العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الاستبعاد الاجتماعي: مفهوم يحتاج إلى تعريف

الاستبعاد الاجتماعي: مفهوم يحتاج إلى تعريف

Social Exclusion: A Concept in Need of Definition

روبين بي *س

الملخّص

* استندت هذه الورقة إلى مصدرين رئيسيين: بحثي الخاص عن الاستبعاد الاجتماعي في الاتحاد الأوروبي، ومنشور صدر مؤخرًا من المملكة المتحدة وحررته جين بيرسي سميث من معهد بحوث السياسة في جامعة ليدز ميتروبوليتان (Leeds Metropolitan). وما أقوله هنا هو إلى حد كبير وجهة نظري الخاصة في هذه المسألة، ولا تعكس وجهات نظر وحدة البحوث، أو في الواقع وزارة السياسة الاجتماعية، بأي شكل من الأشكال. انظر:

** نسخة مترجمة من دراسة صدرت في الأصل باللغة الإنكليزية:

*** أستاذ علم الاجتماع، الجامعة المستنصرية، العراق.

Abstract

“Social exclusion” is a debatable term, not only because it is used to refer to a wide range of phenomena and processes related to poverty, deprivation and hardship, but also because it is used to depict a vast variety of excluded people and places of exclusion. This article presents some facts related to the confusing and complex nature of this concept in both the European Union and New Zealand.

الكلمات المفتاحية:
  • الاستبعاد الاجتماعي
  • تاريخ المفهوم
  • الاتحاد الأوروبي
  • تصنيف الناس
  • فضاءات الاندماج
  • الهوية
Keywords:
  • Social Exclusion
  • Sociology
  • History
  • Exclusion
  • Inclusion Spaces
  • Individual
  • Identity

ترجمة: مازن مرسول محمد ***

«الاستبعاد الاجتماعي» مصطلح متنازَع عليه، لا لأنه يُستخدم للإشارة الى حقل واسع من

الظواهر والعمليات التي تتعلق بالفقر والحرمان والمشقة فحسب، بل لأنه يُستخدم أيضًا

في ما يتعلق بحقل واسع من أصناف الناس المستبعَدين وأماكن الاستبعاد. وهذا التقديم

يعرض بعض الأدلة على الطبيعة المُحيرة والصعبة للمفهوم في كلٍمن الاتحاد الأوروبي

ونيوزيلندا.

مقدمة

«الاستبعاد الاجتماعي» - ماذا تعني هاتان الكلمتان؟ لماذا أصبحتا شائعتين في خطاب السياسة

في أجزاء من العالم الناطق بالإنكليزية؟ كيف وعلى أي نحوٍ هما مفهوم متنازَع عليه؟ يمكن

القول إنهما مفهوم جديد يتعلق بطريقة ما بمفاهيم الفقر والمشقة والحرمان والتهميش، ولكن يظهر وفق

السياق أن المفهوم غامض ومتناقض في أغلب الأحيان. ما زال هناك نقاش يدور حول ما يدل عليه،

* استندت هذه الورقة إلى مصدرين رئيسيين: بحثي الخاص عن الاستبعاد الاجتماعي في الاتحاد الأوروبي، ومنشور صدر مؤخرًا

من المملكة المتحدة وحررته جين بيرسي سميث من معهد بحوث السياسة في جامعة ليدز ميتروبوليتان (Leeds Metropolitan). وما

أقوله هنا هو إلى حد كبير وجهة نظري الخاصة في هذه المسألة، ولا تعكس وجهات نظر وحدة البحوث، أو في الواقع وزارة السياسة

الاجتماعية، بأي شكل من الأشكال. انظر:

Robin Peace, «Surface Tension: Place/Poverty/Policy – from «Poverty» to Social Exclusion: Implications of Discursive Shifts in European Union Poverty Policy 1975-1999,» (Unpublished PhD Dissertation, University of Waikato, Hamilton, 1999), and Janie Percy-Smith, ed., Policy Responses to Social Exclusion (Buckingham; Philadelphia, PA: Open University Press, 2000).

Robin Peace, «Social Exclusion: A Concept in Need of Definition?,» Social Policy Journal of New Zealand , no. 16 (July 2001), on the Web: <http://www.crec.co.uk>.

وحول أفضل استخدام له في سياقات الخطاب والسياسة، وذلك على الرغم من استخدامه على مدى

عشرين سنة في الاتحاد الأوروبي (خصوصًا فرنسا) وفي المملكة المتحدة وجمهورية إيرلندا. لكن المفهوم،

ومع عدم إغفال مستوى الجدل حوله، هو واسع الاستخدام، وله، على ما يبدو، جاذبية كبيرة جدًا بالنسبة

إلى منتجي السياسات الاجتماعية. قيل، ويمكن أن يقال، الكثير عن الاستبعاد الاجتماعي، إلّ أن تركيز الورقة سيكون فقط على أربعة

أشياء. أولً، أقدّم موجزًا عن تاريخ إعادة بناء المفهوم، ومن أين جاء، ولماذا استُخدم بطرقٍ معينة

للتأثير خاصة في المحيط الأوروبي؟ ثانيًا، أقدّم بعض الأشياء التي يشير الاستبعاد الاجتماعي إليها -

أنواع الاستبعاد وأصناف الناس المستبعَدين - الذين يظهرون في خطاب الاستبعاد الاجتماعي. ثالثًا،

أعرِض لبعض تعريفات الاستبعاد الاجتماعي في التداول الحالي، لكشف الاختلافات الرئيسية بينها.

رابعًا، وأخيرًا، أشير إلى بعض الآثار الأخرى المترتبة عليه، والعواقب الضارة وغير المتوقعة الملازمة

لخطاب «الاستبعاد».

تاريخ المفهوم

في أغلب الأحيان، تبدأ مناقشة مفهوم الاستبعاد الاجتماعي بالرجوع إلى تاريخه: من استخدمه أولً، ولماذا

اختير كتعبير سياسي بدلً من المفاهيم الأكثر وضوحًا، أي مفاهيم «الفقر» أو «الحرمان» أو «المشقة»،

وماذا عنى به في السابق؟ كان يصعب على الباحثين في السبعينيات أن يجدوا النصوص التي تضمنت هذه

العبارة ضمن وثائق السياسة الصادرة باللغة الإنكليزية في أوروبا وأميركا الشمالية وأوقيانيا. ورغم ظهور

«الاستبعاد الاجتماعي» في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، فإنه لم يظهر فقط في وثائق الاتحاد الأوروبي،

بل ظهر أيضًا في الخطاب الأكاديمي المنبثق عمّ يسمّى العالم «الأدنى صناعيًا »، واستُخدم بدرجةٍ أكبر

كثيرًا منذ تسعينيات القرن نفسه. لقد أصبح مفهوم «الاستبعاد الاجتماعي» مفهومًا رئيسيًا في الاتحاد الأوروبي، ومفهومًا تأسيسيًا

للسياسات في حكومة حزب العمال الجديد برئاسة توني بلير في المملكة المتحدة، وبان سريعًا على السطح

(ومع ذلك ليس بشكلٍمقنع) في أستراليا سنة 9991 كمفهوم جامع لأعمال مؤتمر السياسة الاجتماعية

الكبير. وظهر حديثًا في نيوزيلندا كجزء من مشروع إعادة النظر في وجهة السياسة الاجتماعية. ولا

يوجد، على أي حال، سجل واضح لكيفية دخول هذا التعبير حيّز الاستخدام في سياقات السياسة باللغة

الإنكليزية. وترجمتي الخاصة لهذه السابقة، والتي يساندها عدد من العلماء، تشير إلى أن مفهوم الاستبعاد

الاجتماعي كمصطلح في السياسات ظهر أول مرة في برامج الفقر للاتحاد الأوروبي في الثمانينيات من

القرن الماضي. كانت الفرنسية والإنكليزية اللغتين الرسميتين الإلزاميتين لجميع مبادرات السياسات على نطاق الاتحاد

الأوروبي في الثمانينيات، والمرادف لهذا التعبير، الذي يمكن التعرف إليه، وجِد في الفرنسية على شكل

Exclusion Sociale. لقد كافح صُنَّاع السياسة الأوروبيون من أجل إيجاد تعبير لسياسة اجتماعية

متطورة تتجنب الوصم بمفاهيم مثل «الفقر» و«الحرمان»، ووفّر مفهوم Exclusion Sociale أو

(4) Gerry Rodgers, Charles Gore and José B. Figueiredo, eds., Social Exclusion: Rhetoric, Reality, Responses (Geneva: International Institute for Labour Studies, 1995).

