العودة إلى تفاصيل المؤلَّف تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة

تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة

History of the Political Usage of Local Tribal Identity in Iraq

Karim Hamza **

كريم حمزة *

الملخّص

شكّلت العلاقات المتوترة والمزدوجة بين الدولة والعشائر منذ منتصف القرن التاسع عشر، جزءًا مهمًّا من تاريخ العراق الاجتماعي– السياسي الحديث. وفرضيتنا هي أن تلك العلاقات تواصلت من خلال عمليتي التصادم والتخادم وجدل التحديث والتقليد؛ فما كانت الدولة تتقدم في دمج جماعات ذات ثقافات فرعية كي تحقق المجتمع السياسي الموحد، حتى تدخل في نفق حرب أو نزاع. ولقد ساعدت المؤسسات التحديثية، كالتعليم والجيش، إلى جانب تعسف الشيوخ وفقر الريف، في تحلل واضح لبنية العشيرة، إلا أن ذلك لم يمح كليًا نمط التفكير العشائري، بل إن الثقافة العشائرية تغلغلت في النسيج الحضري فتعددت أقنعتها، ونجحت في تزويق شعاراتها من خلال الحزب والطائفة.

Abstract

Abstract: The strained bipartite relationship between the state and the tribes has formed since the mid-19th century, an important part of Iraq’s modern socio-political history. In this study, the author hypothesizes that these relations have continued through the dual process of conflict and cooperation and the tension between modernization and tradition. The state failed to make progress in the integration of groups with subcultures and to create a unified political culture. Modernizing institutions such as education and the army, as well as the tyranny of the sheikhs and the poverty of the countryside, helped to bring about the partial disintegration of the tribal structure. This did not, however, entirely do away with the pattern of tribal thinking, rather tribal culture permeated the cultural fabric in numerous guises and managed to embellish its slogans through the party and the sect.

الكلمات المفتاحية:
  • العراق
  • العشيرة
  • شيوخ العشائر
  • التحديث
  • الدولة
Keywords:
  • Iraq
  • State
  • Tribe
  • Tribal Sheikhs
  • Modernization

للهوية المحلية العشائرية في العراق

تخادم الدولة والمشيخة

State and Sheikhs Serving Each Other

ملخص: شكّلت العلاقات المتوترة والمزدوجة بين الدولة والعشائر منذ منتصف القرن التاسع عشر، جزءًا مهمًّا من تاريخ العراق الاجتماعي– السياسي الحديث. وفرضيتنا هي أن تلك العلاقات تواصلت من خ لاا عمليتي التصادم والتخادم بين الدولة والمشيخة وفي إطار جدل التحديث والتقليد؛ فما كانت الدولة تتقدم في دمج جماعات ذات ثقافات فرعية كي تحقق المجتمع السياسي الموحد، حتى تدخل في نفق حرب أو نزاع. ولقد ساعدت المؤسسات التحديثية، كالتعليم والجيش، إلى جانب تعسف الشيوخ وتفقر الريف، في تحلل واضح لبنية العشيرة، إلا أن ذلك لم يمحُ كليًا نمط التفكير العشائري، بل إن الثقافة العشائرية تغلغلت في النسيج الحضري فتعددت أقنعتها، ونجحت في تزويق شعاراتها من خلال الحزب والطائفة.

تمهيد

يدرس هذا البحث العلاقات التاريخية المتوترة والمزدوجة بين الدولة والعشيرة في العراق، وتمسح فترةُ المشاهدة التجربةَ العراقية الحديثة منذ منتصف القرن التاسع عشر. نقصد بالدولة الكيان السياسي – البيروقراطي العراقي الجديد الذي تشكّل في البلاد كسلطة مركزية تبسط سيادتها على مجال ترابي محدد منذ سنة 1921، منسلخًا بذلك عن رداء الإمبراطورية العثمانية وعن السياق الاستعماري البريطاني. ونقصد بالعشيرة في العراق من الناحية الإمبريقية وحدة اجتماعية قائمة على تضامن وشائجي ذي مضمون تعصبي يبرره الانتماء إلى نسب حقيقي أو مفترض، وهي جزء من بنية تراتبية تحكمها عوامل كثيرة، لعل في مقدمتها الحجم والقرابة والمكان؛ إذ كلما صغر الحجم ازدادت العلاقات القرابية قوة وتأثيرًا. فرضيتنا في هذا البحث هي أن العلاقات بين الدولة والعشائر شكلت جزءًا أساسًا من تاريخ العراق الاجتماعي – السياسي، وأن سر تلك الع قااات هو تخادم الدولة والمشيخة من خ لاا عمليتين أولاهما جدلية التصادم والتقارب، وثانيتهما جدلية التحديث والتقليد.

التصادم والتخادم بين الدولة والعشيرة

نقصد بالتصادم كل جهد خفي أو علني استهدف مصادرة قوة العشيرة وجعلها أكثر انقيادًا للدولة، سواء من خ لاا تغيير مكانة الشيخ، أو من خ لاا إيجاد موطن مستقر للعشيرة بدلً من بداوتها. كما يوفر التصادم فرصة للتأثير في منظومات قيم العشيرة بما يمكنها أحيانًا من المشاركة في حياة المجتمع الأكبر. أمّ ا التخادم، فهو كل صيغة براغماتية خفية أو علنية للتعاون بين الدولة والشيوخ – ومن خلفهم عشائرهم – لتعزيز مواقف الدولة وحماية نظمها ورموزها، وفي الوقت ذاته خدمة أو حماية مصالح الشيوخ وتعظيم امتيازاتهم المادية و/أو المعنوية.

التحديث والتقليد

حين تُوجِد الدولة مؤسسات جديدة، أو تجدد القديم منها (كالمؤسسات الاقتصادية والتعليمية والقضائية والسياسية، وغيرها)، فإن أداءها الوظيفي يحتاج أيضًا إلى منظومات قيمية وترتيبات والتزامات جديدة أيضًا. ولكن المنظومات الجديدة أو الإلزام القانوني المفروضين على الناس يتطلبان، تبعًا للجديد، تكيفًا مع تلك المؤسسات على نحو شعوري أو لاشعوري. في غالب الأحيان

(((في الخطاب القبلي يتسلسل التراتب بغموض من القبيلة الأكبر حجمًا والمنتشرة في صحراء واسعة، والمتصل نسبها بجد عاش أكثر من عشرة أجيال، إلى العشيرة الأصغر حجمًا والأشد ارتباط ا في المكان، والراجعة في النسب إلى جد عاش منذ مئتي أو ثلاثمئة سنة كما يذكر شاكر مصطفى سليم. يأتي بعدها الفخذ (البديرة أو الفندة) ثم البيت. ويرى سليم أن أفخاذًا عدة تتوحد حين تكون حمولة، أي أن من الممكن أن نعِدّ الحمولة فخذًا كبيرًا، انظر: شاكر مصطفى سليم، الجبايش: دراسة أنثروبولوجية لقرية في أهوار العراق، ط 2 (بغداد: مطبعة العاني، 1970)، ص 115. غير أن آخرين يرون أن مجموعة الأفخاذ يمكن أن تسمّى حمايل، ويتألف الفخذ من بيوت، وهو الوحدة الأصغر عددًا، ويتجلى فيه القرب المكاني والقرابة المباشرة، انظر: عباس العزاوي، عشائر العراق، 4 ج في 2 مج (بيروت: مكتبة الحضارات، 0102)، ص 82 وما بعدها.

يحيل هذا التكيف إلى حداثة هجينة، هي خليط من القيم الحديثة والتقليدية. ولذلك يكون التكيف مع المستجدات بمثابة إيجاد تسوية ما بين متطلبات تلك المؤسسات وبين ملزمات الثقافة السائدة. على أن هذه التسوية قد تؤدي أحيانًا إلى معوقات وظيفية (Dysfunctions) تجعل أداء تلك المؤسسات مختلفًا أو أقل تأثيرًا، وخصوصًا حين تكون بعض القرارات ذات حساسية اجتماعية عالية، كما في قضايا الأحوال الشخصية أو في عمل المرأة، أو حين تصبح المؤسسة الحديثة، كالمدرسة والجامعة، بيئة لتلقين طائفي أو عشائري. لقد وُجِدت المؤسسات الجديدة تلك لكي تلبّي للناس في مجتمع متغير حاجات لا تستطيع المؤسسات التقليدية أن تلبّيها. كما أن التحديث بمعناه الواسع يعبّر عن مدى قدرة الدولة على أن تفي بالتزاماتها في عالم يفرض معايير معيّنة لتقييم مستويات العيش ومدى تلبيتها متطلبات حقوق الناس وحاجاتهم. ولكن ماذا يحدث حين تفشل الدولة في الإيفاء بتلك الالتزامات، ومنها الأمن وتراجع المؤشرات الإيجابية لنوعية الحياة أو استلاب الحقوق؟ الجواب هو أن العشيرة تتدخل لتقديم بدائلها الوظيفية، مثل حماية أفرادها حين تعجز القوانين الرسمية عن حمايتهم أو إيجاد صناديق تكافل لتوفير بعض حاجاتهم. وهذا يعني أن من الخطأ دراسة العشيرة من خ لاا صورة نمطية مسبقة، ترى فيها مجرد رمز أو مكون مضاد للحداثة يحول دون تقدم المجتمع، أو النظر إليها كبنية جامدة.

المرحلة العثمانية: بدايات التحديث

قبل منتصف القرن التاسع عشر، كانت الدولة العثمانية في العراق قد بلغت أدنى مستويات تخلّفها وأشد حالات ضعفها، وبدا ذلك واضحًا في انحسار سيطرتها عن مساحات واسعة من العراق. ولا شك أن ذلك يؤشر إلى انتقاص سيادة الدولة من جهة، ويعكس من جهة أخرى حالة من تشتُّت الولاءات. بل إن ذلك التشتُّت بدا واضحًا في صراعات الولاة بعضهم بين بعض، وخصوصًا بعد سنة 1831، حين نفّذ الوالي علي رضا مذبحة المماليك وتصفيتهم بحيث تعمقت الخلافات العشائرية بين مؤيد ورافض. ومن المعلوم أن داود باشا (آخر المماليك) سعى جادًا لفرض سيطرة مركزية على العراق. وإذا نظرنا إلى الموصل– وخصوصًا في فترة حكم الجليليين)1834 – 1726(- وإلى البصرة التي ضعفت مكانتها فأصبحت مجرد وحدة إدارية تابعة لولاية بغداد، سنلاحظ مدى تداخل الأطماع الفارسية والبريطانية، إلى جانب الفوضى الإدارية في ع قااات الولايات العراقية بعضها ببعض. أمّا العشائر، فكانت علاقتها بالحكومة تراوح بين مد وجزر وتصادم وتخادم بما يعكس الافتقار إلى رؤية استراتيجية للعلاقة، إلا أن العشائر في صراعاتها بعضها مع بعض، وفي صراعاتها مع جيوش الحكومة، كانت تحاول الموازنة بين المصالح التي تنسجم مع منظومات قيمها وأساليب بداوتها، حين تغزو أو

(((راجع حول ذلك: عبد العزيز سلمان نوار، تاريخ العراق الحديث من نهاية حكم داود باشا إلى نهاية حكم مدحت باشا، المكتبة العربية (القاهرة: دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، 1968)، ص 59 وما بعدها. (((يرى الدكتور محمد سلمان حسن إلى أن ما يسمى عملية توحيد العراق سياسيًا واقتصاديًا بدأت بولاية داود باشا: محمد سلمان حسن، التطور الاقتصادي في العراق، التجارة الخارجية والتطور الاقتصادي، 1958-1864 (بيروت؛ صيدا: المكتبة العصرية، 1965[])، ج 1، ص 1 3، وانظر حول جهود داود باشا: عبد العزيز سلمان نوار، داود باشا والي بغداد (بغداد: وزارة الثقافة،.)2013

حين تطرد عشيرة أخرى من مواطن الكلأ، أو حين تقدم خدماتها للدولة، سواء لضرب عشائر أخرى أو لتمكين الحكومة من السيطرة على بعض المناطق، وكذلك حينما كانت العشائر تتحالف وتكوّن إمارات قوية تفرض شروطها على الدولة وتلغي سيادتها على الأرض وتكرس ثقافة القبيلة. أمّا على صعيد حياة الناس، فقد كانت الأوبئة والكوارث الطبيعية تنهش بهم، فتسود بينهم الخرافة والجهل، وتبدو ع قاااتهم بعضهم ببعض مفككة ومحكومة بقيم العشيرة والطائفة والمحلة، ولا تجمعهم سوى كراهية الممارسات العثمانية، مثل فرض ضرائب باهظة، أو اعتداءات الجنود، فضلً عن غياب الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الخدمات الصحية والتعليمية والإدارية. لقد فشلت الدولة العثمانية في تحويل العراقيين من جماعات متعددة دينيًا وطائفيًا وعرقيًا وبيئيًا إلى مجتمع متضامن، وكانت السلطة العثمانية ذاتها تفتقر إلى وحدة الأرض والسلطة معًا، كما كانت تفتقر إلى المؤسسات والنظم التي تمكّن الدولة والناس من العيش في عالم متغير بدت فيه التجربة الأوروبية متفوقة. وعندما بدأت عملية التماهي مع هذه الأخيرة تتقدم، كانت تلك لحظة تاريخية حملت في صُلبها تحولات مهمة امتد تأثيرها إلى العراق ليشكّل المقدمات المبكرة لوجود الدولة الحديثة. ولعل أولى بشائر ذلك التحول كان صدور ما يسمّى «خط شريف كلخانه 1839» الذي أصبح منطلقًا لعهد «التنظيمات»، أي لحركة الإصلاح التي استمرت حتى إعلان القانون الأساسي أو الدستور (1876) ثم «المشروطية». ومع أن العراق كان أقل تأثرًا بتلك الإصلاحات، فإن رياح التغيير لم تستثنه.ِ لم تكن المدينة العراقية بمنأى عن العشائر، سواء من توطن منها في الريف أو من ظل على بداوته في الصحراء والفيافي؛ فالعشائر تهاجم المدن أحيانًا، وربما تقطع طرق إمدادها بالأرزاق، فضلً عن أن معظم سكان المدن ينتمي أصلً إلى عشائر، غير أن الأعيان فيها حلوا محل الشيوخ وإن لم ينقطعوا عنهم نسبًا، كما أن المحلة أصبحت بديلً من «الديرة». ويذكر حنا بطاطو أن عدد العشائر في بغداد وحدها – وهي حاضرة العراق الكبرى – بلغ 110 عشائر، غير أن للمدينة – من الناحية العشائرية - طابعها الخاص؛ فالمحلة تكاد تكون وحدة اجتماعية – جغرافية شبه مغلقة، حتى أنها قد تكون محاطة بأسوار، غير أن نمط التعصب فيها ليس عشائريًا بل هو تعصب للمحلة التي تضم عادة بشرًا من عشائر عدة تتبادل المنافع وتتكافل في السراء والضراء. ولم تكن المحلات على وفاق دائم مع الحكومات؛ فغالبًا ما كانت تتمرد عليها ولا تخضع لأوامرها. اتخذت حركة الإص ح العثمانية اتجاهات كثيرة؛ إذ بذل الولاة جهودًا لتوطين البدو وتعزيز استقرار العشائر في الأرياف، وتطوير أوضاع المدن من خ لاا مؤسسات حديثة كجزء من عملية تحديث

