العودة إلى تفاصيل المؤلَّف السوسيولوجيا الكولونيالية أمام ظاهرة الهجرة القروية في المغرب

السوسيولوجيا الكولونيالية أمام ظاهرة الهجرة القروية في المغرب

Colonial Sociology on Morocco’s Rural Migration

Abderrahman EL Maliki **

عبد الرحمن المالكي *

الملخّص

يعتقد كثير من الباحثين أن السوسيولوجيا أدت دورًا كبيرًا في تسهيل استعمار المغرب؛ ذلك أن المستعمر الفرنسي الذي استفاد من تجربته الاستعمارية في الجزائر سعى إلى بسط سيطرته على القبائل والمدن المغربية من خلال بث "علمائه" فيها أولًا، ليعملوا على فهم آليات اشتغال المؤسسات التقليدية، وذلك بغاية تطويعها لتتحول إلى مؤسسات في خدمة سلطات الحماية. وبعد انتقال الثقل الاجتماعي والسياسي تدريجيًا من البادية (القبيلة) إلى المدينة بفعل الهجرة من البوادي إلى المدن، شرع روبير مونتاني، أحد رواد السوسيولوجيا الكولونيالية في المغرب، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة، في إنجاز أول دراسة سوسيولوجية عن ظاهرة الهجرة القروية، كان الهدف منها في الأساس محاولة فهم الطبقة الاجتماعية الجديدة التي أنتجها التصنيع والتحديث الاستعماريان (البروليتاريا)، وذلك لهدف أيديولوجي واضح هو: البحث عن كيفية تحويل هذه القوة الاجتماعية الجديدة إلى حليف للمستعمر في مواجهة التطلعات التحررية التي بدأت تظهر في الأوساط الحضرية الجديدة وفي الأوساط المدينية التقليدية على حد سواء.

Abstract

** Professor of Sociology on migration and urbanization; Director of Lab for Social Development at Sidi Mohamed Ben Abdellah University, Fes, Morocco.

الكلمات المفتاحية:
  • السوسيولوجيا الكولونيالية
  • هجرة قروية
  • بروليتاريا حضرية
  • إدماج
  • مثاقفة
Keywords:
  • Colonial Sociology
  • Rural Migration
  • Urban Proletariat
  • Assimilation
  • Acculturation

ملخص: يعتقد كثير من الباحثين أن السوسيولوجيا أدت دورًا كبيرًا في تسهيل استعمار

المغرب؛ ذلك أن المستعمر الفرنسي الذي استفاد من تجربته الاستعمارية في الجزائر سعى

إلى بسط سيطرته على القبائل والمدن المغربية من خ لاا بث «علمائه» فيها أولً، ليعملوا على فهم آليات اشتغال المؤسسات التقليدية، وذلك بغاية تطويعها لتتحول إلى مؤسسات في خدمة سلطات الحماية. وبعد انتقال الثقل الاجتماعي والسياسي تدريجيًا من البادية (القبيلة)

إلى المدينة بفعل الهجرة من البوادي إلى المدن، شرع روبير مونتاني، أحد رواد السوسيولوجيا الكولونيالية في المغرب، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة، في إنجاز أول دراسة سوسيولوجية عن ظاهرة الهجرة القروية، كان الهدف منها في الأساس محاولة فهم الطبقة الاجتماعية الجديدة التي أنتجها التصنيع والتحديث الاستعماريان (البروليتاريا)، وذلك لهدف أيديولوجي واضح هو: البحث عن كيفية تحويل هذه القوة الاجتماعية الجديدة إلى حليف للمستعمر في مواجهة التطلعات التحررية التي بدأت تظهر في الأوساط الحضرية الجديدة وفي الأوساط المدينية التقليدية على حد سواء.

Abstract: Sociology played a major role in facilitating Morocco’s colonization. Taking advantage of its colonial experience gained in Algeria, France sought to exert control over Moroccan tribes and cities by first dispatching her «scholars» who worked to understand the working mechanism of traditional institutions in the aim of making them compliant and turn them into institutions at the service of the protectorate. Following the gradual shift in the social and political

فاس، المغرب.

center of gravity from the desert (the tribe) to the city as a result of internal migration,..... Robert Montagne, a pioneering colonial sociologist in Morocco, would, immediately after World War II, undertake the first sociological study of migration from the villages. His key aim was to understand the new social class formed by colonial industrialization and modernization (the proletariat) with one clear ideological objective: how to transform this new social force into an ally of colonialism and use it in the confrontation with the aspirations for liberation that had started to emerge in both the new and the traditional urban milieu.

عرفت ع قااة المغرب بأوروبا في العصر الحديث حالات مد وجزر استمرت سنين عديدة. وكان من نتائج تلك الحالات السلمية حينًا والعنيفة أحايين أخرى، حدوث تغيرات اجتماعية

هائلة وشبه قطيعة بين مغربين، مغرب ماض (عاش قرونًا على الجمود والتقليد والانطواء على الذات) ومغرب حديث (ينخرط عن رضى أو عنوة في الحداثة والتجديد والانفتاح على الخارج). يعتبر عبد الله العروي أن الاستعمار الفرنسي للمغرب سنة 1912 لم يكن سوى النتيجة الحتمية لمسلسل كان يستهدف احتلال هذا البلد واستعماره منذ القرن الثامن عشر، إذ يقول: «يمكننا أن نميز ثلاث مراحل في مسلسل التغلغل الأوروبي في المغرب، كل مرحلة كانت تستخدم واحدة من وسائل الضغط الث ث التالية: استعمال القوة لتدمير الدولة المغربية، أو على الأقل تهيئة أسباب اندحارها تحت أبسط تهديد، وهي النتيجة التي تم بلوغها سنة 1860 بعد الحرب المغربية – الإسبانية؛ التجارة الأوروبية وتأثيرها المدمر في المجتمع المغربي، وهي النتيجة المحققة سنة 1880 في مؤتمر مدريد الذي عمَّم حق الحماية من دون

أن يلغي التجاوزات التي اصطحبت؛ ما سمّي نظام الإصلاحات الذي لم يكن له من هدف آخر سوى

‹نزع الغطاء الإسلامي عن المخزن›، ومن ثم فتح هوة بينه وبين الشعب، وهو الهدف الذي تحقق عمليًا

سنة 1905 ولم يؤجَّل إلى سنة 1912 إلا بسبب صراع الدول الأوروبية حول مصالحها». أدت تلك التدخ ت الأجنبية المتتالية في نهاية المطاف إلى إخضاع المغرب للهيمنة الأوروبية التي تكرست من خ لاا ما يُعرف باتفاقية الجزيرة الخضراء الموقَّعة سنة 1906. بعد هذا الحدث

مباشرة، انخرط المغرب في دوامة الصراع بين الحداثة والتقليد وفي مسلسل من التحولات والتغيرات الاجتماعية التي ما زالت مستمرة إلى اليوم. ومن بين هذه التحولات المهمة بدء انطلاق حراك هجري غير مسبوق اتخذ شكل ثورة حقيقية بالفعل؛ ذلك أن هذا البلد كان حتى حدود هذه السنة قرويًا

في الأساس، وكانت المدن فيه محدودة العدد ولا يتعدى مجموع سكانها 420.000 نسمة. نتيجة لذلك، كانت نسبة التحضر ضعيفة، إذ لم تتجاوز ال 8 أو 9 في المئة.

