العودة إلى تفاصيل المؤلَّف أزمة التحديث والتخطيط العمراني في الجزائر: جذورها، واقعها، آفاقها

أزمة التحديث والتخطيط العمراني في الجزائر: جذورها، واقعها، آفاقها

Roots, Reality and Prospects

Maaouia Saidouni **

معاوية سعيدوني *

الملخّص

يتناول هذا البحث بالدرس تاريخ التحديث والتخطيط العمراني في الجزائر. ويتابع البحث بالوصف والتحليل تجربة التصادم المعماري التاريخي الذي حدث في الجزائر، أولًا في سياق استعماري استيطاني مارست خلاله فرنسا الهيمنة على المجتمع والفضاء والفن والتعمير، ثم في سياق الاستقلال حيث وجّه الإرث الثقافي الاستعماري التصورات والمرجعيات. وقد ترتب على ذلك تفكيك للنموذج المعماري الأصيل في الجزائر الذي تمثّله المدينة "القديمة" بتقسيماتها الوظيفية والفنية والاجتماعية الراسخة في الزمن، وتقسيمات سياسية - اجتماعية جديدة تستجيب لحاجات المستعمر أكثر منها لحاجات السكان الأصليين، إلى جانب تشوهات فنية وقيمية في النسيج المعماري العام. لكن البحث بيّن أيضًا أن العقود الأخيرة شهدت محاولات في التخطيط العمراني تحاول تجاوز هذا الإرث التاريخي، وهي بذلك تعيد إلى واجهة النقاش أزمة التحديث والتخطيط العمراني الذي تعيشها المدينة العربية بشكل عام.

Abstract

Abstract: This study takes up the history of modernization and urban planning in Algeria. Through description and analysis, it assesses the clash between the country’s historic, architectural, and built environment. Looking initially at the context of France’s settler colonial rule and France’s hegemonic rule over society and its space, art, and built environment, the paper goes on to consider the context of independence, in which colonial cultural heritage came to confront a variety of alternative perceptions from diverse Algerian perspectives. This period has

الكلمات المفتاحية:
  • تخطيط عمراني
  • استعمار
  • مجالات عمرانية
  • مراكز حضرية
  • مدينة منشطرة
Keywords:
  • Urban Planning
  • Colonialism
  • Urban Space
  • Constantine
  • Algiers
  • Centralized Urbanization
  • Madina

جذورها، واقعها، آفاقها

The Crisis of Modernization and Urban Planning in Algeria Roots, Reality and Prospects

ملخص: يتناول هذا البحث بالدرس تاريخ التحديث والتخطيط العمراني في الجزائر، ويتابع بالوصف والتحليل تجربة التصادم المعماري التاريخي الذي حدث في الجزائر،

أولً في سياق استعماري استيطاني مارست خاله فرنسا الهيمنة على المجتمع والفضاء والفن والتعمير، ثم في سياق لاستقال، حيث وجّه الإرث الثقافي لاستعماري التصورات

والمرجعيات. وقد ترتب على ذلك تفكيك للنموذج المعماري الأصيل في الجزائر الذي تمثّله المدينة «القديمة» بتقسيماتها الوظيفية والفنية ولاجتماعية الراسخة في الزمن، وتقسيمات سياسية - اجتماعية جديدة تستجيب لحاجات المستعمر أكثر منها لحاجات السكان الأصليين، إلى جانب تشوهات فنية وقيمية في النسيج المعماري العام. لكن البحث بيّن أيضًا أن العقود

الأخيرة شهدت محاولات في التخطيط العمراني تحاول تجاوز هذا الإرث التاريخي، وهي بذلك تعيد إلى واجهة النقاش أزمة التحديث والتخطيط العمراني الذي تعيشها المدينة العربية بشكل عام.

come to be associated with the dismantling of the authentic colonial architectural models, represented by the «madina» or «old city,» with its functional, aesthetic, and social divisions, all anchored in time. However, the colonial model also produced newer socio-political divisions that met the needs of the colonizer more than they did the needs of the original inhabitants— in the process bringing about distortions in values and aesthetics within the overall architectural fabric of the country. The research highlights how recent decades have witnessed urban planning attempts to surmount this historical legacy and thus bring the debate back to the modernization crisis in urban planning in the Arab city.

مقدمة: إشكالية أزمة التحديث والتخطيط

استقطبت التحولات العمرانية في المدينة العربية الدارسين الذين تناولوها بوجهات نظر مختلفة؛ فالمدينة تصنع التغيير وتتأثر به، وتعكس طبيعتها المُجزَّأة المنشطرة شكلً ووظيفة

واقع مجتمعات باحثة عن الذات ومأزق مشاريع تحديثها؛ إذ لا يمكن فصل التحولات العمرانية عن حركية التحديث المعنوية والمادية التي بدأت بإقحام النظم الغربية في الفترة لاستعمارية، ثم تسارعت خال القرن الماضي بفعل الدول القطرية ومشاريعها التنموية، ولا تزال مستمرة في ظل أزمة شرعية الحكم الفوقي. غيّرت حركية التحديث عاقة الإنسان بالمدينة، وعمّق التخطيط المرتبط بها واقع المدينة

العربية المتأزم لقصوره عن تقديم الحلول، فانقطعت المدينة العربية الحالية عن المكان

(((نذكر – على سبيل المثال لا الحصر- بعض الدراسات الحديثة التي تناولت الإشكالية العمرانية العربية بوجهات نظر مختلفة،

Pierre-Arnaud Barthel et Sylvy Jaglin, coords., Quartiers informels d’un وأغلبها دراسات أجنبية أو باللغات الأجنبية:

monde arabe en transition: Réflexions et perspectives pour l’action urbaine , Conférence s et séminaires; 07 (Paris: Agence française de développement, 2013); Salma K. Jayyusi, General ed., The City in the Islamic World , Special Editors Renata Holod, Attilio Petruccioli and André Raymond, Handbook of Oriental Studies. Section 1, The Near and Middle East; 94, 2 vols. (Leiden; Boston: Brill, 2008); Amer Moustafa, Jamal Al-Qawasmi and Kevin Mitchell, eds., Instant Cities: Emergent Trends in Architecture and Urbanism in the Arab World: The Third International Conference of the Center for the Study of Architecture in the Arab Region, CSAAR 2008A (Amman, Jordan: CSAAR Press, 2008); Pierre-Robert Baduel, dir., La Ville et l’urbain dans le monde arabe et en Europe: Acteurs, organisations et territoires , Connaissances du Maghreb, Paris, CNRS, 1984, pp.11-134; Pierre Signoles, Galila El Kadi and Rachid Sidi Boumedine, dirs., L’Urbain dans le monde arabe: Politiques, instruments et acteurs , avec la collab. de Abdelmajid Arrif (Paris: CNRS éd., 1999); Stefano Bianca, Urban Form in the Arab World: Past and Present , ORL-Schriften; 46 (Zürich: VDF, 2000), and Simon O’Meara [et al.], «Architecture and Urbanism in the Middle East,» (Middle East Institute Viewpoints, 6 November 2008) , sur le site: <www.mideasti.org>.

(((منى خويص، الأبواب المغلقة: دراسة حول أزمة التغيير في العالم العربي (بيروت: دار الفارابي، 2011)، ص.170

لانفصام صلتها ببيئتها وتاريخها وتاهت في الزمان. واتسعت الهوة بين التخطيط والمدينة كظاهرة متغيرة تتفاعل مكوناتها في حركية مستمرة بين السكان ومج لات العيش والمنشآت والفضاءات العامة والمرافق الخدمية، لتنشأ من هذا التفاعل ثقافة حضرية حيّة قابلة للحياة

وللموت أيضًا. من أسباب تلك الهوة إخضاع التخطيط الحداثي في نسخته البيروقراطية المدينةَ لصور جامدة مجردة، وتجزئتها إلى مكونات وإشكاليات منفصلة (الإسكان، النقل، الإنتاج ولاستهاك، الخدمات)، بحسب معايير كمية ووظيفية وأنماط مسبقة مبسطة من دون الأبعاد النوعية والمكانية والتاريخية، من منطلق أن المدينة منظومة اقتصادية قبل أن تكون ظاهرة مركّبة محسوسة متجذرة في التاريخ والموقع والمجتمع، فاختلت عاقة الإنسان ببيئته بسبب عجز عمارة الحداثة ومدينتها وما بعدها عن إنتاج مجال عيش مائم، وفشل مشروع المدينة الحداثية التي يمكن وصفها ب «اليوتوبيا» المتجسدة في الواقع والمختلفة عمّا أنتجه الإنسان ماضيًا؛ فهي «المكان الآخر» بامتياز. وقد أوجد الفيلسوف ميشيل

فوكو مفهوم الهيتيروتوبيا (Hétérotopie) للدلالة على هذه الأماكن الأخرى، وتتشكل هذه المدينة – ومنها المدينة العربية - من عوالم وشبكات متباينة متوازية لا تلتقي، ويطبع التنافر العاقةَ بينها، وتمّحي فيها عبقرية المكان، ويزول فيها تكامل المقاييس، فهي عوالم يمكن أن تكون في أي مكان،

ولا يقدر الإنسان على تملكها فيتيه فيها. إن وراء مظاهر أزمة المدينة العربية المورفولوجية والوظيفية ولاجتماعية عِلَلً باطنة يستوجب تحليلها ابتكار مفاهيم مفسِّرة، أهمها «أزمة التحديث والتخطيط»، وأزمة المناهج والمقاربات المركزية والقصور

عن تفعيل المخططات واستشراف ومواكبة التحولات والتحكم في نمو فضاءات موروفولوجية واجتماعية مُجزَّأة ومنشطرة يعوزها التجانس والتكامل، رغم مظاهر الحداثة السطحية. ويستوجب

– تفكيك أزمة التحديث والتخطيط – وهي من أوجه أزمة الحداثة والحوكمة والمجتمع في الباد العربية

البحث في نماذج وقِيَّم التخطيط الحداثي التي انبنت عليها خبرات النخب التخطيطية، شعوريًا أو

لا شعوريًا، وتفكيك أوتوماتيزمات الخطاب الحداثي والتقني المكتفي بذاته، المنقطع عن الواقع، في

ما يشبه حالة انفصام سكيزوفريني (Schizophrenic dissociation)، جعل المدينة العربية مدينتين:

(((حسن حنفي، «فلسفة المكان،» في: أبحاث من ندوة المدينة العربية: خصائصها وتراثها الحضاري الإسامي، -24 29

ربيع الثاني 1401 ه / 28 فبراير - 5 مارس 1981 بالمدينة المنورة (الرياض: المعهد العربي لإنماء المدن، 1982)، ص.20

(4) Jayyusi, General ed., p. xiii.

(((أهم كتاب بيّن آثار النظرية الحداثية على المج لات السكنية وقاطنيها ألّفته جين جاكوبس:

Jane Jacobs, The Death and Life of Great American Cities (New York: Vintage Books, 1992), orig. pub. (1961). (6) Michel Foucault,  Dits et Écrits , vol. 4: 1980 - 1988 (Paris: Gallimard, coll. «Bibliothéque des Sciences humaines», 1994), pp. 752 - 762. (7) Marc Augé, Non-lieux: Introduction à une anthropologie de la surmodernité , La Librairie du XXe siècle (Paris: Éd. du Seuil, 1992. (8) Agnès Collaud et Guillaume Pfefferle, «Schizophrénie urbaine: Des mondes entrelacés,» (Enoncé théorique de Master, Lausanne, EPFL, 2013).

مدينة مأمولة في مُخيّلة المخططين وأصحاب القرار، ومدينة الواقع الحيّة المنبثقة عن التحولات

والقوى الاجتماعية والاقتصادية. ولأن المدن العربية مختلفة اختاف مج لاتها الجغرافية وسياقاتها التاريخية، تعذّر التعميم، ووجب لانطاق من ح لات خاصة علّها تسلط الضوء على ح لات أخرى مشابهة. والمدينة الجزائرية من أجدر الح لات بالدراسة في العالم العربي لحدّة ظاهرة لانفصام التخطيطي فيها، وبما تتيحه من إمكانات المقارنة مع ح لات عربية أخرى عرفت حركية تحديث احتكرتها الدولة القطرية؛ فقد ولجت الجزائر التخطيط الحداثي مبكرًا، في خضم تحديث استعماري قسري أول، ثم طوعي بعد لاستقال بفعل

الدولة المُوجِّهة لصيرورة المجتمع، والتي اعتمدت التخطيط الحداثي في نسخته الفرنسية بحكم تبعية

فكرية وتقنية موروثة عن استعمار طويل، فكيف عجزت إرادة قوية لتنظيم المدينة بحسب معايير التخطيط الحديث عن تشكيل مدينة متوازنة مورفولوجيًا ووظيفيًا واجتماعيًا؟ وما هي الآليات التي

أدت إلى نشأة ظاهرة لانفصام وتجذرها في التخطيط وإحال شرعية الخطاب السياسي والتقني محل شرعية النجاعة والواقعية؟ وكيف اقترن تبنّي النموذج الحداثي بتعطيل لاستشراف من جهة، وتغييب النماذج التراثية من جهة أخرى، وإعادة إنتاج الخطاب المهيمن وأدواته، بعيدًا عن الواقع المورفولوجي ولاجتماعي للمدينة؟ وهل هناك بوادر تؤذن بإمكانية تجاوز هذا الوضع؟ وما هي الإشكاليات المستجدة التي يؤمل أن تغذي التغيير؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة، يتوجب البحث في مقاربة تاريخية استشرافية جدلية: أول في جذور أزمة التحديث والتخطيط والظاهرة لانفصامية التي ترجع بنا إلى الفترة لاستعمارية، ثم في واقعها المرتبط بالدولة القطرية المركزية والمستند إلى أسس منهجية تجذرت في الممارسات التخطيطية وصاغت المج لات العمرانية (القسم الأول)؛ وثانيًا في إشكاليات التخطيط

العمراني المستجدة وانعكاسها في الواقع المحلي وما يواجهها من معوقات باعتبارها مفاتيح الحل والتغيير (القسم الثاني.)

جذور وواقع أزمة التحديث والتخطيط

صدمة التحديث الأولى: مدينة الآخر المستعمر وتغييب المدينة الأصلية

كان إقحام نموذج التخطيط الغربي من أهم آثار لاستعمار، وارتبط التحديث العمراني في الجزائر بظاهرة استعمارية عنيفة إقصائية، عملت على «تصحيح» مورفولوجية المدينة الأصلية بإشراف

(9) Nadir Boumaza [et al.], Villes réelles, villes projetées: Fabrication de la ville au Maghreb (Paris: Maisonneuve et Larose, 2006). (10) Maria Sgroï-Dufresne, Alger 1830 - 1984: Stratégie et enjeux urbains, Recherche sur les civilisations. Mémoire; 63 (Paris: Éd. Recherche sur les civilisations, 1986).

(((1 لم تكن عملية التحديث العمراني من فعل لاستعمار الغربي حصرًا؛ فقد بدأت في المدن العربية في المشرق بفعل الدولة

Jean-Luc Arnaud, «Tradition and Modernity in the 19th Century Modernization of the العثمانية في القرن التاسع عشر: Cities of the Ottoman Empire (1800–1920),» in: Jayyusi, General ed., pp. 953 - 976.

ساح الهندسة (Génie militaire) الذي وضع مخططات معسكرات محصنة وقرى استيطانية، وغيّر

وجه المدن القديمة تحويرًا وتوسعة. وقُدِّمت التحويرات العمرانية والمنشآت المستحدثة على أنها

نهضة عمرانية نزعت عن المدينة الأصلية مظهرها الشرقي البالي. نخرت المدينةُ الجديدةُ المدينةَ الأصليةَ بفتح الشوارع وإزالة واجهات المنازل العربية التي «لا تليق بمتطلبات الإنسان الأوروبي ولا ترقى إلى جماليات الفن العمراني الكاسيكي»، فتداخلت المدينتان بواسطة شوارع وصلت أبواب المدينة التي عوّضتها ساحات ومتنزهات احتضنت الحياة الأوروبية. وضمن هذه الحركية ظهرت الحاجة إلى العقارات لإيواء الوظائف المدنية وتلبية مطالب أصحاب المشاريع الساعين إلى جني فوائد ازدهار التجارة والعمران، فصودرت الأراضي والبيوت والأوقاف، وحُوّل كثير من المساجد إلى وظائف مدنية أو كنائس تكريسًا لتحوّل المدينة

من حيِّز حضاري إلى آخر، وتملّك روحها ك«فعل تأسيسي» للمدينة الأوروبية، فلم يكن

تحويل الملكية فعاًاقتصاديًا قسريًا فقط، وإنما أيضًا تعنيفًا رمزيًا ما زال يؤثر في عاقة الإنسان بالحداثة والمدينة. وبتأكد الطابع المدني لاستيطاني لاستعمار واستتباب شؤونه، أ قِرَّ النموذج الفرنسي في تخطيط

المدن وتوسعتها المعروف بمخطط التنظيم ولاحتياطات العقارية، كأداة لتقنين نمو المدينة في شكل تحصيصات تُنشأ بحسب الحاجة حول شوارع مستقيمة تخضع المباني المُطِلَّة عليها جمالية وصحية تحدد ارتفاعها وطرازها وعاقتها بالفضاءات العامة على خطى التجربة لمعايير

(((1 للتعرف إلى خصائص التخطيط العسكري في الجزائر في القرن التاسع عشر: Les Traces Xavier Malverti et Aleth Picard,

de ville et le savoir des ingénieurs du génie , Les Villes coloniales fondées entre 1830 et 1870 en Algérie; 2 (Grenoble: École d’architecture de Grenoble, [1985]); P. Cabat, Civilisation des espaces et institutions militaires, l’exemple de l’Algérie à partir de 1830 (Paris: Ministère de l’équipement, 1976), et Maaouia Saidouni, «Rapports de force dans l’urbanisme colonial algérois (1855-1935): Ou la genèse de l’aménagement urbain à Alger,» (Thèse de doctorat, Institut français d’urbanisme, Marne-la-Vallée, 1995).