(((أورد حنا بطاطو جدولً يبيّن الكوارث التي حلت ببغداد خ لاا القرون 17 و 18 و 19 في: حنا بطاطو، العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية (الكتاب الأول)، ترجمة عفيف الرزاز، ط 2 (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1995)، ص.34 (((المحلة هي تجمّع عدد من المساكن، تنظم العلاقات بينها شبكة عضوية من المسالك والأزقة بتراتب يعلو مع الاقتراب من نقطة الجذب الرئيسية كالجامع. وهناك إشارات إلى أن المحلة ظهرت في مدينة أور قبل 4000 سنة. انظر: خالص الأشعب، المحلة العربية التقليدية بين الأصالة والتحديث، المائدة الحرة؛ 14 (بغداد: بيت الحكمة، 1998)، ص 8، وربما تقارب مفهوم المحلة مع المجتمع المحلي) Community). (((بطاطو، ص.33

الدولة ذاتها. وسنلاحظ أن معظم تلك المؤسسات أقيمت في المدن، وأهمها النظم الإدارية والتعليم والجيش. أمّ ا في الأرياف، فإن الحكومة حرصت على تنظيم ع قااة العشائر بالأرض من خ لاا الشيوخ. ويمكن القول إن الآثار الاجتماعية لإص حات لم تُدرس من وجهة نظر سوسيولوجية عميقة؛ فالأمن متعدد الأوجه، وخصوصًا في ما يتعلق بأساليب التعامل مع العشائر؛ فما يصلح للمدينة ربما لا يصلح للريف، كما أن مشكلات العشائر تختلف من منطقة إلى أخرى، ويبدو أن ثمة قاسمًا مشتركًا لإصلاحات بغضّ النظر عن البيئة التي تجري فيها، وهو تغيير هوية القيادات و/أو نمط علاقاتها بالناس؛ فالمدارس - على قلتها وبالرغم من المواقف السلبية تجاهها - فتحت المحلات بعضها على بعضها لأن طلاب المدرسة التحقوا بها من محلات عدة، فأصبح المعلم موضع تماهي مع طلبته بدلً من «الم » الذي كان يدير العملية التعليمية بكل ما تنطوي عليه من خ لاا ما سُمّي الكتاتيب (وصل عددها في سنة 1890 إلى 872) كتّابًا، وكانت تقدم محاضرات دينية وتعتمد أسلوب العقوبات البدنية في الضبط والتربية. لكن المدرسة كانت مؤسسة تحديثية تغير فيها منهج الدراسة، وأصبح أسلوب التدريس فيها جماعيًا، وبدأت عقول الطلبة وطموحاتهم تنفتح على عالم خارج أسوار المحلة. وإلى جانب المدرسة، أدخل نظام المختارين في محلات المدن تحولات جديدة على مستوى فئة الأعيان، فشكّل نقلة إدارية مهمة عززت سلطة الدولة من خلال صلاحيات المختار بوصفه ممثلً لها، بدلً من القيادات التقليدية (الأعيان) التي كانت تستفيد من المزايا التي توفرها لهم الدولة وانتماءاتها العشائرية في الوقت ذاته. اتسعت عملية التنظيم الإداري الحكومية لتشمل حتى المدن الصغيرة (النواحي)، فكانت مدن كثيرة من إيالة بغداد قد أصبحت حتى سنة 1896 تحت سيطرة موظفين حكوميين بدلً من الأعيان وشيوخ العشائر ورجال الدين. كما شرعت الدولة، ضمن سياق جهودها لكسر شوكة القيادات التقليدية والحكام المحليين في بعض المدن، في إعادة بناء قلاعها ودوائرها، وتواصلت في المقابل الحملات ضد العشائر، كما تواصلت جهود تقويض المشيخات.

(((كان نظام ملْكية الأرض في العراق خلال الفترة 1525 – 1831 مزيجًا من شكلين لإقطاع هما: الإقطاع المدني (نسبة إلى ملّ ك المدن)، والإقطاع العسكري الذي خلّفه المغول، إضافة إلى الأراضي التي تطبَّق عليها الشريعة الإسلامية، كالوقف والملْك الخاص، فضً عن بعض الأراضي التي وزعت على رؤساء العشائر لقاء عائد معيّن في ولايتي بغداد والبصرة، حيث استُخدمت طريقة الالتزام بدلً من الإقطاع العسكري. وقد أدت تلك الطريقة إلى نظام الإقطاع القبلي، انظر: كامل ع وااي الفتلاوي وحسن لطيف الزبيدي، العراق: تاريخ اقتصادي (بغداد: بيت الحكمة، 013 2)، ج:2 الحقبة العثمانية، 1831 – 1914، ص.31-30 (((كنموذج لذلك، يذكر علي الوردي كتاب الشيخ نعمان بن أبي الثناء الألوسي وعنوانه الإصابة في منع النساءمن الكتابة، والذي يقول فيه: فأمّا تعليم النساء، فأعوذ بالله منه. فاللبيب من الرجال هو من ترك زوجته في حالة من الجهل والعمى، انظر: علي الوردي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي: محاولة تمهيدية لدراسة المجتمع العربي الأكبر في ضوء علم الاجتماع الحديث (بغداد: مطبعة العاني، 1965)، ص.347 ((سس في سنة (أُ 1845 مجلس للمعارف، وصدر في سنة 1865 قانون التعليم العام، وجرى في سنة 1899 افتتاح أول مدرسة للصنايع ودار للمعلمين. ويبدو أن أول مدرسة حديثة أ 1861ُنشئت في الموصل سنة، وبعد أكثر من ربع قرن، أ نشئت مدرسة ابتدائية في بغداد. أمّا أول مدرسة للبنات، فأُنشئت سنة.1899 (1((انظر بشأن نظام التعليم في سياق خطط الإص حاا العثماني: جميل موسى النجار، التعليم في العراق في العهد العثماني الأخير، 1869 – 1918 (بغداد: دار الشؤون الثقافية، 0012)، ص.104 (1((جميل موسى النجار، الإدارة العثمانية في ولاية بغداد من عهد الوالي مدحت باشا إلى نهاية الحكم العثمانية، 1917-1869، ط 2 (بغداد: دار الشؤون الثقافية، 0012)، ص.49

في السياق ذاته، عززت الدولة دورها الأمني من خ لاا محاولاتها تطبيق قانون الخدمة العسكرية وفرض التجنيد الإلزامي. وقد استعمل الوالي عمر باشا القسوة الشديدة، فأقدم على إعدام سبعة أشخاص من رجال العشائر (كانوا ضد التجنيد) من دون محاكمة. كذلك أنشأت ولاية بغداد صنفًا عسكريًا سُمّي «السكبان» أو «المتطوعين المشاة»، وأغلبهم من أهل القرى الذين تركوا ديارهم وعرضوا خدماتهم على الولاة. وكان الهدف من حشدهم هو مساعدة جيش الدولة النظامي على مختلف الجبهات، وكان جمع الحكام المحليين لهم وتسفيرهم إلى جبهات القتال يتمان تحت إشراف الولاة، وقد انتظموا في تشكيلات سمِّيت البيارق. إلى جانب ذلك، كان على الدولة أن توجِد نظامًا قضائيًا للعدالة بدلً من الاعتماد على سنن العشيرة وأعراف المحلة في حل المشكلات والمنازعات، فأصدرت تشريعات عدة مهمة، مثل قانون العقوبات العثماني والمحاكم الشرعية والجنسية وقانون إدارة المحاكم ونظام إدارة الولايات العمومية. غير أن كثيرًا من تلك الإصلاحات اعتورها الفساد ونقص التمويل وتدخّل القيادات التقليدية ورجال الدين، فواجهت بسبب ذلك كله معوقات كثيرة حالت دون تأديتها وظائفها على النحو المطلوب؛ فعلى سبيل المثال، وصِف المعلمون في المدارس بكونهم فاسدين، ووصِفت المدارس بكونها أوكارًا للرذيلة والشرور، كما أن نظام العدالة أصبح موضع شك بسبب انتشار الرشوة والمحسوبية، وبذلك حملت المؤسسات التحديثية بذور فشلها النسبي، إلا أننا لا نستطيع أن نغضّ النظر عن آثارها. تلك الإجراءات الإصلاحية كلها غلّبت سلطة الدولة على الجماعات؛ فالدولة أصبحت، من خلال تلك المؤسسات، الموجِّهة الرسمية لمعظم جوانب الحياة الاجتماعية لتضفي عليها الطابع شبه الحضري، إلا أن الثقافة التقليدية لم تكن سهلة التجاوز؛ فهي راسخة في الذاكرة التاريخية وفي الخبرة اليومية، وكان على الفرد أن يقدِّر التكلفة الاجتماعية للمجازفة، لأنه يدرك قيمة المدرسة وأهميتها بالنسبة إلى مستقبل أبنائه، لكنه يدرك أيضًا خطورة النقد الاجتماعي– الديني على مكانته في مجتمعه المحلي إذا ألحق أبناءه بالمدارس، فكان عليه أن يوفِّق بين متطلبات التقليد والحداثة، وهو عملية براغماتية يتجنب بموجبها ضغوط التقاليد، ويستفيد في الآن ذاته من مزايا الحداثة، إلا أنه يجد نفسه في الحالين في حالة نقد ذاتي للقيم التقليدية السائدة (قيم العشيرة والمحلة والأسرة الممتدة)، لكنه لا يستطيع أن يفصح عن هذا النقد علنًا في المواقف التي تستدعي منه تعبيرًا عن هوية ذاتية مؤمنة بقيم الحداثة. ويمكن القول إن الإنسان هنا ليس مزدوج الشخصية، بل يقوم بعملية تكيف بين نظامين للقيم مختلفين أو متداخلين، يجد أن لهما تأثيرًا في المواقف الحياتية المختلفة، فيتخذ من أحدهما المرجعية المناسبة لسلوكه طبقًا لطبيعة الموقف ومُلزماته. في ضوء ما تقدم، يمكن القول إن من نتائج حركة الإص ح ظهور مؤشرات الحياة الحضرية في المدينة، وتراجع الإجراءات والممارسات التقليدية. ومع ذلك كله، فإن ما اعتبره لونكريك المشكلة

((1(المرجع نفسه، ص.49 (1((طارق نافع الحمداني، م مااح سياسية وحضارية في تاريخ العراق الحديث والمعاصر (بيروت: الدار العربية للمطبوعات، 1989)، ص.113

العويصة ظل قائمًا؛ فالعشائر كانت - طبقًا لمصلحتها - تناهض أي حكومة منتظمة تحكم الب داا، وتفضل العرف العشائري على أي محكمة أو عدالة، وهي سلفية، وكان وجودها لا يناسب وجود أي حكومة، ويمكن القول إن شيوخ العشائر، بما يمثّلونه من رموز عسكرية للعشيرة وسجل لتاريخها ومظان لحكمتها، هم أشد العقبات المناوئة لتيار الإص ح، ولا سيما أن الدولة تواجه تحالفات عشائرية قوية تمتلك الأسلحة والقدرة على المناورة في البوادي والأرياف، فتهدد المدن وتقطع طرق المواصلات وتكسر هيبة الدولة وتشجع المارقين عليها حتى في المدن. ومع ذلك، توطدت سلطة الوالي بفعل سلسلة من الإجراءات، مثل إخضاع الإمارات الكردية، والقضاء على حكم آل عبد الجليل في الموصل، وإنهاء ثورات الأعيان في بغداد (كثورة عبد الغني جميل وثورة عقيل)، وقبلها القضاء على حكم المماليك. كما أن الصراع بين عشيرتي كعب والمنتفق حقق في الجنوب حالة من التوازن رغم التدخلات الفارسية والبريطانية، إلى جانب السيطرة على كربلاء سنة 1843. إضافة الى ذلك، وفّر بناء جيش قوي للدولة إمكانية الحد من تمردات العشائر، وقد أدركت الدولة أيضًا أن أحد مصادر المشكلة هو الأرضمن حيث حقوق ملْكيتها وطبيعتها وقيمتها الاقتصادية وموقعها. ومن ثم، كان هناك حاجة إلى مجموعة من الإجراءات المؤسسية والقانونية، كان أهمها إنشاء وزارة للزراعة (1846)، وإصدار قانون لتعميم الملْكية الخاصة ل رأأاضي والإعفاءات الضريبية) 1858(وقانون الطابو وغيرها. أصبحت المؤسسات والتشريعات تلك بمثابة آليات لتنفيذ سياسة التخادم بين الدولة وشيوخ العشائر، غير أن سياسة التصادم بقيت مطلوبة، وخصوصًا مع العشائر البدوية التي ترى في عملية التوطين كسرًا لنفوذها، وخضوعًا للدولة يتعارض مع قيم الشجاعة وروح القتال، فيما كانت الدولة تدرك أن للتوطين أهمية كبرى ليس في تعزيز سلطة الدولة على الأرض وطرق المواصلات والمناطق الريفية فحسب، بل بسبب أن التوطين في جانب منه (استغلال الأرض للزراعة مثلً) يعني تحولً في النمط الاقتصادي للعيش من الرعي إلى الزراعة، فضلً عن أن العشيرة البدوية ليس لها وطن مرسَّم الحدود، كما أن أرزاقها في رماحها، لكنها إذا استقرت أصبح لها وطن صغير هو «الديرة»، كما أصبح ارتباطها بالدولة أقوى، ونمت في نفوس أبنائها بذور المواطَنة. لكن مصدر قوة العشيرة، حتى بعد نجاح عملية توطينها، تكمن في المكانة التقليدية للشيخ بوصفه رمزًا قياديًا، كما أن مصدر قوة العشيرة يكمن في مشاعية ملْكية الأرض، ولهذين المصدرين ع قااة وثيقة بسلوك العشيرة كعصبة قوية في مقاتلة من تعتبره عدوًا (الحكومة أو العشائر الأخرى)، كما أن لهما علاقة بنمط الإنتاج الاقتصادي، وهكذا فإن الأرض كانت محور الصراع الرئيسي.

