأجانب. وقد طبق المصممون الفكرة نفسها بالنسبة إلى مدينة

مصدر (مدينة ناشئة في شمال إمارة أبوظبي)، وهي أن تبقى السيارة في الأطراف بعيدًا عن المدينة، لضمان

بيئة حضرية سليمة، ويعكس ذلك الأولوية التي بدأ يوليها مصممو المدن للوسط البشري. إذًا، فاس

مدينة مريحة بفعل غياب النقل العصري داخل فضائها القديم.

مشكلات النقل والولوجية وتأثيرهما في الحياة اليومية للساكنة في مدينة فاس القديمة

تصدرت إشكالية النقل قائمة أولويات إنقاذ مدينة فاس القديمة في مطلع تسعينيات القرن الماضي، حين

تمت دراستها وتشخيصها من مختلف الجوانب، في أفق الوصول إلى حلول كفيلة بإخراج المدينة من دائرة

«العزلة» والتهميش. شملت الدراسات التشخصية الدقيقة - التي قام بإعدادها فريق من التقنيين الأجانب (Group Huit)

سنة 2199 بتعاون مع وكالة التنمية وردّ الاعتبار إلى مدينة فاس - شبكة الطرق داخل الأسوار وخارجها،

إضافة إلى خدمات النقل العصري، بما فيها النقل العمومي، لتتطرق بعد ذلك إلى أهم التحديات التي

تواجهها مدينة فاس القديمة في علاقتها بخدمات النقل العصري. وقد خلُصت الدراسات آنذاك إلى جملة

من النتائج هي كالتالي: • الطرق السيارة في المدينة القديمة تبقى غير كافية، وتحديدًا في الأحياء ذات القيمة التاريخية؛

(19) Muriel Girard, «Imaginaire touristique et émotion patrimoniale dans la médina de Fès (Maroc),» Culture et Musées, no. 8 (2006), p. 70. (20) Kubis, p. 4.

• مدخل الرصيف هو المدخل الوحيد الذي يخترق المركز التاريخي، وبالتالي فهو يشهد ضغطًا كبيرًا بسبب

النقل العصري؛ • غياب سياسة تدبير أماكن الوقوف وتنظيم حركة المرور؛ • انعدام سلامة الراجلين، وبالتالي يبقى توفير الحماية لهم أمرًا ضروريًا؛

• ضعف خدمات النقل العمومي بسبب غياب الاتصالات المباشرة بين أبواب المدينة القديمة،

وانعدام الربط المباشر بين هذه الأخيرة ومناطق الأنشطة الاقتصادية، مثل الأحياء الصناعية الدَّكَّارَات

وبَن سُودَة. يمكن القول إن مدينة فاس القديمة ما زالت تتخبط نسبيًا في معظم هذه المشكلات التي

حُدّدت في مطلع تسعينيات القرن الماضي؛ فعلى الرغم من إضافة مداخل وطرق سيارة أخرى، سيرًا على

نموذج مدخل الرصيف، فإن غياب التنظيم والتدبير المحكم يزيد من حدة مشكلات السير والمواصلات

والاستفادة من الخدمات الأساسية في المدينة القديمة.

مشكلات الولوجية والتنقل في المداخل الرئيسية ومحاور المرور

نال من دروب مدينة فاس القديمة وأزقتها من التدهور الشيء الكثير؛ فعلى الرغم من كونها استطاعت

أن تحافظ على خصوصياتها وصفاتها المعمارية، فإن شبكة الطرق الحضرية التقليدية لم تعد قادرة على

تقديم الولوجية المطلوبة لتمكين الساكنة من الوصول إلى الخدمات الأساسية (خدمات الإغاثة والأمن

والنظافة...)، إلى جانب الوصول إلى مختلف التجهيزات، وبكيفية خاصة، التجهيزات السياحية (دُور

ضيافة ومطاعم وبازارات...)، وأيضًا إمكانية الوصول إلى أهم المعالم التاريخية التي تختزل تاريخ وثقافة

المدينة ككل. أدى ظهور وسائل النقل العصرية إلى تطور مظاهر الحياة الحضرية ومختلف الممارسات المجالية المرتبطة

بها، لكنه جعل المدن القديمة، كمدينة فاس مثلً، تواجه تحديات كبرى؛ إذ أظهر عدد كبير من الدراسات

والتحليلات أن قضايا الولوجية تُعَدّ جوهر التحديات التي تواجهها المدينة القديمة. وقد أسفرت الخدمات التي تقدمها وسائل النقل العصرية عن تيسير الوصول الى الخدمات الأساسية

وتقريبها بشكل أفضل من السكان الحضريين، لكن عندما يتعلق الأمر في مجال حضري بخصوصيات

معمارية قديمة، يحدث تعثّر في الوصول إلى هذه الخدمات والاستفادة منها، وهذا ما يلاحَظ في مدينة فاس

القديمة التي تواجهها مشكلات عدة على مستويي النقل والولوجية.

