القبائل والقبلية والهوية السياسية في سورية المعاصرة
Tribes, Tribalism, and Political Identity in Contemporary Syria
الملخّص
«ثمة تمدن اليوم. لقد تغيرت العقلية، وأصبح البدو متحضرين، يتفاعلون مع الناس ويختلطون بهم. لم يحدث ذلك من قبل. كانوا يذهبون إلى سورية ويعودون إلى لبنان مع أغنامهم وماعزهم. هكذا كان الحال. أمّا الآن، فقد تطورنا وشيَّدنا منازل. نحن الآن متحضرون، ليس كما كنا من قبل. وعندما اختلطنا، بدأنا نتعرف على الأشياء. لم تكن الأمور على هذا النحو سابقًا، لم نكن على دراية». أحد رجالات البدو، 2008
Abstract
The substantive and conceptual understandings of tribes and the notions of tribalism in the contemporary Middle East have been multifaceted and undergone significant changes over the past century; at times tribes have been viewed as concrete political entities and at other times they seemed to disappear from national and academic discourses. Yet at the local, rural level, tribes and tribalism remained a social construction and an important source of social and political identity. In international, national, and academic discourse tribes have alternatively been rendered invisible in the political fabric of the state and at other times they have emerged as important partners in powerful colonial and neo-colonial governance structures This paper sets out to examine these changes; to identify the fluidity of local, national and international conceptualizations, attitudes and practices towards tribes as concepts and as empirical reality.
- العشائر
- حزب البعث
- شٌمر
- عنِزة
- الجزيرة السورية
- الزعامة القبلية
- Desert
- Clans
- Arabian Peninsula
- Syria
- Tribal Leadership
- Colonialism
- Baath Party
- Bedouins
الاستعمارية والحقبة الاستعمارية الجديدة.
جامعة أكسفورد.
على مدى القرن المنصرم، خضعت الأسئلة الجوهرية والمفاهيمية المتعلقة بالقبائل وبالقبلية في الشرق الأوسط المعاصر لتغييرات كبيرة ومتعددة الأوجه؛ فالقبائل اعتُبرت
أحيانًا كيانات سياسية فعلية، لكنها غُيبت في أحيان أخرى عن الخطابات الوطنية والأكاديمية. ومع ذلك، ظلت القبيلة والقبلية، على المستوى الريفي والمحلي، صرحًا اجتماعيًا ومصدرًا مهمًا للهوية الاجتماعية والسياسية. وفي الخطاب الأكاديمي
العالمي، جرى كذلك تجاهل وجود القبائل في النسيج السياسي للدولة، لكن هذه
القبائل ظهرت في بعض الأحيان شريكًا مهمًّا في هياكل الحكم القوية في أثناء الحقبة تهدف هذه الدراسة إلى تقصي هذه التغيرات وتحديد مرونة صوغ المفاهيم المحلية والوطنية والدولية، والمواقف والممارسات تجاه القبائل مفاهيمَ وواقعًا ملموسًا.
«ثمة تمدن اليوم. لقد تغيرت العقلية، وأصبح البدو متحضرين، يتفاعلون مع الناس ويختلطون بهم. لم يحدث ذلك من قبل. كانوا يذهبون إلى سورية ويعودون إلى لبنان مع أغنامهم وماعزهم. هكذا كان الحال. أمّا الآن، فقد تطورنا وشيَّدنا منازل.
نحن الآن متحضرون، ليس كما كنا من قبل. وعندما اختلطنا، بدأنا نتعرف على الأشياء. لم تكن الأمور على هذا النحو سابقًا، لم نكن على دراية». أحد رجالات البدو، 2008
تركز هذه الدراسة على العشائر في البادية العربية الشمالية، حيث كان الواقع العملي لهذه العشائر
غائبًا إلى حد كبير عن الخطابات السياسية المعاصرة. وهذا يشكل دليلً مقنعًا على أن العشائر
البدوية لم تختف حقًا؛ فهي لم تكن مجرد بناءٍ اجتماعي سريع الزوال ولّده خطاب الحقبة الاستعمارية والاستعمارية الجديدة، بل كانت واقعًا أشد تعقيدًا اعترفت به السلطات الحاكمة أحيانًا وتجاهلته أحيانًا
أخرى. وعلى مستويات أخرى من سياسات بناء الهوية، أُثني على العشيرة وعلى الزعماء العشائريين بوضوح في بعض المراحل، وبشكلٍ أقل وضوحًا في مراحل أخرى. كان الثناء واضحًا في المرحلة
الاستعمارية، ولكنه غاب إلى حد كبير عقبها، عندما بَطُل استخدام هذه المصطلحات، وبات الأساس
العملي لمصطلحي «العشيرة والعشائرية» موضع شكٍ في الأوساط الأكاديمية. وبناءً على مقابات أُجريت
مع زعماء عشائر معاصرين معترَف بهم شعبيًا، وعلى ماحظات الباحثة المشاركة في لبنان وسورية طوال
ما يزيد على ثاثة عقود، تُبرز هذه الدراسة التحولات التاريخية والتغيرات التي تعلقت بالاعتراف بالعشائر وبالمواقف والممارسات التي اتُّبعت حيالها منذ نهاية العهد العثماني وحتى النظام السوري الحالي. تميزت العقود الأخيرة من الإمبراطورية العثمانية بجهود حكومية ترمي إلى استمالة زعماء العشائر وأبنائهم أو رشوتهم لأداء مهمات عسكرية وأمنية للدولة. ولكن سلطات الانتداب الفرنسية بين الحربين العالميتين اعتبرت العشائر والعشائرية ذات الصلة بها وجهًا من وجوه « التخلف»، وأضفت في الوقت
ذاته على تلك الأشكال من الروابط طابعًا شاعريًا وشرقيًا بحيث يمكن استخدامها لتحقيق أهدافها
الاستعمارية الجديدة التي وافقت عليها عصبة الأمم. وهكذا، سُوّغ لكلٍّ من عملية التسوية بين العشائر
ولعملية إنشاء إدارات خاصة بها تتمتع بحكمٍ شبه ذاتي. وقد أسفرت السنوات الأولى لاستقال،
ثم لحكم البعث، عن إبطال التشريعات الخاصة بالعشائر، وعن بذل جهود لتفتيت الرابطة العشائرية وحيازات العشائر من الأراضي والموارد العابرة للحدود. ولكن التحديد الذاتي للهوية العشائرية ازداد في سورية ولبنان في السنوات الأخيرة، وكانت مشاركة العشائر في الانتفاضة السورية بارزة.
العشائر البدوية في الماضي العثماني والحاضر
جاءت كلمة البدو من الكلمة العربية «بادية» التي تعني سهوبًا شبه قاحلة تغطي جزءًا كبيرًا من
شمال الجزيرة العربية. وتشير كلمة البدوي إلى من يعيش في البادية. والتمييز بين البدو (سكان
(((في النقاش الأكاديمي الأنثروبولوجي العالمي، تُستخدم كلمة قبيلة، ويدور النقاش حول المفهوم ومضمونه واستعمالاته من دون الخوض في شحنته الأخاقية الإيجابية أو السلبية بحسب المجتمعات والسياقات. وفي هذا البحث استخدم المترجم لفظة عشيرة التي يطلقها سكان منطقة الشام التاريخية على ما تقصده الأنثروبولوجيا بكلمة قبيلة. (المحرر)
(2) A. de Boucheman, «La Sédentarization du désert de Syrie,» L’Asie Franҫaise , no. 320 (May 1934), pp. 140-143; S. J. H. Charles, La sédentarisation entre Euphrate et Balik: Note d’ethno-sociologie , préf. de Emile Fauquenot (Beyrouth: Editions des Lettres Orientales, 1942), and Robert Montagne, La Civilisation du désert: Nomades d’Orient et d’Afrique (Paris: Hachette, 1947). (3) Riccarrdo Bocco, «The Sedentarisation of Pastoral Nomads: International Experts and the Bedouin Question in the Arab Middle East,» in: Dawn Chatty, ed., Nomadic Societies in the Middle East and North Africa: Entering the 21st Century , Handbook of Oriental Studies. Section One, Near and Middle East; 81 (Netherlands; Boston: Brill, 2006). (4) Dawn Chatty: Displacement and Dispossession in the Modern Middle East , Contemporary Middle East; 5 (New York: Cambridge University Press, 2010), and From Camel to Truck: The Bedouin in the Modern World , Revised Second Edition (Cambridge, UK: White Horse Press, 2013).