(((1 طاول هذا الشعور فئات من الجزائريين رأوا في هذه الإنجازات تقدمًا رغم رفضهم لاستعمار، وهذا ما عبّر عنه أحدهم

في مدينة قسنطينة للكاتب ألكسندر دوما الذي ذكر أنه: «سأل أحد العرب عن تقييمه لهذه الخزانات والجسور والقنوات، فأجاب بأن قدوم هؤلاء الرجال من وراء البحر هو رحمة إلهية للعرب، لأن [الفرنسيين] ينجزون هذه الأعمال لصالحهم... وأن الله

Alexandre Dumas, Le Véloce: ou Tanger, Alger et Tunis (Paris: Cadot et Bertonnet,:.»سيطردهم عندما ينتهون من عملهم 1848-1852), p. 253. (14) Frédéric Chassériau, Étude pour l'avant-projet d'une cité Napoléon-Ville, à établir sur la plage de Mustapha à Alger (Alger: Dubos frères, 1858). (15) Yasmina Boudjada, «l’Eglise catholique de Constantine (1839-1859): Appropriation de la mosquée Souk El-Ghzel par les français», in, Villes rattachées, villes reconfigurées, XVIe-XXe siècles , Denise Turrel (édition), Tours, Maison des Sciences de l'Homme, Presses Universitaires François Rabelais, 2003, p.p. 285-303

(((1 قام التخطيط العمراني قبل سنة 1919 على مخططات التنظيم ولاحتياطات العقارية (réserves des et d’alignement Plan التي تخص الشوارع الجديدة والفضاءات العامة، وتحجز الأراضي للمباني العامة وتقنن البناء والتصرف في الملكية. للتعرف إلى هذا النمط التخطيطي في الجزائر، يمكن الرجوع إلى كتاب وصف «بناء» المجال العمراني لمدينة الجزائر في الفترة لاستعمارية:

René Lespès, Alger: Étude de géographie et d'histoire urbaines (Paris: libr. Félix Alcan, 1930).

الهوسمانية في باريس. وتبلور خطاب يدعو إلى «تهيئة عقانية»، وتشكلت سلطات مدنية حلّت محل ساح الهندسة، وواصلت مشروع تحديث المدينة الأصلية بعد منتصف القرن التاسع عشر، بحجة تحسين المواصات، وفك العزلة عن الأحياء، وإزالة الجيوب التي تنعدم فيها شروط الصحة والنظافة. كما حوّرت المنشآت المدنية الحديثة (القطار، التلغراف، الترامواي) المدينة وعاقتها بالإقليم، وتوسعت الضواحي، ونمت المدينة الأوروبية على حساب المدينة الأصلية التي تحولت أجزاءٌ منها إلى مدينة هجينة كرّست لانفصام؛ فهي كاسيكية أوروبية

على طول الشوارع الكبيرة وبعض الشوارع العرضية، وعربية تقليدية في القطاعات التي لم تطاولها التحويرات. اكتمل المشروع التحديثي لاستعماري الأول بالدعوة إلى فصل المدينتين الأصلية والجديدة كشرط للتخطيط الهندسي المنتظم، بحجة أن الفصل هو السبيل لإنقاذ المدينة الإسامية المعرضة لضغط المدينة الأوروبية، فوُضعت مشاريع توسعة خارج المدينة الأصلية أو الهجينة، وكان هذا التحول إيذانًا بفصل ذهني ومادي رسّخ القطيعة بين القديم والجديد، ولانفصام بين الأصيل والحديث. وظهرت في أواخر القرن التاسع عشر «مدينة جديدة» تنتظم فضاءاتها حول معالم معمارية في نقاط محورية بأشكال هندسية من شوارع مستقيمة وميادين تجسد معايير الفن العمراني الكاسيكي، إلا أن هذه المقاربة التنظيمية التجميلية ظهرت حدودها أمام التحولات المجتمعية والتقنية وزخم النمو العمراني في بداية القرن العشرين، فجدّت حركية تحديث ثانية غيّرت مناهج

وأدوات التخطيط.

(((1 وُصف هذا النمط التخطيطي بالتنظيمي التجميلي (Urbanisme de régularisation et d’embellissement)، لأنه يعمل على

تأهيل المدن لاستيعاب التحول السريع إلى المجتمع الصناعي. وقد جسّد روح الحداثة آنذاك، وإن كانت أسسه النظرية تعود إلى

الفن العمراني (Art Urbain) الذي تبلور في الفترة الكاسيكية، فهو يوفِّق بين المتطلبات الجمالية والتقنين وتحقيق شروط النظافة والصحة، وكان نموذجه مدينة باريس (1870-1852) تحت سلطة محافظها هوسمان (Haussmann) والإمبراطور نابليون الثالث. وقد امتدت المقاربة الهوسمانية (مرسوم 1852-3-26 الخاص بشوارع باريس) إلى المدن الفرنسية ومدن المستعمرات، وخاصة

Revue de l’Art (Paris), no. 106: Hausmannismes (1994), et Jean-Robert Pitte, Histoire du paysage:مدينة الجزائر. لاطاع français, 2, Le Profane, du XVIe siècle à nos jours , Approches, nouv. éd. rev. et augm (Paris: Tallandier, 1989), pp.

(((1 أهم هذه السلطات: مصلحة الطرقات (Services de la voirie)، والشرطة البلدية (Police municipale)، ومصلحة الأشغال البلدية (Service des travaux communaux)، ومكتب النظافة (Bureau d’hygiène). انظر مثال مدينة قسنطينة: Belabed Badia

Sahraoui, «Politique municipale et pratique urbaine: Constantine au XIXe siècle,» Insaniyat, vol. 11, nos. 35-36 (Janvier-Juin 2007), pp. 118 - 121.

(((1 معاوية سعيدوني، «المنشآت المدنية الحديثة ودورها في التخطيط العمراني لمدينة الجزائر نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين،» في: دراسات وشهادات مهداة إلى الأستاذ الدكتور أبو القاسم سعد الله، عمل على جمعها وإخراجها ناصر الدين سعيدوني (بيروت: دار الغرب الإسامي، 2000)، ص -245.269

(20) Hubert Lyautey, Paroles d’action: Madagascar, Sud-Oranais, Oran, Maroc (1900-1926) , préface de M. Louis Barthou (Paris: Libr. Armand Colin, 1927), p. 453.

صورة لمدينة قسنطينة تُظهر الشوارع التي فُتحت في القرن التاسع عشر عبر النسيج العمراني

- بدايات التخطيط العمراني الحداثي في الفترة لااستعمارية

تحولت المدينة لاستعمارية «الجديدة» بحلول القرن العشرين إلى حقل تجارب للنظريات المعمارية المُجدِّدة وأدوات ومناهج التهيئة العمرانية المبتكرة، وصقلت شخصيات مؤثرة في مدرسة التخطيط الفرنسية بعد الحرب العالمية الأولى مهاراتها في الباد المُسْتَعمرة، وساهمت في بداية

(21) <http://www.constantine-hier-aujourdhui.fr/images>. (22) Jean-Pierre Gaudin, «Tours et détours coloniaux dans l’urbanisme français,»  dans: France, Ministère de l’Equipement, du Logement, de l’Aménagement du Territoire et des Transports. L’Aménagement du territoire et la colonie , Dossiers des séminaires Techniques, territoires et sociétés; 4, (Paris: Délégation à la recherche et à l’innovation, 1988), pp. 45-59.

(((2 مثل سوكار (Socard) وبروست (Prost) ودانجي (Danger)، وقد كان للأخير دور مهم في تخطيط المدن السورية تحت الحماية. هذا وأجملت أعمال المؤتمر الدولي للتخطيط في المستعمرات (1931) مبادئ هذه المدرسة: L’Urbanisme aux

colonies et dans les pays tropicaux , Communications et rapports du congrès international de l’urbanisme aux colonies et dans les pays de latitude intertropicale réunis et présentés par Jean Royer; Préface de M. le Maréchal Lyautey; Introduction de E. du Vivier de Streel; Rapport général par Henri Prost (La Charité-sur-Loire: Delayance; Paris: Editions d’urbanisme, 1932-1935).

كما كانت مشاريع المهندس لوكوربوزييه (Le Corbusier) لمدينة الجزائر (1943-1931) نسخة أخرى للتحديث العمراني: Mary

McLeod, «Le Corbusier and Algiers,»  Oppositions , nos. 16-17 (1980), pp. 55-85, et Jean-Pierre Giordani, «Le Corbusier et les projets pour la ville d’Alger, 1931-1942,» (These de Doctorat de 3è cycle, Université Paris VIII, Paris, 1987).

التخطيط الحديث في فرنسا ومستعمراتها من خال «مخططات التهيئة والتوسعة والتجميل» التي أسست لتدخل الدولة في التخطيط تشريعًا وتقنينًا، واعتمد فيها التحليل والمعطيات الإحصائية لاستشراف النمو العمراني وفي البرمجة الوظيفية، وقسّمت المدينة إلى مناطق تخطيطية

ووظي ف ي ة (Zoning)، وركّ زت على المواصات والشبكات، إلا أنها حافظت على بعض خصائص التخطيط التنظيمي، كالعناية بالجانب الجمالي و«تشكيل» الفضاءات، واتخذت موقفًا معتدلً من نموذج المدينة التاريخية بشوارعها ومبانيها المتراصّة وفضاءاتها العامة، تزامنًا مع ظهور توجّه لإضفاء طابع محلي على العمارة الأوروبية بإقحام عناصر زخرفية عليها والتنظير لعمارة متوسطية. إذا كان تأثير مخططات التهيئة على المدن الجزائرية محدودًا بسبب ركود النمو العمراني قبل الحرب العالمية الثانية وفي أثنائها، فإن هذه التجربة التخطيطية تمثّل مرحلة انتقالية من الفن العمراني إلى التخطيط الحديث؛ إذ اعتمدت مدن جزائرية، صغيرة وكبيرة، مخططات تهيئة وتوسعة وتجميل، وأُنشئت منطقة مدينة الجزائر العمرانية (1937) مؤشرًا على تغير مقياس المج لات العمرانية وطبيعتها، وهو ما مهّد للمخطط العمراني (Plan d’urbanisme) في صورته الحديثة. عاش المجتمع الجزائري تجربة التحديث لاستعمارية الأولى كتجربة غريبة لأنه أُقصي منها، وكتجربة عنيفة لأنها فرضت في بضع سنين تصورًا للمدينة تبلور قرونًا في الغرب، ولأنها تجاهلت

مجاله الأصلي وحوّرته، وفرضت عليه في حركية شاذة إطارَ عيشٍ ع وضَ أن ينتج هو مجالً مائمًا

لمنظومته لاجتماعية والثقافية. ولم تستفد من التحديث إلا ق لّة من الجزائريين انفتحت أمامها أبواب التعليم الفرنسي، فحدث شرخ بين أغلبية مهمّشة وأقلية أوروبية أو محلية مندمجة. ورأت الأغلبية في النموذج العمراني الغربي نموذجًا غريبًا، مثل القوانين المفروضة عليها، ووجدت نفسها خارج «حركية التحديث» التي غيّرت أجزاء من المدينة، بينما تحولت المدن القديمة إلى قطع متحفية أو نقاط جذب سياحي وصور جامدة لماض انقضى، فألفى السكان أنفسهم يعيشون حالة انفصام،

(((2 تُعرف هذه المخططات بالفرنسية باسم: Plan d’aménagement, d’extension et d’embellissement، وقد وض عت للتحكم في توسع المدن في بداية القرن العشرين ولتسهيل إعادة بناء مدن شمال وشرق فرنسا التي دُمرت خال الحرب. وعُمّمت هذه

المخططات في الجزائر بمرسوم 1922-1-5، فوُضع مخطط مدينة الجزائر (1931): معاوية سعيدوني، «إشكالية العمران بمدينة

الجزائر في الثاثينات،» البيان، السنة 1، العدد 3 (1998)، ص.222-207

Jean-Pierre Gaudin, L’Avenir en Plan: Technique et politique dans la prévision urbaine: 1900-1930 , collection  ((2(Milieux (Seyssel: Champ vallon, 1985). (26) Mia Fuller, «Mediterraneanism. French and Italian Architects’ Designs in 1930s North African Cities,» in: Jayyusi, General ed., pp. 977-992. (27)  Chantiers nord-africains (Avril 1938), pp. 155-160. (28) Pierre Bourdieu et Abdelmalek Sayad, Le Déracinement: La Crise de l’agriculture traditionnelle en Algérie , le sens commun (Paris: Éditions de Minuit, 2002), 1ère éd. (1964).

تائهين في بادهم ومدنهم، فاقدين شخصيتهم، لا يتحكمون في مصائرهم، فيما ارتسمت حركية تحديث ثالثة أوجدتها الظروف التي تلت الحرب العالمية الثانية، واقترنت ب«أيديولوجيا» تخطيطية حداثية تبنّتها الدوائر التقنوقراطية للدولة - لاستعمارية ثم الوطنية - كوسيلة لشرعنة خطابها وتصورها للمج لات العمرانية.

صورة لمدينة قسنطينة تظهر التقاء المدينة الأصلية بالمدينة الجديدة

- صدمة التحديث الثانية: أدوات التحديث نهاية الفترة لااستعمارية

جدَّ بعد الحرب العالمية الثانية تحوّل في التخطيط، انبثقت عنه مدينة «جديدة» أخرى حددت أنماطَها السلطات العمومية والتقنية تحت عنوان التحديث (Modernisation) وإعادة البناء وتلبية الحاجات. وكانت الجزائر مجددًا أرض تجارب، كما يدل على ذلك مخطط التعمير لمدينة الجزائر (1948) التي أنشئت فيها هيئة تخطيط عُرفت بوكالة التخطيط (Agence du Plan) ركزت على مقياس توارت فيه المدينة كظاهرة مادية محلية بخصائصها المورفولوجية لتحل محلّها المعايير الكمية والوظيفية.

(29) Karen Armstrong, Islam: A Short Histo ry, Modern Library Chronicles ([s. l.]: Random House Publishing Group, 2007), p. 144. (30) <http://www.constantine-hier-aujourdhui.fr/images>. (31) Jean-Jacques Deluz, L’Urbanisme et l’architecture d’Alger: Aperçu critique (Liège: P. Mardaga; Alger: Office des publications universitaires, 1988), pp. 63-100.

((3(هي نسب عددية (ratios) تحدد مساحة كل مرفق بحسب عدد السكان، ويوضع على أساسها جدول المرافق (Grille d’équipements) الذي يحدد مساحة المرافق والتجهيزات الحضرية والشبكات.

في نهاية خمسينيات القرن العشرين، وُضعت أدوات تعمير وتقنين مبتكرة (-1958 1959)، أهمها المخطط العمراني التوجيهي، فكانت سنوات لاستعمار الأخيرة، التي تزامنت مع الثورة التحريرية، بداية التخطيط الحداثي ضمن سياسة عمومية لتنمية الصناعة والسكن عُرفت بمشروع قسنطينة، أحدثت ثورةً على نظام المدينة لاستعمارية الأولى الذي تميّزه الكثافة والعاقة

المورفولوجية المُحدَّدة بين المبنى والمجال العمومي والتنوع الوظيفي، ليُعَوّضه نموذج المناطق

الوظيفية (السكنية، الصناعية، الخدمية) الممتدة في الضواحي؛ وفرض لامتداد العمراني إقامة منشآت وشبكات نقل لم تُصمم كروابط مورفولوجية، فأصبحت حدودًا فاصلة ساهمت في تجزئة المج لات العمرانية. ولئن كان التصنيع عامل تحديث، فإنه أوجد اخت لات في أطراف المدن، وأثّر في الموارد الطبيعية المحلية، وكان عامل نزوح ريفي لم تستوعبه المدينة، بينما أحدثت المشاريع السكنية القطيعة بين القديم والجديد شكا ووظيفة ومقياسًا، فصارت المدينة مدينتين: مدينة جديدة

ومدينة تاريخية، تنحصر الصلة بينهما في جوار سلبي. وفضا عن المشاريع السكنية الكبرى (Grands ensembles) التي رُوّج لها رمزًا للحداثة، امتدت في أقل قطاعات المدن حظ ا من حيث الموقع والتضاريس أحياء عُرفت بالعشوائية، يقطنها جزائريون يعيشون على هامش المنظومة

((3(يستشرف المخطط العمراني التوجيهي (Plan d’urbanisme directeur (P.U.D.)) وبرنامجه العام (Programme général) النمو على المدى الطويل (20 سنة)؛ وتكمله أدوات أخرى هي: مخططات التفصيلية (Plans de détail)، ومخططات التعمير

والهيكلة (Plans d’urbanisation ou de restructuration)، وبرنامج التجهيز العمراني (Programme d’équipement urbain)، ومخطط التحديث والتجهيز (Plan de modernisation et d’équipement (P.M.E.))، والبرامج العمرانية (Programmes d’urbanisme)،

ومناطق التعمير ذات الأولوية (Zones à urbaniser par priorité (Z.U.P.))، وهي أدوات التوسع العمراني في أطراف المدن بحسب جدول المرافق وترتيب هرمي لمستويات التخطيط التي حُددت كما يلي: وحدة الجيرة (Unité de voisinage): بين 800

و 1200 وحدة سكنية؛ ثم الحي (Quartier): بين 2500 و 4000 مسكن؛ وأخيرًا التجمع السكني الكبير (Grand ensemble):

10000 مسكن. (((3 ناصر الدين سعيدوني، «مشروع قسنطينة: النتائج العاجلة والأهداف الإستراتيجية،» في: ناصر الدين سعيدوني، الجزائر: منطلقات وآفاق، مقاربات للواقع الجزائري من خال قضايا ومفاهيم تاريخية (بيروت: دار الغرب الإسامي،2000)، ص 272-245؛

Deluz, pp.101-108, et Michel Marié, «Le Plan de Constantine, l’aménagement et les sciences de l’homme,» dans: France, Ministère de l’équipement, du logement, de l’aménagement du territoire et des transports, Délégation à la recherche et à l’innovation, L’Aménagement du territoire et la colonie , pp. 61-72.