«الاستبعاد الاجتماعي»، بترجمته الأنيقة، بديلً جديدًا. كان سهل التمييز بشكلٍمتبادل في كلتا اللغتين،

ويجنب وصمة عار مفاهيمية، وكان في الحقيقة «برَّاقًا وجديدًا». بمعنى آخر، جرى استخدامه كشعار

(«علامة تجارية» branding) لممارسة برامج الفقر للاتحاد الأوروبي المثيرة جدًا للجدل لسببين: الأول

هو أنه بدا أنها تُضعف مبدأ التفويض (principle of subsidiarity)، الذي يعني أن من غير الممكن

أن ينتج الاتحاد الأوروبي، أو المجموعة الأوروبية كما سُمّي حينها، السياسات التي هي بحق من

مسؤوليات الدول الأعضاء. الثانيهو أنها جاهرت ب«الفقر»، وهكذا بدت وكأنها تسيء إلى لغة اللياقة.

والاستبعاد كان مفهومًا أقل صخبًا وأكثر طواعية، وهكذا أُخرجت «الحرب على الفقر» وأُدخلت

«مكافحة الاستبعاد الاجتماعي» مكانها. انتشر «الاستبعاد الاجتماعي» بسرعة بصيغته الإنكليزية الخاصة بالسياسات الأوروبية، والتحول في

المعنى الذي انطوت عليه الترجمة من المعنى القديم (الفرنسي) وتمظهراته الجديدة بالكاد أشير إليها خارج

الخطاب الأكاديمي.

بيئة السياسة الفرنسية

كان تعبير Exclusion Sociale في بيئة السياسة الفرنسية، ولعقدٍ سابق على برامج الفقر للاتحاد الأوروبي،

يُستخدم للإشارة الى مجموعة منتقاة جدًا من أصناف الناس الذين استُبعدوا من بند التأمين الاجتماعي

في فرنسا. وطبقًا لهيلاري سيلفر، المُعقّبة الأميركية على سياسات الاستبعاد للاتحاد الأوروبي، فإن

محلل السياسة الاجتماعية الفرنسي بول لينوار (P. Lenoir) ميّز في سنة 4197 عشرة من الأصناف أو

المجموعات التي جاءت تحت مظلة الذين «لم يشملهم التأمين»، وهي: المعوَّق جسديًا وعقليًا؛ أولئك

الذين كانوا «راغبين في الانتحار»؛ كبار السن العجزة؛ الأطفال المعتدى عليهم؛ مدمنو المخدرات؛

الجانحون؛ الأهل الوحيدون (وبشكل رئيسي الأمهات الوحيدات)؛ العوائل المتعددة المشكلات (حيث

انوجد أكثر من واحد من الأصناف في آن)؛ المهمَّشون؛ الانطوائيون وغير المتكيفين اجتماعيًا. ربما يكون كثير من هذه المصطلحات أيضً - خصوصًا الثلاثة الأخيرة - مصطلحات تأثرت في الترجمة ا

من الفرنسية، لكن الصورة، على الرغم من ذلك، واضحة. لقد أنتجت الحكومات الفرنسية المتعاقبة

تلك السياسات التي عرضت تأمين اجتماعي فقط لأولئك الذين كانوا في العمل المدفوع الأجر، أو

الذين كانوا متزوجين قانونيًا من شخص ما يعمل عملً مدفوع الأجر. إن النتيجة الحتمية لسياسات

استبعاد الناس على أساس قدرتهم على الشغل في العمل المدفوع الأجر، أفصحت عن تشكيلة منتقاة

وعدد متزايد من الناس الذين كانوا قد تُركوا في أيدي مؤسسات خيرية تابعة للكنيسة أو خاصة،

ولأسباب مختلفة تمامًا.

سياق الاتحاد الأوروبي

إن انطلاق تحليلنا من هذا المكان (سياق الاتحاد الأوروبي) يبدو مهمَّ، نظرًا إلى ما حدث في أطر السياسات

في الاتحاد الأوروبي في ما يتعلق ب«الاستبعاد الاجتماعي»؛ فذلك يتطلب فهمً لسياسة الاتحاد الأوروبي. لن

(5) Hilary Silver, «Reconceptualizing Social Disadvantage: Three Paradigms of Social Exclusion,» in: Rodgers, Gore and Figueiredo, eds. , pp. 58-80.

أتطرق إلى هذا الموضوع بكثير من العمق، ويكفي القول إن الاتحاد الاوروبي مثَّل بالنسبة إلى دوله الأعضاء علاقة اقتصادية بالدرجة الأولى، وأثبت أن من الصعب، إلى أبعد الحدود، تبرير إدراج مبادرات السياسة الاجتماعية ضمن تفويض أوسع لسياسة الاتحاد الأوروبي. وهكذا، حيثما كانت مبادرات «مكافحة الفقر» مقرونة بمبادرات «التوظيف»، كان هناك قبول أعظم لها من جانب الدول الأعضاء. وعلى مدى السنوات العشرين لبرامج الفقر (مبادرات السياسة التي كانت الناقل الرئيسي لخطاب «الاستبعاد الاجتماعي» إلى الدول الأعضاء)، حدث «تحوّل خطابي» (discursive shift) مهم (حيث يشير هذا التحول إلى طرق

الحديث عن الفقر والاستبعاد والكتابة عنهما). استلزم التحول الخطابي في سياسة الاتحاد الأوروبي الاجتماعية الانتقال من التركيز على «الفقر» إلى التركيز على «الاستبعاد الاجتماعي». وقد اجتذب القدر الكبير من التعقيب ب (اللغة الإنكليزية)، خصوصًا منذ

أواسط التسعينيات. وفحوى هذا التعقيب هو أن مفهوم الاستبعاد الاجتماعي أصبح منتشرًا بشكل

مقبول الآن في خطاب سياسة الاتحاد الأوروبي. ولم يستحوذ ذلك فقط على الفضاء الاستطرادي اللغوي ل«الفقر» في سياق سياسة الاتحاد الأوروبي، بل شجع استخدامه أيضًا، وبصورة متزايدة، على الدمج

بفكرة «الاستبعاد من التوظيف» كما شجع في الوقت نفسه على التحول بعيدًا عن فكرة التهميش البالغ. هكذا، رأى كثير من الباحثين والمحللين والمفسرين أن «الاستبعاد الاجتماعي» تعبير جديد وبرَّاق - وربما

حتى بمنزلة حصان طروادة - يشجع على إعادة التفكير في القضايا والمشكلات الاجتماعية بعيدًا عن

المفاهيم المُتعَبة والمحدودة للفقر والحرمان، لكن الإحباط لم يتأخر كثيرًا في المجيء. وللمفارقة، بدا أن

السياسات التي كانت تُستمد من الخطاب الجديد عن «الاستبعاد الاجتماعي» كانت قادرة على تحديد أن

بعض المجموعات والأفراد كانوا مستبعَدين حتى من الحديث عن الاستبعاد.

(6) Most notably: Silver, «Reconceptualizing Social Disadvantage,» but also: J. Andersen [et al.], «The Contribution of Poverty 3 to the Understanding of Poverty, Exclusion and Integration,» in: Poverty 3: The Lessons of the Poverty 3 Programme (Lille: European Economic Interest Group, Animation and Research, 1994); Ajit Bhalla and Frédéric Lapeyre, «Social Exclusion: Towards an Analytical and Operational Framework,» Development and Change , vol. 28, no. 3 (July 1997); Tania Burchardt, Julian Le Grand and David Piachaud, «Social Exclusion in Britain 1991—1995,» Social Policy and Administration , vol. 33, no. 3 (September 1999); P. Conroy, «Evaluation of the Achievements of Poverty 3: Synthesis,» in: Poverty 3 ; C. Cousins, «Social Exclusion in Europe: Paradigms of Social Disadvantage in Germany, Spain, Sweden and the United Kingdom,» Policy and Politics , vol. 26, no. 2 (April 1998); Brian Harvey: «Poverty in the European Community: Final Interim Report of the European Provisional Working Group against Poverty,» (Source unknown, Combat Poverty Agency Library, Dublin, 1990), and Combating Exclusion: Lessons from the Third EU Poverty Programme in Ireland (Dublin: Combat Poverty Agency, 1994); Bill Jordan, A Theory of Poverty and Social Exclusion (Cambridge, UK ; Cambridge, MA: Polity Press, 1996); David Gordon and Paul Spicker, eds., The International Glossary on Poverty , CROP International Studies in Poverty Research (London ; New York: Zed Books, 1999); Peter Lee and Alan Murie, Literature Review of Social Exclusion (Cambridge, MA: Polity Press, 1999); Ruth Levitas: «The Concept of Social Exclusion and the New Durkheimian Legacy,» Critical Social Policy, vol. 46, no. 16 (1996), and The Inclusive Society?: Social Exclusion and New Labour (London; New York: Palgravae Macmillan, 1998); Ali Madanipour, Göran Cars and Judith Allen, eds., Social Exclusion in European Cities: Processes, Experiences, and Responses , Regional Policy and Development Series; 23 (London; Philadelphia: Jessica Kingsley; London: Regional Studies Association, 1998); Peace, «Surface Tension»; Percy-Smith, ed., Policy Responses ; Rodgers, Gore and Figueiredo, eds., Social Exclusion , and Graham Room, ed., Beyond the Threshold: The Measurement and Analysis of Social Exclusion (Bristol: Policy Press, 1995), as well as Detailed Reports: Great Britain, Social Exclusion Unit: Opportunity for All: Tackling Poverty and Social Exclusion , Cm (Series); 4445 (London: Stationery Office, 1999), and Bringing Britain Together: A National Strategy for Neighbourhood Renewal , Cm (Series); 4045 (London: Stationery Office, 1998), on the Web: <http://www.cabinet - office. gov. uk / seu/1998/bbt/nrhome.htm>.