الصحراء) والحضر (سكان المناطق الحضرية) تقليد ثقافي عربي راسخ بقوة في علم اجتماع ابن خلدون، وينطوي على مسحة من اعتبار الحضر أعلى شأنًا من البدو، وعلى الحط من شأن هؤلاء. وبينما يعرِّف البدو في سورية أنفسهم بأنهم بدو أصيلون وعرب غير أصيلين، تُرفض كلمة بدوي في
وادي البقاع اللبناني (أقصى غرب البادية) بوصفها تحقيرًا، وتُحبذ كلمة عشائري بوصفها دلالة على
هوية حديثة. وصف كثيرون تنظيم العشائر الاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة العشائر البدوية، بأنه يستند إلى تجزئة متعارضة ومتوازية للوحدات بقيادة وراثية على مختلف مستويات الواقع والخيال. وكان
هذا التمثيل التخطيطي المرتب إلى حدٍ ما للبنية العشائرية موضع جدلٍفي مرحلة ما بعد الاستعمار من
جانب علماء الأنثروبولوجيا في بريطانيا والولايات المتحدة، لأنه مختل أيديولوجيًا وتصوريًا، إضافةً
إلى أنه استشراقي إلى حد ما. ومع ذلك، فإن المثل العربي الشهير للتضامن «أنا وأخي على ابن
عمي، وأنا وابن عمي على الغريب» يصف تمامًا النظرة التراتبية حيال التحالفات والعداوة بين الأُسر
والأنساب والعشائر والحالات التي سجَّلتُها في أثناء فترات عملي الميداني الطويل. وتشير التجزئة إلى
الطريقة التي يَنظر من خالها أفراد العشيرة إلى العشيرة ككيان يُقسم إلى أقسام متوازية أصغر - بطن أو
فخذ، وأنساب، ثم في القاعدة مجموعات ممتدة من أُسر من ذوات القربى. ويتولى قيادة المجموعة عمومًا أقوى الذكور وأكثرهم شعبية من سالة المشايخ. ويتولى هذا المنصب مسؤولية التفاوض مع
زعماء العشائر الأخرى، فضلً عن تمثيل العشيرة في عاقاتها بالسلطة المركزية للدولة. وغالبًا ما يتنافس
زعماء بطون العشائر بعضهم مع بعض في سبيل أن تعترف بهم القوى الفاعلة الأخرى والدولة. وتقع على عاتق زعيم العشيرة أيضًا مسؤولية أخاقية، حيث يمكن أن يُعزَّز هذا الجانب أو يضيع تبعًا لسلوك
الزعيم في احترامه لأعراف العشائرية أو تجاهلها؛ فالزعيم البخيل أو الجشع مثلً، يفقد دعم عشيرته، أمّا الزعيم المعروف بكرم الضيافة ووضوح الفكر، فيحظى بأتباعٍ كثر. كانت معارضة البدو ومقاومتهم للسلطة المركزية للدولة واضحتين منذ أمد بعيد. وقد اعتبر إرنست غيلنر ومؤخرًا جيمس سكوت هؤلاء الناس عشائر «هامشية» كونهم يعملون على نحوٍ أفضل وهم
(5) Abd Ar Rahman bin Muhammed ibn Khaldun, The Muqaddimah , Translated by F. Rosenthal (New York: Pantheon Books, 1958); Max von Oppenheim, Die Beduinen , 4 tomes en 5 vols. (Wiesbaden: O. Harrassowitz, 1939-1968), vol. 1, and Alois Musil, The Manners and Customs of Rwala Bedouins , Published under the Patronage of the Czech Academy of Sciences and Arts and of Charles R. Crane, Oriental Explorations and Studies; 6 (New York: American Geographical Society, 1928). (6) E. E. Evans-Pritchard, The Sanusi of Cyrenaica (Oxford: Clarendon Press, 1949); Ernest Gellner, «Organization and Role of a Berber Zawiya,» (Ph. D. Dissertation, University of London, 1961) (Later Appearing as Saints of the Atlas, 1969), and Emrys Peters, «Some Structural Aspects of the Feud among the Camel-Herding Bedouin of Cyrenaica,» Africa , vol. 37, no. 3 (July 1967), pp. 261-281. (7) Dale F. Eickelman, The Middle East and Central Asia: An Anthropological Approach (Upper Saddle River, NJ: Prentice Hall, 1998); Paul Dresch, «The Significance of the Course Events Take in Segmentary Systems,» American Ethnologist , vol. 13, no. 2 (May 1986), p. 319, and Steven Caton, «Power, Persuasion, and Language: A Critique of the Segmentary Model in the Middle East,» International Journal of Middle East Studies (IJMES), vol. 19, no. 1 (1987), pp. 77-102. (8) Dawn Chatty, «Leaders, Land, and Limousines: Emir versus Sheikh,» Ethnology , vol. 16, no. 4 (October 1977), pp. 385-397.
على هامش الدولة المركزية. وثمة أدلة كثيرة تشير إلى وجود تنظيم معقد، ولكنه متكيف، تطور ضد سلطة الدولة التي غالبًا ما كانت قمعية. وعقب الغزو المغولي الذي دمر عمليًا سلطة الحكومة المركزية
في القرن الرابع عشر، ظهر تمدد كبير للعشائر البدوية نحو بادية شمال الجزيرة العربية وساحل البحر المتوسط. وبعد قرنين من الزمن، عندما غزا الأتراك العثمانيون المنطقة، تراجع عدد من العشائر البدوية الأصيلة المربية لإبل والمنتشرة على مسافات كبيرة إلى عمق الهضبة العربية. وبذلك لم تبقَ سوى العشائر غير الأصيلة المربية لأغنام، ومن أشهرها عشيرتا الموالي والحديديين، بالإضافة إلى عشيرة الفضل في البادية قرب حدود المناطق الزراعية. وفي منتصف القرن السابع عشر، خففت الإمبراطورية العثمانية كثيرًا من وجودها العسكري على حدود البادية بغية دعم حربها ضد النمسا، فأخذت
العشائر المربية لإبل القابعة في عمق شمال الجزيرة العربية تتجه شمالً لملء الفراغ الناتج، واستمر هذا التمدد حتى أواخر القرن التاسع عشر. وخال هذين القرنين، عملت التحالفات العشائرية بين عنزة وشمّر على ترسيخ هاتين العشيرتين الأصيلتين في البادية والجزيرة السورية، ونسجت عاقات
زبائنية (دفع الجزية (الخوة) أو الغزو) مع العشائر غير الأصيلة والمستوطنات الزراعية في «المعمورة» (التي تمثّل الحدود بين المناطق الزراعية ومناطق الرعي). أقدمت العشائر غير الأصيلة التي ترعى الأغنام على إلحاق نفسها بالحُماة العثمانيين، ودفعت
الضرائب لتحمي مصالحها العامة في التجارة ولاحقًا في الزراعة. أمّا العشائر الأصيلة الأكبر،
كالفدعان والسبعة، فرفضت مبايعة السلطان العثماني ودفع الضرائب، واعتبرت نفسها حرة. ورأت
الدولة التي كانت تحكم، إلى حدٍ كبير، من المدينة ومحيطها في العشائر حلفاء محتملين في الحفاظ على أمن التنقل بين المراكز الحضرية. فسيطرت تلك العشائر على مناطق واسعة من البادية كانت خطوط الاتصالات العسكرية العثمانية فيها مهمة. وبحلول منتصف القرن التاسع عشر، أوكل الباب العالي للعشائر الأصيلة، ولا سيما تحالفات عنزة وشمّر، مهمة ضبط هذه المناطق في مقابل تلقّيها
مدفوعات وهدايا ومؤنًا ومواد غذائية من الدولة. ووفّر التحكم الأمني الدائم للعشائر البدوية الفرصة والحق في فرض ضرائب على حركة المرور داخل المناطق التي سيطرت عليها. بسطت تحالفات عنزة وشمّر سيطرتها على المناطق الهامشية والحدود، وبالتالي على التجارة بين
المناطق الحضرية المهمة وعلى قوافل الحج بين دمشق وبغداد ودمشق ومكة. ولكن الغزوات والحروب التي جرت بين العشائر خال سبعينيات القرن التاسع عشر، للسيطرة على منابع المياه
والمراعي، طفقت تزعزع أمن «المعمورة» ومدن حمص وحماه وحلب على نحوٍ خطِر. واضطرت
(9) Gellner, «Organization and Role of a Berber Zawiya,» and James C. Scott, The Art of not Being Governed: An Anarchist History of Upland Southeast Asia , Yale Agrarian Studies Series (New Haven: Yale University Press, 2009). (10) Albert Hourani, Syria and Lebanon: A Political Essay , Issued under the Auspices of the Royal Institute of Interna- tional Affairs (London; New York: Oxford university press, 1946). (11) Anthony B. Toth, «The Transformation of a Pastoral Economy: Bedouin and States in Northern Arabia, 1850- 1950,» (PhD Dissertation, University of Oxford, 2000). (12) Jonathan Rae, «Tribe and State: Management of Syrian Steppe,» (Ph. D. Dissertation, University of Oxford, Facul- ty of Anthropology and Geography, Oxford, 1999), p. 64. (13) Abdul- Karim Rafeq, The Province of Damascus, 1723-1783 (Beirut: Khayats, 1966). (14) Toth, «The Transformation of a Pastoral Economy».