(1) Abdallah Laroui, Les Origines sociales et culturelles du nationalisme marocain , textes à l’appui (Paris: F. Maspero, 1977), 245. (2) Robert Escallier, Citadins et espace urbain au Maroc , tome 1, urbanisation, réseaux urbains, régionalisation au Maghreb; 8 (Tours: Université de Tours, 1981), 262.

أثارت هذه الثورة، ولأول مرة، اهتمام بعض الكتّاب الفرنسيين في بداية الثلاثينيات من القرن العشرين.

ومع احتداد ظاهرة الهجرة القروية وبدء ظهور مفاعيلها على مستوى المدينة والحركات الجماهيرية الآخذة في التشكل، ظهرت أولى ردود فعل سلطات الحماية. وليس صدفة أن تتزامن ردود الفعل هذه مع احتدام المقاومة الوطنية ضد الاستعمار، وانتقالها من البوادي إلى المدن، وتزامنها مع تقديم عريضة المطالبة بالاستقلال سنة.1944

حركات الهجرة ونشأة السوسيولوجيا في المغرب في عهد الحماية

إن هذا الاهتمام «العلمي» بظاهرة الهجرة من البوادي إلى المدن ابتداء من ثلاثينيات القرن العشرين لم يأت صدفة، ولا بغاية «البحث الأكاديمي النزيه»؛ ذلك أن هذه السوسيولوجيا الوليدة حاولت مواكبة التحولات والتغيرات الاجتماعية المختلفة التي عرفها المجتمع المغربي في عهد الحماية، وخصوصًا تلك التي حصلت على مستوى التضخم الحضري الناجم عن استمرار تدفق الهجرة من

البادية إلى المدن القديمة والجديدة بوتائر أسرع، الشيء الذي أدى إلى ارتفاع عدد سكان الحضر مع بدء نهاية الحماية سنة 1952 ليصل إلى 2.650.000 نسمة. هذا النمو الذي أدهش كتّاب عهد الحماية رغم حجمه المتواضع مقارنةً بما بلغه اليوم، لم يأت نتيجة

الدينامية الديموغرافية الذاتية للسكان الحضريين، حيث إن الزيادة الطبيعية لم تكن تساهم في هذا النمو سوى بنسبة العُشر، بينما كانت الهجرة الوافدة من مختلف القبائل المناطق المغربية هي التي

ساهمت بالقسط الأوفر. وكان هؤلاء الوافدون يتكدسون أول في ضواحي المدن التقليدية والجديدة على السواء، ولمّا ضاقت بهم، احتلوا مناطق جرداء مجاورة ليقيموا عليها تجمعات سكانية «جديدة»

من الخيام والأكواخ وبيوت الصفيح. وسرعان ما تحولت تلك التجمعات الهشة والمؤقتة إلى مدن عشوائية ومخيفة؛ «إنها ثورة حقيقية حدثت في ربع قرن»، كما قال أندري آدم. هذه الثورة الحضرية كانت من أهم العوامل التي ساهمت في ظهور سوسيولوجيا كولونيالية حقيقية موضوعها الهجرة القروية، وكان العلماء الذين دشنوا هذه السوسيولوجيا يتساءلون عن أسباب هذه الهجرة وحجمها، وكيفية السيطرة عليها وتوجيهها، والبحث عن القوانين التي يمكن أن تكون خاضعة لها، هذا في حين أن الحركات السكانية تلك لم تكن في الواقع سوى الترجمة المجالية للتغيرات الاجتماعية الهائلة التي خلخلت التوازنات الاجتماعية التقليدية بعد حوالى عشرين سنة من السيطرة الاستعمارية، وذلك

(((يمكن القول إن أول مقالة تناولت ظاهرة الهجرة القروية في المغرب هي المقالة التي نشرها جان سيليرييه سنة 1934، أي مع بدء ظهور السكن «العشوائي» في ضواحي المدن. وبدءًا من ثلاثينيات القرن العشرين، انطلق مد الهجرة القروية الذي اتخذ شكل

Jean Célérier, «Les Mouvements migratoires des indigènes au Maroc,»:«تنقيل للسكان من البوادي في انجاه المدن». انظر Bulletin économique et social du Maroc 1, no. 4 (1934).

(((سبق أن خصصنا لمسألة الانتقال من السوسيولوجيا الكولونيالية إلى السوسيولوجيا الوطنية مقالة صدرت بالإنكليزية في

المؤلَّف الجماعي الصادر عن مجلس العلوم الاجتماعية في أفريقيا (الكودسريا CODESRIA) في دكار، انظر: Abderrahman

El Maliki, «Moroccan Sociology: Epistemological Preliminaries,» in Readings in Methodology: African Perspectives , Edited by Jean-Bernard Ouédraogo and Carlos Cardoso, Codesria Book Series (Dakar: Codesria, 2011).

ما عبّر عنه آدم بقوله: «إن الثورة الكبرى التي عرفها المغرب في القرن العشرين هي انتهاء الفصل التليد

والتقليدي بين المدن والبوادي، بين الحضري والقروي. إن تنقّل الناس والبضائع والأفكار قد توسع اليوم. إن المدن قد اكتسحت من طرف الهجرة القروية». هذا المشهد الحضري الجديد تبلور نتيجة اتصال المغرب بأوروبا وانفتاحه الإجباري عليها، في ظل ضغوط سياسية واقتصادية تجلت أساسًا في ما سُمّي سياسة «الباب المفتوح». ترجع جذور السياسة

تلك إلى اتفاقيات القرن التاسع عشر التي توسعت أكثر بعد تدويل المغرب في إثر توقيعه اتفاقية الجزيرة الخضراء (1906)، التي رسمت انفتاح المغرب واندماجه في المنظومة الرأسمالية. وابتداء من ذلك التاريخ، عرفت التشكيلة الاجتماعية والاقتصادية المغربية تغيرات بنيوية شاملة ما زالت قائمة حتى اليوم، وأصبحت المناطق التي تغلغل فيها نمط الإنتاج الرأسمالي أكثر، أي المدن والمناجم والموانئ (التي أنشأتها الحماية)، مناطق جذب لليد العاملة في البوادي، وبالتالي كان نمو المدن القديمة والمدن الجديدة (الأوروبية) بصورة سريعة ومفاجئة يجري بصورة طبيعية إلى حد ما. ذلك، بدل الاندهاش أمام هذه الظاهرة، كان ينبغي طرح السؤال التالي: «لماذا كلما تسرّب نمط إنتاجي

جديد إلى تشكيلة اجتماعية ما، تبع هذا التسربَ انطلاقُ مد هجري في الوقت نفسه؟». يمكننا في هذا الصدد التذكير هنا أيضًا بأن كتّابًا كثيرين عهد الحماية، وانطلاقًا من تصور «تطوري»

خطي أو من نزعة مركزية أوروبية واعية أو غير واعية، عمدوا إلى تشبيه التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية التي حدثت في المغرب في عهد بدايات الحماية بتلك التي عرفتها أوروبا في منتصف القرن التاسع عشر، ومن ثم اعتقد هؤلاء الكتّاب أن ما يجري في البلدان المستعمرة ليس إلا تكرارًا متأخرًا لما جرى في أوروبا من قبل. لذلك، يذهب مونتاني في مقدمة دراسته عن البروليتاريا

