العودة إلى تفاصيل المؤلَّف المدخل الأخلاقي في الدفاع عن الرأسمالية

المدخل الأخلاقي في الدفاع عن الرأسمالية

The Moral Avenue to Defend Capitalism

مصطفى أيت خرواش *

الملخّص

الكتاب: أخلاقيات الرأسمالية العنوان الأصلي: The Morality of Capitalism المحرر: توم جي بالمر ترجمة: محمد فتحي خضر الناشر: دار كلمات عربية للترجمة مكان النشر: القاهرة تاريخ النشر: 2013 عدد الصفحات: 137

Abstract

Book title: The Morality of Capitalism Author: Tom G. Palmer Translation: Mohammed Fathi Khidr Place of publication: Cairo Publisher: Dar Kalimat Arabiya Littarjama wan Nashr Date of publication: 2013 Number of pages: 137

الكلمات المفتاحية:
  • مدخل أخلاقي
  • الرأسمالية
  • الإيديولوجيا
  • المصلحة الذاتية
Keywords:
  • Capitalism
  • Ideology
  • Self-Interest

الكتاب:

أخاقيات الرأسمالية

The Morality of Capitalism العنوان الأصلي:

المحرر:

توم جي بالمر ترجمة:

محمد فتحي خضر الناشر:

دار كلمات عربية للترجمة مكان النشر:

القاهرة تاريخ النشر: عدد الصفحات: 137

تقديم عام

شكّلت الأحداث العالمية المتتالية لألفية الجديدة منعرجًا تاريخيًا في

مسار تطور النظام الرأسمالي الحديث، الذي كان له الأثر الكبير في انتشار الرفاه الاقتصادي والاجتماعي، وحتى السياسي، في بقاع واسعة من العالم. وكان لظهور العولمة وتزامنها مع ثورة المعلومة وتكنولوجيا التواصل، الدور الكبير الذي ساهم في عولمة النظم الاقتصادية

الحرة والمفتوحة، والتي بدورها تطوّرت لتشكل

أقوى نظام اقتصادي عالمي عرفته البشرية. لكن مع بداية الألفية الجديدة، حدث تطور مفاجئ في النظام العالمي الاقتصادي والسياسي؛ إذ أدّت الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة

الأميركية سنة 0012، إلى زعزعة الاستقرار السياسي في كثير من الدول والأنظمة التي اتهمتها أميركا بالإرهاب. ويكتمل المشهد هذا مع بروز الأزمة المالية العالمية سنة 0082 وتداعياتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية العالمية.

أُرجع جل هذه الانتكاسات السياسية والاقتصادية الحالية إلى النظام الرأسمالي الحديث، الذي ساهمت عولمته في تباين دول الشمال ودول الجنوب، أو الدول الغنية والدول الفقيرة، وتوسّع الفروق الطبقية واستمرار الفقر المدقع

في بقاع واسعة من العالم. واعتبر البعض أن سبب استفحال الأوضاع يرجع إلى عدم عدالة النظام الرأسمالي. لكن هذه التّهم سيعتبرها

رواد النظرية الرأسمالية ومناصروها تهمًا

مجانية وأخاقية وغير موضوعية، ولا تُعبّر عن

الأسباب الحقيقية الكامنة وراء انعدام المساواة واستمرار الفقر والهشاشة الاجتماعية وانهيار الاقتصادات الوطنية. ويُرجع هؤلاء الأسباب

الحقيقية لانهيارات هذه إلى تراجع منسوب الحريات في دول كثيرة، واستفحال الأنظمة الشمولية، واستمرار الدول في التغوُّل السياسي

والاقتصادي عبر ضبط الحريات الفردية، وبالتالي تراجع المبادرة والابتكار، وهما العامان الأساسيان للتطور والتنمية المستدامة، وكذلك عبر ضبط الأسواق والاقتصادات وتسييرها بطرق غير حرة وغير شفافة بحيث تعيق بالتالي التنمية الاقتصادية الحقيقية. يُعتبر توم جي بالمر (T.G. Palmer)، الذي