الدولة العثمانية إلى إرسال قوات لتهدئة العشائر المتحاربة. وشرع العثمانيون في الوقت نفسه في توطين وتسليح المسلمين الفارين من ديارهم جراء الحروب العثمانية - الروسية على امتداد هذه المنطقة الحدودية؛ فبين سنتي 1870 و 1900، دُعي مئات الآلاف من الشركس والأبخاز والشيشان
إلى الاستقرار على امتداد «المعمورة»، في خطٍ يمتد من رأس العين على نهر الفرات إلى عمَّان.
وفي المنطقة المحيطة بحمص وحماه والسلمية، أحاطت مستوطنات شركسية عسكرية جديدة ببدو
الموالي والحديديين والفضل، وشجَّعت مجتمعاتٍ زراعية أخرى على العودة والعمل في مجال
الزراعة. وفي هضبة الجولان، شكّل هؤلاء المستوطنون، إلى جانب الدروز الذين فروا من القتال في جبل لبنان، قوةً قتالية فعالة لتحطيم سلطة عشائر البدو. حافظت القيادة العشائرية في أثناء هذه الفترة، ولقرون قبلها، على عاقات وثيقة بالمراكز الحضرية
للسلطة، وكذلك بمؤيدي السلطة في البادية. وقد أُثني على زعماء البدو لأن في إمكانهم، وهم ساكنو خيام الصحراء، الإقامة في الصالونات الحديثة للنخب القيادية للمناطق الحضرية من دون أن ينزعجوا. ومع اقتراب نهاية القرن التاسع عشر، أنشأ العثمانيون مدرسة داخلية خاصة في اسطنبول لأبناء زعماء العشائر في جميع أنحاء الإمبراطورية. وفي مطلع القرن العشرين، درست غالبية زعماء العشائر البدوية هناك؛ فقد تخرج شيوخ الحديديين والموالي والسبعة - على سبيل المثال - في مدرسة العشائر الإمبراطورية، وخدموا في الجيش العثماني قبل أن ينصِّبهم السلطان العثماني شيوخًا
لقبائلهم. ولم يكن وجودهم في المدن الرئيسية لإمبراطورية العثمانية أمرًا استثنائيًا، وغالبًا ما أشار
كتّاب الأسفار الغربيون إلى ثقافتهم الحضرية الرفيعة. وفي السنوات الأخيرة من عهد الإمبراطورية العثمانية، دعم كثير من زعماء البدو وعشائرهم جهود الشريف حسين في الحجاز لإنشاء دولة عربية مستقلة بقيادة ابنه الأمير فيصل. وكان من المقرر أن يشمل هذا الكيان الجديد كلًّ من باد الشام والبادية، باستثناء قطعة من الأرض على امتداد المنطقة الساحلية من عكا وحتى شمال بيروت. ونشط بشكلٍ خاص ثاثة زعماء لعشائر بدوية قريبة من دمشق - الرولة والفضل والحسنة - في دعم الدولة العربية، أي المملكة السورية (1919 - 1920). وأيدت عشيرة الفضل تحركات الأمير فيصل لاستقال عن الحكم العثماني، كما تعاون شيخ الرولة نوري الشعان في البداية مع السلطات العثمانية، وقيل إنه كان يتلقى من أحمد جمال باشا أجرًا شهريًا
قدره 02 ألف ليرة ذهبية. وجرى نفيه إلى اسطنبول عقب صدامه مع مسؤول عثماني، ثم عاد إلى دمشق سنة 1916 وغيَّر موقفه، إذ قبِل عرض توماس إدوارد لورنس (لورنس العرب) بدعم مطالب
الأمير فيصل في سورية.
(15) Chatty, Displacement and Dispossession. (16) Eugene L. Rogan, «Asiret Mektebi: Abdülhamid II’s School for Tribes (1892-1907),» IJMES , vol 28, no. 1 (Feb- ruary 1996), pp. 83-107. (17) Aref Abu- Rabiah, A Bedouin Century: Education and Development among the Negev Tribes in the 20th Century (New York: Berghahn Books, 2001). (18) Eugene L. Rogan, Frontiers of the State in the Late Ottoman Empire: Transjordan, 1850-1921 , Cambridge Middle East Studies; 12 (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1999).
وفي سنة 1918، دخل نوري الشعان وشيخ الحسنة طراد الملحم دمشق مع قوات الأمير فيصل لإنشاء المملكة السورية. وعلى امتداد الفرات، سيطرت قوات عشيرة الفدعان على المنطقة الواقعة بين دير الزور والرقة لمصلحة الأمير فيصل ضد القوات الفرنسية الغازية. وهناك من يزعم أن الرقة لا دمشق كانت العاصمة الروحية، إن لم تكن العاصمة المادية، للقوات العربية (البدوية) بين سنتي 1920 و 1921 في الكفاح من أجل إقامة المملكة السورية بقيادة الأمير فيصل. وقد أكد تعاون زعماء البدو هؤلاء مع مختلف العماء العثمانيين والفرنسيين والبريطانيين حنكتهم السياسية بتأكيد سيطرتهم على منطقة هامشية محددة، ودعمهم ظهور سلطة مركزية لا استعمارية في الوقت نفسه. ولكن، فيما كان اهتمامهم منصبًّا على المفاوضات المحلية بشأن المستقبل السياسي لأقاليم العربية
في الإمبراطورية العثمانية، كان موطنهم، بادية شمال شبه الجزيرة العربية، يُقسَّم من خال مفاوضات
سرية بين السير مارك سايكس ونظرائه من الفرنسيين والروس (اتفاقية سايكس - بيكو، 1916)؛ فقد
رسم سايكس خطًا من عكا إلى كركوك لحماية المصالح النفطية المستقبلية، وغدت أراضي البادية المفتوحة ممرًا بريطانيًا بين شرق الأردن والعراق يفصل البادية السورية عن نصفها الطبيعي الجنوبي في
السعودية. وبجرة قلم، أصبحت عنزة وشمّر المنتشرتان على مسافات كبيرة تمتدان على أكثر من دولة.
عهد الانتداب الفرنسي
بعد أن هزم الفرنسيون الأمير فيصل سنة 1920 علن الانتداب الفرنسي (وكذلك البريطاني) على وأُ الأقاليم العربية السابقة لإمبراطورية العثمانية، مضى كلٌّ من زعماء العشائر وأنصارهم في سبيلهم.
واعتبر كثير من السوريين الانتداب الفرنسي غير شرعيٍ، وأُعرب عن معارضة حكمه من خال
الإضرابات العامة والكفاح المسلح ضده. وفيما واصل شيخ الحسنة حملته لإقامة دولة مستقلة، احتجت قيادة عشيرة الفضل على إعان انتداب فرنسي على أرضهم، وذهبت إلى المنفى، إلى دولة الانتداب البريطاني المقامة حديثًا في شرق الأردن. وترددت عشيرة الشعان بين الفرنسيين والإنكليز
حتى توصلت أخيرًا إلى اتفاق مع الفرنسيين لحماية القوافل في البادية والحفاظ على السِلم بين
العشائر في مقابل أجرٍ شهري قدره ألفا ليرة ذهبية. سعى الفرنسيون إبان انتدابهم إلى تعزيز قوّتهم، واتبعوا السياسة الكاسيكية «فرِّق تسُد»، وبالتالي
دعموا صراحةً جميع الأقليات الدينية، في محاولةٍ لإضعاف الحركة القومية العربية الناشئة. ومَنحوا
بشكلٍ خاص الاجئين الأرمن الناجين من «مسيرات الموت» في الأناضول الجنسية السورية، كما منحوا الجنسية لأكراد المناصرين لثورة الشيخ سعيد ضد كمال أتاتورك. وقسَّم الفرنسيون البدو
في البادية وشجعوا زعماءهم، خصوصًا نوري الشعان، على إقامة دولتهم الخاصة بإشراف وحدة
فرنسية خاصة أُنشئت سنة 1920 هي «وحدة تنظيم نشاط البدو». كما أولى البريطانيون اهتمامًا خاصًا
لتحالف عشائر شمّر، وحاولوا إعادة التفاوض على الحدود بين سورية والعراق بتحريض كل زعيم
(19) Chatty, From Camel to Truck , p. 42. (20) Meriem Ababsa, «Idéologies et territoires dans un front pionnier: Raqqa et le projet de l’Euphrate en Jazira sy- rienne,» (Thèse de Doctorat, Géographie, Centre d’études et de recherches sur l’urbanisation du monde arabe, Tours, 2004), pp. 358-359.