التحول من الفعل إلى الاسم

هناك عدد من الأسباب المحتملة التي قد تكون وراء الخلط الذي طاول تطور سياسات الاتحاد الأوروبي

وعثراته. وهي خارج مجال بحث هذه الورقة. والدرس المهم الذي يمكن استخلاصه، هو، في أي حال،

أن من المهم فهم الشيء الذي يُستبعَد منه شخص ما أو مجموعة ما، ومن هو الذي يقوم بفعل الاستبعاد.

وقد كانت الأمور واضحة في حالة «الاستبعاد الاجتماعي في شكله الفرنسي»، فالحكومة الفرنسية عملت

على وضع سياسات استبعدت مجموعات معينة من الحصول على التأمين الاجتماعي، وهي كانت قائمة

على أساس معايير واضحة. فإذا أردت أن تكون من ضمن أولئك الذين لديهم إمكانية للوصول إلى

التأمين الاجتماعي، فيجب أن تكون قد وجدت وظيفة، أو تزوجت من شخص ما لديه وظيفة، وهذا كان

إدماجًا واستبعادًا بمعنى يمكن تحديده. قدمت «برامج الفقر»، بمعنى ما، «فضاء تحويليًا» - أي فضاء حدث فيه تغير في طبيعة الفقر وفهمه.

وعرف مفهوم الاستبعاد في هذا الفضاء التحويلي تغييرًا لغويًا معقدًا والذي أثر في ما «يفعله» صُنَّاع

السياسة الآن بالمفهوم. في اللغة الإنكليزية «خدعة» (تسمّى، في المفردات السيمانطيقية، التحويل الاسمي Nominalization)

التي بواسطتها يمكن للأفعال المتعدية القوية أن تتحول إلى أسماء. وهذا يحدث أينما تصبح، على سبيل

المثال، عبارة «الاجترار» التي تشير إلى سلوكيات بقرة مشغولة بهضم غذائها، موضوعًا لِ«تأملنا» أو

لتفكيرنا البطيء والتداولي في أي أمر غير عمليات البقر الهضمية، أو عندما تصبح المدرسة التي ترغب في

«الاندماج» ضمن قطاع المدرسة الحكومية موضوعًا لسياسات «الاندماج». في كل حالة، يميل التحويل الاسمي إلى إنتاج تأثيرين لغويين. الأولهو أن الوسيط يختفي- إذ يصبح

من «يعمل الشيء»، أيًا يكن أو مهما يكن، إمّا مجردًا وإمّا مخفيًّا. والتأثير الثانيهو أن يحدث التشيؤ، أو

ما يسمّى تحوّل العلاقات الاجتماعية إلى علاقات بين الأشياء بحيث يتحول الفعل إلى شيء بحد ذاته.

هكذا، فإن التفسير الذي يناقش الفعل النشط ل«استبعاد» أحدٍ ما أو شيء ما يشمل تحديد الوسيط

(Agency) في ذلك في مكان ما: «هم استبعدوا بواسطة مجموعة مِن......»، «هو استبعدها مِن....»،

لكن «الاستبعاد» كفعل تحول إلى اسم (عملية تُعرف كذلك ب«التشيؤ»)، يدل على شيء بدلً من

«فعل». وبذلك «يؤثر الاستبعاد الاجتماعي في فرص حياتهم...». ومن خلال هذا التحويل الاسمي

وحالة التشيؤ يتم في أغلب الأحيان استخدام مفهوم «الاستبعاد الاجتماعي» في تسمية مجموعات

مختلفة وتوسيمها.

الأصناف الفعلية

في بحثي الخاص بشأن سياسات الاتحاد الأوروبي في ما يتعلق بالاستبعاد الاجتماعي طورت لفئات

الموضوع تصنيفًا (classification) يمكن أن يُستخدم بالنسبة إلى الموضوع الجديد عن الاستبعاد

الاجتماعي. في هذا القسم، أقدَّم بعضًا من هذه التجسّدات المفاهيمية (reifications)، وأناقش النتائج

الإيجابية والسلبية لخطاب السياسة الذي ينشأ من هذه التركيبات الخاصة. والطريقة التي استخدمتها

(7) Peace, «Surface Tension».

في هذا التحليل كانت عملية دقيقة إلكترونيًا، إذ فحصت أكثر من مئة وثيقة من وثائق سياسة الاتحاد

الأوروبي الاجتماعية بحثًا عن عبارة «الاستبعاد الاجتماعي» التي ظهرت في الجمل أو الفقرات.

وبمجرد العثور على العبارة وضبطها في قاعدة بيانات برامج الكمبيوتر، استخدمت برامج تحليل النص

(QSR NUD.IST) لتسجيل النتائج وتبويبها، وقمت باشتقاق الأصناف من العلاقات التي تحدث

بالشكل الأكثر شيوعًا.

تحديد طرق استخدام الاستبعاد الاجتماعي في نصوص السياسة

تستخدم وثائق سياسة الاتحاد الأوروبي مفهوم الاستبعاد الاجتماعي في نسق محيّ. ولكي يكون العرض

منطقيًا، قسَّمت النتائج إلى ستة عناصر مصفوفة، وقمت بتمييز خاصية لكل عنصر في المصفوفة، والتي

بموجبها يمكن أن تندرج النتائج، وتضمنت الخصائص التالية: • علامات/ أسماء/ أصناف للناس المستبعدة، • أسماء الأنواع المختلفة من الاستبعاد، • أسماء العوامل التي جرى تحديد أنها تبُرز الاستبعاد، • استعارات الحالات والظروف أو أماكن الاستبعاد، • الأسباب البنيوية للاستبعاد، • أسماء/ علامات للتأثيرات النفسية والاجتماعية الخاصة بالاستبعاد. على الرغم من أن توظيفي للمفردات في هذا الجدول من الخصائص كان كيفيًا، فإن ذلك قد زودنا بإطار

مفيد ليعكس لنا انزلاقية مفهوم الاستبعاد. وفي ما يلي تُناقش هذه الخصائص بشكل كامل، سويةً مع

قوائم بأمثلة لكل خاصية. هذه المادة مقتبسة من رسوم بيانية كبيرة ومعقدة ولا يمكن نسخها هنا. وقد

استحصلنا على القوائم من مجموعة من نصوص الاتحاد الأوروبي التي أُسندت بمراجع في بحثي، حيث

يمكن العثور على البنود بذاتها مع حواشٍ للنص الأصلي.

تصنيف الناس

أثبت بحثنا في وثائق السياسة، على نحو فعّال، أن هناك على الأقل واحدة وخمسين طريقة يمكن من

خلالها أن يوصف الشخص بأنه منتمٍ الى صنف من «المستبعدين اجتماعيًا». وأفيد بأن هذه «أصناف» ما

دامت متعلقة بأفراد قد يكونون، وفي أغلب الأحيان، مصنفين وموسومين بموجب هذه المصطلحات.

وهكذا، يُفهم أن «فلاحًا بلا أرض» هو شخص بلا أرض وأن «المشردين» هم أشخاص بلا منازل.