تولى تحرير هذا الكتاب، واحدًا من أولئك الذين يناصرون النظام الرأسمالي باعتباره من أهم وأرقى الأنظمة الاقتصادية والسياسية والأخاقية، ويتماشى مع حريات البشر وأخاقهم الطبيعية ومع الآليات الموضوعية والقوية لبناء مجتمع الرفاهية المنشود. وكتابه هنا لا يخرج عن سياقات كتب كثيرة صدرت لرواد الفكر الليبرالي ومناصري النظام الرأسمالي، الذين لا يستميتون في الدفاع عن هذا النظام وعن مميزاته المتعددة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وأخاقيًا.

يُعَدّ بالمر أحد رواد الفكر الليبرالي الحديث،

وهو يعمل نائبًا للرئيس التنفيذي للبرامج الدولية

في شبكة أطلس، ومشرفًا على عمل الفرق التي تعمل في أنحاء العالم على نشر مبادئ الليبرالية الكاسيكية. صدرت له مؤلفات وأبحاث عدة، أهمها كتاب لماذا الحرية والكتاب الذي هو موضع هذه المراجعة، التي سنقدم فيها أفكار الكتاب الرئيسية، مع مناقشتها بتسلسل منهجي بحسب أهمية وحداثة كل فكرة، وسنعمل تباعًا على مقارنة أفكار الكتاب مع أفكار كتب

مغايرة، وصولً إلى طرح قراءة نقدية له تكون متوازية ومتكاملة.

لماذا أخلاق الرأسمالية

يُقدّم بالمر كتاب أخاقيات الرأسمالية بديباجة

تعريفية للرأسمالية، محاولًالنأي بهذه الأخيرة عن المقاربة الضيّقة التي تحصرها في مجرد

نظرية مرتبطة بعمل السوق والتبادل الحر، كمقدمة لطرح ما سمّاه أخاقيات الرأسمالية، أو

التبرير الأخاقي لنظام الرأسمالية؛ فالرأسمالية ليست مجرد أسواق حرة لتبادل السلع والخدمات والأشخاص، بل «نظام من الابتكار وتكوين الثروة والتغير الاجتماعي، جلب لمليارات البشر رخاء لم يخطر ببال الأجيال السابقة» (ص. 3). وهي تشير أيضًا إلى نظام من القوانين والنظم الاجتماعية والروابط الاقتصادية والأعراف الثقافية التي تتبنّى المساواة في الحقوق، وتشجيع

المواهب والابتكار والمبادرة الفردية والتعاون والتنافس في خلق الثروة، مع الارتكاز على ما سمّاه المفكر الاقتصادي جوزيف شومبيتر

التدمير الإبداعي، أي تدمير البنى التقليدية من سلع وخدمات ووسائط بأخرى جديدة عن طريق الإبداع والتحديث المستمر. من جهة أخرى، ليست الرأسمالية مجرد مذهب مادي صرف همّه

الوحيد خلق الثروة فقط، كما صوّرها أعداؤها

من أنصار المذهب الاشتراكي، بل هي أيضًا، كما يؤكد بالمر، مشروع روحي وثقافي، ونظام من القيم الثقافية والروحية والأخاقية. ويحاول

الكاتب هنا تبيان الأوجه الخفية للرأسمالية أو للحقيقة المغيبة التي لا يفهمها خصوم الرأسمالية وعموم الناس الذين لا ينظرون بتمعن إلى الخبايا القيمية من وراء الاقتصاد الرأسمالي، أو الذين تمنعهم الأيديولوجيا من التعمق في فهم فضائل الفكر الرأسمالي الكثيرة، وتهدف محاولته إلى إظهار حسنات الرأسمالية الأخاقية وقيمها التي لا تقف فقط عند الربح والمنافسة، بل تتعداهما إلى نشر قيم التعاون والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان الطبيعية.