(1((ستيفن هيمسلي لونكريك، أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث، نقله إلى العربية جعفر خياط، ط 4 (قم: المكتبة الحيدرية، 004[]2)، ص.347 (1((نوار، تاريخ العراق الحديث، ص 59 وما بعدها. ((1(قُدِّرت الأراضي الصالحة للزراعة إبان الدولة العثمانية بحوالى 92,000 كلم 2، 80 في المئة منها غير خاضعة لسيطرة الحكومة.. ولم يُزرع من إجمالي الأراضي الزراعية سوى 02 في المئة. انظر: الفتلاوي والزبيدي، ص.42 ((1(المرجع نفسه، ص.43

في هذه الأثناء أدى تحسّن طرق المواص ت إلى مضاعفة القيمة الاقتصادية ل رأأاضي، وتعزيز توجه الحكومة نحو إحداث التغيرات في نمط ملْكيتها، وجعل الشيخ ذاته جزءًا من عملية التحول، سواء بالتصادم أو بالتخادم. وهكذا، اعتُمد مبدأ الملْكية الخاصة بموجب قانون الطابو، حيث تحال رقعة من الأرض إلى كل شخص من الأهالي على حدة، ويُعطى سندات الطابو ببيان كيفية تصرفه. هذه الإجراءات أدت إلى استحواذ الشيوخ على مساحات واسعة من الأراضي، كما حصل بعض الف حين على حيازات صغيرة كان الشيوخ ينتزعونها منهم بشتى أشكال القسر، بما في ذلك مراكمة الديون، الأمر الذي كان يضطر الف حين إلى رهنها أو بيعها. كما أن نظام الطابو شجع سكان المدن من التجار والأعيان على الاستحواذ على مساحات أخرى واسعة. وبات أفراد العشيرة، الذين تحولوا إلى ف حين أو إلى عمال زراعيين في خدمة مّك الأراضي (الشيوخ وتجار المدن)، مفتقرين إلى مظلة الأمان التي كانت توفرها العلاقات العشائرية التقليدية، إلى جانب أن مشك ت معيّنة، مثل التنافس على مياه الري أو على وسائل النقل من الريف إلى المدينة أو على أسعار بيع المنتوجات، كانت تؤجج المنافسة الاقتصادية وتُضعف أواصر العلاقات التقليدية، خصوصًا أن بعض الفلاحين أصبح من ال«سراكيل» (وك ءاا أو رؤساء عمال) وتخادم مع الشيوخ وتجار المدن على حساب الفلاح. يظهر من تتبّع سلطة الشيخ منذ القرن السابع عشر أن منصبه تطور خ لاا القرن التاسع عشر إلى حاكم مطلق مستبد، لا تستطيع أن تعزله أي حركة من داخل العشيرة. كما أن الدولة كانت تمنح شيخ العشيرة سلطة تجعله شريكًا رمزيًا على الأقل في مؤسساتها، وبذلك تُشبع رغبته في اكتساب المزيد من الهيبة، وهكذا بدأت بمنح الشيوخ المناصب العليا والنياشين والألقاب البكوية والبشوية والمرتّبات النقدية. ويعتقد عبد العزيز نوار أن هذه الخطة كانت جزءًا من سياسة عثمانية عامة، استهدفت صبغ العراق من جميع نواحيه بأساليب الحكم الحديث الذي من مظاهره تفكك الروابط العشائرية القوية القديمة. والواقع أن تلك الخطة أدت إلى مزيد من الصراعات بين العشائر، كما

(1((من ذلك مثلً تأسيس شركة لنج للملاحة. وقد بدأت الشركة تلك عملها في العراق سنة 1841 وتوسعت في سنة 1861 بفرمان عثماني، فكوّنت شركة الم حااة التجارية للفرات ودجلة. كما أن السلطات العثمانية أسست هي الأخرى شركة للملاحة والنقل النهري عندما أدركت أهميتها في المجالين الاقتصادي والسياسي، وقد أدى ذلك إلى نشوء مدن جديدة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، انظر تفصيلات في: محمد جبار إبراهيم الجمال، «تأثير التحولات الاقتصادية في نمو المجتمع العراقي الحديث، 1914 – 1869 »، مجلة دراسات تاريخية (بغداد)، العدد 21 (0092)، ص.10-9 (1((أراضي الطابو أراض أميرية، أي مملوكة للدولة، وأ عطيت بموجب وثيقة تُعرف بسند الطابو، بشروط معيّنة، ونادرًا ما كان يشار إلى أن هذه الأراضي ملْك صرف، ولكن حق التصرف يظل في يد الفرد، أي إن نظام الطابو حافظ على ملْكية هذه الأراضي للدولة، لكنه أعطى الأفراد حقوفًا واسعة للتصرف فيها، بما في ذلك التوريث والرهن والتنازل أو الهبة. انظر: المرجع نفسه، ص.8 2(((نوار، تاريخ العراق الحديث، ص.147 2(((من ذلك مثل تعيين فهد الهذال، شيخ عنزة قائم مقام لمنطقة الرزازة، وتولية ناصر السعدون ولاية البصرة، ومنح شيخ زبيد لقب البكوية. (((2 نوار، تاريخ العراق الحديث، ص.148

أن نظام الطابو مكّن تجار المدن من حيازة مساحات واسعة، وهو ما فسح المجال لظهور الإقطاع المديني، بل إن انقسامات مهمة حدثت داخل المشيخة الواحدة. وبتحمّل أبناء العشائر من الفلاحين تكلفة اجتماعية باهظه في مواجهة التحول من اقتصاد الكفاف المعيشي إلى اقتصاد السوق، تدهورت أحوال الفلاحين المعيشية حتى صاروا أشبه بالأقنان، ونهْبَ استغلال من جانب الم ك، مشايخ وتجار مدن، وفريسة ديون تراكمت عليهم بعد اضطرارهم إلى رهن أراضيهم لدى المرابين بفوائد راوحت بين 03 في المئة و 40 في المئة في مدن كالموصل، بل إن بعض الفلاحين كان يبيع أرضه بسعر أقل من سعرها الحقيقي بحوالى 52 في المئة. كانت تلك التحولات تترافق مع التطور الهائل في تجارة العراق الخارجية، مع توسع الطلب الدولي على السلع الزراعية والحيوانية الذي أعطى الشيوخ وتجار المدن جميع المبررات للحصول على حقوق حيازات الطابو، فتمكنت تلك الفئات من الحصول على 60 في المئة من إنتاج الأرض، وفي المقابل ارتفعت قيمة الصادرات العراقية من معدل سنوي مقداره 0,00023 جنيه في أثناء السنوات الخمس الأولى من سبعينيات القرن التاسع عشر، إلى ما يقارب 800,000 جنيه في السنوات الخمس التالية. بذلك بدأ تيار الهجرة إلى المدن القائمة أو إلى مدن جديدة، وجاء في تقرير للقنصل الفرنسي في الموصل (سنة 1880) إلى أن أعدادًا كبيرة من سكان الريف «تترك في كافة الأيام قراها مولية وجهها شطر مدينتنا بحثًا عن الرغيف، بعد أن طوح بها الجوع وضاقت بها ديارها، كما هاجر الكثير من الأكراد من كركوك والسليمانية فرارًا من المجاعة إلى مدينة بغداد»، وبذلك تعاظم عدد سكان المدن وتفاقمت مشكلاتها، فألحق ذلك المزيد من التفكك في بنية العشيرة، وتدنت القيمة المعنوية للديرة بكل ما تتضمنه من ذاكرة جماعية وخبرات مشتركة وتكافل اجتماعي. إلا أن تلك الهجرة أدت إلى تحول المدينة إلى شبه قرية حضرية، تتعاظم فيها مؤشرات التريف، خصوصًا مع ظهور أولى عشوائيات الأكواخ الطينية على أطراف المدن الكبرى. أدت الحركة الإص حية العثمانية إلى إيجاد مؤسسات ونظم وتشريعات وفّرت فرص عمل مدنية وعسكرية، فكوّنت تنوعًا في بنية الاقتصاد ومصادر جديدة للدخل. وساهمت المدارس في ظهور

(((2 من ذلك مثل ما حدث في مشيخة البو محمد، حيث استنجد أحد شيوخها بالحكومة لقتال عمه. ولعل ما حدث بين ابني شيخ شمر جربة، فرحان وعبد الكريم، يوضح جانبًا من صراع حاد بين رغبة في الاستقرار والتحضر (فرحان عاش في اسطنبول سنوات عدة، وأمه حضرية، وعبد الكريم أمه بدوية متعصبة تتمسك بقيم البداوة وتجنب الاستقرار والتعاون مع الدولة)، انظر: المرجع نفسه، ص 170. كما أن انهيار الإمارة يمثّل نموذجًا لقوة الحكومة من جهة، والانشقاقات التي حدثت فيها ونفرة العشائر من سلوكيات الشيوخ من جهة أخرى. (2((الجمال، «تأثير التحولات الاقتصادية»، ص.1 2(((محمد جبار إبراهيم الجمال، بنية العراق الحديثة: تأثيرها الفكري السياسي، 1869 – 1914، مراجعة كمال مظهر أحمد (بغداد: بيت الحكمة، 0102)، ص.41 (2((إن معظم مدن المنطقة الرسوبية في العراق تأسست في النصف الثاني من القرن التاسع عشر (العمارة سنة 1861؛ علي الغربي سنة 1864؛ العزيزية سنة 1865؛ الكوت سنة 1869؛ الرمادي سنة 1870؛ الناصرية سنة 1870... إلخ). انظر: علي الوردي: دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، ص 162، ولمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، 6 ج (بيروت: شركة بهجة المعرفة، [د. ت.])، ص.8 2(((الوردي، لمحات اجتماعية، ص.50

طبقة الأفندية الذين وصفهم لونكريك بأنهم يعرفون القراءة والكتابة من دون أن يكون لهم علم فوق ذلك، وكانوا يحاولون تقليد الأوروبيين. ومع ذلك، أصبح الأفندية نماذج يتماهى معها الشباب. إن مؤسسات حركة الإص ح كلها حملت بذور معوقاتها الوظيفية، إلا أنها رغم ذلك شكّلت أولى أسس الدولة العراقية العتيدة، وظلت في الوقت ذاته أسيرة هدف استراتيجي هو الأمن، ولم تبذل إلا جهودًا ضئيلة جدًا لتغيير الثقافة العشائرية كمرجعية للسلوك؛ فالبدوي والريفي حملا إلى كل وسط جديد استقرا به، ريفًا أكان أم مدينة، ما استدخلاه من قيم وأعراف وطرق تفكير، فبدا الريف امتدادًا للبادية وبدت المدينة، خصوصًا في بعض مناطقها، امتدادًا لثقافة الريف، وبذلك ظلت قيم التغالب والغنيمة وضعف احترام القوانين سائدة. بل إن تفكك بنية العشيرة لا يعني تحللها كليًا؛ إذ يمكن المتابع أن يلمس تحولً من عصبية العشيرة إلى عصبية «البيت» و«عصبية المحلة»، وأحيانًا عصبية «المهنة» التي يغذيها مصدران هما الثقافة التقليدية من جهة، وثقافة التحديث من جهة أخرى. وقد صار هذان العنصران مركّبًا ثقافيًا هجينًا فرض على الفرد تكيفًا سلوكيًا بحسب المواقف التي يجد نفسه فيها.

مرحلة الاحتلال البريطاني: تعزيز المشيخة

لم يكن البريطانيون جاهلين أحوال العراق الاجتماعية وموارده الاقتصادية، وخصوصًا في ما يتعلق بدور العشائر في ماضي العراق وحاضره. ويبدو أنهم فكروا في استثمار ذلك الدور على نحو مختلف، في سياق تصوراتهم لما ستؤول إليه أحوال العراق مستقبلً. عمل العثمانيون جاهدين على تفتيت العلاقات العشائرية، منطلقين من هاجس أمني يقيهم مخاطر العنف العشائري، أيا كان شكله، من دون اهتمام مقصود بتغيير الثقافة العشائرية. غير أن إجراءات وأحداثًا معيّنة، مثل التعليم والتوطين وامتهان الزراعة أو الهجرة والعمل في المدينة وغيرها، أدت إلى بعض التغيرات القيمية التي مسّت معايير التقييم الشخصي للمكانة، كالشرف والالتزام بتقاليد الدفاع عن الأسرة، كالثأر. أمّا البريطانيون، فكانت خطوتهم الأولى التي اتخذوها وهم يحتلون البصرة في سنة 1915 هي إصدار ما سُمّي «بيان العشائر»، مُلزمين السكان بتطبيقه. وبعد الاستيلاء على بغداد في آذار/مارس 1917، اتسع نطاق شمول ذلك البيان، فصدر نظام دعاوى العشائر في 1924/8/28 (عُدّل في 1933/6/1)، واستمر العمل به حتى قيام ثورة تموز/يوليو 1958.

2(((المرجع نفسه، ج 3، ص.10-9 (2((العزاوي، مج 1، ج -12، ص 4 22، وقد سُمّي هذا القانون الذي طُبِّق في بلوجستان منذ سنة 1875 قانون روبرت ساندمان، وقامت الإدارة البريطانية بتطبيقه وتكوين طبقة مهراجات مصرية على غرار الهند. وفي سورية الانتداب الفرنسي، نصت المادة 113 من الدستور السوري (1930) على تأسيس دائرة خاصة لشؤون العشائر، انظر: عماد عبد اللطيف سالم، الدولة والقطاع الخاص في العراق: الأدوار، الوظائف، السياسات، 1990-1921 (بغداد: بيت الحكمة، 0012)، ص 147-146. وكان الفرنسيون قد طبّقوا في الجزائر ما عُرف باسم محاكم الجماعة في منطقة القبائل (1859) وهي المحاكم التي تستمد أحكامها من الأعراف البربرية القديمة. وصفت السائحة ليدي دراور هذا القانون بأنه طبّق شرعة الصحراء، انظر: كريم محمد حمزة، «الطيف الاثني في العراق: بين تعددية قلقة وانقسامية محدقة»، مجلة العلوم الاجتماعية (بغداد)، العدد 2 (ربيع 0122)، ص 15. وقال عباس العزاوي إن القانون أحيا سنة جاهلية... فهو عودة إلى ما قبل حمورابي، انظر: العزاوي، ص.224

في سنة 1919، وعشية الاحتلال البريطاني، بلغ عدد سكان العراق 8483. مليون نسمة. ويلاحَظ من تخمينات توزيع السكان استمرار انخفاض نسبة البدو من 63 في المئة سنة 1867 إلى 17 في المئة سنة 1905، وارتفاع نسبة سكان الريف من 53 في المئة إلى 59 في المئة، مع ارتفاع طفيف لنسبة سكان المدن من 33 في المئة إلى 43 في المئة في المدة نفسها. كذلك يلاحَظ تحسّن معدلات نمو السكان بسبب تحسّن الأحوال الصحية، فقُدّر عدد السكان سنة 1917 ب 42, مليون نسمة، وهناك من خفض العدد إلى مليوني نسمة. لا شك أن البريطانيين لم يكونوا في حال من اليقين بشأن مستقبل العراق، بسبب الخ فااات المعروفة بين مدرستي مصر والهند، وبالتالي لم تكن هوية هذه الدولة واضحة تمامًا حول من يحكم العراق، وطبيعة النظام السياسي الذي سيجري تركيزه وعلاقته ببريطانيا. غير أن البريطانيين وجدوا في كثير ممّا تركه العثمانيون خبرة جاهزة للتطبيق على أرض الواقع، فأسسوا لفكرة غير دقيقة مفادها أن العراق هو في الأصل بلد منقسم، وأنهم قاموا بتصنيعه وتوحيده كدولة، مع الحرص على انقساميته كمجتمع. يقول توبي دوج في كتاب له يوحي عنوانه بهذا المعنى إن الرؤية التقسيمية للعراق كانت راسخة في عقل الإدارة البريطانية؛ فعلى سبيل المثال، كان «تهنيد» (نسبة إلى الهند) العراق حاضرًا في اتفاقية سايكس- بيكو التي نصت على ضم كلٍّ من بغداد والبصرة إلى الهند، وهو ما لقي موافقة نائب الحاكم المدني العام أرنولد ولسن وأيده نائب ملك بريطانيا في مصر هنري ماكماهون. مع دخول الجيش البريطاني إلى بغداد، أذاع الجنرال مود بيانه الشهير الذي قدّم فيه للعراقيين وعود الأمن والغنى واحترام الطموحات القومية، انسجامًا مع بنود مبدأ الرئيس الأميركي ولسون الأربعة عشر التي تعرف إليها العراقيون، ومع التصريح البريطاني – الفرنسي الذي أكد الرغبة في تحرير شعوب الشرق، غير أن تلك المبادئ لم تجد لها صدقية على أرض الواقع. في خضم الجدل بشأن هوية الدولة العراقية، وجد البريطانيون خبرة جاهزة، كما أسلفنا. يقول توبي دوج إن البنى الحكومية (العثمانية) كانت لا تزال تعمل إلى حد كبير كما كانت الحال تحت الحكم