(((3 معاوية سعيدوني، «التحديث العمراني نهاية الفترة لاستعمارية من خال المخططات التوجيهية لست مدن في الشرق الجزائري،» عالم الفكر، السنة 41، العدد 1 (تموز/ يوليو - أيلول/ سبتمبر 2012)، ص -177.230

(36) Marc Cote, L’Espace algérien: Les Prémices d’un aménagement (Alger: Office des publications universitaires, 1983), p. 225.

(((3 للتعرف إلى الأسس التي قامت عليها مشاريع السكن الكبرى في النصف الثاني من القرن العشرين: Isabelle Amestoy

[et al.], Le Monde des grands ensembles , sous la dir. de Frédéric Dufaux et Annie Fourcaut; préf. de Paul Chemetov (Grâne; Paris: Éd. Créaphis, 2004).

وبالنسبة إلى الحالة الجزائرية تحديدًا، وخاصة مدينة الجزائر، يمكن الرجوع في الكتاب نفسه إلى: Joelle Deluz-Labruyère,

«Les Grands ensembles ou l’impuissance de l’utopie, l’exemple d’Alger,» dans: Amestoy [et al.], pp. 183-198.

لاستعمارية، ازدادت أعدادهم خال حرب التحرير. ولمواجهة العجز في السكن «الأهلي»، أقامت الإدارة لاستعمارية أحياء «إعادة الإسكان» (Cités de recasement) بتقنيات بناء استعجالية من دون معايير السكن الأوروبي، ولا تتناسب مع خصوصية المجتمع المحلي، فارتسمت مامح أبارتيد عمراني (apartheid urbain) في سنوات لاستعمار الأخيرة رغم الخطاب التجميلي للمشروع التحديثي. شهدت المدينة الجزائرية في أواخر الفترة لاستعمارية ثورة عمرانية وصناعية أدخلتها عالم الحداثة العمرانية بجوانبها الإيجابية (تحديث المدينة والتحسن النسبي لظروف العيش) والسلبية (التجزئة الوظيفية والمورفولوجية، وفقر الخطاب المعماري، وهشاشة فضاءات الحياة الحضرية، وإهمال التراث العمراني). وارتبطت هذه الظاهرة بمنظومة ازدواجية يميزها التفاوت بين الجزائريين والمستوطنين، وهذا ما أغفله المخططون الذين اعتمدوا أسهل الحلول وأنسبها لثقافتهم البيروقراطية، بأنماط سكنية حداثية مُجرَّدة تنفي الخصوصية لاجتماعية والثقافية ومميزات الموقع والموروث

التاريخي، فتشكلت للمدينة صورة رباعية الأبعاد: مدينة إسامية أصلية مُهْمَلة يسكنها الجزائريون؛ مدينة القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الأوروبية التي ظلت مركز المدينة الوظيفي والرمزي، يغلب عليها الأوروبيون وقلّة من الجزائريين؛ التجمعات السكنية والصناعية للمشروع التحديثي، وهي مدينة المجتمع الأوروبي الجديد بأطره ومستخدميه؛ الأحياء «العشوائية» وأحياء إعادة الإسكان. وأبرز ما يميز هذه الصورة لانشطار وانقطاع تواصل مكوناتها، وهو ما أكد لانفصام في عاقة الجزائريين بالتحديث، وكأن المدينة الحديثة بالنسبة إليهم أرض موعودة محرّمة، فهل فتح لاستقال

أبوابها أمامهم؟ وهل حاولت الدولة الوطنية الناشئة تأصيل التحديث والتخطيط أم أنها عمّقت

الظاهرة لانفصامية؟

- التخطيط البيروقراطي الشمولي بعد لااستقلال: أدواته وآثاره

استمر التخطيط العمراني بعد لاستقال (1962) كما أرادته الإدارة لاستعمارية نتيجة التبعية الثقافية والتقنية وثقل الإرث لاستعماري، فتبنت الدولة وأجهزتها البيروقراطية الإجراءات التنظيمية التي «لا تمس بالسيادة الوطنية» (كانون الأول/ديسمبر 1962). وكان لمكاتب الدراسات الأجنبية

(38) Robert Descloitres, Jean-Claude Reverdy et Claudine Descloitres, dirs., L’Algérie des bidonvilles: Le Tiers-monde dans la cité , Le Monde d’Outre-mer passé et présent. 2e série, Documents ; 6 (Paris; La Haye: Mouton et Cie, 1961). (39) Anne-Marie Faidutti-Rudolph, «Les Grandes lignes du développement urbain de Constantine,» Bulletin de l’Association de géographes français, vol. 38, no. 298 (Mars 1961), pp. 38-39. (40) Jean-Claude Reverdy, Habitations nouvelles et urbanisation rapide: Conditions écologiques de l’adaptation du logement en Algérie (Aix-en-Provence: Centre africain des sciences humaines appliquées, 1963), p. 13. (41)  La Municipalité d’Alger vous presente quelques images... Alger d’hier et d’aujourd’hui ([Alger: Revue municipale],

(42) Zeynep Çelik, Urban Forms and Colonial Confrontations: Algiers under French Rule (Berkeley: University of California Press, 1997), pp. 130-181.

والمحلية دور في مواصلة العمل بأدوات التخطيط ذاتها، وإن تغيرت التسميات، فتأكد تغييب المدينة الأصلية، وتواصلت التحولات المورفولوجية بإنجاز تجمعات سكنية في الضواحي وتجسيد أهداف مشروع قسنطينة التصنيعية التي قُدمت رمزًا للتنمية والتقدم وغُلّفت بغاف لاشتراكية، وهذا ما اقترن أيضًا بوهم التخطيط الشمولي (Tout planifié) الذي سار على دربه التخطيط العمراني في العالم بعد الحرب العالمية الثانية واستمر حتى أزمة دولة الرفاه (Welfare State) منذ ثمانينيات القرن العشرين. أُقيمت المناطق الصناعية والتجمعات السكنية ضمن برامج تنمية مرحلية سمحت بها دخول المحروقات، بينما لم تكن الأرضية مهيأة لاستيعاب حركية التحديث التي لم تحد من سلبياتها سياسات التوازن الجهوي والإصاح الزراعي، خاصة مع تركيز لاستثمارات والإنفاق في المدن التي امتصت الأموال والجهود المخصصة لبرامج التنمية. وأمام التحولات الناجمة عن حركية التحديث،

انكفأت المقاربة البيروقراطية على ذاتها وجرّدت المدينة من بُعدها المادي، وعِوَض «تشكيل »

المدينة الجديدة، ركّزت على برمجة الوظائف وتوفير العقارات لها ضمن تهيئة قطاعية مُ جزَّأة؛ وهي ظاهرة تخطيطية وصفها الجغرافي مارك كوت بقوله: «وإن استفادت المدينة من التطور والنمو، إلا أنه لم يكن يُنظر إليها كظاهرة عمرانية، فكانت مجالً لتهيئة لا تخضع لضوابط، وكانت السلطات العمومية تنجز تجمعات السكن الكبرى من دون التفكير في إنجاز المرافق التي تتطلبها، بينما كان أصحاب المشاريع الخاصة يبنون خارج القانون فوق أراض غير صالحة للبناء والتعمير». كان حجر الزاوية في منظومة التخطيط الشمولي والقطاعي مخطط التعمير التوجيهي)1990-1974(، وهو أداة لبرمجة الوظائف على المدى الطويل (خمس عشرة سنة) ووريث المخطط التوجيهي المُطبَّق في أواخر الفترة لاستعمارية، ويتميز مثله بالطابع البرمجي العام وإهمال

المعطيات المحلية وإغفال تكامل الأقاليم البلدية (Intercommunalité)

. ومن أهم نواقصه

كونه فعلً إدرايًا وتقنيًا، فيُقِرُّ المجلس البلدي المخطط الذي تنجزه مكاتب دراسات أجنبية ومحلية

(((4 بخصوص دور الدولة الجزائرية ذات التوجه لاشتراكي في مجال التهيئة العمرانية وهيكلة الإقليم: Abed Bendjelid,

Planification et organisation de l’espace en Algérie (Alger: Office des Publications Universitaires, 1986); Abed Bendjelid, Jean-Claude Brûlé et Jacques Fontaine, dirs., Aménageurs et aménagés en Algérie: Héritages des années Boumediene et Chadli: Actes du colloque, 24-28 Novembre 1991, Oran (Paris; Budapest; Torino: L’Harmattan, 2004), et Marc Cote: L’Algérie: Espace et société , cartogr. par Bouguessa Abdelbaki, Collection U. Série Géographie (Paris: Masson- A. Colin, 1996).

(((4 عبد الإله أبو عياش، «مشكات التخطيط في المدينة العربية،» ورقة قدمت إلى: المؤتمر الجغرافي الإسامي الأول (نظمه إدارة الثقافة والنشر بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسامية، الرياض، 1984)، ص.423

(45) Cote, L’Espace algérien , p. 225.

(((4 عادة ما تُستعمل للدلالة عليه التسمية الفرنسية: Plan d’urbanisme directeur (P.U.D.). (((4 باستثناء حاضرة الجزائر التي جمعت بلديات الجزائر الكبرى وأنشئت لها (1975-1970) هيئة تخطيط: (C.O.M.E.D.O.R.)

. (Plan d’orientation générale (P.O.G.)) وضعت مخطط التوجيه العام

بالتنسيق مع المصالح العمومية المحلية والمركزية، لتعود الموافقة لوزارة التعمير والسكن، وهو ما غيّب المنافسة في الدراسات، وجعل المخطط «أداة مركزية تقنية بيروقراطية» وليس «مشروعًا

عمرانيًا» يستند إلى شرعية سياسية وقوة القانون، فانفتح الباب أمام تجاهل الهيئات العمومية نفسها

لضوابطه. وفي انتظار وضع المخطط التوجيهي، أ قر في أغلب البلديات مجال أو مخطط تعمير مؤقت أقل صرامة وتفصيا، تحدد فيه لجان تقنية أراضي البناء المحجوزة للمرافق العامة، فكانت مخططات التعمير التوجيهية ومج لات التعمير المؤقتة أساسًا أدوات لحجز المواقع

مشاريع التنمية.

المخطط التوجيهي لمدينة قسنطينة (1961)، ويظهر التجريد في المساحات الوظيفية الملونة

(الأحمر للصناعة، الأصفر للسكن)

((4(نذكر من المكاتب المحلية مثا: مكتب دراسات الأشغال العامة والهندسة المعمارية والتعمير (E.T.A.U.)، والصندوق الجزائري لتهيئة الإقليم (C.A.D.A.T.) الذي يعود إنشاؤه إلى نهاية الفترة لاستعمارية ومشروع قسنطينة، والكوميدور (C.O.M.E.D.O.R.) بالنسبة إلى مدينة الجزائر، وابتداءً من سنة 1980 مركز الدراسات والإنجاز العمراني (C.N.E.R.U.)، والوكالة

الوطنية لتهيئة الإقليم (A.N.A.T.).

(49) Nadir Djermoune, «Dysfonctionnement et défaillance des instruments d’urbanisme en Algérie,» (Le Carnet de l’IRMC, Institut de recherche sur le Maghreb contemporain, 24 Février 2014), sur le site: <http://irmc.hypotheses. org/1421>.

(((5 تُستعمل عادةً للدلالة عليه التسمية الفرنسية: Périmètre provisoire d’urbanisation (P.U.P.).

(51) Alberto Zucchelli, Introduction à l’urbanisme operationnel et la composition urbaine , recueil des cahiers d’urbanisme, 1-3, 3 vols. (Hydra, Alger: Office des publications universitaires, 1983-1984), vol. 1. (52) Caisse Algérienne d’Aménagement du Territoire (C.A.D.A.T.), L’industrialisation de l’Est algérien (Bône, Constantine, Philippeville, Batna, Sétif, Bougie) (Alger: 3ème édition, Mai 1961).

وإلى جانب مخططات التعمير التوجيهية، كانت مناطق السكن الحضرية الجديدة (Nouvelles Zones d'habitat urbain (Z.H.U.N.)) أداة عملية تفصيلية لإنجاز المساكن، ولا تخضع بالضرورة ل طإإار البرمجي للمخطط، واستحدثت بتعليمة وزارية من دون إطار تشريعي أو قانوني أكدت التعامل الإداري مع المسألة العمرانية، بحجة استدراك التأخر في المساكن وتجهيز المدن. وكان طابعها لاستعجالي سببًا في تجاهل المخطط العمراني،

فكانت مناطق السكن الحضرية الجديدة أدوات إدارية تقنية تشرف عليها وزارتا السكن والجماعات المحلية، وتضع دراساتها مكاتب عمومية، وتنجزها مؤسسات بناء كبرى وطنية وأجنبية. كان من نتائج تركيز السكن في الضواحي انكفاء الوظيفتين التجارية والإدارية في المركز لاستعماري القديم الذي لا يتناسب حجمه مع مناطق السكن الجديدة، وقصور المدينة عن أداء وظائفها، وعجز مزمن في الخدمات والمرافق الملحقة بالسكن، فضا عن الآثار لاجتماعية للخيارات التصميمية المعتمدة. وكانت التوسعات السكنية، نظرًا إلى مقياسها وانتشارها

وانقطاعها عن جوارها، أداة التوسع ولانشطار العمراني ومظهره البارز، ومحرك التعمير الذي غيّر وجه المدينة نوعًا وكمًّا. وقد أحصى مارك كوت خمسًا وسبعين منطقة سكنية حضرية

منجزة أو في طور الإنجاز (1983)، يتعدى عدد مساكن كل منها الألف، فيما قدّر متوسط عدد مساكن المناطق السكنية المٌنْجَزة بأربعمئة مسكن؛ فهي مدن صغيرة ضاعفت حجم بعض

المدن، وسمحت بتحسين نسبي لظروف الإسكان، إلا أنها خيّبت الآمال على المستوى النوعي،

فتأخر إنجاز المرافق فيها، وظلت فضاءاتها العامة الداخلية والخارجية مهمَلة وتدهورت بسرعة

رغم حداثتها. لتمكين الهيئات العمومية من إنجاز مشاريع التنمية، ارتكز التخطيط على سياسة عقارية أمّمت أراضي

البناء لمصلحة البلديات، وجمّدت سوق العقار الحرة من خال « لاحتياطات العقارية البلدية»

(1990-1974) المستحدثة بأمرية رئاسية وضعت الأراضي الحضرية بين أيدي السلطة العمومية

(((5 حدثت أُبالتعميم الوزراري 00335 PU 75/2 (1975-02-19) المتعلق ب«مناطق السكن الحضري الجديدة (Z.H.U.N.). وتُلحق بها التحصيصات السكنية النظامية (Lotissements). وإلى جانب مناطق السكن الحضري الجديدة، كانت المناطق الصناعية

(Zones Industrielles) أداة تعمير أخرى أوجدها التعميم الوزاري 00753 PU 2/75 (30-04-1975).

(((5 أهم مكاتب الدراسات التي وضعت دراسات مناطق السكن الحضري الجديدة «الصندوق الجزائري لتهيئة الإقليم

(C.A.D.A.T.)»، ومن شركات البناء التي كُلّفت بإنجازها شركة D.N.C. الملحقة بالجيش.

(55) Farida Naceur et Abdellah Farhi, «Les zones d’habitat urbain nouvelles en Algérie: Inadaptabilité spatiale et malaises sociaux: Cas de Batna,» Insaniyat, no. 22: Pratiques maghrébines de la ville (2003), pp. 73-81. (56) Cote, L’Espace algérien , p. 150.

(((5 ممت الأراضي بعد لاستقال على مراحل أهمها: تأميم أراضي لاستعمار  أُ()1966 -1962(المرسوم -62 02) -10-22(

1962)، المرسوم -63 168 (1963-05-09، القانون -63 276 1963-(26-10)؛ الأمرية 102-66 (-05-06 1966) المتعلقة

بالأماك الشاغرة)؛ ثم أ ممت الملكيات العقارية الزراعية الكبرى بقانون الثورة الزراعية (الأمرية 73-71 (8 - -11 1971))؛ ثم امتد

التأميم إلى المدن وضواحيها بموجب لاحتياطات العقارية البلدية (communales foncières Réserves) (الأمرية رقم 74 - 26

لتُوزع لفائدة مؤسسات الدولة حسبما يقره المخطط التوجيهي أو مجال التعمير المؤقت، فشملت « لاحتياطات العقارية» المجال الحضري القديم، وذلك المخصص للتوسع المستقبلي لتسهيل إنجاز مناطق السكن الحضرية الجديدة، وكانت أداة لإعادة توزيع الملكية الحضرية. ورغم أنه سهّل

إقامة المشاريع العمومية، فإن تجميد سوق العقار وإطاق أيدي الدولة في استعمال الأراضي ألغيا الضوابط الضرورية لاستعمالها العقاني، وأخلّ بقيمتها الحقيقية، فيما كان اختيار مواقع المشاريع العمومية يفرض أحيانًا الفصل بين طلبات القطاعات العمومية من دون معطيات موضوعية وخيارات عقانية، وإنما لاعتبارات سياسية أو ذاتية. ظلت حركية التحديث بعد لاستقال – كما كانت في الفترة لاستعمارية - فوقية إدارية مُحْتَكرة،

غُيِّبت عنها قوى المجتمع، فتعمّقت الحالة لانفصامية وأزمة التحديث والتخطيط التي تجلّت

في الهوة بين الخطاب السياسي والتقني حول المدينة من جهة وواقعها المادي ولاجتماعي من جهة أخرى، فتقابل المخططات النظرية حركية اجتماعية واقتصادية أوجدت مدينة منشطرة تطبعها عامات الفوضى ولاستعم لات غير المشروعة للفضاءات. فإذا كانت المج لات العمرانية الجديدة حديثة مظهرًا ووظيفةً، فإن صورتها لم تكتمل، وكأنها فسيفساء مشوّهة تؤلفها:

التجمعات السكنية في محيط المدن (مناطق السكن الجماعي والتحصيصات السكنية)، والمراكز العمرانية القديمة، والمرافق الكبرى، والمنشآت القاعدية، والمناطق الصناعية، وجيوب السكن العشوائي. وقام هذا الواقع المنشطر على أسس منهجية ما زالت حاضرة في ممارسات التخطيط المعاصرة رغم محاولات الإصاح وتبدل الخطاب، وهي عُقد أزمة التحديث والتخطيط التي

وجب فك.ّها

أسس التخطيط الشمولي مفتاح فهم المج لاات العمرانية المعاصرة - تغيّر مقياس وطبيعة المدينة وتجريدها وتبسيطها

قام نموذج التهيئة المعتمد على لانتشار العمراني (UrbanSprawl) والتخطيط المفتوح (Open-planning)، فانعدمت الضوابط المورفولوجية، وبُذّر المخزون العقاري، وتعقّد النقل

بين المركز والضواحي، وعجزت المرافق العامة عن تلبية حاجات سكان الضواحي، وهي ظواهر حاضرة بقوة في المدن العربية والجزائرية الكبرى، وعلى وجه الخصوص مدينة الجزائر. ولما

(58) Abderrahim Hafiane, «Normes d’urbanisme et pratiques urbaines: Pistes de réflexion,» dans: Agnès Deboulet et Michèle Jolé, eds., Les Mondes urbains: Le Parcours engagé de Françoise Navez-Bouchanine , Hommes et sociétés (Paris: Éd. Karthala, 2013), p. 160.