المغربية إلى أن هذه الأخيرة شبيهة بالبروليتاريا الأوروبية كما كانت سنة 1850. وعلى الرغم من أن روني كاليسو يرفض مقارنة وضعية الطبقة العاملة المغربية في الثلاثينيات من القرن العشرين بوضعية عمال أوروبا الغربية في منتصف القرن التاسع عشر، فإنه يستدرك قائل: «إن المقارنة يمكن أن تكون مع الطبقات الكادحة في فترة الهجرات الكبرى في أوروبا أواسط القرن التاسع عشر». في نهاية الأمر، شك لت الجماهير القروية الوافدة إلى المدينة لدواع وأسباب مختلفة «المادةَ» الديموغرافية التي منها تكوّنت طبقة اجتماعية جديدة، هي الطبقة العاملة التي كانت في البداية وراء انطلاق ظاهرة

(5) André Adam, Bibliographie critique de sociologie, d’ethnologie et de géographie humaine du Maroc: Travaux de langues anglaise, arabe, espagnole et française, arrêtée au 31 décembre 1965, mémoires du Centre de recherches anthropologiques, préhistoriques et ethnographiques; 20 (Alger: Centre de recherches anthropologiques, préhistoriques et ethnographiques, 1972), introduction, 21.

(((فتح الله ولعلو، «التغلغل الإمبريالي والاندماج في الرأسمالية وتطور التشكيلة الاجتماعية والاقتصادية المغربية،»

مجلة: المشروع من أجل توطيد الفكر الاشتراكي، العدد.)1981(1

(7) Manuel Castells, La Question urbaine , textes à l’appui. Série sociologie, éd. revue suivie d’une postface 1975 (Paris: F. Maspero, 1977), 66. (8) René Gallissot, Le Patronat européen au Maroc (1931-1942) (Rabat: Editions techniques nord-africaines, 1964), 27.

«التحضر» المتسارع وانتشارها في المغرب الحديث، وكانت مهمازًا حفز تغيرات اجتماعية جمة. ونظرًا

إلى هذا الالتقاء (غير المخطط له) بين الهجرة والعمل ورأس المال، ومشكلات التحضر، فإننا سنشهد كثيرًا من ردود فعل بعض الكتّاب وعلماء الاجتماع الاستعماريين، الذين نشروا عددًا كبيرًا من المقالات

والدراسات التي سعوا من خلالها إلى تحليل مجمل تلك الظواهر والتغيرات وإلى تفسيرها. انتهينا في دراستنا مواقف هؤلاء من ظاهرتي الهجرة والتحضر إلى أن تلك المواقف كانت موزعة بين نظرتين: أولاهما أن ظاهرة الهجرة القروية الكثيفة في المغرب الحديث تُعتبر ظاهرة «طبيعية »، لأن الدول الصناعية المتقدمة مرت كلها بهذه المرحلة، والظاهرة هذه تصاحب كل عملية «إق» عاا اقتصادي. وثانيتهما أن الظاهرة نفسها أصبحت مصدر كثير من المشكلات الاجتماعية غير المتوقعة أو غير المرغوب فيها: مشكلات السكن والتعمير والأمن والصحة والانتماء السياسي والنقابي... اعتقد معظم هؤلاء الكتّاب في أول الأمر أن هذه المشكلات «طبيعية» لأن أوروبا شهدتها في بداية

ثورتها الصناعية أيضًا، ومثلما جرى التغلب عليها هناك، يمكن التغلب عليها هنا كذلك. ومثلما أن

«الإقلاع الاقتصادي والصناعي» في أوروبا كان عاملً أساسيًا في توزع المجتمع، وبشكل «طبيعي »،

إلى طبقتين رئيسيتين: طبقة بروليتارية وطبقة برجوازية، فمن الطبيعي أيضًا أن يتشكل مثل هاتين الطبقتين في بلد انخرط في مسلسل «التطور» و«التقدم» نفسه. وبمثل هذا التصور وهذا المدلول، كان هؤلاء الكتّاب يتحدثون عن «البروليتاريا المغربية»؛ هذه البروليتاريا التي خصص لها مونتاني دراسة

شهيرة كان هاجسها الأول كيف يمكن ترويض هذه الطبقة الجديدة وتنشئتها تنشئة سياسية واجتماعية تبعدها عن المطالب والتطلعات التي بدأت تعبّر عنها الحركة الوطنية المدينية. ونظرًا إلى أهمية هذا

الرهان السوسيولوجي والأيديولوجي معًا، سنخصص الفقرات اللاحقة لعرض وتحليل أهم الأفكار

والآراء والتوصيات الواردة في هذه الدراسة.

«نشأة البروليتاريا المغربية»: التقاء السوسيولوجيا والأيديولوجيا

عمد مونتاني في دراسته «نشأة البروليتاريا المغربية» إلى تحليل نتائج دراسة جماعية أُنجزت بإشرافه بين سنتي 1948 و 1950 وساهم في جمع معطياتها المراقبون المدنيون وضباط الشؤون الأهلية، وانصبت أساسًا على المهاجرين الوافدين من منطقة سوس (الجنوب الغربي للمغرب) إلى مدينة الدار البيضاء. يلاحظ الكاتب في البداية «تضخم» المدن في المغرب، وارتفاع وتيرة التحضر بعد دخول الاستعمار وانفتاح البلد، خصوصًا مدنه، على الخارج؛ هذا الانفتاح الذي يقول مونتاني بصدده في مقدمة هذه

الدراسة: «إن المغرب المنغلق بقوة على ذاته في الماضي يتنفس اليوم من حدوده. النشاط الاقتصادي والخيرات تأتيه من مدنه (...). لقد كف المغرب عن تكديس سكانه النشيطين في الداخل، كما أن

(((خصصنا الفصل الثالث من أطروحة دكتوراه (النظام الجديد في فرنسا) للسوسيولوجيا الكولونيالية أمام ظاهرة الهجرة القروية، وفيه تناولنا بالتفصيل آراء الكتّاب الاستعماريين ومواقفهم من هذه الظاهرة في المغرب قبل الاستقلال. انظر أطروحتنا:

Abderrahman El Maliki, «L’Exode rural au Maroc: Etude sociologique de l’exode du Tafilalet vers la ville de Fès,» (Thèse de doctorat en Sociologie, Université Aix-Marseille I, Aix-en-Provence, France, 1990). (10) Robert Montagne, dir., Naissance du prolétariat marocain: Enquête collective, 1948-1950 , cahiers de l’Afrique et l’Asie; 3 (Paris: J. Peyronnet, 1952).