مشكلة الاختناقات المرورية

تظهر مشكلة الاختناقات المرورية بشكل جلي عند المداخل السيارة للمدينة القديمة، وتنضاف إليها

مشكلة الاستغلال الفوضوي للمناطق الخاصة بالراجلين، سواء من طرف الباعة المتجولين أو من طرف

(21) Groupe Huit, et autres ; Sauvegarde de la ville de Fès (Paris; Fes: Programme Des Nations Unies pour Le développement; Ministère de l’Interieur, Maroc 1992), p. 37.

هذا الاسم يُطلَق على مجموعة من المهندسين المعماريين والمدنيين من فرنسا أُوكلت لهم-مطلع التسعينيات من القرن الماضي-

مهمة إعداد دراسات ميدانية ومعمارية حول المدينة القديمة لفاس بتعاون مع الفاعلين المحليين، وذلك بغرض بلورة المشاريع

الكفيلة بإنقاذ البنية التحتية بالمدينة، خاصة الشبكة الطرقية.

(22) Centre de Marseille pour l’Intégration en Méditerranée (CMI) [et al.], Accessibilité des medinas: Guide d’orientation à l’intention des décideurs (Lyon, France: Association de Coopération pour le Développement et l’Amélioration des Transport Urbains (CODATU), 2012), p. 7.

مستعملي السيارات. وتُفسَّ هذه المشكلة بغياب أماكن خاصة كافية لوقوف السيارات، الشيء الذي يدفع

السائقين إلى اجتياح الأرصفة والمجالات الفارغة، من دون مراعاة حقوق الراجلين من سكان المدينة

القديمة وزوارها في هذه المجالات. لهذا، يجب ألّ يغيب عن الذهن ضرورة إعطاء الأولوية للراجلين

داخل المدينة، حيث يجب حمايتهم، خصوصًا في مناطق تقطع السير التي تختلط فيها وسائل النقل العصرية

مع وسائل النقل التقليدية. يُعَدّ تمركز الباعة المتجولين على طول محاور المرور الرئيسية، إضافة إلى عرض بعض المحلات التجارية

سلعها خارج الدكاكين على حساب الطرق والممرات والساحات العمومية، من المشكلات التي تؤثر

سلبًا في تدفق البضائع وأيضًا المارة، وبكيفية خاصة وفود السياح الذين يمرون بأزقة المدينة القديمة

عبر مجموعات متتالية. وهنا تبقى ضرورة التفكير في توفير مجال خاص بهؤلاء الباعة المتجولين، إذ

سينعكس ذلك إيجابًا على وضعيتهم السوسيو- اقتصادية، كما سيساهم في تخفيف الضغط عن أهم

المحاور الطرقية في المدينة القديمة. ويمكن أن نشير في هذا الإطار إلى حالة سوق السَلّاَّلين النموذجي

الذي بُني حديثًا في محاذاة باب المحروق شمال غرب المدينة، لفائدة الباعة المتجولين من بائعي الخضر

الذين يحتلون جنبات طريق سوق السلالين المؤدية إلى الطالعة الكبيرة. إلّ أن الباعة رفضوا الانتقال

إلى هذا الفضاء المحدث، بدعوى أنه لا يلائمهم ولا يلائم أيضًا زبائنهم الذين اعتادوا التبضع منهم

في سوق السلالين المكشوفة، وبحجة أنه بعيد عن تيارات الرواج التي تعرفها السوق العشوائية

المكشوفة.

قلة أماكن وقوف وسائل النقل العصري

من ضمن الأسباب المفسِّة للفوضى التي تشهدها أماكن تقطع السير، والمتمثّلة في اجتياح الأماكن

المخصصة للراجلين واختلاط النقل التقليدي بالنقل العصري، نجد قلة الأماكن المخصصة لوقوف

وسائل النقل العصرية، كما هو الشأن بالنسبة إلى مدخل «الرصيف» الذي يفتقر حاليًا إلى أماكن وقوف

مخصصة للسيارات الخاصة التي تُركَن في مناطق الراجلين. ومن مظاهر الفوضى في أماكن تقطع السير، هناك أيضًا التداخل الحاصل بين وسائل النقل العصرية

وعدم احترام كل واحدة منها المكان المخصص للأخرى، كإقدام البعض من سائقي سيارات الأجرة أو

السيارات الخاصة على الوقوف في المكان المخصص لحافلات النقل العمومي، وهو ما يمس أيضًا النقل

السياحي الذي لم تُصَّص له أماكن وقوف عند المداخل الرئيسية من أجل ضمان سلامة السياح وراحتهم

وتشجيع زيارتهم للمدينة القديمة، ومن شأن ذلك أن يجعل من مدينة فاس وجهة مُنْفرة للسياح عوض

أن تكون جاذبة لهم.