(((5 تقابله فكرة «تحديد النمو العمراني» (Seuils de croissance) المرتبطة بإشكالية البيئة والتنمية المستدامة:

Ewa Berezowska-Azzag, «La Notion de seuils de croissance urbaine comme enjeu stratégique du projet urbain,» papier présenté a: Actes du Colloque: Développement urbain durable, gestion des ressources et gouvernance (Université de Lausanne, 21-23 Septembre 2005), pp. 25-26. (60) Fawzi Boudaqqa, «Etalement urbain de la périphérie algéroise,» dans: Alger, les nouveaux défis de l’urbanisation , sous la dir. de Ali Hadjiedj, Claude Chaline et Jocelyne Dubois-Maury; coordination Sahar Djedouani (Paris; Budapest; Torino: L’Harmattan, 2003).

كانت مساحة التوسع العمراني في الأطراف تفوق مساحة المدينة القائمة التي تبلورت على مدى قرون، فنحن بصدد مدن «جديدة» نشأت منفصلة ومختلفة مقياسًا وشكا ووظيفة، وغاب في

تخطيطها المستوى التفصيلي المُننْتج للفضاءات النوعية، وتوارت فيها مكونات المدينة التاريخيةِ

من شوارع وساحات تتصل بالمباني بعاقة مورفولوجية محددة، واستبدلت بطرق مواصات

تتوسطها فراغات فسيحة مبنية وغير مبنية منقطعة بعضها عن بعض، في الوقت الذي أ هملت فيه

المراكز القديمة التي لم تُسَنّ لها أداوت تعمير خاصة. وعِوَض مواجهة الواقع بنظرة براغماتية،

لجأت النخب التخطيطية إلى تبسيطه بحثًا عن أمن فكري وهمي عمّق لانفصام، وكرّس التجريد في

تقييم المعطيات والتبسيط في تحليل الظاهرة العمرانية المركّبة، فانقطع الخطاب التقني الحداثي عن الواقع المعيش، وتعامل مع المدينة نظريًا وتقنيًا، وأسقط عليها مفاهيم نمطية؛ فالمشروع العمراني

يتحدد بحجمه قبل شكله ومضمونه، لاعتبار المدينة آلة وظيفية وليست بناءً حضاريًا وظاهرة

مادية محسوسة. يظهر التجريد والتبسيط في تحليل الظاهرة العمرانية في التقنيات التبسيطية لرسم المخططات باستعمال الألوان للتفريق بين المج لات الوظيفية ومحو مكونات النسيج العمراني كأشكال مادية، فأصبحت المشاريع العمرانية مساحات مجردة فوق الورق، فقيرة من حيث التركيب والشكل بعد إنجازها، وهذا ما ساهمت فيه منهجية وضع مخطط التعمير التوجيهي أحادية لاتجاه من دون تصحيح رجعي، بحسب أربع مراحل متتابعة: تحدد الأولى الأهداف في مجال السكن والتشغيل وقدرات لاستيعاب، وتضع الثانية سيناريوهات التعمير المستخلصة من المرحلة الأولى، وتتم في المرحلة الثالثة مشاورة محدودة بين السلطات العمومية لاختيار أحد السيناريوهات. أما المرحلة الأخيرة، فتُفصِّل السيناريو

المعتمد ليصبح أداة التعمير (المخطط) التي يُخيّل لواض عِها أنه ألمّ بمختلف الجوانب، بينما هو في

الواقع حبيس منهجية مبسطة مغلقة على ذاتها لا تسمح بتصويب الخيارات.

- البرمجة الكمية والتجزئة الوظيفية وتغييب المدينة كظاهرة مرتبطة بالموقع والزمان

انصب لاهتمام على إنجاز المساكن بمنطق كمي برمجي بحسب تقنيات بناء سريعة ونمطية،

فكانت النتيجة أشكالً معمارية باهتة، وتقطيع أوصال المدينة، واختالها مورفولوجيًا واجتماعيًا،

وتأزيم عاقة الإنسان بمجال سكنه. كما استُبدل تنوع لاستعم لات المعهود في المدن التاريخية بالأحادية والتجزئة الوظيفية التي أحدثت ثورة في طبيعة المدينة، فيسود السكن في هذه المنطقة،

(((6 ظل لاهتمام بالقطاعات العمرانية التاريخية هامشيًا، فتأخر سن مرسوم خاص بها إلى سنة 1983 (المرسوم 83 - 684

(-26 -11 1983)) الذي حدد باقتضاب شروط التدخل في النسيج العمراني القديم وعمليات التخطيط المختلفة المتعلقة به.

(62) Enrico Chapel, «Les Architectes et l’objectivation de l’urbain: La Carte statistique au centre de l’action urbanistique,» dans: Frédéric Pousin, dir., Figures de la ville et construction des savoirs: Architecture, urbanisme, géographie (Paris: CNRS, 2005), pp. 173-183. (63) Zucchelli, pp. 252-301. (64) Reverdy, p. 13.

والص ن اعة في تل ك، والخ دمات في أخرى، ولا تت ص ل هذه «الم ن اطق » (zones) الوظيفية بعضها ببعض، ويسود فيها خطاب معماري مجرد ومبسط ينفي التنوع ولا يُعنى بالتفصيات وجماليات العمارة، ويرفض النظرية المعمارية الكاسيكية القائمة على الموازنة بين الشكل والوظيفة، ويستبدلها بيوتوبيا وظيفية شمولية تُلغي المدينة كظاهرة مرتبطة بالموقع (المكان) والزمان (المدينة كظاهرة تاريخية)، وتعوضها بالمنظومة النظرية للحركة الحداثية في العمارة والعمران، وتحديدًا نسختها الوظيفية (Fonctionnalisme)، فغدت المدينة ظاهرة تقنية يُخيّل لمخططها إمكانية التحكم فيها

آليًا بالبحث عن لاختاللت الوظيفية لتصحيحها، وتنظيم المناطق والمباني والمواصات والوظائف

تحقيقًا للنجاعة الوظيفية ولاقتصادية وسيولة التنقل والمبادلات والإنتاج وسوق العقار والمساكن والقوة العاملة. ولأجل ذلك يُقسم المخطط المدينة إلى مناطق تُسنّ لها نظم إدارية وقوانين مُلزمة ومعايير كمية، فتتوحد أنماط السكن وصورة المدينة، ويُوزّع السكان والوظائف في مناطق تصل بينها شبكات النقل والتواصل.

عمارات سكنية في مدينة قسنطينة (1970) تبيّن حجم المشاريع السكنية وفقر الخطاب المعماري وانعدام التواصل مع المحيط

(65) Vanessa Clairet, «La Ville moderne: L’Utopie d’un Art total,» Cités: Philosophie, Politique, Histoire , vol. 42, no. 2 (2010), pp. 69-76.

(((6 أجمل «ميثاق أثينا» (Charte d’Athènes) نظرية «المدينة الوظيفية» المنبثقة في النصف الأول من القرن العشرين عن المؤتمرات الدولية للعمارة الحديثة (C.I.A.M.)، وتبنّت هذه الأفكار النظرية بعد الحرب العالمية الثانية الدوائر القائمة على تخطيط

المدن، وأعطتها منحى تقنيًا وبيروقراطيًا ضمن المخططات التوجيهية للمدن. وقد حرّر المعماري لوكوربوزييه «ميثاق أثينا» بعد

المؤتمر الدولي للعمارة الحديثة المنعقد في أثينا (1933)، وتعددت طبعاته بعد ذلك:

Le Corbusier, La Charte d’Athènes, Avec un Discours liminaire de Jean Giraudoux (Paris: Kraus reprint, 1943). (67) Manuel Castells and Gustavo Cardoso, eds., The Network Society: From Knowledge to Policy (Washington, DC: Center for Transatlantic Relations, Paul H. Nitze School of Advanced International Studies, Johns Hopkins University, 2006), and Manuel Castells, La Société en réseaux: L’Ere de l’information , trad. de l’anglais par Philippe Delamare; préf. par Alain Touraine (Paris: Fayard, 1998), p. 14. (68) Michel Fournel: <www.skyscrapercity.com>.

وُصف هذا النوع من التخطيط بالبيروقراطي الشمولي لإغفاله عبقرية المكان والجوانب

الشكلية والمحتوى البشري والأبعاد التراثية والمقاييس التخطيطية الصغرى، ولارتكازه على

مخططات تنجزها مكاتب دراسات تتجاهل الخصوصية المحلية وتعتمد أشكالً جاهزة لاستعمال تستجيب للجمالية الحداثية المبسطة وتقنيات البناء الصناعية، فيُمسح الموروث

العمراني بتجاهل دور التراث في المنجزات الحديثة ماديًا ومعنويًا. وكان من نتائج تغييب المدينة

كظاهرة مكانية وزمانية إهمال قطاعاتها التاريخية، لأن «المدينة الجديدة» لا تقوم إلا بمسح القديم ماديًا ومعنويًا (Tabula rasa)، ولا تتأسس إلا على «أنقاضه» بحسب المنطق اليوتوبي

الحداثي.

- إهمال المركزية الحضرية والعلاقة بين القديم والجديد

أخلّ التركيز على التوسع العمراني وإهمال المدينة التاريخية بتوازن المج لات العمرانية، وأحدث قطيعة بين التوسعات الجديدة والمراكز الحضرية القديمة التي كانت مؤهلة لاحتضان الحياة الحضرية. وهذا ما يطرح أزمة المركزية (Centralité urbaine) التي تؤثر في أداء المدينة لوظائفها وسيولة الحياة فيها؛ إذ بقي المركز العمراني الموروث عن الفترة لاستعمارية على حاله مورفولوجيًا

بينما لم تغادره الوظائف الإدارية ولاقتصادية والثقافية والخدمية، مع فارق كبير في السكان ولامتداد والمقياس. ويُظهر بقاء مراكز المدن على حالها شكا ووظيفة تأخُّر النخب الحاكمة

والتخطيطية في إعادة تصور المدينة لتركيزها على مواكبة آثار التنمية، ومسابقة نمو السكان وتزايد حاجاتهم بإقامة المناطق السكنية الجديدة في الأطراف من دون اعتبار لمآل المناطق التاريخية، وتكامل مكونات المجال العمراني القديمة منها والجديدة، وقدرات استيعاب المواقع للتوسع العمراني. ترتبط أزمة المركزية الحضرية بإشكالية التراث العمراني، وخصوصًا المدينة الإسامية الأصلية

التي تقلصت بناياتها، التي أجّرها مُ اّ كها الأصليون وأهملوها، في ظل المعوقات التقنية

والإدارية والقانونية التي تواجه مشاريع إعادة التأهيل، وأهمها مسألة الملكية، رغم بعض عمليات الترميم أو التجديد الإشهارية المعزولة، في وقت أصبح فيه السكن في المدينة القديمة وفي الأحياء العشوائية استراتيجيا للحصول على سكن في التجمعات السكنية الجديدة. وتمثّل هذه العاقة المتأزمة بالمدينة القائمة والتراث العمراني أحد أبعاد الحالة لانفصامية.

(69) Albert Lévy, «Recherche urbaine et recherche urbanistique,» Métropolis, no. 103: Humeurs d’urbaniste (1995), p. 13.

(((7 فوزي بودقة، «نظام المركزية بمدينة الجزائر بين الأحادية والحاجة إلى التطوير،» ورقة قدمت إلى: الملتقى الدولي الثاني لتسيير المدن، كلية تقنيات تسيير المدن، المسيلة،.)2006(

(((7 انظر، مثا: Fatiha Benidir, «Urbanisme Et Planification Urbaine (Cas De Constantine),» (Thèse de Doctorat d’Etat, Université Mentouri Constantine, 2007), p. 163.

- عقدة احتكار الدولة للمشروع التنموي

زاد من حدّة الحالة لانفصامية تصوّر الدولة ونخبها التخطيطية دورها في حركية التحديث

منفصا عن المجتمع، واحتكارها لها كوريثة للدولة لاستعمارية. ويمثّل لاحتكار مفتاح فهم طبيعة المدينة الجزائرية، خاصة أنه ما زال حاضرًا – رغم التحول النظري

إلى اقتصاد السوق- من خال عرقلة نشأة قوى اقتصادية مستقلة وتجميد المنظومة المؤسساتية؛ فالدولة الوطنية، مثلها مثل الدولة لاستعمارية قبلها، اعتبرت أن التحديث لا يتحقق إلا من خالها، فجمّدت روح لابتكار والتجديد والمبادرة ولاستقالية في

اتخاذ القرار.

يمثّل العقار جوهر إشكالية لاحتكار؛ فقد أُلغيت ضوابط استعمال السلطة العمومية ل رأأاضي، بحجة توفير المواقع للمشاريع العمومية، في مقاربة مركزية احتكارية للتنمية والتحديث، عطلت التكفل الذاتي للمجتمع بمشكاته، وفتحت الباب أمام لاستعمال غير العقاني ل رأأض وتجاوز القوانين. وعلى مستوى لاستثمار، ركزت سياسة الدولة المركزية لاستثمارات الصناعية ولاقتصادية في المدن الساحلية الكبرى التي نمت على حساب غيرها والمجال الريفي، وهو ما دفع في مرحلة ثانية إلى محاولة تحقيق توازن نسبي في شبكة المدن، فشهدت المدن الداخلية المتوسطة بدورها

ثورة عمرانية كميّة ونوعية، في وقت تفاقمت فيه مشكات النمو في المدن الساحلية المستقطبة

للنشاط والسكان.

(((7 لإظهار قدرتها على مضاهاة الدولة لاستعمارية، سعت الدولة الوطينة لجعل الحداثة ولاستقال ظاهرين في المجال

العمراني، فتبنت «الأشكال» التي ورثتها عنها: Sandy Isenstadt and Kishwar Rizvi, «Introduction: Modern Architecture and the Middle East: The Burden of Representation,» in: Sandy Isenstadt and Kishwar Rizvi, eds., Modernism and the Middle East: Architecture and Politics in the Twentieth Century , Studies in Modernity and National Identity (Seattle: University of Washington Press, 2008), p. 22. (73) Samir Bellal, «Problématique du changement institutionnel en Algérie,» Revue Algerienne des Sciences Juridiques, Economiques et Politiques (nouvelle série), no. 1 (2011), pp. 43-71.

(((7 عُرف هذا النموذج، الذي تمثِّل الحداثة التخطيطية أحد أوجهه، في الأدبيات الغربية بالنموذج الكمالي (Kemalism) نسبة

إلى تجربة كمال أتاتورك في تركيا، والتي تبعتها تجربة رضا شاه بهلوي في إيران، ثم التجربة الناصرية في مصر ثم تجارب أنظمة عربية (الجزائر، سورية، العراق، ليبيا، تونس...) اعتبرت أن تحديث المجتمع وعلمنته (Secularisation) لا يتحققان إلا بإرادة الدولة وقيادتها. ورغم المأزق الذي آلت إليه، رأى بعض المنظرين في الغرب ضرورة تشجيع هذه التجارب من منطلق أن التحديث يجب أن يسبق الديمقراطية، وهي الفكرة التي عبّر عنها برنارد لويس مثلً: The Emergence of Modern Turkey Bernard Lewis,

(London: Oxford University Press, 1961), p. 293.

(((7 الميثاق الوطني (1975)، والمخطط الرباعي الثاني (1974)، والمخطط الخماسي الأول.)1980((((7 تم ذلك بالترقية الإدارية لمدن ثانوية إلى عواصم للولايات، واعتماد سياسات «تنمية الهضاب العليا» و«الامركزية» و«التوازن الجهوي». وقد أنجزت حوصلة نقدية لهذه السياسة العمرانية: وزارة التجهيز والتهيئة العمرانية، الجزائر غدًا: ملفات التهيئة العمرانية (الجزائر: الوزارة،.)1995

إحدى ضواحي مدينة قسنطينة السكنية حيث تنتشر العمارات السكنية الكبيرة من دون ضوابط أو حدود مورفولوجية (1970)

من جهة أخرى، ربط التسيير المركزي القطاعي لميزانية الدولة المشاريع بمخصصات مالية وأنماط معمارية موحدة بحسب الوظيفة وتقنيات البناء، بحجة التحكم في التكلفة وشغل الأرض. وانعكس ذلك

في استنساخ بيروقراطي تبسيطي وغير مُنسَّق للبرامج على الأرض، فأ نجزت العمارات السكنية والمرافق

نفسها من غير اعتبار للخصوصية المحلية. وشك لت وما زالت تشكّل هذه المقاربة القطاعية المجال الجزائري، واعتُمد فيها على مكاتب دراسات مركزية أو أجنبية، فيما انحصر دور الكفاءات المحلية في مهمات تقنية بسيطة، لينقطع معين الإبداع والتجديد. ولأن التنمية المُوجَّهة والمُحتكرة ارتبطت بميزانية الدولة والجباية البترولية منذ برامج التنمية الأولى، فإنها عجزت عن مواكبة النمو العمراني وتدارك تأخر إنجاز البرامج وتعمق الهوة بين التكلفة المبرمجة والتكلفة الحقيقية. وفي خضم ذلك، أ هملت المقاييس الصغرى والعناية بالتفصيات ونوعية المج لات الحضرية والمحيط بشكل عام.

