العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الانتماء القبلي في وقتنا الراهن: التداعيات والتحولات

الانتماء القبلي في وقتنا الراهن: التداعيات والتحولات

Tribal «Belonging» Today

Dale F. Eickelman **

ديل أيكلمان *

الملخّص

تؤثّر القبيلة والعشيرة والعائلة الممتدة، سواء إيجابًا أو سلبًا، وبشكل صريح أو بشكل ضمني، في البنى الاجتماعية في البلاد والمناطق التي تشكل جزءًا منها. سنحدد المجالات والقضايا قصد القيام بفحص عميق للمنظومة القبلية، وتقديم أمثلة من الشرق الأوسط ومن مجتمعات أخرى تؤثّر فيها القبيلة في النظامين السياسي والاجتماعي، إن بشكل كبير أم بشكل أحادي. إن مفاهيم القبيلة وأنساب علية القوم المتداولة بين العامة، التي يُنظر إليها أحيانًا بوصفها بقايا أنظمة اجتماعية بائدة فقدت مكانتها، قد تكيفت مع الظروف الاجتماعية الحديثة، وترتبت عليها آثار بعيدة المدى.

Abstract

** Ralph and Richard Lazarus Professor of Anthropology and Human Relations Emeritus, Dartmouth College and the American University of Kuwait.

الكلمات المفتاحية:
  • جاك بيرك
  • التقليد والحداثة
  • العصبية
  • القرابة
  • القبيلة
Keywords:
  • Jacques Berque
  • Tradition and Modernity
  • Assabiya
  • Kinship
  • Tribe

التداعيات والتحولات

Implications and Transformations

ملخص: تؤثّر القبيلة والعشيرة والعائلة الممتدة، سواء إيجابًا أو سلبًا، وبشكل صريح أو بشكل

ضمني، في البنى الاجتماعية في البلاد والمناطق التي تشكل جزءًا منها. سنحدد المجالات

والقضايا قصد القيام بفحص عميق للمنظومة القبلية، وتقديم أمثلة من الشرق الأوسط ومن مجتمعات أخرى تؤثّر فيها القبيلة في النظامين السياسي والاجتماعي، إن بشكل كبير أم بشكل أحادي. إن مفاهيم القبيلة وأنساب علية القوم المتداولة بين العامة، التي يُنظر إليها

أحيانًا بوصفها بقايا أنظمة اجتماعية بائدة فقدت مكانتها، قد تكيفت مع الظروف الاجتماعية الحديثة، وترتبت عليها آثار بعيدة المدى.

Abstract: Tribes, clans, and extended families affect — positively and negatively, overtly and subtly — the social systems of the countries and regions of which they are a part. We identify areas and issues for deeper focus and provide examples from contemporary Middle Eastern and other societies in which tribes significantly or uniquely impact the social and political order. Tribes, the idea of tribe, and public genealogies of the elite, sometimes considered vestiges of earlier social orders of declining importance, have adapted to modern social conditions and have far-reaching implications.

والجامعة الأمريكية في الكويت.

مقدمة

القبيلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا جزء لا يتجزأ من المشهد الاجتماعي والسياسي الحديث، شأنها شأن الجماعات العرقية واللغوية والشبكات الاجتماعية المتماسكة في الأوساط الحضرية والقرى الريفية. في مقالة استشرافية صدرت سنة 1953 حول ماهية «القبيلة» في شمال أفريقيا، استحضر جاك بيرك تساؤل إرنست رينان في القرن التاسع عشر عن «ماهية الوطن». وبوضعه مصطلح القبيلة بين مزدوجتين، فإن بيرك كان يلح على التمييز بين طرحه والرأي الذي لا يزال سائدًا في عصر تلاشي الهيمنة الاستعمارية الذي يجرد سكان شمال أفريقيا الأصليين من هوياتهم الاجتماعية المعقدة. ونتج من هذا الرأي صرف الأنظار عن مرونة الهويات القبلية وقابليتها للتأقلم مع الظروف المستجدة؛ إذ في الإمكان العثور على الشبكات القبلية في المناطق الحضرية في أماكن متعددة، مثل بيشاور وبغداد وصنعاء وفاس، على سبيل المثال. ومع ذلك، فغالبًا ما تحرَم

القبيلة من الوضعية الاعتبارية الرسمية أو القانونية؛ إذ إن أجهزة الدولة تتجاهل أهمية القبيلة ودورها من دون تقدير العواقب الوخيمة لهذا التجاهل، على الرغم من كون الهويات القبلية توفر الروابط الاجتماعية اللازمة لجعل الحياة الاجتماعية أكثر مدنية وانسجامًا مع منطق التاريخ، وهو ما يشكل

تحديًا لسلطة الدولة أحيانًا. حتى لو كان الطرح الذي قدّمه بيرك يستهدف منتصف القرن العشرين، ف شك في أن بيرك كان سيتجاوز عَقد مقارنة بين مفهومي القبيلة والوطن؛ إذ إن مفهوم الهوية القبلية لم يولد من فراغ، فهو

مثّل الأسس الأخرى للهوية الاجتماعية، كالقرابة والجنسية والهوية الوطنية أو القومية، ينشأ ويتقوى ويتغير بتغير الأحوال الاجتماعية والسياسية. إن مفهوم الهوية القبلية مفهوم متعدد المعاني، إذ إن له أربعة معان متداخلة على الأقل؛ ففي المقام الأول، يستخدم المفهومَ الأفرادُ أنفسهم لتوضيح جزء

من انتمائهم على الأقل. وفي المقام الثاني، نجد توظيف السلطات الحكومية هذا المفهوم لأهداف إدارية في الوقت الذي تناوئ الجهات المناهضة للسلطة مثل هذا التوظيف، وتسعى لاستغ لاا المفهوم بما يصب في مصلحتها. وفيالمقام الثالث، تتشكل الهوية القبلية من مجموعة من تمثلّات الانتماء، الضمنية منها والإجرائية، والتي يستخدمها الأفراد أنفسهم. وفي المقام الرابع، هناك المفاهيم الأنثروبولوجية التي تنطلق من اعتبار «القبيلة» مرحلة من مراحل تطور المجتمعات الإنسانية.