اكتشافه لذاته من خلال توحيد سياسي لم يسبق له نظير في تاريخه جعله من الآن فصاعدًا في حاجة إلى التواصل مع الخارج». كانت لهذا الانفتاح المفروض على الخارج نتائج وتبعات، منها الارتفاع المستمر لنسبة التحضر الذي تميز بكونه لم يأت – كما أسلفنا - نتيجة الزيادة الطبيعية في عدد السكان وإنما نتيجة «البلترة» (prolétarisation) الكثيفة للجماهير القروية الوافدة إلى المدن، حيث رُكزت الخدمات والصناعات

الجديدة التي كانت بحاجة إلى اليد العاملة، ومن ثم جاء تضخم ما يسميه مونتاني «البروليتاريا الحضرية» التي يقتضيها – بحسبه - الانخراط في مسلسل الحداثة: «هكذا، وفي غضون أربعين سنة، جاء حوالى مليون نسمة من القبائل ليندمجوا في حياة المغرب الحديث. إنهم هم من يشكل هذه البروليتاريا التي سنحاول دراسة وضعها وتحليله». إن ما يميز هذه الدراسة، مقارنة بالكتابات الكولونيالية السابقة، هو سعي صاحبها إلى إضفاء طابع سوسيولوجي عليها. وبغضّ النظر عن المرامي «الاستعمارية» التي كانت تسعى إلى تحقيقها، وعلى الرغم من التحفظات والانتقادات التي يمكن تسجيلها عليها، فإن كثيرًا من الدارسين (الفرنسيين

بالخصوص) يعتبرها دراسة فريدة من حيث حجمها وطبيعة المعلومات التي اعتمدتها. لذلك، فإنها هي التي يُؤرخ بها ل«مي داا السوسيولوجيا الحديثة في المغرب»، بحسب آدم، على الرغم من

غاياتها «الأيديولوجية» الواضحة. وقد عبّر آدم عن ذلك بالقول: «إن دراسة روبير مونتاني بشأن ‹نشأة

البروليتاريا المغربية› تُعتبر، رغم نواقصها، بمثابة إعلان عن ميلاد السوسيولوجيا الحديثة في المغرب؛ سوسيولوجيا لم تعد تهتم بالماضي، وإنما بأهم حدث في الحاضر ألا وهو دخول المجتمع المغربي التقليدي في عالم الحضارة التكنلوجية». ويعبّر روبير إيسكالييه عن رأي شبيه بقوله: «إن الدراسة

الأكثر تنسيقًا بشأن الهجرات في المغرب تظل هي تلك التي أنجزها روبير مونتاني سنة 1951)...(، فمنذ ذلك التاريخ لم تُنجَز أي دراسة بمستوى شموليتها ونسقيتها». في هذا الصدد، يلاحظ محمد الناصري أيضًا أن «علماء الاجتماع» (الفرنسيين) كانوا هم أول من انتبه إلى التحولات الاجتماعية العميقة التي عرفها المجتمع المغربي في عهد الحماية، ويرى أن «روبير مونتاني، صاحب الأطروحة الأساسية ‹البربر والمخزن› سيعبئ عشرات المساعدين في بحث غني بالأرقام والدلالات كانت الغاية منه دراسة الظاهرة الحضرية من خ لاا ظاهرة الهجرة القروية ». فما الذي يعطي هذه الدراسة هذه القيمة كلها ويجعل المهتمين بعلم الاجتماع المغربي يعتبرون أنها تشكل «نقطة بدء السوسيولوجيا الحديثة» في المغرب؟

(11) Ibid., 11. (12) Ibid., 12. (13) Adam, Bibliographie critique de sociologie, introduction, 32. (14) Escallier, Citadins , 262. (15) Mohamed Naciri, «Regards sur L’évolution de la citadinité au Maroc,» dans L’Evolution des rapports villes-campagnes au Maghreb (Rabat: Université Mohammed V, publications de la faculté des lettres et sciences humaines, 1988).

إن مردّ هذه الحظوة التي تتمتع بها هذه الدراسة إلى أن صاحبها حاول أن يتبنى موقف العالم الأقرب

إلى السوسيولوجيا «العالمة» منه إلى الأيديولوجيا الصريحة، وهو موقف يتجلى من جهة من خلال اعتماد منهجية «البحث الميداني» حتى يتمكن من القول إن النتائج (والاستنتاجات) التي انتهى إليها «مبنية» على معطيات ومعلومات مستقاة من الواقع، ويتجلى من جهة أخرى من خلال تقمّصه دور

الباحث السوسيولوجي من طريق حرصه على توظيف واستعمال بعض المفاهيم «السوسيولوجية» التي بدأت تتكرس في حقل علم الاجتماع، من قبيل: الوعي الجمعي (أو الروح الجماعية)، الاندماج الاجتماعي، الأسرة الأبيسية...، وسيتجلى لنا ذلك أكثر عبر تحليل تناوله الوضع الاجتماعي والثقافي للجماهير القروية المكدسة في الأحياء الحضرية الجديدة، وكيف تعيش هذه الجماهير (البروليتارية) حالة الالتقاء بثقافات أخرى غريبة عنها.

البروليتاريا الحضرية ومسألة المثاقفة

يمكن القول إن مونتاني العارف بالتنظيم القبلي في جنوب المغرب كان أول من دشن في الأدبيات السوسيولوجية في المغرب القول بصدد مسألة ت قااي الحضارات والثقافات والتقاليد والعادات وت قااحها، وهي مسألة غابت عن الدراسات السوسيولوجية الكولونيالية السابقة التي لم تنتبه إلى التغيرات الاجتماعية التي يعرفها المجتمع المغربي بفعل الحضارة الأوروبية الوافدة عليه مع الاستعمار. في هذا الصدد، ينبِّه مونتاني منذ الصفحات الأولى من دراسته إلى «أن الجماهير

البروليتارية التي تحيط بالمدن في المغرب لا تتكون من أفراد منعزلين وبلا تقاليد وممن نعتقد ربما أن فقرهم المادي يجردهم من كل أخلاق اجتماعية. وعلى عكس ذلك، ثمة تناقض مدهش بين عوزهم المادي الكلي تقريبًا والغنى النسبي للتراث الحضاري الذي نقلوه معهم من قبائلهم الأصلية».

هذه الحضارة القروية «الغنية بالقيم الأخ قااية والاجتماعية التي تراكمت على امتداد قرون متتالية » هي التي تدرأ عن الحضريين الجدد ()Les néo-citadins و«مدن الصفيح» جميع أشكال «التلوث» الأخ قااي والانحراف التي غالبًا ما تقترن بكل عملية تحضر سريع. وفي هذا الشأن، يسجل مونتاني

مفارقة مفادها أن «على الرغم من المظاهر البئيسة للحياة المادية والاجتماعية الحديثة، فإننا نلاحظ غياب الإجرام في مدن الصفيح بصورة شبه تامة، حيث يسود الأمن والنظام العام بشكل أحسن كثيرًا من المدن الإس مااية العتيقة، وبعديد محدود من رجال الشرطة. إن القرويين الحديثي العهد

بالمدينة يظلون أصفياء، ولا يعرفون التمرد ضد النظام القائم، وينضبطون بس سة لمبادئ أخ ق الإسلام الاجتماعية». هؤلاء «البروليتاريون» الحضريون الجدد يظلون بعد وصولهم إلى المدينة «مهذبين» ومنضبطين، ويتصرفون كما لو أنهم لا يزالون في القبيلة، وهو ما يتجلى من خ لاا حفاظهم على المؤسسات والقيم التقليدية المتوارثة، وخاصة مؤسسة الأسرة الممتدة، والتعلق بالدين الإسلامي واحترام شعائره.

(16) Montagne, 17. (17) Ibid., 224.