على الآخر. وكان أعظم هؤلاء عجيل الياور، شيخ قبيلة شمّر الذي كان يعتمد هو ونوري الشعان
على ولاء مئات الآلاف من رجال العشائر عبر الحدود العراقية والسورية والأردنية والسعودية. وحاول الفرنسيون والبريطانيون عبثًا ربط الانتماء العشائري بأرض محددة. في السنوات الأولى من الانتداب، بدءًا من سنة 1920، استندت السياسة الفرنسية الرامية إلى منح
البدو وضعًا خاصًا على أكثر من مجرد نوع من الشاعرية البسيطة؛ فقد احتاج الفرنسيون إلى التعاون
مع البدو، لأنه لم يكن في وسعهم أولً ترك ثلثي أراضي الانتداب التي حصلوا عليها مؤخرًا (البادية)
خارج نطاق سيطرتهم، وكانوا بحاجة إلى ضمان ممرٍ دائم وآمن عبر المنطقة من أجل التجارة والسفر إلى بغداد. عاوة على ذلك، كان من الضروري تأمين خط النفط إلى الموصل مثلما جرى مع خط النفط إلى حيفا. وكان أمام الفرنسيين خياران: إمّا تهدئة المنطقة بقوة الساح وإمّا شراء دعم العشائر
بإرضاء زعمائها. وقد جرب الفرنسيون الخيارين كليهما. عند إنشاء دولة لبنان الكبير الجديدة، ألحق الفرنسيون وادي البقاع التابع لباد الشام بجبل لبنان ذي
الأغلبية المسيحية. وأجرى الفرنسيون أول تعدادٍ وطني في سنة 1932 (ولا يزال الأخير). ولكن كثيرًا من زعماء البدو أبوا التسجيل، ورفضوا السماح لرجال عشائرهم بالتسجيل اعتراضًا على وجود
الاستعمار الفرنسي. وكانت المفارقة أنه بينما تهرّب بعض البدو من التعداد من أجل المقاومة، فإن
الدولة الوطنية الجديدة التي أنشأها الفرنسيون استبعدتهم تشريعيًا وهمّشتهم أكثر حتى في عملية
تكوين الدولة. وبحرمانهم من الجنسية، ما عاد في مقدور الغالبية العظمى من عشائر البدو المقيمين في وادي البقاع شراء الأراضي باسمها ولا الحصول على التعليم أو الرعاية الصحية. شهدت السنوات الأولى من الانتداب الفرنسي عمليات إخاءٍ لسكانٍمستقرين وللبدو على حد سواء. وكان الأرمن والأكراد والآشوريون والمجتمعات المسيحية الأخرى المهجرة في أثناء اقتسام الإمبراطورية العثمانية يصلون إلى سورية ولبنان. ولجأت إلى الجزيرة في سورية والعراق قرابة 04 ألف عائلة بدوية من قبيلة شمّر بعد أن انهزمت في نجد، فيما رحلت بطون من البدو الساخطين من
الانتداب الفرنسي من البادية السورية إلى قلب شبه الجزيرة العربية، ومنها بطون من عشائر الرولة
والحسنة والفدعان والسبعة في تحالف عنزة. وشُكِّلت «وحدة تنظيم نشاط البدو» لتسوية نزاعات
البدو وتنظيم هجرتهم، فكان أنها شجعتهم على تسيير شؤونهم بطريقتهم التقليدية على ألّ يزعجوا السكان المستقرين، وهذا يعني الطلب من البدو عدم حمل الساح في مناطق مستقرة، والتقاتل في ما بينهم فقط، وترك الجماعات المستقرة تحيا بسام. وبمرور الوقت، أسفر التفاهم المالي والسياسي بين السلطات الفرنسية وبعض زعماء العشائر البدوية عن درجة من التسامح الفرنسي إزاء غارة هنا ومناوشة هناك من حين إلى آخر.
(21) Johann Büssow, «Negotiating the future of a Bedouin Polity in mandatory Syria: political Dynamics of the Sba’a–‘ Abada during the 1930s,» Nomadic Peoples , vol. 15, No. 1 (Special Issue): Nomads in the Political Field (2011), pp. 70‑95. (22) Fadl Al-Faour, «Social Structure of a Beduin Tribe in the Syria-Lebanon Region,» (Ph. D Dissertation, University of London, 1968); Great Britain, Army, Handbook of the Nomad, Semi-Nomad, Semi-Sedentary and Sedentary Tribes of Syria, G.S.I.(T.) Headquarters, Ninth Army ([s. l.: s. n.]: 1942), and Oppenheim, Die Beduinen.
ولكن ثورة الدروز بين سنتي 1925 - 1927 (والمعروفة أيضًا بالثورة السورية الكبرى) غيرت السياسة الفرنسية تجاه البدو على نحوٍ كبير؛ إذ صعَّد البدو المتعاطفون مع قضية الثورة السورية غاراتهم،
وحولوا عمومًا ساحهم ضد الفرنسيين. ففي منطقة حمص وحماه، على سبيل المثال، هاجمت عشيرة
الحديديين حماه ونهبتها، وقطعت الاتصالات، ودمرت كثيرًا من الممتلكات الحكومية. ولم يتمكن
الفرنسيون من استعادة سلطتهم إلّ بعد يومين من القصف الجوي ونشر قوات الطوارئ الفرنسية في المعركة. وخوفًا من تجدد الدعم العشائري للثورة السورية، عمد الفرنسيون إلى قصف العشائر بقوة، تفاديًا لأي ضرر يمكن أن تلحقه بالمراكز الحضرية. وبحلول سنة 1927، كان الفرنسيون قد فرضوا ما يكفي من سلطة على هذه الأراضي الهامشية لإرغام المشايخ على عقد مؤتمر في حماه من أجل تحقيق مصالحة بين العشائر، بغية إنهاء العداء والتهديدات المحدقة بالأمن المحلي. واستُكملت جهود السام تلك بدفع إعانات شهرية إضافية لكل زعيم عشيرة
مشارك في المؤتمر. وفي ختامه، عُقد اتفاق سام بين الحديديين والموالي والرولة والسبعة والفواعرة
وبني خالد والفدعان وشمّر. كما عُقد مؤتمر ثان للسام سنة 1930 جمع تحالفات عنزة وشمر معًا،
وأسفر عن اتخاذ تدابير فرنسية أكثر صرامة للسيطرة على البدو، من قبيل نظام مكافحة الجريمة الذي لم يضع شؤون البادية تحت القيادة التقليدية فحسب بل تحت قيادة وحدة تنظيم نشاط البدو أيضًا.
وأُخضعت شؤون رجال العشائر في المنطقة الزراعية لاختصاص المحاكم الحكومية العادية. قسَّم الفرنسيون عشائر سورية إلى بدوٍ رحّل وأشباه رحّل. وشمل تصنيف البدو الرحّل تحالفات عنزة
وشمّر، وكذلك العشائر الأقوى التي ترعى الأغنام، كالحديديين والموالي واللهيب. أمّا تصنيف البدو
أشباه الرحّل، فشمل جميع العشائر الأخرى التي ترعى الأغنام، كعشيرة بني خالد. وكان هذا التمييز
حتى سنة 1934 يعني أنه يحق للعشائر الرحّل (العابرة للحدود أساسًا) حمل الساح، وتعيّن عليهم
أن يلقوه فقط عند دخولهم «المعمورة»، فيما تعيّن على عشائر البدو أشباه الرحّل الحصول على
رخصة من الحكومة لحمل الساح، مع إمكان محاكمتهم بموجب قانون الدولة. رفض كثير من رجال العشائر الانصياع ل «وحدة تنظيم نشاط البدو»، ورحلوا إلى خارج الباد. أمّا زعماء العشائر الذين بقوا
مخلصين للفرنسيين، فمُنحوا تمثيلً تلقائيًا في مجلس النواب تحت الانتداب الفرنسي، وخُصصت
تسعة مقاعد لأقوى العشائر، ومنها عشائر الحديديين والموالي والفدعان. عاوة على ذلك، اعترف الفرنسيون رسميًا بالزعماء المستعدين للتعاون معهم بإنشاء نظام رسمي لإعانات. في مطلع ثاثينيات القرن العشرين، وضع الفرنسيون قانونًا جديدًا لأراضي ونظامًا جديدًا لسندات
الملْكية ليحل محل النظام العثماني الذي يعود إلى قرون خلت. وفي البادية، سُجِّلت المراعي،
التي لطالما كانت ملْكًا جماعيًا للعشيرة، بأسماء أفراد هم عمومًا زعماء العشائر. ومع أن عشائر
الفضل والفدعان سجلت الأراضي بأسماء زعمائها خال الحقبة العثمانية، فقد سُجِّل معظم أراضي
العشائر في البادية بهذه الطريقة في ظل الانتداب الفرنسي؛ ففي منطقة حمص وحماه، مثلً، سُجِّلت
أراضي عشرين قرية باسم الشيخ طراد الملحم. أمّا الأراضي غير المسجلة (أراضي الدولة) الواقعة
(23) Rapport sur la situation de la Syrie et du Liban (Ministère des affaires étrangères (France)) (1925). (24) Rapport sur la situation de la Syrie et du Liban (1930-1931).