الماضي الحاضر

لا يزال ابن خلدون (ت 1406 م) يشكّل نقطة انط ق التفكير في مفهوم «القبيلة»، حيث يظل، بحسب تعبير ليفي شتروس، «صالحًا لأن نفكر معه». إن ابن خلدون يسهب كثيرًا في الحديث عن

(1) Jacques Berque, «Qu’est-ce qu’une ‘tribu’ nord-africaine?,» dans: Jacques Berque, Maghreb, histoire et sociétés , sociologie nouvelle. Situations; 7 (Gembloux: Duculot; Alger: Société nationale d’édition et de diffusion (S.N.E.D.), 1974), pp. 22-47 [orig. 1954], et Ernest Renan, Qu’est-ce qu’une nation?: Conférence faite en Sorbonne, le 11 Mars 1882 (Paris: Calman-Lévy, 1882). (2) Yoav Alon, The Shaykh of Shaykhs: Mithqal al-Fayiz and Tribal Leadership in Modern Jordan (Stanford, Calif.: Stanford University Press, 2016).

(((انظر مثلً:

Allen James Fromherz, Ibn Khaldun: Life and Times (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2010).

الأواصر المتينة السريعة التطور داخل المنظومات القبلية، والناتجة من الولاء والعصبية، إلا أن من المجحف التسليم بأن ملاحظاته تتعلق فقط بالمناطق النائية أو بالمناطق القروية، أو أنها تركز على قرابة «الدم». وكان ابن خلدون، كمستشار دولة لولاة الأمر المسلمين في شمال أفريقيا خلال حكمهم كلًّ من شمال أفريقيا وإسبانيا في القرن الرابع عشر الميلادي، يعي أن وشائج الولاء هذه غالبًا ما كان يعبَّر

عنها من خلال استعارة راسخة تمثّل المصاهرة والنسب، بحيث يتصرف الأشخاص كما لو كانت هذه الأواصر تفرض عليهم أخذ مصالح بعضهم البعض بعين الاعتبار على امتداد فترات طويلة من الزمن. وهكذا، فإن استعارته الموسّعة عن صعود العصبيات وأفولها أطّرت فهمه للسلالات الحاكمة والسلطة

السياسية خ لاا فترة سقوط الإمارات الإس مااية في الأندلس. إن ابن خلدون لا يزال يشكّل نقطة انط ق جوهرية، وفهمه للعصبية كدال استعاري على الانتماء يمتاز بالمرونة، بحسب الملابسات،

ولكن ظاهريًا يصير مقبولً ومطبقًا مع مرور الوقت، هذا الفهم يتقاطع مع مفهوم «التشابهات العائلية»

عند الفيلسوف لودفيغ فيتغنشتاين، والذي يطرح مسألة امت ك تماث ت جزئية يمكن تحديد أوجه شبهها واختلافها، كما يمكن قدرتها على الاحتواء والإدماج أن تختلف باختلاف الأزمنة والظروف.

القبيلة والتقاليد

من السهل التسليم بخصوصية الولاءات القبلية وكونها تشتغل بطريقة مختلفة عن المكونات الأخرى للولاءات والالتزامات الاجتماعية والسياسية. صحيح أن الولاء والانتساب إلى القبيلة يصنَّفان ضمن الع قااات «التقليدية»، إلا أن ما هو «تقليدي»، شأنه شأن ما هو «حداثي»، ينبغي تأسيسه وصونه بكيفية بنّاءة وفعالة. إن التمظهرات المتعددة لنظرية التحديث التي كانت سائدة في منتصف القرن العشرين ما زالت تحجب ما لا يمكن المتتبعين، بمن فيهم المنحدرون من مناطق حضرية في الشرق الأوسط، رؤيته إلا بشق الأنفس، ونعني بذلك أن ثالوث القبيلة والقرابة (التي يستحسن تمييزها من الهوية القبلية) والدين يؤدي دورًا محوريًا في المجتمعات المعاصرة. ومن شأن سوء فهم هذا

الثالوث أو السير على خطى بعض دول الشرق الأوسط، التي تزعم أن مثل هذه الهويات لم تعد ذات أهمية، أن يصرف الاهتمام بعيدًا عن الدعائم الصلبة للواقع السياسي. حين ذُكِّرت كوندوليزا رايس في تشرين الثاني/نوفمبر 0072 بأن النخب الفكرية والثقافية في الشرق الأوسط كانت دائمًا تؤكد

أن «السيطرة» على العراق تمرّ عبر «كسب ثقة الزعامات الإقليمية والمحلية والقبلية»، ردت وزيرة

الخارجية الأميركية آنذاك بالقول إن الدول العربية أضحت أكثر «مركزية»، واستندت إلى الاعتقاد السخيف بكون الزعامات المحلية والقبلية تمتلك سلطة القرار السياسي «هو في الواقع مظهر من مظاهر النموذج الجديد للمسؤوليات المنوطة بالجهات والأقاليم»، بل حتى صدام حسين نفسه،

(4) Abd Ar-Rahman bin Muhammed Ibn Khaldun, The Muqaddimah: An Introduction to History , Translated from the Arabic by Franz Rosenthal, Bollingen Series; 43, 3 vols., 2 nd ed., with corrections and augmented bibliography (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1967), pp. 249-355. (5) Ludwig Wittgenstein, Philosophical Investigations , Translated by G. E. M. Anscombe (Oxford: B. Blackwell, 1953). (6) «Hirsh: Rice Admits Error on Iraq,» Newsweek (7 November 2007), Accessed on 27/11/2016, at: http://www. newsweek.com/hirsh-rice-admits-error-iraq-96493.