لكن ما إن تصل هذه «الثقافة القروية» المستوردة إلى المدينة حتى تجد نفسها في مواجهة ثقافتين غريبتين ونظامين اجتماعيين واقتصاديين مختلفين، ولا يلتقيان في كثير من الأوجه، وسبق للقبيلة أن صمدت في مواجهتهما معًا، ويعني مونتاني بهما الدولة (المدينة) الإس مااية من جهة والحضارة

الأوروبية الغازية من جهة أخرى. وهكذا، يجد «القرويون الوافدون إلى المدينة أنفسهم تحت وطأة تبعية مزدوجة عملوا على تفاديها لقرون: التبعية للمدينة الإسلامية وللاقتصاد الأوروبي العصري». إن الهامشية المجالية التي يجد الوافدون الجدد أنفسهم فيها تتحول تدريجيًا إلى هامشية ثقافية، الشيء

الذي يجعلهم يعيشون سنوات متتالية – بحسب مونتاني – على قيمهم الاجتماعية القبلية وعلى بقايا ثقافتهم الأصلية وذكرياتها، وهذه الثقافة تبدو، في اعتقادنا، أقرب إلى ثقافة المدينة الإسلامية الأصيلة منها إلى الثقافة الأوروبية الوافدة التي تسود المدنَ الجديدة. رغم ذلك، اعتبر مونتاني أن العامل الديني يُعتبر العامل الأكثر توحيدًا للمغاربة في ما بينهم، والعامل الأساسي الذي ينفّر هؤلاء المهاجرين من

الحضارة الأوروبية، فكيف يمكن التغلب على ذلك؟ وما هي السبل الأنسب لجعلهم ينحازون أكثر إلى هذه الحضارة وينفصلون تدريجيًا عن الثقافة المدينية التقليدية؟ إنه سؤال يشكل جوهر ما كانت

تسعى إليه هذه الدراسة، ويقدم مونتاني بشأنه إجابات مختلفة سنحاول في ما يلي بسطها وتحليلها.

أي اندماج للبروليتاريا الحضرية، وكيف؟

إن أهم ما كان يرمي إليه مونتاني في دراسته بشأن «البروليتاريا المغربية» هو تحديد الطرق والوسائل الكفيلة بإدماج هذه البروليتاريا في النظام الاستعماري؛ إذ إنه عمد بعد اقتناعه بفشل أطروحته الأولى التي كانت تراهن على «القبيلة القروية» التقليدية في كتابه الأول البربر والمخزن، إلى المراهنة في دراسته هذه على ما يمكن أن ندعوها «القبيلة المدينية»، والتي يبدو أن مهمتها الجديدة هي الاستمرار في تقمّص الثقافة القروية وتمثّلها، والعمل على نشرها وترسيخها في المدينة، وبذلك تتحول هذه

الطبقة الجديدة إلى «قوة اجتماعية جديدة» كفيلة بالحفاظ على التوازن في مجتمعها الجديد من خ لاا تحوّلها إلى حليف للنظام الاستعماري وزبون للثقافة الأوروبية. وإذا كان من غير الممكن

«غربنة» هذه الطبقة الجديدة، فإنه يبدو من الضروري على الأقل العمل على فصلها وعزلها عن «الإسلام المديني» الذي يبقى – بحسب مونتاني – غريبًا بالنسبة إليها، كما هي غريبة عنها «التطلعات

السياسية الانتهازية لبرجوازية المدن التقليدية.» لقد غيّرت الهجرة القروية الكثيفة في اتجاه المدن التوازن الديموغرافي التقليدي في المغرب، كما

أنها غيرت في الوقت نفسه الحسابات السياسية القديمة. لهذا، لم يعد الأمر يتعلق عند الكتّاب الكولونياليين (ومنهم مونتاني) بالبحث عن الوسائل والسبل الكفيلة بوقف هذه الهجرة القروية، وإنما أصبح ينصب أكثر على كيفية «تهذيبها» وتلطيف آثارها، وذلك ما انتهى إليه مونتاني الذي يقول: «مهما بُذل من مجهود في الجنوب، فإن تيار الهجرة أصبح من القوة اليوم بحيث لا يمكن التأثير فيه

بشكل ملموس في المستقبل. إن أقصى ما يمكن أن نتمناه هو الحد من وتيرته الزائدة، وجعله أكثر

(18) Ibid., 90.

انتظامًا. إننا مهما عملنا من أجل تهذيب الهجرة المؤقتة، فإنها ستنتهي إلى هجرة نهائية تتمثّل في

تثبيت أفضل العناصر التقنية التي تمكنت من الحصول على وظائف جيدة في المدينة». نستشف من هذه النظرة التحليلية إلى البروليتاريا الحضرية باعتبارها «قوة اجتماعية جديدة» أن هذه القوة بدأت تتحول بفعل تضخم أعدادها إلى «قوة اجتماعية» رابعة متميزة ومختلفة عن القوى الموجودة من قبل في المجتمع المغربي، أي «القوة الاجتماعية الأوروبية» و«القوة الاجتماعية للمدن التقليدية» و«القوة الاجتماعية للبربر» (القبيلة)، وهذا ما ساهم في تغيير معطيات المشهد السياسي المغربي، واستدعى ضرورة التفكير جديًّا في كيفية دمج القوة الاجتماعية الجديدة في «النظام

الأوروبي السائد». وبما أن كل كثافة مادية (ديموغرافية) تتحول مع الزمن - بحسب دوركهايم - إلى «كثافة روحية»، فإن تأخر هذه الكثافة الروحية في الظهور هو ما أثار مونتاني ودفعه إلى التفكير في طريقة وأشكال بروزها و إبرازها، وهذا ما نستنتجه من قراءة الصفحات الأولى من كتابه أ نشأة البروليتاريا المغربية الذي يذكّرنا بنشأة الوعي الطبقي للبروليتاريا الأوروبية في منتصف القرن التاسع عشر، بالتزامن مع تضخم أعدادها، أي في فترة كان فيها المجتمع الصناعي في أوج تطوره وانتشاره، ولكن في المغرب، كما يقول مونتاني، «لسنا سوى في بدايات مثل هذا التطور، إذ لم يتبلور في هذا البلد بعدُ أي وعي جماعي ()Conscience collective، هذا، في وقت نرى فيه رب العائلة لا يزال يخضع في أعماقه للقواعد والأعراف التقليدية السائدة في مجموعته القروية أو الرعوية التي غادرها منذ زمن ليس بالبعيد. إن ما يتبدى من واقع المدن المغاربية اليوم يذكّرنا – مع الفوارق النسبية طبعًا -

بصورة أوروبا في سنة 1850 ». وفي محاولة للبحث عن العوامل التي تساهم في تأخير وعرقلة ظهور مثل هذا الوعي الجماعي لدى الفئات الاجتماعية المهاجرة إلى المدن، ينتهي مونتاني إلى أن السبب في ذلك هو تعدد واخت ف الوضعيات الثقافية والدينية التي تجد هذه الفئات نفسها أمامها مقارنة بالبروليتاريا الحضرية الأوروبية التي تجد نفسها عندما تصل إلى المدينة أمام الثقافة والدين نفسيهما اللذين تركتهما في البادية. إذا كان من المسلَّم به عند الباحثين الكولونياليين أن مسألة الاندماج في الثقافة الغربية تبدو من الأمور المشكوك فيها كثيرًا، يبقى من الممكن والمفيد أن تعمل سلطات الحماية على إثارة الخلافات

بين الثقافة القبلية (البروليتارية) والثقافة المدينية (البرجوازية) وتأجيجها، وذلك مساهمة منها في تسريع انبثاق تلك «الروح الجماعية الجديدة» التي وحدها تُحْدث «التركيب» المرغوب فيه والذي

ما زالت المدن الناشئة في المغرب لا تعرفه، وتلك مهمة صعبة وتتطلب فترات زمنية غير قصيرة؛ لأن، كما يؤكد مونتاني، «إذا كان من الصعوبة بمكان التمكن من إدراك كنه روح الطفل الصغير، فإن تلك الصعوبة ستكون أكبر في ما يتعلق بمعرفة كنه الروح الجديدة لمجتمع لم يصل بعدُ إلى

(19) Ibid., 255.

