مراجعة في كتاب: التصوف والسياسة الدينية بالمغرب
Sufism and Religious Policy in Morocco
الملخّص
الكتاب: التصوف والسياسة الدينية بالمغرب الكاتب: مجموعة مؤلفين المنسّق: محمد جحاح الناشر: إفريقيا الشرق مكان النشر: الدار البيضاء/ المغرب سنة النشر: 2016 عدد الصفحات: 192
Abstract
Author: several (coordinator: Mohammed Gahhah) Place of publication: Casablanca Publisher: Ifriqya al-Sharq Date of publication: 2016 Number of pages: 192
- التصوف المغربي
- الإسلام السياسي
- سوسيولوجيا الدين
- الوهابية
- Moroccan Sufism
- Religious Politics
- Sociology of Religion
- Wahhabism
الكتاب: التصوف والسياسة الدينية بالمغرب الكاتب: مجموعة مؤلفين المنسّق: محمد جحاح
الناشر: إفريقيا الشرق مكان النشر: الدار البيضاء/ المغرب تاريخ النشر 2016: عدد الصفحات 192:
على سبيل الاستهلال:
في سياق الكتاب وخلفيته النظرية يشكّل هذا الكتاب واحدًا من المؤلفات السوسيولوجية التي ناقشت المسألة الدينية في ع قااتها بالتصوف في عالمنا اليوم، وفي المغرب تحديدًا. ويأتي هذا
المؤلَّف الجماعي، الذي سهر على تنسيقه محمد جحاح، المتخصص بسوسيولوجيا التدين والتصوف، ليقدم قراءة موضوعية لما يعتمل في هذا الحقل من تحولات كبرى؛
فغير خافٍ على أحد أننا نعيش موجه «العودة» إلى الدين أو «اللجوء» إلى الدين، وذلك
جراء التحولات العميقة التي يشهدها العالم المعاصر، خصوصًا بعد موجة الحداثة وما بعد
الحداثة، وما أفرزته من تداعيات في مجالات شتى، وعلى رأسها المجال الديني. فإذا كانت الفرضيات التي عبّر عنها الرعيل الأول لمؤسسي
السوسيولوجيا (كارل ماركس ودوركهايم وأوغست كونت،..)، وبشكل أقل حدة عند ماكس فيبر، خصوصًا في كتاباته الأولى، قد
تنبأت بحصول «أفول للدين»، أو ما سمّاه فيبر،
عبر مفهومه الجدلي، «إزالة السحر عن العالم»
) Désenchantement du Monde (، جراء
تزايد تقسيم العمل والتمدين والانفجار المعرفي والتطور الصناعي، وخروج المرأة للعمل،
Ismail University, Meknes, Morocco.
وانتشار العقلنة والبيرقراطية في الحياة العامة، فإن هذا التحليل سيتعرض بدءًا من ستينيات
القرن الماضي لموجة من الانتقادات، بل وحتى التجاوز، نظرًا إلى ما حصل من تطورات نوعية
في العلاقة بين الدين والمجتمع، وبروز أشكال من الارتماء في الديني حتى في الدول التي كانت تُعتبر «لائكية» أو «شيوعية». كل ذلك أتاح
للباحثين في الغرب تأملً جيدًا ونقديًا للمقولات
التفسيرية التي حملها الرعيل الأول لمؤسسي السوسيولوجيا، وأثار موجة من النقاش العلمي الذي اعتمد آليات بحثية إمبريقية للتأكد من ص حيات هذه الفرضيات. ولعل إط لااة على
The Desecularization of the World: كتاب The Resurgence of Religion in World
Politics (إزالة علمانية العالم وبروز الدين في السياسات العالمية) للباحث بيتر برغر، تبيّن
بوضوح هذا النقاش ومستوياته. إننا في التجربة المغربية وفي العالم الاسلامي، لم نعرف مثل هذا المد والجزر في علاقة المجتمع