الذي سبق أن جرّم رسميًا استخدام الهويات القبلية كأداة لتنشئة مواطنين بعثيين «حداثيين»، لم يتوان

عن توظيفها في أعقاب طرد العراقيين من الكويت سنة 1991. «القبيلة»، أو ما يُصطلح عليه في آسيا الوسطى ب «العشيرة» (أو «الجزء» باللغة المغولية)، أي «تجمع

سياسي إقليمي مستقر نسبيًا» مشكّل من قبائل موحدة تحت إمرة قائد منتخب (أي الخان)، مصطلحات

غبّشتها المحاولات الغربية الأولى لفهم مراحل التطور الاجتماعي والثقافي، وشوَّهها أيضًا ترسيخ

الإيحاءات القدحية التي تسم أفراد القبيلة ب«البدائية». لقد عبّر لي وزير خارجية إحدى دول شبه

الجزيرة العربية، ونحن في برج والدورف النيويوركي («اللاقبَلي» بكل تأكيد!)، عن اعتزازه بانتمائه إلى

مجتمع «قبلي»، وأخبرني أن طاقم ديوانه يتكون أساسًا من موظفين يشاطرونه الانتماء القبلي. ويُذكَر

في هذا الصدد أن قوائم الموظفين الذين يرافقون العاهل الأردني في سفرياته إلى الخارج عادة ما تشهد تمثيلية تامة للقبائل الأردنية الرئيسية، والعشائر الفلسطينية، والأقليات العرقية والطائفية في البلد. لا تنشأ الهويات «القبلية» في جميع السياقات في الشرق الأوسط، إلا أن المرء يتجاهل، ومن دون تقدير للمخاطر، كيفية اشتغال الهويات القبلية وطبيعة التحولات التي عرفها معنى الانتماء القبلي على مر الزمان. وكما تشير إلى ذلك دون تشاتي، فبالرغم من أن نسبة السوريين المنظمين قبليًا لا يتجاوز 7 في

المئة، فإن الزعامة القبلية في سورية «تظل قوة لا يستهان بها». وبما أن القيادات البعثية والمسؤولين الحكوميين منضبطون وفق الخطاب الحزبي الرسمي، فإنهم يتحاشون الحديث عن الهويات القبلية على الرغم من أن لهذه الأخيرة تأثيرًا حاسمًا في تحديد التوجهات السياسية والاقتصادية. فالزعامات

القبلية تُحتَرم في المكاتب الحكومية، والقبائل حصلت على «إعادة الاعتراف» بها عندما شكلت درعًا

حول مدينة حماة في سنة 1982 لوقف تدفق الأسلحة إلى المتمردين. وبوقوفها في صف الحكومة آنذاك، كانت الزعامات القبلية تعبّر أيضًا عن مناعتها ضد التماهي أو التعاطف مع منظمي الانتفاضة

التي قادها الإخوان المسلمون. هناك كلمة واحدة، أي القبيلة، تُستخدم لوصف صنوف من الأفكار بشأن المجتمع والبنى الاجتماعية في جميع أرجاء المعمور، ولكن هذا لا يدل على أن هذه الأفكار كلها مرتبطة في الجوهر بعضها ببعض، أو أنه ينبغي البحث عن تصنيف عالمي وهمي موحد. ولسوء الحظ، لا تزال الضبابية تطغى على عملية فهم كيفية تفاعل القبيلة والدين في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وذلك بسبب السياقات والمعاني المتداخلة التي يوحي بها مفهوم «القبيلة». على سبيل المثال، في كثير من الدراسات الأثرية، لا تزال «القبيلة» دالة على المنزلة التراتبية بين منزلتي «العصبة» و«الدولة»، وهذه الدلالة من بقايا فكر القرن التاسع عشر التطوري الذي كان سائدًا

(7) Amatzia Baram, «Neo-Tribalism in Iraq: Saddam Hussein’s Tribal Policies, 1991-1996,» International Journal of Middle East Studies , vol. 29, no. 1 (February 1997), pp. 1-31. (8) Dawn Chatty, «The Bedouin in Contemporary Syria: The Persistence of Tribal Authority and Control,» Middle East Journal , vol. 64, no. 1 (December 2010), p. 49. (9) Ibid., pp. 46 and 49.

في عهد لويس هنري مورغان (1829 – 1881). والإشكالية ليست إشكالية أكاديمية صرفة، كما يعتقد كثير من صانعي السياسة الشرق الأوسطية المعاصرة، أو كما بدأ طرحها مع انهيار الاتحاد السوفياتي في بداية التسعينيات وشروع سكان آسيا الوسطى في «إعادة تخيّل» هوياتهم التي ترجع إلى حقبة ما

قبل الاتحاد السوفياتي. لقد تبنى عدد كبير من واضعي السياسات في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى أفكار القرن التاسع عشر التطورية للمجتمع، رغبة منهم في الانتقام، مفترضين أن القبيلة لا توجد إلا في هامش الدولة، أو بالأحرى هي بقايا أشكال ما قبل الدولة. مع ذلك، وفي الحاضر كما في الماضي، يشتغل عدد كبير من الدول انط قااًا من مفهوم «القبيلة»، وليس عكسه؛ فقد كان في إمكان [...] القذافي أن يزعم أنه شكل هويات ليبية «جديدة»، ولكن، كما أثبت جون ديفيس وإمريس بيترز، كانت دعائم الفكر السياسي الثوري وسلطات الأجهزة الأمنية في ليبيا تعتمد كثيرًا على المحافظة على توازن المجموعات القبلية، مثلما كان الأمر في ليبيا الملك

إدريس (حكم 1951 – 1969)، وأيضًا خلال حكم أسلافه في الحقبتين العثمانية والاستعمارية. في الإطار نفسه، سنّ كلٌّ من الرئيس الصومالي سياد بري (حكم 1969 – 1991) والرئيس العراقي صدام