(((2 حااظ أن مونتاني كان يسعى في كتابه بشأن «البروليتاريا المغربية» إلى استلهام «النموذج الوضعي»، خصوصًا نموذج ن

موريس ألبفاكس (HalbwachsM.) الذي سبق له أن استعمل تعابير مستوحاة من الفيزياء، من قبيل «القوة الاجتماعية»

و«التيار الاجتماعي»، في أثناء حديثه عن الهجرات في كتابه المورفولوجيا الاجتماعية.

(21) Montagne, 18.

الوعي بذاته بشكل كامل». ثم يضيف: «[...] إن ثقافة قروية تأتي لتموت تحت أنظارنا في المدن البروليتارية؛ ففي أقل من جيل تحطمت وتلاشت المؤسسة الأساسية التي تشكل دعامتها، أي الأسرة الأبيسية، الخلية الأصل التي منها تنبثق القبيلة والتي ها هي تذوب في المدن الجديدة». إن هذه «الروح الجديدة»، التي لا يمكن أن تنبثق من الثقافة القروية «المفككة»، لا يمكن أيضًا أن تنبثق من البرجوازية المدينية التقليدية التي يرتكز عليها المخزن، والتي تعاني بدورها وتتعرض لتحولات مؤلمة تجعلها تعيش على إيقاع أزمات متتالية؛ فهناك من جهة «أزمة الجيل الجديد، أي أول جيل تعلم في مدارس الغرب، ثم هناك أزمة المرأة التي تريد التحرر، ثم هناك أزمة الاقتصاد المعيشي التي مست الصلابة التقليدية للأسرة الممتدة، فكيف يمكن إذ ا أن تشكّل هذه البرجوازية الإسلامية التائهة وغير الواثقة من المستقبل الدليلَ السعيد بالنسبة إلى البروليتاريا وهي غائصة في مشكلاتها التي تتخبط فيها بيأس». هكذا، ينتهي بنا تحليل مونتاني إلى أن القوتين الاجتماعيتين الوطنيتين (المدينية التقليدية والحضرية الجديدة)، اللتين من الممكن أن تنبثق عنهما تلك الروح الجماعية التي تفتقر إليها المدن الجديدة، غير قادرتين على ذلك، نظرًا إلى عجزهما «الثقافي» وتلاشي المؤسسات التقليدية التي تقومان عليها،

فما العمل إذًا؟ يجيب مونتاني عن هذا السؤال بتذكيرنا بأن المجتمع المغربي انخرط في الحداثة بشكل لا رجعة فيه، وعلى القوى التقليدية أن تختار بين الجمود (الذي تمثّله القبيلة والمدينة الأصيلة) والتقدم الذي تمثّله القوة الغربية. وعلى البروليتاريين ألا يترددوا في القيام بالاختيار الجيد الذي يعدهم بالمزيد من التحرر والعيش الأفضل. ولتحقيق ذلك، وتسهيل هذا الاختيار وتسريع وتيرة اندماج «القوة الاجتماعية الجديدة» في النظام الكولونيالي، يستعرض مونتاني في الصفحات الأخيرة من هذه الدراسة ما يمكن اعتباره التوصيات الكفيلة بتحقيق ذلك والتي ينبغي أن تشمل - وبشكل استعجالي - المجالات الحياتية والثقافية الثلاثة التالية:

التعمير والسكن: إنشاء الأحياء الإثنية

لإدماج المهاجرين القرويين في المدينة الجديدة وفي الثقافة الغربية معًا، ينبغي الحرص على إسكانهم

في أحياء خاصة بهم، بعيدًا عن المدن الإسلامية التقليدية، وعن الأحياء الأوروبية كذلك. ولهذا الغرض، ارتأى مونتاني ضرورة إنشاء أحياء جديدة تحت اسم «الأحياء الإثنية» (Les quartiers ethniques)،

بحيث يمكن أن تشكل بالنسبة إلى الثقافة القروية وسيطًا يضمن استمرارية هذه الثقافة في المجالات الحضرية الجديدة، وذلك نظرًا إلى أن هذه الثقافة غنية أخ قاايًا وضامنة للأمن والنظام العام. يقول

مونتاني: «يجب إذ ا إقامة أحياء إثنية فعلية، حيث يُمنح السكن بالأولوية في هذه المناطق المحددة

(22) Ibid., 248. (23) Ibid., 249. (24) Ibid.

للسكان المنحدرين من الإقليم نفسه. وتوجد في الواقع اتجاهات واضحة في هذا الشأن، كما رأينا، والتي تُبرز الرغبة الجامحة لدى المهاجرين ليكونوا موجودين حيث القرابات الإقليمية». إن الغاية من إقامة هذه الأحياء والتشجيع على تجميع أبناء القبيلة الواحدة فيها هي محاولة لإنشاء «قرى حضرية»، حيث يتسنى إمكان إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية نفسها، والأخ ق نفسها، والتقاليد. كما أن هذه الأحياء تساعد المهاجرين على إحراز النجاح في اجتياز المرحلة الانتقالية التي يعيشونها. وحتى تتمكن سلطات الحماية من تكوين ذلك الوعي الجمعي المفقود والضروري، ينبغي العمل على استثمار هذا التكتل القبلي لتشكيل جمعيات أو مجالس استشارية خاصة بسكان الحي نفسه، ليتمكنوا من تحسين أوضاعهم المعيشية، وتهيئة أجواء اجتماعية مساعدة على الاندماج بسلاسة في الحضارة الجديدة.