ضعف خدمات النقل العمومي

يُعتبر ضعف خدمات النقل العمومي من ضمن التحديات البارزة التي تصطدم بها المدينة القديمة، الشيء

الذي يُبقيها في شبه عزلة عن باقي الوحدات الحضرية المشكّلة لمدينة فاس الكبرى والتي تتوسع يومًا بعد

(2((محمد البغدادي، «إنقاذ مدينة فاس إشكالية النقل بالمدينة الأصيلة كنموذج: ارتسامات أولية،» الجواهر (فاس)، السنة 6، العدد

23 (أيلول/ سبتمبر-تشرين الأول/ أكتوبر 1991)، ص.23

((2(مقابلة مع أحد الباعة المتجولين في سوق السلالين، تاريخ.2013/4/15

يوم. فغالبًا ما تشهد المدن القديمة، على مستوى النقل العمومي بصورة خاصة، نوعًا من التهميش، وجلها

يعاني ضعف الربط والاتصال بباقي أطراف المدينة. تعاني مدينة فاس القديمة ضعف الاتصال بالمجالات الحضرية المحيطة بها، وتحديدًا بشمال المدينة وجنوبها،

وطول مدة انتظار وسائل النقل العمومي. أضف إلى ذلك النقص الحاد في عدد الحافلات المسخّرة لذلك،

ورداءة حالتها الميكانيكية، وهو ما يؤدي إلى حالات من الازدحام، خاصة في أوقات الذروة، ويجعل

مستوى الخدمة المقدمة متدنيًا جدًا وغير لائق.

مشاريع تحسين خدمات النقل والتنقل وتأهيل شبكة الطرق التقليدية

إن التحدي الذي يواجهه نسيج فاس الحضري القديم على مستوى الولوجية يمس بقيمته التراثية، ويهدد

بالتالي جاذبيته السياحية؛ فأمام الفوضى التي تشهدها مواقف السيارات واجتياح وسائل النقل العصرية

للمناطق المخصصة للراجلين في أماكن تقطع السير، إضافة إلى الاختناقات المرورية في الطرق السيارة

... إلخ، كان لزامًا على الفاعلين والمتدخلين في مجال فاس الحضري (وكالة التنمية ورد الاعتبار إلى مدينة

فاس، الجماعة الحضرية لفاس...) التدخل لإعادة النظر في مشكلة السير والنقل في المدينة القديمة، ذلك

أن الإنقاذ الشامل للمدينة القديمة وخلق نوع من الانفتاح لصالحها من طريق تحسين أحوال النقل هما

أمران مترابطان. أخذت مشاريع تحسين مستوى الولوجية داخل المدينة القديمة طابعًا «شموليًا» وامتدادًا مجاليًا، حيث

شملت مختلف أحياء النسيج الحضري القديم، وطاولت الأزقة والطرق والمداخل السيارة وأماكن

تقطع السير. وتتوزع هذه المشاريع على النحو التالي:

مشروع الطرق الاستعجالية

تفتقر المدينة القديمة، كما أُشير آنفًا، إلى الخدمات الأساسية المتمثّلة في خدمات الإغاثة والأمن والنظافة.

ويعود ذلك إلى الخصائص المميزة للأزقة والطرق التي تعيق التدخلات الاستعجالية في حالة انهيار الدُور

المهددة بالسقوط أو في حالة نشوب حرائق، أو ما يخص الخدمات المتصلة بجمع النفايات المنزلية والمواد

الصلبة المتبقية من الهدم أو البناء. وفي داخل المدينة القديمة أحياء كثيرة لا يمكن الوصول إليها بواسطة وسائل النقل العصرية، ولا تستطيع

سيارات التدخل السريع (الشرطة، رجال المطافئ، سيارات الإسعاف...) من ولوجها. ولمواجهة هذا

التحدي، قامت وكالة التنمية وردّ الاعتبار إلى مدينة فاس بإرساء مشروع الطرق الاستعجالية، بتمويل

من الدولة وقرض من البنك الدولي بلغ قدرهما 20.15 مليون درهم. ويندرج هذا المشروع في إطار ردّ

الاعتبار إلى البنية التحتية الطرقية لنسيج فاس الحضري القديم. وتكمن أهداف مشروع إحداث الطرق

الاستعجالية في: ضمان ولوجية سيارات الإسعاف ومعدات الوقاية المدنية؛ تحسين عملية جمع النفايات

الصلبة؛ تحسين ظروف تزويد الورش بمواد البناء.

(25) CMI [et al.], p. 11.