(3((حسن، ص 40 وما بعدها. 3(((أسامة الدوري، تاريخ العراق في سنوات الاحت لاا البريطاني، 1917  - 1920  ([بغداد]: دار الشرق للطباعة والنشر، 2009)، ص 19 و.50 (((3 توبي دوج، اختراع العراق، ترجمة عادل العامل (بغداد: بيت الحكمة، 0092)، ص 84، وجاريث ستانسفيلد، العراق: الشعب والتاريخ والسياسة، دراسات مترجمة؛ 13 (أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 0092)، ص 63، وتذهب ليورالوكتيز (العراق والبحث عن الهوية الوطنية) إلى القول بعدم وجود مجتمع عراقي ولا دولة عراقية. انظر ملخص أطروحتها لجامعة هارفرد: لؤي خزعل جبر، الهوية الوطنية العراقية: دراسة ميدانية (بغداد: المركز العراقي للمعلومات والدراسات، 0082)، ص 80، والعراق في الوثائق البريطانية، 1905  - 1930، ترجمة وتحرير فؤاد قزانجي؛ تقديم ومراجعة عبد الرزاق الحسني (بغداد: دار المأمون، 1989)، ص 27  - 2.8 (((3 الفتلاوي والزبيدي، ج:3 التطورات الاقتصادية في ظل الاحتلال البريطاني، 1914  - 1921. (3((انظر نص بيان مود ونص التصريح البريطاني - الفرنسي في: فيليب ويلارد إيرلاند، العراق: دراسة في تطوره السياسي: كتاب يبحث في نشوء الدولة العراقية وتقدمها، ترجمة جعفر خياط (بيروت: دار الكاشف، 1949)، ص 360  -.362

العثماني. وتضيف فيبي مار أن البريطانيين الذين كانوا قد قرروا تشكيل حكومة عربية من أهل الب داا، استبدلوا القانون الأنغلو - هندي بالعودة إلى القوانين والمحاكم التركية، ومن المعلوم أن الإدارة والجيش سبقا إجراءات البريطانيين؛ فمؤسسات الإمبراطورية العثمانية وثقافتها السياسية أدت دورًا في صوغ عراق حديث يلي دور العشيرة العربية والأسرة، غير أن البريطانيين طوروا ما ينسجم مع مصالحهم، فعززوا، في معرض محاولتهم إدارة الحياة في المدن، نظام المختارين الذي استُخدم، طبقًا لما جاء في تقرير بريطاني، لضمان الأمن وتنفيذ أوامر الحكومة. كما استمرت في تلك الحقبة الخدمات البلدية، وواصلت المحاكم المدنية تطبيق القوانين العثمانية مع بعض التعدي ت، حتى صدور قانون العقوبات البغدادي وقانون أصول المحاكمات الجزائية. أمّا في مجال التعليم، فمع التطور الذي جاء به البريطانيون، ارتفع الاهتمام بالمدارس التبشيرية، وشُجّعت حركة الكشافة لإشاعة جو ملائم لكسب أولاد العائلات الكبيرة كي يكونوا من أعوانها في المستقبل. كما طور البريطانيون مديرية معارف بغداد العثمانية في صيف 1919، مستفيدين من الخبرة المصرية. وهكذا، شكلت المؤسسات التحديثية التي نتجت من حركة الإص ح العثمانية أساس وجود الدولة العراقية. غير أن تلك المؤسسات وما لحق بها من تطور اقتصرا على المدن دون الأرياف، وهو أمر يتناقض مع ما أُشيع من أن الإدارة البريطانية كانت «تكره» سكان المدن بوصفهم «فاسدين» في مقابل «نقاء» الريفيين، وأنها، كما يقول بطاطو، حافظت على الحد الأدنى من التفاعل بين أهل المدن والعشائر. كانت الوظيفة الاقتصادية للمدن قد تطورت مع تنامي النشاط التجاري وانتشار بعض المهن، من طريق استخدام آلاف من سجناء المستعمرات البريطانية وآلاف من العمال العراقيين في المعسكرات البريطانية. ونشأت في هذه المدن قوى جديدة كان لها تأثير فعال تؤثر في مجريات الأحداث، فتعاظمت، مثً، قوى الأفندية الذين كانوا من أكثر فئات المجتمع اط عااًا نسبيًا على شؤون السياسة والإدارة وبعض المعارف العامة. إلا أن ثقافتهم الحقيقية كانت محدودة، وغدا بعضهم ملّك أراض، حتى أن بعضهم رأى فيهم جذور فئة البرجوازية العراقية. وكان هناك أيضًا الضباط الشريفيون الذين أيدوا

(3((دوج، ص.83 3(((فيبي مار، تاريخ العراق المعاصر: العهد الملكي، ترجمة مصطفى نعمان أحمد (بغداد: المكتبة العصرية، 0062)، ص.39-31 (3((الدوري، ص 18، وتذكر المس بيل ان المختارين في المدن الكبرى كانوا يقومون بدور فعال مثل حفظ الامن واكتشاف المجرمين. انظر: المس بيل، فصول من تاريخ العراق القريب: كتاب يبحث عن العراق في عهد الإحتلال البريطاني بين سنتي 1914 و 1920، نقله إلى العربية جعفر خياط (بيروت: دار الكشاف، 1949)، ص.46-44 (3((الدوري، ص.18 3(((فاروق صالح العمر، حول السياسة البريطانية في العراق، 1921-1914: دراسة وثائقية (بغداد: مطبعة الارشاد، 1978)، ص (4((هنري فوستر، نشأة العراق الحديث، ترجمة سليم طه التكريتي (عمان، الأردن: الأهلية للنشر، 0062)، ص.413 ((4(بطاطو، ص.43–42 (4((كانت الح رف الأكثر شيوعًا هي الحدادة والنجارة والحياكة والخياطة. ولوحظ تخصص بعض المحلات أو الأسواق بمهن معيّنة، وهو ما يشير إلى ظهور مؤشرات تقسيم العمل الحضري. (4((ستار نوري العبودي، المجتمع العراقي في سنوات الانتداب البريطاني (بغداد: دار الكتاب الإسلامي، 0062)، ص.147

استقلال العراق، واختلفت الآراء بشأن أصولهم الاجتماعية، والأعيان وزعماء المدن من الكومبرادور وملّك الأراضي. في مقابل تلك القوى، أراد البريطانيون أن يعززوا سلطتهم ضد مناوئيهم بطرف قوي هو شيوخ العشائر، وكان عليهم في سبيل ذلك القيام بخطوات وإجراءات عديدة لتحقيق ذلك. ويبدو أنهم اعتمدوا على القاعدة التي أشار إليها بطاطو، وهي أن نمو المدن يعني تراجع قوى العشائر، والعكس صحيح، أي أن البريطانيين عملوا على إعادة الحياة إلى بنية العشيرة باستخدام سياسة التصادم والتخادم. وفي هذا الصدد يقول ستانسفيلد إن أهمية العشائر تراجعت بعد الإص حات (التنظيمات) التي أجراها العثمانيون، ولكن التجربة البريطانية في الهند تضمنت التعامل مع القبائل بوصفها وسيلة لفرض النظام بتكلفة منخفضة نسبيًا، وهو بالضبط ما اتبعه البريطانيون في العراق. وتقول فيبي مار: «على العكس تمامًا من السياسة العشائرية التركية التي كانت تهدف إلى إضعاف الزعماء العشائريين، وجعل العشائر تخضع للحكومة المركزية، حاول البريطانيون إعادة التماسك العشائري لجعل شيوخ العشائر مسؤولين عن القانون والنظام وجمع الريع المالي في مقاطعاتهم». من جانب آخر، عارض البريطانيون بشدة تشكيل جيش عراقي على قاعدة الإلزام بدلً من التطوع؛ إذ إن ذلك كان سيعني تحرر أفراد العشائر من الولاء العاطفي للديرة، بكل ما تعنيه من التزامات وذاكرة جمعية، فضً عن أن ولاء الجيش هو للمجتمع لا للجماعة. ومن المؤكد أن الشيعة والأكراد ومعظم شيوخ العشائر رفضوا التجنيد الإلزامي، وكانت بريطانيا حريصة على أن تكون الدولة أضعف من العشائر، كما عبّر الملك فيصل عن ذلك بوضوح بعد سنوات. وفي الآن نفسه أراد البريطانيون الاستفادة من الجيش لأغراض غير عسكرية بالضرورة، كالعمل في المعسكرات وفي نقل الأغذية والمنتوجات الزراعية. كان الفلاحون يعانون قسوة الشيوخ ووحشيتهم، كما كانوا يعانون الفقر المدقع. ولم يكن ثمة طريق سوى الهجرة إلى المدن، وخصوصًا الكبيرة منها، بحثًا عن فرص عمل أو عن مصادر أخرى للعيش كان الجيش أيسرها. وبدأ التجنيد التطوعي في حزيران/يونيو 1921، فالتحق بالجيش حوالى 4753 رجً، وبلغ معدل الملتحقين شهريًا 87. إلا أن العدد بدأ يتضاءل بعد إذ قارن المجندون 2 رجً رواتبهم برواتب قوات الليفي (خليط من جنود بريطانيين وهنود)، وهو ما دفع البريطانيين إلى تسوية هذا الفارق. وهكذا شكّل الفلاحون من أبناء العشائر 75 في المئة من المشاة و 73 في المئة من الخيالة و 52 في المئة من الضباط.

((4(بطاطو، ص.42 ((4(ستانسفيلد، ص.46 ((4(مار، ص.41 ((4(ضغط البريطانيون على الفلاحين، مستخدمين نفوذهم لدى الشيوخ لجمع آلاف الفلاحين للعمل في المصالح البريطانية المختلفة، في ظروف سيئة. وقُدّر عدد العراقيين الذين اشتغلوا في أعمال السخرة ب 40 ألف عامل، وترافق ذلك مع ارتفاع هائل في تكاليف المعيشة، إذ ارتفعت الأسعار بمعدل 10-8 مرات عنها قبل الحرب. انظر تفصيلات في: ناهدة عبد الكريم حافظ، «ثورة العشرين الأسباب والآثار الاجتماعية: دراسة تحليلية في الأطر التنظيمية للثورة ونتائجها الاجتماعية»، إشراف إحسان الحسن، أطروحة دكتوراه غير منشورة في علم الاجتماع، جامعة بغداد، بغداد، 0002، ص 104 –.105 ((4(سالم، ص 104، وفوستر، ص.452

لذلك، تميزت مدة الاحتلال البريطاني بتناقص أعداد الفلاحين العاملين في الزراعة، وفي المقابل خطط البريطانيون لأبناء شيوخ العشائر كي لا «تفسدهم» رذائل المدينة، ولكي لا يرافقوا أولئك الذين يُنظر إلى آبائهم على أنهم أدنى منزلة. هذا فضلً عن أن رؤساء العشائر الحائزين الأراضي لم يُشمَلوا بنظام ضريبة الأملاك، كما أن الشيخ نفسه الذي استفاد من تلك المزايا لم تعد الحياة في الديرة تعجبه، فانتقل إلى المدينة ليكون قرب الحكومة وحياة اللهو والدعة، لكنه ترك في الريف ديوانه كرمز لسلطته، بل إنه غيّر حتى مظهره الخارجي ليكون أقرب إلى صورة الأفندي. من المهم ملاحظة أن البريطانيين حرصوا على تعزيز الثقافة العشائرية، وفي هذا تقول فيبي مار: مع أن التنظيم العشائري في الريف ت شى بسرعة، فإن الأعراف ووجهات النظر العشائرية تركت تأثيرات ملموسة؛ ففي الحياة السياسية، غالبًا ما كان للعشيرة والعائلة والعلاقات المحلية أفضلية على الولاءات الوطنية والأيديولوجيات التحررية. إن موقف البريطانيين الإيجابي من الريف لم يكن من قبيل تفضيلهم الفلاحين وأبناء العشائر، بل كان في حقيقته تفضيلً للشيوخ، وخصوصًا أولئك الذين لم يترددوا في تأييد البريطانيين، بل حتى في مطالبتهم بالبقاء حكامًا للعراق. بلغت إجراءات التخادم بين السلطة البريطانية والشيوخ ذروتها. ومع ذلك، فإن عددًا كبيرًا من كبار الشيوخ لم ينجح في تفادي تأثير القوى الفاعلة في المدن وتأثير رجال الدين فيهم، إلى جانب ظواهر الفقر والسخرة وأطماع البعض في السلطة، وقد أدت متناقضات ذلك مجتمعة إلى اندلاع ثورة 1920.