حسين التكريتي (حكم 1979 – 0032) قوانين تحظر الإشارة علنًا إلى الهويات العشائرية والقبلية، ومع ذلك ظل الحاكمان يدركان تمام الإدراك أهمية هذه الانتماءات طوال فترة رئاستهما. والأمر عينه ينطبق على أسباب فشل بول بريمر ومساعديه في العراق في التعرف إلى أهمية استمرار التحالفات والزعامات القبلية سنة 1993؛ إذ كانوا على العكس يعتبرونها منظومات «إقطاعية» أتت قوات التحالف الذي قادته الولايات المتحدة لزعزعتها والقضاء عليها. وقد أدى هذا الفشل إلى عرقلة جهود مسؤولي الاستخبارات الأميركية من الدرجة المتوسطة، وهم الذين لم يجدوا بدًّا من الإقرار بأهميتها. وعلى حد تعبير مجلة إيكونوميست، أضحت العشائر العراقية في السنوات الأخيرة «آلات سياسية نشيطة»، وتؤدي دورًا كبيرًا على الساحة الوطنية. إن الهوية القبلية، شأنها شأن الأسس الأخرى للهوية الاجتماعية، بما في ذلك ع قااات القرابة والمواطنة والهوية الوطنية، هي نتاج للعقل البشري (وأحيانا لإنثوغرافيين والسياسيين أيضًا)؛ فهذه الأشكال لا وجود لها كموضوعات يمكن علماء الأنثروبولوجيا فصلها عن السياقات الاجتماعية والثقافية من أجل توثيقها وتصنيفها داخل خانات. كما أن أنساق المعنى هذه تتغير بتغير الظروف

(10) John Davis, Libyan Politics: Tribe and Revolution, an Account of the Zuwaya and their Government (London: I. B. Tauris, 1987), and Emrys L. Peters, The Bedouin of Cyrenaica: Studies in Personal and Corporate Power , Edited by Jack Goody and Emanuel Marx, Cambridge Studies in Social and Cultural Anthropology; 72 (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 1990). (11) I. M. Lewis, «Kin II-Sung in Somalia: The End of Tribalism?,» in: William A. Shack and Percy S. Cohen (eds.), Politics in Leadership: A Comparative Perspective (Oxford: Clarendon Press, 1979), pp. 13-44. (12) Dale F. Eickelman, «Culture and Identity in the Middle East: How they Influence Governance,» in: Neyla Arnas (ed.), Fighting Chance: Global Trends and Shocks in the National Security Environment (Washington, DC: Potomac Books, 2009), p. 157. (13) «As Potent as Ever: Iraq’s Tribes May Hold the Balance of Power,» Economist , 22/5/2010, pp. 50-51.

التاريخية، وتختلف باخت ف سياقها السياسي، إذ يمكنها أن تأتي في سياق مؤسسة دولة قوية أو ضعيفة، كما يمكنها أن توجد في مجتمع استعماري أو في مجتمع محتل. يوفر مفهوم «التشابهات العائلية»، من بين أفكار أخرى بشأن الولاءات الشخصية والجماعية، بديلً لاختزال العمل السياسي في مبدأ «جوهري» وحيد؛ فسكان القبائل المغربية، على سبيل المثال، يشرحونه، لدى مناقشتهم تصورهم عن القبيلة، بطرق مختلفة، بحسب الجيل الذي ينتمون إليه وبحسب وضعهم الاجتماعي. والأفراد الذين ينتمون إلى الطبقات الاجتماعية والسياسية المهيمنة غالبًا ما يشرحون الأيديولوجيات القبلية بطرق معقدة، ويستخدمونها أداةً لتقوية التحالفات

السياسية مع المنتمين إلى المجموعات القبلية الأخرى، وأيضًا لتعزيز مواقفهم تجاه السلطات الحكومية. لذلك نجد أن الإثنوغرافيين العاملين في المجتمعات القبلية كثيرًا ما تقوم تصوراتهم

حول ع قااات القرابة والتنظيمات القبلية على المعلومات التي يقدمها الأفراد المنتمون إلى الطبقة المهيمنة اجتماعيًا وسياسيًا، على الرغم من أن هناك بونًا شاسعًا بين مفاهيم الهوية القبلية

لدى العامة من رجال القبائل— ناهيك عن نسائها— ومثل هذه الأيديولوجيات الرسمية لدى الطبقة المهيمنة. يقاوم أعيان القبائل بشدة الجهود الإدارية أو التوثيقية الرامية إلى تثبيت العلاقات القبلية، لأن من شأن مثل هذه الإجراءات أن تعرقل قدرتهم على التجاوب بمرونة مع الأوضاع المستجدة. وهكذا، قامت احتجاجات في سلطنة عمان سنة 1988 في إثر إقدام وزارة الداخلية على نشر دليل بتسميات القبائل وأفخاذها وأسماء أماكنها بذريعة الاستخدام الإداري فقط. وبعد فترة قصيرة، سُحب الدليل من

التداول. رسميًا، كان السبب «أخطاء» في الكتاب، ولكن السبب غير الرسمي كان مردّ احتجاجات

شيوخ القبائل (بالإضافة إلى مسؤولي الوزارة) إلى أن نشر هذا الدليل أسفر عن تجميد الع قااات القبلية في الزمان والمكان. وأكد أندرو شريوك بدوره مقاومة قوية في الأردن للجهود الرامية إلى تثبيت العلاقات القبلية عن طريق توثيقها كتابة. هناك خلل في تقديم تعريف نظري عام للقبيلة يتجاهل أجهزته المفاهيمية المتداخلة المختلفة؛ فالإنثوغرافيون والإداريون والرحالة الأجانب ينظر إليهم عادة ك «مراجع علمية»، بحيث إن أسئلتهم تروم دومًا، تقريبًا، انتزاع أكثر التمثيلات المجتمعية «علمية» من مخبريهم، وفقًا لتصورات المخبرين

الشخصية عن التعلم ووعيهم بالتقاليد الأدبية. في المجتمعات القبلية، مثل هذه التمثيلات العلمية تتطلب في العادة الاستخدام المتقن ل نأأساب التقليدية المحفوظة أو المكتوبة أو الشفوية. إن مثل هذه التمثي ت الأيديولوجية مهمة في حد ذاتها، ولكنها لا تأخذ في الحسبان استيعابات المجتمع الثقافية، الضمنية منها والإجرائية، والتي قد تصير بديهية إلى درجة أنها تجد تعبيرًا عنها

في الصمت فقط.

