الداخلي والخارجي في التنظير للظاهرة القبلية: خطوة في طريق تأسيس خطاب أنثربولوجي مستقل
Emic and Etic in Re-theorizing «Tribe»
الملخّص
تحاول هذه الورقة شق طريق نحو بناء خطاب أنثروبولوجي ذي معنى دقيق ومستقل في آن واحد، وملائم لدراسة القبيلة والقبلية في المغرب والمشرق العربيين. وتنطلق في هذا البحث من العلاقة الجدلية بين "المعطى والمبني" معرفيًا، لتتناول من خلالها مفهوم القبيلة وتطبيقاته على مجتمعات منطقتنا. وباختصار شديد، تعرض أهم أفكار الحقبة الكولونيالية وما بعدها بغاية الذهاب بها إلى أقصى مداها، حيث تتكشف حدودها الإبستيمولوجية. وبعد كشف أزمتها، تُخضع خطابها لعملية مواجهة بينه وبين المعرفة الأمازيغية-العربية حول ظاهرة القبيلة. وسيلاحَظ إذ ذاك أن هذه المعرفة تضيء الظاهرة المدروسة بطريقة أكثر فعالية، اعتمادًا على جهد مفاهيمي ينغرس في "المعرفة الداخلية" ليصل إلى "المعرفة الخارجية". وتبطبق هذا التمشي على مثال مفهوم العصبية، انطلاقًا من اللغة العربية، ليجري الانتقال به، من طريق المقارنة، من الحالات المختلفة إلى مستوى التعميم، ومن ثم إلى مستوى الابتكار المفاهيمي.
Abstract
phenomenon that has been neglected or marginalized by nationalist thought and the postcolonial critique in anthropology: tribe and tribalism in the Maghreb- Machreq region.The second is an experiment in how to produce a new discourse in anthropology which results from a confrontation between the epistemic tradition of that discipline on the one hand, and the epistemic tradition of that region on the other hand. This is one response – admittedly limited and tentative - to a lament frequently formulated by writers from the region: «how come we are powerless at developing knowledge from our own tradition»?
- الدخلي والخارجي
- أثنروبولوجيا
- العصبية
- القبيلة
- Emic / Etic
- Tribe
- Asabyya
- Anthropology
خطوة في طريق تأسيس خطاب أنثروبولوجي مستقل ***
A Step toward an Arab Anthropological Discourse ****
ملخص: أحاول في هذه الورقة شق طريق نحو بناء خطاب أنثروبولوجي ذي معنى دقيق
ومستقل في آن واحد، وملائم لدراسة القبيلة والقبلية في المغرب والمشرق العربيين. أنطلق
في هذا البحث من العلاقة الجدلية بين «الداخلي» و«الخارجي» معرفيًا، لأتناول من خلالها
مفهوم القبيلة وتطبيقاته على مجتمعات منطقتنا. وباختصار شديد، سأعرض أهم أفكار
الحقبة الكولونيالية وما بعدها بغاية الذهاب بها إلى أقصى مداها، حيث تتكشف حدودها
الإبستيمولوجية. وبعد كشف أزمتها، سأخضع خطابها لعملية مواجهة بينها وبين المعرفة
الأمازيغية- العربية حول ظاهرة القبيلة. وسن حَظ عندها أن هذه المعرفة تضيء الظاهرة
المدروسة بطريقة أكثر فعالية، اعتمادًا على جهد مفاهيمي ينغرس في «المعرفة الداخلية»
ليصل إلى «المعرفة الخارجية». سنطبق هذا التمشي على مثال مفهوم العصبية، انط قااًا من
اللغة العربية، ليجري الانتقال به، من طريق المقارنة، من الحالات المختلفة إلى مستوى
التعميم، ومن ثم إلى مستوى الابتكار المفاهيمي.
Abstract: The aim of this article is twofold. The first is to reconsider a phenomenon that has been neglected or marginalized by nationalist thought and the postcolonial critique in anthropology: tribe and tribalism in the Maghreb- Machreq region.The second is an experiment in how to produce a new discourse in anthropology which results from a confrontation between the epistemic tradition of that discipline on the one hand, and the epistemic tradition of that region on the other hand. This is one response – admittedly limited and tentative - to a lament frequently formulated by writers from the region: «how come we are powerless at developing knowledge from our own tradition»?
يهدف هذا البحث إلى وضع لبنة تكميلية لمحاولة أولية قمت بها في سبيل إعادة صوغ الأنثروبولوجيا. وهي تندرج ضمن مشروع كان له حضور دائم في ذهني، لكني فضّلت القيام بالتجربة الميدانية قبل الخوض في مصاعبه. يتعلق الأمر بمجهود يرمي إلى تأسيس خطاب أنثروبولوجي نابع من التراث المعرفي لمنطقتَي المغرب والمشرق. وكنت أشرت في المناسبة نفسها
إلى الانتقادات الشديدة والمتواترة التي طاولت الموروث الكولونيالي، وإلى الأصوات التي نادت بإتيان البديل أو بالتخلي تمامًا عن الأنثروبولوجيا. ولكن البديل هو وضع الأسس لخطاب متميز لم يتحقق بعد. وبحسب علمي، لم تتعد آخر المحاولات استبدال خطاب غربي قديم بخطاب غربي متجدد. سوف تظهر هذه النقطة بجلاء بعد توضيح الموقف، من خلال التحليلات التي أقدّمها في صورة بحثي
هذا، لكني أرى من الضروري في المقدمة تناول الأسئلة العريضة، وكذلك المنهج الذي سأتّبعه. قررت أن أسلك طريق الرجوع إلى ظاهرة ومفهوم كانا يحتلان الصدارة في الأنثروبولوجيا لزمن طويل، سواء تعلق الأمر بمنطقتنا أو بمناطق أخرى من المعمورة: أعني ظاهرة القبيلة والقبلية. وقد ارتأيت العودة إليهما من خلال ثنائية تلائم الهدف المنشود، وهي ثنائية «الداخلي والخارجي» (المعروفة في الأدبيات بثنائية etic /.. emic). فالمشروع إذًا يتوخى وضع لبنات في التأسيس لخطاب أنثروبولوجي مستخرَج من إرث منطقتنا.
ولئن انحصر المشروع هنا في الأنثروبولوجيا، فإني أشعر بإمكان تمديد العملية نفسها إلى ميدان العلوم الاجتماعية برمّته، وأن يتعدى المشرق والمغرب إلى مناطق أخرى. ومع هذا، فإني حددت لهذا
البحث حقلً ضيقًا جدًا، وذلك عن قصد، لأنني أردت له أن يكون بالأساس ميدانًا اختباريًا. من أجل ذلك، يعيد هذا العمل فتح النقاش من جديد في موضوع القبيلة الذي همَّشه الفكر القومي من
جهة، والتيار النقدي في الأنثروبولوجيا من جهة أخرى؛ فالأول اعتبر أن القبيلة تمثّل عقبة في طريق بناء الدولة الوطنية الحديثة، بينما صنَّفها الثاني في خانة الظواهر المتجاوزة، وحاول تعرية الأصل الكولونيالي
في التنظير لها. في هذه الورقة، لا أروم مناقشة تلك الأفكار مجددًا، ولكن أحاول طرح مشروع، هدفُه
الرجوع إلى الظاهرة نفسها قصد استخراج مفاهيم بديلة من تحليل المعرفة الأنثروبولوجية، ومقابلتها بالرصيد العربي في هذا الموضوع. والمقابلة التي سأقوم بها سوف يكون أساسها التحليلي ثنائية المعرفة الداخلية والخارجية، وهي الثنائية التي أتت في العنوان في صيغة «الداخل والخارج» (etic/emic). بقي لي أن أزيد ملاحظة إضافية لتوضيح الموقف؛ إنني إذ أحصر اهتمامي في منطقتي المغرب والمشرق، لا أدّعي أن الظاهرة القبلية مهيمنة هناك، كما أني لا أسعى إلى تقديمها أداةً تفسيرية تخترق التاريخ.
(((عبد الله حمودي، في إعادة صياغة الأنثروبولوجيا (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2010.) (((المرجع نفسه، ص.20-18
(((انظر: نذير معروف، فوزي عادل وخديجة عادل (إشراف)، أي مستقبل ل نأأثروبولوجيا في الجزائر؟ (وهران: مركز البحث في الأنثروبولوجية
الاجتماعية والثقافية، 0022)، ص 63-47. أخذ المؤلفون عن بعض الأنثروبولوجيين الفرنسيين أفكارهم في نقد الأنثروبولوجيا الكلاسيكية، منها
أن الأنثروبولوجيا لم تعد اليوم تتخصص في ما هو «بدائي»، وأنها أصبحت تدرس كل المجتمعات المعاصرة على حد سواء، وأن ظاهرة الهجرات
والعولمة تطرح مشكل الهوية والاختلاف في كل مكان. وهذا أيضًا برنامج فرنسي غربي يُستورد باسم التأسيس لخطاب عربي متميز في الأنثروبولوجيا.
يتمثّل المجهود في العودة إلى ظاهرة تتحول باستمرار -فااًا لبعض الأفكار الراسخة حولها خ - مع المحافظة على بعض من عناصرها المثيرة. ويتعلق الأمر بنوع من المجموعات البشرية - السياسية، تُعرف عمومًا باسم «قبيلة»، وتعمل النظم السلطوية المحلية، كما القوى الأجنبية، على استغلالها في
تنفيذ أهدافها كما هي الحال في العراق مثلً. وبالفعل، توجد حاليًا في منطقتنا قبائل تعيش إما في
صراع مع الدول الوطنية ما بعد الكولونيالية، وإما في علاقة تعايش معها. بل أكثر من ذلك، إنها تؤثّر في دينامياتها الاجتماعية والسياسية. يتجلى هذا الأمر في موريتانيا وعراق ما بعد حزب البعث والجزائر وسورية، من دون أن ننسى الحالة
الليبية التي لا لَبس فيها. ويمكن أن نشير هنا إلى أن الرابط القبلي لا يُظهر فقط قدرته على التأقلم مع
الظروف المختلفة المستجدة على المستوى الوطني أو القومي، بل إنه يدخل أيضًا في ما هو إثني، وفي بناء الشبكات ما فوق الوطنية ضمن الحركات الناتجة من العولمة. هذا يعني أن إذا كان الخطاب الأنثروبولوجي الكلاسيكي قد أفاض في الاهتمام بالظاهرة القبلية، فإنه لا يمكن اختزال هذه الأخيرة في قوة السلطة الخطابية كما يرى طلال أسد، أو في تأثير ذلك الخطاب بفعل علاقته بالذكورية. بطبيعة الحال، لا يخلط هؤلاء المحللون بين الخطاب والواقع، وتفكيرهم النقدي كله موجّه بالأساس
ضد النظرية الانقسامية. وبما أن هذه الأخيرة كانت قد هيمنت على البحث في الظاهرة القبلية بصفة تعسفية، فإن توجيه الانتقادات إليها كان وجيهًا، لكن تفكيكهم للمسألة انتهى بإقصاء الظاهرة من
ميدان البحث بطريقة لا تقل تعسفًا في نظري. غير أن تهميش الظاهرة القبلية خلال العقود الماضية،
وهذا أمر ملموس في الأبحاث الأميركية مثً، لا يجري بالحدة عينها في أماكن أخرى من العالم؛ ذلك أن الباحثين، أصيلي المشرق والمغرب، أولئك الذين يتعاملون مع الظاهرة ورهاناتها السياسية بوتيرة مرتفعة نسبيًا، قد بدأوا منذ عشرين سنة في تفحصها من جديد بشكل فعلي، سواء بمفردهم أو
بالتعاون مع باحثين فرنسيين بالأساس.
(4) David Scott, «The Trouble of Thinking: An Interview with Talal Asad,» in: David Scott and Charles Hirschkind (eds.), Powers of the Secular Modern: Talal Asad and his Interlocutors , Cultural Memory in the Present (Stanford, Calif.: Stanford University Press, 2006), pp. 250-251. (5) Lila Abu-Lughod, «Zones of Theory in the Anthropology of the Arab World,» in: Annual Review of Anthropology (Palo Alto, Calif.: Annual Reviews Inc., 1989), pp. 280-284 and 287.
(((المختار الهراس، القبيلة والسلطة: تطور البنيات الاجتماعية في شمال المغرب (الرباط: المركز الوطني لتنسيق وتخطيط البحث العلمي
والتقني، 1988)؛ رحمة بورقية، الدولة والسلطة والمجتمع: دراسة في الثابت والمتحول في علاقة الدولة بالقبائل في المغرب (بيروت: دار الطليعة،
1991)؛ Hosham Dawod: «Tribus et pouvoirs en Irak: De Saddam Hussein au général Petraeus,» dans: Hosham Dawod (dir.),
La Constante tribu: Variations arabo-musulmanes , quaero (Paris: Demopolis; Fondation maison des sciences de l’homme (FMSH), 2013), pp. 215-239, et Tribus et pouvoirs en terre d’islam , sociétales (Paris: A. Colin, 2014); Yazid Ben Hounet, «Gérer la tribu?: Le Traitement du fait tribal dans l’Algérie indépendante (1962-1989),» Cahiers d’études africaines , vol. 48, no. 191 (2008), pp. 487-512; Pierre Bonte [et al.], La Quête des origines: Anthropologie historique de la société tribale arabe (Paris: Ed. de la Maison des sciences de l’homme, 1991); Dawn Chatty (ed.), Nomadic Societies in the Middle East and North Africa: Entering the 21st Century , Handbook of Oriental studies. Section one, Near and Middle East; 81 (Netherlands; Boston: Brill, 2006); Abdellah Hammoudi [et al.]: Projet de développement des parcours de l’Oriental, phase I (Rabat: MARA; IAV, 1990), et Projet de développement des parcours de l’Oriental: Etude sur le changement et l’innovation, phase II (Rabat: MARA; IAV, 1992); Myriam Benraad, «Une lecture de la sòahòwĀ ou les mille et un visages du tribalisme irakien,» Etudes rurales , no. 184: La Tribu à l’heure de la globalisation (2009), pp. 95-106; Mohamed Mahdi, «La Tribu au secours du développement pastoral,» Etudes rurales , no. 184: La Tribu à l’heure de la globalisation (2009), pp. 133-148, et Pascal Mulet, «Exploiter
les territoires, maîtriser l’espace: Economies de montagne dans le Haut-Atlas marocain,» thèse de doctorat en Anthropologie sociale et ethnologie, Ecole doctorale de l’Ecole des hautes études en sciences, Ecole normale supérieure, Paris, 2015.
في ما يتعلق بأهمية الظاهرة وقدرتها على التحول، قدمت تلك الأبحاث إضاءات ضرورية في هذا المجال. بيد أن فهم طبيعة الرابط القبلي يحتاج إلى المضي مسافة أبعد في إعادة التنظير للمسألة، وهو مشروع يطرح بشكل فوري سؤال المقاربة المناسبة. وتبعًا لذلك، يمكن تلخيص الجواب عن
هذا السؤال كالتالي: عوض اعتبار القبيلة كيانًا له شكل ومضمون ثابتان، سأحاول تحليلها على أساس أنها تمثّل كيانًا يتشكل بحسب نمط علائقي متميز ذي مضامين متغيرة. وهكذا، ربما يصبح
بإمكاننا تفادي جوهرانية المناهج الكلاسيكية التي تجعل من القبيلة مجتمعًا معزولً عن التشكيلات
الاجتماعية التاريخية الكبرى. وبشكل أدق، تهدف خطتنا إلى الكشف، من داخل الرابط القبلي، عما يدفع بديناميات القبيلة كمجوعة بشرية. وإذ نسجل تقدمًا في رصد التعايش بين القبائل والدول،
ورصد التحول في البِنى القبلية، فإن طاقة الدفع التي تأتي من طبيعة الرابط القبلي في حد ذاته لم
تحظ بقدرٍ كافٍ من الاستكشاف. أخيرًا، ينبغي أن أشير إلى أني لا أقلل من تأثير الديناميات الشاملة،
الوطنية والعالمية؛ فالتحليل يرمي تحديدًا إلى الكشف عن قدرات الظاهرة القبلية على التغير، وعن مرونتها في التأقلم مع الظروف. يتطلب هذا البرنامج عودة إلى التقليد الأنثروبولوجي الذي تناول الموضوع في منطقتنا. لذلك، سأخصص قسمًا كبيرًا من الورقة لعرض حالات معدودة، معترفًا في الوقت ذاته بالاعتباطية النسبية في
اختيار هذه الحالات، وأملي هو أن تغطي الفوائد المنهجية التي سنجنيها من هذا المنحى سلبيات اختيار تلك النماذج. وعلى كل حال، يبدو أن عرض عدد أكبر من الحالات ربما لا يفيد أكثر من تكرار الجوانب الأساس في التشكيلات القبلية. أشير إلى أنني أرجع إلى الصورة التي كوّنتها الأدبيات
الأنثروبولوجية عن القبيلة إلى حدود الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وليس غرضي هنا تقديم تشخيص مستفيض للتحولات التي عرفتها، أو التنظير لها. لذلك، أكتفي بذكر التحولات في بعض الحالات فقط، وأحيل القارئ إلى الدراسات التي اهتمت بهذا الجانب. وعليه، فسأعرض
الحالات أولً، وأما القضايا النظرية والمنهجية، فستظهر في إطار إشكالية أشمل يتناولها الجزء الثاني من هذه الورقة. في هذه المرحلة من التحليل، يظهر مبكرًا بعض أوجه الرابط القبلي، وتحديدًا بعض الأوجه التي
يجرى عادة تسجيلها من طرف المؤلفين، لكنهم إما يتناسونها وإما يقصرون في تحليلها. ويتعلق الأمر خاصة بمدونة الأسماء والتصنيفات التي يعتمدها الناس أنفسهم في ضبط الوحدات المورفولوجية التي يقصدونها عند الكلام على القبيلة؛ ففي مقابل عدم دقة هذه التسميات والتصنيفات، يستدعي
الأنثروبولوجي المفاهيم المعتمدة في اختصاصه، ويمتنع عن التقدم شوطًا أبعد في فهم معرفة مخبريه
أولً. وأكتفي هنا بتقديم ملاحظتين تخصان سلاسل النسب. الملاحظة الأولى تتمثّل في أن المخبرين الذين يلجأ إليهم الأنثروبولوجيون للتعرف إلى المجتمع موضوع البحث يقدمون إلى هؤلاء «شجرة» أنساب تربط بين أعضاء المجموعة، وتقوم أساسًا على
(7) Hosham Dawod: «Étatiser les tribus et tribaliser l’État,» Esprit, no. 272 (Février 2001), pp. 21–41, et Tribus et pouvoirs en terre d’islam , sociétales (Paris: A. Colin, 2004).
القرابة. الملاحظة الثانية هي أن المخبر غالبًا ما يجيب الأنثروبولوجي، كلما استفسره حول معلومات
تفتقد الوضوح، بأن شجرة الأنساب التي يعرضها عليه شفويًا هي من وضع الأجداد، أو أن تلك
هي «العادة». وهذا جواب يعرفه كل من أجرى أبحاثًا ميدانية في هذا المجال، بمن فيهم كاتب هذا المقال. إن ما سأقوم به في ما تبقى من هذه الورقة هو البرهنة على أن هذا الجواب يمكن أن يحيل إلى شيء آخر غير اللامعرفة؛ وربما لا يحيل بالضرورة إلى رفض الإجابة عن السؤال. أضف إلى ذلك أن
موقفَيْ الباحث والمخبر يتشكلان بالتفاعل بينهما في ظل افتراضات متنوعة: مثلً، أن يفترض المخبر
أن الباحثين الذين يتعامل معهم يعرفون أن جوانب من تلك الظواهر التي يبحثون فيها توجد مسجَّلة
كتابيًا عند الطبقة المتعلمة من المجتمع نفسه، كما هي الحال في منطقتنا. سأعود في الجزء الثالث من هذا البحث إلى تفحص الرابط القبلي، وستكون هذه العودة – وهذا أمر حيوي – بالقطيعة مع قاعدة كانت سائدة، وما زالت سائدة إلى حد ما، عند الأنثروبولوجيين، ألا وهي فصل المعرفة الشفوية عن المعرفة المكتوبة. والقطيعة التي أتبناها من الآن فصاعدًا تملي عليَّ
أن أتعامل مع الشفوي والكتابي على أساس أنهما وجهان لتراث واحد، وهذا يفرض مقابلة المعرفة الأنثروبولوجية بالمعرفة التي أنتجها العرب والأمازيغ أنفسهم، والتعامل مع مفاهيمهم على قدم المساواة مع مفاهيم الأنثروبولوجيين المعاصرين. إن الأنثروبولوجيين لا يعتمدون المنهج الذي أشرت إليه في التعامل مع تراث المنطقة، وبهذا يغلقون على أنفسهم الأبواب التي يمكن أن تفتحها تلك الطريق، حتى لو ولجوه، وإن جزئيًا، كما يظهر في
بعض المحاولات، مثل محاولة كويزونيي؛ فالمقاربة التي نقترحها تقوم على مواجهة المعرفة التي أنتجتها منطقتنا بالمعرفة التي أنتجها الأنثروبولوجيون، وهي مقاربة تتلاقى مع التمييز الكلاسيكي بين «الداخلي» و«الخارجي»؛ تلك الثنائية التي تحيل في هذا السياق إلى نوعين من المعرفة: المعرفة «الحميمية» والمعرفة «الموضوعية». هذا القرار المنهجي يقتضي الذهاب والإياب بين تقليدين. ويقتضي فتح النقاش حول ضرورة أن
تُؤسِس الأنثروبولوجيا مفاهيمها بناء على تلك التي أنتجتها المجتمعات المدروسة نفسها. إن الحقل الذي يمكن هذه المقاربة أن تفتحه شاسع جدًا، ويمكنه أن يتوسع ليشمل مناطق أخرى من العالم. لكن اهتمام البحث الذي أقدّمه ينحصر في منطقتَي المشرق والمغرب، كما أشرت، وينحصر، كتجربة، في تعبئة جوانب محدودة من المعارف التي تراكمت في مجتمعاتنا بشأن الظاهرة القبلية، سواء كانت معرفة عملية متداولة في الحياة اليومية، أو كانت معرفة مصنَّفة في خانة العلم. ولتوضيح الفكرة،
سوف أكتفي بإعادة تحليل مفهوم مركزي هو مفهوم «العصبية» الذي يرجع الفضل في وضعه، كما هو معروف، إلى ابن خلدون؛ فكثير من الأنثروبولوجيين يكررون ذكره من دون المراجعة النقدية للمكانة
(((وهي معرفة أخذها الأنثروبولوجيون شفويًا عن مخبرين أمازيغ وعرب، ومن معرفة مدونة باللغة العربية. (((معروف أن التقليد الأنثروبولوجي كان يبدأ بتشخيص تصورات المجتمعات بناء على البحث الميداني، أو أخيرًا بتسجيل
خطابات النساء والرجال الذين قابلهم الأنثروبولوجي في الميدان، أو استقى خطاباتهم من وسائل الاتصال المتعددة. لكن غالبًا ما
لا تُعتبر تلك التصورات بمثابة مفاهيم أنثروبولوجية، فأحيانا يسميها الأنثروبولوجيون رموزًا، كما فعل غيرتز، أو خطابات كما فعل آخرون، ولكنهم لم يعتبروها مفاهيم أنثروبولوجية.