((2(البغدادي، «إنقاذ مدينة فاس،» ص.23

((2(المدخل السيار هو المدخل الذي يسمح بمرور وسائل النقل العصرية ويمكنها من اختراق المجال.

(28) Banque Mondial, Evaluation de Document (Fès: Royaume du Maroc, Ministère de l’Intérieur, 1998), p. 17.

المصدر: وكالة التنمية وردّ الاعتبار إلى مدينة فاس القديمة (بتصرف)،.2013

وعلى طول 91 كلم من طرق مدينة فاس القديمة، تحتل شبكة الطرق الاستعجالية 41 كلم. وقد حُدد

العرض الأدنى لهذا النوع من الطرق ب 01.7 مترًا، بما يسمح بمرور السيارات الاستعجالية من دون

صعوبات تُذكر. ويقتضي تنفيد المشروع توسعة 33 نقطة وإقامة 21 نقطة للعودة. تشير الملاحظة الميدانية، إلى جانب تقييم نتائج تنفيذ مشروع طرق الخدمات الاستعجالية، إلى أن هذا

الأخير لم يُفعَّل في جل المناطق المستهدفة، حيث لم تشمل التدخلات المدرجة في هذا الإطار سوى محوري

الطالعة الكبيرة والطالعة الصغيرة في الضفة اليسرى، ومحور النَّخَّالين وزنقة بُورَجُّوع ومنطقة المَخْفِية

ومَصْمُودَة في الضفة اليمنى، بحيث أصبحت الآليات العصرية الخاصة بجمع النفايات ونقل مواد البناء

تستطيع المرور بمسالكها الطرقية بسهولة.

مشروع مسعفي القرب المتطوعين

إن تيسير عملية تقديم الخدمات ذات الصبغة الاستعجالية لفائدة ساكنة مدينة فاس القديمة يُعتبر

مسؤولية جميع الفاعلين والمتدخلين في الشأن الحضري، بمن فيهم الفاعلون والناشطون في إطار جمعيات

المجتمع المدني؛ فقد أبان اتحاد جمعيات ووداديات فاس المدينة دوره الفعال في التخفيف من وطأة صعوبة

ولوج الخدمات الاستعجالية لأزقة المدينة القديمة ودروبها في حالة حدوث كارثة ما، وذلك من خلال

تفعيل ما سمّي مشروع «مسعفي القرب المتطوعين»، وهو مشروع يقوم على عنصرين أساسيين، أولهما

عنصر التطوع النابع من وعي ساكنة المجال الحضري القديم بخطورة التدخل في الأزقة والدروب الضيقة

(29) (ADER- Fès): Projet de Réhabilitation de la Médina de Fès (Rapport de synthèse, Fès, 1998), p. 17.

(3((مقابلة مع مسؤول في وكالة التنمية ورد الاعتبار إلى مدينة فاس، تاريخ.2013/2/3

فضلً عن صعوبة هذا التدخل، والمتطوعون هم من فئة الشبان القاطنين في أحياء فاس القديمة. والعنصر

الثانيهو عنصر القرب الذي يمنح فرصة وإمكانية التدخل السريع والحيلولة دون تفاقم الخسائر. وفي إطار العلاقة التشاركية مع باقي الفاعلين المحليين والأجانب، عمد اتحاد جمعيات ووداديات فاس

المدينة إلى الانفتاح على وكالة التنمية وردّ الاعتبار إلى مدينة فاس ومصلحة الوقاية المدنية والمقاطعة

الحضرية لفاس المدينة، وولاية جهة فاس- بولمان فاس، إلى جانب التعاون مع الوكالة السويسرية للتنمية

والتعاون. وقد كان الغرض من إقامة هذه العلاقات هو العمل على تأهيل المتطوعين وتكوينهم في مجال

الإسعافات الأولية وطرق التدخل في النسيج الحضري القديم.

تأهيل المداخل السيارة وتنظيمها

تُعتبر مدينة فاس القديمة أكبر مجال للراجلين في العالم، كما سبقت الإشارة، إلّ أن ضيق الأزقة المتميزة

بانعراجها وانحدارها جعل المدينة بعيدة عن وسائل النقل العصرية. لذا، فإن من درسوا المدن الإسلامية

وعابوا عليها ضيق شوارعها، درسوها من منظور المتطلبات العصرية لحركة النقل، ولم يراعوا طبيعة

العصور التي شيدت فيها هذه المدن. يبلغ عدد المداخل الرئيسية التي جرت تهيئتها لتمكين المدينة القديمة من الانفتاح على النقل العصري

خمسة مداخل. ويمكن اعتبار إقامتها داخل نسيج فاس الحضري القديم رد فعل أمام ما أصبحت تعرفه