(1((سلطنة عمان، المرشد العام للولايات والقبائل في سلطنة عمان، إعداد وتصنيف عادل الحديدي (مسقط: وزارة الداخلية،

(15) Andrew Shryock, Nationalism and the Genealogical Imagination: Oral History and Textual Authority in Tribal Jordan (Berkeley: University of California Press, 1997), pp. 101-110.

القبائل في الفكر الاجتماعي الأوروبي

ركز كثير من علماء الأنثروبولوجيا على المجتمعات القبلية في منطقة الشرق الأوسط، ظنًّا منهم أن

فهمها ينفض الغبار عن إشكالية جوهرية في الفكر السياسي الأوروبي: ما هي الشروط الدنيا أو

الأساسية ال زاامة ل فأأراد كي يتعاونوا في ما بينهم في المجتمع بشكل منظَّم؟ هذا السؤال الهوبزي (نسبة إلى الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز) صمد حتى أواخر الستينيات من القرن الماضي. كان الاعتقاد السائد أنه لا توجد سلطة «حكومية» دائمة في المجتمعات القبلية، لذلك كان الحفاظ على النظام السياسي، مبدئيًا وحصريًا، يتم بفضل التقابل المنظم بين الفئات، والذي غالبًا ما كان يعبَّر عنه

باستعارة «الأصل المشترك». وهكذا، ساهمت عوامل العنف والاعتماد على الذات والاحتكام إلى الأعراف الأخلاقية المشتركة لفئة اجتماعية في حفظ النظام. كما يوضح بول دريش، الذي عمل مع القبائل في شمال اليمن، فإن سكان القبائل في مثل هذه المنظومة «قد يغيرون أماكنهم داخل فئتهم، ولكن لا يمكن أن يبقوا بلا مكان». وبعبارة أخرى، فإن التمثلات

الثقافية عن الشرف والفرد والولاء مرتبطة أصلً ب«مبدأ» الانتماء إلى القبلية. هذه التمثلات إنتاج ثقافي وليست حالات يمكن رصدها مباشرة في الدينامية الاجتماعية «الفعلية». وأشار بول دريش وبرنارد هيكل، في معرض مناقشتهما الفكر السياسي اليمني من خ لاا مصطلحات «الإس مااي» و«القبلي»، إلى أن المفهومين يقدمان خطابًا شموليًا يبدو وكأنه يجعل الهويات القبلية تشتغل بطريقة مختلفة عن

الهويات غير القبلية، ولكن في الواقع، لا يلجأ سكان القبائل، عكس نظرائهم غير القبليين في المدن اليمنية، إلى العنف أو إلى المواقف السياسية التي تعرقل المرونة في التكيف مع الأوضاع المتغيرة. لتسليط المزيد من الضوء على هذه الفكرة، سنتوقف عند الحالة العراقية منذ الاحتلال الأميركي؛ فللسفر عبر بعض المناطق - كما فعلت قافلة شاحنات آتية من الرمادي ومتوجهة إلى الفلوجة عام 2004 - كان السائقون المنتمون إلى عشيرة البونمر، إحدى عشائر قبيلة الدليم، يهتفون، «دليمي! دليمي!» عند دنوهم من إحدى الحواجز على الطريق. وكان يُطلب منهم في بعض الأحيان مزيد من المعلومات

والتفصيلات، ولكن تحديد القبيلة أو العشيرة عادة ما يكون كافيًا. وكما يشرح بارام، فإن قبيلة الدليم

الكبرى لم تشتغل ككتلة منذ عهد الوالي العثماني في بغداد، مدحت باشا (1822 – 1883)؛ إذ لا تزال القبائل تتقاتل وتدافع بعضها عن بعض كوحدات متفرقة، ولكن ليس على المستويات العليا من الهرم القبلي، بل على المستويات الدنيا لل«حمولة»، أي فرع من العشيرة. وقد تنشأ هذه المجموعات بطرق

مختلفة، كما أن الهويات يمكن ان تتذبذب بصورة ملحوظة. في عام 004 2، على سبيل المثال، أُوقف ستة سائقين شيعة ينتمون إلى عشيرة «ربيعة»، إحدى عشائر «الجنابيين» (90 في المئة من الجنابيين سنّة، و 10 في المئة شيعة)، في طريقهم إلى الفلوجة، عند حاجز للثوار، حيث كانوا ينوون تسليم

(16) Paul Dresch, «The Significance of the Course Events Take in Segmentary Systems,» American Ethnologist , vol. 13, no. 2 (May 1986), p. 319. (17) Paul Dresch and Bernard Haykel, «Stereotypes and Political Styles: Islamists and Tribesfolk in Yemen,» International Journal of Middle East Studies , vol. 27, no. 4 (November 1995), pp. 424-426.

((1(أماتزيا بارام، قنوات الاتصال الشخصي، 9 تشرين الأول/ أكتوبر 2009.

إمدادات إلى الجيش الأميركي. ذ بح خمسة سائقين، وأُطلق السادس لمجرد أنه استخدم قلمًا لتغيير

انتمائه في بطاقة هويته فأصبح «جنابيًا» بدلً من «جنانيّ»، والجنانيون هُم مجموعة شيعية صغيرة تنتمي

إلى القبيلة السنّية الكبرى. وحُلّ مشكل الصراع الذي خلّفته عملية ذبح السائقين الخمسة لاحقًا بفضل

المصالحة العشائرية التي رفض آية الله السيستاني المشاركة فيها. خ لاا انتفاضة آذار/مارس 1991 في الجنوب العراقي الشيعي ضد نظام حزب البعث، تموقع معظم القبائل الشيعية خارج الحلبة، في ترقب وتوق إلى معرفة الجانب الذي ستكون له الغلبة. فقط عدد قليل منهم ساند الحكومة أو المتمردين. وخصص آية الله العظمى السيد محمد صادق الصدر (1943 – 1999) كثيرًا من وقته للعمل مع العشائر في جنوب العراق، والتوفيق بين فقه العشائر أو العرف وبين

الشريعة (انظر كتابهفقه العشائر). بحسب تقدير بارام، فإن هذا الاختيار لم يكن حركة دينية بقدر ما كان محاولة لزيادة شعبيته وعدد أتباعه. وعلى خطى الوالد، قام ابنه، مقتدى الصدر، بتشكيل جيش المهدي، وحصل على الدعم القبلي. مع ذلك، وكما في حالة اليمن، التي وصفها دريش وهيكل كما أسلفنا، ليس هناك ما يدل على أن القبائل المناصرة كانت تنطلق من خلفية دينية لا من تحالفات ظرفية.