الإبستيمولوجية الهامشية التي يحشرون فيها العلم العربي الذي أنتج ذلك المفهوم. لكني، وفي ختام هذه المقدمة، أزيد شيئًا مهمًّا لتوضيح الفكرة؛ ذلك أني أرجع إلى الموروث العلمي والثقافي لمنطقتنا
مقرونًا بالرجوع إلى الإرث الأنثروبولوجي، قصد الوصول إلى هدفين مقرونين أيضًا: الأول هو تحديد طبيعة الرابط القبلي؛ أما الثاني، فهو هدف أشمل وحيوي، باعتبار خطورته المنهجية، ويكمن في شق طريق نحو خطاب أنثروبولوجي متميز من الخطابات السائدة في الجامعات الأوروبية والأميركية. وقد حرصت على وضع لبنة نظرية في هذا الشأن من خلال الرجوع إلى ظاهرة كانت مركزية تاريخيًا،
وما زالت لها أهميتها اليوم في حياة شعوب المنطقة. وبحسب رأيي، فإن هذا المسلك ربما يتفادى العموميات التي لا تأتي بجديد، وقد يتفادى في الآن نفسه أنواعًا من النقد المعروف والذي غالبًا ما
يدور في حلقات مفرغة.
القبيلة في التقليد الأنثروبولوجي
يظل التقليد الأنثروبولوجي، كما نعرفه اليوم، تقليدًا أوروبيًا- أميركيًا بالأساس. لكن من السهل أن نجد
مؤلفين ينتمون إلى تقاليد فكرية أخرى، قاموا هم أيضًا بدراسة قضايا مماثلة، وتوصلوا من جانبهم إلى نتائج ذات أهمية بالغة. وفي ما يهم منطقتنا، يمكن أن نشير إلى البيروني (القرن الحادي عشر) وابن خلدون (القرن الرابع عشر) اللذين لا تعطيهما الأنثروبولوجيا المعاصرة سوى مكانة هامشية. وفي الواقع، هذه هي أيضًا حال مؤلفين آخرين في مجالات معرفية أخرى، مثل الجغرافيين العرب الذين درسهم أندري ميكال. ومهما يكن، فإن موضوع تلك المعارف عريض ومتشعب يتعدى الأمثلة التي ذكرت، والتي أردتها إشارة فقط قبل عرض الحالات المأخوذة من التقليد الأنثروبولوجي المعاصر، وبعد التمهيد لها بملاحظات تخص الكيفية التي تمت بها عملية البناء الأنثروبولوجي لتلك الحالات.
ملاحظات في المنهج
كل محاولة لدراسة ظاهرة القبيلة في المغرب والمشرق تلقى صعوبات قليلً ما يعالجها الأخصائيون.
هناك أولً تلك الطريقة التي يسلكها الباحثون للحصول على المعلومات، وهي الطلب من المخبرين وصف الوقائع، وهذا يعني أنهم – باستثناء حالات نادرة – يتعاملون مع معرفة شفوية. وما يلفت الانتباه ثانيًا هو أنهم يصلون إلى الميدان بمفهوم جاهز للقبيلة، له جذور يونانية – رومانية - جرمانية،
ثم يحاولون العثور له على مقابل في العربية والأمازيغية. هذا يعني أنهم نادرًا ما كانوا يتعلمون اللغة
العربية المكتوبة ل ط عاا على المعرفة العالمة والمتوافرة عن الموضوع بهذه اللغة. أما الصعوبة الثالثة، فتكمن في التعامل مع المعلومات الشفوية التي يدوّنها الباحث. في أغلب الأحيان تُعالج تلك
الحصيلة الإثنوغرافية بإحدى الطريقتين التاليتين: إما يقوم الباحث بتحليلها بهدف البحث عن منطق
ضمني، وإما يعتمد منذ البداية مفاهيم تُصنف المعارف المتداولة في المجتمعات نفسها على أنها «أيديولوجيا». بذلك يتم إخراجها من صنف المعرفة الموضوعية التي تبقى حكرًا على الأنثروبولوجي،
فيتوهم هذا الأخير أنه بهذه الطريقة يقف على حقيقة الرابط القبلي، فيحدده مثً ضمن المنطق
((1(أتحاشى هنا عن قصد استعمال كلمة «غرب» وثنائية «شرق»/ «غرب.»
السياسي، أو المنطق الاجتماعي الذي يخضع في نهاية المطاف لطبيعة علاقات الإنتاج.. ومن ثم يبقى الرابط القبلي في حد ذاته غائبًا عن التحليل أو يكاد. على كل حال يقدّم الأنثروبولوجي الأشياء بطريقة تتضمن فرقًا بين ما هو أيديولوجي وما هو مصلحة سياسية اقتصادية، حتى وإن احتاط، مثلما فعل كيتن، بالتركيز على الألفاظ ودلالاتها التي تحيل إلى معاني الأفعال من وجهة نظر الفاعلين. وهناك أيضًا نوع آخر من هذا الفرق مستوحى من بورديو، يتمثّل في مقابلة الأيديولوجيا بالممارسة، وهو ما فعله، على سبيل المثال، ديل أيكلمان عندما وصف القبيلة، مميزًا بين الفكرة من منظور أيديولوجي والفكرة ذاتها من منظور «عملي». ومضمون الفكرة الأولى هو ما يقوله المخبرون، أما مضمونها «العملي» فهو ما يخلص إليه الأنثروبولوجي من خلال تحليل ما يعتبره مضمونًا أيديولوجيًا في خطاب المخبرين. في ما يخص مقابلة الأيديولوجيا بالمصلحة وبالعمل، أود لفت الانتباه إلى ما يلي: في الأمثلة التي يقدّمها الأنثروبولوجيون بشأن ما تمثّله القبيلة، لا نجد في المعطيات والأفكار التي يقدمها المخبرون نظرات متناقضة بشأن ماهية القبيلة كمفهوم. وهناك أدبيات كثيرة حول هذا الموضوع تؤكد ذلك؛ إذ لا توجد داخل القبيلة أيديولوجيات مختلفة أو متصارعة تناقض ذلك التماسك. لذلك، فإن مفهوم الأيديولوجيا يبدو غير مفيد في مجال دراسة القبيلة. وعمومًا، يمكن القول إن في جميع الحالات
التي سأعرضها هنا ثمة، كما يبدو، تغافلً عن منطق التصنيفات التي يقوم بها المعنيون بالحياة القبلية أنفسهم؛ فعلى سبيل المثال، نعرف أن هؤلاء الأخيرين يؤكدون أصولهم المشتركة من خلال الحديث عن روابط الأصل والقرابة والدم. وبطبيعة الحال، يمكن جمع هذه الروابط كلها في كلمة واحدة هي «القرابة»، ثم البرهنة، كما يفعل الأنثروبولوجيون، على أن القرابة شيء لا يمكن دائمًا إثباته بالحجة
الملموسة، وأنه في كثير من الأحيان يؤتى بها قصد تحصين التماسك بدلً من إثبات الأصل المشترك. هذا صحيح، بيد أن مخاطبيهم لا يجهلون أن هذا الأمر ليس سوى مجرد اتفاق! في الواقع، وكما لاحظت أع هاا، عندما يكثف الأنثروبولوجي الأسئلة بشأن هذه القضايا، كما كنت أفعل شخصيًا في الأبحاث الميدانية، فإنه يجد نفسه أمام جواب وحيد: «هذا هو الموجود، هذه
هي العادة». لكن عوض محاولة فهم هذا الجواب كما هو، جرى ترك الأمر على حاله والمرور مباشرة نحو مؤشرات المصلحة (خاصة الاقتصادية)، أو «الممارسة». ولكن عندما نتمعن في الجواب
(11) Talal Asad, The Kababish Arabs: Power, Authority and Consent in a Nomadic Tribe (London: C. Hurst, 1970), p. 240; «Political Inequality in the Kababish tribe,» in: Ian Cunnison and Wendy James (eds.), Essays in Sudan ethnography, Presented to Sir Edward Evans-Pritchard (New York: Humanities Press, 1972), pp. 135-138, and Steven C. Caton, «Anthropological Theories of Tribe and State Formation in the Middle East: Ideology and the Semiotics of Power,» in: Philip S. Khoury and Joseph Kostiner (eds.), Tribes and State Formation in the Middle East (Berkeley, Calif.: University of California Press, 1990), pp. 89-90. (12) Dale F. Eickelman, The Middle East: An Anthropological Approach , Prentice-Hall Series in Anthropology (Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall, 1981). (13) Dale F. Eickelman: The Middle East , p. 88, and Moroccan Islam: Tradition and Society in a Pilgrimage Center , Modern Middle East Series; no. 1 (Austin: University of Texas Press, 1976), pp. 105-121.
المذكور، ندرك أنه يمكن أن يحيل إلى فكرة الاتفاق، أو يشير إلى أن هناك آخرين يعرفون الجواب: أي المختصون في المعرفة المكتوبة تحديدًا. نسجل أيضًا أن حُجج القرابة والانتساب تتجاوز الشفوي والمكتوب لتشمل عناصر أخرى مشتركة:
أط لاا سكن قديم، آثار متجاورة، بقايا شبكة توزيع للمياه، مزارات، مقابر، بقايا لهجة مشتركة.... لكن الأهم هنا هو أن المعنيين بهذه الحجج يعرفون أنها تتشابك مع أخرى في صنع فكرة الأصل
المشترك. من هذا المنظور، لربما أن هذه الأرضية تشكّل وضعية يكون فيها الأنثروبولوجيون هم الضحايا الوحيدين للمعنى المطلق الذي يعطونه للوقائع! وعلى كل حال، فإن مخاطبيهم لا يؤكدون أبدًا أن خط النسب الذكوري الصريح هو القاعدة الوحيدة التي يقوم عليها الوجود المشترك، بل بالعكس، فهُم لا ينكرون المواءمات التي تفرضها الظروف. وهكذا، فإن التشديد على عادة بعينها لا
ينفي إمكانية تكييفها مع جوانب أخرى من الحياة؛ إذ إن بمجرد تأسيسها تبدأ عملية التكييف على أساس أنها قواعد يعرفها الجميع ويعترف بها. لهذا، يكون من الأفضل تنسيب التمييز بين الأيديولوجيا والممارسة، وذلك بغضّ النظر عن جميع الخلفيات النظرية. وإن نحن أخذنا هذا المبدأ بعين الاعتبار، فإنه يسمح لنا بأخذ المسافة من بعض التعريفات المتداولة بشأن القبيلة. بحسب غودليي، تمثّل القبيلة «شكلً من أشكال المجتمع، يتكوّن عندما يتحد ويتضامن رجال ونساء
يعتبرون أنفسهم أقرباء - على أساس حقيقي أو افتراضي- عبر التناسل أو المصاهرة، من أجل السيطرة
على مجال ترابي محدد، وتملُك موارده التي يستغلونها بصفة مشتركة أو خاصة، مع الاستعداد للدفاع عنها بالسلاح. والقبيلة تحمل دائمًا اسمًا خاصًا تُعرف به. ويضيف غودليي أن هناك ثلاثة أنواع من
الوظائف دائمة الحضور في هذه المجتمعات: التعريف بالهوية، الدفاع والحكم، والدين الذي يخترق جميع علاقات القرابة، ليكون بذلك مصدر تضامن يتجاوز التضامن الذي يُفترض أن القرابة تحققه.
ويذكّر بعد ذلك بالمجموعات التي يترابط الأفراد داخلها على أساس القرابة (تُسمى باللاتينية gens): عشائر أو سلالات أو بيوت، والفكرة الأساسية هي «التوالد والتوليد». وبتجميعها تُكون هذه الوحدات تشكيلة أوسع، هي القبيلة. أما الأنثروبولوجيون الفرنسيون، الذين اهتموا بالمغرب الكبير، من ماسكري إلى بيرك، فاستعملوا من جهتهم مفردتَي « gens و«» gentilice » لوصف رابطة التضامن التي هي، بحسب رأيهم، من مواصفات الجماعات القبلية المستقرة في البلاد المغاربية. وفي أيامنا هذه، استعيدت الأصول الهندو - أوروبية لمفردة « tribu » بالرجوع إلى بنفنيست، وطبّقها كثيرون، بلا مراجعة نقدية، على المجموعات القبلية في منطقتنا.
(14) Maurice Godelier, Les Tribus dans l’histoire et face aux États (Paris: CNRS éd., 2010), p. 17. (15) Ibid., pp. 17 et 22. (16) Émile Masqueray, Formation des cités chez les populations sédentaires de l’Algérie (Kabyles du Djurdjura, Chaouïa de l’Aourâs, Beni Mezâb) (Paris: E. Leroux, 1886), et Jacques Berque: Structures sociales du Haut-Atlas (Paris: Presses universitaires de France, 1955), and L’Intérieur du Maghreb: XVe-XIXe siècle , bibliothèque des histoires (Paris: Gallimard, 1978). (17) Emile Benveniste, Le Vocabulaire des institutions indo-européennes, 1: Economie, parenté, société , sommaires, tableau et index établis par Jean Lallot (Paris: Editions de Minuit, 1969), p. 258; Maurice Godelier, «Le Concept de tribu. Crise d’un concept ou crise des fondements empiriques de l’anthropologie?,» Diogène , vol. 81, no. 1 (1973), pp. 3-28, et Bonte [et al.], pp. 15 et 17.
في هذه الكتابات، لم تجر مواجهة الأصل الهندو - أوروبي بأصول التسمية الشائعة عندنا: «قبيلة، ڤبيلة، تقبيلت». ويظهر أنه في حين تلتقي الكلمات المستعملة، هناك وهنا، في المكانة التي تعطيها
للقرابة، فإن المعرفة التي تنتجها مجتمعاتنا حول هذه النقطة تعتمد أصولً لغوية مغايرة يمكن أن تفتح دروب استكشاف أخرى توفرها المصادر العربية. يمكن في هذه النقطة الإشارة إلى المحاولة التي قام بها بونت وهامس وكونت وولد الشيخ في هذا الاتجاه، وكانت قد سبقتهم إلى ذلك أعمال غير متكافئة القيمة لكل من شلحود وكويزونيي). بناء على ما سبق، ومن وجهة نظر معيّنة، يمكن اعتبار تعريف غودليي للقبيلة تعريفًا خياليًا إلى حد
ما؛ فهو يَدعي أن القبيلة تشكّل نوعًا من المجتمعات يتكوّن عندما «يجتمع رجال ونساء ويتضامنون».
والسؤال هو: هل كان الأنثروبولوجي حاضرًا لمشاهدة ذلك التكون؟ وإن كانت هنا وثائق تشهد
بذلك، فهل أُشير فيها إلى النساء مثً؛ لهذا تبدو محاولة غودليي بمثابة تعريف تكيَّف صاحبه مع
مكتسبات الحركة النسوية. في نهاية الأمر، عندما يكتب الأنثروبولوجي أن القبيلة تشكّل «نوعًا من المجتمعات»، فإن هذا يمكن
أن يثير شيئًا من الريبة بشأن هذه الفكرة، خاصة بالنسبة إلى منطقتنا، لأن ذلك القول يعيد إلى الأذهان
فكرة مفادها وجود مجتمعات ب دولة، من نمط معروف أُطلق عليه لفظ «مجتمعات انقسامية». والمثير هو أن غودليي نفسه أكد التعايش بين القبيلة والدولة أو اندماج الأولى في الثانية. وكان قد أكد ذلك كثيرون قبله. وكما سأبيّن، فإن معارف المنطقة تلح، بالعكس، على دور القبائل في إنتاج
التجمعات السياسية الشاملة. من المعروف أن ظاهرة القبيلة تستعصي على التعريف، وذلك بفعل اختلاف المورفولوجيات وأحجامها، واخت ف نوعية التماسك بين مكوناتها، وقد أشار إلى هذا المشكل عدد من الأنثروبولوجيين؛ فريتشارد تابر أعاد طرحه، ولاحظ أن من الصعب صوغ تعريف على أساس المعرفة الأهلية يرقى إلى درجة مفهوم تحليلي يسمح بمقارنة التجمعات المختلفة التي تنضوي تحت مفردة قبيلة. ولا بد أن
(18) Bonte [et al.], La Quête des origines. (19) Joseph Chelhod, «Les Structures dualistes de la société bédouine,» L’Homme , vol. 9, no. 2 (1969), pp. 89-112, et Jean Cuisenier, Economie et parenté: Leurs affinités de structure dans le domaine turc et dans le domaine arabe , le monde d’outre-mer passé et présent. 1e série, études; 40 (Paris; La Haye: Mouton; Paris: Ecole pratique des hautes études, 1975), resp. (20) Abdellah Hammoudi, «Segmentarité, stratification sociale, pouvoir politique et sainteté. Réflexions sur les thèses de Gellner,» Hespéris-Tamuda , vol. 15 (1974), pp. 147-180; Larbi Mezzine, Le Tafilalt: Contribution à l’histoire du Maroc aux XVIIe et XVIIIe siècles , préf. de Claude Cahen, publications de la faculté des lettres et des sciences humaines: Thèses et mémoires; 13 (Casablanca: Impr. Najah el jadida, 1987), pp. 273-274 et 278; Pierre Bonte, «Pasteurs et nomades, l’exemple de la Mauritanie,» dans: Pastoral Production and Society/Production pastorale et société (Cambridge; New York: Cambridge University Press; Paris: Maison des sciences de l’homme, 1979); Khoury and Kostiner (eds.), p. 3; Lisa Anderson, «Tribe and State: Libyan Anomalies,» in: Khoury and Kostiner (eds.), pp. 300-301, and Godelier, Les Tribus , p. 47. (21) Richard Tapper, «Anthropologists, Historians, and Tribespeople on Tribe and State Formation in the Middle East,» in: Khoury and Kostiner (eds.), pp. 49-50.
أشير هنا إلى أن هدفي هو بالذات مساهمة من أجل تجاوز هذا الإشكال، وذلك بالتركيز على طبيعة محرك الدينامية التي تنتُج منها تمظهرات القبيلة. لهذا، أفضّل الانط ق من تعريف إجرائي محض ل «قبيلة»، وهو كالتالي: بصفة عامة، يتعلق الأمر
بمجموعة يُشار إليها غالبًا بكلمات قبيلة أو تقبيلت. ولأعضاء هذه المجموعة عمومًا مجال ترابي
يعتبرونه ملكًا جماعيًا لهم، ويستغلون موارده بناء على انتمائهم الذي يتفقون هم بأنفسهم على أنه
يأتي من أصل مشترك، كما يعتبرون أنفسهم متضامنين في الدفاع عن ذلك المجال. ومن ناحية أخرى،
يمارس هؤلاء نمط عيش مرتبطًا بفهمهم لإكراهات هذا المجال، وهو نمط يميزهم من أنماط أخرى، خاصة نمط العيش في المدن وسبله.
القبيلة في الأنثروبولوجيا: عرض لحالات من المغرب والمشرق
سيساعدنا تفحّص بعض الحالات على تحديد كيفية اشتغال مفهوم القبيلة بوصفه أداة وصف وتحليل،
ويوفر في الوقت ذاته عناصر ملموسة للنقاش. في هذا الإطار، أعود بشيء من التفصيل إلى حالات بني بطاو وآيت عطا في المغرب، وبني سعدة في ليبيا، والمره في الجزيرة العربية، وهي حالات اشتغل عليها أنثروبولوجيون مشهورون. في الجزء الثاني من هذا العمل، سوف نقف أيضًا على حالات أخرى في سياق بلورة إشكالية شاملة للموضوع. وكما أشرت سابقًا، فإن اختيار الحالات يبقى في آخر المطاف مرتبطًا بتجربتي الخاصة. لكني
اعتمدت على قراءة كتابات كثيرة في موضوع القبيلة، محاولًالوقوف من خ لاا المطالعات على حالات مختلفة ومنتشرة على صعيد المنطقة، كما أني راعيت جدية وكثافة المعطيات التي أتت في كل دراسة. وأخيرًا أشير إلى أن هناك حالة مهمة جدًا هي حالة الرولا في الأردن وما جاورها، وقد أنجز
في موضوعها لانكاستر دراسة مجدِدة، وارتأيت أن أرجع إليها في المناقشات كما هو الشأن بالنسبة إلى محاولة كويزونيي، ذلك أنها تأتي بمعطيات وخلاصات يكتمل بفضلها نقد النظريات الانقسامية يوم كانت شائعة في الميدان. اخترت حالتين من المغرب لوضوح وقيمة الأبحاث الأنثروبولوجية بشأن القبيلة في هذا البلد، لكن من بين هاتين الحالتين، سأترك مثال آيت عطا للأخير، لأن عرضه قبل حالة بني سعدة قد يُحْدث نوعًا
من الخلط بسبب تاريخ النظرية الانقسامية التي سبق استعمالها في ليبيا قبل أن يستعملها غيلنر في المغرب، وتحديدًا في أبحاثه بشأن آيت عطا.
بنو بطاو في السهول الواقعة شمال جبال الأطلس
ندين بالإثنوغرافيا الخاصة بهذه القبيلة لديل أيكلمان، معتمدين أولًالصيغة المختصرة التي نشرها
المؤلف، لأنها مؤطرة بمفهومي «الأيديولوجيا» و«الممارسة» اللذين علّقت عليهما سابقًا.
(22) William Lancaster, The Rwala Bedouin Today , Changing Cultures (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1981). (23) Eickelman, Moroccan Islam , pp. 105-121. (24) Eickelman, The Middle East , pp. 90-91. (25) Ibid., pp. 81 ff.