شرق حدود الأراضي الزراعية، فوُضعت تحت سلطة العشائر وفق مرسومي الطوارئ لسنتي 1940
و 1941 اللذين منحا زعماء العشائر حق ملْكية مساحات شاسعة من الأراضي. وبهذه الطريقة سجلت شمّر أكثر من مليوني هكتار من أراضي الجزيرة بأسماء زعمائها. نتيجةً لذلك، غادرت وحدات كثيرة
من العشائر البدوية سورية ونأت بنفسها عن مجال الفرنسيين السياسي. ومن هذه الوحدات بطون وأنساب وأفخاذ للحسنة والرولة والسبعة والفدعان. بدأ رجال العشائر الذين استقروا في البادية والجزيرة، ولا سيما عشيرة الشعير، اهتمامهم بالزراعة نوعًا
ما. وفي سنة 1928، شيَّد شيخ السبعة لنفسه عقارًا في منطقة السعن التي منحتها السلطات العثمانية
كمنطقة رعيٍ صيفية للعشيرة في أواخر ستينيات القرن التاسع عشر. وبالنسبة إلى البدو الآخرين،
بدأت، ولأول مرة في ثاثينيات القرن العشرين، ظاهرة التخلي التدريجي عن تربية الإبل التي أصبحت أقل ربحًا، والاهتمام بتربية الأغنام. وشرعت عشائر أصيلة كثيرة كانت تربي الإبل سابقًا في تربية
الأغنام، وهو ما أسفر عن ظهور منافسة حادة لم تكن موجودة من قبل بينهم وبين العشائر التي لطالما رعت الماشية، كالموالي والفضل، إضافة إلى الحديديين الذين غالبًا ما كانوا يُدفعون أكثر
باتجاه المناطق الزراعية، فغيَّروا أنظمة الرعي الخاصة بهم لاستفادة من المناطق الزراعية في المنطقة
الانتقالية في «المعمورة»، وأبرموا اتفاقات لرعي قطعانهم في بقايا الزرع في الحقول الزراعية. وبحلول سنة 1940، شعر زعماء العشائر في البرلمان السوري بقلق متزايد من تدخّل الوطنيين السوريين بشؤونهم، والتمسوا دعم الفرنسيين. وفي الرابع من حزيران/يونيو، صدر القانون رقم 132 (غالبًا ما يدعى قانون العشائر) ودخل في كتب التشريعات، وهو يجمع جميع القوانين السابقة ذات
الصلة التي سُنَّت على مدى العقدين السابقين لدعم «الدولة البدوية داخل الدولة». وعندما قدَّم
النواب الوطنيون بعد فترة وجيزة مشروع قانون يدعو إلى إنهاء حكم الانتداب الفرنسي، لم يحضر
للتصويت إلّ نائب واحد فقط من مجموع تسعة نواب بدو، وهو أمير عشيرة الموالي. وعلى العموم، نجح الفرنسيون في جذب معظم الزعماء البدو إلى جانبهم؛ فعوضًا عن القتال لتحرير سورية من حكم الانتداب الفرنسي، انسحب معظم الزعماء وامتنعوا عن اتخاذ أي موقف، مقتنعين بالتمسك بالوضع الخاص الذي منحهم الفرنسيون إياه.
الدولة المستقلة وعلاقاتها بالعشائر البدوية
اجتمع كلٌّ من الواقع العملي للعشائر كقوة سياسية والمعاني والتفسيرات الثقافية المتناقضة والمتعددة للعشائر والعشائرية في الدولة القومية الحديثة. وكانت المنزلة المستقلة الشبيهة بالدولة التي منحها الفرنسيون للعشائر البدوية شوكة في حلوق حكام سورية القوميين بعد الاستقال؛ فالفصل المادي والإداري الاصطناعي الذي أحدثه الفرنسيون بين البدو وبقية السوريين أكد الموقف الرسمي العربي غير المتعاطف، إن لم يكن المزدري، إزاء ثقافة الحياة الرعوية البدوية. وبينما استخدم الفرنسيون
(25) Rapport sur la situation de la Syrie et du Liban (1938). (26) Rapport sur la situation de la Syrie et du Liban (1931). (27) Chatty, From Camel to Truck , p. 60.
العشائر وسيلة ضغط على القوميين، أرادت سياسة الحكومة السورية الجديدة أن تثقف هؤلاء السكان «الهمج» وتحولهم إلى مواطنين سوريين صالحين يحترمون القانون. وهكذا، اتّبعت الحكومة القومية سياسة عشائرية عدوانية تهدف في نهاية المطاف إلى إلغاء جميع المزايا والسلطات العشائرية، واعتُبرت عملية توطين البدو جزءًا رئيسيًا من هذه العملية. عاوةً على ذلك، كان ثمة شعور بأن طريقة
تنقّل البدو في تربية أغنامهم لم تكن بدائية فقط، بل غير صالحة أيضًا في ظل موارد البادية الضئيلة. واعتُبر الانتقال إلى الزراعة وإلى مَزارع تربية الأغنام النموذج المناسب، وهو ما دعمته وكالات إنمائية
دولية مختلفة. وفي سنة 1953 لغي قانون الانتداب الفرنسي للعشائر، أُ (1940) واستُبدل بمرسوم «قانون العشائر»
رقم 124 الذي استمر في السماح للبدو بحمل الساح في البادية، ولكن فقط للمصنَّفين بدوًا رحّلً
(تحالفات عنزة وشمّر، بالإضافة إلى الحديديين والموالي و 15 عشيرة من البدو أشباه الرحّل). وخُوِّل
وزير الداخلية بشطب العشائر من هذه القائمة إذا رأى ذلك مناسبًا، وإعادة تسجيل أبنائها باعتبارهم
يشكلون مجتمعًا مستقرًا، ولا يُسمح بالعودة إلى حياة البدو الرحّل. وقد قُلِّص عدد المقاعد الممنوحة
للعشائر البدوية في أثناء الانتداب الفرنسي من تسعة مقاعد إلى ستة مقاعد، حُجزت أربعة منها لأربع
عشائر محددة هي الموالي والحديديين من حلب، وشمّر من الجزيرة، والحسنة من دمشق. وفي سنة 1958، أي بعد نحو عقد من الاضطرابات السياسية التي عصفت بالباد وحتى خارجها، صوَّت البرلمان السوري لمصلحة الوحدة مع مصر. وفي 82 أيلول/سبتمبر 1958، ألغى الرئيس
جمال عبد الناصر قانون العشائر، وأعلن أنه من الآن فصاعدًا لن يكون للعشائر أي هوية قانونية مستقلة. وكان هذا آخر تشريع يتعامل تحديدًا مع العشائر البدوية، منهيًا الفصل القانوني الأخير لصراع
طويل بين الحكومات المركزية والعشائر البدوية وزعمائها. وكان هذا بالنسبة إلى بعض العشائر إشارةً لمغادرة سورية. وهكذا، غادرت الفدعان والسبعة، وهما فخذان من عشائر عنزة، باتجاه السعودية، فيما رحل قسم من شمّر نحو العراق. في لبنان، قررت الدولة أيضًا في سنة 1958 منح جميع البدو غير المسجلين في سنة 1932 الفرصة للتقدم بطلب للحصول على الجنسية، ومُنحوا وضعًا وطنيًا خاصًا هو «قيد الدرس». ومثَّل ذلك
تحسنًا، مقارنةً بالوضع الذي كان يسم أغلبية هؤلاء في السابق والصادر عن الموظفين المدنيين المحليين، وهو «دون جنسية/مكتوم القيد». ومارس أمير عشيرة الفضل، من بين آخرين، والمقيم في
بيروت في ذلك الوقت، ضغوطًا مستمرة مع السياسيين اللبنانيين حينها لمنح أفراد عشائرهم الجنسية. وفي سنة 1963، تولّى حزب البعث السلطة في سورية، وشرع، رغبةً منه في نقل ميزان القوة من مراكز المدن إلى المناطق الريفية، في إرساء سياسة إصاح زراعي متطرفة، فاعتُبرت الزعامة العشائرية
جزءًا من النظام القديم والاقتصاد الرعوي البدوي، وكان ذلك مفارقة تاريخية في الدولة البعثية
الحديثة. وكان كثيرون من زعماء البدو آنذاك قد أسسوا حيازات عقارية كبيرة، وظلوا يسيطرون سياسيًا
(28) Bocco, «The Sedentarisation of Pastoral Nomads». (29) Raymond A. Hinnebusch, Peasant and Bureaucracy in Bàthist Syria: The Political Economy of Rural Develop- ment , Westview Special Studies on the Middle East (Boulder: Westview Press, 1989).