(77) <www.skyscrapercity.com>.

(((7 أهم هذه القطاعات: الصناعة والبنيات القاعدية؛ والسكن: والصحة والتعليم. (((7 المخطط الثاثي (1967)، المخطط الرباعي.)1970(

(80) Maaouia Saïdouni, «La Fin du «Tout Planifié» et le retour des échelles mineures et de l’embellissement: Inerties et prémices,» papier présenté à: Colloque international sur l’aménagement urbain (Université des Sciences et de la Technologie H. Boumédiène, Alger, Avril 1998).

مفاتيح التغيير والحل بيّنت التطورات الحاصلة منذ تسعينيات القرن العشرين حدود المقاربة الشمولية وأدواتها،

وظهر توجه لحصر دور الدولة في الرقابة والتنظيم وتجاوز التنمية والتخطيط الخاضعين لإرادتها

الحصرية برمجةً واستثمارًا وإنجازًا وتسييرًا. وبرزت إشكاليات يمكن أن تتأسس عليها ممارسة

جديدة تفتح الباب أمام طاقات المجتمع لاقتصادية والفكرية المستقلة عن الدولة لتساهم في إعادة تصور وتشكيل المدينة، وتنتج حداثة جديدة واقعية براغماتية تكسر احتكار المشروع التحديثي وتجعله نابعًا من تطلعات المجتمع للديمقراطية ولاقتصاد الحر وإعادة لاعتبار

للتراث المحلي، رغم ثقل الموروث البيروقراطي ومقاومة قوى لاحتكار للتغيير من داخل الدولة وفي محيطها. وتشمل الإشكاليات المستجدة عالميًا ومحليًا، وهي مفاتيح التغيير

والحل لأزمة التحديث والتخطيط، أبعادًا ألغاها التخطيط الشمولي والحداثة الأيديولوجية،

فهي ردود فعل يمكن التأسيس عليها لمشروع مدينة «جديدة.»

من المدينة المُجرّدة إلى المدينة الصورة - المدينة كصورة إشهارية

من ردود الفعل على العجز النوعي للتخطيط الشمولي في العالم استبدال اليوتوبيا الحداثية بواقعية، من مظاهرها إعادة لاعتبار لجمالية المدينة والتعامل الإيجابي مع طبيعتها المُجَزّأة والمنشطرة كصورة

مركّبة وشخصية متشابكة ذات داللت ومقروئية ينسج من خالها السكان صات رمزية وعملية مع بيئتهم، فظهرت أفكار تصميمية لا ترفض لانشطار والتجربة والتغّير، وتعتبر المدينة شبكات من اليوتوبيات الجزئية وليس يوتوبيا وحيدة، وتركز على الأثر البصري للمباني والفضاءات، وتستعين بأشكال متجذرة في المخيّلة الجماعية، وتعيد لاعتبار إلى المقاييس التفصيلية، وتُأصِّ ل التهيئة

العمرانية محليًا. كما كانت «الحاجة إلى الجمال» إحدى نتائج الليبرالية الجديدة وحاجتها إلى عرض نجاحاتها في سياق إشهاري، فأصبح تحسين صورة المدينة في صلب المنافسة بين حواضر تحولت

(81) Djermoune, «Dysfonctionnement et défaillance des instruments d’urbanisme,» op.cit. (82) François Ascher, Les Nouveaux principes de l’urbanisme , Les Rencontres du nouveau siècle (La Tour d’Aigues: Éd. de l’Aube, 2001).

(((8 أسس لهذه الأفكار كتاب كولين رو وفريد كوتر الذي يُعتبر نقدًا لاذعًا ليوتوبيا الحداثة التي قامت بحسب مؤلفيه على فكرة

خاطئة عن العلم والتطور وإلغاء البُعد الشاعري والجمالي للمدينة: (Cambridge, Collage City Colin Rowe and Fred Koetter,

Mass.: MIT Press, 1983). (84) Françoise Choay, «Six thèses en guise de contribution à une réflexion sur les échelles d’aménagement et le destin des villes, » dans: Augustin Berque, dir, La maî trise de la ville: Urbanité française, urbanité nippone: Colloque tenu à l'Abbaye de Royaumont, 24-26 Avril 1989 , études japonaises; 2 (Paris: Ecole des Hautes Etudes en Sciences Sociales, 1994), pp. 45-53. (85) Timothy Mitchell, «Dreamland,» in: Mike Davis and Daniel Bertrand Monk, eds., Evil Paradises: Dreamworlds of

Neoliberalism (New York: New Press, 2007), pp. 1–33.

إلى صور إشهارية لجذب لاستثمار والأنشطة المنتجة للثروة، ومنها السياحة العالمية، وبُذلت الجهود في كبرى المدن لتجميل إطار العيش وتحسينه، وتقديم التراث والمشاريع الجديدة في أحسن صورة بالحرص على إقامة المنشآت التي تُعتبر رمزًا للحداثة والتقدم في مواقع تُسهّل رؤيتها مثل الواجهات البحرية وجنبات الطرق السيّارة، وكأنها لوحات إشهارية متصلة. ومن أفضل الأمثلة على

ذلك في العالم العربي مدينة دبي التي اجتهدت للظهور في الواجهة بمشاريع أُسند تصميمها إلى كبار المهندسين في العالم. ظهرت بوادر هذه المقاربة في «المشروع العمراني الكبير لمدينة الجزائر» (2000-1996) الذي كان نتيجة أزمة التركيبة لاجتماعية - العمرانية للمدينة خال تسعينيات القرن الماضي، إلا أنه عكس وعيًا بأهمية التجربة العالمية والتجديد العمراني في المنافسة الجهوية والدولية، فركز على إحياء

الصورة النمطية للمدينة «البيضاء»، وإطاق مشاريع تجميل، وتحسين «استعجالية» بالتركيز على الواجهة البحرية، ولاعتناء بالمساحات الخضراء، والحد من آثار المنشآت الطرقية، ولاهتمام بالآثار العمرانية، وإعادة تشكيل بعض الأحياء المركزية، مع الدعوة إلى اعتماد طراز معماري مستمد من العمارة النمطية لحي المدينة العتيق (القصبة) و«المدن المتوسطية»؛ إذ اقترنت الحاجة إلى الجمال بالحاجة إلى التراث وتسخيره لتحسين صورة المدينة باستنساخ أشكال من العمارة

(86) Lineu Castello, «Places à la Carte: The Packaging of Places and Urban tourism,» in: Moustafa, Al-Qawasmi and Mitchell, eds., Instant Cities.

(((8 تحرص السلطات العمومية في الجزائر على إقامة المشاريع التنموية التي تعكس تقدم الباد ونموها في أماكن تسهل رؤيتها مثل جنبات الطرق السيّارة. ومن الأمثلة على ذلك تعليمة رئيس الحكومة بأن تقام المشاريع التنموية الجديدة في مدينة

قسنطينة (2010) في المناطق التي يمر بها الطريق السيّار الجديد، لتحسين صورة المدينة وإبراز الجهد التنموي للدولة، وقد

وُضع المخطط العمراني الجديد على هذا الأساس: ع. ش.، «المخطط العمراني الجديد يوسع مدينة قسنطينة شرقًا،»النصر،

(88) Shahed Dayoub, «From Imagining Dubai to Imaging Dubai: A Transition in Urban Representational Ideologies from an Image of Dubai’s Architecture to an Image of its Urban Experience,» Paper Presented at: «The Ideal City: Between Myth and Reality. Representations, Policies, Contradictions and Challenges for Tomorrow’s Urban Life,» (The RC21 Internatioonal Conference, Urbino, Italy, 27-29 August 2015); Yasser Elsheshtawy, Dubai: Behind an Urban Spectacle, Planning, History and Environment Series (New York: Routledge, 2013), and Ahmed Kanna and Arang Keshavarzian, «The UAE’s Space Race Sheikhs and Starchitects Envision the Future,» Middle East Report , no. 248 (Fall 2008), pp. 34-39.

(((8 محافظة الجزائر الكبرى، الجزائر: عاصمة القرن الحادي والعشرين، 2 ج (الجزائر: [المحافظة]، 1998)، و Gouvernorat du

Grand-Alger: «La Stratégie d’aménagement et de développement de la Capitale et les axes du programme d’activité de l’année 1999,» (Rapport, Décembre 1998), p. 4, et Le Grand projet urbain (Alger: Urbanis, ANEP, 1997). (90) Larbi Icheboudene, «Vivre la ville, questions de repères: Contribution à propos d’Alger,» Papier presenté à: Séminaire international sur l’enseignement et la pratique de l’architecture (E.P.A.U., Alger, Avril 2001), pp. 342-343. (91) Gouvernorat du Grand-Alger, «La Stratégie d’aménagement,» p. 48. (92) Bureau detudes, Rapport de présentation et règlement du P.O.S. de la Marine (Alger: 1997).

(((9 «المسابقة الدولية لإعادة تأهيل حي القصبة».Gouvernorat du Grand-Alger, «La Stratégie d’aménagement,»

pp. 32-33.

المحلية يُعتقد أنها ترمز إلى هوية معمارية وطنية أو دينية، في سعي للحد من آثار العولمة والعمارة «الدولية»، مثل محاولات «الأسلمة» السطحية للطراز المعماري في مراكز الأعمال في دبي، والتي تظل إح لات معزولة للتراث تظهر في مشاريع رمزية أو مدنية لا تسمح بتجاوز التعارض بين الحداثة والتراث.

ورغم الجوانب الإيجابية للتعامل مع المدينة كصورة إشهارية، فإن خطره يكمن في لاعتقاد بأن تغيير واقع المجتمعات الحضرية يمكن أن يقتصر على المظهر، بحسب المنطق اليوتوبي، بينما ينبغي أن ينطلق الطرح الصائب من فكرة أن صورة المدينة ومكانتها الإقليمية والدولية إنما هما حصيلة واقع سياسي واقتصادي واجتماعي وحركية المجتمع وليس العكس، ومن أن صورة المدينة لا تختزلها واجهات المباني والمشهد العام وإنما تشمل أيضًا البيئة الحضرية بمفهومها الأوسع.

- مسألة البيئة الحضرية والتنمية المستدامة

ليست المدينة صورة فحسب، بل هي أيضًا بيئة مادية وبشرية. وفي هذا الشأن، تعاني المدينة الجزائرية، مثل أغلب المدن العربية، تأخُّرًا نتج من عدم لاكتراث بالبيئة، والتركيز على

المشكات الكمية المستعجلة، فتدنى مستوى الخدمات الحضرية، وتعطلت تأدية المدينة وظائفها بسيولة، وزادت التحديات التي تواجه التنمية المستدامة المأمولة؛ فخال ربع قرن (1970 1995-)، تزايدت مساحة التجمع الحضري لمدينة الجزائر ثاث مرات، وتضاعف عدد سكانها، وتدهورت المدينة التاريخية، واختنق المركز، وتأخر تطوير المنشآت القاعدية، وظهرت آثار سلبية على المحيط الطبيعي، وبرزت بؤر الإقصاء لاجتماعي والفقر، في جو عام تطبعه منذ تسعينيات القرن العشرين أزمة سياسية عميقة. وانطاقًا من هذه الحوصلة، برز اهتمام بالمنشآت القاعدية في شكل مراجعة مخططات التنقل، وتسخير وسائل نقل مائمة

للموقع (الترامواي والتيلفريك)، وط رحت مسألة تحديث وتوسيع الشبكات التي لم تتطور بوتيرة نمو المجال العمراني. كما ركز المشروع على المساحات الخضراء المهمَلة، وظهرت

(((9 مشاري بن عبد الله ومحمد بن جكه المنصوري، «تشكيل المدينة الحديثة وبناء الهوية الوطنية (دراسة لعاقة السياسة

بالعمارة في الإمارات العربية المتحدة)،» عالم الفكر (الكويت)، السنة 34، العدد 4 (نيسان/ أبريل-حزيران/ يونيو 2006)، ص (((9 من الأمثلة على ذلك وضع دليل عناصر العمارة التقليدية المحلية ليكون مرجعًا لمصممي المباني في مركز الأعمال، وإنشاء

لجنة للنظر في واجهات المباني، وإنشاء وحدة خاصة في إدارة البلدية للنظر في كيفيات إضفاء طابع محلي أو إسامي على المباني

(Traditional Building Unit of the Municipality): Deeba Haider, «The Growing Pains of Dubai: A City in Search of its Identity,» in: Jayyusi, General ed., p. 1074.

(((9 فوزي بودقة، «نموذج التنمية العمرانية المستدامة بمدينة الجزائر،» المجلة الجغرافية العربية (القاهرة)، العدد 50، ج 2 (2007)، ص.351-329 (((9 من المشاريع في هذا المجال: الطرق لالتفافية والسريعة، والمحولات والأنفاق، ومواقف السيارات، ومحطة النقل البري،

. Gouvernorat du Grand-Alger, «La Stratégie d’aménagement,» pp. 68-69 وتحسين منشآت وخدمات الميناء والمطار:

أفكار جديدة للحد من آثار التوسع العمراني، مثل حماية جيوب الزراعة في الضواحي وفكرة الحزام الأخضر.

أما بالن س ب ة إلى الب ي ئ ة الب ش رية، فق د أوجدت آثار الت ه م ي ش لاجت م اعي (Urban relegation) مقاربة إعادة تأهيل متعددة الأبعاد ضمن ما يُعرف بإعادة إحياء الأحياء (Revitalisation des quartiers)

و«سياسة أو سياسات المدينة» (Politique(s) de la ville) التي ظهرت نسخة محلية لها في الجزائر خال أزمة التسعينيات السياسية والأمنية ولاقتصادية. وكانت هذه السياسات وخطابها من الوسائل التي سخّرها النظام السياسي لاستمرار في الوجود ومواجهة المشكلة الأمنية واسترجاع سلطة الدولة المهتزة، فركز المشروع العمراني الكبير لمدينة الجزائر على القضاء على مراكز العبور والسكن العشوائي المخلّ بصورة المدينة؛ إذ «لا يمكن – بحسب نص المشروع - تصور المجال الحضري مع بقاء هذه البثور الهجينة المتمثلة في السكن الهشّ عبر التجمع الحضري وضاحيته»، فسُنّت

برامج فرضها صندوق النقد الدولي، منها: برنامج امتصاص السكن الهش (R.H.P.)، وترقية السكن لاجت م اعي المُدعَّم (L.S.D.)، وبرنامج إعادة التأهيل التشاركي للتجمعات السكنية الكبرى،

و«الت ن م ي ة لاقت ص ادية ولاجت م اعي ة لأحي اء (» D.E.S.Q.) طبقًا لمفاهيم التقويم والإصاح لاجتماعي والصحة «المعنوية» (Hygiène morale)، التي توارت في أدبيات التخطيط المعاصرة لما تثيره من جدل سياسي، فجاءت في مسميات مبتكرة.

(((9 المصدر نفسه، ث.78-72

(99) Leila Msilta, «Populations stigmatisées à la périphérie algéroise, entre citadinité problématique et recherche d’identités: Le cas de la Cité des 617 logements à Draria,» Les Cahiers d’EMAM , no. 18: Urbanité et citadinité dans les grandes villes du Maghreb (2009), pp. 107-118. (100) Abderrahim Hafiane, «Eléments de lecture d’une politique de la ville en Algérie,» dans: Pierre-Robert Baduel, dir., La Nouvelle scène urbaine: Maghreb, France, USA , Hommes et sociétés (Paris: Karthala; Tunis: IRMC, 2011), pp.

(((10 جاء في المشروع العمراني الكبير: أن «الدولة القوية والحديثة تفرض سلطتها انطاقًا من قدرتها على تسيير حياة المجتمع،

وتنظيم حياة المواطنين، ولاحتياط للكوارث الكبرى، وتقديم يد العون للفئات الضعيفة من السكان، وفي حالات استثنائية، من

. Gouvernorat du Grand-Alger, «La Stratégie d’aménagement,» p. 33:»... قدرتها على ردع المخالفين

(((10 المصدر نفسه، ص.49 (((10 ما إن تحسن وضع الدولة المالي في بداية القرن الحادي والعشرين، حتى توقف العمل ببرنامج امتصاص السكن الهش

(2003)، وبرنامج إعادة التأهيل التشاركي للتجمعات السكنية الكبرى:)2004(Madani Safar-Zitoun, «Les Politiques

d’Habitat et d’aménagement urbain en Algérie ou l’urbanisation de la rente pétrolière?,» Papier présenté a: «Les politiques d’habitat et d’aménagement urbain en Algérie ou l’urbanisation de la rente pétrolière?,» (Réunion régionale a été organisée conjointement par l’UNESCO Beyrouth, l’Association Arabe de Sociologie, l’Institut des études des familles et du développement auprès de la Fondation du Qatar, Beyrouth, Octobre 2009), p. 2.

((10(تركز التنمية لاقتصادية ولاجتماعية ل حأأياء (D.E.S.Q.) على قطاعات السكن المهمشة، وذلك من خال مشاريع لتحسين إطار العيش، وإشراك السكان والجمعيات والخايا الجوارية. وتأثرت هذه السياسة إلى حد كبير بالمقاربة الفرنسية في هذا

المجال. بالنسبة إلى هذه الأخيرة، انظر:Le Développement social urbain: Constitution d’une politique Jacques Donzelot, (1982-1992) (Paris: Comité d’évaluation de la politique de la ville, 1992).

(((10 منها: « لاستراتيجية التعليمية لإعادة لاعتبار للذكاء والبدن» القائمة على إعادة تأهيل المنشآت التعليمية، وتنمية وسائل الترفيه، والرياضة الجوارية، وإعادة لاعتبار إلى الحياة الثقافية (المتاحف، المكتبات، قاعات العرض، المراكز الثقافية...)، ونشر وسائل التواصل الحديثة.