قادني مزيد من التفحص لهذه التسميات في سياقها إلى «جمع المجموعات» تحت خمسة عناوين: المهمشون

ب«الاختيار»؛ المهمشون بشكلٍاجتماعي ثقافي؛ المستبعدون بحكم العمر أو النوع أو الإعاقة؛ المهمشون

اجتماعيًا واقتصاديًا؛ مجموعات عدة «غير مميزة» ويمكن أن تتضمن كثيرًا من الناس الذين يمكن تصنيفهم

في مجموعات أخرى.

(((المصدر نفسه، ص.400-397

أنواع الاستبعاد

بالإضافة الى هذه الحالات التي عيَّنتها ك «أصناف» للناس المستبعدين، وجدتُ على الأقل خمسة عشر

نوعًا من أنواع الاستبعاد التي ذُكرت في نصوص السياسة الاجتماعية الأوروبية. وهذه تتضمن: التهميش

الاجتماعي؛ الفقر الجديد؛ الاستبعاد القانوني الديمقراطي/السياسي؛ العوائق غير المادية؛ الاستبعاد من

«طريقة الحياة الأدنى المقبولة»؛ الاستبعاد الثقافي (بما فيه العرق والنوع)؛ استبعاد من العائلة والمجتمع

المحلي؛ استبعاد من دولة الرفاه؛ فقر طويل الأمد؛ استبعاد من الحياة السياسية والاقتصادية السائدة؛ فقر؛

حالة حرمان؛ انفصال عن علاقات العمل؛ استبعاد اقتصادي؛ استبعاد من سوق العمل. تمثّل هذه الأسماء والتسميات «أنواعًا» من الاستبعاد، بمعنى أن هناك «أنواعًا» مختلفة من الاستبعاد أو

من «أشكال» الاستبعاد المتداخلة. بعض المفردات هذه (خصوصًا الأربع الأخيرة) تُيز بشكل أساسي

جوانب من الاستبعاد الاقتصادي، في حين أن المفردات الأخرى هي جزء أعم من خطابات الاستبعاد.

وفي هذه الحالة، يسير الأمر كما هو مع أسماء أصناف الناس، وهناك أدلة على أن الاستبعاد هو ظاهرة

متعددة الجوانب. إن «أنواع» الاستبعاد هذه لا تغطي فقط تشكيلة واسعة من مختلف أنواع الظروف الاستبعادية، لكنها تحدد

أيضًا التعابير الملطفة المعاصرة للفقر، وفي التحدث عن أنواع الاستبعاد، يلُاحظ التأرجح بين «الاستبعاد»

و«الفقر» بشكل ظاهر. طورت بيرسي سميث تصنيفًا ل «أنواع» الاستبعاد وتحليلها يقدم إطارًا أكثر ترتيبًا من بنائي الخاص

هنا. وهي تقترح أن للاستبعاد الاجتماعي أبعادًا «اقتصادية واجتماعية وسياسية، وأبعادًا تتعلق بالجيرة

والفرد والمكان والمجموعة»، ويغيب عن قائمتها بشكل بارز «الاستبعاد الثقافي»، الذي أجادل بأنه يختلف

عن «استبعاد مجموعة» من «الأقليات العرقية» كما عرفَتْه، والذي هو واحد ذو أهمية حاسمة في أوتيروا/

نيوزيلندا (Aotearoa / New Zealand).

عوامل معزِّزة

يندرج ربما القدر الأكبر لحركية مفهوم الاستبعاد وغموضه الكامن تحت عنوان ما اسميته «عوامل معزِّزة»

(accentuating factors). وهناك على الأقل واحدة وأربعون كلمة أو عبارة في نصوص سياسة الاتحاد

الأوروبي التي يمكن أن تُرى كعوامل تساهم في، أو تعزّز، ظروف الاستبعاد التي يعيش فيها الناس.

وقد قُسمت العوامل إلى تلك التي استندت إلى عدم إمكانية الوصول إلى بعض الموارد المهمة، وعدم

«الاعتراف العادل»، وتلك العوامل التي قد تُعتبر مُعزّزات (Intensifiers) «مكانية» أو«شخصية»

أو «اقتصادية». يتضمن العجز عن الوصول عدم الوصول إلى عوامل مثل الارتقاء الاجتماعي، ووسائل الاتصال،

ونظم اجتماعية أساسية، وإسكان، ومرافق عامة، وضمان اجتماعي، وخدمات صحية، وخدمات تعليم،

ومواطَنة اجتماعية. ويتضمن الافتقار إلى الاعتراف العادل ما يلي: صورة سلبية عن الفئات الفقيرة،

(((المصدر نفسه، ص.397

(10) Percy-Smith, ed., Policy Responses, p. 9. (11) Peace, «Surface Tension,» p. 398.

وتمييز اجتماعي، وعدم مساواة ثقافية، وتحيزات في المجتمع الواسع، وعداء، ووصم، وتفرقة، وتمييز

عرقي، ونسب مشاركة منخفضة للنساء. وتتضمن المُعزّزات الشخصية عوامل مثل نمط الحياة

السيئ، وظروف عائلية سلبية، ومستويات معيشة منخفضة، وصحة سيئة، ومديونية، وتهريب مخدرات،

ونوعية غير مرْضية من الحياة، وقلة المعرفة والمعلومات، ومستويات منخفضة من التعليم والتأهيل.

المُعززات المكانية تتضمن: العزلة الاجتماعية، والعزلة الجغرافية، والشعور بالوحدة في العائلة والمجتمع،

والإحساس بالإهمال، والهجرة إلى الخارج. يميل هذا التصنيف إلى تأكيد تقديري بأن الاستبعاد الاجتماعي ليس مفهومًا متحركًا فحسب، بل هو

امتداد واسع أيضًا، ويمكن أن يتضمن صورًا من خارج ما هو معتاد في خطاب «الفقر». يقوم تنميط «الأصناف» و«الأنواع» و«العوامل المعزِّزة» بتقديم صورة غنية عن طرق الاستبعاد

الاجتماعي التي تُنشر في نصوص سياسة الاتحاد الأوروبي، لكنه لا يستنفد كل ما يشير إلى الاستبعاد في

مجموعة الوثائق التي درستها. أمّا الأصناف الثلاثة الباقية التي أعالجها أدناه، فتحاول فرض بعض النظام

على جوانب ملموسة بدرجة أقل من خطاب الاستبعاد الاجتماعي، وتحديد «الاستعارات»، و«الأسباب

البنيوية» و«الآثار الاجتماعية - النفسية» التي هي جزء من مفردات الاستبعاد.

استعارات الاستبعاد

هناك عدد من الاستعارات (Metaphors) المتميزة والمرتبطة بخطاب الاستبعاد الاجتماعي، والتي يعبّ

بعضها على الأقل عن مكانية الاستبعاد (التي غالبًا ما تُمَل). و قمت أنا بتصنيف هذه التركيبات الخاصة،

كالاستعارات، متتبعًا منهج لاكوف وجونستونفي تفسير الاستعارة. وقد استلزمت المصطلحات

التي استُخدمت لوصف الاستبعاد الاجتماعي في هذا السياق اقترانات مجازية معقدة. فمن ناحية، ثمة

عدد من التركيبات التي لا تشير، بحد ذاتها، إلى الفضاء والمكان مباشرة، ويتم التصرف بها لغويًا. تقترن

المصطلحات التي تصف الاستبعاد الاجتماعي مع مصطلحات مثل «الانحدار» و«الأدنى» و«تحت».

ومن الناحية الأخرى، تقترن تركيبات أخرى مع مصطلحات تستحضر معنى الدوران والوقوع في

الفخ. الاستبعاد الاجتماعي يصُرَّف بالاشتراك مع كلمات مثل «فخ» و«دوران» و«تشابك» و«تراكم»

و«دورة حياة»، وجميعها تميل إلى التشديد على فكرة الالتباس اللزجة والسلبية التي لا مفر منها. تتضمن قائمة الاستعارات الشائعة: حالة الانحدار المستمر، والوجود على الهامش، والمجموعات الأدنى

تفضيلً، والانسلاخ عن علاقات العمل، وفخ الفقر، ودورات الاستبعاد، ومداومة الفقر خلال دورة

حياة الفقير، وتشابك الأضرار، وإعاقات متراكمة التي تولّد الدوائر المفرغة، وحالات الخطر، وتحت خط

الفقر، ومساحات فقيرة، وجزر فقيرة، ومدينة الأكواخ، وأحياء فقيرة، ومناطق سكنية خفية، ومناطق

سكنية عشوائية.

(1((المصدر نفسه.