هذه المدينة من مشكلات ومعيقات على مستوى الولوجية، والنقل والتنقل، ومن تزايد حدة انعزالها عن

باقي الأجزاء الحضرية المشكّلة لفاس الكبرى. يمثّل الغلاف المالي المخصص لتأهيل المداخل السيارة وتنظيمها 50 في المئة من التكلفة الإجمالية لمشروع

تحسين الولوجية والبنية التحتية في المدينة القديمة، ويراد منه تحقيق الأهداف التالية: إتاحة وصول الخدمات

الأساسية إلى مركز المدينة التاريخي؛ تحسين الصلات الحيوية بين المدينة وباقي التجمع الحضري؛ تسهيل

حركة السكان والسياح ونقل السلع والبضائع؛ زيادة مواقف السيارات للاستجابة لمستوى الطلب عليها،

وتعزيز السلامة المرورية، هذا مع تحسين تدبيرها. خضعت المداخل لعدد كبير من المشاريع بهدف ضبط حركة المرور فيها، وتحسين خدماتها على مستوى

النقل العصري، سواء الخاص منه أو العمومي. ويمكن التطرق إلى المشاريع المتعلقة بتأهيل وتنظيم

المداخل الرئيسية لمدينة فاس القديمة على النحو التالي: - مشروع تحسين وتأهيل مدخل عين أزليتن: في سنة 4199، قامت الجماعة الحضرية لفاس المدينة، بتعاون

مع وكالة التنمية وردّ الاعتبار إلى مدينة فاس (التي كانت تدعى آنذاك وكالة التخفيض من الكثافة وإنقاذ

فاس)، بفتح مدخل آخر في منطقة عَيْ أَزْلَيْتَن- الواقعة في الجهة الشمالية الغربية للمدينة القديمة- بطول

201 مترًا، ينطلق من وسط الطريق الأولى المتجهة صوب درب عَامَر، وذلك وعيًا من الجماعة بالأهمية

التجارية والسياحية التي يحظى بها محور الطالعة الكبيرة المتصل بالمدخل، وأيضًا من أجل تخفيف الضغط

(3((صوت المتطوع (فاس)، العدد 1 (2010)، ص.3

3(((خالد محمد مصطفى عزب، تخطيط وعمارة المدن الإسلامية، كتاب الأمة؛ رقم 58. هذه طبعة خاصة بالمغرب طبعت بإذن من

وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر (الدار البيضاء: منشورات الفرقان في جمادي الأولى 4181 ه - 1997 م)، ص.77

(((3 محمد البغدادي، «الولوجية بالمدينة القديمة لفاس: محاولة معاينة وتقييم،» مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، السنة 36،

العدد 13 (2014)، ص.59

(34) Banque mondial, p. 18.

المروري عن الطريق السيارة الأولى في منطقة عين أزليتن. وقد حُددت تكاليف المشروع ب 4.98

مليون درهم. وكان مقررًا في إطار هذا المشروع إقامة محطة توقف للنقل العمومي تتسع لحافلتين،

إلا أن ذلك لم يتم. - مشروع تحسين مدخل واد الزحون وتأهيله: كان مدخل واد الزحون، الكائن في شمال المدينة القديمة،

يشهد فوضى على مستوى حركة المرور وسوء استغلال أماكن الوقوف وسائل النقل العصري فيه، الأمر

الذي كان يسبب صعوبة الولوج إلى المدينة القديمة عبر هذا المدخل. وقد سعى مشروع تحسين مدخل

واد الزحون إلى تأهيل بنية الطريق السيارة لضمان حركة مرور أفضل، ووقوف منظم لوسائل النقل

العصرية، وجرى تنفيد المشروع في ما بين سنة 2001 وسنة 2005، بتكلفة مالية بلغت 56.7 مليون

درهم. أمّا الشق المتبقي من المشروع، والمتعلق بإقامة محطة تتسع لحافلتين عموميتين وأخرى ذات

قدرة على استيعاب 01 سيارات أجرة، فلا يزال حتى الساعة حبرًا على ورق.

- مشروع تهيئة مدخل بين المدن: هُيّئ مدخل بَيَْ المدُن الواقع في شمال المدينة ما بين سنتي 2001 و 2005

بتكلفة مالية قُدرت ب 4 1.11 مليون درهم، مموَّلة من طرف الجماعة الحضرية لفاس المدينة وقرض من

البنك الدولي. وقد أشرفت وكالة التنمية وردّ الاعتبار إلى مدينة فاس على المشروع من الناحية التقنية ومن

حيث مواكبة الإنجاز. وكان مقررًا ضمن هذا المشروع إقامة محطة لثلاثة خطوط للنقل الحضري، ومواقف مخصصة لسيارات

الأجرة ولشاحنات نقل البضائع، إلّ أن ذلك لم يتم تنفيذه، وظل مدخل بين المدن مستغَلً بصفة خاصة

من طرف السيارات الخصوصية وبعض السيارات النفعية الصغيرة. مراحل مشروع تهيئة مدخل بين المدن

قبل تغطية الواد

أشغال تغطية الواد

بعد انتهاء الأشغال المصدر: وكالة التنمية ورد الاعتبار إلى مدينة فاس القديمة، 2010.