التأطير الإداري والتدبير السياسي

أمام الامتداد المتزايد للتجمعات السكانية «البروليتارية»، وأمام المشكلات الإدارية والسياسية التي بدأت تتفاقم، شرعت سلطات الحماية ابتداء من سنة 1948 في إقامة أجهزة إدارية جديدة تمثلت في نواب للقائد (الخليفة)، وجهاز مسؤولي الأحياء (المقدمين). وكُلّف هذا التنظيم الجديد بمراقبة

الأهالي، وهذا ما شك - بحسب مونتاني - «تقدمًا ملموسًا، ولكن طابعه التحكمي الذي لم يُرفض ل

من الحضريين الجدد، يمكن أن يتحول في يوم من الأيام إلى مصدر للرفض الممزوج بالعنف.» وبما أن الإص حات الإدارية الأولى التي أرستها سلطة الحماية كانت تشمل المدن التقليدية فقط،

فمن الواجب على هذه السلطة الاهتمام بالتجمعات السكانية الفقيرة التي أُغفلت زمنًا طويً. لذا، ينبغي أن ينصب العمل الإداري في المستقبل، وبشكل خاص، على الأحياء الجديدة التي هي في طور التشييد وينبغي أن تُخص ب: «مؤسسات تمثيلية قاعدية، وذلك نظرًا إلى أن الخطر الأكبر يكمن

في استمرارنا على النهج نفسه المتّبَع في تربية هذه البروليتاريا، من دون أن تُشرَك بشكل كامل

في تدبير شؤونها من خ لاا لجان استشارية قارة » يجب أن تتكون من النخب الجديدة القادرة على تحمل المسؤولية. ولا شك في أن إنشاء الأحياء الإثنية سيسهل مهمتها أكثر، وسيساعد على استتباب الأمن وحفظ النظام والصحة، الشيء الذي سيسهّل «انبثاق روح جماعية داعمة للمجهود

المبذول من أجل العيش الأحسن». إن الأمر يبدو كما لو أن سلطات الحماية تسعى إلى إقامة «قرى حضرية» داخل المدن أو في ضواحيها، وتمتيعها بنوع من التنظيم الإداري الذي يذكّر بالتنظيم القروي التقليدي، وذلك من خ لاا محاولة إحياء «الجماعة» وإنعاشها داخل المدن الجديدة. وإذا ما حُقِّق ذلك، فإنه سيساهم في بزوغ «روح ديمقراطية عصرية» تتبنّاها وتنشرها الطبقة الاجتماعية

الجديدة التي كوّنتها الحماية، أي البروليتاريا، والتي ينبغي تسهيل اندماجها أكثر من خلال تشجيعها

على الانخراط في النقابات العمالية «الفرنسية»، وذلك لتفادي استغ لااها من طرف الأحزاب السياسية الوطنية.

(25) Ibid., 258. (26) Ibid. (27) Ibid., 222.

ضبط التحولات الثقافية/ الدينية وتوجيهها

يعتقد مونتاني في هذا الصدد أن الحضري الجديد، شأنه شأن سائر سكان المدينة الآخرين في المغرب، لا يمكن فصله عن ثقافته وديانته. ولكن هذا الكاتب، وعلى غرار باقي الأنثربولوجيين والسوسيولوجيين الغربيين الذين اهتموا بالظاهرة الدينية في الدول المغاربية، ولا سيما أولئك الذين يجنحون إلى القول إن في هذه الدول تعددية دينية، أو إس مااين على الأقل: إس ماا حضري (سنّي أرثوذكسي) وإس ماا قروي (شعبي أسطوري). بل يذهب مونتاني أبعد من ذلك حين يستنتج أن البروليتاريا الحضرية أصبحت لائكية أكثر فأكثر. يقول: «إذا كنا ن حظ خ لاا الثلاثين سنة الأخيرة، وعلى العموم، اتجاهًا ولو نسبيًا نحو ضمور الإس ماا التقليدي، فإن هذا الضمور

يتبدى أكثر في المدن البروليتارية. إن المجتمع المديني الجديد ‹يتعلمن›. والإس ماا يبقى عبارة عن إطار نعيد بناءه غريزيًا حول أنفسنا حتى نعتقد أننا بين إخواننا. ولكنه في الزمن العادي مجرد إطار

فارغ تقريبًا». على الرغم من ذلك، يقر مونتاني بأن الإس ماا يظل الرباط الذي يشد المهاجرين الغرباء في المدينة بعضهم إلى بعض، الشيء الذي جعله يقول إنه لا يمكن بناء أي شيء بعيدًا عن التقاليد الإسلامية. ومع ذلك، يعود الكاتب نفسه ليذكّرنا بالثنائية السابقة من خلال قوله بوجود إسلامين، إس ماا النخبة الغنية وإس ماا الطبقات الشعبية: «فإس ماا البرجوازيين – كما يقول – هو إس ماا العلماء الذي تأثر بالأفكار الإص حية الوافدة من الشرق (العربي) والذي ينغلق في طهرانية مجردة. وبذلك يبتعد عن الإس ماا الشعبي المتعطش للغرائبي والميال إلى النزعات الصوفية التي ظلت الروح البربرية متقبلة لها. ومعنى ذلك أن قيادة تطور البروليتاريا لا يمكن أن تتولاها النخب المدينية الجديدة التي بدأت تتشكل في المدن التقليدية، فهي قد تنجح في إثارة وتأجيج الجماهير من دون أن تستطيع قيادتَها.» هكذا نرى أن هذا الاهتمام بتدين البروليتاريا كان لغايات سياسية كولونيالية واضحة، ولذلك يعود مونتاني إلى التساؤل في آخر هذه الدراسة: من سيتمكن إذن من استقطاب هذه القوة الاجتماعية الافتراضية الجديدة، هل هو سلطات الحماية الحاملة لمشعل النمو والتقدم، أم البرجوازية المدينية الحاملة لواء التقليد والمتأثرة بالأفكار التمردية التي تستقيها من الشرق؟

(((2 بصدد هذه الثنائية المتداولة بين الكتّاب الغربيين المهتمين بالإسلام، يرى عبد الله العروي أن «غالبًا ما تتم معارضة الإسلام

الفقهي العالم السائد في المدن، بالإسلام الصوفي الطبيعوي السائد في البوادي. وهناك من يريد أن يرى في هذا النمط الأخير ضربًاِ

من الانتقام أو من رد الفعل من طرف الديانات القروية القديمة. وهنا ينبغي التذكير بأن العقيدة الفقهية الأكثر إيغال في الرجوع ل صأأول والفقه التقليدي هي تلك التي تبنّاها الموحدون ونشروها، وهم من سكان الجبال... كما أن الزوايا الدينية هي ظاهرة

Abdallah Laroui, «Tradition et traditionalisation,» dans Abdallah Laroui, La Crise des:حضرية كما هي ظاهرة قروية»: انظر

intellectuels arabes: Traditionalisme ou historicisme? , textes à l’appui. Série philosophie (Paris: F. Maspero, 1978), 49. (29) Montagne, 246. (30) Ibid., 250.