(((1 المصدر نفسه.

(1((المصدر نفسه.

(15) George Lakoff and Mark Johnson, Metaphors We Live by (Chicago: University of Chicago Press, 1980). (16) Peace, «Surface Tension,» p. 397.

الأسباب البنيوية

تجري الإشارة أيضًا إلى الأسباب البنيوية للاستبعاد الاجتماعي، وهو فرز (grouping) من الصعب إمّا

جمعه وإمّا تبريره بأي طريقة بسيطة. إن قبول «الأسباب البنيوية» ورفضها يقويان وينحسران كتفسير

لانتشار الاستبعاد الاجتماعي واستمراره. وتظهر الإشارة الى «الأسباب البنيوية» بشكل متكرر في كثير

من النقاشات الإيرلندية عن الاستبعاد الاجتماعي، ومؤخرًا ظهرت بشكل متزايد في خطابات وحدة

الاستبعاد الاجتماعي للمملكة المتحدة. ويمكن، كما يُزعم، أن تحدد الأسباب ك«بنيوية» عندما تصف

العوامل أو العناصر التي للأفراد سيطرة محدودة عليها. تشمل هذه عمليات استبعاد تتعلق بالتشغيل، مثل عمالة الأطفال، والشباب غير المؤهلين، وذوي الأجور

المتدنية، والعاملين في الوظائف الخطرة وغير الماهرة، والعمال غير المحميين، وعمال مسنين، والعاطلين من

العمل بشكل مستمر. ويتضمن الحرمان المتعدد أشياء مثل الحرمان البيئي، وظروف سكنية سيئة، وأرض

مهجورة، وتخريب، ومستويات عالية للجريمة، ويتضمن أيضًا عدم كفاية الموارد، ونقص العمل، ونقص

الموارد الأساسية، ونقص الخدمات الكافية، بالإضافة الى تأثيرات سياسات الحكومة.

التأثيرات النفسية - الاجتماعية للاستبعاد

إنه تبويب صغير لكنه فعال. وأصناف الناس التي نشأت عن تلك «التأثيرات» من الاستبعاد هي التي

يظهر حيالها خطاب الاستبعاد الاجتماعي أقل فعالية. ويمكن للتأثيرات النفسية - الاجتماعية أن تتضمن

المشكلات النفسية، والمشكلات العلائقية، وفقدان الهوية، وفقدان الانتماءات الثقافية، وعدم التكامل

في علاقات العمل، ومشكلات الاكتئاب النفسي، والانهيار الداخلي للشخص، وفقدان الهدف، وعدم

تكامل في الروابط العائلية، وعمليات لها تداعيات شخصية، والبُعد الداخلي للفقر، وعدم التكامل في

العلاقات الاجتماعية. أغلب الجماعات المستبعدة، التي تواجه «مشكلات علائقية» و«فقدان هوية» و«اكتئابًا نفسيًا» وهلم جرًا،

هي الأشخاص أنفسهم الذين بدأت باستهدافهم برامج الفقر بنجاح في الثمانينيات، والذين تركتهم

جانبًا تلك السياسات الموجهة للتوظيف في التسعينيات. وغالبًا ما ترتبط هذه الخصائص بالأفراد الذين

استُنفدت قدرتهم على الانخراط في العمل ذي الأجر الجيد، والذين غالبًا ما ينخرطون في دورات دخول

وخروج من العمل بأجر، وما يعنيه ذلك من التغيير السريع في أوضاعهم وتزايد ضعفهم في سوق العمل

المأجور وهم يكتسبون سمعة عمل غير ذات صدقية. إن العلاقات المتداخلة بين هذه الخصائص وأصناف الاستبعاد الاجتماعي تصبح أكثر تعقيدًا بفعل التأثير

المفرط بالبيئة الاقتصادية والسياسية لصنع السياسات، والتي تطبّق في وقت واحد ومكان واحد. ضمن

هذا الإطار المعقد، تم تمثيل الاستبعاد الاجتماعي في نصوص السياسة بكثير من الطرق المختلفة. هذا يدل

على أن تعريف مفهوم الاستبعاد الاجتماعي هو الخطوة التالية.

(((1 المصدر نفسه، ص.400

(1((المصدر نفسه، ص 400.

تعريفات الاستبعاد الاجتماعي

بصورةٍ عامة، هناك إجماع على ان «الاستبعاد الاجتماعي» هو المفهوم الذي يمكن ان يُعرَّف ويُنشر

بطريقتين: يمكن أن يُعرَّف تعريفًا ضيقًا - وفي هذه الحالة يُستخدم كمرادف لفقر الدخل ويشير على وجه التحديد

إمّا إلى أولئك الناس الذين لم يرتبطوا بسوق العمل المدفوع الأجر (الاستبعاد من القوى العاملة ذات

الأجر المدفوع) وإمّا إلى أولئك الناس في العمل ذوي الأجر المنخفض، وهو يستخدم في أغلب الأحيان

جنبًا إلى جنب مع مفهوم «التماسك الاجتماعي» الذي يعني أن المجتمع المتماسك هو الذي يحافظ فيه

على الاستقرار (الاقتصادي والاجتماعي والسياسي)، ويسيطَر عليه من خلال المشاركة في القوة العاملة

المدفوعة الأجر. كما أنه يمكن أن يُعرَّف بشكل واسع - وفي هذه الحالة يشير إلى أكثر من الفقر، وتفاوت الدخل، والحرمان

أو نقص التشغيل. وقد صاغت التقارير النهائية لبرامج الفقر للاتحاد الأوروبيبمنهجية الاستبعاد

الاجتماعي في هذه الطريقة المعقدة... حددت المجموعة المؤلفة من اثني عشر تقريرًا بأن الاستبعاد كان

متعدد الأبعاد، وأنه تضمن نقص الموارد وإنكار الحقوق الاجتماعية، وأن الاستبعاد كان عملية دينامية.

وأنتجت عمليات الاستبعاد الحرمان المتعدد، وكسر الروابط العائلية والعلاقات الاجتماعية، وفقدان

الهوية والهدف. بهذا المعنى الأخير الواسع والمرن يمكن مفهوم الاستبعاد الاجتماعي أن يكون مفيدًا لتطوير فهم مختلف

وأكثر تعقيدًا للعوامل والتأثيرات التي تؤدي، من ناحية، إلى الرفاه والميزة النسبية، وتؤدي، من ناحية

أخرى، إلى التفاوت وعدم المساواة والحرمان النسبي بين أعضاء المجتمع. وقد جرى في المملكة المتحدة

وإيرلندا الشمالية واسكتلندا إدخال هذا التعقيد إلى التعريفات في عرضهم لل«العمليات» و«التعقيد»

و«الأسباب»، كما في إشاراتهم ل«الأفراد» و«الأسر» و«المجتمعات»، بما يجعل مفاهيم مثل «المشاركة»

و«الاندماج الاجتماعي» واضحة جدًا في تعريفاتهم. وقد عُرّف الاستبعاد الاجتماعي في إيرلندا الشمالية بأنه: مجموعة من العمليات، المتضمنة في داخل سوق العمالة ونظام الرفاهية، التي دُفع من خلالها

الأفراد والأسر والمجتمعات، وحتى فئات اجتماعية بكاملها، نحو هامش المجتمع أو أُبقيت فيه.

وهو لا يشمل فقط الحرمان المادي لكن أيضًا بشكل أوسع الحرمان من فرصة المشاركة بالكامل في

الحياة الاجتماعية والمدنية (التشديد من عند الكاتب). ويشير المكتب الاسكتلندي إلى أن: الاستبعاد الاجتماعي معقد: أسبابهمترابطة، وتأثيراته تصبح هي نفسها أسبابًا لاستبعاد آخر؛

على سبيل المثال، الفقر هو، على حدٍ سواء، سبب رئيسي للاستبعاد الاجتماعي ونتيجة رئيسية له.

(19) Andersen [et al.], «The Contribution of Poverty 3,» and Conroy, «Evaluation of the Achievements of Poverty 3». (20) Silver, «Reconceptualizing Social Disadvantage». (21) Democratic Dialogue, «Social Exclusion/Inclusion» (Special Report; no. 2, 1995), on the Web: <http://www.dem- dial.demon.co.uk/index.htm> (Accessed 1 June 2001).