- مشروع إعادة تهيئة مدخل الرصيف: يُعَدّ مدخل الرصيف المدخل الوحيد الذي يخترق مدينة فاس

القديمة من الجنوب. وقد هُيّئ بعد تغطية واد الجواهر سنة 973.1 وخلال سنة 2009، أي بعد مرور

36 سنة على إحداثه، انطلقت أشغال إعادة تهيئته بتكلفة مالية ناهزت 8.81 مليون درهم، مموّلة من طرف

ولاية فاس. وقد تولت وكالة التنمية وردّ الاعتبار إلى مدينة فاس مهمة الإشراف التقني على المشروع.

(35) ADER – FES ; 1998: op-cit , p 18.

(((3 مداخلة حول صيرورة مشاريع الإنقاذ الواقع والآفاق للمهندس إسماعيل العلوي، بمناسبة اليوم الدراسي حول المدن التراثية

الواقع والتحديات المنظم من قبل مختبر الدراسات الحضرية بكلية الآداب ظهر المهراز فاس، يوم 26 نيسان/أبريل 2012.

(((3 مقابلة مع مسؤول قسم التنمية البشرية بعمالة جهة فاس بولمان، تاريخ.2012/12/25

تتلخص أهداف مشروع إعادة تهيئة مدخل الرصيف في الرغبة في تحقيق مستوى عال من الولوجية في

الضاحية الجنوبية للمدينة القديمة، وفي رفع وتيرة الإقبال السياحي عليها. وتتضمن مكونات المشروع

إعادة تنظيم حركة المرور، وتهيئة محطات وقوف حافلات النقل الحضري وسيارات الأجرة، هذا إلى

جانب إعداد أماكن لركن السيارات الخاصة بالقرب من مدخل باب الجديد. مراحل مشروع إعادة تهيئة ساحة سيد العواد في مدخل الرصيف

قبل تهيئة الساحة

في أثناء أشغال التهيئة

الحالة الراهنة للساحة المصدر: عمالة فاس المدينة، 2010 (بتصرف).

لقد يسّت مشاريع تحسين المداخل وتأهيلها بشكل كبير للسيارات الوقوف خارج شبكة الطريق

المخصصة للراجلين، كما ساهمت في رفع المستوى الاقتصادي والقيمة العقارية لأحياء وبنايات عدة في

المدينة القديمة لأنها سهلت الولوجية بها.

مشاريع توفير أماكن وقوف وسائل النقل العصري

تُعتبر مشاريع إنشاء أماكن مخصصة لوقوف وسائل النقل العصرية من أهم إجراءات تطوير البنية التحتية

ورفع مستوى الولوجية في مدينة فاس القديمة، لمَا توفره من خدمات للسكان وللفاعلين الاقتصاديين،

وكذا زُوَّار المدينة، خصوصًا السياح منهم، إلى جانب أهمية دورها في ضبط حركة المرور والحفاظ على

المناطق المخصصة للراجلين. والمشاريع هذه هي كالتالي: - مشروع إقامة موقف عين أزليتن / الطالعة الكبيرة: نظرًا إلى الأهمية السياحية والتاريخية التي ينفرد

بها مدخل عين أزليتن، تم توفير 441 مكانًا لوقوف السيارات في منطقة تقطع السير، على مساحة تقدَّر

ب 0003 م 2. وكان مقررًا إضافة 113 مكانًا للوقوف، بميزانية بلغت 53.6 مليون درهم بتمويل من

الجماعة الحضر ية لفاس المدينة، إلى جانب قرض من البنك الدولي.

(38) Mohamed Ghrabi, «Exposé sur la médina de Fès: renforcement des capacités et développement durable,» dans: Amina Haoudi, dir., La Médina de Fès: Patrimoine culturel pour un développement durable: Actes du colloque international organisé par la Faculté de droit de Fès les 28 et 29 novembre 2008 , Serie Colloques (Fès: Faculté des sciences juridiques économiques et sociales, 2009).

هذا العرض أعده الوالي السابق لجهة فاس بولمان سنة 2008، وقد حصلت عليه من الأرشيف الإلكتروني للولاية على صيغة

. powerpoint (39) Hassan Radoine, «Urban Conservation of Fez-Medina: A Post-Impact Appraisal,» Global Urban Development , vol. 4, no. 1 (August 2008), p. 12. (40) ADER- Fès, p. 22.