القسم الأول: الرأسمالية المغامرة وفضائلها

كثيرًا ما يُعرّف داعمو الرأسمالية هذه الأخيرة

بأنها تعتمد على اقتصاد السوق الحرة واعتبار المنافسة أحد مقوماته الأساسية؛ فبالمنافسة الشفافة والحرة والنزيهة تتمكن آليات السوق الحرة من الاشتغال بفاعلية لإنتاج رؤوس الأموال الضرورية لخلق الثروة وإنتاج القيمة. ولكن كثيرًا

ما تُنتقد آلية المنافسة لأنها لا تعترف إلا بالأقوياء في السوق، الذين يستثمرون قدراتهم المادية القوية لإزاحة الخصوم الصغار والمتوسطين المتضررين من عدم تساوي الفرص التي تقدمها السوق. وبالتالي، فإن الصيغة البديلة التي يقدمها رواد الفكر الاشتراكي عمومًا، هي الاعتماد على

مبدأ التعاون واستثمار القدرات المشتركة لخلق الثروة المشتركة التي يتعاون الجميع في ما بعد على توزيعها بالتساوي في ما يُطلق عليه تعبير

العدالة الاجتماعية.

يقدم المفكر الاقتصادي ديفيد بواز في هذا الكتاب نظرة مغايرة إلى فكرة المنافسة التي غالبًا ما تتعرض للقدح وسوء الفهم؛ فهو يعتبر

أن الناس في الأنظمة الاقتصادية الرأسمالية يتنافسون لكي يتعاونوا مع غيرهم (ص. 34)؛ فالتعاون - كما يؤكد بواز - أساسي لازدهار الإنسانية، ولذلك وجب من أجل إنشاء مؤسسات اجتماعية تجعله ممكنًا، وهذا هو حقوق الملْكية والحكومة ذات السلطات المحدودة وسيادة القانون (ص. 45). ومن دون هذه الشروط، كما يؤكد فاسفة الليبرالية الكاسيكية، ومنهم جون لوك وديفيد هيوم، لا يمكن الحديث عن التعاون الاجتماعي، بل ستعُم الفوضى، والصراع على

ممتلكات الغير، والحروب بين الجماعات، ويستحل البشر سلوكياتهم الإجرامية.

القسم الثاني: التفاعل الطوعي والمصلحة الذاتية

تُعَ دّ الأعمال التبادلية الربحية بين الأفراد

والجماعات والمحقِّقة مصلحة ذاتية ملموسة مُعبَّر عنها بالمقابات المادية، أحد أهم الشروط

الضرورية لقيام مجتمع متكامل وسوي. وكما يبيّن الاقتصادي والمفكر الصيني ماو يوشي

في هذا الكتاب، فإن «البشر يستطيعون التعاون فقط حين يسعون وراء مصالحهم الخاصة» (ص. 0)6 فالأكيد أن من أهداف الاشتراك في أعمال التبادل المشتركة والضرورية عبر خلق الثروة هدف تحقيق المنفعة الذاتية، وإلا لما تفاعل الأفراد مع هذه الأعمال، ولما تكبّد الأفراد

المشقات والمجازفات لمجرد انتفاع شخص آخر أو مجموعة أخرى؛ فالغرض من التبادل - يقول يوشي - هو تحسين الفرد وإضفاء مزيد من الراحة والرفاهية على حياته.