وبالتالي يحتاج العمل لتأسيس اندماج اجتماعي إلى أن يكون شاملً ومنسقًا؛ ويجب أن يخاطب

مجموعة كاملة من القضايا التي تواجه الفرد أو الأسرة أو المجتمع. (التشديد من عند الكاتب). مالت« وحدة الاستبعاد الاجتماعي البريطانية»، التي لها تأثير في إنكلترا، في توضيحاتها السابقة إلى التركيز

أكثر على «الأفراد» وتعريف الاستبعاد من جانب «خطاب الفقر» التقليدي. ولذلك كان التعقيد محددًا في

مصطلحات مثل «المشكلات ذات الصلة»: الاستبعاد الاجتماعي هو إشارة مختصرة إلى ما يمكن أن يحدث عندما يعاني الأفراد أو المناطق

مجموعة من المشكلات المترابطة مثل البطالة ومهارات ضعيفة ودخول منخفضة وإسكان سيئ،

وبيئات جريمة عالية، وصحة سيئة، وتفكك أسري. (التشديد من عند الكاتب).

وللاستبعاد الاجتماعي ثلاثة وجوه، كما حددها تعريفٌ مستشهَد به الى حدٍ بعيد في تعليقات الاتحاد

الأوروبي المبكرة: • اقتصادية: المستبعدون هم... العاطلون من العمل... أولئك المحرومون من الأصول مثل الممتلكات

أو الائتمان. • اجتماعية: فقدان ترابطات الفرد مع الاتجاه السائد للمجتمع. • سياسية: أصناف معيّنة من السكان- مثل النساء، والأقليات العرقية والدينية، والمهاجرون - من الذين

كانوا محرومين من الحقوق الإنسانية والسياسية. يقترح تقرير منظمة العمل الدولية أيضًا مقاربة متعددة الوجوه لفهم الاستبعاد الاجتماعي بتحديد

الاختلافات بين الاستبعاد الاجتماعي كخاصية للأفراد أو المجموعات، والاستبعاد الاجتماعي كخاصية

للمجتمعات: [خاصية الأفراد] الأشخاص أو المجموعات المستبعدة ينظر إليهم على أنهم في حالة حرمان...

تتجاوز التعريف الضيّق للفقر كقلة الدخل أو الأملاك المادية... وأن الأفراد يُعزلون اجتماعيًا

بشكل ما... «وعندهم» أو لديهم تجربة لترابط اجتماعي ضعيف... وقد يفتقرون إلى الترابط مع

العائلة، والسكان المحليين، والجمعيات الطوعية، والنقابات، وحتى البلد... وهم قد يتعرضون

للضرر من ناحية حقوقهم القانونية... (هذا التعريف) يجمع كلً من جوانب الحرمان المتعلقة

بالاستهلاك والمتعلقة بالعمل... ويركز على ديناميات العلاقة السببية التراكمية... [خاصية المجتمعات] مقاربة مفيدة من منظور مؤسساتي، حيث إن الاستبعاد الاجتماعي هو خاصية

الإطار المؤسساتي الأساسي والترتيبات المؤسساتية المستمرة التي تتضمن الأفراد والمجموعات...

الاستبعاد الاجتماعي خاصية المجتمع إذا كانت أشكال العنصرية والجنسية، أو غيرها من أشكال

(22) Great Britain, Scottish Office, Social Inclusion: Opening the Door to a Better Scotland; Strategy (Edinburgh: Scottish Office, 1999), pp. 1-2, on the Web: <www.scotland.gov.uk/library/documents-w7/sist-00.htm>. (23) Great Britain, Social Exclusion Unit, Opportunity for All. (24) Bhalla and Lapeyre, «Social Exclusion,» Quoted in: Sophie Bessis, From Social Exclusion to Social Cohesion: A Policy Agenda: The Roskilde Symposium, 2-4 March, 1995, University of Roskilde, Denmark , MOST Policy Papers; 2 (Paris: United Nations Educational, Scientific and Cultural Organization, 1995). (25) Rodgers, Gore and Figueiredo, eds., Social Exclusion.

التمييز الأخرى موجودة، وإذا كانت الأسواق التي من ضمنها يكسب الناس عيشهم مجزأة، أو

أن البضائع المتاحة للجميع (العامة) هي... متاحة لهم شبه عامة. إن واحدًا من أحدث التعريفات، في رأيي، وأكثرها فائدة هو ذلك الذي افترضه كتاب بوركارد

وآخرين. يتكلم هؤلاء الكتّاب على خطاب الاستبعاد الاجتماعي في المملكة المتحدة في التسعينيات،

ويقترحون تحديد نقطتين للتعريف، هما: إن الفرد يُستبعد اجتماعيًا إذا (أ) هو مقيم جغرافيًا في المجتمع، وإذا (ب) هو لا يشارك في نشاطات

المواطنين العادية في ذلك المجتمع. ويمضي المؤلفون إلى معالجة مسألة إشكالية تتعلق بما يشكل «النشاطات العادية»، وذلك بتمييز خمسة

أبعاد، حيث تُعتبر المشاركة مهمة في تحقيق رفاه للفرد (والمجموعة). وهذه الأبعاد تتضمن: 1. النشاط الاستهلاكي[الذي] يتعلق بالقياسات التقليدية للفقر. 2. نشاطات المدخرات[التي] تتضمن الرواتب التقاعدية، والمدخرات، وملكية المنزل. 3. النشاط الإنتاجي: عُرِّف من ناحية «الانخراط في نشاط ذي قيمة اقتصاديًا أو اجتماعيًا، مثل العمل

بأجر، والتعليم أو التدريب، والتقاعد... أو الاعتناء بالعائلة». 4. النشاط السياسي: عُرِّف بأنه «الانخراط في بعض الجهود الجماعية لتحسين البيئة الاجتماعية والمادية

المباشرة أو الأوسع، وحمايتها.» 5. النشاط الاجتماعي: عُرِّف بأنه «الانخراط في التفاعل الاجتماعي المهم مع العائلة، أو مع الأصدقاء،

والتماهي مع ثقافة المجموعة أو المجتمع». إن عناصر هذا التعريف ذات القيمة الخاصة هي ذات شقين. أولً: إنها تحدد الأبعاد الطبيعية المتعددة

للاستبعاد الاجتماعي، وتوسِّع نطاق التعريف إلى ما هو أبعد من عوامل تتعلق بالإنتاج و/أو الدخل.

ثانيًا: إنها توفر تفسيرًا واسعًا جدًا لجوانب الاستبعاد الإنتاجية والسياسية والاجتماعية.

كما أن انتقادي الأبعاد الموضحة هنا ذو شقين. أولً: الاستهلاك، الذي يشار له في البند الاول، معرَّف

بشكل ضيق جدًا في ما يتعلق ب «مقاييس الفقر». وأجادل بأن السياسة الاستهلاكية في ما يتعلق بالاستبعاد

الاجتماعي معقدة جدًا، والقدرة على الاستهلاك أصبحت علامة ليست للفقر فحسب، وإنما للهوية أيضًا،

وعلى نحو متزايد. وكون المرء قادرًا على «استهلاك» (منتوجات معينة وخدمات ومعرفة) يحدد على نحو

متزايد المعايير الواضحة للاندماج الاجتماعي. وهذا مجال يحتاج بشكل كبير إلى مزيد من البحث. ويتعلق

انتقادي الثاني بالدمج بين النشاطين الثقافي والاجتماعي، على الرغم من أن من السهل القول بأن «الثقافي»

منغرس بالضرورة في «الاجتماعي»، لكن ليس من السهل تحديد المدى الذي تشغله «سياسات الهوية»

في ما يتعلق بالاستبعاد إذا جُع المفهومان في رزمة واحدة. ويتطلب مجال الهوية الثقافية والاستبعاد أيضًا

مزيدًا من البحث.

(26) Burchardt, Le Grand and Piachaud, «Social Exclusion in Britain». ((2(المصدر نفسه، ذكر في: , p. 8 Policy Responses.Percy-Smith, ed.,

تناقش جين بيرسي سميث أيضًا الأبعاد التي حددها بوركارد وآخرون، لكن بدلً من أن تعترض

على محتوى الأبعاد، فإنها تقترح مجموعة من الأبعاد الجديدة، وتحاول تحديد المؤشرات التي يمكن أن

تُستخدم لقياس عمليات الاستبعاد التي تراها. والمفيد في تصنيفها هو أنها تحدد الجيرة والفرد والأبعاد

المكانية والفئوية، بالإضافة إلى الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية. إن التركيز على الجوانب المكانية

للاستبعاد الاجتماعي لم يكن أولوية مهمة في كثير من التعريفات السابقة للاستبعاد (على الرغم، للمفارقة،

من أن الاستبعاد ظاهرة مكانية بطبيعتها، بما أن الجماعات والأفراد يتجهون إلى أن يكونوا «مستبعدين» من

«فضاءات الاندماج»). كما أن تمييز مؤشرات استبعاد «المجموعة» بتعارض مع «الفرد» يخلق، كما يُزعم،

قدرة أكبر للسياسات والمؤشرات للتكيف مع أخلاقيات ثقافية تستند إلى المجموعة بدل الفرد كأساس

منطقي للحياة. قد يبدو، عمومًا، أن قدرًا كبيرًا من التفكير والنقاش قد توجه لإيجاد تعريف «مثالي» للاستبعاد الاجتماعي.