- مشروع إقامة موقف واد الزحون: قُدِّر الغلاف المالي لمشروع إقامة موقف واد الزحون ب 4.041 مليون

درهم، وكان على نفقة أحد المحسنين. ويمتد هذا الموقف على مساحة 50021 م، توفر ما مجموعه 104

أماكن لوقوف وسائل النقل الخاص. - مشروع إقامة موقف بين المدن: كانت منطقة بين المدن تفتقر إلى أماكن مخصصة لوقوف وسائل النقل

العصري، وكانت مواقف السيارات في كل من مدخل واد الزحون الأقرب إلى المنطقة ومدخل الرصيف،

تغطي هذا العجز. ولإقامة موقف للسيارات في المنطقة، استُغل وعاء عقاري مهم في شمال مدخل بين

المدن، قدرت مساحته الإجمالية ب 50027 م من أجل إحداث أماكن مخصصة لوقوف السيارات.

وبلغت تكلفة المشروع 5.08 مليون درهم مولّها القطاع الخاص.

- مشروع إقامة موقف مدخل الرصيف: استفادت منطقة الرصيف في هذا الإطار من مقاربتين أساسيتين:

الأولىتهيئة المداخل في الجزء الشمالي وتحسينها، ويتعلق الأمر بمدخل بين المدن وواد الزحون اللذين

يتيحان الوصول إلى مركز المدينة، لكن لوحظ أن الغالبية العظمى من زوار المدينة القديمة لا تتردد عليهما،

بحسب تصريح مدير وكالة التنمية وردّ الاعتبار إلى فاس. والمقاربة الثانية هي استحداث مواقف

خاصة بالنقل العصري على طول مدخل الرصيف، وذلك من خلال استغلال المجالات الخضراء في باب

الجديد والتي تقدَّر مساحتها ب 26527 م، وستسمح تهيئتها بالاستجابة لجزء كبير من الطلب على مواقف

السيارات على المدى البعيد. لقد سمح استعمال المجالات الخضراء في منطقة باب الجديد بتوفير ثلاثة أماكن مخصصة لوقوف السيارات،

الأول على الضفة اليمنى شرقًا، وتقدَّر طاقته الاستيعابية ب 80 سيارة، والثانيعلى الضفة اليسرى غربًا،

بطاقة استيعابية تقدَّر ب 0 16 سيارة، والثالثفي الجهة اليمنى أيضًا، ويتسع ل 250 سيارة. تجدر الإشارة إلى أن إقدام الفاعلين المحليين - المسؤولين عن التدبير الحضري في مدينة فاس- على تحويل

بعض المساحات الخضراء إلى أماكن لركن السيارات في الضاحية الجنوبية لمدينة فاس القديمة يعود إلى

العمل بقاعدة اختيار أخف الضررين، أي جعل المنطقة الخضراء موقفًا لركن عشرات السيارات التي

تلج المدينة القديمة يوميًا، بدل السماح لها بمتابعة السير إلى أقرب نقطة للنواة الدينية والاقتصادية للمدينة

القديمة، لأن ذلك يُدث الكثير من المشكلات التي تضر بالقيمة التراثية والسياحية للمدينة، من قبيل

الاختناقات المرورية، وتلوّث البيئة الحضرية، والاستغلال الفوضوي للمناطق المخصصة للراجلين.

على العموم، بعد مقاربة الإنجازات الميدانية المختلفة والمعنية بموضوع النقل والتنقل، وبعد معاينة هذه

الإنجازات، يمكن الخروج بخلاصة أولية مفادها أن تحسين الولوجية وإعادة تنظيم هذا القطاع يُعَدّان من

السبل الكفيلة بإنقاذ مدينة فاس القديمة، ككيان تاريخي وتراثي، وكذاكرة تصل المجتمع بماضيه العريق،

بل ومن شأنها العمل على إعادة الحيوية والدينامية إلى مكوناتها المجالية والاجتماعية والاقتصادية... فمع

المتطلبات التي يقتضيها الواقع الحالي، ونخص بالذكر تلك المتعلقة بخدمات النقل والمواصلات، يبقى

من الضروري تكييف المدينة القديمة مع هذا الواقع، وذلك بتمكينها من الاستفادة من خدمات النقل

(41) ADER- Fès, p. 23.

((4(المصدر نفسه، ص.24

(43) Mouna Khamlichi, «Fès: Un plan pour décongestionner la medina,» L’Economiste (Maroc), 21/2/2002. édition N 12

((4(المصدر نفسه.

