المتخيل والمخيالي والرمزي
L’imaginaire, l’imaginé et le symbolique
الملخّص
الكتاب: المتخيل والمخيالي والرمزي العنوان الأصلي للكتاب: L’imaginaire,l’ imaginé et le Symbolique الكاتب: موريس غودلييه Maurice Godelier الناشر:CNRS Editions سنة النشر:2015 عدد الصفحات: 286
Abstract
Book Title: L’imaginaire, l’imaginé et le Symbolique Author: Maurice Godelier Publisher: CNRS Editions Date of publication: 2015 Number of pages: 286
- موريس غودلييه
- المتخيل
- المخيال الرمزي
- التفكير الماركسي
- Maurice Godelier
- Imaginary
- Symbolic Imaginaire
- Marxist Thought
الكتاب: المتخيل والمخيالي والرمزي الكاتب: موريس غودلييه Maurice Godelier الناشر تاريخ النشر 2015: عدد الصفحات 286:
صدر في آخر السنة الماضية كتاب جديد للأنثروبولوجي الفرنسي الشهير موريس غودلييه حول موضوع غير مطروق في الأبحاث الأكاديمية العربية، ويحمل عنوانًا ربما ليست ترجمته موفقة، وهو «المتخيل والمخيالي والرمزي». وسبب كونه غير مطروق هو أنه إبستيمولوجي - أنثروبولوجي بامتياز، والمكتبة العربية فقيرة جدًا في هذا المجال. وترجمة عنوانه كما مضمونه تثير الكثير من المصاعب، لأن الرمزي والمتخيل والمخيالي، وكذلك أغلب المفردات الأخرى التي تنتمي إلى الحقل الدلالي الذي تحيل إليه هذه الكلمات، لم تحظ بعدُ في الأدبيات العربية بالتفكيك والتدقيق والتعريف، وهو
ما يسهل ترجمة أعمال تغوص في ثنايا هذه الموضوعات بحِرفية عالية، وبخلفية كثيفة من المعارف الفلسفية والسيكولوجية والسوسيو - أنثروبولوجية، كالعمل الذي أنجزه غودلييه. يقسم غودلييه كتابه إلى ثمانية فصول تدور رحى الفكر فيها على تحليل العاقات الكثيفة والدينامية، الواعية والاواعية، بين خمسة مفاهيم: الوعي والفكر والمتخيل والمخيالي والرموز. والغاية التي يجري إليها التحليل والجهد هي الإجابة عن السؤال التالي: ما الواقع؟ وغني عن الشرح هنا القيمة الإبستيمولوجية لاستراتيجية ل جإإابة عن هذا السؤال؛ إذ إن الجميع في العلوم الطبيعية ولاجتماعية يفترض أنه يدرس «الواقع.»
سنكتفي في هذا العرض المقتضب، والذي يهدف فقط إلى فتح شهية القراءة عند المشتغلين بالعلوم الإنسانية ريثما نعود إلى هذا العمل بشكل أكثر تفصيا في مناسبة أخرى، بإعطاء لمحة عن خط السير الذي قطعه غودلييه ليصل في النهاية إلى الجواب عن سؤاله الرئيسي: ما الواقع؟ لمّا كان الرهان لاستراتيجي للسؤال ضخمًا، رغم الحجم والعدد المتوسطين للصفحات التي خصصها للإجابة عنه، فإن غودلييه لم يصل إلى مرحلة الغوص في الموضوع إلا بعد أن أعد لذلك العدة: بتمهيد عام، ثم بتعريف لمعالم الطريق، ثم بتحديد خصائص أساسية للكائن البشري تحدد «طبيعته» في جميع العصور والأماكن. وخص كل فكرة من هذه الأفكار بفقرة منفصلة، لافتًا النظر إلى أن من دون ذلك قد تختلط الأمور على الجميع. السؤال الذي ينطلق منه غودلييه ربما يصعب تمثله في اللغة العربية بدقة، للسبب الذي ذكرته في البداية. وعلى كل حال، يمكن التعبير عنه كالتالي: كل ما هو متخيل ليس مخياليًا، وبما أن ما هو متخيل هو وليد الفكر، فإنه ينبغي أن نحلل كيف ولماذا ينتج الفكر في بعض المج لات مُتخيا مخياليًا، ولماذا ينتج في بعض المج لات الأخرى متخيلً ليس كذلك. والمشكلة الحقيقية ليست هنا، لأن هناك، بحسب المؤلف، أنواعًا عدة من المخايل (هنا يتداخل معنى التخيل بمعنى المخيال الذي هو منظومة كاملة من التصورات، مثل السحر أو المعتقد)، وكل واحد منها لنا عاقة مختلفة به. هناك بعض منها نعرف أنه متخيل، كأن يعرف الطفل مثلً أن الأرنب القماشي الذي بين يديه ليس أرنبًا حقيقيًا، ومع ذلك يتعامل معه في حدود اللعب على أنه كذلك، وهنا يفرد غودلييه فقرات مهمة من كتابه عن العاقة بين اللعب والمتخيل. ومنها ما هو مخيالي، كالمعتقدات الدينية، ولكن