المجتمع الأخلاقي المشترك

إن استخدام القوة ليس المفهوم الثقافي الأساسي الوحيد السائد لدى سكان القبيلة في المجتمع الأخ قااي المشترك، بل هناك مفاهيم ثقافية أساسية أخرى، كالإقناع والوساطة والشرف والتفاوض. السلطة، كقوة، موجودة بالتأكيد في بعض الحالات، ولكن الإقناع الأخلاقي أيضًا حقيقي. من خلال

تعلُّم وسائل الإقناع، يكتسب الفرد وسام الشرف في المجتمعات القبلية، إلى درجة أن الإقناع أكثر من استخدام القوة حضورًا في دينامية المجتمع القبلي. وعلى الرغم من أهمية الإقناع والخطابة، كما هو

الشأن في المجتمعات الأمازيغية في شمال أفريقيا على سبيل المثال، فإن هناك فقط عددًا محدودًا من

الدراسات عن الطرق التي يُقنع بها الناس أناسًا آخرين على اعتماد استراتيجيات أو إجراءات عملية

معيّنة، سواء تعلق الأمر بقبائل منطقة الريف في الشمال المغربي، والتي أعلنت نفسها كجمهورية

مستقلة فترة وجيزة في العشرينيات من القرن الماضي، أو تلك الموجودة في جبال الأطلس الكبير المغربية والمناطق الجنوبية، والتي قاومت بنجاح الحكمَ الاستعماري الفرنسي من بداية الحماية

الفرنسية (والإسبانية) في سنة 1912 حتى سنة.1930 تمثّل قبائل بني بطاو في سهل تادلة، القريب من سفوح جبال الأطلس المتوسط في المغرب، مثالً لا يمكن اختزاله في فكرة القرابة المشتركة؛ فكلمة «بني» هي كلمة عربية، تعني حرفيًا «أبناء». أما «بطاو»،

فهي كلمة أمازيغية تعني «قِسم أو جزء». ويعتبر زعماء بني بطاو، بالإضافة إلى مسؤولي الحكومة، القبيلة جزءًا من تكتل أو «كونفيدرالية» قبلية أكبر، ولكن التكتل الأكبر يوجد فقط ككيان إداري وكمجال

((1(أماتزيا بارام، قنوات الاتصال الشخصي، 13 تشرين الأول/ أكتوبر 2009.

(2((لمزيد من التفصيلات، انظر: Dale F. Eickelman, «Les Tribus et les mouvements islamiques en Afrique du Nord et au Moyen Orient,» dans: Hosham Dawod (dir.), La Constante tribu: Variations arabo-musulmanes, quaero (Paris: Demopolis; Fondation maison des sciences de l’homme (FMSH), 2013), pp. 36-47.

أيديولوجي ساهم في الماضي كإطار لإبرام تحالفات سياسية أوسع. ولا يوجد أي دليل تاريخي يشير إلى أن هذه الكيانات الأوسع كانت تملك صلاحية التصرف كمجموعة؛ فسكان القبيلة يفسرون علاقة

بعضهم ببعض وعلاقتهم بالغرباء عن القبيلة، كالأنثروبولوجيين مثً، من خ لاا استخدام الاستعارة والمجاز. وفي بعض الأحيان تستلهَم الاستعارة من أجزاء الشجرة، كالأغصان والفروع والجذع، وفي

أحيان أخرى، يُعبَّر عن العلاقة باستخدام عناصر من جسم الإنسان، كالأوردة والشرايين. لفهم كيف يستوعب سكان القبيلة مجتمعهم، من المهم أن ن حظ أنهم لا يشددون على النسب الأبوي مجدِّدًا لع قاااتهم بعضهم ببعض، على الرغم من ارتباط هذا المفهوم باستعارات الشكل

الاجتماعي التي توفرها رموز الدم وأجزاء الشجرة. وقد عبّر أحد سكان القبيلة عن ذلك بقوله: «نحن

مثل فروع شجرة، ولكن كل فرع مستقل بذاته». وأكد أن التذرع بحجة الأصل المشترك لا يؤطر بالضرورة حدود التحالفات العشائرية والسياسية. في الواقع، يلجأ سكان القبائل في غرب المغرب بشدة إلى مفهوم «القرابة» عند تفسيرهم العلاقة بين استعارات أجزاء الأشجار وجسم الإنسان وبين البنية الاجتماعية التي ينتمون إليها. هذا المصطلح لا يعني بالضرورة القرابة الحقيقية أو المفترضة؛ فالقرابة تصب في روافد متباينة، إذ يمكنها أن تتطور من خ لاا التعاون مع الجيران وترتيبات الرعي المتبادلة وعلاقات القرابة والموالاة، وغيرها من أواصر المصالح المشتركة. وفكرة القرابة مهمة، ولا تقتصر على السياقات القبلية وحدها. ومن الناحية العملية، لا يمكن تسجيل تعدادات الجماعات وتفريعاتها في أي لحظة بشكل مضبوط. وعلى الرغم من كون سكان القبائل يتصورون أن العلاقات بين الأفراد والجماعات قائمة في البنية نفسها (أي بنية استعارة الشجرة أو «الدم»)، فإن هناك اختلافات في كيفية تطبيق هذه المفاهيم المنهجية على جماعات حقيقية. يدّعي سكان القبيلة في المجتمع القروي المحلي أنهم مترابطون بعلاقة أبوية (من بين علاقات أخرى)، ولكن لا أحد منهم يستطيع أن يثبت على وجه التحديد كيف يرتبط جميع الأفراد داخل مجموعة في ما بينهم. عند الإلحاح عليهم لتحديد الأواصر بشكل دقيق، يجيب سكان القبيلة عمومًا، قائلين إن