تُعبّر هذه الأفكار، الصادرة عن أحد أعمدة الفكر

الصيني، عن عمق الفكرة الرأسمالية وترابط محدداتها السببية التي تتماشى، كما يقول رواد الليبرالية الكاسيكية، مع حقوق الأفراد وحرياتهم الطبيعية، ومع نواميس الطبيعة التي وجب على البشر اتّباعها والاشتغال بآلياتها. لقد جرّبت الصين نماذج اقتصادية كثيرة عبر تاريخها

المخضرم، وكانت الثورة الثقافية من التجارب التي قامت على شعار « كافح ضد الأنانية، انتقد التعديلية »، وكانت لها نتائج اقتصادية وسياسية كارثية أدت إلى تفشي الفساد والصراع والاستغال وتكديس رؤوس الأموال وتعطيل عجلة الاقتصاد. وقد استغل الزعماء والقادة السياسيون والبخاء وماّك الأراضي هذه الأيديولوجيا لاستغال جهود الأفراد وتفانيهم في العمل، وكوَّنوا ثروات ورؤوس أموال

شخصية على حساب الشعب. على سبيل تحصيل حاصل، يطرح ناقدو الرأسمالية أن الجشع الذاتي الذي يميز الأسواق الرأسمالية يؤدي بالضرورة إلى انعدام المساواة والتوازن الاقتصادي، إن على مستوى المساهمات المتاحة للفاعلين في السوق، أو على مستوى التوزيع النهائي للثروات المتراكمة. يَعتبر الفيلسوف الاقتصادي الروسي ليونيدفي

نيكونوف في هذا الكتاب أن مثل هذه الدعاوى التي تطالب السوق الرأسمالية بالمساواة في الهبة المبدئية وفي القيم والنتائج، هي دعاوى غير منطقية؛ إذ لا يمكن للمعامات البشرية الربحية أن تنبني على تحديد القدرات الذاتية والخصوصيات الطبيعية ذاتها، لكي يتم الدخول إلى سوق التبادل والمعامات بناء على هذه الخاصية، ذلك أن البشر مختلفون بعضهم عن بعض من حيث طبيعة قدراتهم التواصلية،

وفاعليتهم التبادلية، واستعدادهم الذاتي لأخذ بالإمكانات المتاحة لهم داخل السوق وخارجها.

القسم الثالث: إنتاج الثروة وتوزيعها

تُعتبر قضية توزيع الثروة المادية المتراكمة والمنتجة أحد أهم الموضوعات التي تثير الكثير من انتقادات رواد الفكر الاشتراكي عمومًا، ممن

يعارضون بشدة عدم عدالة اقتصاد السوق فيما هي تقوم بتوزيع الثروة؛ ذلك لأنهم يُشدِّدون

على ضرورة تقسيم الثروة بصورة عادلة لأنها تركة مشتركة ساهم في إنتاجها الجميع، سواء عبر العمل المشترك المتداخل أو عبر التركة الجماعية. في المقابل، يرى رواد الرأسمالية والمدافعون عن اقتصاد السوق، ومنهم الاقتصادي البارز لودفيغ لاكمان، أن الثروة تُوَزع باستمرار داخل اقتصاد السوق، وأن دعوات

العدالة الاجتماعية تحمل الكثير من التناقض؛ فإمكانات الأفراد المبدئية وكذا الشركات الربحية تختلف بحسب قدرات هؤلاء الإبداعية، وتبعًا

لذلك تختلف معها مساهماتهم الإنتاجية داخل السوق ومحاصيلهم الإنتاجية. يؤكد الاقتصادي لاكمان في هذا الكتاب أن ليس من شأن امتاك الأشياء وحده بالضرورة أن

يولّد الثروة، بل هناك أيضًا استخدامها الصحيح. وفي المقابل، ليست الملْكية هي مصدر الدخل والثروة، وإنما استخدام الموارد (ص. 111). ويؤكد رواد الرأسمالية واقتصاد السوق أن قيمة الثروة تكمن في الموارد المستخدمة في إنتاجها وفي فاعلية المساهمين في عملية السوق. أمّا

الملْكية المادية، فتفقد قيمتها ولا تساهم في تنمية الموارد وتنشيطها وفي عدم استخدامها الموارد التي تحافظ على تجدُّدها واستمرارها.