على أعداد كبيرة من أُسر البدو. وطفق حزب البعث يجرد زعماء البدو من أراضيهم وسلطتهم، وهذا
ما فعله أيضًا مع أصحاب أراض آخرين. وتعرضت الصحراء وسكانها لهجوم منظّم، غايته تفكيك اقتصادهم البدوي وشبه البدوي. وغادر خال هذه الفترة عدد كبير من زعماء عنزة وشمّر وأتباعهم
إلى العراق والسعودية بشكل رئيسي، حيث حافظوا على روابط القربى والمصاهرة. كان موقف حزب البعث بخصوص الرعي، بوصفه شكا لإنتاج غير فعال، ينسجم انسجامًا تامًا
مع الأفكار الغربية في التحديث التي كانت تنشرها الوكالات الدولية للمساعدة الإنمائية. وانصبّ
التركيز على التقدم التطوري الأحادي الاتجاه من الهمجية إلى الحضارة. وكان البدو وطريقتهم في الحياة بعيدين كل البُعد عن قمة الحضارة، وبحاجة إلى التوجيه تدريجيًا للوصول إلى الحياة
الحضارية، فنُزعت أراضي النخبة العشائرية، ومُنحت لأُسرٍ عشائرية كي «تتمكن من الاستفادة من
شروط الاستقرار». ومع نهاية فترة الستينيات، تجاوزت مساحة الأراضي التي انتُزعت في معظمها
من زعماء العشائر ال 1.5 مليون هكتار، ووُزِّع بعضها على فاحين معدمين، فيما خُصِّص بعضها
لتوطين الأُسر البدوية.
الحركة التصحيحية والبدو
قاد الرئيس السوري السابق حافظ الأسد في سنة 1970 انقابًا داخليًا، وبدأ يوسع قاعدة الدعم
لنظامه، فدعا شيوخ العشائر ومعارضين آخرين للعودة إلى سورية - ومنهم شيخ الحديديين الذي كان في المنفى في الأردن تحت حماية الملك حسين؛ فالأسد أحس بأن الوحدة والمصالحة الوطنيتين هما في غاية الأهمية بالنسبة إلى سورية لتصبح ندًا لإسرائيل. وأصبحت العاقات مع عشائر البدو
أكثر سخاءً، وبشَّر عهد الأسد بمنهج عملي لحل النزاع. هكذا، وخافًا لقانون سنة 1958 الذي جرد
عشائر البدو من حقهم في تسوية النزاعات في ما بينهم بحسب مبادئ القانون العرفي، شجع الأسد حل النزاعات بين أفراد العشائر أو تلك المتعلقة بهم عبر القنوات التقليدية. ففي سنة 1977، على سبيل المثال، يُقال إن الأسد أرسل مستشارًا مقربًا هو علي عادل إلى الحديديين لتسوية ثأر امتد
عقودًا قُتل فيه أكثر من 10 أفراد من العشائر، وانسحبت الشرطة المحلية منه مرات عدة تحت النيران
الكثيفة، فتم الاتفاق على السام ودُفعت دية القتلى. وثمة مثال آخر هو المذبحة بين عشائر الموالي
والحديديين سنة 1994، يوم علمت الشرطة بأمرها ولكنها راقبتها من بعيد، سامحةً لمحكِّم عشائري - بدعم من الحكومة - بحل المسألة كما يمليه العرف، وهو ما يدل على اعتراف الأسد بالقوة المحتملة لسلطة العشائر البدوية. وعلى الرغم من أن فلسفة البعث كانت تهدف إلى التخلص من المصالح الطائفية والعشائرية، أجرى الأسد إصاحات أتاحت للبدو، من بين أقليات أخرى، مواصلة إدارة نظام بديل للسلطة والقوة أيضًا، ولكنها قوة حليفة للدولة. وفي الوقت نفسه، أقام الأسد، ربما خوفًا من أن
(30) Ahmad Mouhamad El-Zoobi, «Agricultural Extension and Rural Development in Syria, 1955-1968,» (Ph.D. Dis- sertation, Ohio State University, Columbus, Ohio, 1971), p. 120. (31) Syrian Arab Republic, Homs Provincial Administration, The Minutes of Meeting to Resolve Dispute between Muharrab Rukan al-Murshed the representative of the Sba’a tribe and members of the Hadidiyin, represented by Faysal al Sfuk, Homs Province (1975), and Syrian Arab Republic, Ministry of Interior, Minutes of a Meeting between the Sba’a and the Hadidiyin over the lands of al Del’a al Gharbieh (1981).
تخرج سلطة عشائر البدو عن السيطرة، عاقات مع عدة شيوخ ثانويين بوصفهم خصومًا محتملين، إن
اقتضت الحاجة، في المستقبل. ثمة أدلة قوية على أن عشائر من البدو دُعيت في سنة 1982 لمساعدة النظام في إقامة جدارٍ عازل
حول حماه والمحافظة عليه، ومراقبة التحركات حول المدينة، والتحقق من تدفق الأسلحة من الحدود العراقية. ويُقال إن زعماء عشائر آخرين، كالأمير طراد الملحم شيخ الحسنة، كانوا أول من دخل
مدينة حماه لتقديم مساعدات إنسانية للناجين من المجزرة. وحصلت العشائر في مقابل دعمها على اعتراف فعلي، إن لم يكن رسميًا. ويبدو أنه سُمح ببقاء نظام البدو البديل للسلطة والقيادة، وأن
هذا النظام تواطأ في بعض الحالات مع هياكل الدولة لحساب المنفعة المتبادلة. يبدو أن النظام السوري بقيادة حافظ الأسد علَّق منذ سنة 1982 كل سياسة حكومية واضحة تخص العشائر، وكذلك فعل في عهد الرئيس بشار الأسد؛ إذ ما عاد هناك خطط جديدة لتوطين البدو. وسُنَّت قوانين تحظر الزراعة، خصوصًا الشعير، في البادية لحماية مناطق الرعي التقليدية. ولكن حتى
هذه المراسيم الرئاسية لم تُطبَّق بشكل منظم في مناطق البادية الشاسعة، حيث كانت الزراعة البعلية
ممكنة أحيانًا. وبين الفينة والأخرى، كان البدو يُمنعون من زراعة الشعير، وكانوا يزرعونه متى سمحت
الظروف لتغذية قطعانهم. والحظر على الزراعة في البادية مفروض على الدوام، ولكن غالبًا ما جرى
التراجع عنه تبعًا لمن يستلم منصب وزير الزراعة ونوع العاقة الزبائنية التي تربطه بقيادة عشائر البدو.
وفي السنوات الأخيرة، كان وزير الزراعة بدوي الأصل (من الحديديين) ومنحازًا دائمًا إلى جانب
البدو في النزاعات بين البدو ومديرية شؤون البادية. ولا يزال هذا المنهج الواقعي (السياسة العملية) لإدارة البدو العابرين للحدود في الأراضي الواسعة
الشاسعة للبادية صفةً أساسية لحكومات الأسد الأب والابن على حدٍ سواء. واستمر نظام الأسد
بدعوة البدو للعودة إلى البلد، كما أنه أدى دورًا فعالً في تطبيق التحكيم العرفي على القضايا المتنازع
عليها في مناطق الرعي والمياه. وبين سنتي 1978 و 1981، توسطت الحكومة في نزاع بين السبعة والحديديين حول آبار تخلت عنها عشيرة السبعة سابقًا في أثناء وجودها في منفاها الاختياري في السعودية. وفي التسعينيات، سمحت الحكومة بإجراء إعادة تعديلٍ مهمة للحدود بين الأراضي التي
تعود ملْكيتها إلى عشيرة اللهيب وتُنازعها عليها عشيرة الحديديين. وعقب أشهرٍ من التحكيم، أُجبرت عشيرة اللهيب على بيع الآبار وأراضي الرعي للحديديين، أو على التخلي عنها. ويَعتبر البدو الهيمنة
وليس الملْكية الرسمية الأساس للسيطرة ومفهوم الإقليمية في البادية. وهكذا، ترى قيادة البدو المعاصرة في البادية بأن القوة والسلطة لا تُستمدان من ولاء رجال العشيرة فحسب، بل أيضًا من اعتراف الدولة الفعلي بقدرة زعماء العشائر على الإدارة السلسة لتوزيع الموارد الطبيعة، وعملية تطبيق القانون العرفي في تسوية النزاعات. وهذا الاعتراف لا يُشرَّع بقانون (لا يزال إلغاء التصنيف القانوني للعشيرة لسنة
1958 ساريًا). وما يُهم فعلً هو عاقات العمل التي تطورت بين زعماء العشائر الرئيسيين والثانويين
(32) Rae, «Tribe and State,» p. 221. (33) Thorsten Schoel, «The Hsana’s Revenge: Syrian Tribes and Politics in their Shaykh’s Story,» Nomadic Peoples , vol. 15, no. 1 (2011), pp. 96-113.