الأشخاص «الأكبر سنًّا» هم من يعرفون هذه الأواصر، أو إن هذه العلاقات تمتد إلى الأزمنة الغابرة، أي إلى ماض غير محدد تاريخيًا، ويُلجأ إليه لإضفاء الشرعية على التحالفات الاجتماعية في الوقت

الحاضر. فسكان القبيلة لا يسألون بعضهم البعض عن إثباتات دقيقة لمثل هذه العلاقات. الأهم في تحديد الانتماء القبلي هو من يتحلى بروح جماعية ويتعامل وفق هذه الروح بطريقة مستدامة مع المناسبات الطقوسية والسياسية. وتتجلى المرونة في «الجماعة» بوضوح في جميع التكتلات القبلية المحلية؛ فالجماعة ليست هيئة رسمية، وإنما تتألف من أرباب العائ ت أو رؤساء الخيام الذكور البالغين، الذين يتشاورون في ما بينهم بشكل غير رسمي بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك. وتشمل هذه القضايا حركات قبائل الرحّل والخلافات في شأن حقوق المياه والمراعي، والتعاقد مع

المعلم القرآني لتعليم الأطفال المبادئ القرآنية الأولية، وصيانة الضريح المجيَّر بالأبيض والذي

يؤوي «الولي الصالح» – تُعرف الجماعات المحلية كلها بأحد الأولياء الصالحين في قرى المغرب - والالتزامات الجماعية المماثلة.

يمكن الخيام الفردية أو مجموعات من الخيام أن تنفصل عن جماعة قروية محلية في حال عدم رضاها بانتمائها الجماعي، وتلتحق بجماعة قروية محلية أخرى، أو تنشئ جماعتها الخاصة. تحدث إعادة الانتشار هذه أيضًا بين قبائل «الرولة» والقبائل الليبية، ولا يمكنها في أي حال من الأحوال أن تتحدى أيديولوجية الهوية المشتركة وخصائص التفرد والتعارض المتوارثة في البيئة القبلية. والنتيجة

هي مجتمع أخلاقي، بدلً من مجتمع «طبيعي». ويمكن علاقات الزواج أو الأرض التي ترثها الزوجة، أو حتى شراء أرض من طرف فرد من جماعة قروية محلية أخرى، أن تشكل أساسًا لإعادة الهيكلة. وفي

العادة، لا يصاحب إعادة الهيكلة أي انتقال مادي للأسرة؛ إذ إن المعني بهذا الانتقال هو الجماعات القروية المحلية القريبة، وذلك لأسباب عملية صرفة. ونظرًا إلى هذه التحولات الهوياتية، فإن

التسميات الإدارية الرسمية للجماعات القروية المحلية غير دقيقة في جميع الحالات تقريبا، ويعتبرها سكان القبائل نسخة من الهوية المستخدمة فقط، إلى حين الاتصال الرسمي بالمسؤولين المحليين. تعتمد خطوط التقسيم السياسي على تأويل عدد من العوامل المعقدة، كالإقامة والقرابة والرعي والتسويات المرتبطة بالأرض، من بين اعتبارات أخرى؛ فسكان «القبائل» لا يتجاوبون بطريقة شبه آلية مع التحديات التي تواجه مختلف الفئات الاجتماعية التي ينتمون إليها. في السياق المغربي، مفهوم «القرابة» يتيح حرية تصرف لا يستهان بها إزاء سيرورة الحوادث وفي كيفية شرعنة الخيارات السياسية. وعلى الرغم من كثير من الاخت فااات الإقليمية، فإن هناك «تشابهًا عائليًا» مشتركًا بين

مفاهيم القبيلة لدى كلٍّ من آسيا الوسطى والشرق الأوسط؛ فسكان القبيلة يعتبرون أنفسهم، على الأقل جزئيًا، في تعارض مع وحدات قبلية أخرى مماثلة لهم أخلاقيًا، من دون أن يمنعهم ذلك من منافسة

غير القبليين أيضًا. وربما يكونون أكثر مناعة وتحصينًا ضد الحركات الدينية المتطرفة. وكما يسجل أندرو شرايوك، فما دام الأردنيون القبليون يربطون الإسلاميين بالفلسطينيين، فإنهم لن يتجاوبوا مع التطرف الديني؛ فالهوية القبلية آخذة في الصعود، حتى في أوساط الطلاب في الجامعة الأردنية. وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها الجماعات الدينية، مثل جماعة الإخوان المسلمين، للتأقلم مع البِنى القبلية والعمل داخلها، فإن العشائر الأردنية تظل حصنًا منيعًا نسبيًا أمام نفوذهم. في سياق

مماثل، يؤكد داود في أشمل مسح للعشائر في العراق المعاصر، أن زعماء القبائل يقرون بشدة بأن أدوارهم السياسية الوطنية تعتمد على تحالف وثيق مع قواعدها المحلية، والقدرة على تعبئة تلك القواعد في صف الدولة والجهات عبر الوطنية الفاعلة في الوقت الراهن.

خاتمة

لم تتأكّل الهويات القبلية بشكل لا رجعة فيه لمصلحة التماهي مع الدولة والأمة والدين. وكما يشير ريتشارد تابر، فإن مفهوم الدولة يعارض فكرة القبيلة ليس باعتبار الأولى «قوة خارجية» فحسب، ولكن أيضًا باعتبارها المثل الأعلى للسلطة السياسية. ونادرًا ما كانت القبيلة خارج نفوذ الدولة وسيطرتها

(2((أندرو شرايوك، قنوات الاتصال الشخصي، 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2009.