يختار أيكلمان في وصفه بني بطاو تفادي الصعوبات الاصط حية التي يثيرها تشخيص مكونات هذه المجموعة، وذلك باستعمال مفردات: «قبيلة»، «فرع»، «جماعة محلية»، ومن ثم تنقسم القبيلة،
بحسب تصوره، إلى خمسة فروع. وانط قااًا من مثال فرعين، وهما بنو عيسى وأولاد خلّو، يشير المؤلف إلى أن الفرع الأول ينقسم إلى ثلاث جماعات محلية (مزاكير، أولاد أيوب، الفلالحة)، بينما يضم الثاني أربعًا: أولاد يحّي، أولاد داود، الفكارنة، ذياب. لا يقدم المؤلف الجماعات المحلية
الأخرى لبقية «فروع» القبيلة، ولكننا نعرف أنها هي أيضًا تنقسم بدورها إلى جماعات محلية يزيد
عددها أو ينقص، مثلها مثل بني عيسى وأولاد خلّو. هذا الوصف مأخوذ من كتاب أيكلمان المنشور سلفًا، حيث نجد تمييزًا بين وصف القبيلة بلسان
الأعيان ووصفها بلسان العموم. وقد قُدمت حالة بني بطاو على أنها من النوع الثاني، بينما جرى تقديم حالة أخرى، وهي قبيلة بني جابر، على أنها من النوع الأول. واستعمل المؤلف المثالين ليظهر اخت ف وجهات النظر داخل القبيلة، وكذلك ليُبيّن أن سلسلة النسب القبلية إنما تُستخدم
ك«أيديولوجيا» النسب الذكوري. وهنا يقدم أيكلمان المصطلحات التي يستعملها المخبرون على
أنها «أيديولوجيا السكان المحليين»، وعلى أنها تختلف عن تلك التي يضعها عالِم الاجتماع. ثم
يضيف أن سلاسل النسب المختلفة والأكثر تفصيلً، مثل تلك التي نجدها في حالة بني جابر، هي في الواقع من إنتاج رجال متنفذين سياسيًا: إنها، بحسب نظره، نوع من أنواع الوثائق التي تفسر التجمع
برابطة القرابة، والتي حظيت أيضًا بمساندة الاستعمار في إطار تسهيل إدارة شؤون القبائل.
بنو سعدة في برقة
يعتمد هذا العرض بالأساس على أعمال إمريس بيترز، الذي كان ينتقد في أعماله النظرية الانقسامية، وهي «موضة» العصر آنذاك، تحت تأثير إفانس بريتشارد. وبالنسبة إلى شمال أفريقيا، سبقت البحث الميداني الذي قام به بيترز أبحاث غيلنر. ومعروف أن هذا الأخير طبّق مع بعض التعديلات نظريات
بريتشارد في ما يخص الانقسامية. قام بيترز بدراسة تسع قبائل تُعرف ب «الأحرار»، وتسمى بني سعدة. وارتبطت هذه الأخيرة بقبائل أخرى
تُعرف ب «المرابطين»، انقسمت بدورها إلى نوعين: مرابطون ب«الخير» ومرابطون ب«الصدقة». إجمالً،
(26) Ibid., graph 5-2, p. 90. (27) Eickelman, Moroccan Islam , pp. 108 and 116 resp. (28) Ibid., pp. 105-107. (29) Ibid., p. 105. (30) Ibid., pp. 106-108. (31) Emrys L. Peters: «Some Structural Aspects of the Feud among the Camel-Herding Bedouin of Cyrenaica,» Africa: Journal of the International African Institute , vol. 37, no. 3 (July 1967), pp. 261-282, and «The Tied and the Free: An Account of a Type of Patron-Client Relationship among the Bedouin Pastoralists of Cyrenaica,» in: J.-G. Péristiany (ed.), Contributions to Mediterranean Sociology; Mediterranean Rural Communities and Social Change; Acts of the Mediterranean Sociological Conference, Athens, July 1963 , Publications of the Social Sciences Centre, Athens; 4 (Paris; The Hague: Mouton, 1968). (32) Ernest Gellner, Saints of the Atlas (Chicago: University of Chicago Press, 1969).
يتمتع المرابطون ب«الخير» بالاحترام بصفتهم يعملون على ضمان استمرارية الرسالة المحمدية بتلقين القرآن، وكذلك على اعتبار أنهم صلحاء. وتسمح لهم مكانتهم الدينية الرفيعة بممارسة دور وسيط الخير والسلم بين القبائل. أما الآخرون، فهم تابعون لقبائل «الأحرار» (السعادي)، ويحتلون مكانة دونية بالنسبة إليهم، كما أنهم لا يستغلون الموارد التي يشملها المجال الترابي لهؤلاء إلا في مقابل. تُرجع قبائل بني سعدة التسع أصلها إلى امرأة تحمل اسم «سعدة»؛ فمن هذه المرأة، بحسب الرواية المتداولة، انحدر رجلان ترك كل منهما ولدين. وهكذا يكون لدينا جدان في الجيل الأول وأربعة في الجيل الثاني. ومن بين هؤلاء الرجال الأربعة اثنان ترك كل منهما - بحسب الرواية التي أوردها بيترز- ولدين، بينما ترك الثالث خمسة أولاد. أما الرابع، فلم يترك ذرية (أي من الذكور)، وبذلك اختفى اسمه من شجرة نسب الأجداد بعد الرعيل الأول. نجد إذًا أنفسنا أمام جدين مؤسسين، ثم أربعة (بمعنى x22) ثم تسعة (بمعنى +5 x22)، أي تسعة أجداد في المجموع عند الجيل الثالث، وهو عدد القبائل التي يرُد المخبرون إليها السعادي كلهم في الفترة التي كان فيها بيترز يقوم ببحثه الميداني. تقول
الرواية بعد ذلك إن كل واحد من الأجداد التسعة أنجب ولدين، ومعنى ذلك أن كل قبيلة انقسمت إلى قسمين (نحن في الجيل الرابع)، ثم انقسمت بعدها إلى أربعة (الجيل الخامس). أما في الجيل السادس، فإننا عدنا إلى الانقسام إلى اثنين، وبذلك أصبح لدينا نوع من التوزيع الانقسامي أخذ الشكل التالي: 2، 4، 9، 2،.4 يتفادى بيترز، مثله مثل أيكلمان، التصنيفات التي يستعملها المعنيون أنفسهم بشجرة النسب المذكورة أع هاا، ويعتمد عوضًا عنها تصنيفات أخرى منتشرة بين الأنثروبولوجيين: قبيلة، فروع أولى، فروع ثانية، فروع ثالثة، س لااات، وهكذا. يقوم بذلك كي يتلافى الصعوبات التي يشير إليها بنفسه: على سبيل المثال «قبيلة» تشير تارة إلى القبائل التسع وتارة إلى ما يسميه هو فرع أول أو ثان. والمشكل أن المعنيين بالأمر يستعملون هم أيضًا في بعض الأحيان هذا التصنيف أو ذاك من دون تمييز ظاهر. في الواقع نحتاج في هذه المرحلة من تقديم حالة السعادي إلى التخلي عن كلمة «جيل»؛ فنحن استعملناها للضرورة البيداغوجية فحسب. وينبغي أيضًا أن ندرك أننا عندما نقوم بالتمييز بين «الأجيال القبلية»، فإنه يجب ألّ يُفهَم أن ما تعنيه الكلمة عندنا يمكن أن يُستخدم مثلً للقول بأن القرن ينقسم إلى أربعة أجيال،
فأجيال الأجداد المميزين في سلسلة نسب السعادي لا تستجيب لهذا المعنى. وبالفعل، ظهر الأجداد الأوائل للسعادي في فترة بعيدة وغير محددة، كما أن الغموض يلف الفروع وحتى السلالات. ولا يتعلق الأمر هنا بفترات زمنية حقيقية فاصلة، بل بسلسلة من الأصول والأنساب، التي أصبح مضمونها شائعًا إلى
درجة أن المهم بالنسبة إلى المخبرين المعنيين بها صار النجاح في تقديمها وفق صورة متناسقة لسلسلة من النسب الذكوري، لا يؤدي الأجداد في مفاصلها إلا دور العلامات الدالة. في الواقع، يتعلق الأمر بنظرية «سعادية» موضوعها الرابط الذي يجمع بين الأفراد داخل كل جماعة، وبين الجماعات في حد ذاتها، الأقرب فالأقرب، حتى بلوغ مستوى السعادي بأكملهم: الكل يعلن أنه من ذات الأصل الذي هو المرأة «سعدة».
ولكي نتابع بسلاسة بقية النقاش بشأن الحالات المعروضة، خاصة في ما يتعلق بالنموذج الانقسامي، أترك جانبًا، كما سبق أن أشرت، كلمة جيل لمصلحة مفردات مثل «مستوى». وسأسمّي المجموعات
(أو ما يسمّيه بيترز أقسامًا) أجزاء. وبهذا المعنى، فإن كل جيل من الأجداد يقابله مستوى محدد من
التجزؤ. وكما نعرف، فإن هذه المصطلحات متفرعة في الواقع عن أعمال بريتشارد. نقول إذًا، إن هناك مستوى أول بدأ بالأصل المشترك، ثم مستوى ثان تحدد بالجدين اللذين وضعتهما شجرة النسب على رأس القسمين الكبيرين المتفرعين عن الجد المشترك، ثم تأتي المستويات الأخرى تباعًا وفق
المبدأ نفسه حتى المستوى السادس. تبدأ شجرة النسب باثنين يأتيان مباشرة بعد الجدة التي سُمّيت القبيلة باسمها، ثم يتضاعف الاثنان
في المستوى الثاني، وهو الأعلى والأقدم. بعد ذلك يحصل اللا تناظر، بما أنه لدينا في هذا المستوى الثالث من التجزء أربعة أجزاء في ناحية وخمسة في الناحية الأخرى، بينما ينقسم الكل إلى نصفين فحسب. أخيرًا نعود إلى الانقسام إلى نصفين عند بلوغ المستوى الرابع وما يليه: كل جزء يتفرع إلى
أربعة، وبذلك نصل في الأخير إلى انقسام الكل إلى كتلتين. يبيّن بيترز أن الكتلتين الكبيرتين للسعادي تحتلان مجالين ترابيين شرق - غرب يشملان مناطق من
سهول برقة في الجنوب ومرتفعاتها الغابية في الشمال. وبذلك، فإن القبائل التسع تحتل أشرطة ترابية، اتجاه شمال - جنوب، مقسمة بطريقة تسمح لكل منها بالنفاذ إلى الموارد المتنوعة والمتكاملة والمتوافرة فيها عبر رح ت موسمية في الاتجاهين. وهذا المبدأ في تقسيم المجال والموارد يتكرر داخل كل قبيلة على مستوى الأقسام التي تتكون منها كل واحدة على حدة. يطبق بيترز هنا النموذج الانقسامي مع مراجعته في نقاط أساسية؛ فهو يؤكد أن هناك تناغمًا هيكليًا بين
الانشطارات الانقسامية وتقسيم المجال، لكنه يلاحظ أيضًا أن العلاقات على مستوى الفروع السفلى (القبائل التسع وأقسامها الداخلية) تبقى مفتوحة ومتواترة. كما أن الحدود بينها مرنة والتفاهمات
الخاصة في ما بينها بشأن الجوار والمصالح المشتركة واردة. ويبيّن من ناحية أخرى أن إعادة تشكّل
الأجزاء في هذا المستوى متكررة أيضًا. أخيرًا، وفي ما يخص نقطة حيوية، وهي الصراعات، يشير بيترز
إلى أن جريمة القتل، على سبيل المثال، يمكن أن تفجر حربًا عندما تحدث على مستوى الكتلتين
الكبيرتين، لأن الوساطة السلمية تكون في هذا المستوى نادرة: فبقدر ما نتوغل في شجرة الأنساب نحو الأصل الذي يجمع الكل، تضعف الع قااة بين أقسام القبيلة، وتقل فرص الت قااي والمعرفة المباشرة بين أعضائها. وهنا يشير بيترز إلى أنه عندما يتعلق الأمر بالأقسام، التي هي فوق الأجزاء التسعة السفلى في شجرة الأنساب، فإن إمكانية تفادي الصراع عن طريق توازن القوى تصبح صعبة. كما أن آلية دفع دية الدم لا تشتغل إلا في المستويات السفلى من التجزؤ، أي في مستوى التقسيمات الداخلية والسلالات. أخيرًا يضيف بيترز أن في حال الصراع لا تأتي المساندة من السلالة الأبوية فقط،
بل يمكن الأخوال أيضًا أن يتدخلوا.
(33) Edward Evan Evans-Pritchard and Meyer Fortes (eds.), African Political Systems (London: Oxford University Press; H. Milford, 1940).
بهذه الملاحظات تكون نظرية التوازن الانقسامي، وما تقتضيه من تموقع أوتوماتيكي للأقسام القبلية في أثناء الصراع وفق خط النسب، قد تحطمت. ولتأكيد هذه النتيجة النقدية، يضيف بيترز إلى تحليله
متغير المصلحة الاقتصادية، مؤكدًا استغ لاا المجال والموارد، وهذا يُنسِب من الفرضية البنيوية
للنموذج الانقسامي الذي وضعه بريتشارد. تبيّن التحليلات أعلاه أن سلسلة النسب تصلح لتفسير العلاقات السائدة، وأن القرابة نظرية تُقدم لتأكيد
التجانس، وهي ليست واقعًا يمكن إثباته تجريبيًا؛ فالزمن الذي يفصل بين الأجداد المؤسسين في كل
مستوى من مستويات سلسلة النسب نظري وأسطوري. وهذه الخاصية تتأكد أكثر بقدر ما نصعد في هذه السلسلة من الحاضر باتجاه الماضي، نحو الجدة المشتركة لجميع السعادي. هذا يعني أن القرابة لها وجود حقيقي في المستويات السفلى من البناء الانقسامي، لكنها تتحول في المستويات العليا إلى مجرد مبدأ. ويمكنني أن أشير في هذا السياق إلى أن الاتفاقيات التي تجري بين السعادي وأمثالهم في مناطق أخرى، تلك الخاصة بالرعي واستغلال الآبار وبمصالح مختلفة، يمكن أن تخرج عن هذا الإطار المبدئي، لتتلاءم مع مقتضيات أخرى تقود إلى تعديل تركيبة بعض الأجزاء، أو إلى انقسامات داخلها وتأسيس جماعات سلالية جديدة. وهكذا، فإنه في حين يمكن هذه الدينامية أن تعيد تشكيل جماعات، فإن مبدأ البنية الثنائية والتكت ت الأوتوماتيكية يبقى دائمًا سجين منطق عام يُسقط من
حسابه هذه الاعتبارات. يؤكد بيترز أن شجرة الأنساب والقرابة تمثّن نظرية بدوية في التضامن، أو هما التفسير السعادي لوحدتهم. لكنه لا يتوقف كثيرًا عند هذه المسألة، بل يمر بسرعة نحو هدفه النظري، الذي هو
تحديد عناصر نظام اجتماعي، والنظر في كيفية تمثّله معرفيًا عبر البحث في الع قااة بين المجال
والموارد من جهة، والبِنى القبلية من جهة أخرى.
المُرة (الجزيرة العربية، المملكة السعودية)
أقدّم هذا المثال بكيفية مقتضبة؛ ذلك لأن عرض أمثلة متشابهة يمكن أن يتحول إلى مجرد تكرار. ومع ذلك، آمل في الوصول من خلال عرض هذا المثال إلى تحديد اختلافات من نوع آخر؛ فمع بني مُرة،
ننتقل من شمال أفريقيا إلى الجزيرة العربية. أضف إلى ذلك أن الحالة طريفة من وجوه عدة: الحجم الديموغرافي للقبيلة والهيمنة المطلقة، حتى فترة متأخرة، لنمط الحياة البدوية. اعتمد في عرض مثال آل مُرة على دراسة دونالد كول الذي أجرى بحثه بين سنتي 1968 و 1970.
آنذاك، كان هؤلاء يرحلون على نطاق شاسع جدًا، ما بين الربع الخالي في الجنوب والحدود مع
الكويت في الشمال، مرورًا بنجد وما يجاورها. وكان الترحال صيفًا نحو الشمال وشتاء نحو الجنوب.
وقد قُدِّر عددهم في الفترة المدروسة بقرابة 15,000 نسمة، وهو حجم أكبر كثيرًا من حجم بني سعدة
(34) Peters, «The Tied and the Free,» pp. 172-173. (35) Donald P. Cole, Nomads of the Nomads: The Āl Murrah Bedouin of the Empty Quarter , Worlds of Man (Chicago: Aldine Pub. Co., 1975).
10,000(شخص، بحسب بيترز)، والحجمان عم قااان مقارنة بحجم بني بطاو. لقد كان المُرة من
البدو المربّين للجِمال، ولكن نمط عيشهم كان أبعد من حالة بني سعدة غورًا في البداوة. وحتى نقلل من مساوئ عرض المثال بشكل مختزل جدًا، نشير إلى أن حياة المُرة عرفت منذ الفترة
التي زارهم فيها كول تحولات عميقة بسبب تطور الصناعة البترولية والاقتصاد الحضري في منطقة شرق السعودية؛ فقد عرفت المدن الخليجية تطورًا سريعًا، وأثّرت في السكان عوامل عدة باتجاه
الاستقرار. رغم ذلك، واعتمادًا على كول، يمكننا رسم م مااح بنية عامة لهذه القبيلة؛ فالوحدة الاجتماعية
الأساسية كانت العائلة الممتدة، التي تتشكل بصفة عامة من رجل متزوج، متقدم في السن، يعيش مع
أبنائه المتزوجين وأبنائهم؛ تُسمى هذه الوحدة بيتًا، وهي كلمة تعني أيضًا خيمة. تشكّل المجموعة من البيوت سلالة. هذه الأخيرة تمثّل أول مستوى من مستويات التجزؤ داخل القبيلة، وهي مكوَّنة،
بحسب كول، من جميع الذين ينتمون نسليًا إلى جد واحد معروف، يكون في الماضي على بُعد
خمسة أجيال من آباء العائلات الموجودة على قيد الحياة. أما مستوى الانقسام الموالي، فيسمّى ڤبيلة،
وهي كلمة تُترجم عادة ب Tribe باللغة الإنكليزية، لكن كول يسمّيها clan، أي «عشيرة». وبحسب رأيه،
ينقسم بنو مُرة إلى سبع عشائر، تضم كل واحدة منها بين أربع سلالات وست سلالات. أخيرًا، تشكّل
هذه العشائر مجمل بني مُرة الذين يُسمَّون أيضًا ڤبيلة. يمكننا في هذه المرحلة أن نسجل ملاحظة سوف تظهر أهميتها في بقية التحليل: يستعمل بنو مُرة
المصطلح نفسه، الذي هو ڤبيلة، لإشارة إلى مستويين مختلفين ومتراتبين من مستويات التجزؤ داخل
القبيلة: بمعنى أن سبع ڤبايل تشكّل أجزاء من مكوّن أعلى يُدعى أيضًا ڤبيلة، وهي مشكلة لم يقم
الأنثروبولوجي بتحليلها. بحسب كول، لا تقوم العشيرة هنا بدور في تنظيم أنشطة الرعي اليومية. ولكن في حالة التصادم مع
الآخرين، فإن أعضاءها مُطالَبون بالوقوف بعضهم إلى جانب بعض، وهم لا يشكّلون تحالفات وفق
منطق الاصطفاف الانقسامي، إذ يمكن أن يكون للعشيرة أميرها الخاص، كما يمكن أن تنضوي تحت إمرة أمير عشيرة أخرى. أخيرًا، يشكّل بنو مُرة وحدة بفعل عاداتهم وتقاليدهم؛ فالزواج يجري بشكل يكاد يكون تامًا داخل
القبيلة، وهذه الأخيرة تكاد تتفرد باستغلالها بعض المراعي. وهناك وجه آخر من أوجه هذه الوحدة:
إلى زمن قريب، ودائمًا بحسب كول، كانت العادة تقتضي ألّ يتصل أحد بالدولة في موضوع ذي
أهمية من دون إذن من رؤساء القبيلة.
(36) Donald P. Cole, «The Enmeshment of Nomads in Saudi Arabian Society: The Case of I Murrah,» in: Cynthia Nelson (ed.), The Desert and the Sown; Nomads in the Wider Society , Research Series; no. 21 (Berkeley: Institute of International Studies, University of California, 1973), pp. 113-128, 144 and 275 ff. (37) Cole, Nomads of the Nomads , pp. 91-93 and 101. (38) Ibid., p. 95.
كما هي الحال في أماكن أخرى في المغرب والمشرق، يربط الأجداد بين تمفصلات الجماعات التي تعيش في الوقت الحاضر، وذلك بحسب شجرة أنساب تربط السلالات بسلالة الأجداد الذكور في غالب الحالات (س لااات أبوية، والجميع ينتسبون إلى جد واحد، اسمه مُرة، والذي عاش، بحسب
رواية متداولة، قبل الإس) ماا. ولكل عشيرة جدها المشترك الذي يجمع جميع أعضائها، والحال ذاتها على مستوى الس لااات. ويمكن أن نشير هنا إلى شيء بديهي يشمل الحالات كافة: الطابع الاتفاقي الذي تقوم عليه المسافات الزمنية الفاصلة بين الأجداد الذين يربطون بين جميع مستويات التجزؤ، والتي هي، كما يعرضها كول، بيت، فخذ، عشيرة وقبيلة. «الدار» تشكّل وحدة الانتجاع الشتوي، وعندما يتنقل بنو مُرة إلى مراعيهم في الجنوب يكونون في
حركة دائبة، يقطعون خ لااها مئات الكيلومترات. والدار مكوَّنة من «بيوت» (أو خيام) عدة ترتبط
عادة بع قااات قُرب ومصاهرة. ويشير الناس إلى أن هذا النظام يسهّل عمليات التعاون، وييسر
حياة النساء. البيوت التي تتكوّن منها الدار، خ لاا نجعة فصل الشتاء، لا تشترك في رعي الإبل، لكنها تستطيع
التشارك في تأجير شاحنة تنقل اللوازم المنزلية والنساء والأطفال. وفي هذا الفصل يكون الماء عادة متوافرًا في الغدران التي تتشكّل في إثر هطول الأمطار. هكذا تكون القبيلة في هذا الفصل أكثر تمركزًا،
وعلى علاقة مباشرة بجيرانها، وهذا أيضًا فصل تبادل الزيارات والأفراح (خاصة بالنسبة إلى الأمراء الذين هم، على عكس الآخرين، لا يرحلون). في الصيف، لا تشكّل الدار الوحدة الأساسية للنجعة، فالوحدة هنا هي السلالة التي تنتشر بالقرب من آبارها وفي مناطقها الرعوية التي تسمح للآخرين أيضًا باستغلالها بحسب الاتفاق. في هذا الفصل الصعب، الذي تجري فيه تقليديًا أعمال الغزو (قبل أن تمنعها الحكومة)، تكون روابط النسب الأبوي
الضيقة هي أساس التجمعات.