إذا كان طرح إشكالية صورة المدينة والبيئة الحضرية تطورًا نوعيًا، فإن التحدي الكبير الذي يواجهه

محليًا هو ضرورة تحوله من مجال الخطاب الذي لا يؤثر في الواقع إلى ممارسة عملية، في ظل نمو

عمراني متسارع أوجدته الحركية لاقتصادية الليبرالية التي تصنع المج لات العمرانية بوتيرة لا يرقى الخطاب التخطيطي والإجراءات التنظيمية والتحسينية لمواكبتها.

من المدينة المُوجَّهة إلى المدينة الليبرالية - مدينة قوى لااقتصاد والسوق

أوجد فشل التخطيط الشمولي ولاحت ك ار حركة إحي اء ليبرالية (Neoliberalism) دخلت من خالها المدن منافسة حادة على استقطاب لاستثمار والثروة والخدمات، فتبلور تخطيط خاضع للسوق (Market-Led Planning) يحصر دور السلطة العمومية في التنظيم والتقنين، وتتراجع فيه المخططات العمرانية أمام عمليات تخطيطية لا تخضع بالضرورة لمخطط مسبق، وإنما تقوم على انتهاز فرص لاستثمار والحوافز والإعفاءات لفائدة المشاريع الخاصة، في مقاربة تختلف جوهريًا عن التخطيط القائم على التحليل

والبرمجة. تتميز المدينة الناشئة عن قوى السوق بكثافة كمية ونوعية عالية للوظائف والبنايات تعكس غاء العقارات وندرتها، وتتناسب مع نفوذ أصحابها. ويظهر التوجه إلى تكثيف استعمال الأرض في الجزائر في عمليات الترقية العقارية وتحصيصات السكن الفردي الساعية إلى تحقيق أوفر الأرباح، فتتراص المباني على طول الشارع، وتُقسّم أراضي البناء إلى أقصى

الحدود، وتتعايش وظائف مختلفة في المبنى الواحد، فتتشكل المدينة من إضافات متتالية في «تطور طبيعي» يقوم على ملء الفراغ وليس على الفراغ. ولا يخفى على المتجول في المدن الجزائرية أنها نحت منحى «ليبراليًا»، فيما تحولت المخططات التوجيهية إلى مرجعية «ثانوية»

أمام قوى مستقلة أوجدت مج لات خارج دائرة التخطيط الرسمي، مع عجز الهيئات العمومية

(106) Maaouia Saidouni, Alger, les nouveaux défis de l’urbanisation , sous la dir. de Ali Hadjiedj, Claude Chaline et Jocelyne Dubois-Maury; coordination Sahar Djedouani (Paris ; Budapest ; Torino: L’Harmattan, 2003), p. 50. (107) Matthew Eagleton-Pierce, Neoliberalism: The Key Concepts, Routledge Key Guides (New York: Routledge,

(108) Tim Brindley, Yvonne Rydin and Gerry Stoker, Remaking Planning: The Politics of Urban Change (London: Routledge, 2005), pp. 140-141.

(((10 ارتبطت التحولات لاقتصادية الليبرالية والعولمة بالتخلي عن التخطيط المركزي ولاكتفاء الذاتي، ليحل محلها مفهوم

Martin Wolf, «Shaping Globalization,» Finance and Development , vol. 51, لانفتاح على الأسواق والمنافسة لتحقيق الرخاء: no. 3 (September 2014), p. 23. (110) Paul Claval et André-Louis Sanguin, dirs., Métropolisation et politique: Colloque, 10-13 septembre 1994, Paris , organisé par le Laboratoire espace et culture et la Commission de géographie politique du Comité national français de géographie, Géographie et cultures. Culture et politique (Paris; Montréal: L’Harmattan, 1997), pp. 37-51.

عن التسيير العقاري العقاني، وهذا ما يظهر في كثير من الضواحي التي بلغت كثافة استعمال الأرض فيها مستويات أخلّت بأدائها لوظائفها، وهي ظواهر تتقاسمها المدن العربية الكبرى، ولعل أفضل مثال لها هو مدينة القاهرة. وقد طاول الحرص على تكثيف استعمال الأراضي الخطابَ الرسمي، كما في المشروع العمراني الكبير لمدينة الجزائر، الذي أوصى

ب لاستعمال «الأمثل» ل رأأاضي في اختيار الوظائف وكثافة البناء، وأقر بأن ندرة الأرض، في قطاعات عدّة، وخاصة المركزية، توجب تشييد البنايات الشاهقة واعتماد أشكال معمارية وعمرانية مناسبة. وفي مسعى تحوير الخطاب التخطيطي ليتناسب مع طبيعة المدينة الجديدة القائمة على قوى لاقتصاد، برزت أفكار ومصطلحات طرحها المشروع العمراني الكبير، من قبيل ترقية الحاضرة السياسية والإدارية وحاضرة الأعمال (Métropole d’Affaires) لجذب شركات الخدمات المنتجة للثروة، وظهرت مفاهيم مستجدة، مثل الحوكمة، وتقليص دور أدوات التخطيط التقليدية (المخططات العمرانية)، والمرونة، ولاستشارة، وتقديم الحوافز والإعفاءات للمستثمرين وأصحاب المشاريع.

على أن ثقل الموروث البيروقراطي وضعف التجربة الليبرالية في الجزائر يحدان من أثر التحول من المدينة المُوجَّهة إلى المدينة الليبرالية، فما إن تحسنت مواردها في السنوات الأولى من القرن

الحادي والعشرين، حتى عادت الدولة بقوة إلى لاستثمار، وتأكد أن تراجعها في مجال التخطيط إنما كان اضطراريًا بسبب الأزمة لاقتصادية، وهذا ما يمثّل مؤشرًا سلبيًا على قدرة لاقتصاد الجزائري على

إنتاج الثروة على المدى الطويل وتحرره من ثقل الدولة والريع البترولي؛ فالحيز الضيق الذي تحتله قوى لاقتصاد المستقلة، والعجز عن تطوير اقتصاد ليبرالي متوازن، يضخمان دور الدولة وآثار تراجع مواردها على المدينة، وما إن تعجز عن تحقيق الصالح العام وتوفير الحد الأدنى من الخدمات، حتى تتدهور قطاعات من المدن وتتسع المج لات الخارجة عن الإطار الرسمي المقنن. ويمثل حلّ هذه المعادلة أهم التحديات المستقبلية التي تواجه المدينة الجزائرية والعربية.

- المسألة العقارية جوهر المسألة العمرانية

ازدادت أهمية المسألة العقارية كنتيجة مباشرة لتحول المدينة إلى حلبة منافسة اقتصادية. وتعكس مراجعة السياسة العقارية في الجزائر لانتقال من المدينة المُوجَّهة إلى المدينة

(111) Maouia Saidouni, «Le Problème foncier en Algérie: Bilan et perspectives,» Villes en parallèle , nos. 36-37 (Décembre 2003). (112) Eric Denis, «Cairo between Traces and Liberal Re-foundation: Demographic Stabilization, Extension of the Metropolitan Area, and the Renewal of Forms,» in: Jayyusi, General ed., p. 1097. (113) Gouvernorat du Grand-Alger, «La Stratégie d’aménagement,» p. 24.

(((11 المصدر نفسه، ص 15-11 و.17

الليبرالية؛ فقد ألغت السياسة العقارية والعمرانية الجديدة (1990) لاحتياطات العقارية البلدية، ولم تعد العقارات مجرد أرضيات للمشاريع العامة من دون اعتبار للموقع والقيمة والملكية، وأقر حق نزع الملكية لمصلحة الدولة وهيئاتها بتعويض مسبق بحسب قيمة الأرض الحقيقية، بما يحقق «الأمن العقاري» للمُاّ ك الذين استرجعوا حقوقهم

في الملكية. مع تحرير السوق العقارية وتراجع دور الدولة فيها لمصلحة فاعلين آخرين، نشأت وك لات عقارية خاصة تعمل على تهيئة الأراضي وبنائها وإعادة تسويقها، بما يؤثر في العرض والأسعار. وبرزت أنماط تعميرية أكثر كثافة، تعكس وعيًا بقيمة الأرض. كما ظهر توجه

لاستعمال المكثف ل رأأاضي في المشاريع السكنية العمومية وشبه العمومية، أو مشاريع «المدن الجديدة»، بحسب نموذج مخالف لما ساد في «مناطق السكن الحضري الجديدة» في المرحلة السابقة. مع ندرة أراضي البناء، زاد اهتمام السلطة العمومية بتشكيل مخزونها العقاري، وتأكدت أهمية

وضع سجات عقارية بلدية، وتجلّت عيوب التسيير الاعقاني للعقار العمومي وضرورة إصاحه. ولم يقتصر التحول على فقدان الدولة احتكار العقار، بل أصبح تخليها عن بعض عقاراتها ممكنًا أيضًا لإنجاز مشاريع لاستثمار والمنفعة العمومية.

وإذا كانت هذه التحولات تدفع باتجاه عقلنة استعمال الأراضي وإخضاعها لضوابط ضرورية لارتقاء بأنماط التعمير، فإن التسيير العقاني للعقار أعاقته أتوماتيزمات لاحتكار والتجاوزات في استعمال الأراضي من طرف الأفراد والمؤسسات، في ظل عدم لاستقرار

(((11 قانون التوجيه العقاري (القانون 25-90 (1990-11-18))، وقانون التهيئة العمرانية وتخطيط المدن (القانون 29-90 (1990-12-01))، إضافة إلى إجراءات ومراسيم تنظيمية، وجه الخصوص: المرسوم 177 والمرسوم 178 (28 مايو.))1991 ((11(فضا عن تكثيف شغل الأرض، ظهرت أشكال معمارية وزخرفية مبالغ فيها تعكس المكانة لاجتماعية، وهذا ما بيّنته

ربيعة بكار في مقالها عن البناء الذاتي في مدينة تلمسان. ويترافق البذخ المعماري في بعض الأحيان مع تعد على المجال العمومي

Rabia Bekkar, «Habitants (les) bâtisseurs à Tlemcen: Compétences et savoir-faire, »:وتجاهل للتنظيمات العمرانية

Annales de Recherche Urbaine , no. 66 (Mars 1995), pp. 60 - 71.

(((11 تعمّد المُشرّع إخراج السلطة البلدية من دائرة التسيير العقاري المباشر بإنشاء وك لات مختصة، وهي: الوك لات العقارية

المحلية (A.F.L.) المكلفة بالترقية العقارية وتثمين استعمال الأرض وتهيئتها طبقًا لقيمتها الفعلية، من خال إقامة تحصيصات اقتصادية (منخفضة الكلفة) أو ترقوية؛ ووكالة تحسين وتطوير السكن (A.A.D.L.) لتوفير معروض كاف من السكنات ذات الطابع لاجتماعي أو شبه اجتماعي. (((11 خُوِّل الوالي، الممثل المحلي للدولة، صاحية التنازل عن أراض عمومية لإنجاز المشاريع ذات الأولوية، ومنح حق

لامتياز عليها للمستثمرين، وتسهيل حصول المستثمرين على الأراضي بحيث يُحدد المعروض من الأراضي ووضعيتها القانونية

لتوضيح المشهد أمامهم (المرسوم التشريعي 12-93)1993-10-05(الخاص بترقية الاستثمار). واستكملت هذه المقاربة بإنشاء لجان دعم وترقية لاستثمارات (C.A.L.P.I.) على مستوى الولايات لمساعدة المستثمرين في الحصول على الأراضي وضمان المتابعة. وبهدف توضيح الوضعيات العقارية نصت التعليمة 1993-10-27 التعليمة و 1994-07-31 على تقنين عقود الملكية بالنسبة إلى أصحاب البناء الذاتي من جهة، والمراقبين العقاريين من جهة أخرى. انظر: وزارة التجهيز والتهيئة العمرانية، الجزائر غدًا.

السياسي والأمني، وضغط النمو العمراني، وصراع المصالح، وضعف وسائل الرقابة لدى الهيئات العمومية المحلية.

من مدينة المُخطَّط إلى المدينة المشروع - المشروع العمراني والمقاربة الجديدة للتخطيط العمراني

في موازاة تحرير سوق العقار، اعتمد قانون التخطيط العمراني والتهيئة (1990) الذي استُحدث أداتي ن تخطيطيتين هم ا: الم خ ط ط الت وجي ه ي للتهيئة والت خ ط ي ط الع م راني (P.D.A.U.) لاستشراف وتوجيه النمو على المدى البعيد، ومخطط شغل الأراضي (P.O.S.)، وهو مخطط تهيئة تفصيلي على

المديين القصير والمتوسط. وقد أ ضفي على هاتين الأداتين طابع قانوني مُلْزِم لمراقبة شغل الأراضي وتنظيمه. وحاولت المنظومة الجديدة التأسيس لمقاربة أكثر تعقيدًا، تشمل مقاييس مختلفة (مجموعة بلديات، البلدية، القطاع البلدي، الحي)؛ فالمخطط التوجيهي للتهيئة والتخطيط العمراني يمكن أن يشمل مج م وعة من الب ل ديات (Intercommunalité)، من منطلق استحالة عزل الإقليم البلدي عن محيطه في التخطيط، بينما يُعنى مخطط شغل الأراضي بالمقاييس الصغرى والجوانب النوعية والأشكال العمرانية وتأطير عمليات التجديد وإعادة التأهيل والتكثيف. على أن تفعيل مخططات شغل الأراضي كأداة للتخطيط النوعي يصطدم بالنظرة البيروقراطية التي تعتبره آخر حلقة وأقلها أهمية في عملية تخطيط «تنازلية» (Down-Up) تعطي الأولوية لمستويات التهيئة الكبرى والبرمجة الوظيفية، وتُهمل المستوى التفصيلي، ليظل لاهتمام بنوعية المج لات العمرانية هامشيًا خطابيًا،

كما تشهد على ذلك مشاريع السكن المتأخرة التي يغلب عليها المنطق الكمي. كما أن التحولات النظرية الإيجابية في المخطط التوجيهي للتهيئة مقارنة بسابقه (مخطط التعمير التوجيهي) لم تغير كثيرًا

واقع الدراسات المنجز أغلبها بحسب النمط القديم، وظل المخطط غالبًا شأنًا بلديًا، بينما يُفترض

التعاون والتضامن بين البلديات المتجاورة لحل إشك لات تسييرها وتجهيزها، خاصة مع تقلص التمويل العمومي. هذا ما يفرض إحداث نقلة نوعية جديدة تجعل مشروع المدينة لا يُختزل في مخطط جامد، وإنما يكون «مشروعًا» حقيقيًا ضمن مقاربة «مرنة» للتخطيط تقبل الطبيعة لانشطارية للمدينة المعاصرة،

وتقوم على أفعال تعميرية محدودة في المكان والزمان، تتخذ أشكال شتى، وتتقبّل أبعادًا ومعاني

((11(القانون رقم 29-90 (1990-12-01)، عُدّل بشكل طفيف في سنتي 2004 و.2005

(120) Saïdouni, «La Fin du «Tout Planifié», » p. 2, et François Ascher, Métapolis ou L’avenir des villes (Paris: Éditions Odile Jacob, 1995). (121) Marie-Christine Steckel-Assouère, dir., Regards croisés sur les mutations de l’intercommunalité: Actes du Colloque international Regards croisés sur les mutations de l’intercommunalité organisé les 30 et 31 mai 2013 à l’Université de Lorraine par le GRALE-CNRS; l’IRENEE et l’AdCF , préface de Gérard Marcou, GRALE (Paris: L’Harmattan, 2014). (122) Rodrigo Vidal Rojas, Fragmentation de la ville et nouveaux modes de composition urbaine , villes et entreprises (Paris; Budapest; Torino: L’Harmattan, 2002), p. 11.

متعددة، وتضم فاعلين عدة، ولا تخضع لزامًا لمخطط توجيهي عام بعيد المدى. وقد استُعمل للدلالة

على هذه الظاهرة التخطيطية مصطلح «الم ش روع العمراني» مفهومًا مض ادًا (Antithesis) للتخطيط

الشمولي وأداته «المخطط العمراني أو التوجيهي». لاحت بوادر التحول من المخططات التوجيهية إلى المشروع العمراني في الجزائر أولً من خال المشروع العمراني الكبير لمدينة الجزائر (2000-1996) وفكرة الأقطاب الستة، وبعده البرنامج لاستراتيجي لمدينة الجزائر (2010 - 2019)، ومشاريع تحديث بعض المدن في مناسبات ظرفية، مثل ما عرفته تلمسان عندما اختيرت عاصمة للثقافة الإسامية (2011)، وقسنطينة عندما اتُّخذت عاصمة للثقافة العربية (2015). كما سمح تحسن وضع الباد المالي في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بإحياء مشاريع كانت معطلة (مترو الجزائر، الطريق السيّار العابر للباد...) وإطاق

مشاريع معمارية كبرى مُهَيْكِلَة لتحديث صورة المدينة وأدائها الوظيفي، وجعلها ترتقي إلى معايير

النوعية العالمية، خاصة في مدينتي الجزائر ووهران، وبدرجة أقل مدينة قسنطينة. ونذكر على سبيل المثال، في ما يخص هذه الأخيرة، مشروع الجسر العماق، وفي ما يتعلق بمدينة الجزائر:

مشروع الواجهة البحرية الترفيهية لخليج المدينة (أُطلق سنة 2009)، ومحطة القطارات المركزية الجديدة، والمجمع السياحي غرب المدينة، وحديقة دنيا، والجامع الكبير، على أنه يُرجح أن يتعطل

بعض هذه المشاريع التي تموّلها الدولة بسبب الأزمة لاقتصادية الأخيرة، وهو ما يطرح مسألة تركيز

هذه المشاريع في أيدي الدولة وتهميش دور النخب التخطيطية والسلطات المحلية فيها، كما هو جار الآن، لأن في ذلك عودة إلى احكتار التخطيط بصورة جديدة.

- تجديد المفاهيم وكيفية التعامل مع المدينة المنشطرة

تدل مقاربة التخطيط من خال مشاريع متفرقة على تقبّل الطبيعة لانشطارية والمتغيرة للمدينة

المعاصرة، وهي المقاربة التي حاول توصيفها المعماري ريم كولهاس بأنها لا تقوم على الإرادة التنظيمية وفرض الأشكال المعمارية القارّة، وإنما على إيجاد الفرص المتاحة وانتهازها ضمن

حركيات ترفض الأشكال المُجمَّدة والنهائية، وتتعاطى مع الشبكات والفضاءات التي تنشئها المدينة

المعاصرة بهدف تكثيفها وتنويعها وإثرائها، وهو ما يمثّل إعادة تصور جذري لعاقة الإنسان المادية والسيكولوجية في المدينة.