(22) Hosham Dawod, «Tribus et pouvoirs en Iraq: De Saddam Hussein au général Petraeus,» dans: Dawod (dir.), pp.

كليًا. تابر يقترح تحليل التعاقب التاريخي لقوة وضعف سلطة الدولة وسيطرتها، وكذا تحليل مفاهيم

الدولة والقبيلة على أنها «حدود للعقل»، أو تعارض بين القيم الثقافية. وعلى الرغم من كون القبيلة والسلطة القبلية تعرضتا لإضعاف منهجيًا وب هوادة في إيران القرن العشرين ما قبل الثورة، على

سبيل المثال، فإنها على الأقل شهدت انبعاثًا موقتًا منذ الثورة الإيرانية. كما أن ليس من المناسب أن نقبل من دون تمحيص مزاعمَ الدول الحديثة القائلة إنها جوهريًا تتعارض

مع قيم الانتماء القبلي (والنَّسَبي). وتُظهر دراستان حديثتان كيف تساهم الأنساب ومزاعم الأصل

في تأطير فكرة أحقية السلطة السياسية والاجتماعية في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. ومع أن الانتماء القبلي والنسبي ليس ظاهرة كونية، فإنه جزء من الحياة الحديثة، شأنه شأن أشكال الانتماء الأخرى. References

المراجع

العربية

سلطنة عمان. المرشد العام للولايات والقبائل في سلطنة عمان. إعداد وتصنيف عادل الحديدي. مسقط: وزارة الداخلية، 1986.

الأجنبية Books

Alon, Yoav. The Shaykh of Shaykhs: Mithqal al-Fayiz and Tribal Leadership in Modern Jordan. Stanford, Calif.: Stanford University Press, 2016. Arnas, Neyla (ed.). Fighting Chance: Global Trends and Shocks in the National Security Environment. Washington, DC: Potomac Books, 2009. Berque, Jacques. Maghreb, histoire et sociétés. Sociologie nouvelle. Situations; 7. Gembloux: Duculot; Alger: Société nationale d’édition et de diffusion (S.N.E.D.), 1974. Davis, John. Libyan Politics: Tribe and Revolution, an Account of the Zuwaya and their Government. London: I. B. Tauris, 1987. Dawod, Hosham (dir.). La Constante tribu: Variations arabo-musulmanes. Quaero Paris: Demopolis; Fondation maison des sciences de l’homme (FMSH), 2013.

(23) Richard Tapper, «Introduction,» in: Richard Tapper (ed.), The Conflict of Tribe and State in Iran and Afghanistan (London: Croom Helm, 1983), pp. 70-71 et 74-75. (24) Gene R. Garthwaite, «Reimagined Internal Frontiers: Tribes and Nationalism - Bakhtiyari and Kurds,» in: Dale F. Eickelman (ed.), Russia's Muslim Frontiers: New Directions in Cross-Cultural Analysis (Bloomington: Indiana University Press, 1993), pp. 130-145. (25) Nadav Samin: Of Sand or Soil: Genealogy and Tribal Belonging in Saudi Arabia (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2015), and «Da'wa, Dynasty, and Destiny in the Arab Gulf,» Comparative Studies in Society and History , vol. 58, no. 4 (October 2016), pp. 935-954.

Eickelman, Dale F. (ed.). Russia’s Muslim Frontiers: New Directions in Cross-Cultural Analysis. Bloomington: Indiana University Press, 1993. Fromherz, Allen James. Ibn Khaldun: Life and Times. Edinburgh: Edinburgh University Press, 2010. Ibn Khaldun, Abd Ar-Rahman bin Muhammed. The Muqaddimah: An Introduction to History. Translated from the Arabic by Franz Rosenthal. Bollingen Series; 43. 3 vols. 2 nd ed., with corrections and augmented bibliography. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1967. Peters, Emrys L. The Bedouin of Cyrenaica: Studies in Personal and Corporate Power. Edited by Jack Goody and Emanuel Marx. Cambridge Studies in Social and Cultural Anthropology; 72. Cambridge, UK: Cambridge University Press, 1990. Renan, Ernest. Qu’est-ce qu’une nation?: Conférence faite en Sorbonne, le 11 Mars 1882. Paris: Calman-Lévy, 1882. Samin, Nadav. Of Sand or Soil: Genealogy and Tribal Belonging in Saudi Arabia. Princeton: Princeton University Press, 2015. Shack, William A. and Percy S. Cohen (eds.). Politics in Leadership: A Comparative Perspective. Oxford: Clarendon Press, 1979. Shryock, Andrew. Nationalism and the Genealogical Imagination: Oral History and Textual Authority in Tribal Jordan. Berkeley: University of California Press, 1997. Tapper, Richard (ed.). The Conflict of Tribe and State in Iran and Afghanistan. London: Croom Helm, 1983. Wittgenstein, Ludwig. Philosophical Investigations. Translated by G. E. M. Anscombe. Oxford: B. Blackwell, 1953.

Periodicals

Baram, Amatzia. «Neo-Tribalism in Iraq: Saddam Hussein’s Tribal Policies, 1991- 1996.» International Journal of Middle East Studies. Vol. 29, no. 1 (February 1997), pp. 1-31. Chatty, Dawn. «The Bedouin in Contemporary Syria: The Persistence of Tribal Authority and Control.» Middle East Journal. Vol. 64, no. 1 (December 2010), pp.

Dresch, Paul. «The Significance of the Course Events Take in Segmentary Systems.» American Ethnologist. Vol. 13, no. 2 (May 1986), pp. 309-324. ______ and Bernard Haykel. «Stereotypes and Political Styles: Islamists and Tribesfolk in Yemen.» International Journal of Middle East Studies. Vol. 27, no. 4 (November 1995), pp. 405-431. Samin, Nadav. «Daʿwa, Dynasty, and Destiny in the Arab Gulf.» Comparative Studies in Society and History. Vol. 58, no. 4 (October 2016), pp. 935-954.