آيت عطا (عودة إلى المغرب)
قام باحثون معروفون بدراسات إثنوغرافية حول آيت عطا منذ بداية القرن العشرين. وأنا أستعيد هنا الوصف الذي قدمه غيلنر لهذا التجمع القبلي الضخم من منظور انقسامي، والذي أعطي لنظريات بريتشارد نفَسًا جديدًا، واستمرارية في الدراسات المتخصصة بمنطقتنا. يتكلم آيت عطا اللغة الأمازيغية، وكانوا قد هيمنوا مدة طويلة على مجال واسع من الصحراء إلى تافلالت، ومن واحات درعة إلى الواجهة الشمالية للسلسلة العليا التي تتوسط جبال الأطلس الكبير.
(39) Ibid., p. 93.
((4(انظر الرسم البياني، في:
Ibid., p. 92.
((4(يسهل لهن زيارة الأهل مثلً:
Ibid., pp. 43-46. (42) Ibid., pp. 552-561.
كان معظمهم، وإلى زمن قريب، رحّلً، يربّون الغنم والماعز – وبعضهم يربّي الإبل، ويسيطرون على
سكان الواحات المستقرين. وكان عددهم عندما زارهم غيلنر يناهز 135,000 نسمة. تشبه البنية العامة لآيت عطا، بأجزائها ومستوياتها والعدد الكبير من المجموعات التي تضمها، تلك التي وقفنا عليها في الأمثلة السابقة. أما المجال الترابي لكل فرع من فروعهم، فإنه غالبًا ما كان يشمل
قطع أرض غير متجاورة. بحسب غيلنر، تتشكل القبيلة من أجزاء على هيئة العلب المتداخلة، ومن جماعات من العائلات تدّعي أنها ذات نسب مشترك؛ ويشكل الكل وحدة بشرية - سياسية شاملة. مجمل هذه الوحدات منخرط في نسيج من روابط النسب، الحقيقي والمفترض، الذي يُحدد العلاقات بين الأفراد والجماعات. وكما
نلاحظ، فإن هذا التعريف يهمل مسألة الصراعات. هذه الروابط تبررها إذًا الأصول المشتركة، وكذلك المجال الترابي الذي يجمع بين مكونات الأجزاء. لكن في الوقت الذي كان فيه غيلنر يحرر كتابه في الستينيات من القرن الماضي، كان هناك نقاش كبير بين المختصين بشأن أهمية النسب، مقارنةً بالمجال الترابي. بيد أن غيلنر وضع جانبًا متغير المجال
الترابي ولم يحتفظ إلا بمتغير النسب. وهكذا، فإن تعريف الجماعات يجري عنده عبر ردّهم إلى
خط النسب الأبوي لأجدادهم من الحاضر باتجاه الماضي، حتى أبعد نقطة في السلسلة، حيث يلتقي الجميع في الجد الأصل الذي يحمل التجمع القبلي اسمه (دَادا عطا). تأخذ هذه الأجزاء كلها شكل الشجرة المقلوبة التي يكون جذعها الأصل في الأعلى، وعدد فروعها يزداد بقدر ما تبتعد عنه في اتجاه الأسفل. وفي كل نقطة تفرع من هذه الأغصان نجد وحدات هي في الوقت ذاته مستقلة ومتكاملة. هكذا تنحدر من الجد الأصل فروع عدة، يُعرف كل منها نفسه بالرجوع
إلى أحد الأجداد الذين يُفترض أنهم سليلو الجد الأعلى المشترك. ومن هؤلاء الأجداد تتفرع خطوط
نسب أخرى باتجاه الأسفل، وهكذا دواليك إلى آخر مستوى من التجزؤ: أي السلالة والعائلة. كل سلالة وعائلة تصوّر أصولها بخطوط تصلها بالجد المؤسس، دَادا عطا الذي يُروى أنه عاش في زمن سحيق. وهناك خاصية مهمة لهذه البنية، وهي أن كل جد هو في الآن نفسه نقطة تلاقي ونقطة تفرع. ومن ثم، فإن كل جيل من هؤلاء الأجداد يشكل أيضًا مستوى من مستويات الضم والفصل. والمستوى الأعلى هو القبيلة، تليه الفروع، ثم السلالات، وهكذا. أما بالنسبة إلى الأفراد، فإن الرسم الذي يحدد وضعهم يتكون من نقطة (هي الفرد) محاطة بسلسلة من الدوائر التي يحوي بعضها البعض الآخر.
(43) Henry Munson, «Rethinking Gellner’s Segmentary Analysis of Morocco’s Ait c Atta,» Man , vol. 28, no. 2 (June 1993), p. 268. (44) Gellner, Saints , pp. 144-148. (45) Ibid., p. 98. (46) David Hart, Dadda' Atta and his Forty Grandsons: The Socio-Political Organisation of the Ait' Atta of Southern Morocco (Cambridge: Middle East and North African Studies Press, 1981), p. 8. (47) Gellner, Saints , pp. 37-39.
تؤدي الأجزاء وظائف بحسب مستوى التجزؤ؛ فالعائ ت تستغل ما بيدها من أراض وموارد، والسلالات تدبِر شأن الأراضي والماء، والقبيلة تدبِر العلاقات الخارجية (الدفاع عن حدود المجال الترابي، تنظيم الأسواق وعلاقات الرعي وغيرها). والخاصية الأساسية لهذه البنية هي، في رأي غيلنر، أن مورفولوجيتها ونظامها يتكرران رغم اخت ف الوظائف. وهكذا، فإن الس لااة من هذا المنظور
تشكّل قبيلة مُصغرة، وهنا يتحدث غيلنر عن «أحادية» البنية الانقسامية. وبحسب المؤلف، فإن الجماعات التي تتشكل وفق هذا المبدأ تتمتع بوجود مستقر، وهي تتوالد بحسب مبدأ التفرع من الأعلى باتجاه الأسفل، وهو ما يفضي كل مرة إلى ظهور جد جديد، وهذا ما يسمّيه غيلنر الانقسام أو الانشقاق. تأخذ الأجزاء الجديدة استقلاليتها بحسب المصالح التي تفصلها
عن جماعاتها الأصلية وتجعلها تتمايز عنها. ولكن عندما يقتضي الأمر، خاصة في حالات الصراع، فإن حاجة هذه الأجزاء إلى التعاضد تُترجم باصطفاف مكونات كل جزء ضد الجزء «العدو». وهنا يقدم غيلنر الفرضية التالية: رغم تقلبات التاريخ، فإن هذه الآلية تسمح – وفق نظره - بالمحافظة على عدد ثابت من الأجزاء في كل مستوى من مستويات التجزؤ. والمثير في هذه النقطة هو أن غيلنر يؤكد تلك الفرضية، وذلك بالرغم من الاعتراف بصعوبة إثباتها! ينبغي الآن الإشارة إلى فكرة محورية بشأن هذا النظام: إن جميع المواصفات السابقة لا تكفي لتصنيف نظام ما في خانة الانقسامية، بل لا بد من معيار آخر يكون هو الأساس؛ فأن يكون النظام انقساميًا،
يجب، في رأي غيلنر، أن يخضع لمبدأين هما التعارض والتكامل في وقت واحد؛ التعارض بين صفي الوحدات في مستوى معين، والتكامل حين يندمج الصفان المتعارضان في المستوى الأشمل. على سبيل المثال، تتعارض السلالات صفين، لكن الصفين يندمجان في حالة صراع بين الفروع (أي المستوى الأعلى)، وهكذا من المستوى الأسفل إلى المستوى الأعلى. هذا القانون يكفي، بحسب
غيلنر، للحفاظ على مستوى معقول من السِلم والأمن في غياب نظام الدولة. على هذا الأساس، وبحسب هذه النظرية، فإن المجتمعات الانقسامية لا تعرف لا تراتبًا اجتماعيًا ولا تقسيمًا
متطورًا للعمل ولا تمركزًا للسلطة، ومن ثم فإن القبائل التي وصفها غيلنر، كانت، بحسب رأيه، تعيش على
هامش المجال الذي كانت تراقبه الدولة المغربية. بعبارة أخرى: الانقسامية تتفادى التمركز السياسي. كيف يتحقق إذًا النظام في هذه الوضع؟ الجواب: بفضل توازن القوى الناتج من البنية الانقسامية، أي انصهار الأجزاء في حالة الصراع بحسب مستويات التمفصل في صفين متوازنين، وهي الآلية الأولى.
(48) Ibid., p. 44. (49) Ernest Gellner, Muslim Society , Cambridge Studies in Social Anthropology; 32 (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1981), pp. 60-61. (50) Gellner, Saints , pp. 41-42 and 54-55.
في ما يخص الس لااات التي تنحدر من الأولياء، لاحظ بعضهم أن شخصيات أخرى محترمة، أو ذات نفوذ، كانت تقوم أيضًا بالوساطة. هذا صحيح، ولكن ما ينقض ذلك هو تغيير النظرية على أساس تعدد الوساطات، ويبقى دور الأولياء حاسمًا في
الأوساط القبلية.
(51) Gellner, Saints , pp. 44-45, 64, 84-85 and 91.
أما الثانية، فهي التحكيم الذي تقوم به السلالات الدينية؛ فعلى خلاف السلالات القبلية المسلحة، ودائمًا بحسب غيلنر، والمتشبثة بالمساواة، تكون هذه السلالات تراتبية ومسالمة ولا تحمل سلاحًا.
وبفعل قيامها بهذا الدور، تضمن استمرار هذا النوع من النظام المهدَّد دومًا بالتفكك، وفي الآن نفسه
تربط القبائل بالأمة الإسلامية. ولكي تكتمل الصورة، من المفيد العودة إلى خاصيتين تتعلقان بالمصطلحات المستعملة في تسمية الأجزاء القبلية من طرف المخبرين وأهل القبائل أنفسهم من جهة، والمصطلحات المستعملة من طرف الأنثروبولوجيين من جهة أخرى. الخاصية الأولى تتلخص في نوع من عدم الاستقرار في التسميات من طرف أهل القبائل (كما في المعارف المدوَّنة مثلما سيتبين لاحقًا)؛ أما الثانية، فتكمن في تعامل
الأنثروبولوجيين مع هذه الظاهرة بالذات، حيث إنهم غالبًا ما يتجاوزون هذا الإشكال بسرعة، ومن
غير تمعن كاف في عدم الاستقرار الذي يطبع منظومة المصطلحات التي يعتمدها المجتمع القبلي، وكذلك خبراؤه في تسمية أجزائه. سوف أعود إلى هذا الإشكال في ما بعد، وأكتفي هنا بملاحظة أخيرة: حاول غيلنر تفسير هذه الظاهرة من دون أن يعمق النظر بشأنها، واكتفى بتأويلها على أنها تابعة للبنية في حد ذاتها: «إن الكلمات البربرية تقبيلت (قبيلة) وإخص (سلالة/ أو فرع) مستعملة بكل تأكيد بشكل انقسامي بحت، أي بحسب السياق: الوحدة نفسها يجري اعتبارها قبيلة أو فرعًا إذا جرى تقديمها بنيّة تمييزها
من جماعة أصغر أو أكبر. لكن هذه النسبية تختفي عندما يتعلق الأمر برأس النظام وبقاعدته: لا أحد يصف جزءًا من القرية على أنه قبيلة، أو قبيلة بأكملها... على أنها سلالة». هذا حل يتمتع بكثير من الرشاقة، غير أنه يفترض أن مكانة الوحدات ثابتة في ما يخص المستوى الانقسامي الذي تنتمي إليه، لكن هذا الافتراض تفنّده الوقائع، كما سنرى لاحقًا.
استنتاجات
إن التعبير عن العيش المشترك بوسيلة خط النسب الذكوري ظاهرة عامة كما هو معروف، مع الأخذ بعين الاعتبار الجدات اللواتي يؤسسن للقبائل أو العشائر في حالات متعددة. ولا غرابة أن نقف عليها في الحالات المدروسة كما في جميع المجموعات البشرية في منطقتنا؛ فذلك الخط يقدمه عادة أهل القبائل كتفسير للقرابة التي تجمعهم. لكن، وكما لاحظ روبرتسون سميث منذ نهاية القرن التاسع عشر، يبدو أن ضرورة التماسك الاجتماعي هي التي تفسر ذلك الخط وليس العكس.
(52) Ibid., pp. 41-43, 52-53 and 66-68. (53) Ibid., pp. 74-78, 85-87 and 126-136, and Ernest Gellner, «Pouvoir politique et fonction religieuse dans l’islam marocain,» trad. Lucette Valensi, Annales, économies, sociétés, civilisations , vol. 25, no. 3 (1970), pp. 699-713. (54) Gellner, Saints , p. 92.
((5 (ونجد هذا أيضًا في الأسماء العائلية، كما في مثال بن شريفة وبن عطية وبن حليمة وبن حضرية (في المغرب) وبن هنية وبن زينة (في تونس)، وغيرها.
(56) W. Robertson Smith, Kinship and Marriage in Early Arabia (Cambridge: Cambridge University Press, [1885]; 1967), pp. 7 and 41-43.
وأقرب منه إلينا من المعاصرين يمكن الرجوع إلى جاك بيرك، الذي لاحظ أن أسماء القبائل ليست في الواقع إلا رموزًا اسمية تفرّق الساكنة بين مجموعات معترف بها. وقد لاحظ في ما يخص المغرب
الكبير، أن أسماء القبائل لم تعرف تغيرات كبيرة منذ قرون. في المقابل، فإن اخت ط الأصول وإعادة تشكيل القبائل ظاهرة تاريخية لا يمكن تجاهلها. وهكذا، يمكن تصوّر الأسماء المتواترة في الأنساب
رموزًا للتصنيف والترتيب، أو أوعية تسكنها عناصر من أصول مختلفة تُعرف بتلك الأسماء وتتماسك عناصرها بفعل الاسم الذي يساهم في تكوين هوية. وغالبًا ما كانت التسميات نفسها تستمر، بينما
تعاد تشكيلة القبائل وأحجامها بحسب الظروف التاريخية. إن الحالات المعروضة، تبين، كغيرها، أن إثبات صحة القرابة يصبح أكثر صعوبة كلما صعدنا إلى المستويات العليا من تمفص ت خط النسب باتجاه الجد المؤسس؛ ففي حالة بني سعدة، لا نعرف شيئًا عن المسافة التي تفصل بين هذه الجدة والفروع التي تنحدر منها الأجزاء، كما أن جميع خطوط النسب بعدها تنحدر من الذكور، ويرجع ذلك إلى القطيعة بين الدراسات التي تتناول شمال أفريقيا والدراسات التي تهتم بأفريقيا جنوب الصحراء. لاحظ كويزينيي أن الأجداد الذين تنتمي الأجزاء إليهم يُقدَّمون وكأنهم دائمًا إخوة أشقاء، أي أقرب
الإخوة (على الأقل مبدئيًا)، ولربما أن تلك الأخوّة حجة قوية في تصوير ضرورة التضامن بين فروع بني
سعدة. من ناحية أخرى، يبدو واضحًا أن هناك تغيرات تحدث على مستوى الجماعة تؤدي إلى انصهارها
في مجموعات أخرى (مثال بنو بطاو)، وأن الأخوال يتدخلون في الصراعات (مثال السعادي)، وأخيرًا
أن تجمعات الانتجاع يمكن أن تضم خليطًا من عُصبة الإخوة وأبناء العم مع أحلاف بالمصاهرة (مثال
بني مُرة خلال نجعة الشتاء). والشيء نفسه ينطبق على مخيمات البدو التي يُطلَق عليها عند الروالا اسم
«الڤوم»، وقد يتكوّن من خيام أو من خليط (أي من دُور مبنية وخيام). ولا تتجمع السلالات أو الفروع
في مكان واحد، لاخت ف الموارد وتوافرها في أمكنة متباعدة، بحسب الظروف المناخية والسياسية والاقتصادية. وهذه ظاهرة وقفتُ عليها شخصيًا عند آيت عطا في أواخر الستينيات، حيث كانت
الس لااات منتشرة في أماكن مختلفة، بحسب المراعي أو الشغل في المعادن أو السكنى في المدن بسبب وجود المدارس، أو الانتشار في أماكن متباعدة بحسب الحساسيات السياسية... إلخ. في معالجة لهذه المشكلة، مال بعض الأنثروبولوجيين، الذين بقوا أوفياء لشكوكهم في صحة علاقات الدم، إلى استعمال كلمة «قرابة» بمعناها العام؛ وهذا يشمل قرابة الدم، وعلاقات الالتفاف بجميع
(57) Jacques Berque: «Qu’est-ce qu’une tribu nord-africaine?,» dans: Éventail de l’histoire vivante: Hommage à Lucien Febvre , 2 vols. (Paris: Armand Colin, 1953), p. 26, et Une cause jamais perdue: Pour une Méditerranée plurielle, écrits politiques, 1956-1995 (Paris: A. Michel, 1998), pp. 226-227.
((5(تتردد مقولة الأصول المختلفة في تكوين القبائل والمجموعات في إطار نقد الأنثروبولوجيا الكلاسيكية، وذلك في تجاهل
لما قدمت أنثروبولوجيا المغرب الكبير في هذا الموضوع. وتطبيقًا لنظرية فوكو حول العلاقة بين المعرفة والسلطة، فإن طلال أسد،
مثلً، يُرجع تكون القبائل إلى سياسة الشيوخ، ولا أحد زعم أن السياسة كانت غائبة. كما أن أمسال ومبكولو ألحا على اختلاف أصول
مكونات الإثنيات في أفريقيا جنوب الصحراء من دون الإشارة إلى إثنوغرافيا شمال أفريقيا.
(59) Lancaster, pp. 10-14 and 23-24. (60) Eickelman, Moroccan Islam , pp. 99-104 and 111.
أنواعها، من علاقات الأخوة من الرضاعة... وغيرها. وينبغي كذلك الأخذ بعين الاعتبار العلاقة بين مفردات «قرابة» و«نسبة» و«نسب» و«انتساب» وانتماء وضم... إلخ. أضف إلى ذلك أن الانضمام إلى المجموعات كان يحصل أيضًا بالقوة والغلبة، وبإخضاع المهزومين إلى الاعتراف بذلك بوسيلة تقديم الذبائح، وهي عملية كانت بعض القبائل المغربية تسمّيها «تعرڤيبة». لقد جرت العودة إلى لفظ «قرابة» عشرين سنة بعد أيكلمان، وأشيرَ من جديد إلى أنها تفيد القرابة
بالدم أو بالمصاهرة. كان من الأفضل تأكيد كلمة «دم»؛ إذ إن كلمتَي «دم» و«قرابة» توظفان بارتباط
مع كلمة «نِسبة» التي وصفت هيلدرد غيرتز استعمالاتها المتعددة. ومن جملة هذه الاستعمالات نجد طبعًا علم الأنساب ومعنى فعل نسب. إن استعمال كلمة قرابة بهذا المعنى له فوائد عديدة، من
بينها تجنُّب بعض الثنائيات المتفشية بين كثير من الأنثروبولوجيين: القرابة الحقيقية/القرابة الوهمية، أيديولوجيا/ ممارسات... معروف أن الأنثروبولوجيين الذي اشتغلوا على منطقتنا لاحظوا أن القرابة تشكّل نموذجًا تصنيفيًا قابلً
للتعميم بحسب منطق تناظري، وبإجرائية إجمالية وفق تعبير بورديو، وهو نموذج يُعمَّم بسهولة نسبية
كلما أعيد تشكيل المجموعات البشرية، وظهرت قبائل أو فروع جديدة، حيث تكون الحاجة إلى
مواءمات ضرورية، وبوسيلة تصنيفات واقعية تعمل باستمرار على تحقيق المواءمات المخلَّفة. ومع ذلك، تمسك غالبية الأنثروبولوجيين برؤية مفادها أن أهل القبائل لهم عاداتهم ومساطرهم العملية في تصنيف الوحدات الاجتماعية وترتيبها، ولهم رموزهم، ولكنهم يفتقرون إلى المفاهيم التحليلية. بيد أن هذه فرضية تستدعي النقاش، كما سنرى في القسم الثالث من هذا البحث. تُظهر حالة بني سعدة بشكل جلي أن هناك ع قااة تراتبية بين جماعات «الأحرار» و«التابعين»، كما أن التراتبية في الجزيرة العربية معروفة أيضًا. وفي المقابل، لا نعرف شيئًا عن التراتبية الداخلية في كل جماعة على حدة، رغم أنني أشرت في غير هذا المكان إلى ما سمّيته «الس لااات المحورية»
في المغرب، وهي فكرة تحيل إلى فكرة «بيت» في البلدان المغاربية. ولا حاجة هنا للتذكير بالحضور الراسخ ل«البيت» في القبلية العربية. والخاص والعام يعرفان أن بيت بني هاشم وبيت بني أمية أعطيا المجتمع الإس مااي بنية الدولة في العصور الأولى. ويمكننا متابعة هذه القوة المهيكلة ل«البيت» في مجالات أخرى، منها مجال الكلام المنظوم، وبالذات في «بيت القصيد». وإني لأرى
(61) Bonte [et al.], p. 36. (62) Hildred Geertz, «The Meanings of Family Ties,» in: Clifford Geertz, Hildred Geertz and Lawrence Rosen, Meaning and Order in Moroccan Society: Three Essays in Cultural Analysis , with a photographic essay by Paul Hyman (Cambridge: Cambridge University Press, 1979), pp. 356-363. (63) Godelier: «Le Concept de tribu,» pp. 188-193, et Les Tribus , pp. 14, 17 et 22; Raymond Jamous, Honneur et baraka: Les Structures sociales traditionnelles dans le Rif , atelier d’anthropologie sociale (Cambridge; New York: Cambridge University Press; Paris: Editions de la Maison des sciences de l’homme, 1981), p. 7, et Bonte [et al.], p. 41. (64) Bonte [et al.], pp. 39-41. (65) Hammoudi [et al.], Projet de développement (1990). (66) Bonte [et al.], pp. 109-110 and 118-120.