بالدين، على اعتبار أن الدين كان دائمًا المؤطِّر
للبنى الثقافية والاجتماعية ولمجمل الذهنيات،
وهو ما تثبته كثير من الدراسات التي أُنجزت في سياقات تاريخية ممتدة، بدءًا من البحث
الكولونيالي إلى البحث السوسيولوجي الوطني إلى الآن. لكن رغم أهمية هذا المعطى (أي حضور الدين في المجتمع المغربي)، فإن الأمر الذي نود أن نثيره في تقديمنا لهذا الكتاب هو أن التأمل في مجمل التجارب السوسيوتاريخية التي مرت بها ع قااة الدين بالمجتمع المغربي، تؤكد حدوث تحولات وتغيرات وانزياحات كثيرة ومتعددة؛
فالدين بقي محافظًا على مكانته في البنى الثقافية للمجتمع، ومع ذلك، فإن طريقة تمثّله وممارسته
ومعايشته تقلبت عبر مسارات معقدة جدًّا ومركّبة
في الآن نفسه. ورغم أن موضوعنا لا يشمل جميع مظاهر هذا التحول، فإننا نود التوقف عند
مسألة التصوف ومكانتها في المجتمع المغربي، وهي موضوع هذا الكتاب الذي نقدمه إلى القراء في العالم العربي. فما أهم الأطروحات التي يناقشها هذا الكتاب؟ وما الجديد الذي يحمله؟ وما نوعية المقاربات التي اعتمدت في إنتاجه؟ وأخيرا ما هي أهم الملاحظات النقدية التي يمكن توجيهها لهذا العمل؟
في السياق السوسيوتاريخي لوضعية التصوف في المغرب
تأثرت وضعية التصوف – كحالة مجتمعية وسوسيوثقافية - بكثير من التحولات التي عرفها المغرب، بدءًا من القرن السادس عشر، إلى مطلع
الألفية الثالثة، حيث إن التصوف والزوايا شكلا
على مر هذا التاريخ مجالً ل حتماء من بطش السلطة (أو المخزن) تارة ومن بطش الاستعمار الفرنسي أو الإسباني تارة أخرى. واليوم يقدَّم
التصوف كواجهة لمواجهة التطرف الديني ممثّلة
في الحركات السلفية الجهادية، أو في حركات الإس ماا السياسي التي أرادت أن تفرغ الدين من قيمه الروحية والحضارية والراقية إلى قيم مبتذلة وممرغة في اللعبة السياسية وفي صراعات القوة، من أجل تحقيق حلم «الدولة الإسلامية المنشودة». لهذا، فإن الرهان على التصوف والصوفية، كأحد التعبيرات الدينية، يقدَّم اليوم كنوع من الخلاص
من كل «الشبهات» التي لحقت بصورة الإس ماا والمسلمين. والأمر ما عاد مقتصرًا في هذا الرهان
على مؤسسة الدولة ممثَّلة في «إمارة المؤمنين»
– خصوصًا مع إص ح الحقل الديني - بل امتد
ليشمل مطلبًا لكثير من المثقفين والمفكرين، بل
حتى بعض حركات الإسلام السياسي. انسجامًا مع ما تطمح إليه السوسيولوجيا من
مواكبة لمجمل التحولات التي يشهدها الحقل الديني في المغرب، يحاول الكتاب أن يناقش هذا المعطى في دراسات علمية جاءت في
تسع مساهمات متعددة التخصصات، كالفلسفة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والتاريخ والأدب، وغيرها، ليؤكد مسألة في غاية الأهمية، وهي أن الظاهرة الصوفية، كإحدى الظواهر المركّبة، تحتاج إلى مقاربة متعددة التخصصات لكي يستطيع الباحثون امتلاك ناصيتها وتفكيك جميع الخيوط الظاهرة والخفية التي تؤثر في الظاهرة وفي علاقتها بمجمل الأنساق.