خلاصة

حاولنا على امتداد الصفحات السابقة استعراض نموذج للكتابة الكولونيالية عن المغرب من خ لاا «البحث السوسيولوجي» الذي أنجزه مونتاني عن «البروليتاريا المغربية»، وتبين لنا أن هذه الدراسة التي حاول صاحبها إضفاء طابع «العلمية» عليها لم تستطع - مع ذلك - التخلص من شرك الأيديولوجيا، وظلت وفية ل«مهمة البعثة العلمية الأولى» التي كانت تتحدد في الأساس في خدمة السلطات الاستعمارية ومساعدتها على مواجهة كل مقاومة وطنية قائمة أو محتملة. لذلك، لم يكن من الغريب أن تُنجَز هذه الدراسة في وقت بدأ يتبلور فيه «الوعي الوطني» الذي تجلى في صوغ وثيقة المطالبة بالاستقلال وتقديمها في سنة 1944. وتحسبًا للمواجهات المقبلة، عمل مونتاني من خلال

هذه الدراسة على استباق الوقائع والأحداث، وحاول مد سلطات الحماية الفرنسية بحلول صاغها في شكل توصيات قمينة – بعد تطبيقها- بأن تفك التحالف المحتمل بين الحركة الوطنية الجنينية والطبقة العمالية الناشئة. وبذلك، عمل مونتاني على تقديم ما يمكن انتظاره من علم الاجتماع الكولونيالي في زمن الأزمة. وبعد تأكده من استحالة المراهنة على «القبيلة القروية» التي اعتبرها في كتابه البربر والمخزنالفاعلَ الاجتماعي الأساسي في المجتمع المغربي، عمد في خاتمة كتابه نشأة البروليتاريا المغربية على المراهنة على ما يمكن تسميته «القبيلة الحضرية». إن الانحراف بعلم الاجتماع إلى الأيديولوجيا ينتهي به إلى السقوط في الاستنتاجات الخاطئة؛ فقد لاحظ عبد الكبير الخطيبي أن حلم مونتاني بإدماج البروليتاريا في النظام الاستعماري ظل مجرد حلم، كما أن «حساباته كلها كانت خاطئة، لأن الحركة الوطنية الوليدة ستصبح أكثر راديكالية، خصوصًا على مستوى الكفاح المسلح الذي انطلق في الدار البيضاء»، «وهو الكفاح الذي ستقوده الطبقات الحضرية الجديدة المكوَّنة

أساسًا من هذه البروليتاريا». إن فشل «الوصفة العلمية» في تجنب أزمة السلطات الاستعمارية أو تجاوزها، وانتصار المقاومة الوطنية المدعومة من البروليتاريا التي راهن عليها مونتاني يعنيان في نهاية المطاف فشل المشروع السوسيولوجي الكولونيالي في تحقيق هدف «البعثة العلمية»، المتمثّل في احتلال المغرب احتلالً علميًا ومستدامًا وسلميًا وقليل التكلفة. References

المصادر والمراجع

العربية

المالكي، عبد الرحمن. الثقافة والمجال: دراسة في سوسيولوجيا التحضر والهجرة في المغرب. فاس، المغرب: منشورات جامعة سيدي محمد بن عبد الله،.2015

(((3 عبد الكبير الخطيبي، «إلى أين تسير السوسيولوجيا؟،» الاتحاد الاشتراكي،.1983/12/12

(32) Naciri.

مونطاني، روبير. الحياة الاجتماعية والسياسية للبربر: محاضرات ملقاة بكلية الآداب بجامعة باريس، معهد الدراسات الإسامية، نونبر-دجنبر. ترجمة محمد ناجي بن عمر؛ تقديم أحمد صابر. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2014 ولعلو، فتح الله. «التغلغل الإمبريالي والاندماج في الرأسمالية وتطور التشكيلة الاجتماعية والاقتصادية المغربية.» مجلة المشروع: من أجل توطيد الفكر الاشتراكي، العدد.)1980(1

الأجنبية

Adam, André. Bibliographie critique de sociologie, d’ethnologie et de géographie humaine du Maroc: Travaux de langues anglaise, arabe, espagnole et française, arrêtée au 31 décembre 1965. Alger: Centre de recherches anthropologiques, préhistoriques et ethnographiques, 1972. (Mémoires du Centre de recherches anthropologiques, préhistoriques et ethnographiques; 20) ______. Casablanca: Essai sur la transformation de la société marocaine au contact de l’Occident. Tome 1. Paris: Centre national de la recherche scientifique, 1968. ______. «Urbanisation et changement culturel.» Dans Centre de recherches et d’études sur les sociétés méditerranéennes, Villes et sociétés au Maghreb: Etudes sur l’urbanisation , rédigé par R. Duchac [et al.]. Paris: Centre national de la recherche scientifique, 1974. Berque, Jacques. «Médina, ville neuve et bidonville.» Dans Jacques Berque, Maghreb, histoire et sociétés. Gembloux: Duculot; Alger: Société nationale d’édition et de diffusion (S.N.E.D.), 1974. (Sociologie nouvelle. Situations; 7) Burke, Edmund. «La Mission scientifique au Maroc: Science sociale et politique dans l’âge de l’impérialisme.» Dans Recherches récentes sur le Maroc moderne: Actes du séminaire tenu du 13 au 15 juillet 1977 à Durham , organisé par Peter Sluglett sous l’égide de la School of Oriental Studies de l’université de Durham. Casablanca: Publications du bulletin économique et social du Maroc, 1978. Castells, Manuel. La Question urbaine. Ed. revue suivie d’une postface 1975. Paris: F. Maspero, 1977. (Textes à l’appui. Série sociologie) Célérier, Jean. «Les Mouvements migratoires des indigènes au Maroc.» Bulletin économique et social du Maroc 1, no. 4 (1934): 232-238. El Maliki, Abderrahman. «L’Exode rural au Maroc: Etude sociologique de l’exode du Tafilalet vers la ville de Fès.» (Thèse de doctorat en Sociologie, Université Aix- Marseille I, Aix-en-Provence, France, 1990). ______. «Moroccan Sociology: Epistemological Preliminaries.» In Readings in Methodology: African Perspectives , Edited by Jean-Bernard Ouédraogo and Carlos Cardoso. Dakar: Codesria, 2011. (Codesria Book Series)

Escallier, Robert. Citadins et espace urbain au Maroc. Tome 1. Tours: Université de Tours, 1981. (Urbanisation, réseaux urbains, régionalisation au Maghreb; 8) Gallissot, René. Le Patronat européen au Maroc (1931-1942). Rabat: Editions techniques nord-africaines, 1964. Khatibi, Abdelkébir. «Double critique (décolonisation de la sociologie).» Dans Abdelkébir Khatibi, Maghreb pluriel. Paris: Denoël, 1983. Laroui, Abdallah. Les Origines sociales et culturelles du nationalisme marocain. Paris: F. Maspero, 1977. (Textes à l’appui) ______. «Tradition et traditionalisation.» Dans Abdallah Laroui, La Crise des intellectuels arabes: Traditionalisme ou historicisme?. Paris: F. Maspero, 1978. (Textes à l’appui. Série philosophie) Léandri, Michel. «L’Exode rural au Maroc et la formation du prolétariat marocain.» C.H.E.A.M. 2584 (Décembre 1955). Montagne, Robert, dir. Naissance du prolétariat marocain: Enquête collective, 1948- 1950. Paris: J. Peyronnet, 1952. (Cahiers de l’Afrique et l’Asie; 3) Naciri, Mohamed. «Regards sur l’évolution de la citadinité au Maroc.» Dans L’Evolution des rapports villes-campagnes au Maghreb. Rabat: Université Mohammed V, publications de la faculté des lettres et sciences humaines, 1988. Pascon, Paul. Etudes rurales: Idées et enquêtes sur la campagne marocaine ; Préf. d'Abdelkébir Khatibi. Rabat: Société marocaine des éditeurs réunis, 1980. Roussillon, Alain. «Sociologie et identité en Égypte et au Maroc: Le Travail de deuil de la colonisation.» Revue d’histoire des sciences humaines , no. 7: L’Economie, entre sciences humaines et sciences de la nature (2002): 193-221.