ويبدو أيضًا، حتى من هذا الملخص الموجز، أن ليس ثمة حتى الآن إجماع في الرأي. وبالنسبة إلى سياسة

نيوزيلندا، فإن القرار لا يكمن فقط في تقرير ما إذا كان تعريف واسع أو ضيق للاستبعاد الاجتماعي يخدم

مقاصدنا بصورة أفضل، بل أيضًا في تقرير المدى الذي يكون فيه هكذا مفهوم معقد ومن نواحٍ عدة مراوغ

نافعًا في الواقع. ويقدم القسم الأخير من هذه الورقة بعضًا من العواقب غير المتوقعة لاستخدام مفهوم

«الاستبعاد» التي أصبحت واضحة في الأماكن التي يتم فيها الاستخدام بالفعل.

ملابسات أخرى

تقدم بيرسي سميثوصفًا لما تدعوه «الأجندة الأخلاقية التي يبدو أنها تسند الكثير من التدخلات

السياسية التي جرى نقاشها» في ما يتعلق بالاستبعاد الاجتماعي. وهي تلمح إلى أن الأجندة الأخلاقية

تقيم في التعيير (normalization) الضمني الذي يتضمنه خطاب الاستبعاد، وهذا له جانبان: أولً، هناك خطاب قوي يجري تداوله في المجتمعات المنجذبة نحو «الاستبعاد الاجتماعي» كإطار سياسة

عامة يضع قيمة على «الاستقلال». إن الفردانية السيادية والتملكية (النظرية التي تقول إن كل فرد يمكن

أن يمتلك السيطرة والسلطة على نفسه) هي أكثر من مجرد نظرية فلسفية اجتماعية؛ إنها الإطار الضمني

الذي يوفر أساسًا منطقيًا لصعود قطاع السوق التجارية وأجندات سياسية ل«اليمين الجديد». وهو

أيضًا خطاب سائد يعرّض مناقشة مفهوم الاستبعاد الاجتماعي لوضعٍ يجعلها تصبح مناقشة ل«رفاهية

العمل». وفي الاتحاد الأوروبي على الأقل، يبدو التركيز على «الاستبعاد الاقتصادي» - الاستبعاد من

قوة العمل المدفوعة الأجر - جليًا في تاريخ برامج الفقر. وتميل المناقشة إلى التركيز على السياسات التي

يمكن أن تحرك الناس من حالة «الاعتماد» (على الدولة) إلى «الاستقلال» في قوة العمل المأجور. وقد

توجهت وحدة الاستبعاد الاجتماعي البريطانية في هذا الاتجاه في جزء كبير من مناقشتها بشأن «الفرص

للجميع». النقطة الثانية هي أن تطوير نظرية قوية عن «الاندماج الاجتماعي» قد يعطي أيضًا إذنًا ل:

(28) Percy-Smith, ed., Policy Responses , p. 8.

((2(المصدر نفسه، ص.19

(30) Great Britain, Social Exclusion Unit, Bringing Britain Together.

... المواقف المتعصبة في ما يخص المعالجة التأديبية للذين يُعتبرون منحرفين أو غير متوافقين مع السائد

... إن العنصر المعياري للسياسة يثير أسئلة مهمة في ما يتعلق بأولئك الذين اعتبُر أنهم استبعدوا أنفسهم

طواعية. هناك وجهة تفكير في «حزب العمل الجديد» توحي بأن مثل هذا الاستبعاد الذاتي الطوعي نفسه

يشكل مشكلة اجتماعية، وهو في حد ذاته هدف شرعي لاتخاذ ربما إجراءات عقابية. وخير مثال... هو

السياسات التي هدفت إلى «تطهير الشوارع» من النائمين في العراء والمتسولين. إن كلًّ من هاتين النتيجتين كانت واضحة في بحثي في وثائق سياسة الاتحاد الأوروبي. ولتبيان ذلك،

أعود إلى المناقشة السابقة المتعلقة ب«أصناف المستبعَدين»... وسأركز على تسعة عشر صنفًا من الأصناف

التي حددتها ك«مهمَّشة بالاختيار». وربما هذه الأصناف هي الأكثر إشكالية وصعوبة لسياسة الاستبعاد

الاجتماعي. أولً: من المهم أن نلاحظ أن فكرة «الاختيار» مستدَلة من الوضع الذي وجدت فيه الأصناف

بدلً من تفسيري الخاص. هناك، على أي حال، حيّز خطابي منطقي يقبل بسهولة الفكرة القائلة إن الناس

«يختارون» «العيش بطريقة مختلفة». وتكون الأمور أكثر تعقيدًا في حال كانت أصناف من الناس الذين

«يوضعون في ذلك المكان» هي في الواقع أناس «اختاروا» الحرمان من الميّزات. إن إحدى المنافع غير المتوقعة لتطوير جزء من مصفوفتي المُكرَّسة للأصناف هي أن هذا التطوير مكنني

من رؤية «ما خلف الكواليس» من نمط ناشئ في خطاب السياسة كان متصلً مباشرة بمشكلة أخلاقية

بافتراض أن يكون نوع الشخص هو القادر على «اختيار» الحرمان.

السياسات القائمة على الهوية

ثمة في القرن الحادي والعشرين توتر واضح عند هذه النقطة في الأمم «الغربية الصناعية» بين مقاربتين

فلسفيتين متميزتين لتوزيع الرفاه المستهدف؛ فمن جهة، باتت «سياسات الهوية/السياسة» تعرّف الكثير

من مطالب الحقوق والسياسة. وهناك جماعات هوية أصبحت مألوفة، بحسب العرق والعمر والنوع

والميول الجنسية والإعاقة، يدّعي أفرادها الأحقية في مسعاهم للحصول على اعتراف السياسة. ومن جهة

أخرى، فإن ل«سياسات إعادة التوزيع» («من الأغنياء» إلى «الفقراء») أصولها الخاصة في أنظمة الرفاه

التي تستند إلى الدولة وإلى الكنيسة. أمّا المناقشة الدائرة حول السياسات القائمة على الهوية كقاعدة لصوغ سياسات للحد من عدم المساواة،

فيمكن أن تكون مشكلة. ويمكن أيضًا للافتراضات الكونية الانتقائية بشأن حقوق الجماعة ومسؤولياتها

في ما يتعلق بالسياسات القائمة على الهوية أن تكون مشكلة بالنسبة إلى المفاهيم المحددة بشكل ضيّقٍ

للاستبعاد الاجتماعي. ونستطيع إذ ذاك فهم ادعاءات الماوري (Mäori) في سياق أوتيروا/نيوزيلندا

في ما يتعلق ب«سياسات الاعتراف» هذه. تفترض «سياسات الاعتراف» أن القرارات والمناقشات التي

تتعلق بصنف أو مجموعة معيّنة يمكن أن تحدث فقط عندما تكون هوية تلك المجموعة واضحة للعيان.

وهكذا، على سبيل المثال، كان هناك القليل من المناقشة حول «حقوق النساء» إلى أن يحين الوقت فتصبح

«النساء»، بمعنى ما، «صنفًا من التحليل». وسياسات الاعتراف، في ما يتعلق بالاستبعاد الاجتماعي، تُبنى

على فكرة أنها استبعاد، بشكلٍاو بآخر، وتُنتج شروط إمكانية الاعتراف بهوية المجموعة. وهكذا، وهذه

(31) Percy-Smith, ed., Policy Responses , p. 20.