وقفة مع مساهمات الكتاب
لكي نقرب القارئ أكثر من محتويات الكتاب، سنحاول أن نقدم ملخصًا لكل مداخلة على حدة؛
فمساهمة محمد جحاحالممهورة بعنوان « الزاوية والمخزن أو جدلية السلطة والمجتمع بالمغرب الما قبل كولونيالي: مراجعة نقدية ل طأأروحتين الكولونيالية والوطنية »، قدمت طرحًا تفكيكيًا
ونقديًا لكلٍّ من الأطروحة الكولونيالية والأطروحة
الوطنية في ع قااتهما بالتصوف والرهانات المختلفة التي كان يسعى للوصول إليها المشتغلون بالبحث العلمي، سواء الكولونيالي أو الوطني. فبخصوص الطرح الأول (الكولونيالي)،
ناقش جحاح كلً من التصور الصراعي بين القبيلة والمخزن من جهة، والزاوية في مواجهة المخزن أو من خ لاا مواجهة هذا الأخير للزوايا من جهة أخرى، أو من خ لاا الطرح الوطني، الذي كان يقدم نفسه على أنه يمثّل قراءة «موضوعية» لع قااة الزوايا بالمخزن، والتي يطبعها التحالف الاستراتيجي. بل أكثر من ذلك، ستصبح
«الزوايا جزء [ا] لا يتجزأ من النسق الأيديولوجي والسياسي للنظام»، وهذا يعني أن كلتا القراءتين تفضي إلى استخ ص النتيجة عينها، وهي أن تعاطي الباحثين مع المسألة الزاوياتية لم يسلم من تحيزات «أيديو-علمية»، وهو ما أعاق فهمنا لوضعها في سياق التحولات التي كان المغرب يمر بها. ولهذا يقترح الباحث جحاح قراءة
نقدية لا تتماهي لا مع الطرح الكولونيالي ولا مع الطرح الوطني، بل تقدم رؤية علمية هادئة لموضوع حساس جدًّا، حيث إن الباحث ميّز
بين ث ث مرجعيات كانت تؤطِّر ع قااة الزوايا بالسلطة والمجتمع، وهي: «المرجعية الصلحاوية التي تمثل الأساس ‹الكرامي الخوارقي› في بنية الزاوية، ثم المرجعية الطرقية التي تمثل الأساس المذهبي الأيديولوجي، وأخيرًا المرجعية
الشرفاوية باعتبارها تجسد الأساس الجينيالوجي في بناء الزاوية». هكذا، ومن خ لاا هذا الطرح، يقدم المقال قراءة سوسيولوجية للزوايا وللطرق الصوفية ولأهم مداخلها التي عبأتها في علاقتها بالمجتمع والسلطة. أما في ما يخص المساهمة الثانية التي جاءت تحت عنوان « تدبير الحقل الديني بين الاختيارات والتحديات »، فقد ركز كاتبها محمد ياسينعلى ما يسمّى في الأدبيات السوسيولوجية «الحقل
الديني» وما طرأ عليه من إصلاحات وتدخلات، خصوصًا بعد أحداث 16 أيار/مايو 0032
الإرهابية في المغرب، حيث يرصد المقال، بنوع من الدقة والمتابعة الميدانية، ما تمخض عن هذه السياسة الدينية «الإص حية»، لا من حيث التدبير المؤسساتي ولا من حيث التدبير السياسي ولا من حيث التدبير الديني المباشر. وهكذا، سيركز الباحث على أهم المداخل التي اعتمدها الفاعل الرسمي في تدبير مرحلة ما بعد 16 أيار/مايو، حيث وقف عند الاختيارات التي اتخذها الفاعل الرسمي لإص ح الحقل الديني، ولا سيما في الدعم المباشر للمكوِّن
الصوفي عبر تجميع زواياه، وعبر التمكين له علميًا وإعلاميًا، بما يعزز مقولة «الأمن الروحي»
للمغاربة. أما بخصوص التحديات، فقد توقف الكاتب عند «وضعية التنوع الثقافي والقيمي» الذي برز في الآونة الأخيرة، وبدأ يطرح مسألة التواؤم والتطابق بين التعبيرات المجتمعية
والمطلب الأيديولوجي للدولة، ممثَّ بالدين الإس مااي. لهذا، فإن الباحث لا يطمئن إلى ما هو رقمي وكمي في هذه الخطة «الإص حية»، بقدر ما يحاول أن يقارب الموضوع من وجهة نظر سوسيولوجية منفتحة ومرنة في الآن نفسه. نظرًا إلى أهمية البُعد السوسيو- أنثروبولوجي