التعامل معه يجري على أساس أنه واقع أقوى من الواقع نفسه، أو هو واقع فوق الواقع، يثبت واقعيته عبر أشياء لها وجود واقعي مثل الكنائس والمساجد وكل ما يشير إلى وجود الآلهة كيفما كانت والعالم الماورائي المتخيل بصفة عامة. هنا ياحظ غودلييه أن ما يشهد بحقيقة المخيالي هو واقع الرموز التي تحيل إليه، ماحظًا في الوقت ذاته أننا نتحرك هنا في مجال المعتقد الذي يؤدي فيه الرمزي دوره الأقصى، وهو ما يزيد السؤال تعقيدًا: إذا كان الرمز يعبّر عن واقعية مخيال غير واقعي، فكيف يمكن الفصل بين الرمزي والمخيالي؟ هل الرموز أكثر واقعية مما ترمز إليه؟ وإذن ما الرمزي؟ وهل يساعدنا هذا الأخير على الفصل بين المخيالي والواقعي؟ على امتداد الصفحات ال 245 التي حُبّرت من أجل العثور على جواب لسؤال ما الواقع، بكل ما يختبئ وراء السؤال من قضايا إبستيمولوجية تتعلق بموضوع المعرفة في حد ذاته، ظل غودلييه يشتغل على معادلات الفكر والوعي والمتخيل والمخيالي والرمزي والواقعي، شارحًا كيف أن جميع هذه المعادلات تتأسس على أرضية «الطبيعة الإنسانية» التي يُعرّفها بأنها «مركب بيولوجي اجتماعي ثقافي لا ينفصم أبدًا، يتحدد كل عنصر من عناصره بعاقته بالعنصرين الآخرين» (ص. 28). وعلى أساس هذه الطبيعة ينهض نشاط الإنسان الذي يفترض الوعي
بالوجود الخاص، وبوجود الآخرين المتفاعلين معه، وبالعالم المحيط بالجميع. وبما أن الوعي بالذات هو تفكير، فإن التفكير يتجاوز مجال الوعي؛ إذ إن جزءًا من عمليات التفكير لا واعية، وإن التفكير لا يمكنه أبدًا أن يستوعب نشأته الخاصة في كل واحد من الناس، تلك النشأة التي لها عاقة وطيدة بالمخيالي. ومن هنا جاءت صعوبة عملية الفصل بين المتخيل والمخيالي والرمزي والواقع. في الأخير يصل غودلييه إلى الجواب التالي عن سؤال ما الوقع؟ وعلى القارئ أن يحدد لاستخاصات الإبستيمولوجية التي يمكنه أن يحتفظ بها من هذا الجواب، ويقدّر خطورتها النظرية والمنهجية: «من كل ما تقدم يمكننا أن نستنتج أن «الواقع» الذي نعيشه وليد وحدة لا انفصام فيها بين مكونات مادية وفكرية (معرفية يمكن التأكد من صحتها أو مخيالية خالصة) تدخل في عملية إنتاج العاقات بين البشر وبينهم وبين الطبيعة على مستويات عدة. لذلك، فإنه لا يمكننا أن نقابل بشكل ميكانيكي بين الواقع والمخيالي أو الرمزي، وهذا لسببين على الأقل: الأولهو أن كل ما هو مُفكر فيه أو مصنوع أو هو موضوع لفعل البشر لا يمكن التفكير فيه من دون حامل رمزي. وبذلك، فإن الرمزي يوجد في كل ما يُفكر فيه أو يُنتجه أو يفعله البشر. و الثانيهو أن جزءًا كبيرًا من الواقع لاجتماعي هو مخيالي، تحول (١) إلى عاقات اجتماعية ومادية ذات وجود واقعي؛ مخيال يختفي كمخيال لأنه لم يصبح واقعًا ماديًا واجتماعيًا فحسب، بل لأنه في الأساس يبرز كوجه من وجوه الواقع الذي نعتقد بوجوده وإن يكن غير مرئي، بالنظر إلى أنه يحمل معنى الوجود ومكانة الإنسانية فيه. باختصار هذا الواقع فوق الواقع، والذي هو أساس كل شيء، هو الذي يهرع نحوه الاهوتيون والفاسفة، ولكن يهرع إليه أيضًا العرافون والعرافات وآخرون مبجلون في النفاذ إلى ما هو لا مرئي» (ص -237.)238 في النهاية، ووفاء لتوجهه الماركسي النقدي، ينهي غودلييه كتابه بعودة إلى ماركس الشاب في نقده الشهير لفيورباخ. ويورد المؤلف كامًا لماركس لاحظ فيه أنه إذا كان هدفه الفلسفي هو رد الدين إلى أساسه المادي بعد أن فصلته عنه البشرية، فإن هذا لا ينهي المشكلة، لأن الأهم في ما يجب فعله ما زال ينتظر الإنجاز، من دون أن يفصح ماركس عما ينبغي فعله في هذا الشأن. وما ينبغي إنجازه بحسب غودلييه هو مساعدة البشرية على التوقف عن إنتاج عوالم لا توجد كي تنتج عوالم يمكنها أن تواصل العيش فيها، وهذا منحى فكري وأخاقي تحرري قديم في التفكير الماركسي، ربما يتناقض مع التعريف الذي قدّمه غودلييه لمفهوم «الواقع.»
الهامش