((4(استقصاء ميداني استجوبت من خلاله الحراس المسؤولين عن مراقبة مواقف السيارات في باب الجديد، تاريخ.2013/4/15

العصري. لكن ينبغي ألّ يكون ذلك على حساب التراث المبني، أي العمل على «بقر» المدينة وإزالة أحياء

بأكملها ومحوها، لشق طرق للسيارات ومداخل تمكّن وسائل النقل العصري من اختراقها، بل يتحتم أن

يتم ذلك وفق استراتيجيات محكمة ومضبوطة تستجيب للحاجات الحقيقية للمدينة، وتهدف إلى تسهيل

مستوى الولوجية وتحسينه، وتراعي و«تحترم» في الوقت ذاته القيمة التاريخية والتراثية لهذا المجال الحضري.

خلاصة

لم يحتكم تخطيط شبكة الطرق في مدينة فاس القديمة إلى تصميم مسبق، كما هي حال الطرق في المدينة

الحديثة. ولكن على الرغم من ذلك، فإن لكل وحدة من وحدات شبكة الطرق تلك وظيفة خاصة تؤدي

مجتمعة إلى تحقيق التكامل بين مختلف أجزاء المدينة القديمة. وإذا كانت الطبيعة الطبوغرافية للموضع

وغيرها من المحددات قد تركت أثرها في شكل الأزقة والطرق، فإن طبيعة هذه الأخيرة انعكست هي

الأخرى على نمط وسائل النقل المستعملة، سواء لحمل السلع أو للتنقل في أرجاء نسيج فاس الحضري

القديم، ومن هنا جاءت وسائل النقل تقليدية الطابع. بفضل وجود الأبواب التي تحيط بنسيج فاس الحضري القديم من كل جانب، تأتى لشبكة الطرق التقليدية

الارتباط بالطرق الحديثة خارج الأسوار. وإلى جانب كونها تشكل منفذًا يتيح للمدينة الانفتاح على باقي

التجمعات الحضرية، تمثّل الأبواب كذلك منتوجًا سياحيًا مهمً. لكن ذلك لا يعني أن المدينة القديمة بقيت

بمعزل عن المشكلات المرتبطة بالولوجية، فالاختناقات المرورية واجتياح المناطق المخصصة للراجلين،

أضف إلى ذلك ضعف خدمات النقل العصري... إلخ، كل ذلك جعل من مشكلة الولوجية أبرز

التحديات التي تهدد كيان نسيج فاس الحضري القديم. ولرفع هذا التحدي انتُهج كثير من السياسات في

إطار مشاريع النهوض بالبنية التحتية وتنظيم حركة المرور. وقد حاولت هذه السياسات مواجهة مشكلة

الولوجية من جوانب عدة، وبكثير من الإجراءات (رصف شبكة الطرق المخصصة للراجلين، وإعادة

تهيئة المداخل مع إضافة أخرى، ثم إقامة أماكن وقوف النقل العصري)، وذلك بهدف استرجاع «بريق»

مدينة فاس القديمة وإدماجها مع باقي الوحدات الحضرية، إلى جانب تمكين ساكنتها من الاستفادة على

الأقل من الحدود الدنيا للخدمات الضرورية لممارسة حياة حضرية طبيعية.

لكن هذه السياسات المتبعة لم ترقَ إلى المستوى المنشود؛ إذ لم يجرِ تنفيذ المشاريع بشكل كامل، ويتضح ذلك

جليًا في مشروع الطرق الاستعجالية على سبيل المثال، وهو المشروع الذي لم يُفعَّل في جل المحاور الطرقية

التي كان مقررًا تغطيتها بهذا النوع من الخدمة الاستعجالية. تُضاف إلى ذلك مشاريع تطوير تجهيزات

النقل في المداخل الرئيسية؛ فعلى الرغم من كونها تبقى كافية لربط المدينة القديمة بالمجالات الحضرية

المجاورة، فإن المداخل السيارة تفتقر إلى التجهيزات الأساسية المرتبطة بالنقل، والكفيلة بجعلها قادرة

على وصل مدينة فاس القديمة بباقي الوحدات الحضرية، ذلك بأنه كان مقررًا تجهيز البعض منها (مدخل

واد الزحون ومدخل عين أزليتن) بمحطات للنقل العمومي، تعزيزًا لخدمات النقل الحضري في المدينة

القديمة، إلّ أن ذلك لم ينفَّذ على أرض الواقع. ولوحظ أيضًا أن السياسات المتعلقة بتحسين مستويات الولوجية في المدينة القديمة لم تكثرت للحاجات

المتعلقة بالنقل السياحي، حيث إنه لم تُصَّص في المداخل الرئيسية أماكن لاحتضان هذا النمط من وسائل

النقل، لما له من أهمية في تقوية المكانة السياحية لمدينة فاس القديمة وفي تنمية القطاع السياحي على

الصعيدين المحلي والوطني.