إن عملية توزيع الثروة، كما يقول لاكمان، تعكس انتقال المعرفة من عقل إلى عقل، وهي ممكنة فقط لأن بعض الأشخاص يملكون معرفة لم يكتسبها اَخرون بعدُ، فالمعرفة بالتغيير وتداعياته تنتشر في أرجاء المجتمع تدريجيًا وعلى نحو

غير متساو (ص. 113)

القسم الرابع: عولمة الرأسمالية

هل العولمة نتاج للرأسمالية، أم العكس؟ هل كانت الرأسمالية ستعمل بشكل جيد لو لم تكن

قِيم العولمة حاضرة؟ كيف استطاعت الرأسمالية بمعية العولمة أن تغيّر العالم وتحدث ثورة

اقتصادية واجتماعية وسياسية عالمية؟ هذه الأسئلة كلها تُطرح غداة التطرق إلى تطور الرأسمالية والثورة التي أحدثتها لشعوب المعمورة؛ فلقد أدّت عولمة الرأسمالية إلى

تمكين مجتمعات ودول كثيرة من الانتقال من دول هشة وضعيفة إلى دول سائرة في طريق النمو، بل أدّت بدول أخرى إلى الانتقال إلى

صف الدول الغنية. كما ساهمت هذا التكوين للنظام الرأسمالي عبر ترابط اقتصاديات دول عالمية وتنامي شبكات التجارة الحرة والأعمال الاجتماعية والمنظمات السياسية العالمية، في تنمية الموارد البشرية وتحسين ظروف العيش عبر محاربة الفقر والهشاشة والأمية، وفي انتشار واسع لقيم العدالة والحريات وحقوق الإنسان. لكن هنالك بالطبع إخفاقات عدة وتجاوزات سياسية مستمرة ترتكبها أنظمة استبدادية تجعل تطور الاقتصادات الوطنية أمرًا عسيرًا. فاستمرار

الاستبداد السياسي، وتدخّل الدول في توجيه الاقتصادات الوطنية، وانتشار الفساد والمحاباة

والزبونية، كل هذا سلوكيات أدّت إلى تعطُّل

عجلة النمو في كثير من الدول.

أمّ ا الاقتصادي فيرنون سميث، الحائز جائزة

نوبل لاقتصاد، فيدافع في هذا الكتاب عن الرأسمالية العالمية وكيفية مساهمتها في تطور الثروة البشرية وتحسين أحوال البشر؛ فالتطور الاقتصادي يرتبط، كما يقول سميث، بالأنظمة الاقتصادية والسياسية الحرة التي ترعاها سيادة القانون وحقوق الملْكية الخاصة. والعولمة ليست بالأمر المُستحدث، فهي كلمة تصف

حركة إنسانية قديمة، وتعبّر عن سعي الجنس

البشري لتحسين ظروفه عن طريق التبادل واتساع دائرة التخصص على مستوى العالم؛ إنها

كلمة سام. وكما قال عالم الاقتصاد فريدريك باستيات في عبارته الحكيمة: إذا لم تعبر السلع الحدود فسيعبرها الجنود (ص. 137) لم تُحدث عولمة الرأسمالية الثورة الاقتصادية فقط، بل كان لها دور أيضًا في تنامي الثقافات والحضارات وتاقحها، وفي انتشار قيم التسامح والعدل وحقوق الإنسان. ولمّا كانت انتقادات

اليسار للرأسمالية مرتكزة على الشق الاقتصادي، انتقل هذا الانتقاد إلى الجانب الاجتماعي والثقافي أيضًا، خصوصًا تعرُّض اليسار للعولمة

واتهامه لها بالحيف الاجتماعي والثقافي. إن رواد الفكر الاشتراكي يخشون اضمحال القيم والثقافات المحلية لمصلحة قيم وثقافة الدول القوية، وهذه الدعاوى كان قد روَّج لها كثير من