من جهة، وكلٍّ من الأجهزة العسكرية والأمنية ووزارة الداخلية وأقسام من وزارة الزراعة، فضل عن المكاتب الرئاسية، من جهة أخرى. في جميع هذه المجالات، بدأ الأفراد تدريجيًا يعرِّفون عن أنفسهم بأنهم بدو أو عشائريون. وفي
السنوات الأخيرة، عيَّن الرئيس أكثر من مرة بدويًا وزيرًا للزراعة. ومُنح البدو أيضًا مناصب مهمة في
وزارة الداخلية وفي القيادة القطرية لحزب البعث؛ فمحافظ درعا في سنة 0102، على سبيل المثال، كان شيخ عشيرة العقيدات. وقد أسفر هذا التوجه الحكومي عن زعم عدد من أعضاء حزب البعث أنهم من أصول بدوية، وهو ما ادعاه أعضاء آخرون مهمون في جهاز الأمن الداخلي. ويُشاع أن آصف
شوكت زوج شقيقة بشار، والذي كان حتى نيسان/أبريل 0082 رئيسًا لأمن الداخلي، ينتمي إلى
عشيرة بني خالد، وهي عشيرة سورية ترعى الأغنام قرب جبال العلويين. يُعتبر هذا التوجه لتحديد أو إنشاء روابط قربى مختلقة مع البدو توجهًا حديثًا جدًا بين أعضاء حزب
البعث. ومع أن حافظ الأسد سعى بدهاءٍ للحصول على تعاونهم، ومنَحهم مساحة لإدارة أراضيهم الخاصة، فإن بشار دفع هذه العاقة، كما يبدو، أبعد من ذلك بدعم عدد كبير من الأشخاص الذين
يصرحون بأنهم بدو أو يُدعَون إلى التصريح بذلك. وهذا يشير إلى اعترافٍ حديث بأن بعض زعماء
البدو يحظى باحترام قوي في البادية قد يكون مفيدًا للحكومة، لكن ينبغي تسخيره. لا توجد إحصاءات رسمية عن تعداد البدو في سورية، ولا يمتلك المكتب المركزي لإحصاء تصنيفًا للبدو، وهو ما يتوافق مع فلسفة البعث. ولكن في وسعنا أن نستنتج من أعداد الماشية فكرةً عن حضور البدو وأهميتهم بالنسبة إلى اقتصاد الدولة وسياساتها. وعلى مدى عقود عدة، لم يكن في الإمكان حمل أي مسؤول حكومي على إعطاء تقديرٍ لأعداد البدو. ولكن في سنة 1999، قدَّر وزير الصحة
عددهم بنحو 90 ألفًا، أي ما يعادل 5 - 7 في المئة من إجمالي سكان سورية. وتشير تقديرات أحدث لباحثين إلى أن هذا الرقم يبلغ الضعف، وأن الذين يقولون عن أنفسهم بأنهم بدو هم قرابة 10 - 12 في المئة من إجمالي السوريين. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أنه قد جرى في سنة 1943 تخصيص 10 مقاعد من مجموع 135 مقعدًا (7 في المئة) لممثلي البدو (إرث من سياسة الانتداب الفرنسي)، فإن الوضع الحالي تغيّر كثيرًا؛ ففي سنة 0102، كان 30 عضوًا من مجموع 025 عضوًا برلمانيًا منتخبًا
(12 في المئة) من البدو، وهذا ليس انعكاسًا لسياسة الدولة، بل تعبير عن قوة البدو في البادية. ويشير
حجم هذا التمثيل إلى أن صوت البدو في البرلمان هو ما كان يجب أن يكون عليه لو أن المقاعد في البرلمان كانت تمثّل عدد السكان فقط. وفي وادي البقاع اللبناني، تحولت عاقة العمل الوثيقة والمتطورة بين القوى الأمنية السورية والبدو بعيد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان (1975 - 1989) إلى مشاركة وثيقة في السياسات المحلية والوطنية، لتزدهر بعد سنة 0052، عندما تغير المشهد السياسي اللبناني عقب انسحاب الجيش السوري من الباد. وثمة تحوّل يحصل الآن، كما يتجلى في الصحف الشعبية والتلفاز والراديو؛
(34) International Fund for Agricultural Development (IFAD), The Badia Rangelands Development Project (Rome, 1998), and Heba El-Laithy and Khalid Abu-Ismail, Poverty in Syria, 1996-2004: Diagnosis and Pro-Poor Policy Con- siderations (Damascus: United Nations Development Programme (UNDP), 2005).
فصورة البدوي الساذج المتجنس حديثًا، الذي كان يُنقل بالحافات إلى مراكز الاقتراع في التسعينيات،
تُستبدل الآن بالبدوي السياسي والمسيَّس على أرض الواقع. ويعمل تحالف قوى 14 آذار بقيادة تيار
المستقبل بقوةٍ من أجل الحصول على أصوات البدو حاليًا، وغالبيتهم من السنَّة. وعلى الرغم من أن
زهاء ثلث البدو اللبنانيين فقط حاصلون على الجنسية، فإنهم بدأوا يشكلون جمهور ناخبين كبيرًا.
وقد بلغت تعبئة البدو الذروة في ما عُرف بانتفاضة العشائر في سنة 0082 عشية الانتخابات البرلمانية
لسنة 009.2 وأوجد هذا المنتدى خطابًا سياسيًا جديدًا بشأن تميز البدو وحقوقهم في لبنان.
الانتفاضة السورية
جذبت الانتفاضة السورية إلى الصراع زعماء من البدو، وطنيين وعابرين للحدود، من جميع أرجاء البادية والجزيرة. وهم يؤيدون المعارضة بأصواتهم ومواقفهم إلى حد كبير، ولكن ليس بشكل حصري؛ فخال الأشهر الأولى من التظاهرات السلمية، كان شيخ عشيرة الحسنة في سورية صريحًا في حديثه
عن الحاجة إلى مزيد من الحرية والكرامة والاحترام. وكان ينشر ذلك على موقعه الإلكتروني بانتظام، وكانت مدوناته تُقرأ بحماسة. وقد انضم في المرحلة الاحقة من الانتفاضة هو وآخرون من زعماء تحالف عنزة وشمّر إلى المجلس القبلي السوري الذي اجتمع في عمَّان، ثم لاحقًا في اسطنبول،
لإيجاد قواسم مشتركة مع الائتاف الوطني السوري. وفي تموز/يوليو 0132، انتُخب الشيخ أحمد الجربا، وهو عضو في عائلة عجيل الياور شيخ مشايخ شمّر، رئيسًا للمجلس الوطني السوري. وعلى الصعيد المحلي، سعى البدو إلى حماية أحيائهم ومجتمعاتهم باستخدام أسلحة صغيرة، إضافة إلى أسلحة جديدة مهرَّبة إلى سورية باتّباع خطوط الترحال التقليدية من السعودية. وشاركت العشائر
البدوية منذ البداية في الانتفاضة كوحدات للدفاع عن نفسها، لكنها بدأت تنحاز إليها بعد فترة. فعلى سبيل المثال، نشطت قبيلة العقيدات بشكلٍ خاص في تشكيل مجموعات مسلحة تقاتل ضد نظام الأسد على المستوى المحلي وكجزء من تحالف عشائري وطني يدعو نفسه لواء درع العقيدات. وتقاتل عشيرة الحديديين مع المعارضة قرب حلب وإدلب، والموالي قرب حماه وحلب والرقة، بينما لدى عشيرة بني خالد عدة كتائب تقاتل مع الجيش السوري الحر قرب حمص وضواحيها. وثمة رجال عشائر آخرون من الموالي يقاتلون ضد الجيش السوري في محيط معرة النعمان. لا يزال بعض زعماء العشائر المرتبطين سابقًا بالأجهزة الأمنية في سورية وفي لبنان موالين للنظام؛ فقد شاركت عشيرة البقَّارة، وهي تحالف كبير من العشائر غير الأصيلة التي ترعى الأغنام في الجزيرة، في النشاطات المسلحة دعمًا للمعارضة وضدها. واعتنق نحو ربع هذه العشيرة المذهب الشيعي نتيجة
التبشير الذي تموله إيران. ويُقال إن مقاتلي البقَّارة يعملون مع الجيش السوري على مهاجمة الأحياء
(35) Dawn Chatty, Nisrine Mansour and Nasser Yassin, «Bedouin in Lebanon: Social Discrimination, Political Exclu- sion, and Compromised Healthcare,» Social Science and Medicine , vol. 82 (April 2013), pp. 43-50.