مرحلة الدولة العراقية: استيعاب المشيخة

أنشأ البريطانيون دولة ملَكية دستورية ذات اقتصاد ريعي، ستظل تحت الانتداب سنوات عدة، وعلى رأسها الملك الهاشمي فيصل الأول الذي أدرك منذ تنصيبه أن مهمته ستكون معقّدة، وأن شيوخ العشائر هم أحد عناصر ذلك التعقيد. ولعل ما كتبه في آذار/مارس 1933 يُفصح عن رؤيته العراق دولة ومجتمعًا وإنسانًا: «فالبلاد العراقية ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية، وذلك هو الوحدة الفكرية والملية والدينية»، و«الحكومة أضعف من الشعب»، و«يوجد في المملكة ما يزيد

(4((سهيل صبحي سلمان، التطورات الاقتصادية والاجتماعية في العراق، 1945 – 1958 (بغداد: شركة الخنساء، 0092)، ص.1 ((5(بموجب قانون دعاوى العشائر منحت السلطة للحكام السياسيين الإنكليز لتشكيل مجالس عشائرية لبتِّ جميع القضايا بين المتنازعين من أبناء القبائل. يقول ايرلاند إن القانون يسّر حل المنازعات.. كما رفع من أهمية الشيوخ بمنحهم مكانة معترفًا بها في النظام السياسي والقضائي. انظر: إيرلاند، ص 45 -.53 ((5(مار، ص.28 (5((يقول ايرلاند إن بعض الشيوخ ربط تأييده للبريطانيين بشرط المحافظة على ملكيته ل رأأض، وألا تستوفى منه بدلات إيجار باهظة. انظر: إيرلاند، ص 4 2، وعلي وتوت، الدولة والمجتمع في العراق المعاصر: سوسيولوجيا المؤسسة السياسية في العراق، 2003-1921، مشرقيات (بيروت: مركز دراسات المشرق العربي، 0082)، ص 251 -.252 (5((راجع تفصيلات بشأن ثورة العشرين في: الوردي، لمحات اجتماعية، ج.5

على المائة ألف بندقية يقابلها (15) ألف [بندقية] حكومية»، و«هناك الاختلافات الكبرى بين الطوائف يثيرها الفاسدون»، و«أقول وقلبي ملآن أسى... لا يوجد شعب عراقي بعد، بل توجد كتلات بشرية خالية من فكرة وطنية بتقاليد وأباطيل دينية،... مستعدون للانقضاض على أي حكومة كانت»، و«إني لا أطلب من الجيش أن يقوم بحفظ الأمن الخارجي في الوقت الحاضر، الذي سوف نطلبه... هو أن يكون مستعدًا لإخماد ثورتين تقعان لا سامح الله في آن واحد في منطقتين متباعدتين». يُفهم من ك ماا الملك فيصل أنه سوف يسعى إلى بناء مجتمع موحد، وأنه سيحد من نفوذ الشيوخ ويغيّر التقاليد والأباطيل الدينية، وهذا يعني أنه سوف يبني دولة حديثة. وقد أدرك أن هناك جماعات ومراكز قوى ذات مصالح متقاطعة، في مقابل ضعف قدرة الدولة على ممارسة مستوى من الضبط يوفر حالة من التوازن، كما أدرك أن لإنكليز مصالح لا يمكن التغاضي عنها. وحين رسم خارطة للقوى الفاعلة في المجتمع، شخّص قوة الشيوخ والآغوات، و«ضرورة أن لا يشعروا بأن قصد الحكومة هو محوهم بل.. يجب أن نطمئنهم على معيشتهم ورفاهيتهم»، غير أن الملك وجد أن من يضمن التوازن هو الجيش بوصفه أداة الدولة في تكريس النظام. كما أنه أكد إجراءات ذات جذور عثمانية، مثل تسوية مشكلة الأراضي، وتوسيع ص حيات مجالس الألوية والبلديات على نموذج القانون العثماني، وتشكيل مدرسة للموظفين، وتطوير التعليم، وإيجاد وزارة للخدمات، فضلً عن برامج اقتصادية مختلفة. يمكن القول إن الدولة العراقية الفتية، وبغضّ النظر عن ملابسات قيامها، كانت تواجه تحديات صعبة ومعقدة، وكان عليها، طبقًا لما ذكره الملك، أن تكون قوية وأن تسعى لبناء مجتمع موحد، وأن تحث الخطى نحو بناء مؤسسات حديثة، في مقدمتها نظام تعليمي يفتح للمجتمع آفاقًا للتقدم من خلال خبرات معرفية، وعلاقات جديدة ونظرة مشتركة نحو العالم، بصرف النظر عن الولاءات الأولية.

مصادر قوة الدولة إزاء العشيرة

التعليم

يمكن القول إن المتعلمين العراقيين، وخصوصًا الضباط الشريفيين، أدوا دورًا مهمًا في قيام الدولة العراقية، وإنهم أدركوا منذ مرحلة مبكرة أن للعشائر حضورها وتأثيرها، وأن لشيوخها مصالح ترسّخ بعضها بالتقادم، وأنهم يسعون للحصول على المزيد منها. كما أنهم أدركوا أن الإنكليز يسعون لكي يحفظوا للشيوخ نفوذهم من خلال الدولة ذاتها لا من خارجها، محاولين ترميم مكانة الشيخ وإعادة القوة إلى بنية العشيرة. وكان على رجالات الدولة، بمن فيهم الملك، أن يستخدموا في السنوات الأولى، وخصوصًا حتى سنة زوال الانتداب، سياسة التخادم. بدأ التعليم في العراق عثمانيًا وتواصل بريطانيًا، ولكن بصورة بطيئة في المرحلتين. وكان يتركز على المدن الكبيرة – ربما باستثناء مدارس قليلة بُنيت في مدن صغيرة (أقضية)، كما في لواء العمارة بين

(5((عبد الرزاق الحسني، تاريخ العراق السياسي الحديث، ج 1، ط 7 (بغداد: دار الشؤون الثقافية، 1989)، ص 9 وما بعدها.

سنتي 1917 و 1919. وكان الملك قد أمر في سنة 1927 بفتح صف تمهيدي في الكلية العسكرية لأبناء العشائر ممن أكملوا الدراسة المتوسطة. وأُنشئت أيضًا دار المعلمين الريفية. وفي سنة 1932 سست، أُ دار المعلمين العالية (كلية التربية حاليًا)، وتوسع التعليم وتعددت هويات مدارسه (إيرانية وأميركية ومسيحية ويهودية وسنية وشيعية)، كما تعددت اختصاصاته (أدبية ومهنية وعلمية وقانونية). ومع ذلك، كان حظ أبناء العشائر ضئيلً، بل إن الأمية شكّلت عائقًا على طريق دخول الشيوخ إلى معترك الحياة السياسية. لذلك، نلاحظ أن الوفد الذي شُكّل للتفاوض مع الحاكم الملكي البريطاني بعد ثورة 1920 لم يضم أيًا من شيوخ العشائر. ويذكر حسين جميل أن المادة 82 من الدستور كانت تعتبر القراءة والكتابة أحد شروط عضوية مجلس النواب، ولكن بعضهم اعترض، مشيرًا إلى أن هذا الشرط يعني ألا يُنتخب أحد من العشائر، وكانت النتيجة تعديل المادة المذكورة. ترى فيبي مار في كتابها عن العهد الملكي أن التحضر السريع وانتشار التعليم في العقود الأخيرة ساهما مساهمة كبيرة في تأكّل العشائرية وتغيّر ميزان القوى لمصلحة المدن، غير أن مؤشرات الواقع تدحض ذلك الرأي؛ فالتخلف المتعدد الوجوه في العراق كان يتطلب نهضة واسعة، إلا أن عوامل كثيرة كانت تعيق ذلك، لعل في مقدمتها عدم توافر الإمكانات التمويلية الكافية، وكِبر عدد السكان البدو والريف مقارنة بعدد سكان المدن. لذلك، ومع أن عدد المدارس في القرى ارتفع إلى 405 مدارس، بينها 22 مدرسة للبنات، فإنه كان أقل كثيرًا من العدد الذي كانت القرى والأرياف تحتاج إليه، ولذلك ظلت نسبة المتعلمين في العراق متدنية ولا تزيد على 6 في المئة. كان للأحزاب السياسية، وخصوصًا القومية واليسارية، دورها في صوغ الاتجاهات المعرفية للتعليم في العراق؛ فالقوميون كانوا يرون في العشائر - بنية وثقافة- نقيضًا للوحدة ودليلً على الانقسام، فيما

(5((أحمد جودة، تاريخ التربية والتعليم في العراق وأثره في الجانب السياسي، 2011-1534 (بغداد: نورس بغداد للطباعة، 2012)، ص 103 و.113 ((5(بين سنتي 1920 و 1930، ارتفعت نسبة المبالغ المخصصة للتعليم من 2,3 في المئة إلى 6,1 في المئة، وارتفع عدد المدارس الابتدائية في الفترة نفسها من 84 مدرسة إلى 912 مدرسة، وعدد المدارس الثانوية من 4 مدارس إلى 15 مدرسة. كما فُتحت 52 مدرسة في المناطق الكردية، وكانت الدولة في عمل دؤوب لإيصال المدارس إلى مناطق أبناء العشائر، انظر: مأمون أمين زكي، إزدهار العراق تحت الحكم الملكي، 1958-1921: دراسة تاريخية، سياسية، إجتماعية مقارنة (لندن: دار الحكمة، 0112)، ص 69–62. وفي سنة 1931، استقدمت الحكومة لجنة من المعهد الأممي لكلية المعلمين في جامعة كولومبيا، بهدف تطوير التعليم. وفي سنة 1937، بدأت أولى محاولات تطبيق مشروع التعليم الإجباري، انظر: متي عقراوي، مشروع التعليم الاجباري في العراق (بغداد: مطبعة الحكومة، 1937)، ص 14 وما بعدها. وبدأ العمل ببرنامج لمحو الأمية منذ سنة 1922 (انظر: جودة، ص 33)، وشُكلت في سنة 1954 هيئة لمكافحة الأمية تولى شؤونها خبراء من اليونيسكو. (5((حسين جميل، العراق: شهادة سياسية، 1930-1908 (لندن: دار اللام، 1987)، ص.146 ((5(مار، ص 4272 و -.28 ((5(في سنة 1947 بلغ عدد سكان العراق 5 يااين، بينهم ربع مليون من البدو، و م 72, مليون من سكان الأرياف، و 1,8 مليون من سكان المدن. وحتى سنة 1947، ارتفعت نسبة سكان المدن إلى 83 في المئة، ثم إلى 41 في المئة سنة 1957. انظر: حسن، ص 56-55. وكان من توصيات الخبراء الأجانب للحكومة العراقية تأسيس مديرية للتعليم العشائري. (6((هاشم جواد، مقدمة في كيان العراق الاجتماعي (بغداد: مطبعة المعارف، 1946)، ص 108 –.116

عبّر اليساريون عن موقف مناهض للشيوخ، مؤكدين أن الفقر والتخلف يرتبطان بعدم المساواة في ملْكية الأرض، وأنهما يشكلان إحدى أكبر مشكلات البلاد. كان وضع الفلاحين الاقتصادي والاجتماعي السيئ يجعل تفكيرهم في التعليم محدودًا؛ فدخل الفلاح كان محدودًا، ولا يزيد على 50 دينارًا سنويًا، بل كان الفلاح في كثير من الأحيان ينوء بعد بيع المحصول الزراعي بالديون، وفي حال تهربه يُطبَّق عليه قانون حقوق وواجبات الزرّاع... وربما يُستعاد بالقوة. وهكذا تفاقم استغ لاا كبار مّك الأراضي في ظروف الحرب العالمية الثانية... غير أن ذلك أحدث بعض التبلور في وعي الفلاحين، فتحولوا إلى عامل إيجابي يدرك - نوعًا ما - واقع البلاد السياسي. يمكن القول إن تحولً مهمًا طرأ على أوضاع العراق الاجتماعية والاقتصادية، وذلك بحصول العراق في سنة 1952 على 51 في المئة من عائدات النفط (الذي بدأ إنتاجه التجاري في سنة 1927). بناء على ذلك، أصبحت الدولة مستقلة عن المجتمع اقتصاديًا، وهو ما زاد من قدرتها على ممارسة الحكم الفردي. غير أن هذه العائدات الضخمة واجهت مشكلات تتعلق بالإنفاق والاستثمار. وفي سنة 1954 كادت موجات هائلة من المهاجرين، باتجاه بغداد على وجه الخصوص، أن تجرف بغداد بعد إذ أحاطتها بعدد كبير من أحياء الأكواخ؛ ففي سنة 1957، كان ثمة 416,16 صريفة (أكواخ من قضبان النخل اليابسة) في تسعة من أحياء بغداد الكبرى، يسكنها 93,000 نسمة، وكانت كل صريفة تؤوي 6-5 أشخاص. وكان على نظام عبد الكريم قاسم الجمهوري أن يجد حلً لهذه القنبلة الموقوتة، فأقام مدينتي الثورة (مدينة الصدر الآن) والشعلة. غير أن مسيرة التعليم في العراق تواصلت، وتعاظمت كمًّا ونوعًا في سبعينيات القرن الماضي، إلا أن ثمارها سرعان ما ذهبت سدى بسبب النزاعات والحروب، فبدأت ظاهرة تراجع النظام التعليمي تتسارع، وخصوصًا في الريف (ارتفاع معدل الأمية؛ انهيار البنى التحتية؛ سوء المناهج...). هيّأ التعليم بيئة مواتية للفكر التنويري وللاتجاهات الثقافية الحديثة، وكان للمرأة نصيب غير قليل؛ فعلى سبيل المثال، تواصلت دعوة الشاعر الزهاوي إلى تحرير المرأة، مع توفير فرص التعليم لها، فظهرت صحف ومج ت نسوية عراقية عدة (كانت أُولاها مجلة ليلىفي سنة 1921)، ثم صدرت

((6(سلمان، ص 60. أمّا في البوادي، فإن لنظام المشيخة أبلغ الأثر في الإبقاء على الروابط القبلية. لذلك، لم يكن التوطين عملية سهلة، ولا سيما أنه أدى إلى إضعاف النظام البدوي، بما في ذلك سلطة الشيوخ. ((6 (ارتفعت إيرادات الدولة من النفط من 1,5 مليون جنيه استرليني سنة 1941 إلى 5,2 ملايين جنيه سنة 1950 وإلى 58,3 جنيه سنة عام 1953 ثم إلى 79,8 مليون جنيه سنة 1958. انظر: بطاطو، ص.52 ((6(المرجع نفسه، ص.2 (6((بيار جان لويزارد، مدينة الصدر: شكل جديد من أشكال التعبئة في المدن؟، ترجمة عفيف عثمان (بغداد: معهد الدراسات الاستراتيجية، 0082)، ص 12 -.13 (6((بشأن تطور التعليم، انظر: عبد الرزاق الهلالي، معجم العراق: سجل تاريخي سياسي اقتصادي اجتماعي ثقافي يبحث بايجاز دقيق عن مختلف نواحي الحياة العامة في العراق منذ العهد العثماني حتى اليوم (بغداد: مطبعة النجاح، 1953)، ص 423 وما بعدها. ((6(أصبح التعليم مجانًا طبقًا للقرار 102 لسنة 1974، وإلزاميًا بموجب القرار 118 وقانون محو الأمية (198) للسنة ذاتها، والحملة الوطنية لمحو الأمية (1978). وقد شهد المجال الاجتماعي خلال عقد السبعينيات نموًا بنسبة 5,8 في المئة. انظر: كريم محمد حمزة، «بعض مؤشرات الحرمان في ميدان التعليم في العراق»، مجلة كلية الآداب (جامعة بغداد)، العدد 89 (0092)، ص 433 وما بعدها.