هي الحجة التي أظهرتها بيرسي سميث بشكلٍمقْنع، بأن تعريف الاستبعاد الاجتماعي بطريقة تتجاهل

تعقيد الاستبعاد السياسي ليس تعريفًا وافيًا، كما أن وضع مفاهيم معيارية وسائدة (مهيمنة) للادماج

الاجتماعي (social inclusion) والتماسك الاجتماعي (social cohesion)، هي في تفسير بيرسي سميث

إشكالية أخلاقية. كما أن سياسات إعادة توزيع الرفاه (التي هي بشكل ملحوظ مألوفة ومفهومة جيدًا في تعبير السياسات

في نيوزيلندا أكثر من السياسة القائمة على الهوية)، هي بدورها تفترض تصنيفات. وفي هذه الحالة، فإن

المعايير التي يمكن الأفراد أن يستندوا وفقها إلى صنف معيّ هي معايير معرّفة بشكل ضيق، حيث إن

كل صنف يعتمد عادة على واحد، أو على مجموعة صغيرة من الخصائص ذات العلاقة، لتقسيم أعضائه.

وهكذا، فبدلً من صنف «النساء»، هناك صنف «الأم الوحيدة»، وبدلً من صنف «المهاجر» هناك صنف

«المهاجر العاطل من العمل». ويتعلق معظم الاستهداف الرئيسي بأنظمة ذات صلة بفرض الضرائب

والتوظيف، وبناء على «نماذج العجز المالي». هذا ويوفر افتراض مجموعةٍ من المواصفات المعيارية للطموح

والإنجازِ الأساسَ الذي يمكن بناءً عليه حساب إعادة التوزيع وتقييمه. إن ما كان مهمًّ في نتائجي بشأن سياسات الاستبعاد الاجتماعي للاتحاد الاوروبي هو أن ذلك التوتر بين

هذين النموذجين التحليليين حُلّ بشكل متناقض وجزئي. في الحالة الأولى، كان عدد من الحقول الرئيسية

للسياسة قد اقتُطع من أجندة «مكافحة الفقر»، وكان هناك تحول قوي نحو سياسات التمييز التي أصبحت

واضحة مع صعود عدد كبير من أنظمة السياسة المحددة جدًا على أساس الهوية. وهكذا، كان هناك خطط

سياسة للمهاجرين والنساء والمعوقين والمسنين، من أجل جميع الناس في ذلك الصنف، بغضّ النظر عن

المدى الذي يحدد فيه الفقر أو الحرمان المادي الوضع الذي يعيش فيه الأفراد. في الطرف الآخر، كانت السياسات المستهدفة لمكافحة الفقر (وإعادة التوزيع بشكل أساسي) تركز بشكل

ضيّق على الضريبة والسياسات المتعلقة بالتوظيف. وفي واقع استقطاب السياسات، حدث شيء غريب

على المستوى الأوروبي، كنتيجة لتلك التغيرات؛ فقد أصبح في الإمكان الحديث عن السياسات على نطاق

أوروبي واسع بالنسبة إلى «المعوقين»، على سبيل المثال، في أحد أطراف الطيف، وإلى العاطلين من العمل

في الطرف الآخر. وعلى أي حال، كانت هناك مجموعات وأفراد من الذين لا أحقية واضحة لهم، إمّا من

خلال سياسات التمييز (الذي لا يعطى المدمنين المشردين، على سبيل المثال، وضع «هوياتي» بسهولة)

وإمّا من خلال استيعابهم والتعهد لهم بالتوظيف. إن خطاب «الاستبعاد الاجتماعي» وإعادة صوغ أطر

السياسة الاجتماعية والاقتصادية التي كانت نتيجة طبيعية لاستخدامه، أنتج، للمفارقة، حيزًا باتت فيه

مجموعات وأفراد في خطر أن يصبحوا «مستبعَدين من خطاب الاستبعاد». الحالة الثانية المتعلقة ب«المشكلة الأخلاقية» التي تلازم خطاب «الاستبعاد الاجتماعي» هي حتمية «التعيير»

(normalization)؛ فمن أجل وضع سياسات مستمدة من مفهوم «الاستبعاد الاجتماعي»، يجب أن يكون

هناك بعض المنطق بشأن ما يجري استبعاد الناس منه (ناهيك عن مَن هم الذين يقومون باستبعادهم.)

وهكذا، لا بد أن يكون هناك فهم ضمني لما يمكن أن يشكِّل أساس «الإدماج». ولكن، كيف هي أفكارنا

(3((المصدر نفسه.

(33) Peace, «Surface Tension».

بشأن «الإدماج» مشتقة؟ مَن يخلق القواعد والمعايير والتوقعات بخصوص ما ينبغي للشخص أن يعمل

أو ينجز أو يطمح إليه لكي يمكن «تضمينه» في المصفوفة الاجتماعية؟ يمكن القول إن من المهم أن يكون

هناك وضوح في قواعد «الإدماج الاجتماعي»، وكذلك في المقصود ب«الاستبعاد الاجتماعي».

خاتمة

الإدماج الاجتماعي كإطار للسياسة هو أيضًا لا يخلو من المخاطر - والتوجهات المعيارية الملازمة لخطاب

الاستبعاد الاجتماعي لا تزال موجودة. على أي حال، يمكن تفسير الرغبة في الإدماج الاجتماعي في

سياق السياسة، كأجندة لتسهيل القدرات الفردية والجماعية وإثرائها وتعزيزها، وذلك بالنسبة إلى ثلاثة

أشياء على الأقل: الفرصة والمعاملة بالمثل والمشاركة. تظهر هذه المفاهيم الثلاثة جنبًا إلى جنب مع مفهوم

الاستبعاد في كثير من النقاشات بشأن السياسة الدولية. ويتطلب الاستثمار في قدرات الناس ومواردها

مقاربات للسياسة متعددة الوجوه، وهناك حاجة إلى أن تكون تلك سياسات توفر الوصول إلى إفادة

أساسية في الصحة والتعليم والإسكان ووسائل الراحة. وهناك حاجة أيضًا إلى أن تكون سياسات تسعى

إلى حماية الناس من الأذى و/أو تلك التي تساعد على وقاية الناس من التعرض لظروف صعبة ومخاطر

غير ضرورية. كما أن هناك حاجة إلى سياسات تمكّن الناس من البحث عن الفرص الجديدة والاستفادة من

الفرص المتاحة. من الناحية المثالية، هناك حاجة إلى وجود آليات سياسة للاعتراف بأن تلك الاستثمارات

والفرص، التي هي بالنسبة إلى بعض الناس ثمينة ويمكن الوصول إليها، ليست بالنسبة إلى آخرين مناسِبة

أو لا يمكن الوصول إليها. إن أي تطوير لسياسة الاستبعاد الاجتماعي في نيوزيلندا يحتاج إلى التنبه إلى تعقيد المفهوم وميوله المتناقضة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن صُنَّاع السياسة يحتاجون إلى الانتباه إلى الطرق التي يمكن أن يكون فيها ل«إدارة

التعبير» تأثير كبير في ما يجري الحديث عنه، وبالتالي في الإجراءات التي يمكن أن تُصاغ. إن استخدام

«الاستبعاد الاجتماعي» كمفهوم تنظيم للسياسة الاجتماعية ينطوي على خطر تأطير السياسة الاجتماعية

سلبيًا، وكلا المفهومين، «الاستبعاد الاجتماعي» و«الإدماج الاجتماعي»، عرضة لخطر تأسيس متغيرات

معيارية تزيد من تعقيد حياة الناس الذين هم بالفعل «على الحافة».

وبشكلٍأكثر إفادة، ربما، يمكن استيراد الاستبعاد الاجتماعي إلى نيوزيلندا كمفهوم واحد من بين مفاهيم

كثيرة. وفي وسعه أن يكون جنبًا إلى جنب مع مفاهيم أكثر وضوحًا، مثل «الفقر» و«الحرمان» و«معاناة

المشقة»، والسعي للوصول إلى «نوعية جديدة من الحياة». هكذا، بدلً من أن يوفّر مفهوم الاستبعاد

الاجتماعي إطارًا جديدًا يدخل في الاعتبار عواقب غير متوقعة، يصبح أداة مفاهيمية أخرى للتحدث عن

العوامل المرتبطة والمتراكمة والعمليات التي تربك قدرة الإنسان والمجموعة على الأمل والفرصة والمعاملة

بالمثل والمشاركة. يصبح الاستبعاد الاجتماعي (والإدماج الاجتماعي) «طرق تسمية» أخرى للعمليات

الجمعية التي تعمل على حرمان الناس من الوصول إلى الفرص والوسائل المادية أو غير ذلك، لتحقيق

الرفاه والأمن في الشروط التي تُعتبر مهمة عندهم.

مرجع إضافي

Great Britain, Scottish Office, Social Exclusion in Scotland: A Consultation Paper (Edinburgh: Scottish Office, 1998), on the Web: <www.scotland.gov.uk/library/ documents1/socexl.htm>.