بيوتات العرب تتنافس في عكاظ بأبياتها!!! ولربما هناك علاقة قوية بين الأبيات والبيوتات... لكن المهم هو أن القبائل تنتظم حول هذه «البيوت» وفق تراتبية يحكمها الجاه. في ما يخص الب داا المغاربية، أثير موضوع التراتبية في إطار نقد النظرية الانقسامية، واعتُمد مثال
آيت عطا، الذي قدمه غيلنر على أنه مثال نموذجي للمجتمعات الانقسامية القائمة على المساواة، والتي ينظمها مبدأ التكتلات المتكافئة للأجزاء. في الحقيقة، يخفي نموذج غيلنر هيمنة البدو الرحل على سكان الواحات المستقرين، وكذلك التراتبية الدائمة داخل القبيلة. ولا يقيم الاعتبار الكافي
لسلسلة النسب، التي تبدو ميثاقَ مساواة، وفي الآن نفسه ميثاقَ تراتب، يكشف عن نفسه عبر التمييز الذي تقيمه القبائل بين الفروع «الأصلية» وتلك «المحسوبة» على المؤسسين. ومن ناحية أخرى، خضعت فكرة توازن الأجزاء لنقد شديد. في الواقع، نجد أن لغة القرابة نفسها تبني لظاهرة التراتب واللاتكافؤ في المكانة؛ هذا ما أثبتته دراسات كثيرة. وسواء تعلق الأمر بالعلاقة بين القبائل أو بالعلاقة بين مكونات القبيلة في حد ذاتها، فإن
أساس هذه الظاهرة هو الزواج الداخلي بين أعضاء القبائل التي تُعد «حرة»، أو ذات مكانة، مقارَنةً
بالقبائل الضعيفة والتابعة. وهناك أيضًا تمييز واضح بين «الأحرار» والآخرين، وهو ما نجده في جميع فروع آيت عطا على سبيل المثال. أضف إلى ذلك حالة المحكومين المستقرين في الواحات، كما أشرت سابقًا، وحالة العبيد، وطبعًا حالة اليهود التي كانت تتأسس على قانون الذمة. والأهم هو أن
هذه الظواهر كانت منتشرة تقريبًا في كل مكان في المشرق والمغرب. وصف ابن خلدون ظاهرة تراتب القبائل منذ زمن طويل، وسبقه في هذه النقطة علماء الأنساب، وهي ظاهرة ترتبط أيضًا بعلاقة القبيلة بالدولة. وتعايش القبيلة والدولة شيء ثابت ويعرفه المؤلفون العرب القدامى جيدًا، لكن مناصري الانقسامية لم يكونوا على معرفة بذلك، أو أنهم تجاهلوه. وفي بعض الدراسات المقارنة، هناك من عدَّها سمة مميزة لمنطقتنا. إن الع قااة بين القبيلة والدولة عامل مهم من عوامل التحول داخل القبيلة، بجانب عوامل أخرى سيأتي ذكرها. لكن النقطة الحيوية التي تدفع بتحليلنا إلى الأمام تتلخص بمشكل عدم الاستقرار
(67) Hammoudi, «Segmentarité». (6((الهراس، القبيلة والسلطة، ص 53-49؛ , pp. 20, 98-104 and Moroccan Islam Hammoudi, «Segmentarité»; Eickelman, 120-181; Lancaster, pp. 161-162, and Munson, pp. 272-276. (69) Pierre Bonte, «L’Herbe ou le sol? l’évolution du système foncier pastoral en Mauritanie du Sud-Ouest,» dans: Marceau Gast (ed.), Hériter en pays musulman: Habus, lait vivant, manyahuli (Paris: CNRS éditions, 1987), pp. 193-214, et Pierre Bonte, Edouard Conte et Paul Dresch (dirs.), Emirs et présidents: Figures de la parenté et du politique dans le monde arabe , préf. de Jean-Claude Vatin (Paris: CNRS éd., 2001), p. 41. (70) Abdellah Hammoudi: «Segmentarité,» et «Sainteté, pouvoir et société: Tamgrout aux XVIIe et XVIIIe siècles,» Annales. Histoire, sciences sociales , vol. 35, nos. 3-4: Recherches sur L’Islam: Histoire et anthropologie (May - August 1980), pp. 615-641, et Mezzine, pp. 268-269. (71) Hammoudi: «Segmentarité,» et «Sainteté, pouvoir et société»; Abdallah Laroui, Les Origines sociales et culturelles du nationalisme marocain: 1830-1912 , textes à l’appui (Paris: F. Maspero, 1977), pp. 175-186; Paul Pascon, Le Haouz de Marrakech , 2 vols. (Rabat; Tanger: Éditions marocaines et internationales, 1977), p. 145, et René Gallissot, L’Economie de l’Afrique du Nord , que sais-je ?; 965, 4 ème éd. mise à jour (Paris: PUF, 1978), pp. 30, 41-43 et 145. (72) Godelier, Les Tribus , pp. 37 et 47.
في التسميات والتصنيفات المعتمدة من طرف المخبرين وأهل القبائل. إن هذه النقطة تمثّل الخيط الذي سوف أتّبعه في التنظير لظاهرة القبلية، وهي تحتاج إلى مجهود جديد نظرًا إلى الالتباس الذي
اتسمت به في كتابات الأنثروبولوجيين. أما الحل الذي وجده غيلنر لهذه المشكلة، فإنه في الحقيقة تبسيط فرضه عليه التصور البينيوي الذي اعتمده. بعبارة أخرى: هذا التصور منع الباحث من ضبط مرور الجماعات من المراتب والأصناف عبر الزمن؛ فالفخذ مثً يمكن أن يتحول إلى قبيلة كاملة بفعل مراكمة النجاحات (مراكمة الموارد وتوسيع المجال الترابي، وكسب امتيازات بالنسبة إلى الطرق المهمة، خاصة التجارية منها، مع المدن والدولة وغير ذلك). هذه ظاهرة أشار إليها أيضًا لانكاستر، وآخرون بالنسبة إلى العصور القديمة. وهكذا، فإن القاعدة البنيوية ليست هي المعطى الحيوي الوحيد الذي يفسر المرور من تصنيف اصطلاحي إلى آخر عندما يتعلق الأمر بالجماعة نفسها، وإنما دينامية القوى الفاعلة داخل القبيلة وخارجها، بما فيها العامل الاقتصادي، كما ألح على ذلك لانكاستر وكويزييي وقبلهما بيترز. وربما تكون هناك بنية ثابتة (2 - 4 - 8 أجزاء أو غيرها من التمفص ت الانقسامية)، لكن ذلك لا يعني بقاء الأجزاء المورفولوجية في الصنف نفسه مع مرور الزمن (يمكن الفرقة أو الفخذ التحوّل إلى قبيلة مثلً). من ناحية أخرى، يرى بعض المؤلفين أن هذه الدينامية مبنية على استعمال العنف، لكن المسألة تتجاوز ذلك كثيرًا؛ فالتكامل بين المساواة والتراتبية يمكن أن يفتح الطريق أمام المستثمرين في العنف،
لكنه لا يخلص دائمًا إلى إعادة حالة المساواة إلى نصابها عبر دورة العنف التنافسية، كما ذهب ريمنو
جاموس إلى ذلك. فما ينقص الآراء هو العوامل الشاملة، مثل العلاقة بالدولة أو بإمارة ما، حتى ولو كانت هذه العلاقة غير مستقرة، خصوصًا قيام التراتبيات واحتلال الطبقات المتعارف عليها، وهذا ما لا يسجله التصور البنيوي الكلاسيكي. والم حَظ أن التراتبية تتشكل بحسب تموقع الناس في موازين القوة والنفوذ
بالدين أو العلم أو وسائل العنف، أو الرصيد المادي، أو بالجمع بين هذه العوامل.
(73) Ibid. ((7 (مدخل القبيلة، في: , Second Edition (Leiden; Boston: Brill, Encyclopaedia of Islam P. Bearman [et al.] (eds.), 2005-2006), pp. 12-38. (75) Jeanne Favret, «Relations de dépendance et manipulation de la violence en Kabylie,» L’Homme , vol. 8, no. 4 (1968), et Jacob Black-Michaud, Cohesive Force: Feud in the Mediterranean and the Middle East , with a foreword by E. L. Peters (Oxford: B. Blackwell, 1975), p. 182. (76) Jamous, p. 7. (77) Abdellah Hammoudi: «Segmentarité»; «Aspects de la mobilisation populaire à la campagne vue à travers la biographie d’un mahdi mort en 1919,» dans: Ernest Gellner et Jean-Claude Vatin (eds.), Islam et politique au Maghreb: Table ronde du Centre de recherches et d’études sur les sociétés méditerranéennes, Aix, juin 1979 , collection recherches sur les sociétés méditerranéennes (Paris: Editions du Centre national de la recherche scientifique, 1981), pp. 49-52, et «The Path of Sainthood: Structure and Danger,» Princeton Papers in Near Eastern Studies , no. 3 (1994), p. 73, and Jacques Berque: L’Intérieur du Maghreb , chaps. 2 et 8, et Ulémas, fondateurs, insurgés du Maghreb: XVIIe siècle , bibliothèque arabe. Collection hommes et sociétés (Paris: Sindbad, 1982), pp. 21-27.
في هذه المرحلة من التحليل، أقترح صيغة لفكرة ستكون موضوع شرح أوسع في القسم الأخير من هذا العمل: إن تصور القبيلة بوسيلة شجرة النسب ليس من قبيل الأيديولوجيا، وإنما هو مبدأ يصلح لتكوين ع قااات. وهذا المبدأ يُنشط ديناميات متعارف عليها بشكل ضمني، ولكنه أشبه بالرسمي.
يحصل هذا في الوقت الذي تكون فيه ديمومة الوحدات المورفولوجية الحية والنافذة وأسماؤها، ومستوى تجزؤها، متغيرة، وع قاااتها وتحالفاتها غير ثابتة. أما على مستوى القبائل والتشكي ت الكبرى (الأمم ومراكز الحكم الشاملة)، فإن عدد فرص إعادة التجمع وأشكاله تكون محدودة، رغم أن المورفولوجيات القبلية تستطيع أن تندمج في مجموعات كبرى، أو تعيد تشكيل ذاتها وفق المبدأ نفسه أو وفق مبدأ مشابه. الأمر جلي: يدحض هذا المقترح الفكرة القائلة بأن الناس «مُشكّلون» هم أيضًا في أفعالهم (كالصراعات
على سبيل المثال)، وفق المبادئ البنيوية للانقسامية التي تبقى خارج وعيهم. وفي المقابل، يفترض هذا الطرح الذي أتبناه أن المبدأ الذي يحكم هذه الدينامية يساعد على تشكيل جماعات وعلاقات. وإذ يشتغل هذا المبدأ كاستراتيجيا، بحسب عبارة بورديو، فإنه ليس هناك سبب كاف لاعتباره هابيتوسًا
منفلتًا تمامًا عن الشعور. وعلى كل حال، لا مناص من رد الاعتبار إلى عامل آخر هو اختيارات
الأفراد بحسب أرصدتهم والإكراهات التي يواجهونها كما بيّن ذلك لانكاستر في نظرة موسعة إلى
فكرة كان قد طرحها سعد الدين إبراهيم ودونالد كول. لكي نقترب قليلً من تلك الدينامية، نحتاج إلى إعادة النظر في المكانة التي تحتلها معارف مجتمعات المنطقة في التقليد الأنثروبولوجي؛ تلك المعارف التي أنتجتها مجتمعاتنا. فإذا كان صحيحًا أنه جرى
استعمال المعرفة الشفوية التي وفرها المخبرون، وأن هناك من الأنثروبولوجيين من اعتمد المدونة باللغة العربية، فإن الم حَظ هو أن تلك المعارف اتُخذت في الغالب كمادة خام، أي إنها مُنحت
مكانة هامشية في ما يخص تكوين المفاهيم؛ فالمحاولات التي سعت لتجاوز هذه الوضعية اقتصرت على الإلحاح بأن مجتمعاتنا تعتمد الكتابة والنصوص؛ أما في ما تبقى، فإنها اكتفت بتلخيص كتابات بعض المؤلفين أو بإنجاز حوارات مع الناس. لكن أهمية هذه المشاريع تبقى محدودة؛ إذ إنه إما حصل إخفاء المشكل القديم المتعلق بالمرور من خطاب المجتمعات حول ذاتها إلى الخطاب
الأنثروبولوجي، وذلك بفعل نوعية تلك المشاريع، وإما أُعيد طرح المشكل لكن بطريقة تفتقد الوضوح في مشاريع أخرى.
(78) Paul Dresch, «The Significance of the Course Events Take in Segmentary Systems,» American Ethnologist , vol. 13, no. 2 (May 1986), pp. 318-319. (79) Abdellah Hammoudi, «Phénoménologie et ethnographie: À propos de l’habitus kabyle chez Pierre Bourdieu,» L’Homme , no. 184 (2007), pp. 77-78. (80) Lancaster, pp. 7, 15-22 and 151, and Saad E. Ibrahim and Donald P. Cole, «Saudi Arabian Bedouin,» American University of Cairo, Humanities and Social Sciences, Cairo Papers, volume 1, Monograph 5, 1978. (81) Kevin Dwyer, Moroccan Dialogues: Anthropology in Question (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1982), and Brinkley Messick, The Calligraphic State: Textual Domination and History in a Muslim Society , Comparative Studies on Muslim Societies; 16 (Berkeley: University of California Press, 1993).
بناء على ما تقدم، فإن ما ينبغي التركيز عليه الآن هو المقارنة بين خطاب مجتمعاتنا حول ذاتها من جهة، والخطاب الأنثروبولوجي من جهة أخرى. والهدف هو محاولة رسم معالم طريق عبور بين الخطابين تسمح بتحديد مبدأ تشكّل المورفولوجيات القبلية.
مقابلة المعرفة الأنثروبولوجية ومعرفة مجتمعات المشرق والمغرب بذاتها
تناولتُ المعرفة الأنثروبولوجية بشأن القبيلة، وكان من الصعب أن أحدد ما فات نظرياتها من دون أن أدخل في التفصيلات. وسبق أن ذكرت مجموعة من الثغرات والتناقضات التي شابت تلك النظريات، وسأركز في ما تبقى من هذا البحث على أسباب تلك الثغرات، من وجهة نظري، وأخص من بينها ثلاثة أسباب رئيسية. يرجع السبب الأول إلى الاعتماد في غالب المحاولات على المخبرين. في هذا الباب، ساد الاعتقاد بين الأنثروبولوجيين أن كلام المخبرين خال من التصنيف، وإن هُم اعتبروه تنظيرًا، فإنهم أخذوه بمأخذ
التنظير «الأهلي» الذي لا يصلح إلا للنقد والتحليل، قصد الانتقال إلى وضع المفاهيم العلمية، فإذا بهم يعتمدونه كمادة خام فقط، أي مجموعة وثائق، أو يُقصونه تمامًا بذريعة التناقضات التي افترضوها
في ما يخصه. هناك نقطة حيوية، كما سبق وذكرت، تكمن في موقفهم بالنسبة إلى انعدام الاستقرار في تصنيف مكونات القبيلة، من دون التمعن في ما قد يكون لعدم الاستقرار هذا من معنى. هذه نقطة حيوية من بين نقاط حيوية أخرى في ما يخص نقد المعرفة الأنثروبولوجية في منطقتنا. وقد اخترت أن أركز عليها في هذه الورقة لكونها تدل بوضوح على جوانب خطيرة في الإشكالية التي أحاول معالجتها. السبب الثاني يرجع إلى تقسيم التراث المغاربي- المشارقي إلى قسم تهتم به الأنثروبولوجيا، ويُعتمد
فيه غالبًا على معرفة المخبرين الشفوية، وقسم يُعتمد فيه التراث المكتوب، وبقي زمنًا طويً من
اختصاص المستشرقين فقط. من جراء ذلك، حصل التفريق التعسفي بين وجهين لتراث هو في الحقيقية تراث واحد. السبب الثالث تابع لما سبق، وهو يتلخص في المكانة الإبستيمولوجية التي خصصها الأنثروبولوجيون، الذين كانوا ولا يزالون أوروبيين وأميركيين في غالبهم، للمعرفة التي أنتجتها منطقتنا، وهي مكانة دونية
خاضعة، أولً وقبل شيء، لسلطتهم المعرفية. في ما اختص بالقبيلة والقبلية، هناك بعض الأنثروبولوجيين الذين رجعوا إلى ابن خلدون، وإلى مفهوم العصبية. لكن تلك الإحالات بقيت معزولة عن الرصيد العلمي المدوَّن باللغة العربية منذ
قرون، سواء تعلق الأمر بعلم الأنساب والأعصاب وفقه الإرث، أو بعلوم الأرض والرحلات والممالك والمسالك.. إلخ. ربما يكون من السذاجة أن يتصور أحد أن في وسعه وحده إعادة النظر في توظيف ذلك الرصيد الهائل والمتفرع، قصد تكوين مفاهيم ناجعة من شأنها أن تهيكل علومًا اجتماعية جديدة المرامي والمناهج:
علومًا لا بد أن ترتبط بتاريخ المنطقة وثقافتها والأسئلة العريضة التي تهم مصيرها. وأناشد القارىء أن
يعتبر هذه تجربة محدودة جدًا أقوم بها كلبنة متواضعة في سبيل الإعداد لبرنامج آمل أن يتفهمه علماء منطقتنا، ويقوموا بإعداده والاشتغال عليه في المستقبل القريب. أما محاولتي هذه، فلا تزيد عن كونها تمرينًا بوسيلة نقطة واحدة محصورة هي القبيلة، مع جانب من مفهوم العصبية. كل ما هناك هو أني حاولت وضع هذه التجربة في إطار أشمل أراه من قبيل الممكن. اعتُمد في هذه التجربة على ثنائية كانت معروفة في الأنثروبولوجيا كما تلقيتها، ترجمتها إلى اللغة العربية بثنائية «الداخلي» و«الخارجي». وللمفردتين معنيان نسبيان في ذهني؛ فالداخلي يتلخص هنا بالمعرفة التي أنتجتها المجتمعات حول ذاتها وبنفسها، والخارجي هو المعرفة التي أنتجها الأنثروبولوجيون. لكن هذا لا يعني – بحسب رأيي- نفي المشروعية عن ذلك الرصيد بدعوى أنه وُضع
من طرف باحثين أتوا من خارج المجتمعات المدروسة. وإني على اط عاا بالنقد البوستكولونيالي وتفكيكه تبعًا لفوكو ودريدا وغيرهما. ولكني أروم النقاش بالحجة ضد أي طرح، اعتمادًا على
الأسس المنطقية والإمبريقية قبل الرجوع إلى العوامل الاستعمارية الشاملة. وأخيرًا، فإني أتخذ
ثنائية الداخلي/الخارجي مدخلً للبحث وبغاية تجاوزها، لما للثنائيات المتحجرة من تأثير سلبي، كما أشرت إلى ذلك في كتابات أخرى. أخيرًا، إن للخارجي عندي معنى آخر، وهو الذي يقع نسبيًا خارج المعرفة الذاتية اليومية والعملية، أي
«الخارج» بمعنى البناء المفاهيمي الذي يقوم به العلماء المنتمون إلى المنطقة كما يفعل العلماء الآخرون.
ثنائية «الداخلي» و«الخارجي»
هناك عدد قليل من الأنثروبولوجيين الذين استعملوا المعرفة المكتوبة باللغة العربية إضافة إلى التقاليد الشفوية. لكن هذه المحاولات بقيت محدودة، وتركت المسألة التي تعنينا برمّتها جانبًا، ونعني بذلك
المكانة الإبستيمولوجية للمعرفة التي أنتجتها منطقتنا، وكنت قد وصفت في مقال سابق بعض أسباب ذلك ومزالقه المنهجية. أما الذين يجمعون الشفوي والكتابي، فإنهم يكتفون في الغالب باستكمال واحد بالآخر من دون تفكير واع في العلاقة بين الاثنين. في هذه النقطة، يمكن الرجوع إلى بيرك وكويزينيي، ودريش، وغيرهم. لكن هؤلاء اكتفوا باستعمال الوجهين في توثيقاتهم، ولم يقابلوا يومًا تراث المنطقة ومفاهيمه بالتقليد
الأنثروبولوجي ومفاهيمه، كما أحاول هنا من خ لاا المثال الذي اخترته. أخيرًا تتحدد المكانة التي
ينبغي أن تحتلها معرفة المجتمعات بذاتها، من خلال توضيح مشكلة خيّمت على الأنثروبولوجيا منذ
((8(والثنائية معروفة باللغة الإنكليزية emic etic. ((8(والتي أظن أن لا مناص من الرجوع إليها، لكن بعد التمحيص الذي أشرت إليه (لا قبله.) (8((عبد الله حمودي، الحداثة والهوية: سياسة الخطاب والحكم المعرفي حول الدين واللغة (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 0152)، الفصلان 1 و.2
(85) Hammoudi, «Phénoménologie et ethnographie».