المفكرين والمتدينين إبان بداية الثورة العولمتية، ليتبين في ما بعد زيف كثير من هذه الدعاوى. يبدد المفكر والروائي ماريو بارخاسيوسا، الحائز جائزة نوبل للآداب، هذه المزاعم بالقول: توفر العولمة على نحو جذري لجميع مواطني هذا الكوكب إمكانية صنع هوياتهم الثقافية الفردية من خال الفعل الاختياري، وذلك وفق تفضياتهم ودوافعهم الشخصية. الآن ليس

المواطنون مجبرين دومًا - كما كانت الحال في

الماضي وفي أماكن كثيرة في الحاضر - على احترام هوية تجعلهم أسرى معسكر اعتقال لا مفر منه، تلك الهوية المفروضة عليهم بواسطة اللغة والجنسية والكنيسة وأعراف المكان الذي

ولدوا فيه. وبهذا المعنى  - يقول يوسا - يجب أن تكون العولمة محل ترحيب لأنها تُوسع اَفاق الحرية الفردية على نحو ملحوظ (ص. 143)

مناقشة عامة

بينما يضعنا محرر هذا الكتاب في خانة المدافعين عن الرأسمالية، ليس اقتصاديًا هذه

المرة، بل أخاقيًا، وهي الدعاوى التي رافقت

ظهور الرأسمالية وتطورها، وسعى روادها إلى إبراز الجوانب الأخاقية وقوة الفلسفة الأخاقية التي تقوم عليها الرأسمالية؛ فآدم سميث وضع كتابًا في نظرية المشاعر الأخاقية، وهاري

بوروز أكتون كتب بدوره عنأخاق الأسواق. وبالتأكيد لم يكن هدف هؤلاء جميعًا التبرير

الأخاقي لنظام الرأسمالية ولكثير من أفكارها غير المرغوب فيها، وإنما كان إبرازَ المقومات الأخاقية والسياسية والاقتصادية المتناسقة والموضوعية التي تقوم عليها الرأسمالية. وبالتأكيد، ساهمت الرأسمالية بشكل كبير في تطور العالم ورفاهية مجتمعاته على مدى قرنين أو ثاثة قرون خلت، لكي تصطدم في مطلع هذا القرن بواحدة من أكثر الضربات تأثيرًا في سمعتها ومستقبلها. ونعرض هنا

واحدًا من الأعمال الأكاديمية الحديثة التي تنحو نحو نقد الرأسمالية، خصوصًا على مستوى نتائجها الاقتصادية والاجتماعية على الدول والشعوب.

تومابيكيتي وأطروحة اللامساواة

شكَّل كتاب رأس المال في القرن الواحد

والعشرين (Capital in the 21st Century)،

لاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي، أكبر حدث أكاديمي عرفته الساحة الأكاديمية والاقتصادية العالمية. صدر الكتاب سنة 0132 باللغة الفرنسية ثم تلته الطبعة الإنكليزية سنة 0142، ليثير نقاشًا واسعًا في أوساط الأكاديميين

والاقتصاديين خصوصًا، وفي أوساط رواد

الاقتصاد الرأسمالي والاقتصاد الاشتراكي أيضًا. وقد اعتبر بعض الاقتصاديين ودارسي اقتصاد السوق كتاب بيكيتي هذا نسخة جديدة من كتاب كارل ماركس رأس المال، لما تضمّنه

من هجوم على اقتصاد السوق الحرة وعلى الرأسمالية عمومًا وما سببته - بحسب زعمهم -

من عواقب اقتصادية واجتماعية، آخرها الأزمة المالية الأخيرة وتفشي الفروق الطبقية الحادة بين الفئات الاجتماعية وبين الاقتصاديات العالمية. تابع بيكيتي تطوُّر تركيز رأس المال والثروة في