(((12 همل المخطط التوجيهي خال فترة «المشروع العمراني الكبير  أُ» (2000-1996)، رغم اعتماده قبل ذلك بقليل (1995)، بحيث عبّر «المشروع العمراني الكبير» عن توجه لتجاوز التخطيط العمراني الإجرائي التوجيهي.

(((12 قطب تجاري؛ قطب إداري؛ قطب الأعمال؛ قطب السكن الحضري؛ قطب سياحي؛ قطب ترفيهي. ويُخص كل قطب

بمشاريع تهيئة تؤكد دوره الرمزي في تشكيل صورة المدينة الشكلية والوظيفية: Gouvernorat du Grand-Alger, «La Stratégie

d’aménagement,» pp. 28-44. (125) Hafiane Abderrahim, «Les Projets d’urbanisme récents en Algérie,» Paper Presented at: 43rd ISOCARP Congress, Antwerp, Belgium, 2007. (126) Raffaele Cattedra, «Les Grands projets urbains à la conquête des périphéries,» Les Cahiers d’EMAM , no. 19: Faire la ville en périphérie(s)? Territoires et territorialités dans les grandes villes du Maghreb (2010), p. 60. (127) Rem Koolhaas, ««The Generic City» and Whatever Happened to Urbanism?, from S, M, L, XL (1994),» in: Michael Larice and Elizabeth Macdonald, eds., The Urban Design Reader, 2nd ed. (New York: Routledge, 2012), p. 371.

نمو قسنطينة العمراني وطبيعته الانشطارية

كما ركزت النظرية العمرانية المُجدِّدة على «إصاح» الفضاءات الحضرية و«ترميمها» ضمن عمليات جراحية عمرانية هدفها إضفاء قدر من المقروئية على المج لات العمرانية بالرجوع إلى عناصر مستوحاة من الم دين ة الت اريخ ي ة، من قب ي ل التنظيم الم ح وري أو الت ن اظري والع لاقات الت راتب ي ة (Hierarchy)، وتكامل مقاييس التصميم، وإنتاج المجال العمراني في شكل «أجزاء» متكاملة ومتجانسة مورفولوجيًا،

يسهل تصميمها، فيكون «الجزء» أو الحي «منطقة مورفولوجية» ووحدة تصميمية تحل محل «المنطقة الوظيفية» المجردة التي اعتمدها التخطيط الشمولي. وفي هذا السياق ظهر توجه نحو تكثيف المج لات الحضرية بإعادة بناء قطاعات المدينة من «الداخل» لإحيائها وخلق مراكز عمرانية جديدة. أمّا على المستوى الوظيفي، فتم الترويج للتنوع الوظيفي في المناطق الحضرية وعلى طول الشوارع، بحيث يختلط السكن مع الأنشطة الأخرى، خاصة التجارية منها والخدمية، بهدف بث حيوية وظيفية تحد من الآثار السلبية للأحادية الوظيفية.

(((12 المعهد الوطني للخرائط، الجزائر،.2003

(((12 من الأمثلة على ذلك في مدينة الجزائر مشروع إحياء حي الحامة، الذي شُرع فيه في ثمانينيات القرن العشرين،

ويعكس تعطل إنجازه سنوات طوالً صعوبة مثل هذه المشاريع العمرانية عند انعدام الإرادة السياسية والمناخ المائم:

Abdessamed Berbar, «[Re]nouvellement urbain dans la ville d’Alger: Le Cas d’El-Hamma (Algérie),» (Master Architecture, EPFL, Lausanne, 2009).

وكان منتظرًا أن تكون مشاريع «المدن الجديدة» التي رُوّج لها في بعض الباد العربية مقياسًا لتطبيق

هذه المفاهيم المستجدة، إلا أن النتائج لم تكن على مستوى الآمال؛ ففي الجزائر أظهر النسيج العمراني المُنْتَج صعوبة التخلص من الممارسات السابقة، وأكد الظاهرة لانفصامية في التخطيط. فإذا أخذنا بعين لاعتبار تكثيف شغل الأراضي وارتفاع المباني كرد فعل على شح العقارات، يتضح لنا أن الكثافة في المدن الجديدة تظل كثافة كمية بسيطة لا ترقى إلى الكثافة المركّبة المعهودة في الأنماط العمرانية التاريخية. كما أن اعتماد الشوارع والفضاءات العامة كعناصر لتنظيم المجال في المدن الجديدة لا يرقى إلى إقامة عاقة مركّبة بين المبنى والشارع الذي يظل محورًا للتنقل وليس شارعًا تدب فيه الحياة والتفاعل؛ أمّا على المستوى الوظيفي، فإن المدن الجديدة تظل أساسًا تجمعات سكنية كبرى وتوسعات انشطارية أخرى للمدينة في أطرافها أو خارجها، وهو ما يؤكد مرة أخرى صعوبة التخلص من أوتوماتيزمات التخطيط الشمولي والتحدي الذي يواجه إعادة تشكيل المدينة.

- عقدة ديمقراطية التخطيط

من أبعاد المشروع العمراني المُجدّد إصاح عملية اتخاذ القرار وإشراك الفاعلين (المنتخبون، الفاعلون لاقتصاديون، الجمعيات المدنية، المواطنون) في مشروع تخطيطي جماعي لا يكون فقط آلية تقنية - بيروقراطية. لذا، انتشر بعض المفاهيم مثل مفهوم الحوكمة، الذي طرح تجاوز البنى الإدارية التقليدية، واستبدالها بهيئات دراسة وتسيير مرنة تُكلّف بمهمات خاصة (Organismes de mission)، يسمح لها حجمها وطرق تسييرها المرنة بالتصحيح الرجعي (Feedback) ولاستشارة لتحسين المشروع، فا يكون التخطيط عملية فوقية أحادية لاتجاه، ويتجاوز الضوابط المورفولوجية والوظيفية التي تفرضها أدوات التخطيط التوجيهية، لتوفير أحسن الظروف لاستقطاب المشاريع.

(((13 منظمة المدن العربية، «المدن الجديدة في الوطن العربي ودورها في التنمية المستدامة،»  مجلة المدينة العربية (الكويت)، العدد 94 (كانون الثاني/ يناير- شباط/ فبراير 2000)، ص.25-16 (((13 وزارة التجهيز والتهيئة العمرانية، الجزائر غدًا، ص.326-305

(132) France. Groupe central des villes nouvelles, Les Densités urbaines et le développement durable: Le Cas de l’Île- de-France et des villes nouvelles , réd. par Vincent Fouchier (Paris: Éd. du SGVN, diff. la Documentation française, 1998), p. 69.

(((13 أبرز مثال على هذه المدن الجديدة التي هي في الواقع توسعات سكنية خارج المدن، مدينة علي منجلي الجديدة جنوب

مدينة قسنطينة، ثالث المدن الجزائرية: Jean-Marie Ballout, ««Villes nouvelles» et urbanités émergentes dans les périphéries de Constantine et Marrakech,» L’Année du Maghreb, no. 12: Dossier: Villes et urbanités au Maghreb (2015), pp. 55- 74, et Lamia Zaki, dir., L’Action urbaine au Maghreb: Enjeux professionnels et politiques , Hommes et sociétés (Tunis: IRMC; Paris: Karthala, 2011), pp. 108-110.

(((13 قُ دمت على أنها: «نظام إدارة وتسيير للمجال يقوم على التواصل والحوار الدائم والتشاور وتنسيق المبادرات بهدف توحيد وإشراك جهود كل الفاعلين المؤسسيين لتحقيق مشروع مشترك:.» Gouvernorat du Grand-Alger, «La Stratégie

d’aménagement,» p. 11.

((13(نذكر مثلً مكتب الدراسات أوربانيس (Urbanis) التابع للهيئة العمومية للمدينة الجديدة سيدي عبد الله في ضاحية مدينة الجزائر، وإنشاء مؤسسات لامركزية ذات طابع صناعي وتجاري للإشراف على الخدمات العمومية: المصدر نفسه، ص.13-12

كان مرتقَبًا أن يضع مأزق مركزية واحتكار التخطيط في الجزائر في الواجهة إصاح عملية اتخاذ

القرار، على أن هذا التوجه ظل نظريًا، رغم استحداث أطر تشاورية وهيئات تشاركية محلية، مثل

«الخايا الجوارية» أو لجان الأحياء ضمن «سياسة المدينة»؛ فديمقراطية التخطيط لا يمكن أن تتحقق نظريًا وإجرائيًا فقط، فمن شروطها المنعدمة حاليًا: الديمقراطية المحلية، وسماع الأصوات

المُخالفة، وتحجيم لاحتكار الذي جعل السلطة العمومية فوق المجتمع وصيّة عليه؛ ومن شروطها

وجود جمعيات مدنية مستقلة تدافع عن مصالح السكان؛ ومن أبعادها تحرير سوق الدراسات، وتحقيق المنافسة في تصميم المخططات، وإنهاء احتكار مكاتب عمومية الدراسات بدعوى الأقدمية؛ فالأفكار النوعية يمكن أن يطرحها جيل لم تثقله ممارسات التخطيط الشمولي البيروقراطي الرسمي، ولو كانت المهمة صعبة لاستمرار النظرة لاحتكارية في دوائر اتخاذ القرار الكابحة للتغيير وإن اضطرت إلى تراجع مؤقت، ولثقل البنى البيروقراطية ووزن الإدارة (الوالي والمصالح الولائية) في تسيير شؤون المدن مقارنة بضعف المؤسسة المنتخبة المحلية (البلدية) سياسيًا وتقنيًا، وافتقارها إلى الموارد المالية

والتقنية، وكأنها إدارات تابعة للدولة.

تتصل بإشكالية تجديد حركية اتخاذ القرار إعادة تصور دور المهنيين، وعلى رأسهم المهندسون أصحاب الخبرة والوسطاء بين الفاعلين في العملية التعميرية للتوصل إلى حلول عقانية، وهذا ما يتطلب كسر قيود المقاربة البيروقراطية للتخطيط التي حصرت دور أكثرهم في مهمات إدارية، ويتوجب عليهم في المقابل مقاومة فكرة مترسخة بينهم مفادها أنهم المخولون وحدهم تحوير المج لات العمرانية، وتزويد المجتمع بمشروع لها بحسب منطق يوتوبي يتعارض مع تزايد تعقيد «المشروع العمراني» الذي لم يعد ممكنًا اختزاله في وثيقة تقنية وحصره في

مجموعة من المهنيين، لأنه مشروع جماعي ينتج من عملية أخذ ورد (Dual Process) تتفاعل فيها نظرة المهني المتخصص (المهندس، المخطط) ورغبات الزبون (الجماعة المحلية ومن ورائها المواطنون) لتتحقق ديمقراطية التخطيط. خاتمة: أزمة التحديث والتخطيط العمراني أزمة مجتمع وحضارة لا شك في أن المدينة الجزائرية تعيش، مثل أغلب المدن العربية، ظروفًا معقّدة وصعبة: فهي

ظروف معقّدة لانعدام نموذج متفَق عليه يحدد شكل المج لات العمرانية وطبيعتها، ويطرح

(((13 تمثّلها لجان الهندسة المعمارية والتعمير والمحيط المستنسخة من نظيراتها الفرنسية (C.A.U.E.). هذه اللجان تنشأ في

الولايات كجهاز استشاري يضم ممثلين للدولة ومجلس نقابة المعماريين وجمعيات تعمل في مجال يتصل بالعمارة والتعمير والمحيط، وتتمثّل مهمتها في تقييم مسائل العمران، وحماية المواقع التراثية والطبيعية، وتقديم المشورة للبلديات عند وضع

المخططات والقيام بعمليات التجديد وإعادة تأهيل النسيج العمراني والتأثيث الحضري...

(((13 وزارة التجهيز والتهيئة العمرانية، الجزائر غدًا؛ Gouvernorat du Grand-Alger, «La Stratégie d’aménagement,» pp. 45 et 49, et Agence Nationale de l’Aménagement du Territoire (ANAT), «Maîtrise et organisation de L’urbanisation dans l’aire métropolitaine d’Alger,» (1997), p. 5. (138) Nadir Boumaza, «Mutations urbaines dans les pays du Maghreb et transformation des approches et des métiers de la ville,» dans: Les metiers de la ville: Des métiers pour une gestion urbaine rénovée (Paris: L’Harmattan; INAU, 2002).

الإشكاليات المناسبة بعد فشل المشروع التحديثي في نسخته البيروقراطية الشمولية، وتحول المدينة في خضم الحركية الليبرالية إلى مسرح يتقاسم الأدوار فيه عدد من الفاعلين، وتتجاذبه فسيفساء من لاستراتيجيات والأجندات والتفاعات المتشابكة، وهي ظروف صعبة لأن المدينة الجزائرية والعربية مضطرة إلى دخول المنافسة العالمية والجهوية، في ظل العجز عن توفير ظروف عيش مقبولة كمًّا ونوعًا، وإيجاد بيئة حضرية لائقة جماليًا واقتصاديًا وإنسانيًا،

فتهجرها لاستثمارات المنتجة للثروة وإطار العيش النوعي لفائدة مناطق أكثر جاذبية في العالم، وتجد نفسها على هامش العولمة لاقتصادية والمعرفية، وتتأخر عن ركب الحضارة الإنسانية المعاصرة.

إن مفتاح تقويم هذا الوضع هو وعي النخب التخطيطية الجديدة بخطورته على مستقبل المنطقة العربية وبضرورة التعامل جديًا مع إشكاليات التغيير والحل التي تطرقنا إليها، والتي يؤمل أن تحقق قفزة نوعية

تطوي صفحة التخطيط الشمولي الحداثي الدوغماتي، لتسترجع المدينة صورة مقبولة وتتحقق فيها النجاعة الوظيفية، وتتافى مزالق التحول السريع من لاقتصاد المُوجّه إلى لاقتصاد الحر، وتهضم

الطبيعة المنشطرة والمجزأة للمج لات العمرانية، وتوفر حدًّا أدنى من الخدمات، وتخفف الضغوط على البيئة والتراث العمراني. اعتمدنا في هذه الدراسة مقاربة تبدو تاريخية، غير أنها تسلط الضوء على نقاط أساسية لفهم وضع المدن الجزائرية الوظيفي والجمالي والتنظيمي، ومن ورائها مدن عربية عرفت ظروفًا مشابهة. وهي

مقاربة فكّكت الأطر النظرية والتطبيقية التي أحدثت القطيعة الكبرى والتي تفسر – على المدى الطويل- لاخت لات الوظيفية والشكلية للمدينة الجزائرية المعاصرة وحداثتها، مقارنة بمثياتها في الباد المجاورة التي لم تعرف هزّات عمرانية مشابهة. وقد بدأت هذه الهزات خفيفة بادئ الأمر،

بتحوير الإدارة لاستعمارية لنسيج المدينة ومحيطها، وازدادت حدتها في نهاية الفترة لاستعمارية باستحداث مشاريع سكنية كبرى في الضواحي، ثم أصبحت عنيفة بعد لاستقال بإطاق المشاريع التنموية وبما أوجده التخطيط «البيروقراطي الشمولي» من أشكال فجّة في الأطراف، في وقت

أُهملت فيه المدينة التاريخية، فتشكلت مج لات منشطرة مورفولوجيًا واجتماعيًا لا مجال لمقاربتها

بأدوات التخطيط التقليدية، بل وجب ابتكار أخرى تناسب طبيعتها. كما تأثرت عاقة الإنسان

بالتحديث والمدينة التي أصبحت جسمًا ضاغطًا عليه. أمّا التحديث الذي كان يؤمل أن يفتح أمامه

أبواب الرفاه ولاستقرار، فكأنه تحوّل إلى نقمة وظل غريبًا عنه، وهذا ما عبّرنا عنه بالظاهرة لانفصامية

التي هي شرخ ثقافي طاول الذهنيات وأزّم عاقة النخب والمجتمع بالمدينة، بينما عجز التخطيط المُثْقَل بإرث ماض قريب احتكرت فيه الدولة دواليب المجتمع، عن التحكم في تحولاتها ورسم

صورتها المستقبلية.

(139) Hasan-Uddin Khan, «Transformations, Identity, Globalization and the Contemporary Islamic City,» in: Jayyusi, General ed., p. 1035. (140) Françoise Navez-Bouchanine, dir., La Fragmentation en question: Des villes entre fragmentation spatiale et fragmentation sociale? , villes et entreprises (Paris; Budapest; Torino: L’Harmattan, 2002).

إن السياسات العمرانية التي لا تأخذ بعين لاعتبار هذا الشرخ الثقافي، الذي يشكل الإنسان محوره، ولا تطرح الإشكاليات المعاصرة الصحيحة التي حاولنا توصيفها، لن تسمح بمواجهة التحديات المطروحة على القائمين على شؤون المدينة العربية وتخطيطها، وعلى رأسها التعامل الإيجابي مع طبيعتها المُجزَّأة ولانشطارية، ولن تتحقق هذه النقلة النوعية في التخطيط إلا بحدوث نقلة نوعية

مجتمعية أشمل تُمكِّن قوى المجتمع المستقلة عن الدولة من التحرر لاقتصادي والسياسي، والدفع

باتجاه لاندماج في لاقتصاد العالمي والحداثة الإيجابية النابعة من قلب المجتمع وموروثه وليس من قرارات فوقية.