مدة، ألا وهي مشكلة الطريق الذي يمكن أن يربط بين التصنيفات المعرفية التي تعتمدها المجتمعات نفسها، وتلك التي تعتمدها الأنثروبولوجيا. وإني أتفادى هنا، عن قصد، عبارة «المعرفة المحلية» التي استعملها غيرتز؛ ذلك لأن الأمر يتعلق بمواجهة التقليد الأنثروبولوجي بتقليد المجتمعات المدروسة، مع اعتبار أن الاثنين يمثلّان معرفتين جهويتين. تهم هذه المقابلة كثيرًا من الحقول المعرفية وليس حقل الأنثروبولوجيا وحده. لكن هدفي يقتصر على
المساهمة في توضيح هذا المشكل الذي أثير من جديد بطريقة ملتبسة. وعلى سبيل المثال، كتب باحثان ضمن ملف خاص بالقبلية ما يلي: «إن المسافة بين القيم ‹الحميمية› من جهة، والبناء المفاهيمي ‹الموضوعي› من جهة أخرى، يظهران بشكل جلي في التعارض بين النموذج الأنثروبولوجي الانقسامي ‹المساواتي› للقبيلة وما يُوجد داخل
المجتمعات القبلية من تراتبيات قوية، تتعلق بالمكانة وبالسلطة السياسية. ويُحَظ هذا التناقض
بالخصوص على مستوى التصور الذي يجعل من هذه المجتمعات شكلً نموذجيًا ‹للمجتمعات من
دون دولة› في الوقت الذي نلاحظ فيه أن القبيلة تتعايش مع الدولة». وهكذا، فإن المسافة المذكورة تقع، بحسب هذين الباحثين، بين «القيم الحميمية» والبناء المفاهيمي «الموضوعي» الذي هو من إنتاج الأنثروبولوجي؛ ففي ناحية، يُفترض أن ليس هناك سوى «قيم»،
وفي الناحية المقابلة يُفترض أن ليس هناك سوى المفاهيم، وهذا تصور يبعث على الشك،
من وجهة نظري. يعتمد المؤلفان التمييز القديم بين «الحميمي الداخلي» و«الموضوعي الخارجي» للتعبير عن
القضية المطروحة. لكن غيرتز كان قد أعاد صوغ هذه المسألة بقوة منذ مدة. وخ فااًا للمؤلفَين المذكورَين، يحدد غيرتز نوعين من المفاهيم: الأول هو المفاهيم القريبة من التجربة، وهي من إنتاج
المجتمعات، والثاني يأخذ مسافة من هذه التجربة التي يجتهد الأنثروبولوجيون في وضعها اعتمادًا
على الأول. بيد أن غيرتز لا يطرح سؤال ما إذا كانت هذه المجتمعات تملك مفاهيم تسمح بالمرور من تجربة إلى أخرى، وهو ما يعني أن في الإمكان أن تكون لها هي أيضًا مفاهيم تأخذ مسافة من التجربة بالمعنى الذي يعنيه، على سبيل المثال، المفاهيم التي ينتجها علماء ينحدرون من هذه المجتمعات. لذلك، فإنه يعتبر كباقي الأنثروبولوجيين أن «الحميمي الداخلي» يفتقر إلى المفاهيم التصنيفية والتحليلية، ويكتفي بطرح مشكل المرور من الداخلي من دون الانتباه إلى إمكانية وجود صرح مفاهيمي تتلاقى فيه مفاهيم المجتمعات مع المجهود المفاهيمي للمقاربة الأنثروبولوجية. وبهذا تبقى القطيعة واضحة بين «الرموز» الداخلية والمفاهيم التحليلية الأنثروبولوجية، وإن قرّب غيرتز المسافة بينهما. ولكن كما
(86) Pierre Bonte et Yazid Ben Hounet, «Introduction,» Etudes rurales , no. 184: La Tribu à l’heure de la globalisation (2009), p. 14. (87) Clifford Geertz: The Interpretation of Cultures: Selected Essays (New York: Basic Books 1973), pp. 14-15 and 27, and Local Knowledge: Further Essays in Interpretive Anthropology (New York: Basic Books, 1976), chap. 1.
سأبين، ينقص مجهوده التحول إلى نظرية عملية ودينامية للثقافة، وكذلك إلى ربط تحليل المشكلة بتموقع الأنثروبولوجي بالنسبة إلى المجتمع المدروس. أخيرًا، لا يبدو أن كلًّ من بونت وبالهونات يعي أن مشكل المسافة يُطرح عمليًا على جميع الخطابات
الأنثروبولوجية، بما فيها خطابهما، وأن الأمر لا يتعلق بالنموذج الانقسامي فحسب. فإذا كانت قيم المساواة، في الصيغة التي أتى بها غيلنر، تهمّش التراتبية، فإن ذلك لا يعود إلى «المسافة» التي
نتحدث عنها، بل سببه إما خلل في عملية المشاهدة، وإما الدوغمائية النظرية. وعلى كل حال، فإن الدراسات التي أشرنا إليها بيّنت أن مقاربة أكثر دقة وأكثر قربًا من المجتمعات المدروسة بإمكانها
إصلاح مثل هذا الخطأ، لكن هذا الإصلاح يمكن أن يكون نتيجة الملاحظة والمشاهدة الدقيقتين أكثر منه نتيجة بلورة طريقة المرور من الداخلي إلى الخارجي. أضِف أن الع قااة بين الدولة والقبيلة كانت قد أثيرت من طرف هذين المؤلفين، وكذلك آخرين، في إطار إصدار جماعي تحت إشراف خوري وكوستنير، وهذا بشكل مستقل عن إشكالية «الداخلي و«الخارجي». أما في ما يخصني، فإنني أعتقد أن مجتمعات المنطقة لديها مفاهيم أنتجتها بفعل المرور من تجربة إلى أخرى، وهي جزء من الثقافة. ومفهوم الثقافة الذي أعتمده مفهوم دينامي وعملي، لكنه تجريدي أيضًا. وأحسن مثال على ذلك هو مفهوم «القرابة» المهم جدًا في الحياة القبلية (وفي غيرها): هنا جرى التعميم انطلاقًا من الدم إلى الرضاعة، إلى الجماعة الشعائرية، وإلى العلاقة بالتعاقد والقرابين... وكل ذلك وفق منطق تناظري واضح. وربما يمكن أن يحصل التعميم أيضًا بولوج طريق معاكس، مثلً بمقارنة أشياء أخرى قبل تطبيق منطق المقارنة هذه على صلة التناسل والدم، أو إسقاط تلك القرابة ومسطرتها (بمعنى كيف يشتغل منطقها) على تصنيف ظواهر طبيعية أو على ظواهر الكون بأسره، كما ذهب إلى ذلك دوركهايم وموس. ونعرف أيضًا أن كلود ليفي شتروس اتّبع في هذا المجال تمشيًا
معاكسًا، ينطلق من محددات الفكر الإنساني الذي يصنف – بحسب رأيه - كل شيء وفق الهوية
والتعارض، وهو منطق تصنيفي ربما يكون قد طُبّق بشكل طبيعي على المجموعات البشرية. وهناك أمثلة أخرى يمكن استدعاؤها: خلال بحث ميداني، شرح لي أناس لا يقرأون ولا يكتبون – عبر
عملية تصنيف معقّدة لنظُم الري - كيف يتم توزيع الماء في واحتهم. ومن ناحية أخرى، كان ما نسميه اليوم الحساب الذهني منتشرًا في هذه المجتمعات، حتى بين أولئك الذين لم يذهبوا يومًا إلى المدارس
القرآنية أو الحديثة، ويمكن أن نفكر أيضًا في المهارات التي تتطلبها ألعاب الداما والورق والشطرنج التي يمارسها الناس العاديون. فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن هؤلاء ينتمون إلى المجتمعات نفسها التي
((8(النقاش في ثنائية «الداخل» و«الخارج» (emic/etic) قديم، وليس غرضي هنا الإسهاب في عرضه. ترجع الثنائية إلى اللسانيات، وخصوصًا إلى ك. بايك، وكذلك للسانيات العلاقة؛ وكانت الثنائية موضع نقد مارفين هاريس، وهو الأنثروبولوجي الذي
نصح بالتخلي عن «الداخلي». هناك مناقشات مهمة لموضوع «الداخلي» لأولفيي دي ساردون، وهي مناقشة طويلة لا تخلص إلى نتائج واضحة. والمناقشة الأخرى لسيمون سرٌوتي وهي مهمة. انظر: Simona Cerutti, «Histoire pragmatique, ou de la
rencontre entre histoire sociale et histoire culturelle,» Tracés: Revue de sciences humaines, no. 15 (2008), pp. 147-168.
ينتمي إليها المختصون في العلوم، أولئك المتبحرون في علوم الكسور الرياضية المعتمَدة في قسمة
الإرث مثلً، يمكننا أن ندرك أن عملية البناء المفاهيمي ليست حكرًا على الأنثروبولوجيين، وهذا طرح
يلتقي مع أطروحات ليفي شتروس، لكن مع فرق مهم وهو أن طرحي يهدف إلى بناء مفهوم علائقي
سارٍ في واقع القبيلة، وتوجيه عملية بناء ديناميتها وطرق إعادة تشكيلها، وليس إلى مجرد التفكير فيها. بناء على ما تقدم، سأضع جانبًا ذلك التمييز المبسط الذي يقوم به بعضهم بين القيم «الحميمية»
والبناء المفاهيمي، وهو تمييز يتجاهل الجهود السابقة التي عملت على تسهيل المرور من خطاب المجتمعات إلى خطاب الأنثروبولوجيا. هذا رغم أن ليفي شتروس وكليفورد غيرتز كلاهما عمل، ولكن كل بطريقته، على فتح ممرات، ولو نسبية، في هذا الاتجاه. يوفر الربط الذي أقترحه بين الخطابين إضافة جديدة إلى عمليات الاستكشاف السابقة، وذلك بالبحث عن وسيلة الربط بين الخطابين على صرح المفاهيمية، أي عملية بناء التصورات كما قدمتُها من خلال
الأمثلة السابقة. والتلاقي على هذا الصرح المشترك لا يعني الخلط بين المفاهيم الداخلية والخارجية،
بل إن كلً منها يحتفظ بطبيعته (مع التذكير هنا بنسبية الثنائيات). يتعلق الأمر بصرح مفاهيمي يتلاقى فيه «الداخلي» ب«الخارجي». وللوصول إلى هذا الصرح، يبدو من المفيد القطع مع التقليد القديم الذي يفصل بين التراث الشفوي والتراث الكتابي، والقيام بدراستهما كوجهين لتراث واحد. وإني أرى أن تغيير وجهة التفكير وآفاقه على هذا النحو يسمح بالكشف عن جانب مهم للمبدأ الذي يقوم عليه بناء القبيلة.
تهميش تراث المنطقة ومفاهيمه
في معظم الحالات، اعتمد الأنثروبولوجيون الذين اشتغلوا على القبيلة على مقاب ت مع مخبرين من القبائل المعنية، واكتفوا بالخطاب الشفوي. ومن المحتمل أن بعض مخاطبيهم كان على معرفة بالكتابة. لكن المهم هو أن أغلب هؤلاء الباحثين أنجزوا – إلا في حالات قليلة - إثنوغرافياتهم بوسيلة المقابلة الشفوية، إضافة إلى منهجيات أخرى. وقد أثيرت تساؤلات عديدة حول نجاعة المقابلات الإثنوغرافية، وما يمكن أن يشوبها من نقائص علمية وأخلاقية، أتجنب من ناحيتي الرجوع هنا إليها، وذلك كي أفسح المجال لطرح سؤال لم يطرحه أحد، بحسب علمي، إلى حد الساعة. والسؤال هو: ماذا يفعل الأنثروبولوجيون بالتقاليد التي رواها لهم المخبرون؟ الجواب هو أنهم في الغالب همشوا جانبًا مهمًا منها؛ خاصة في ما يتعلق بالتصنيفات والتسميات. فهُم اعتبروا أن ذلك الجانب لا يستحق
اهتماما مركزًا، أو أنه ضرب من ضروب الفكر البدائي أو الأيديولوجيا، ولهذا يهمّشونه ويتركونه جانبًا
للمرور بسرعة إلى شبكة المفاهيم المتداولة بينهم. تظهر عملية التهميش في مجال حيوي يؤسس للتنظير، ألا وهو مجال مفردات التصنيف المتأصلة
في ثقافة المنطقة نفسها؛ ففي هذا المجال، ظهرت عند الأنثروبولوجيين واستقرت فترةً طويلة ممارَسةٌ
(8((عالجت الموضوع في محاولة سابقة: عبد الله حمودي، حكاية حج: موسم في مكة (بيروت: دار الساقي، 2010)، ص 11 -.20
تتمثّل في وضعهم أسماء للمورفولوجيات القبلية، والاستغناء عن الأسماء التي أتى بها مخبروهم، أي الأسماء الأهلية. وعلى سبيل المثال، يعتمد مونتان الكلمات التالية: قسم، جزء من قسم، قبيلة. صحيح أنه يحتفظ ب «مُوضع» و«لف»، لكنه يحذف كلمات أخرى مثل «إخص» و«فخذة»، ثم يعطي
كلمة تقبيلت مكانة ثابتة في السلّم الهرمي للوحدات التي تُشكل ما يسمّيه هو «قبيلة». من ناحية
أخرى، لا يتورع مونتان عن نزع كل قيمة عن تصنيفات مُخبريه، التي تبدو له مشوشة وفاقدة كل
عقلانية، ويعوضها بتصنيفاته هو، موضحًا أن المستويات الثلاثة التي يحاول تمييزها بعضها من بعض
– «جزء من قسم»، قسم، قبيلة - يطلق عليها مُخبروه كلمة واحدة غامضة في نظره، هي تقبيلت.
وبحسب هذه النظرة، فإن التسميات تتسبب في الخلط بين الوحدات ومستوياتها. هكذا يتصور الإثنوغرافي أنه يساهم في عملية توضيح، بحيث يفصل ما اختلط في ذهن مخبريه، وبالخصوص في ما يتعلق بالوحدات وترتيباتها التي تبدو له «غامضة»، ثم يزيد أن التصنيفات الواضحة والمنطقية غير معروفة لدى «البدائيين»!!. هذا ما كتب مونتان بشأن الأمازيغ الذين درس قبائلهم في المغرب قبل أن ينتقل إلى دراسة القبيلة في المشرق. ومن المؤكد أن مونتان كان يكرر فكرة راجت في عصره بشأن المجتمعات التي كانت تُعتبر بدائية في الأدبيات الأنثروبولوجية؛ فبهذا الخصوص، كتب ما يلي: «نحاول جاهدين، بعد الاستبعاد الحازم لكل التفسيرات المأخوذة من التقاليد الشعبية، تحديد طبيعة مختلف أنماط الأحوال البربرية من خلال المقارنة بين تجاربهم في الحياة وبِناهم الاجتماعية». واجه الأنثروبولوجيون باستمرار مشكل التسميات وعدم استقرارها، وحاول غيلنر حله بالطريقة التالية: بحسب رأيه، يمكن سلالة كبيرة أن تعتبر نفسها قبيلة في مقابل قبيلة أخرى، ويمكن لها أن تعتبر نفسها «إخص» (أي فرعًا صغيرًا على سبيل المثال) في مقابل «إخص» آخر (أي مقابل جماعة من المستوى
الانقسامي نفسه)؛ وهذا يذكّرنا بفكرة النسبية والتكامل البنيوي المألوفة منذ بريتشارد وبعده لويس ديمون. ويتعلق الأمر في كل مرة بعلاقة مرتبطة وظيفيًا بأخرى، لكنها علاقة بنيوية، وهو ما لم ينتبه
إليه بعض نقاد غيلنر. إن عدم الاستقرار الاصط حي هذا يزعج معظم الأنثروبولوجيين. وسواء كانوا من أنصار النموذج الانقسامي أو من منتقديه، فإنهم يختارون في النهاية ابتكار «أقسامهم»، مُرتبينها وفق هرمية مكوّنة
(90) Robert Montagne, Les Berbères et le Makhzen dans le sud du Maroc, essai sur la transformation politique des Berbères sédentaires (groupe chleuh) (Paris: F. Alcan, 1930), p. 140. (91) Ibid., p. 150, and Abdellah Hammoudi, «Construction de l’ordre et usage de la science coloniale: Robert Montagne, penseur de la tribu et de la civilization,» dans: François Pouillon et Daniel Rivet (dirs.), La Sociologie musulmane de Robert Montagne: Actes du colloque EHESS et Collège de France, Paris, 5-7 Juin 1997 , collection raisons ethnologiques (Paris: Maisonneuve et Larose, 2000), pp. 276-279. (92) Louis Dumont, Homo hierarchicus: Essai sur le système des castes , bibliothèque des sciences humaines (Paris: Gallimard, 1967). (93) Paul Dresch, «The Significance of the Course Events Take in Segmentary Systems,» American Ethnologist , vol. 13, no. 2 (May 1986), pp. 309-324.
من «مستويات» عدة. هكذا، فإن كلمة segment (جزء) تعوض، بحسب الذوق التصنيفي لهؤلاء، المصطلحات الأمازيغية والعربية غير المستقرة، الشيء الذي يفرض السؤال التالي: ألم يكن حريًا
بالأنثروبولوجي الانط ق من ال اااستقرار الاصطلاحي في المنطقة بدلً من الاستغناء عنه بعد نعته بالغموض والبدائية، وحريًا بنا البحث عن المنطق الذي يمكن أن يكون قابعًا في هذا ال اااستقرار
الاصطلاحي؟ إن الجواب عن هذا السؤال ينتظر توضيح المآل الذي عرفته علوم المنطقة ومفاهيمها
في المنظومة الأنثروبولوجية، وكذلك الموقف بوسيلة منهج جديد يقابل بين ما أُسميه «التقليد» الأهلي و«التقليد» الأنثروبولوجي.
استعمالات التقليد العلمي للمنطقة
ما هو الموقع الإبستيمولوجي التي أعطته الأنثروبولوجيا للخطاب العلمي لمجتمعات المشرق والمغرب؟ اعتمادًا على ما تقدم، سأكتفي بتحليل حالة نموذجية واحدة من وجهة النظر التي شرحتها،
وهي حالة ذات وجهين: الأول أنها تمثّل محاولة استفادت من العلم العربي بشكل متقدم نسبيًا،
والثاني أنها تُبرز، رغم ذلك كله، العقبة الإبستيمولوجية المتأصلة في المعرفة الأنثروبولوجية، والتي تمنعها من الأخذ بعين الاعتبار المفاهيم والاهتمامات الفكرية لمنطقتنا. المحاولة المقصودة هي لكويزينيي، مع التذكير بمجهودات أخرى سبقته، وأولها تلك التي قام بها بيرك، الذي عرف كيف يشق الطريق من خ لاا استغ لااه الرائع لجميع الخطابات، المكتوبة منها
والشفوية. وانط قااًا من أعماله الملهمة، أحاول توضيح المكانة الإبستيمولوجية لمعارف المنطقة، هذه المكانة التي لم يتناول بيرك إشكالياتها. ينطلق كويزينيي من النظرية كما وضعها ابن الكلبي (القرن الثامن الميلادي) معتمدًا على تقاليد معرفية قديمة. في هذه النظرية، نجد الانقسام الثنائي المعروف بين اسمين: عدنان وقحطان، وهما ابنَي الأب
الأول نوح، بحسب الرواية، ومنهما تكونت - دائمًا بحسب الرواية المتداولة - شعوب انقسمت إلى
قبائل. والمبدأ هو تفرع خط النسب الذكوري، ولكن من دون تحديد: هل الأخوان شقيقان، أي من الأب نفسه والأم نفسها أم لا؛ ونحن نعرف أن درجة القرابة الناتجة من النوع الأول ليست هي التي تطبع النوع الثاني من الأخوة. نلمس في هذه النقطة أنواع القرابة، وكيف أن القرابة أنواع بين الأخوة، وقد تتعدى التناسل، كما سبق ووضّحت. تلك الظاهرة نجدها في سلاسل نسب القبائل التي درسها الأنثروبولوجيون في القرن العشرين. أما في ما يخص الانقسام الثنائي، فيبدو أنه مبدأ عام: عدنان/ قحطان، ربيعة/مضر، بكر/تغلب، أوس/خزرج، هاشم/أمية،...وهكذا. وكما نعرف، يشق هذا المبدأ أيضًا القبائل المعروفة في القرن العشرين. يؤكد كويزينيي فكرة سبقت الإشارة إليها، وهي أن علم النسابين علم تبريري، بمعنى أنه يشكل نظرية (للرابط الاجتماعي)، لكنه لا يحيل بالضرورة إلى واقع. هذه الملاحظة جديرة بالاهتمام، لأنها تعني أن التقليد العلمي لا يختلف عن التقليد الشفوي الذي يعتمده الأنثروبولوجيون في تحديد
(94) Montagne, Les Berbères et le Makhzen ; Antonin Jaussen, Coutumes des Arabes au pays de Moab (Paris: Maisonneuve, 1908), p. 437; Chelhod, p. 96, and Lancaster, The Rwala.
س سل نسب «قبائلهم». لكن هناك ما هو أهم، وهو أن كويزينيي يواجه مع هذا العلم الصعوبة نفسها المتمثّلة في عدم استقرار المصطلحات المستعملة في تصنيف مكونات القبائل. والمفارقة هي أنه تصوَّر أن الحل يكمن في النموذج النظري الذي يستبعد العلم العربي، باحثًا عما سمّاه «الشكل
الحقيقي للتنظيم الاجتماعي للشعوب العربية». وقد لخص ذلك في مبدأ قال إنه متولد عن «البنية الانقسامية» للمجتمعات المدروسة. غير أن يجب الانتباه إلى أن كويزينيي أدخل على فكرة «البنية» تغييرًا من الحجم الثقيل: من منظوره،
تبدو البنية حالة إكراهية سياقية، على أساسها يجري توجيه الفعل داخل التشكيلات القبلية بطريقة يتخللها قدر من المضاربة، وهي فكرة قريبة من تلك التي هيكلت عمل لانكاستر. عمليًا، وفي مرحلة أولى، يضع كويزينيي المبدأ، ويساعده هذا بطبيعة الحال على تجنب العلوم العربية
التي اعتبرها تبريرية فقط. وفي واقع الأمر، يشتغل الأجداد، بحسب رأيه، داخل السلاسل النسبية، مثل المفاهيم الأرسطية: بقدر ما يكون إيحاؤها بالعلاقة قويًا، تكون إحالتها إلى الأشياء الملموسة
ضعيفة؛ فوجود الأجداد البعيدين يوحي بعلاقة مع أحفاد كثيرين في الوقت الحاضر، لكن لا شيء من ذلك يحيل إلى علاقات ملموسة تربط اليوم بين المجموعات الكبيرة التي تُعرف عبر مصطلحي:
«نصف»، و«قبيلة» مثً، أو اتحاد مجموعات من القبائل. وبالعكس، يحيل الأجداد القريبون إلى علاقات ملموسة في الحاضر بين السلالات والفروع، لكنهم يحيلون بصورة أقل إلى وجود علاقات مماثلة في الماضي البعيد، أي المكونات الكبرى للقبائل، والأجداد القدامى التي تنتمي إليهم تلك المكونات. ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار أن كويزينيي يعتمد النموذج الذي وضعه بيترز - وهو سابقٌ ذلك الذي وضعه غيلنر- ويراجع فيه النموذج الذي وضعه بريتشارد؛ وذلك بالاستناد إلى غياب التوازن بين الأجزاء، وإلى سلاسة تشكّل الجماعات في المستويات الدنيا من التقسيم القبلي. ويتفق مع بيترز في أن هناك دينامية تشكل الجماعات في علاقة بالمعطيات الخاصة بالمجالات الترابية، أي بالموارد أو العامل الاقتصادي بعبارة أخرى، بحيث إن مفهومه للبنية يرجع إلى الإكراهات الاقتصادية خلاف البنيويات التي تبنّاها قبله آخرون، مثل غيلنر (وقبله بريتشارد وليفي شتروس). وهذا منطق إمبريقي براغماتي أتى بالجديد عند بعضهم، خاصة لانكاستر، الذي طبقه بالاستناد إلى مفهوم الفعل الفردي
في المحيط القبلي بدلً من فرضية قديمة، وهي انعدام المبادرة الفردية في المجتمع القبلي، واعتبار أن الفرد منساق تمامًا للسلطة الجماعية والثقافة الموروثة. لكن في مرحلة ثانية، يتقدم كويزينيي خطوة أخرى في التحليل من خلال التمييز بين السلالة الذكورية والبنوة من جهة، والأخوّة بصفة عامة من جهة أخرى. هنا يبدو أن ما اعتبره الأنثروبولوجيون غموضًا،
أو عدم استقرار سلبي عند الأمازيغ والعرب، يمكن أن يكون وسيلة لفهم جانب مهم يمكن تلخيصه
(95) Cuisenier, p. 271. (96) Ibid., p. 272.