كلٍّ من أوروبا وأميركا منذ قيام الثورة الصناعية، ليخلص إلى أن تطور تراكم رأس المال في المجتمع الغربي أدى إلى تركيزه في يد فئة قليلة، وبالتالي فإن توزيع الثروة غير المتكافئ أدى إلى فروق اقتصادية واجتماعية وتوترات سياسية. فالرأسمالية، بحسب بيكيتي، هي التي تسببت في الامساواة في امتاك الثروة وفي توزيعها، وتدخّل الدولة لضبط كيفية خلق الثروة هو الكفيل بوضع حد لمعضلة الامساواة. والعالم اليوم يعود أدراجه نحو ما سمّاه الرأسمالية

الوراثية Patrimonial Capitalism) (، أي نحو

الاقتصاد الذي تهيمن عليه الثروة المتأتية من

نظام الوراثة، وهو ما جعل أصحاب هذه الثروة يراكمون تطور ثرواتهم حتى أصبحوا يشكلون أقلية ضاغطة وحاكمة Oligarchy) (أيضًا. وقد استشهد بيكيتي بكثير من الأعمال الأدبية، مثل روايات بلزاك وجين أوستن وهنري جيمس، لوصف البنية الطبقية الجامدة القائمة على أساس رأس المال المتراكم الذي كان موجودًا في إنكلترا وفرنسا في أوائل القرن التاسع عشر. ويختم بيكيتي كتابه بالقول إن الاقتصاد سيستمر في تباطئه ما لم تتدخل الدولة في فرض ضرائب مستمرة على الثروة، أمّ ا الثورة التكنولوجية

الحالية، فيقول إنها لن تحقق أي تطور اقتصادي كالذي حدث في القرن العشرين. عقّب اقتصاديون كثر على منهجية جمع المعلومات واستنتاج النتائج، فيما ردّ اَخرون بقوة على مقترحات الكاتب الداعية إلى فرض ضرائب متواصلة على الأثرياء لتقليص الفجوة الشاسعة بين الفقراء والأغنياء. اعتبر الاقتصادي روبرت شيلر، الحائز جائزة نوبل لاقتصاد، أن كتاب بيكيتي مهم من ناحية الموضوع الذي ناقشه والمتعلق بالفروق الاقتصادية، لكنه ضعيف من حيث الحلول المقترحة. وقد دعا في كتابه النظام المالي الجديد، مخاطر القرن الواحد والعشرين إلى حل اعتبره أكثر علمية وإبداعية عبر ما اصطلح عليه بضمانة الفروق، وهو يتمحور حول عقلنة التسيير المؤدي إلى الفروق الطبقية بحيث تفضي هذه العملية إلى الحيلولة دون الوصول إلى أزمة الفروق مستقبا. إن فرض الضريبة المباشرة على الأثرياء قد تكون لها نتائج لحظية، لكن بالتأكيد - وكما يؤكد شيلر - لن تؤدي إلى نتائج بعيدة المدى للمخاطر التي ستفرزها إجبارية الأداء على الثروة، وكانت دول كثيرة قد

اتخذت مثل هذا القرار وتراجعت عنه، كفنلندا وأستراليا والدنمارك وإسبانيا والسويد وألمانيا. يضرب كتاب بيكيتي في عمق النظام الرأسمالي بشكل مباشر، عندما يُورد على امتداد عقود

من الزمن كيف أن الرأسمالية لم تفِ بوعودها إزاء ادعائها المقدرة على القضاء على الفقر والفروق الاجتماعية والتضخم المالي. وتبعًا لنتائج الدراسة التي اعتمدها بيكيتي والحلول التي اقترحها، فإن النظام الرأسمالي يحوي خللً منظوماتيًا ساهم في خلخلة الفروق الاقتصادية