وفي الأخير يجب الإقرار بأن جوهر أزمة التحديث والتخطيط في الجزائر والعالم العربي يكمن في عاقة الدولة ونخبها بالمجتمع؛ فقد تصورت ذاتها منفصلة عنه، وصيّة عليه، مؤهلة لأن

تفرض عليه تحديثًا من دون حداثة ومن دون اعتبار لما يحدثه ذلك من انفصام وفك للصلة العضوية بالمكان والزمان، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى ترسيخ الظاهرة لانفصامية وإلى مرض فقدان الذاكرة (Amnesia) الذي يمثّل أخطر الأمراض الثقافية المهدِّدة للمجتمعات والحضارات التي تهمل نخبها معارف وخبرات، بل وحتى مشاعر وتصورات، اجتهدت أجيال في جمعها وتطويرها، فتستبدلها في حركية شعورية أو لا شعورية بأنماط غريبة تجتث من بيئات أخرى تحت ذريعة تحقيق التنمية، فيحدث لانفصام في حياة المجتمع والأفراد، الذين يسلمون مصائرهم إلى القدر لإقصائهم عن حركية التنمية والتحديث، وتكون النتيجة فراغًا عميمًا وقيمًا مختلطة، وتدخل الحضارة منزلقًا – يمثّل اختال المجال العمراني أحد

أبعاده - يقودها في الأخير إلى الزوال أو الذوبان في غيرها، وهذا ما يجعل أزمة التحديث والتخطيط في الجزائر والعالم العربي أزمة مجتمع وحضارة.

References

المصادر والمراجع

العربية

ابن عبد الله. مشاري ومحمد بن جكه المنصوري. «تشكيل المدينة الحديثة وبناء الهوية الوطنية (دراسة لعاقة السياسة بالعمارة في الإمارات العربية المتحدة».) عالم الفكر (الكويت): السنة 34، العدد 4، نيسان/ أبريل-حزيران/ يونيو 2006. ص 273 -.305

(141) Vali Nasr, Forces of Fortune: The Rise of the New Muslim Middle Class and what it will Mean for Our World (New York: Free Press, 2009). (142) Serge Latouche, «L’Exception occidentale au péril de la mondialisation,» dans: Yan Thomas [et al.], L’Exception dans tous ses états , savoirs à l’œuvre (Marseille: Éd. Parenthèses, 2007), p. 61.

((14(أطلقت جين جاكوبس على هذه الحركيات الخطِرة التي تعيشها الحضارات المتراجعة تسمية «العصور المظلمة»، مُعتمدة

العبارة التي أُطلقت على الفترة التي تلت انهيار الإمبراطورية الرومانية. وقد تناولت ما يتهدد الحضارة المعاصرة في أميركا الشمالية

. Jane Jacobs, Dark Age Ahead (Toronto: Random House Canada, 2004) بسبب تراجع قيمها:

الرياض،.)1984

(القاهرة:) العدد 50، ج 2، 2007. ص 329 -.351

الرياض: المعهد العربي لإنماء المدن،.1982

1998. ص 207 -.222

ص.230-177

ومفاهيم تاريخية. بيروت: دار الغرب الإسامي، 2000. ص.272-245

الأجنبية

أبو عياش، عبد الإله. «مشكات التخطيط في المدينة العربية.» ورقة قدمت إلى: المؤتمر الجغرافي الإسامي الأول (نظمه إدارة الثقافة والنشر بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسامية،

بودقة. فوزي، «نظام المركزية بمدينة الجزائر بين الأحادية والحاجة إلى التطوير». ورقة قدمت إلى: الملتقى الدولي الثاني لتسيير المدن، كلية تقنيات تسيير المدن، المسيلة،.2006 ______. «نموذج التنمية العمرانية المستدامة بمدينة الجزائر». المجلة الجغرافية العربية

حنفي، حسن. «فلسفة المكان،» في: أبحاث من ندوة المدينة العربية: خصائصها وتراثها الحضاري الإسامي 24 - 29 ربيع الثاني 1401 ه / 28 فبراير - 5 مارس 1981 بالمدينة المنورة.

خويص، منى. الأبواب المغلقة: دراسة حول أزمة التغيير في العالم العربي. بيروت: دار الفارابي،

سعيدوني، معاوية. «إشكالية العمران بمدينة الجزائر في الثاثينات.» البيان: السنة 1، العدد 3،

______. «التحديث العمراني نهاية الفترة لاستعمارية من خال المخططات التوجيهية لست مدن في الشرق الجزائري». عالم الفكر: السنة 41، العدد 1، تموز/ يوليو- أيلول/ سبتمبر.2012

سعيدوني، ناصر الدين. «مشروع قسنطينة: النتائج العاجلة والأهداف الإستراتيجية،» في: سعيدوني، ناصر الدين. الجزائر: منطلقات وآفاق، مقاربات للواقع الجزائري من خال قضايا

منظمة المدن العربية. «المدن الجديدة في الوطن العربي ودورها في التنمية المستدامة».  مجلة المدينة العربية (الكويت): العدد 94، كانون الثاني/ يناير- شباط/ فبراير 2000. ص.25-16 وزارة التجهيز والتهيئة العمرانية، الجزائر غدًا: ملفات التهيئة العمرانية. الجزائر: الوزارة،.1995

1. Agence Nationale de l’Aménagement du Territoire (ANAT). «Maîtrise et organisation de L’urbanisation dans l’aire métropolitaine d’Alger.» (1997). 2. Amestoy, Isabelle [et al.]. Le Monde des grands ensembles. Sous la dir. de Frédéric Dufaux et Annie Fourcaut; préf. de Paul Chemetov. Grâne; Paris: Éd. Créaphis, 2004.

3. Armstrong, Karen. Islam: A Short Histo ry. [s. l.]: Random House Publishing Group, 2007. (Modern Library chronicles) 4. Ascher, François. Les Nouveaux principes de l’urbanisme. La Tour d’Aigues: Éd. de l’Aube, 2001. (Les Rencontres du nouveau siècle) 5. Augé, Marc. Non-lieux: Introduction à une anthropologie de la surmodernité. Paris: Éd. du Seuil, 1992. (La Librairie du XXe siècle) 6. Baduel, Pierre Robert (dir.). La Nouvelle scène urbaine: Maghreb, France, USA. Paris: Karthala; Tunis: IRMC, 2011. (Hommes et sociétés) 7. ______. La Ville et l’urbain dans le monde arabe et en Europe: Acteurs, organisations et territoires. Paris: Maisonneuve et Larose; [Tunis]: Institut de recherche sur le Maghreb contemporain, 2009. (Connaissance du Maghreb) 8. Barthel, Pierre-Arnaud et Sylvy Jaglin (coords.). Quartiers informels d’un monde arabe en transition: Réflexions et perspectives pour l’action urbaine. Paris: Agence française de développement, 2013. (Conférences et séminaires; 07) 9. Bendjelid, Abed. Planification et organisation de l’espace en Algérie. Alger: Office des publications universitaires, 1986. 10. ______, Jean-Claude Brûlé et Jacques Fontaine (dirs.). Aménageurs et aménagés en Algérie: Héritages des années Boumediene et Chadli: Actes du colloque, 24-28 Novembre 1991, Oran. Paris; Budapest; Torino: L’Harmattan, 2004. 11. Benidir, Fatiha. «Urbanisme Et Planification Urbaine (Cas De Constantine).» (Thèse de Doctorat d’état, Université Mentouri Constantine, 2007). 12. Bianca, Stefano. Urban Form in the Arab World: Past and Present. Zürich: VDF, 2000. (ORL-Schriften; 46) 13. Boumaza, Nadir [et al.]. Villes réelles, villes projetées: Fabrication de la ville au Maghreb. Paris: Maisonneuve et Larose, 2006. 14. Brindley, Tim, Yvonne Rydin and Gerry Stoker. Remaking Planning: The Politics of Urban Change. London: Routledge, 2005. 15. Castells, Manuel. La Société en réseaux: L’ère de l’information. Trad. de l’anglais par Philippe Delamare; préf. par Alain Touraine. Paris: Fayard, 1998. 16. ______ and Gustavo Cardoso (eds.). The Network Society: From Knowledge to Policy. Washington, DC: Center for Transatlantic Relations, Paul H. Nitze School of Advanced International Studies, Johns Hopkins University, 2006.

17. Cattedra, Raffaele. «Les Grands projets urbains à la conquête des périphéries.» Les Cahiers d’EMAM , no. 19: Faire la ville en périphérie(s) ? Territoires et territorialités dans les grandes villes du Maghreb (2010). 18. Çelik, Zeynep. Urban Forms and Colonial Confrontations: Algiers under French Rule. Berkeley: University of California Press, 1997. 19. Chapel, Enrico. «Les Architectes et l’objectivation de l’urbain: La Carte statistique au centre de l’action urbanistique.» dans: Pousin, Frédéric (dir.). Figures de la ville et construction des savoirs: Architecture, urbanisme, géographie. Paris: CNRS,

20. Clairet, Vanessa. «La Ville moderne: L’Utopie d’un Art total.» Cités: Philosophie, Politique, Histoire: vol. 42, no. 2, 2010. pp. 69-76. 21. Claval, Paul et André-Louis Sanguin (dirs.). Métropolisation et politique: Colloque, 10-13 septembre 1994, Paris. Organisé par le Laboratoire espace et culture et la Commission de géographie politique du Comité national français de géographie. Paris; Montréal: L’Harmattan, 1997. (Géographie et cultures. Culture et politique) 22. Collaud, Agnès et Guillaume Pfefferle. «Schizophrénie urbaine: Des mondes entrelacés.» (Enoncé théorique de Master, Lausanne, EPFL, 2013). 23. Cote, Marc. L’Algérie: Espace et société. cartogr. par Bouguessa Abdelbaki. Paris: Masson A. Colin, 1996. (Collection U. Série Géographie). 24. ______. L’Espace algérien: Les Prémices d’un aménagement. Alger: Office des publications universitaires, 1983. 25. Dayoub, Shahed. «From Imagining Dubai to Imaging Dubai: A Transition in Urban Representational Ideologies from an Image of Dubai’s Architecture to an Image of its Urban Experience.» Paper Presented at: «The Ideal City: Between Myth and Reality. Representations, Policies, Contradictions and Challenges for Tomorrow’s Urban Life.» (The RC21 Internatioonal Conference, Urbino, Italy, 27-29 August 2015). 26. Deluz. Jean-Jacques. L’Urbanisme et l’architecture d’Alger: Aperçu critique. Liège: P. Mardaga; Alger: Office des publications universitaires, 1988. 27. Descloitres, Robert, Jean-Claude Reverdy et Claudine Descloitres (dirs.). L’Algérie des bidonvilles: Le Tiers-monde dans la cité. Paris; La Haye: Mouton et Cie, 1961. (Le Monde d’Outre-mer passé et présent. 2e série, Documents ; 6) 28. Eagleton-Pierce, Matthew. Neoliberalism: The Key Concepts. New York: Routledge, 2016. (Routledge Key Guides) 29. Elsheshtawy, Yasser. Dubai: Behind an Urban Spectacle. New York: Routledge, 2013. (Planning, History and Environment Series)

30. Foucault, Michel.  Dits et Écrits (Paris: Gallimard, coll. «Bibliothéque des Science humaine», 1994). 31. Gaudin, Jean-Pierre. L’Avenir en Plan: Technique et politique dans la prévision urbaine: 1900-1930. Seyssel: Champ vallon, 1985. (Collection Milieux) 32. Gouvernorat du Grand-Alger.  Le Grand projet urbain. Alger: Urbanis, ANEP, 1997. 33. ______. «La Stratégie d’aménagement et de développement de la Capitale et les axes du programme d’activité de l’année 1999.» (Rapport, Décembre 1998). 34. Hafiane, Abderrahim. «Normes d’urbanisme et pratiques urbaines: Pistes de réflexion.» Dans: Deboulet, Agnès et Michèle Jolé (eds.). Les Mondes urbains: Le Parcours engagé de Françoise Navez-Bouchanine. Paris: Éd. Karthala, 2013. (Hommes et sociétés) 35. Isenstadt, Sandy and Kishwar Rizvi. «Introduction: Modern Architecture and the Middle East: The Burden of Representation.» in: Isenstadt, Sandy and Kishwar Rizvi (eds.). Modernism and the Middle East: Architecture and Politics in the Twentieth Century. Seattle: University of Washington Press, 2008. (Studies in modernity and national identity) 36. Jacobs, Jane. The Death and Life of Great American Cities. New York: Vintage Books, 1992. orig. pub. (1961). 37. Jayyusi, Salma K. (General ed.). The City in the Islamic World. Special Editors Renata Holod, Attilio Petruccioli and André Raymond. Leiden; Boston: Brill, 2008. 2 vols. (Handbook of Oriental Studies. Section 1, The Near and Middle East; 94) 38. Kanna, Ahmed and Arang Keshavarzian. «The UAE’s Space Race Sheikhs and Starchitects Envision the Future.» Middle East Report: no. 248, Fall 2008. 39. Koolhaas, Rem. ««The Generic City» and Whatever Happened to Urbanism?, from S, M, L, XL (1994).» in: Larice, Michael and Elizabeth Macdonald (eds.). The Urban Design Reader. 2 nd ed. New York: Routledge, 2012. 40. Le Corbusier, La Charte d’Athènes, Vol. 4 des CI.A.M. (Paris: Kraus reprint, 1943), 242 p. 41. Lespès, René. Alger: Étude de géographie et d’histoire urbaines. Paris: libr. Félix Alcan, 1930. 42. Lyautey, Hubert. Paroles d’action: Madagascar, Sud-Oranais, Oran, Maroc (1900- 1926). Préface de M. Louis Barthou. Paris: Libr. Armand Colin, 1927. 43. Marié, Michel. «Le Plan de Constantine, l’aménagement et les sciences de l’homme.» dans: France, Ministère de l’équipement, du logement, de l’aménagement du territoire et des transports, Délégation à la recherche et à l’innovation. L’Aménagement du territoire et la colonie , Paris: Délégation à la recherche et à

l’innovation, 1988. (Dossiers des séminaires Techniques, territoires et sociétés; 4). pp. 61-72. 44. McLeod, Mary. «Le Corbusier and Algiers.»  Oppositions: nos. 16-17, 1980. pp.

45. Mitchell, Timothy. «Dreamland.» in: Davis, Mike and Daniel Bertrand Monk, eds. Evil Paradises: Dreamworlds of Neoliberalism. New York: New Press, 2007. pp.

46. Moustafa, Amer, Jamal Al-Qawasmi and Kevin Mitchell (eds.). Instant Cities: Emergent Trends in Architecture and Urbanism in the Arab World: The Third International Conference of the Center for the Study of Architecture in the Arab Region, CSAAR 2008A. Amman, Jordan: CSAAR Press, 2008. 47. Navez-Bouchanine, Françoise (dir.). La Fragmentation en question: Des villes entre fragmentation spatiale et fragmentation sociale?. Paris; Budapest; Torino: L’Harmattan, 2002. (Villes et entreprises) 48. Pitte, Jean-Robert. Histoire du paysage français, 2, Le Profane, du XVIe siècle à nos jours. Nouv. éd. rev. et augm. Paris: Tallandier, 1989. (Approches) 49. Reverdy, Jean-Claude. Habitations nouvelles et urbanisation rapide: Conditions écologiques de l’adaptation du logement en Algérie. Aix-en-Provence: Centre africain des sciences humaines appliquées, 1963. 50. Revue de l’Art (Paris): no. 106: Hausmannismes , 1994. 51. Rowe, Colin and Fred Koetter. Collage City. Cambridge, Mass.: MIT Press, 1983. 52. Safar-Zitoun, Madani. «Les Politiques d’Habitat et d’aménagement Urbain en Algérie ou L’Urbanisation de la Rente Pétrolière?.» Papier présenté à: «Les politiques d’habitat et d’aménagement urbain en Algérie ou l’urbanisation de la rente pétrolière?.» (Réunion régionale a été organisée conjointement par l’UNESCO Beyrouth, l’Association Arabe de Sociologie, l’Institut des études des familles et du développement auprès de la Fondation du Qatar, Beyrouth, Octobre 2009). 53. Saidouni, Maouia. «Le Problème foncier en Algérie: Bilan et perspectives.» Villes en parallèle: nos. 36-37, Décembre 2003. 54. ______. Alger, les nouveaux défis de l’urbanisation , sous la dir. de Ali Hadjiedj, Claude Chaline et Jocelyne Dubois-Maury; coordination Sahar Djedouani. Paris; Budapest; Torino: L’Harmattan, 2003. 55. ______. «Rapports de force dans l’urbanisme colonial algérois (1855-1935): Ou la genèse de l’aménagement urbain à Alger.» (Thèse de doctorat, Institut français d’urbanisme, Marne-la-Vallée, 1995).

56. Sgroï-Dufresne, Maria. Alger 1830-1984: Stratégie et enjeux urbains. Paris: Éd. Recherche sur les civilisations, 1986. (Recherche sur les civilisations. Mémoire; 63) 57. Signoles, Pierre, Galila El Kadi and Rachid Sidi Boumedine (dirs.). L’Urbain dans le monde arabe: Politiques, instruments et acteurs. Avec la collab. de Abdelmajid Arrif. Paris: CNRS éd., 1999. 58. Steckel-Assouère, Marie-Christine (dir.). Regards croisés sur les mutations de l’intercommunalité: Actes du Colloque international Regards croisés sur les mutations de l’intercommunalité organisé les 30 et 31 mai 2013 à l’Université de Lorraine par le GRALE-CNRS; l’IRENEE et l’AdCF. Préface de Gérard Marcou. Paris: L’Harmattan, 2014. (GRALE) 59. L’Urbanisme aux colonies et dans les pays tropicaux. Communications et rapports du congrès international de l’urbanisme aux colonies et dans les pays de latitude intertropicale réunis et présentés par Jean Royer; Préface de M. le Maréchal Lyautey; Introduction de E. du Vivier de Streel; Rapport général par Henri Prost. La Charité-sur-Loire: Delayance; Paris: Editions d’urbanisme, 1932-1935. 60. Vidal Rojas, Rodrigo. Fragmentation de la ville et nouveaux modes de composition urbaine. Paris; Budapest; Torino: L’Harmattan, 2002. (Villes et entreprises) 61. Wolf, Martin. «Shaping Globalization.» Finance and Development: vol. 51, no. 3, September 2014. 62. Zaki, Lamia (dir.). L’Action urbaine au Maghreb: Enjeux professionnels et politiques. Tunis: IRMC; Paris: Karthala, 2011. (Hommes et sociétés)