كالتالي: بما أن الأخوّة أشمل من قرابة السلالة الذكورية، فإن ذلك يفتح الباب لاحتمالَيْ الانصهار
والانشطار في الآن نفسه، وهو التأرجح الذي يطبع البنية الانقسامية كما هو معروف. ومن ثم يخلص كويزينيي إلى القول إنه إذا كان الأمر على هذا النحو، فإن السبب وراء الانشطار أو العكس ينبغي عدم البحث عنه في بنية النظام، بل في مقارنة المزايا التي تترتب عن هذا الفعل أو ذاك، انطلاقًا من وضعيات ملموسة. وعلى هذا الأساس، ربما يكون هناك تناغم بين نظامين من تقدير المصالح: تقدير المصالح المتعلقة بمعيار الأهمية التي تُعطي للرابط الاجتماعي، وتقدير المصالح بمعيار ما يمكن حشده من موارد في بيئة يجري فيها التصدي لعدم استقرار وفرة الموارد عبر تنويعها. أكيد أن كويزييني جدد، لأنه فاق غيرَه في استكشاف الكتابات العلمية العربية المتعلقة بالظاهرة القبلية،
خاصة أنه ربط بين المعرفة الشفوية والمعرفة المكتوبة من خلال التحليل المتزامن لشجرة النسب التي يقدمها المخبر ولمعطيات العلوم المدونة. ولكن رغم ذلك، فإن هذه العلوم بقيت عنده دائمًا محشورة
في خانة ما هو وثائقي، بمعنى أنها ظلت هامشية بالنسبة إليه في ما يتعلق بصناعة المفاهيم، ومن وجهة النظر هذه، فإنه حافظ على تقليد راسخ في هذا المجال. أما في ما يتعلق بالطابع التقديري للفعل وبالدينامية المورفولوجية للقبيلة، فإنه لا مناص من ملاحظة أن هذا التصور يذكّرنا بنظرية الفعل في النظام الرأسمالي (بحسب رأي أصحاب نظرية الخيار العقلاني عند الفاعل). إن تاريخ القبائل وإثنوغرافيتها يعجان بالموضوعات المتعلقة بالصراعات المسلحة وغيرها. وإذا ما وضعنا جانبًا الأفكار الرائجة، فإنه يمكننا على الأقل بلورة الفكرة التالية: يطرح الانتفاع بالموارد مشكل
تنظيم الوصول إليها والدفاع عنها؛ فإذا ما حصل الاتفاق على هذا، فإنه يصبح في الإمكان، خلافًا لأطروحة كوزينيي وغيره، التفكير في أن وظيفة الإنتاج رهينة وظيفة الدفاع، وأن هذه الأخيرة بدورها رهينة التلاحم الداخلي للمعنيين بذلك، إلى درجة أن فصل وظيفة الإنتاج عن الوظيفتين الأخريين يكون فيه كثير من التعسف. وحتى يتسنى الحفر في تقاطع هذه الوظائف من وجهة النظر التي قدمت، فإنه يبدو أن الطريق القويم إلى ذلك يكمن في البحث عن سطح مفاهيمي تلتقي فيه المعرفة الأنثروبولوجية بالمعرفة التي طورتها منطقتنا. وسأحاول في ما يلي وضع الخطوط العامة لهذا المقترح، مركّزًا على عناصر معدودة تدخل في تحقيق الغرض. هناك سورة في القرآن مشهورة تذْكر «الشعوب» و«القبائل». ويجري الاستنتاج من ذلك عادة أن القبيلة أصغر حجمًا من الشعب. لكن مشاكل التصنيف حاضرة هنا أيضًا. على سبيل المثال: يصنف بعض
الكتّاب ربيعة ومضر على أنهما قبيلتان، بينما يصنفهما بعضهم الآخر على أنهما شعبان. وفي ما يخص الوحدات أو المستويات، كما يقول الأنثروبولوجيون، يعطي الكتّاب العرب القائمة التالية: جذم، جمهور، شعب، قبيلة، عمارة، بطن، فخذ، عشيرة، فصيلة. والمهم في هذا التصنيف هو أنه
(97) Ibid., p. 279. (98) Ibid., pp. 279-281.
يعني مبدئيًا أن كل مجموعة تتضمن التي تليها: الجذر (جذم) يحتوي على شعوب كثيرة، والشعب
قبائل كثيرة، وهكذا..... لكن في الوقت الذي يشير فيه هذا التصنيف، من دون لَبس، إلى شكل العلب المتداخلة، هناك أيضًا تغيرات في الأسماء والطبقات (أو المستويات). ويمكننا أن نخمن السبب، وهو التحول الذي يغير محتوى الوحدات البشرية. وكمثال على ذلك، يمكن الإشارة هنا إلى قريش التي لم تكن سوى غصن من كنانة، لكنها تحولت في القرن السابع إلى قبيلة، وتغير موقعها في السلّم الهرمي للقبائل المكية. ثم ينبغي الإشارة أيضًا إلى التسميات القديمة التي ما زال المخبرون يستعملونها إلى اليوم: بطن، فخذ... وكذلك إلى تلك التي يستعملها المؤلفون العرب القدامى، مثل عشيرة وفصيلة. وكما أسلفت الإشارة إليه، فإن الظاهرة الأساسية هي عدم الاستقرار الملحوظ في التصنيفات ومفاهيمها في التراث المكتوب كما الشفوي على حد سواء. مثلً، في مشارف القرن العشرين الميلادي، نجد الوحدة الاجتماعية نفسها في الجزيرة العربية تُصنَّف قبيلة مرة وعشيرة مرة أخرى، كما ذكر ذلك مونتان. ونحن نتذكر أن الظاهرة نفسها أثارت حنق الكاتب ذاته في ما يخص القبائل المغربية. وظاهرة اللا استقرار هذه منتشرة، إذ نجدها أيضًا عند قبائل الروالة شمال الجزيرة العربية. يقدم عدد من المؤلفين العرب المختلفين، مثل الب ذااري والنويري والماوردي والقلقشندي، أسماء وحدات قبلية كثيرة، والمبدأ الذي يخضع له أغلبها هو الانشطار الثنائي. بعض هذه القبائل منقسمة إلى ما سُمي «حيين» متقابلين يتصارعان. وللتعبير عن حالة «الوجه لوجه»، يستعمل العرب فعلين
«قبل» و«قابل»، وهما يعنيان اتخذ وضعية المُقابل ل خآآر وواجهه، إضافة إلى معان أخرى مشتقة،
مثل قبِل، والقبول، أي قبل أن يُحسب شخصيًا في أعداد ذويه. وقد أشار المؤلفون العرب إلى هذا
اللااستقرار في محتوى التصنيفات، وهو ما جعلهم يجدون صعوبة في اعتماد مفردات متفَق عليها. والقلقشندي مثلً حاول إيجاد حل لهذا الإشكال، لكنه لم ينجح في رفع الغموض الذي يشير إليه أيضًا لسان العربلابن منظور. يبدو أن هذه الأمور غابت عن الأنثروبولوجيين الذين تناولوا موضوع القبيلة في منطقتنا، من أمثال غودليي وبونت؛ فهم يعتمدون فقط الأصول اللغوية اليونانية -تااينية في هذا المجال، سائرين ال
(99) Article «Kabila», in: Bearman [et al.] (eds.), Encyclopaedia of Islam. (100) Ibid.
(10((أبو العباس أحمد بن علي القلقشندي، نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، تحقيق إبراهيم الأبياري، ط 2 (بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1980)، ص.14-13
(102) Robert Montagne, La Civilisation du désert: Nomades d’Orient et d’Afrique , le tour du monde (Paris: Hachette, 1947), p. 50. (103) Lancaster, pp. 28-29. (104) Chelhod, pp. 92 et 105. (105) Ibid., pp. 13-14.
((10(راجع مداخل قبيلة، بطن، فخذ، إلخ.
في ذلك على خطى بنفنيست، ولا شك أن ذلك أصل مهم، لكن لا يجوز استعماله من دون مقارنة بالأصول العربية المعروفة. وقد أشرت إلى «قبل» و«قابل»، وهناك «حي»، وهي توحي بشيء آخر.
تلك الأسماء تطلِقها المجتمعات نفسها على الوحدات الاجتماعية، وهي ترتيبات لها أهميتها في وصف الظواهر وتفسيرها. والمفردات العربية تعبّر عن ع قااات يمكن أن تكون أوسع من علاقات
التناسب والتناسل والانتماء، لتحيل إلى شيء قريب من العلاقات التعاقدية. تجاهل الأنثروبولوجيون هذه الأحوال، واستمروا في تأسيس تأوي تااهم بناء على فكرة مسبقة مفادها الاعتقاد بأن الناس عندما يذكرون موضوع القرابة يكونون غير واعين بمدى ما يدعونه، أو أنهم يغالطون أنفسهم. جلي أن تلك النظرة لا تصمد أمام الواقع. وعلى كل حال، فإن الأبحاث المجددة لا بد أن تقوم على تقاطع المصادر؛ ذلك التقاطع الذي سوف يؤدي حتمًا إلى مراجعة المكانة الإبستيمولوجية الممنوحة
للمعارف العربية، وإلى إعادة الاعتبار إلى قيمة المصطلحات والمفاهيم التي تتضمنها المصطلحات المستعملة في تلك المعارف. عندئذ سيجري إثراء نظرية طبيعة الرابط القبلي؛ ذلك أن التقليد العربي لا يتجاهل القرابة (بل العكس هو الصحيح)، وإنما يشير إلى أوجه أخرى من العيش المشترك. أستخلص من الملاحظات السابقة أننا أمام رهان نظري ضخم؛ إذ إن العلم المدوَّن باللغة العربية بشأن
الجماعات الإنسانية يتجاوز، كما يعرف الجميع، مسألة القبيلة، ويشكل تراثًا أدبيًا وعلميًا عظيمًا. لذلك،
فإنه عندما نعود من جديد إلى مسألة المرور من المعرفة «الداخلية» إلى المعرفة «الخارجية»، يصبح من الحتمي إعادة صوغ هذه المسألة بشكل جذري؛ فجزء من هذه العلوم كان قد بلور فعً موقفًا معرفيًا «خارجيًا»، بمعنى أنه شيد مُركّبات مفاهيمية أنثروبولوجية. وفي هذا الإطار، يمكن أن نستحضر
المفاهيم الخلدونية كدليل على هذا الواقع. وأكتفي بمفهوم معروف جدًا هو مفهوم «عصبية». لا أجهل أن أعمال هذا الأخير كانت موضوعًا لعدد كبير من الكتب والمقالات. وبطبيعة الحال، ليس هدفي إضافة عنوان آخر لهذه الدراسات؛ فما أرمي إليه هو استخلاص الدرس من الكيفية التي تعامل بها الأنثروبولوجيون مع بناء مفاهيمي عربي، والمثال التطبيقي هنا هو مفهوم العصبية. من بين الأنثروبولوجيين الذي رجعوا إلى ابن خلدون، نجد بونت الذي يذكر العصبية ليدعم قولته بأن القبيلة تمثّل «تنظيمًا سياسيًا». هذه النقطة ليست بجديدة، بل هي في قلب التفكير الخلدوني،
وهي بمثل ذلك في النظريات الانقسامية. ويمكننا أن نستحضر في هذه المناسبة قبائل مونتان، تلك «الجمهوريات» الصغيرة التي تتراوح بين الديمقراطية والاستبداد، بحسب نظره، وكذلك نظرية اللف والمواجهة مع الدولة. أما غيلنر، فيذكر مونتان وابن خلدون، ويؤوِّل العصبية ليقدمها على أنها محرك
(10((أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، المقدمة، ط 2 (بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1979)، ج 2، ص 1-22523؛ محمد
عابد الجابري، فكر ابن خلدون: العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، ط 3 (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1982)؛ المختار الهراس، «القبيلة والدورة العصبية: قراءة في التحليل الخلدوني للمجتمع القروي المغاربي»، في: أزداد
أحمد علي [وآخرون]، الفكر الاجتماعي الخلدوني: المنهج والمفاهيم والأزمة المعرفية، سلسلة كتب المستقبل العربي؛ 1 (بيروت:
مركز دراسات الوحدة العربية، 0042)، و Ibn Khaldûn's Philosophy of History: A Study in the Philosophic Muhsin Mahdi, Foundation of the Science of Culture (London: G. Allen and Unwin, 1957), pp. 89-93.
الميكانيكا الانقسامية القائمة على الانشطار والانصهار. بيد أن قراءة ابن خلدون لا تسمح أبدًا باعتبار العصبية قانونًا بنيويًا ميكانيكيًا لا واعيًا. وفي النهاية، يبدو من الصعب أن تُنْسب إليه فكرة
مفادها أن الفاعلين في التاريخ – من المنظور البنيوي المشار إليه - لم يكونوا سوى ألعوبة تحرك
خيوطَها تقاليدُهم التي صنعوها بأنفسهم عبر العصور. وفي جميع الأحوال، فإن مسألة الموقع الإبستيمولوجي للمفهوم الخلدوني تظل عند هؤلاء خارج الاهتمام؛ فعلى سبيل المثال، لا يوضح بونت ما إذا كان البناء المفاهيمي الخلدوني يُعد من قبيل
«الداخلي» أو «الخارجي». ولكن بما أنه يذكر صاحب المقدمة بالصفة نفسها التي يذكر بها زملاءه، فإنه ينبغي الاعتقاد بأنه يفصله عما هو «داخلي» محض، ويفصله أيضًا عن التراث المدوَّن والشفوي
الذي ينتمي إليه. إلا أن هذا الموقف ينشئ غموضًا مربِكًا؛ إذ كيف يمكن دعم فكرة الفصل بين «الداخلي» و« الخارجي»، كما يتصوره بونت؟ والحال أن ابن خلدون مفكر ينتمي في الآن نفسه إلى الصنفين من التراث المعرفي العربي. إن هذا الغموض يبقى خارج وعي أنصار هذا الفصل في دراسة الظاهرة القبلية في منطقتنا. وجميع الدلائل تشير إلى أن هذا الغموض موروث عن الطريقة التي استخدم بها الأنثروبولوجيون علوم المشرق والمغرب منذ القرن التاسع عشر. وحين يرجع الأنثروبولوجيون إلى المؤلفين العرب، ن حظ التردد في مواقفهم بين اختزال ذلك التراث في دور وثائقي، أو اعتبار أولئك المؤلفين بمثابة السبّاقين في المجال، الذين تؤكد أفكارهم
تنظيرات الأنثروبولوجيين. في الحالة التي بين أيدينا، لم يهتم أحد بمسألة ما إذا كان المفهوم الخلدوني يحتوي على مخزون إبستيمولوجي يستحق التأمل؛ ذلك أن البناء المفاهيمي ل«العصبية» جرى بفضل جهد فريد، أدى بصاحبه إلى أخذ مسافة من الظاهرة بفعل انخراط قوي في الحياة، وانغماس في ميادينها وفضاءاتها المختلفة والمتباعدة: بدو وحضر، أوساط العلم، أوساط السياسة، إضافة إلى الأسفار ومعرفة الأمصار. وكما هو معروف، عاش ابن خلدون عصره بشكل مكثف، ثم انزوى بعد ذلك للتأمل والكتابة. ومن المؤكد أنه كان قريبًا من هذا الرابط الذي يؤكد قوّته، سواء داخل القبيلة أو المدينة، إن لم يكن هو
نفسه قد انخرط فيه. فإذا ما رمنا إعادة النظر في مخزون المفهوم الخلدوني، فإنه يتعيّن علينا أن نعطي
الوزن كله لهذه التجربة: طول ممارسة تجربة المرور من تقاليد المعرفة العامة «الداخلية» إلى تقاليد العلم التي تفرض الخروج عن ذلك لإعادة تعريفه، وذلك هو «الخارجي» كما أتصوره. لهذا، لا يمكن تبسيط نظريته، لأننا لا نجد فيها أثرًا لنظرية تصوّر العلاقة القبلية ك «خداع للذات»، أو كمحرك
للتحالف والانقسام بشكل أوتوماتيكي. من الراجح أنه كان يدرك أن المفاوضات واتخاذ القرارات كانا يجريان بشكل واعٍ، وأن القوة والعواطف كانتا تحرك العصبية، وأن هذه القوة وهذه العواطف لم
تكونا تمنعان تشتت الطاقات وتغيير التحالفات. بطبيعة الحال، لا يمر كل شيء عبر الوعي، ولكن من المؤكد أن علينا الابتعاد عن النموذج الذي يكون فيه الناس مثل بيادق محضة، تحركهم أيدي بِنية ما، اجتماعية أو ثقافية.
(108) Gellner, Muslim Society.
خاتمة
أختم هذا البحث بملاحظات في نقطتين: الأولى حول توليد المفاهيم من موقع «داخلي/خارجي» الذي تجلى بوضوح عند ابن خلدون وابتكاره مفهوم العصبية. والنقطة الثانية حول التأسيس لخطاب أنثروبولوجي مستقل ومرتبط بمنطقتنا. إن المقابلة بين التقليدين المعرفيين تساعد على تحديد سبب تأرجح مضمون التسميات والتصنيفات في التقليد المعرفي العام للمنطقة. وأول ما يمكن رصده هو أنه ليس هناك فرق بين المخبرين العرب والمخبرين الأمازيغ. والأمر الثاني هو أن هذا التأرجح
صفة يشترك فيها خطاب المخبرين وخطاب العلماء. أخيرًا، إن مُنظِّرًا أصيً في المغرب الكبير،
هو ابن خلدون، وضع في الصدارة المبدأ الذي يحرك التشكل والتجمع من خ لاا بناء «العصبية» كمفهوم تحليلي، ثم كمفهوم تركيبي يحيل إلى مضمون يجمع العناصر التي خضعت للوصف والتحليل، ويتعداها إلى الإحالة إلى فكرة جديدة. بهذا يكون المفهوم قد غيّر نظرتنا للعناصر: أي قام
بدوره التنظيري. ليست «عصبية» كلمة جديدة في القاموس العربي، لكن البناء المفاهيمي يظهر أولً في الجهد الذي بُذل بهدف التفكير في مجمل الحالات التي يُستدعى فيها جذر «ع ص ب»: من الحبال العصبية التي
تجمع العظام في كتلة واحدة، إلى درجة القرابة التي ترتبط بها حالة في الإرث، إلى تشكّل الجماعات والتحالفات والأحزاب. لكن التعميم، الذي هو أرسطي في الأساس، ليس إلا وجهًا من وجوه الابتكار
المفاهيمي؛ فالوجه الآخر له - والحاسم بلا شك - يتمثّل في «ترجمة» «ع ص ب» من إطار عملي إلى آخر، هنا السياسي بالتحديد، وهي ترجمة تتخطى التعميم كي تعيد تعريف السلطة من وجهة نظر جديدة. ينبغي أيضًا أن يؤخذ بعين الاعتبار وجه آخر للتعميم: يبدو التقليد المعرفي الشعبي والعلمي في منطقتنا غير عابئ بتأرجح مضمون التصنيفات الذي يزعج إلى حد كبير الأنثروبولوجيين الغربيين. وقد تعامل هؤلاء مع المسألة، إما على أساس أن هذا التأرجح يعبّر عن حالة من الارتباك والخلط،
وإما من خ لاا البحث في الأسباب المختلفة التي تختفي وراء الظاهرة. لكن بمجرد تغيير النظرة بإخراج المؤلفين والمخبرين لمنطقتنا من التبعية التي يصر الأنثروبولوجيون على حشرهم فيها، أقول بمجرد ذلك، يتبادر إلى ذهننا شيء أساسي هو عدم اهتمام هؤلاء المخبرين والمؤلفين بظاهرة ال اااستقرار في التصنيفات، ومضمون مفرداتها، التي تبقى مستعصية على عملية وضعها ضمن نظام ثابت. والفرضية الراجحة، في نظري، هي أن هذا ال اااستقرار هو في الواقع جزء من لعبة التصنيف وإعادة التصنيف التي تعَوّد عليها الجميع. وفي نهاية الأمر، فإن الاهتمام الذي يوليه
العلماء العرب، بمن فيهم الماوردي، للقبائل من دون أن ينشغلوا بهذا اللااستقرار، يعني أن مسائل التكت ت والصراعات والمفاخر، وكذلك الإدارة والخراج وغيرها، تفرض تصنيفات قادرة على
(10((قام فريد العطاس بوصف التبعية العلمية من خ لاا تقسيم العمل على الصعيد العالمي. واقترح بعض سبل التخلص من التبعية الأكاديمية. ولكن مشروعي هذا، زيادة على محاولة العطاس، يروم التخلص من التبعية المعرفية بوسيلة الابتكار المفاهيمي؛
Syed Farid Alatas, «Academic Dependency and the Global Division of Labour in:وهذا لا ينفي أهمية مقال العطار. انظر the Social Sciences,» Current Sociology , vol. 51, no. 6 (November 2003), pp. 599-613.