(3((عفيف دياب ونقولا أبو رجيلي، ««انتفاضة» العشائر: سنخوض الانتخابات ترشّحًا واقتراعًا،» الأخبار (بيروت)،
(37) Nicholas A. Heras and Carole A. O’Leary, « The Tribal Factor in Syria’s Rebellion: A Survey of Armed Tribal Groups in Syria,» Terrorism Monitor , vol. 11, no. 13 (2013).
الواقعة تحت سيطرة المعارضة في حلب. وقد تجمع آخرون حول «البشير»، نجل شيخ البقَّارة، ودعموا انشقاقه وانتقاله إلى تركيا، حيث أصبح زعيمًا بارزًا في مجلس القبائل العربية السورية وزعيمًا لجبهة
الجزيرة والفرات لتحرير سورية. وفسّر زعماء عشائر عنزة وشمّر ارتباط البقّارة بالنظام بأنها تفتقر
إلى التماسك الداخلي وبأنها عشيرة غير أصيلة. ويرى آخرون أن افتقار البقَّارة إلى التماسك يعود إلى الهبات التي كان حافظ الأسد يوزعها باستمرار بين زعماء بطون العشائر، مع تقويضه استقال العشيرة ككل. بصرف النظر عن مدى ماءمة استنتاج عاقة تجمع جميع زعماء العشائر الأصيلة وأتباعهم بالمعارضة وداعميها في السعودية، وأخرى تجمع العشائر المحلية غير الأصيلة بالنظام، فإن خطوط هذه العاقة ليست واضحة؛ فقد أعرب كثير من الحديديين عن غضبهم لأن أحد زعماء بطونهم يؤيد النظام، في حين تؤيد غالبية العشيرة المعارضة. وربما بسبب تركة عهد حافظ الأسد، عندما جرت رعاية أو معاقبة كثير من زعماء العشائر الثانويين، لم تستطع العشائر غير الأصيلة، التي ليس لديها روابط بالسعودية، التحرر من التأثير المحبط للنظام واقتناص الفرصة لتعزيز تضامنهما العشائري. وعوضًا عن ذلك، تعيّن
عليهم البقاء في سورية ليعانوا الحرمان وينتظروا الهبات التي كان النظام يقدمها تقتيرًا. وكانت نتيجة
هذه اللعبة السياسية الذكية من الأسد إضعاف تحالفات وولاءات كثير من رجال العشائر غير الأصيلة لزعمائهم. وقد طغت المنافسة لاستفادة من هبات الحكومة على الروابط والعاقات العشائرية كليًا.
خاتمة
شغلت العشائر البدوية أراضي السهوب القاحلة وشبه القاحلة في سورية على مدى قرون من الزمن. وفي السياقين المحليين السوري واللبناني، يُعتبر البدوي خبيرًا بتربية الماشية، وتكون أوثق روابطه
السياسية والاجتماعية مع أقاربه في الرعي (أي العشائر). وقد يكون تاجرًا، أو اختصاصيًا في النقل
عبر الحدود، أو حتى عاملً زراعيًا. واكتسبت كلمة بدوي، التي كان البعض يعتبرها في الأصل بمعنى
ساكن الصحراء، مدلولً مهمًا للهوية الثقافية المستمدة من الارتباط بالسالة العشائرية، وأساطير
النسب، والمجتمع والزعامة الأخاقيَّين. وقد نجحت العشائر البدوية في دولتي سورية ولبنان المعاصرتين في الحفاظ على هويتها وسلطة زعامتها على امتداد عقود في وجه التشريعات الرسمية الرامية إلى نزع الشرعية عنها، ولم يحدث سوى تدخل طفيف جدًا في شؤونها الداخلية وإدارتها للموارد في البادية السورية. وفي العقود القليلة الماضية، ارتبطت الحكومة على نحو متزايد باتفاقات مع زعماء شتى من البدو للحفاظ على القانون والنظام في البادية، أو للحفاظ على جدار عازل حول حماه وحلب عقب حصار حماه سنة 1982. ومن الواضح أن زعماء العشائر البدوية دخلوا طرفًا في الاتفاق للحد من حركة الأسلحة لمصلحة وزارة الداخلية بدافعٍ خفي. وفي المقابل، تحقق ما صبَوا إليه، وهو إعادة الاعتراف بهم زعماء لعشائر
البدو في البادية السورية. وباتت سلطتهم وقوّتهم حاليًا موضع اعتراف المحليين والأجهزة الأمنية
للدولة، وغدا كثيرون منهم أعضاء في البرلمان. كما يتمتع بعضهم، وخصوصًا زعماء الحديديين
(38) «Formation of Tribal Brigades,» Al Safir (Beirut), 21/2/2013.
والموالي والسبعة والفدعان، بنفوذ استثنائي بسبب حجم عشائرهم وموقعهم الاستراتيجي في القرى ومناطق الرعي وآبار المياه التي يسيطرون عليها. تحولت الاحتجاجات السلمية في سورية في الأشهر الأولى من سنة 0112 إلى مواجهات عنيفة بين المحتجين وقوات الأمن السورية في آذار/مارس 0112 في درعا، ثم في حمص وحماه بعد فترة وجيزة، وثمة حضور عشائري قوي في تلك المدن. ومن الواضح جدًا أن المجتمعات البدوية في هذه المناطق الساخنة لجأت إلى الدفاع المسلح عن النفس. وقد أصدر بعض زعماء العشائر، كعشيرة
الحسنة، بيانات ضد نظام الأسد. وشكّل أتباعهم ألويةً للدفاع عن أحيائهم في المدن الواقعة على خط المواجهة ضد مذابح قوات الأمن، فيما انضم زعماء عشائر آخرون، ولا سيما من انخرط منهم في عاقات عملٍ وثيقة مع قوى الأمن الداخلي السورية وأيضًا في سهل البقاع اللبناني، إلى نظام البعث (كبعض البقَّارة والحديديين). ومع أنه لا يمكن تحديد طبيعة هذا الانقسام بدقة، فإنه يمكن القول إن كثيرًا من العشائر غير الأصيلة التي ترعى الأغنام موالية للنظام، بينما اصطفت العشائر الأصيلة العابرة
للحدود، والأكثر استقالً، مع قوات المعارضة. ولدى عدد كبير من زعماء البدو هؤلاء صفحات على شبكات التواصل الاجتماعي، وهم يُظهرون السلطة الأخاقية التي تتطلبها قيادتهم. ويتابع مواقع
الإنترنت هذه أغلب رجال العشائر، لكن النزعة الفردية ليست بعيدة عنهم، إذ إن أي تصرف خاطئ من الزعيم يفقده أتباعه. وفي الوقت الحاضر، يبدو أن تلك المصادر البديلة للسلطة تتعزز وتنتعش
بالموقف السياسي الذي اتخذه أغلب زعماء البدو، أكان موقفًا مؤيدًا لسلطة الدولة الحالية أم موقفًا معارضًا لها؛ فقد انتقلت العشائر البدوية العابرة للحدود والمحلية في سورية ولبنان من الهامش لتغدو جزءًا مهمًا من المشهد السياسي لانتفاضة السورية.
مراجع إضافية
Books
Bell, Gertrude Lowthian. Syria, the Desert and the Sown. London: William Heinemann, 1907. Dam, Nikolaos van. The Struggle for Power in Syria: Politics and Society under Asad and the Baʻth Party. London; New York: I. B. Tauris, 1996.
Documents
Leybourne, Marina, Ronald Jaubert and Richard N. Tutwiler. «Changes in Migration and Feed- ing Patterns among Semi-nomadic Pastoralists in Northern Syria.» (Network Paper; 34, Pastoral Development Network, Overseas Development Institute, London, June 1993).