حتى سنة 1950 أكثر من 13 مجلة وصحيفة. وفي أواخر أربعينيات القرن الماضي، أ سس الاتحاد النسائي العراقي ذو الهوية اليسارية، كما عمل الحزب الوطني الديمقراطي على تكريس الثقافة الديمقراطية، ونشر أحد مؤسسيه، وهو عبد الفتاح إبراهيم، كتابًا في علم الاجتماع سنة 1930، وأتبعه بآخر في سنة 1950، ونشر بين سنتي 1944 و 1946 مجموعة مقالات عن الممارسات الديمقراطية في حياتنا العملية. وجرى خلال الأربعينيات أيضًا فتح جامعات عدة (التربية والآداب وكلية الملكة عالية للبنات)، وبدأت في كلية التربية حركة الشعر الحر، وقويت المنظمات الطلابية ذات الهويات الحزبية، وعادت في أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات مجموعة من المبتعَثين إلى الخارج. ووضع الوردي كتابه الصغير المثير للجدل عن شخصية الفرد العراقي (1951). وتعرض ديوان قصائد عارية للمصادرة، واعتُقل الشاعر حسين مردان لما تضمنه الديوان من «خرق» لتقاليد الحب العذري وقيم الشرف التقليدية، وكان ذلك مؤشرًا كبيرًا على تحولات مهمة. كانت مؤشرات الحداثة تزداد وضوحًا، ويمكن القول – اختصارًا – إن الجناحين الفكريين للثقافة العراقية هما التيار اليساري الذي قاده الشيوعيون منذ أواسط الثلاثينيات، والتيار القومي الذي امتدت جذوره في المؤسسة العسكرية واتخذ صيغًا حزبية تنظيمية منذ أواخر الأربعينيات. وكان العراق، إنسانًا ومجتمعًا، يتغير، وكانت عوامل الانق ب على النظام الملكي تتهيأ في سياق ذلك التغير لتؤسس الجمهورية سنة.1958

الجيش

إذا كان النظام التعليمي قد استهدف ثقافة الفرد والجماعة، فإن الجيش استهدف، وعلى نحو غير مباشر، بنية العشيرة. وقد شكّل الضباط الشريفيون نواة الجيش الأولى التي أخذت تكبر حتى أصبح عدد الضباط 519 ضابطًا شرعوا في تهيئة البنى التحتية للمؤسسة العسكرية، وشُكّل أول فوج في بغداد في تموز/يوليو 1921. وكان تأسيس الجيش قد ولّد جدلً شديدًا بين الضباط الذين شكلوا القيادة السياسية للدولة والبريطانيين الذين أرادوه جيشًا ضعيفًا. ولذلك، أصر الضباط على مبدأ التجنيد الإلزامي، فيما أصر البريطانيون على مبدأ التطوع. وكانت القاعدة لدى بريطانيا تقوم على مبدأ تجنيب أفراد العشائر الالتحاق بالجيش تمتينًا لروحية الجماعة. وكان الملك فيصل يدرك أن الدولة بلا جيش لا يمكن أن تعيش، ولذلك بادر حين خفض البريطانيون رواتب الجنود إلى اتخاذ إجراء مضاد بأن زاد في رواتبهم، ودعا حين ازدادت عائدات النفط إلى الاستفادة منها في تقوية الجيش وزيادة وحداته وتبديل طائرات القوة الجوية بطائرات حديثة. استمر الجدل بشأن الخدمة الإلزامية أو التطوع حتى صدور الإرادة الملكية 723 التي قضت بتنفيذ قانون الدفاع الوطني 9 لسنة 1934، ثم تشريع القانون في حزيران/يونيو 1935، حين أعلن عدد كبير

(6((رجاء حسين الحسني الخطاب، تأسيس الجيش العراقي وتطور دوره السياسي من 1921 – 1941 (بغداد: دار الحرية، 1979)، ص.37-36 ((6(فوستر، ص.419 (6((علاء جاسم محمد، الملك فيصل الأول: حياته ودوره السياسي في الثورة العربية وسورية والعراق، 1933-1883 (بغداد: مكتبة اليقظة العربية، 1990)، ص.222

من العشائر (قبائل سوق الشيوخ والمدينة وبني حجيم والزياد والظوالم) عصيانًا مسلحًا، واجتمع عدد من عشائر الغراف التي قررات مشاركة عشائر الديوانية في تمردها، وأُعلن الإضراب في النجف، وشكّل العلماء حزبًا طالبوا من خلاله بإلغاء التجنيد الإلزامي، كما تمردت عشائر الفرات، ولم يكن موقف الأرمن والإيزديين إيجابيًا. ثمة عوامل عدة جعلت شيوخ العشائر يعارضون قانون التجنيد الإلزامي معارضة شديدة، منها أن هذا الإجراء يُفقدهم سلطتهم على أبناء عشائرهم الذين سيلزمهم القانون بالالتحاق بالجيش.. ومنها أن شائعات انتشرت في ذلك الحين مفادها أن الدولة ستصادر أراضي الشيوخ، وربما كان موقف الشيوخ منسجمًا مع الموقف البريطاني الرافض للتجنيد الإجباري. إلى جانب ذلك كله، كانت العشائر قد ذاقت قسوة ضربات الجيش؛ فبين آب/أغسطس 1921 وسنة 1932، تدخلت القوة الجوية الملكية لمساعدة الحكومة في أكثر من 132 حالة، غير أن بعض الشيوخ أيد التجنيد الإلزامي في مقابل الحصول على مقاعد في البرلمان، كما أن سكان المدن، وخصوصًا في بغداد والبصرة، أعلنوا تأييدهم قانون الدفاع الوطني، ولعلهم أدركوا أهمية الجيش في تقوية النسيج الاجتماعي وتعميق المشاعر الوطنية. أمّا الف حون الذين أرهقهم تعسف الشيوخ، فوجدوا في الجيش م ذااًا يوفر لهم خدمات كثيرة، كالدخل والسكن والتدريب على بعض المهن. كان الملك فيصل – كما أشرنا – يعوّل على الجيش في بناء مجتمع موحد، وعلى نظام برلماني يمكن أن يستوعب حتى الشيوخ. ولذلك، سعى لدعم المؤسسة العسكرية، وتابع ذلك السعي ابنُه الملك غازي (1933). إلا أن أحداثًا مهمة جعلت النظام السياسي الملكي يعيد النظر في ثقته بالجيش (أهمها انقلاب بكر صدقي سنة 1936 وحركة 1941) ويجدد ثقته بالشيوخ والإنكليز معًا، ومن ثم بدأ يهمل الجيش، ويوثق بطاطو ذلك بالقول: «أصبح الجيش في حالة يرثى لها، وفي صيف 1943 كان هناك 02 ألف جندي فار من الخدمة»، وفي المقابل أضاف النظام مساحات جديدة من الأراضي إلى ملْكية الشيوخ، وقرّب إليه الضباط من أبناء الشيوخ.

الهجرة بين تعسف المشيخة وإغراءات المدينة

أدى التحول في سلطة الشيوخ واشتغال كثير منهم بالسياسة، كنواب، أو بالتجارة، إلى نوع من ازدواجية الحاجة المتعارضة لإدامة أوضاعهم الجديدة؛ فكانوا نوابًا يستفيدون من أصوات عشائرهم الانتخابية، وكانوا في الوقت ذاته موردي منتوجات زراعية يكدسون المال. إلا أن الشيوخ كملّك أراض أصبحوا

((7(الخطاب، ص.124-122 ((7(المرجع نفسه، ص.23 (7((محمد طربوش، دور العسكر في السياسة، ترجمه إلى العربية محمود أحمد عزت البياتي (بغداد: بيت الحكمة، 0122)، ص.37 (7((كريم محمد حمزة، العراق: دولة الريع ومجتمع الثكنة (بغداد: المركز العلمي العراقي،.)2015 ((7(بطاطو، ص.49-48 (7((بشأن تلك المساحات انظر: محمد حمدي الجعفري، انقلاب الوصي في العراق عام 1952، ط 2 (بغداد: مكتبة خالد، 2001)، ص.37-35

إقطاعيين فعً، ولم تعد الع قااات بينهم وبين أفراد عشائرهم سوى ع قااات مصلحية، ذات صبغة عشائرية لا قيمة لها. ويمكن القول إن زعامات عشائرية جديدة ظهرت في المدينة. يقول عبد الواحد مشعل إن الأنشطة الاقتصادية أفرزت زعامات ليس لها صلة سابقة بالزعامات التاريخية. وفي دراسته عن العشائر في قرية بمحافظة ص ح الدين، يشير إلى أن التعامل مع قاعدة بلد الجوية أدى إلى ظهور زعماء عشائريين جدد أطلق عليهم الأهالي اسم «شيوخ الأمريكان»، والمقصود هم الشيوخ الذين كانت تربطهم بالقاعدة الأميركية علاقات تجارية. في المدن، كان الطابع الحضري يزداد وضوحًا مع تراجع عدد السكان البدو والريف وتزايُد سكان المدن وتطور خدماتها وتعدد وسائل الترفيه فيها، وهو ما شكّل عامل جذب لأبناء العشائر. وبحسب تقديرات بطاطو، بلغ عدد النازحين إلى بغداد، وخاصة من العمارة (وهي حالة الطرد النموذجية)بين سنتي 1947 و 1957 زهاء 06,0002 نسمة. بالإضافة إلى من هاجروا في الثلاثينيات والأربعينيات، بلغت نسبة المهاجرين من مجموع سكان بغداد 03 في المئة. ومع الهجرة، كانت البنية العشائرية (الفخذ والحمولة) تتفكك لتتحول إلى وحدات قرابية صغيرة (بيوت) تعيش حالة من الفقر والبؤس والمرض، وتمارس مهنًا متواضعة، بينما كان الشيوخ يحصلون على مزيد من المزايا. وفيما كانت الهجرة الكثيفة تُحْدث آثارًا بنيوية مهمة، اتجهت العشيرة، التي كانت تجتمع للعيش في ديرة واحدة، نحو مناطق مختلفة، بحثًا عن ظروف حياة أفضل، وبالتالي فقدت الع قااات بين أفرادها قوّتها القرابية بحكم صعوبات الاتصال. في هذا الصدد يشير عبد الواحد مشعل إلى انشطار عشائر الأنبار إلى عشائر وأفخاذ كثيرة، ثم ظهور زعامات جديدة مستفيدة من التحولات الحضرية، بل إن بعض الأفخاذ أخذ ينقسم ليكوّن عشائر أصغر. كما أن كثيرين ممن يترأسون عوائل راحوا يسعون إلى توسيع أفخاذهم إلى عشائر. لكن العشيرة بدأت تفقد قوّتها كبنية على رأسها شيخ يحظى بالتأييد ويستطيع أن يحرك عشيرته ضد عشيرة أخرى أو ضد الحكومة. غير أن الثقافة العشائرية ظلت قوية ومؤثرة، بل يمكن القول إنها كانت بمثابة آلية دفاعية يحتاج المهاجر إليها للتعامل مع بعض مشك ت المدينة، وفي مقدمتها الثأر والزواج والسكن المتقارب لأبناء البيت الواحد. وفي

(7((عبد الواحد مشعل، «بنية القبيلة والتغيرات التي طرأت عليها: بحث أنثروبولوجي عن النظام القبلي في محافظة الأنبار»، مجلة كلية الآداب (بغداد)، العدد 101 (0122)، ص.750-690 ((7(انخفضت نسبة البدو من 7 في المئة سنة 1930 إلى 5 في المئة سنة 1947، ثم إلى 1 في المئة سنة 1957، وارتفعت نسبة سكان المدن من 53 في المئة إلى 41 في المئة، مع مجموع كلّي للسكان بلغ 6,3 ملايين نسمة، وانخفضت نسبة سكان الريف بين سنتي 1930 و 1957 من 68 في المئة إلى 58 في المئة. ((7(على سبيل المثال، كان شيخ البو محمد يحتفظ في سنة 1944 بحوالى 522 من الحوشية المسلحين في مقابل عشيرة تعدادها أقل من 5000 فرد، في وقت كانت الزراعة تزداد اندماجًا في الاقتصاد الرأسمالي وتخضع لاقتصاد السوق، ويصبح الحوشية أسياد مصائر الفلاحين المعدمين. انظر: لويزارد، ص.11-10 ((7(يروي أحد وزراء العهد الملكي أنه زار أحد أكواخ المهاجرين في بغداد وسأل ساكنيه عن سبب هجرتهم، فقالوا إن وضعهم هذا، على شدة بؤسه، أفضل من وضعهم هناك – في الريف – (نحن هنا نحصل على رغيف الخبز ولا نمشي عراة). ووصف أحد الأطباء الفلاح العراقي بأنه «عيّنة باثيولوجية» يتراوح معدل عمره بين 593 و 3 سنة. انظر: جعفر الحسيني، ثورة في العراق، 1958 – 1963: نقد تجربة الدولة العراقية في العهدين الملكي والجمهوري (بغداد: دار الكتب العلمية،.)2013 ((8(مشعل، «بنية القبيلة والتغيرات التي طرأت عليها»، ص.718-710

الوقت ذاته، كان المهاجرون يحاولون الاستفادة من التسهيلات التي توفرها المدينة، متجنبين الضياع الكلي في متاهاتها، ومعبّرين عن ازدرائهم بعض العادات والممارسات الحضرية التي بدت لهم بعيدة عن فطرة الدين. في المقابل، لم يخفِ الحضريون تعاليهم على الريفيين واعتبارهم متخلفين عن مستويات العيش في المدينة. ويمكن القول إن ثمة صراعًا خفيًا وعلنيًا كان يدور بين الطرفين، بل إن المهاجرين الذي تكثفت هجراتهم إلى المدن منذ أواسط خمسينيات القرن الماضي، تجمعوا أولً على حدود بغداد، مؤلفين دائرة من أكواخ الطين، ومطلقين على منطقة الصرائف والأكواخ التي كانت تقع شرق بغداد اسم «العاصمة»، وكأنهم بذلك أرادوا القول إن لبغداد «الحضرية» ندًا لا يقل أهمية، وهو بغداد «الريفية». بعد سنة 1958، ومع اشتعال صراعات الشيوعيين والقوميين، وجد المهاجرون من المناطق الغربية أنفسهم يسبحون مع التيار القومي، فيما وجد الشرقيون والجنوبيون أنفسهم يسبحون مع التيار الشيوعي الذي كان يطرح شعار تمثيل الفقراء والعمال والفلاحين. وتحددت في بغداد مناطق ذات هوية «سنية قومية» أو ذات هوية «شيعية يسارية»، ولم يعد الصراع مقتصرًا على الأحزاب، بل امتد ليشمل المناطق أيضًا. كان الانتماء إلى الأحزاب أحد عوامل تدعيم الثقافة الهجينة؛ فالقيم السياسية الجديدة لم تكن تنسجم بالضرورة مع القيم التقليدية، إذ كان على الريفي أن يواصل عملية التكيف الذرائعي للحفاظ على مصالحه. ومع أن ذلك كان أحد مصادر تحديث العشيرة من خلال تداخل علاقاتها مع العلاقات التي فرضها الانتماء إلى الأحزاب السياسية، فإن ذلك جعل الأحزاب ذاتها بمثابة عشائر ذات هوية حضرية ملفّقة. بعد سنة 1958 سكن المهاجرون في مدن الثورة (مدينة الصدر حاليًا) والرصافة والشعلة في الكرخ. أُ وبلغ عدد قطاعات مدينة الثورة 79 قطاعًا، كان يضم الواحد منها ما يقارب 1600 شخص، وتراوحت مساحات الدور بين 100 و م 140. وأظهرت دراسات أن 2 م 2 67 في المئة من سكان المدينة هم من العمارة، يليهم سكان الناصرية. ورغم هذا كله، لا بد أن ن حظ هنا أن ع قااة الهجرة بالأنشطة الحزبية وصراعاتها لم تكن موضع اهتمام بحثي يتناسب مع أهميتها.