التأقلم مع المتغيرات. وهذا التأقلم يستمد ضرورته من التحول الدائم إلى يومنا هذا: أي من الدينامية الاجتماعية والسياسية التي غيّبها الأنثروبولوجيون الذين لا يرون في الظواهر إلا ثوابت (مورفولوجية
أو غيرها). من خلال متابعة الكيفية التي يُبني بها المفهوم في التقليد المعرفي الشامل لمنطقتنا، يمكننا تنسيب
الهوة بين المعرفة «الداخلية» والمعرفة «الخارجية». ومن ثم، فإن طبيعة الرابط القبلي تتوضح بالقدر الذي نفصلها به عن الأشكال الاجتماعية التي تنبني على ذلك الرابط. وهذا مبدأ يعرفه الفاعلون الاجتماعيون ويجيدون استخدامه. ينطلق هذا المبدأ من قرابة الدم، ويدمج المصاهرة، ثم يتمدد نحو جميع الأشكال الأوسع والأشمل بحسب الأهداف. هذه الحركة، التي هي دائمًا في علاقة بالمعايير، لا
تنغلق على نفسها ضمن منطق ميكانيكي، ولا ضمن تأويل مجرد لأسس التراتبية؛ فالتناقض والتكامل يشتغ ن وفق هذا المبدأ، لكن تحديد مستوى الانقسام يتطور بحسب قوة الأعداد التي يحشدها كل طرف. من هنا تبدو المورفولوجيات القبلية بمثابة أشكال ووسائل للحشد، ولهذا السبب تستمر طويلً قبل أن تختفي. ومن ناحية أخرى، تُواصل هذه الأشكال حياتها حتى داخل المجالات الترابية التي تحولت
إلى ملَكيات أو جمهوريات معاصرة. وقد تُحاول دول ما بعد الاستعمار، وفي كل مكان، ترويضها ووضعها في خدمتها، ولكن القبيلة ما زالت سارية في شرايينها. إن الرابط الذي يحرك الديناميات القبلية يضمن سلاسة الأشكال والشبكات التي يساعد على تكوينها، ويمكننا أن نلاحظ السهولة التي تتم بها إعادة اختراعه في المكان ذاته الذي يبدو أنه اختفى منه. هذا في ما يخص توليد المفاهيم انط قااًا من نقد الخطاب الأنثروبولوجي الغربي ومقابلته بالتراث العربي الأمازيغي لمنطقتنا. أما النقطة الثانية، وكما أشرت سابقًا، فتتعلق بإيجاد البديل لتلك الأزمة المعرفية التي ما فتئ الباحثون من المغرب والمشرق يشتكون منها منذ الاستقلالات السياسية خلال القرن الماضي. تتلخص الأزمة، في نظرهم كما هو معروف، في الطابع الاستعماري لخطاب العلوم الاجتماعية والأنثروبولوجية على الخصوص. وقد خضعت الأنثروبولوجيا بالخصوص لحركتين
نقديتين قويتين للمعارف التي أُنجزت في ظل الاستعمار والهيمنة حول مجتمعات المنطقة (وغيرها). الحركة الأولى من طرف النخب الوطنية، والثانية في إثر النقد الذي قام به إدوارد سعيد للاستشراق وللأنثروبولوجيا، حيث اقترح التخلي نهائيًا عن هذه الأخيرة. ومن تبعات هذا النقد تقويض القبيلة
كموضوع ومفهوم، كما أشرت إلى ذلك في مقدمة هذا المقال. لكن ذلك التقويض لم يأت بالبديل في هذا المجال، ما عدا استبدال «مفهوم الثقافة» السائد آنذاك (خاصة في الأنثروبولوجيا الأميركية) بمفهوم السلطة الخطابية والمعرفية المقتبس من ميشيل فوكو.
(110) Edward Said: Orientalism (New York: Pantheon Books, 1978), and «Representing the Colonized: Anthropology’s Interlocutors,» Critical Inquiry , vol. 15, no. 2 (Winter 1989), pp. 205-225. Lila Abu-Lughod, «Writing Against Culture,» in: Richard G. Fox, Recapturing (11(خاصة في كتابات ليلى أبو لغد:(Anthropology: Working in the Present , School of American Research Advanced Seminar Series (Santa Fe, NM: School of American Research Press, 1991).
والحال أن لا «داخل» ولا «خارج» يمكن تعيينه انط قااًا من تلك النظرة. ولا مكان لإيجاد البديل المنشود، وهو إنتاج خطاب متميز ومستقل من رحم التراث المعرفي وثقافة منطقتنا. ولا مكان لذلك أيضًا في برامج سُطرت بعيدًا عن ذلك الرصيد كما فعل تيم متشل؛
ذلك البرنامج الذي لا يخرج عن عولمة الخطاب الغربي، وإن كان منتقدًا لهيمنته، وهو في حد ذاته عقبة في طريق إنجاز معرفة منبثقة عن معارف المنطقة، وعن مشاغل الناس الذين يعيشون فيها. إن البديل الذي أقترحه لا يحاول تبرئة الأنثروبولوجيا من حمولاتها الكولونيالية؛ فعكس ذلك هو الصحيح، لكني أفضّل اتخاذ منهج جديد في النقد؛ هذا المنهج يقتضى الدخول العميق في التصورات والمفاهيم والوقائع التي تزخر بها تلك الأنثروبولوجيا إلى حد تأزيمها. في هذه الورقة التي أضعها اليوم بين يدي القارئ، حاولت اقتراح البديل من خ لاا الدخول في جوانب من عمق المعرفة الأنثروبولوجية، قابلت بينها وبين الرصيد العلمي والثقافي لمنطقتنا؛ مقابلة أدت إلى الوقوف على الضعف الذي سكن الأسس الإبستيمولوجية لذلك الموروث الأنثروبولوجي. وفي دفعة واحدة أدت تلك المقابلة إلى شق طريق بديل في اتجاه خطاب مستقل. References
المراجع
العربية
ابن خلدون، أبو زيد عبد الرحمن بن محمد. المقدمة. ط.2 بيروت: دار الكتاب اللبناني،.1979 ______. مقدمة ابن خلدون. القاهرة: مطبعة مصطفى محمد، [د. ت.]. بورقية، رحمة. الدولة والسلطة والمجتمع: دراسة في الثابت والمتحول في علاقة الدولة بالقبائل في المغرب. بيروت: دار الطليعة،.1991 الجابري، محمد عابد. فكر ابن خلدون: العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي. ط.3 بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،.1982 حمودي، عبد الله. الحداثة والهوية: سياسة الخطاب والحكم المعرفي حول الدين واللغة. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2015 ______. حكاية حج: موسم في مكة. بيروت: دار الساقي،.2010 ______. في إعادة صياغة الأنثروبولوجيا. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية،.2010
(112) Timothy Mitchell, Rule of Experts: Egypt, Techno-Politics, Modernity (Berkeley: University of California Press,
(11((حمودي، في إعادة صياغة الأنثروبولوجيا.
علي، أزداد أحمد [وآخرون]. الفكر الاجتماعي الخلدوني: المنهج والمفاهيم والأزمة المعرفية. سلسلة كتب المستقبل العربي؛ 1. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2004 القلقشندي، أبو العباس أحمد بن علي. نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب. تحقيق إبراهيم الأبياري. ط.2 بيروت: دار الكتاب اللبناني،.1980 معروف، نذير، فوزي عادل وخديجة عادل (إشراف). أي مستقبل للأنثروبولوجيا في الجزائر؟. وهران: مركز البحث في الأنثروبولوجية الاجتماعية والثقافية،.2002 الهراس، المختار. القبيلة والسلطة: تطور البنيات الاجتماعية في شمال المغرب. الرباط: المركز الوطني لتنسيق وتخطيط البحث العلمي والتقني،.1988
الأجنبية Books
Abdul-Jabar, Faleh and Hosham Dawod (eds.). Tribes and Power: Nationalism and Ethnicity in the Middle East. London: Saqi, 2001. Akesbi, Najib [et al.] (dirs.). Devenir de la société rurale, développement économique et mobilisation sociale: Hommage à Paul Pascon: Actes du colloque. Rabat: Institut agronomique et vétérinaire Hassan II, Département des sciences humaines, 2007. Amselle, Jean-Loup et Elikia M’Bokolo (dirs.). Au cœur de l’ethnie: Ethnies, tribalisme et État en Afrique. Découverte/Poche. Sciences humaines et sociales; 68. 2ème éd. Paris: La Découverte, 1999. Annual Review of Anthropology. Palo Alto, Calif.: Annual Reviews Inc., 1989. Asad, Talal. The Kababish Arabs: Power, Authority and Consent in a Nomadic Tribe. London: C. Hurst, 1970. Bearman, P. [et al.] (eds.). Encyclopaedia of Islam. Second Edition. Leiden; Boston: Brill, 2005-2006. Benveniste, Emile. Le Vocabulaire des institutions indo-européennes, 1: Economie, parenté, société. Sommaires, tableau et index établis par Jean Lallot. Paris: Editions de Minuit, 1969. Berque, Jacques. Une cause jamais perdue: Pour une Méditerranée plurielle, écrits politiques, 1956-1995. Paris: A. Michel, 1998. ______. L’Intérieur du Maghreb: XVe-XIXe siècle. Bibliothèque des histoires. Paris: Gallimard, 1978. ______. Structures sociales du Haut-Atlas. Paris: Presses universitaires de France,
______. Ulémas, fondateurs, insurgés du Maghreb: XVIIe siècle. Bibliothèque arabe. Collection hommes et sociétés. Paris: Sindbad, 1982.
Black-Michaud, Jacob. Cohesive Force: Feud in the Mediterranean and the Middle East. With a foreword by E. L. Peters. Oxford: B. Blackwell, 1975. Bonte, Pierre, Edouard Conte et Paul Dresch (dirs.). Emirs et présidents: Figures de la parenté et du politique dans le monde arabe. Préf. de Jean-Claude Vatin. Paris: CNRS éd., 2001. Bonte, Pierre [et al.]. La Quête des origines: Anthropologie historique de la société tribale arabe. Paris: Ed. de la Maison des sciences de l’homme, 1991. Chatty, Dawn (ed.). Nomadic Societies in the Middle East and North Africa: Entering the 21st Century. Handbook of Oriental studies. Section one, Near and Middle East; 81. Netherlands; Boston: Brill, 2006. Cole, Donald P. Nomads of the Nomads: The Āl Murrah Bedouin of the Empty Quarter. Worlds of Man. Chicago: Aldine Pub. Co., 1975. Cuisenier, Jean. Economie et parenté: Leurs affinités de structure dans le domaine turc et dans le domaine arabe. Le Monde d’outre-mer passé et présent. 1e série, études; 40. Paris; La Haye: Mouton; Paris: Ecole pratique des hautes études, 1975. Cunnison, Ian and Wendy James (eds.). Essays in Sudan ethnography, Presented to Sir Edward Evans-Pritchard. New York: Humanities Press, 1972. Dawod, Hosham (dir.). La Constante tribu: Variations arabo-musulmanes. Quaero. Paris: Demopolis; Fondation maison des sciences de l’homme (FMSH), 2013. ______ (dir.). Tribus et pouvoirs en terre d’islam. Sociétales. Paris: A. Colin, 2004. ______. ______. Sociétales. Paris: A. Colin, 2014. Dumont, Louis, Homo hierarchicus: Essai sur le système des castes. Bibliothèque des sciences humaines. Paris: Gallimard, 1967. Dwyer, Kevin. Moroccan Dialogues: Anthropology in Question. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1982. Eickelman, Dale F. The Middle East: An Anthropological Approach. Prentice-Hall Series in Anthropology. Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall, 1981. ______. Moroccan Islam: Tradition and Society in a Pilgrimage Center. Modern Middle East Series; no. 1. Austin: University of Texas Press, 1976. Evans-Pritchard, Edward Evan. The Nuer: A Description of the Modes of Livelihood and Political Institutions of a Nilotic People. Oxford: Clarendon Press, 1940. ______. The Sanusi of Cyrenaica. Oxford: Clarendon Press, 1949.
______ and Meyer Fortes (eds.). African Political Systems. London: Oxford University Press; H. Milford, 1940. Éventail de l’histoire vivante: Hommage à Lucien Febvre. 2 vols. Paris: Armand Colin,
Fox, Richard G. Recapturing Anthropology: Working in the Present. School of American Research Advanced Seminar Series. Santa Fe, NM: School of American Research Press, 1991. Gallissot, René. L’Economie de l’Afrique du Nord. Que sais-je ?; 965. 4 ème éd. mise à jour. Paris: PUF, 1978. Gast, Marceau (ed.). Hériter en pays musulman: Habus, lait vivant, manyahuli. Paris: CNRS éditions, 1987. Geertz, Clifford. The Interpretation of Cultures: Selected Essays. New York: Basic Books 1973. ______. Local Knowledge: Further Essays in Interpretive Anthropology. New York: Basic Books, 1976. ______, Hildred Geertz and Lawrence Rosen. Meaning and Order in Moroccan Society: Three Essays in Cultural Analysis. With a photographic essay by Paul Hyman. Cambridge: Cambridge University Press, 1979. Gellner, Ernest. Muslim Society. Cambridge Studies in Social Anthropology; 32. Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1981. ______. Saints of the Atlas. Chicago: University of Chicago Press, 1969. ______ et Jean-Claude Vatin (eds.). Islam et politique au Maghreb: Table ronde du Centre de recherches et d’études sur les sociétés méditerranéennes, Aix, Juin 1979. Collection recherches sur les sociétés méditerranéennes. Paris: Editions du Centre national de la recherche scientifique, 1981. Godelier, Maurice. Les Tribus dans l’histoire et face aux États. Paris: CNRS éd., 2010. Hammoudi, Abdellah [et al.]. Projet de développement des parcours de l’Oriental: Etude sur le changement et l’innovation, phase II. Rabat: MARA; IAV, 1992. ______. Projet de développement des parcours de l’Oriental, phase I. Rabat: MARA; IAV, 1990. Hart, David. Dadda' Atta and his Forty Grandsons: The Socio-Political Organisation of the Ait' Atta of Southern Morocco. Cambridge: Middle East and North African Studies Press, 1981.
Al-Jabri, Mohammed Abed. Pensée de Ibn Khaldoun: la Assabiya et l’État: Grandes lignes d’une théorie Khaldounienne de l’histoire musulmane. Paris: Edima, 1971. Jamous, Raymond. Honneur et baraka: Les Structures sociales traditionnelles dans le Rif. Atelier d’anthropologie sociale. Cambridge; New York: Cambridge University Press; Paris: Editions de la Maison des sciences de l’homme, 1981. Jaussen, Antonin. Coutumes des Arabes au pays de Moab. Paris: Maisonneuve, 1908. Khoury, Philip S. and Joseph Kostiner (eds.). Tribes and State Formation in the Middle East. Berkeley, Calif.: University of California Press, 1990. Lancaster, William. The Rwala Bedouin Today. Changing Cultures. Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1981. Laroui, Abdallah. Les Origines sociales et culturelles du nationalisme marocain: 1830- 1912. Textes à l’appui. Paris: F. Maspero, 1977. Mahdi, Muhsin. Ibn Khaldûn’s Philosophy of History: A Study in the Philosophic Foundation of the Science of Culture. London: G. Allen and Unwin, 1957. Masqueray, Émile. Formation des cités chez les populations sédentaires de l’Algérie (Kabyles du Djurdjura, Chaouïa de l’Aourâs, Beni Mezâb). Paris: E. Leroux, 1886. Mayer, Ann Elizabeth (ed.). Property, Social Structure, and Law in the Modern Middle East. SUNY Series in Near Eastern Studies. Albany, NY: State University of New York Press, 1985. Messick, Brinkley. The Calligraphic State: Textual Domination and History in a Muslim Society. Comparative Studies on Muslim Societies; 16. Berkeley: University of California Press, 1993. Mezzine, Larbi. Le Tafilalt: Contribution à l’histoire du Maroc aux XVIIe et XVIIIe siècles. Préf. de Claude Cahen. Publications de la faculté des lettres et des sciences humaines: Thèses et mémoires; 13. Casablanca: Impr. Najah el jadida, 1987. Mitchell, Timothy. Rule of Experts: Egypt, Techno-Politics, Modernity. Berkeley: University of California Press, 2002. Montagne, Robert. Les Berbères et le Makhzen dans le sud du Maroc, essai sur la transformation politique des Berbères sédentaires (groupe chleuh). Paris: F. Alcan,
______. La Civilisation du désert: Nomades d’Orient et d’Afrique. Le Tour du monde. Paris: Hachette, 1947.
Nelson, Cynthia (ed.). The Desert and the Sown; Nomads in the Wider Society. Research Series; no. 21. Berkeley: Institute of International Studies, University of California,
Pascon, Paul. Le Haouz de Marrakech. 2 vols. Rabat; Tanger: Éditions marocaines et internationales, 1977. Pastoral Production and Society/Production pastorale et société. Cambridge; New York: Cambridge University Press; Paris: Maison des sciences de l’homme, 1979. Péristiany, J.-G. (ed.). Contributions to Mediterranean sociology; Mediterranean Rural Communities and Social Change; Acts of the Mediterranean Sociological Conference, Athens, July 1963. Publications of the Social Sciences Centre, Athens; 4. Paris; The Hague: Mouton, 1968. Pouillon, François et Daniel Rivet (dirs.). La Sociologie musulmane de Robert Montagne: Actes du colloque EHESS et Collège de France, Paris, 5-7 Juin 1997. Collection raisons ethnologiques. Paris: Maisonneuve et Larose, 2000. Said, Edward. Orientalism. New York: Pantheon Books, 1978. Scott, David and Charles Hirschkind (eds.). Powers of the Secular Modern: Talal Asad and his Interlocutors. Cultural Memory in the Present. Stanford, Calif.: Stanford University Press, 2006. Smith, W. Robertson. Kinship and Marriage in Early Arabia. Cambridge: Cambridge University Press, [1885]; 1967. Szanton, David (ed.). The Politics of Knowledge: Area Studies and the Disciplines. Berkeley: University of California Press, 2004.
Periodicals
Alatas, Syed Farid. «Academic Dependency and the Global Division of Labour in the Social Sciences.» Current Sociology. Vol. 51, no. 6 (November 2003), pp. 599-613. Ben Hounet, Yazid. «Gérer la tribu?: Le Traitement du fait tribal dans l’Algérie indépendante (1962-1989).» Cahiers d’études africaines. Vol. 48, no. 191 (2008), pp.
Benraad, Myriam. «Une lecture de la sòahòwĀ ou les mille et un visages du tribalisme irakien.» Etudes rurales. No. 184: La Tribu à l’heure de la globalisation (2009), pp.
Bonte, Pierre et Yazid Ben Hounet. «Introduction.» Etudes rurales. No. 184: La Tribu à l’heure de la globalisation (2009), pp. 13-32.
Cerutti, Simona. «Histoire pragmatique, ou de la rencontre entre histoire sociale et histoire culturelle.» Tracés: Revue de sciences humaines. No. 15 (2008), pp. 147-168. Chelhod, Joseph. «Les Structures dualistes de la société bédouine.» L’Homme. Vol. 9, no. 2 (1969), pp. 89-112. Dawod, Hosham. «Étatiser les tribus et tribaliser l’État.» Esprit. No. 272 (Février 2001), pp. 21- 41. Dresch, Paul. «The Significance of the Course Events Take in Segmentary Systems.» American Ethnologist. Vol. 13, no. 2 (May 1986), pp. 309-324. Favret, Jeanne. «Relations de dépendance et manipulation de la violence en Kabylie.» L’Homme. Vol. 8, no. 4 (1968), pp. 18-44. ______. «La Segmentarité au Maghreb.» L’Homme. Vol. 6, no. 2 (1966), pp. 105-111. Gellner, Ernest. «Pouvoir politique et fonction religieuse dans l’islam marocain.» trad. Lucette Valensi. Annales, économies, sociétés, civilisations. Vol. 25, no. 3 (1970), pp.
Godelier, Maurice. «Le Concept de tribu. Crise d’un concept ou crise des fondements empiriques de l’anthropologie?.» Diogène. Vol. 81, no. 1 (1973), pp. 3-28. Hachemaoui, Mohammed. «Y a-t-il des tribus dans l’urne?: Sociologie d’une énigme électorale, Algérie.» Cahiers d’études africaines. Vol. 52, no. 205 (2012), pp. 103-163. Hammoudi, Abdellah. «The Path of Sainthood: Structure and Danger.» Princeton Papers in Near Eastern Studies. No. 3 (1994), pp. 71-99. ______. «Phénoménologie et ethnographie: À propos de l’habitus kabyle chez Pierre Bourdieu.» L’Homme. No. 184 (2007), pp. 47-83. ______. «Sainteté, pouvoir et société: Tamgrout aux XVIIe et XVIIIe siècles.» Annales. Histoire, Sciences Sociales. Vol. 35, nos. 3-4: Recherches sur L’Islam: Histoire et anthropologie (May - August 1980), pp. 615-641. ______. «Segmentarité, stratification sociale, pouvoir politique et sainteté. Réflexions sur les thèses de Gellner.» Hespéris-Tamuda. Vol. 15 (1974), pp. 147-180. Mahdi, Mohamed. «La Tribu au secours du développement pastoral.» Etudes rurales. No. 184: La Tribu à l’heure de la globalisation (2009), pp. 133-148. Munson, Henry. «Rethinking Gellner’s Segmentary Analysis of Morocco’s Ait c Atta.» Man. Vol. 28, no. 2 (June 1993), pp. 267-280. Olivier de Sardan, Jean-Pierre. «Émique.» L’Homme. Vol. 38, no. 147 (1998), pp. 151-
Pascon, Paul. «Segmentation et stratification dans la société rurale marocaine.» Bulletin économique et social du Maroc. Nos. 138-139 (1979), pp. 105-119. Peters, Emrys L. «Some Structural Aspects of the Feud among the Camel-Herding Bedouin of Cyrenaica.» Africa: Journal of the International African Institute. Vol. 37, no. 3 (July 1967), pp. 261-282. Said, Edward W. «Representing the Colonized: Anthropology’s Interlocutors.» Critical Inquiry. Vol. 15, no. 2 (Winter 1989), pp. 205-225.
Thesis
Mulet, Pascal. «Exploiter les territoires, maîtriser l’espace: Economies de montagne dans le Haut-Atlas marocain.» Thèse de doctorat en Anthropologie sociale et ethnologie, Ecole doctorale de l’Ecole des hautes études en sciences, Ecole normale supérieure, Paris, 2015.
Document
Ibrahim, Saad E. and Donald P. Cole. «Saudi Arabian Bedouin.» American University of Cairo, Humanities and Social Sciences, Cairo Papers, volume 1, Monograph 5, 1978.