والاجتماعية. ويدحض الاقتصادي جوزيف ستيكليتز، الحاصل على جائزة نوبل لاقتصاد، هذه الادعاءات في مقال مثير نُشر على صفحات مجلة Project Syndicate بعنوان: «الديمقراطية في القرن الواحد والعشرين »؛ فالأسواق، تبعًا لستيكليتز، لا تنشأ من فراغ،

بل هناك قوانين وتشريعات ونُظم سياسية تنظم الأسواق وتيسيّرها، والنظم السياسية هي بالضبط

سبب المشكل وليس رأس المال بعينه. وعندما نتحدث عن النظم السياسية، فإننا نعني بها مخططات الحكومات التدبيرية لاقتصادات الوطنية، والتي تفرز بطرق مباشرة وغير مباشرة نمط النمو الاقتصادي الذي ينعكس بدوره على الوضع الاجتماعي. يجب إذن أن ينصبّ

الحديث - بحسب ستيكليتز - على سؤال الديمقراطية في القرن الواحد والعشرين، بمعنى ضرورة دمقرطة العمل السياسي بصورة تسمح بوجود الشفافية الاقتصادية والمساواة في الفرص، ومحاربة اللوبيات وطرق تكوُّنها،

والمحاباة وسياسة الدعم والتفضيل التي تتّبعها الحكومات الموجِّهة للسوق.

الهوامش

(1) اقتصادي ليبرالي أميركي يشغل منصب نائب الرئيس التنفيذي للبرامج الدولية لشبكة أطلس (منظمة غير ربحية تجمع كثيرًا من المنظمات المناصرة للسوق الحرة ولمبادئ

الحرية عبر العالم)، وزميل كبير المقام لمعهد كاتو. (2) مفكر وناقد اقتصادي أميركي، ونائب الرئيس التنفيذي لمعهد كاتو (معهد بحثي أميركي يهدف إلى نشر أفكار النيوليبرالية)، ومستشار مؤسسة طاب من أجل الحرية. له كثير من الإصدارات، منها كتابه اللبرتارية: تمهيد، ويكتب لعدد كبير من المجات والصحف العالمية، مثل: نيويورك تايمزووُول

ستريت جورنال وواشنطن بوست. (3) مفكر واقتصادي صيني ورائد أعمال اجتماعية. مؤسس معهد يونيرول (معهد بحثي صيني غير ربحي في بيجين) ورئيسه. له مجموعة من الإصدارات، وزاول تدريس علم الاقتصاد في عدد من الجامعات. (4) فيلسوف روسي يعمل أستاذًا للفلسفة في جامعة ألتاي في روسيا. له عدد كبير من الإصدارات الأكاديمية، ويُعَدّ مناصرًا

لأفكار الحرية وللفكر الليبرالي الكاسيكي. (5) اقتصادي ألماني بارز، له إصدارات ومساهمات بارزة في نظرية رأس المال والنمو الاقتصادي. له الكثير من الكتب،

منها: رأس المال وبنيتهوإرث ماكس فيبر وفكر الاقتصاد الكلي واقتصاد السوق والسوق كعملية اقتصادية. (6) اقتصادي أميركي فاز بجائزة نوبل لاقتصاد سنة 0022 مناصفة، لمساهمته في ترسيخ التجارب العلمية كأداة للتحليل الاقتصادي التجريبي، وخاصة في دراسة آلية السوق البديلة. (7) روائي عالمي حظي بجائزة نوبل ل دآآاب سنة 2 010 تقديرًا لرسمه هياكل السلطة، وتصويره الواضح لمقاومة الفرد

وثورته وهزيمته.

مراجع إضافية

فيبر، ماكس، الأخاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، ط 1، ترجمة محمد علي مقلد (مصر: منشورات مركز الإنماء القومي،.)1990

Picketty, Thomas, Capital in the Twenty-First Century , translated by Arthur Goldham­ mer (Massachusetts: Harvard University Press, 2014). Shiller, J. Robert, The New Financial Order, Risk in the 21st Century (United Kingdom: Princeton University Press, 2003).