مظاهر تصلب الثقافة العشائرية

يمكن الملاحظة الميدانية البسيطة أن تؤيد فرضية مفادها أن هناك علاقة عكسية بين طول مدة الإقامة في المدينة واستيعاب منظومات قيمها الحضرية، وأن ذلك الاستيعاب يبدو واضحًا في مجالات معيّنة (التعامل الاقتصادي في السوق مثً)، لكنه يضعف في مجالات أخرى (مثل الع قااات الشخصية

(8((سليم الوردي، ضوء على ولادة المجتمع العراقي المعاصر (بغداد: [جريدة الصباح]، 0092)، ص.80 ((8(في عام 1959 – 1960 أسس الشيوعيون منظمات عدة مثل أنصار السلام والمقاومة الشعبية شارك فيهما سكان (الثورة) بكثافة. انظر: لويزارد، ص.15–14 (8((خالده عيسى طه، «آراء بعض علماء الاجتماع عن المجتمع وتطبيقات في مدينة الثورة»، مجلة البحوث الاجتماعية والجنائية (بغداد)، السنة 4، العدد 1 (1975)، ص.168

كالزواج والط ق). كذلك يبدو المتعلمون أكثر تكيفًا باتجاه استيعاب القيم الحضرية والتعبير عنها سلوكيًا، كما أن الذين نجحوا اقتصاديًا كرسوا نجاحهم في التمدد سكنيًا خارج مدينة الصدر، فأصبحوا أقل تأثرًا بالثقافة التقليدية. غير أن الذين فشلوا في الاستفادة من المدينة، وكذلك المهاجرين الجدد، وجدوا أنفسهم في حالة اضطرتهم إلى العيش في عشوائيات تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة. إن مظاهر تصلب الثقافة العشائرية كثيرة، وتلتصق التصاقًا شديدًا بالمصالح المادية والمعنوية للعصبة الصغيرة، أي الأسرة الممتدة (مع م حظة أن هذه الأسر لم تعد متماسكة لكن ع قاااتها التكافلية والنفسية بقيت قوية)؛ فالمسكن الواحد في مدينة الصدر مثلً، وهو ذو مساحة لا تزيد على 140، لم م 2 يعد يكفي للأبوين وأبنائهما بعد الزواج، وبالتالي أدى ضيق المكان إلى مزيد من تفكك وحدة الأسرة، وهذا يشمل البيت المؤلف من أُسر عدة. إلا أن هذا لم يحُل دون الاستمرار في التعامل على أساس السنن العشائرية، بما فيها بعض من تلك التي كانت سائدة في الديرة. ولعل في مقدمة ذلك الدية التي هي التعويض المادي الذي تُلزم العصبة (الأسرة الممتدة والفخذ، وربما العشيرة الأكبر) بدفعه إلى أسرة القتيل، وهو جزاء عشائري يعكس درجة عالية من التضامن، وينطوي على تقسيم للمسؤولية وتحويل لتبعاتها من الفرد إلى الجماعة. وكانت الحكومات تميز بين الحق العام والحق الشخصي، فتخفض المسؤولية المترتبة على الحق العام إذا استُوفي الحق الخاص (الدية مثلً)، الأمر الذي جعل الفرد في حاجة إلى العصبية والامتثال لأعرافها. ولذلك يصبح مجلس العشيرة بديلً من قاعة المحكمة ويصبح العارفة – حكيم العشيرة – بديلً من الحاكم. ويكتسب الأول أهمية منزلته من معرفته بالقضاء العشائري، وغالبًا ما تكون مهنته أو تعليمه، وحتى ثروته، بلا قيمة مقارنةً بحكمته العشائرية. من مظاهر تصلّب الثقافة العشائرية التمسك بالقيم التقليدية التي تحكم ع قااات الزواج والط ق. ولعل أُولى خطوات عقد الزواج أو الطلاق هي تلك التي يقوم بها السيد أو الشيخ، كما كانت الحال عليه في الريف، ثم تأتي الخطوة التالية بتسجيل الزواج أو الطلاق في المحاكم الشرعية. لكن ذلك لا يحدث دائمًا؛ إذ غالبًا ما يبقى الزواج أو الطلاق من دون تسجيل، وهو ما ينعكس سلبًا على حقوق أطراف هذه العلاقات. وقد جرت العادة في الريف تزويج الفتاة في سن مبكرة طبقًا لنصيحة شائعة بأنها نبوية (زوجوهن بالثمان وعليّ بالضمان). ويبدو أن هذه العادة استمرت إلى حد ما في المدينة، وعززت المرجعية الدينية هذا التوجه الرافض تحديد سن الزواج. هناك في علاقات الزواج والط ق ما يسمّى «النهوة»، وهي إجراء يستهدف الحفاظ على صلابة بنية العُصبة الصغيرة، فتسقط الاعتبارات التعليمية والمهنية، وحتى السلوكية، لتحتفظ العلاقة القرابية بقوّتها، فتبرر أن يتزوج الفتاة ابن عمها وتمنحه حق «النهوة» ضد من يقْدم على الزواج منها، والزواج هذا لا ينفصل عن قضايا الإرث ومشكلات الأسرة، وعن جعل القرابة معيارًا تبريريًا للزواج قبل أي معيار آخر.

((8(يُقصد بمجلس العشيرة مجلس قضاء يشكله كبار السن، من حكماء البيت أو الفخذ أو العشيرة، لبتّ قضايا الصراع بين أفراد عشيرتين أو بيتين. والعارفة هو الشخص القادر على تطبيق السنن لحل الخلافات وتجنيب المزيد من الصراعات. ويمكن القول إن المجلس العشائري الذي يُعقد في مسكن أحد كبار السن هو البديل من الديوان الذي كان ينصب في الديرة، مع ملاحظة أن الإنكليز هم أول من أنشأ المجالس العشائرية لحل الخلافات.

في مقابل ذلك، تؤدي متغيرات شتى، مثل وسائل الإعلام، دورها المهم في تعديل تلك الممارسات أو إضعافها، غير أن الثقافة العشائرية تمتلك بعضًا من مقومات تصلّبها من خلال تداخلها مع الثقافة الحضرية، واتخاذها الدين الشعبوي غطاءً لها، لأن النسق الديني والأخلاقي، بمعتقداته السائدة، يكاد يكون جوهر الثقافة العشائرية، أو هو منسجم معها على الأقل. كما أن النظام التعليمي كان في أواخر الثمانينيات وفي السنوات التالية قد تراجع من حيث التمويل ومضامين المناهج وكفاءة المدرسين، فتردّت البنية التحتية، وخصوصًا بنى المدارس.

عود على بدء: ترميم بنية العشيرة

مع أن العشائر كوّنت في الماضي إمارات قوية، فإنها لم تشكل دولة بالمعنى الدستوري، بل إن العشيرة، حين كانت المشيخة وحدة بنيوية لا تنفصل عن نسق علاقاتها التضامنية الأوسع، هي أقرب إلى ما يسميه الأنثروبولوجيون مجتمع اللادولة. غير أن بناة الدولة العراقية، مع تعدد مبادئهم السياسية، كانوا في الغالب حضرًا وفي حالة تصادم وتخادم مع شيوخ العشائر بحسب ضرورات الواقع. ولكن القانون الذي حكم علاقة الطرفين هو أن هناك علاقة عكسية بين قوة الدولة وضعف العشيرة، وبتعبير أدق، الشيوخ؛ ذلك أن الشيخ لم يعد يستمد قوته من عشيرته ومن مكانته التقليدية التي أصبحت هامشية مقارنةً بمنزلته كسياسي أو كتاجر ترتبط مصالحه بالدولة، التي أصبحت هي الأخرى قوية بجيشها ووسائل مواصلاتها وأحزابها. والدليل على ذلك أن ع قااة الدولة بالشيوخ في السبعينيات وحتى الثمانينيات من القرن الماضي كانت أقل تأثيرًا في الأمن والحماية إذا قارناها بعلاقتهما بعد نيسان/أبريل 0032، حين بلغت الدولة أقصى حالات ضعفها. وفي العقدين المذكورين، امتلك الشيخ قوّته التي استمدها من الدولة بينما نجحت الدولة في المقابل في ترويض العشيرة. ولذلك، كان الشيوخ يُظهرون مزيدًا من الولاء للدولة، رموزًا ومؤسسات، مدركين أن اليد التي كانوا يضغطون عليها من خلال التمرد بأشكاله المختلفة لم تعد ضعيفة، بات لزامًا عليهم «تقبيلها». وقد مكّنهم هذا التكيف الذرائعي من الحصول على مزيد من المزايا، وخصوصًا بعد حرصهم على إظهار مؤشرات سلوكية أوضح على ذلك الولاء، كالانتماء إلى أحزاب السلطة أو المشاركة في اللعبة السياسية للمعارضة. لقد أصبح السلوك العشائري التقليدي للشيخ محكومًا بحدود الثقافة الهجينة؛ فهو «حضري» أقرب إلى الأفندي، وهو يساهم في الوقت ذاته في بعض الممارسات العشائرية التي تتصدى لمشكلات كبيرة. والعشيرة، بوصفها تشكل عنصرًا في هوية الفرد، لم تعد تملك إلا قيمة تعريفية محدودة في

((8(تشير دراسة البنك الدولي إلى أن مستويات التعليم انحدرت بشكل حاد؛ فقد هبطت معدلات الالتحاق بالمدارس الابتدائية من 99 في المئة سنة 1980 إلى 77 في المئة سنة 0062، كما هبطت معدلات الالتحاق الصافي بالمدارس الثانوية من 91 في المئة سنة 1985 إلى 89 في المئة سنة 1990 و 86 في المئة سنة 000.2 وكانت معدلات الالتحاق العراقية الأعلى في المنطقة قبل جيل واحد، إلا أنها أصبحت الأدنى، ولوحظ أن معدلات الالتحاق في المناطق الريفية أدنى منها في المناطق الحضرية. وفي المناطق الريفية يبلغ معدل الالتحاق 11 في المئة فقط. أمّا بالنسبة إلى العائد من التعليم، فقد بلغ 62, في المئة، أي إن كل سنة إضافية من التعليم ترفع متوسط الأجر في الساعة بهذه النسبة في مقابل 6 في المئة كمتوسط دولي. انظر: البنك الدولي وجمهورية العراق، اللجنة الفنية الدائمة لسياسة الحد من الفقر، مواجهة الفقر في العراق: تقرير تحليلي حول الظروف المعيشية للشعب العراقي (واشنطن: البنك الدولي، 0102)، ص 39 –.40

الحياة العامة، لكن قيمتها كأداة للوساطة عند الحاجة ما زالت قائمة، ومن خلال ذلك تستعيد الثقافة العشائرية أهميتها في النصرة والتضامن. كان قانون الإصلاح الزراعي رقم 03 لسنة 1958 قد ساهم في تقليص نفوذ الشيوخ والأعيان المستمد من ملْكية الأرض، فكان عليهم أن يُظهروا مزيدًا من المرونة ومن فاعلية التخادم مع الدولة. وبدا هذا واضحًا في قيادتهم الجمعيات الفلاحية ومؤسسات الإنعاش الريفي، وخصوصًا في عقد السبعينيات، مع تعاظم محاولات الدولة ضخ النشاط في القطاع الزراعي. ويمكن ملاحظة أن المد القومي الذي استرجع تأثيره بعد سقوط حكم عبد الكريم قاسم (1963 ن شيوخ العشائر من) مكّ المساهمة في الأنشطة السياسية والإدارية، رغم أن ذلك المد بقي على حذر شديد حيال التحالف بين الطائفة والعشيرة، وخصوصًا مع تنامي الإس ماا السياسي (الشيعي)، فأصدر في أواسط السبعينيات قرارًا بإلغاء الألقاب في أسماء مسؤولي الحزب والدولة بمستوياتهم المختلفة، بحجة أنها تختزن دلالات مناطقية وعشائرية تحث على التنابز، كما تصدت تلك الحملة للهجات واللغات المحلية، فصدر قانون الحفاظ على سلامة اللغة العربية تحت رقم 64 لسنة 1977. في التسعينيات من القرن الماضي، ومع فرض عقوبات دولية على العراق عقب غزوه الكويت، حدثت تغيرات مهمة ربما تحتاج إلى دراسات معمقة، لعل أولها أن الحاجة إلى المنتوجات الزراعية الاستراتيجية، كالحنطة والشعير والأرز، دفعت الدولة إلى تشجيع الزراعة وتحديد مبالغ عالية جدًا لشراء تلك المنتوجات، حتى أن مستوى معيشة عدد كبير من الف حين تحسّن على نحو لافت، في مقابل تراجع دخول سكان المدن، خصوصًا الموظفين منهم، إلى حد أن كثيرين تركوا الوظيفة الحكومية (تقاعدًا أو انقطاعًا) للعمل في قطاعات هامشية، أملً في دخول أعلى. لقد أعادت الحاجة إلى تلك المنتوجات الاعتبار إلى القطاع الزراعي، ولا سيما بعد توقُّف النشاط الصناعي إلى حد كبير بسبب الحصار. أمّا ثاني تلك التغيرات، فهو أن الدولة احتاجت إلى شيوخ العشائر مصدرًا للضبط غير الرسمي، للتخفيف من آثار ضعف الدولة الناجم عن صدمة تحرير الكويت. بعد فرض الحصار الدولي، أُعيد إنتاج العشيرة لتحقيق أهداف سياسية، كما يشير عبد الواحد مشعل، غير أن من الأدق هو القول ترميم العشيرة لا إعادة إنتاجها؛ إذ بدلً من العائلة الممتدة، اتسعت الع قااات القوية لتشمل الفخذ ثم العشيرة (أفخاذًا عدة)، وعمدت السلطة إلى استحداث شيوخ جُدد تحت إغراء المال وتقريبهم منها لتحقيق مصالح آنية. وقد أطلق الناس عليهم لقب شيوخ

((8(رغم أن قانون الإصلاح الزراعي الذي اعتُبر نهاية لنمط الإنتاج الإقطاعي في العراق، عندما وضع حدًا للملْكية الزراعية (ألف دونم في الأرض المروية وألفا دونم في الأرض الديمية)، فإن القانون انطوى على كثير من السلبيات، فضل عن أن إهمال الريف والتركيز على الصناعة وتراجع عدد السكان وتعاظم مشكلات الري والملوحة، كل ذلك جعل القطاع الزراعي هامشيًا. (8((الوردي، ضوء على ولادة المجتمع العراقي، ص.7 ((8(عبد الواحد مشعل، «النظام العشائري وطبيعة النزاع في محافظة الأنبار: بحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية على بعض مناطق عشائر الأنبار الساخنة»، مجلة العلوم الاجتماعية، العدد 2 (ربيع 0122)، ص.220

التسعينيات، حتى أضحى في العشيرة الواحدة عشرات الشيوخ يترأسون فروعها المختلفة، بل أصبح لكل أربع أو خمس عوائل شيخ يرأسها. لذلك عمدت الدولة إلى تصنيف شيوخ العشائر إلى شيخ (أ) وشيخ (ب). أعادت هذه الظروف إلى الديوان والمجلس العشائري والعارفة قيمتها الاعتبارية ودورها في حل المشكلات الناجمة عن مختلف المنازعات، مع ملاحظة أن الدولة حاولت إلى جانب ذلك أن تحفظ طابعها الحضري من خ لاا انتماء أولئك الشيوخ إلى حزب السلطة، بحيث يكون الولاء للحزب. أمّا العشيرة، فهي قوة تستغل لمصلحة الحزب أيضًا لا لمصلحة الصراعات العشائرية. كما أن ولاء الشيوخ للحزب شكّل نوعًا من الحصانة ضد الولاءات الطائفية التي نشطت أحزابها في تسعينيات القرن الماضي. وربما من المفيد أيضًا ملاحظة أن «شيوخ التسعينيات» لا يمتلكون تاريخًا حقيقيًا كقادة عشائريين، بل هم في الغالب شباب استفادوا من منازل آبائهم الذين كانوا في الماضي شيوخًا حقيقيين ذوي مكانة. بعد الاحتلال الأميركي للعراق في نيسان/أبريل 0032، أصبحت العشيرة والحكومة وجهين متكاملين في بنية مؤسسات الدولة. وقد أوجز الدستور العراقي الموقف من العشائر بالقول: «تحرص الدولة على النهوض بالقبائل والعشائر العراقية وتهتم بشؤونها بما ينسجم مع الدين والقانون... وتمنع الأعراف العشائرية التي تتنافى مع حقوق الإنسان». كما أُسست في وزارة الداخلية مديرية عامة لشؤون العشائر، وأُنشئت مجالس عشائرية في معظم أنحاء العراق؛ فحالة الفوضى الاجتماعية التي شهدها البلد – ولا يزال – منذ نيسان/أبريل 0032 جعلت الفرد محتاجًا إلى العشيرة، كما أن الصراعات العشائرية التي توسعت وازدادت خطورة –كما في البصرة وميسان – جعلت البيت، وحتى الفخذ، غير قادر على حل المشكلات، وأصبح لا بد من العودة إلى العشيرة كتنظيم أوسع وأقوى. إن ملاحظات سريعة للأوضاع السياسية في عراق اليوم تُظهر مدى التداخل بين العشيرة والطائفة وبين العشيرة والحكومة. وقد استعادت الثقافة العشائرية قوّتها في الحياة اليومية لسكان الحواضر والأرياف معًا، فضلً عن أن عملية ترميم بنية العشيرة مع تعاظم الصراعات الطائفية ونزاعات المصالح الحزبية وضعف القوانين، جعلت المجتمع يرتع في حالة من الفوضى ويفتقر إلى الحد الأدنى من الأمن. لقد أصبح سؤال «من أي عمام؟» – أي من أي عشيرة أنت؟- شائعًا في علاقات السكان، كما تعاظمت الصراعات العشائرية، وأصبحت العشائر طرفًا في صراعات الأحزاب والحكومات المحلية. بل ثمة ظاهرة تدعو إلى السخرية، وهي أن بعض الشيوخ وضع نفسه في خدمة من يحتاج إلى خدماته لقاء أجر، بغضّ النظر عمّا إذا كان المحتاج ينتمي إلى عشيرته أم لا.

خاتمة

العراق بلد الفرص الضائعة لأسباب تداخلت فيها عوامل شتى، منها أن الدولة كانت أداة للتحديث ونجحت في بناء المؤسسات الضرورية للعيش، لكن كلما تقدمت في دمج الجماعات ذات الثقافات

((8(المادة 43، ثانيًا من الدستور العراقي الدائم.

الفرعية كي تحقق المجتمع السياسي الموحد، دخلت في نفق حرب أو نزاع. لذلك، يلاحظ المتابع أن كل خطة تنمية وضِعت (منذ أول خطة 1931 – 1935) تبعها مباشرة انقلاب أو نزاع؛ فبعد الخطة الأولى وقع انق ب بكر صدقي (1936) ثم الحرب العالمية الثانية، وبعد خطط مجلس الإعمار، حدثت ثورة تموز/يوليو 1958، وبعد التنمية الواسعة في السبعينيات جاءت الحرب العراقية - الإيرانية الطويلة، ثم غزو الكويت، وأخيرًا الاحت لاا الأميركي سنة 003.2 هذه الخطط تميزت كلها بإهمال الريف لحساب المدن، وبحماية مصالح شيوخ العشائر على حساب أبنائها باستثناء فترات قصيرة. وقد ساعدت المؤسسات التحديثية – التعليم والجيش خصوصًا – إلى جانب تعسف الشيوخ وفقر الريف، على تحلل واضح في بنية العشيرة عززته متطلبات العيش وضروراته في المدن، إلا أن ذلك لم يمحُ كليًا نمط التفكير العشائري وما يمثّله من قيم وضوابط وملزمات. بل إن الثقافة العشائرية تغلغلت في النسيج الحضري، فتعددت أقنعتها، ونجحت في تزويق شعاراتها من خ لاا الحزب والطائفة. لذلك، ما إن تتفجر الأوضاع، وخصوصًا حين تضعف أجهزة الضبط الرسمي ومؤسساته، حتى تدخل العشائر في حروب صغيرة، فتبدو الانتخابات وكأنها – هي الأخرى – صراعات عشائرية ضارية. وخ لاا ذلك، أصبح الشيخ أفنديًا في مظهره، وربما متعلمًا وحائزًا شهادة عليا، إلا أنه ما زال يجد في أبناء العشيرة سندًا له حين يحتاج إليهم. ولأن العراقي يدرك أن القوانين ربما تكون أحيانًا مجرد «ديكورات» للدولة، فإنه يرى أن في إمكان الشيخ الذي صار متنفذًا أن يحقق مطامحه. شكّلت علاقة التصادم والتخادم بين الدولة والمشايخ واحدة من أهم العلامات السياسية للمجتمع العراقي. ومع ذلك، فإن دراسة تلك العلاقة ما زالت محدودة. واليوم، فيما المشيخة والعشيرة معًا تستعيدان تمام قوة تأثيرهما، متحالفتين مع الطائفية وقوى الفساد السياسي المنتظم في أحزاب وتيارات تحرص على بقاء الدولة في حالة من الضعف، فإننا نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى دراسات تتجاوز الوصف إلى التشخيص الموضوعي والرأي الشجاع. References

المراجع

كتب

الأشعب، خالص. المحلة العربية التقليدية بين الأصالة والتحديث. المائدة الحرة؛ 14. بغداد: بيت الحكمة،.1998

إيرلاند، فيليب وي رااد. العراق: دراسة في تطوره السياسي: كتاب يبحث في نشوء الدولة العراقية وتقدمها. ترجمة جعفر خياط. بيروت: دار الكاشف،.1949

بطاطو، حنا. العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية (الكتاب الأول). ترجمة عفيف الرزاز. ط.2 بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية،.1995

البنك الدولي وجمهورية العراق، اللجنة الفنية الدائمة لسياسة الحد من الفقر. مواجهة الفقر في العراق: تقرير تحليلي حول الظروف المعيشية للشعب العراقي. واشنطن: البنك الدولي،.2010

البياتي، علاء الدين جاسم. البناء الاجتماعي والتغير فيالمجتمع الريفي: الراشدية، دراسة أنثروبولوجية اجتماعية. ط.2 بغداد: مؤسسة الأعلمي،.1975

بيل، المس. فصول من تاريخ العراق القريب: كتاب يبحث عن العراق في عهد الإحتلال البريطاني بين سنتي 1914 و 1920. نقله إلى العربية جعفر خياط. بيروت: دار الكشاف،.1949

جبر، لؤي خزعل. الهوية الوطنية العراقية: دراسة ميدانية. بغداد: المركز العراقي للمعلومات والدراسات،.2008

الجعفري، محمد حمدي. انقلاب الوصي في العراق عام 1952. ط.2 بغداد: مكتبة خالد،.2001 الجمال، محمد جبار ابراهيم. بنية العراق الحديثة: تأثيرها الفكري السياسي، 1869 – 1914. مراجعة كمال مظهر أحمد. بغداد: بيت الحكمة،.2010

جميل، حسين. العراق: شهادة سياسية، 1930-1908. لندن: دار اللام،.1987

جواد، هاشم. مقدمة في كيان العراق الاجتماعي. بغداد: مطبعة المعارف،.1946

جودة، أحمد. تاريخ التربية والتعليم في العراق وأثره في الجانب السياسي، 2011-1534. بغداد: نورس بغداد للطباعة،.2012

حسن، محمد سلمان. التطور الاقتصادي في العراق، التجارة الخارجية والتطور الاقتصادي، -1864 1958. بيروت؛ صيدا: المكتبة العصرية،.]1965[

الحسني، عبد الرزاق. تاريخ العراق السياسي الحديث. ج 1. ط 7. بغداد: دار الشؤون الثقافية،.1989 الحسيني، جعفر. ثورة في العراق، 1958 – 1963: نقد تجربة الدولة العراقية في العهدين الملكي والجمهوري. بغداد: دار الكتب العلمية،.2013

الحمداني، طارق نافع. ملامح سياسية وحضارية في تاريخ العراق الحديث والمعاصر. بيروت: الدار العربية للمطبوعات،.1989

حمزة، كريم محمد. العراق: دولة الريع ومجتمع الثكنة. بغداد: المركز العلمي العراقي،.2015

الخطاب، رجاء حسين الحسني. تأسيس الجيش العراقي وتطور دوره السياسي من 1921 – 1941. بغداد: دار الحرية،.1979

دوج، توبي. اختراع العراق. ترجمة عادل العامل. بغداد: بيت الحكمة،.2009

الدوري، أسامة. تاريخ العراق في سنوات الإحت لاا البريطاني، 1920-1917. [بغداد]: دار الشرق للطباعة والنشر،.2009

زكي، مأمون أمين. إزدهار العراق تحت الحكم الملكي، 1958-1921: دراسة تاريخية، سياسية، إجتماعية مقارنة. لندن: دار الحكمة،.2011

سالم، عماد عبد اللطيف. الدولة والقطاع الخاص في العراق: الأدوار، الوظائف، السياسات، -1921 1990. بغداد: بيت الحكمة،.2001

ستانسفيلد، جاريث. العراق: الشعب والتاريخ والسياسة. دراسات مترجمة؛ 1.3 أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،.2009

سلمان، سهيل صبحي. التطورات الاقتصادية والاجتماعية في العراق، 1945 – 1958. بغداد: شركة الخنساء،.2009

سليم، شاكر مصطفى. الجبايش: دراسة أنثروبولوجية لقرية في أهوار العراق. ط.2 بغداد: مطبعة العاني،.1970

طربوش، محمد. دور العسكر في السياسة. ترجمه إلى العربية محمود أحمد عزت البياتي. بغداد: بيت الحكمة،.2012

العبودي، ستار نوري. المجتمع العراقي في سنوات الانتداب البريطاني. بغداد: دار الكتاب الإسلامي، العراق في الوثائق البريطانية، 1930-1905. ترجمة وتحرير فؤاد قزانجي؛ تقديم ومراجعة عبد الرزاق الحسني. بغداد: دار المأمون،.1989

العزاوي، عباس. عشائر العراق. 4 ج في 2 مج. بيروت: مكتبة الحضارات،.2010

عقراوي، متي. مشروع التعليم الاجباري في العراق. بغداد: مطبعة الحكومة،.1937

العمر، فاروق صالح. حول السياسة البريطانية في العراق، 1921-1914: دراسة وثائقية. بغداد: مطبعة الارشاد،.1978

الفتلاوي، كامل علاوي وحسن لطيف الزبيدي. العراق: تاريخ اقتصادي. بغداد: بيت الحكمة،.2013 ج:2 الحقبة العثمانية، 1831 – 1914.

ج:3 التطورات الاقتصادية في ظل الاحتلال البريطاني،.1921-1914

فوستر، هنري. نشأة العراق الحديث. ترجمة سليم طه التكريتي. عمان، الأردن: الأهلية للنشر،.2006 لونكريك، ستيفن هيمسلي. أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث. نقله إلى العربية جعفر خياط. ط 4. قم: المكتبة الحيدرية،.]2004[

لويزارد، بيار جان. مدينة الصدر: شكل جديد من أشكال التعبئة في المدن؟. ترجمة عفيف عثمان. بغداد: معهد الدراسات الاستراتيجية،.2008

مار، فيبي. تاريخ العراق المعاصر: العهد الملكي. ترجمة مصطفى نعمان أحمد. بغداد: المكتبة العصرية،.2006

محمد، علاء جاسم. الملك فيصل الأول: حياته ودوره السياسي في الثورة العربية وسورية والعراق، 1933-1883. بغداد: مكتبة اليقظة العربية،.1990

النجار، جميل موسى. الإدارة العثمانية في ولاية بغداد من عهد الوالي مدحت باشا إلى نهاية الحكم العثمانية، 1917-1869. ط.2 بغداد: دار الشؤون الثقافية،.2001

______. التعليم في العراق في العهد العثماني الأخير، 1869 – 1918. بغداد: دار الشؤون الثقافية، نوار، عبد العزيز سلمان. تاريخ العراق الحديث من نهاية حكم داود باشا إلى نهاية حكم مدحت باشا. المكتبة العربية. القاهرة: دار الكاتب العربي للطباعة والنشر،.1968

_______. داود باشا والي بغداد. بغداد: وزارة الثقافة،.2013

الهلالي، عبد الرزاق. معجم العراق: سجل تاريخي سياسي اقتصادي اجتماعي ثقافي يبحث بايجاز دقيق عن مختلف نواحي الحياة العامة في العراق منذ العهد العثماني حتى اليوم. بغداد: مطبعة النجاح،.1953 وتوت، علي. الدولة والمجتمع في العراق المعاصر: سوسيولوجيا المؤسسة السياسية في العراق، 2003-1921. مشرقيات. بيروت: مركز دراسات المشرق العربي،.2008

الوردي، سليم. ضوء على ولادة المجتمع العراقي المعاصر. بغداد: [جريدة الصباح]،.2009

الوردي، علي. دراسة في طبيعة المجتمع العراقي: محاولة تمهيدية لدراسة المجتمع العربي الأكبر في ضوء علم الاجتماع الحديث. بغداد: مطبعة العاني،.1965

______. لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث. 6 ج. بيروت: شركة بهجة المعرفة، [د. ت.].

دوريات

الجمال، محمد جبار إبراهيم. «تأثير التحولات الاقتصادية في نمو المجتمع العراقي الحديث، 1914 – 1869 ». مجلة دراسات تاريخية (بغداد). العدد 2).009(21

حمزة، كريم محمد. «بعض مؤشرات الحرمان في ميدان التعليم في العراق». مجلة كلية الآداب (جامعة بغداد). العدد 89.)2009(

______. «الطيف الاثني في العراق: بين تعددية قلقة وانقسامية محدقة». مجلة العلوم الاجتماعية (بغداد). العدد 2 (ربيع.)2012

طه، خالده عيسى. «آراء بعض علماء الاجتماع عن المجتمع وتطبيقات في مدينة الثورة». مجلة البحوث الاجتماعية والجنائية (بغداد). السنة 4، العدد 1.)1975(

مشعل، عبد الواحد. «بنية القبيلة والتغيرات التي طرأت عليها: بحث أنثروبولوجي عن النظام القبلي في محافظة الأنبار». مجلة كلية الآداب (بغداد). العدد 2).012(101

______. «النظام العشائري وطبيعة النزاع في محافظة الأنبار: بحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية على بعض مناطق عشائر الأنبار الساخنة». مجلة العلوم الاجتماعية. العدد 2 (ربيع 2).012

أطروحة

حافظ، ناهدة عبد الكريم. «ثورة العشرين الأسباب والآثار الاجتماعية: دراسة تحليلية في الأطر التنظيمية للثورة ونتائجها الاجتماعية». إشراف إحسان الحسن. أطروحة دكتوراه غير منشورة في علم الاجتماع، جامعة بغداد، بغداد،.2000