في مقاربة المسألة الصوفية في مغرب الأمس واليوم، غاص بن محمد قسطانيفي الموضوع - الذي اختار له عنوانًا معبّرًا جدًّا هو: « القايد
والولي والسلطان »، لكي يوضح بصورة جيدة
الوظائفَ التي كانت تقوم بها الزوايا والطرق الصوفية في مجتمعات متعددة وغير منظمة وغير عق نااية، فيؤكد أن الوقوف عند هذه المؤسسات التقليدية، من خ لاا التركيز على
شخصية سيدي محمد العربي الدرقاوي، يشكّل لحظة تأملية في مسار شخصية «صلحاوية» ومتملكة سلطة الرمزي، بل وحتى المادي، وتوظيف ذلك في تثبيت دعائم السلطان، أو في اتجاه الوقوف في وجه طغيان هذا الأخير، والاحتماء بالأمة من خ لاا الاندماج الذي ميّز
علاقة الشيوخ الصوفيين بأفراد المجتمع، ولأن
الشيخ الصوفي مثّل- عبر التاريخ - م ذااًا للأمة ومرشدًا لها وموجِّهًا لمصالحها. في إطار المقاربات التاريخية أيضًا، نتوقف عند مساهمة الباحث محمد الحمدوشي، المنتسب إلى الزاوية الحمدوشية، وهي بعنوان « التصوف بين التدين والاستثمار في المقدس: طرق التصوف بمكناس نموذجًا »، لنرى محاولته
تقديم فكرة عن نشأة الزاوية الحمدوشية من خ لاا شيخها سيدي علي بن حمدوش الذي كان أحد الشيوخ والرجالات الصوفية العريقة في العلم والأدب والأخ ق والص ح. ولعل المثير في المقال هو ما ذكره الباحث من امتداد هذه الزاوية وإشعاعها خارج مدينة مكناس،
ودورها الاجتماعي والسياسي، بل وحتى الاقتصادي، خصوصًا في مرحلة نهاية القرن
التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وبمقاربة تنهل من التاريخ الاجتماعي والفلسفي، قدم محمد أبو حفص، الباحث في جامعة مولاي إسماعيل، مساهمة ركزت على « التصوف بين سلطة الدين والسياسية: محنة ابن مسرة ومدرسته نموذجًا »، حيث توقف عند
أحد رواد التصوف المنتمين إلى القرن الثالث الهجري، والذي ينحدر من الأندلس (قرطبة تحديدًا)؛ إذ بين الباحث أبو حفص أن «ابن مسرة» اجتمعت فيه جميع الخصال التي أهّلته
لكي يحظى بشرف التقدير المجتمعي، فهو كان من أهل العلم والصلاح والحكمة، وقد تعرض لمحن كثيرة، نظرًا إلى كونه صوفيًا معتزليًا،
مخترقًا بذلك القاعدة في المغرب الكبير الذي لم يكن يعرف غير التصوف على طريقة الجنيد. ولهذا السبب، كان محط اتهام وتخوين وتجريح. وتأتي مساهمة أبو حفص لتوضح
جوانب مشرقة من تاريخ هذا العالم.ِ أما رشيد جرموني، فقد تناول من خلال مساهمته المعنونة ب « تحولات الحقل الديني: الفاعل الصوفي نموذجًا»، مجمل التحولات الدينية
التي عرفتها المملكة المغربية، بدءًا من سنة
004 2، أي سنة إط ق مشروع «إص ح الحقل الديني»، حيث توقف الباحث عند أهم المعالم الكبرى لهذا الإص ح، تلك التي تجلت في المدخل المؤسساتي ثم المدخل الاجتماعي/ السياسي، وأخيرًا المدخل الإع مااي. ثم تناول
الرهانات المختلفة التي وضعها الفاعل الرسمي (إمارة المؤمنين) على الفاعل الصوفي من
خلال ثلاثة أهداف: أولً، دعم مشروعية الملك الدينية؛ ثانيًا، تقوية البُعد التعبدي الزهدي؛
ثالثًا، تحديث الأفراد والمجتمع، بما يتضمنه
الخطاب الجديد الذي يحمله المكون الصوفي،
خصوصًا في تقوية الحس المدني والمواطَني
وفي تأدية الواجبات التي بها تنهض التنمية بالبلد؛ إننا إزاء خطاب ثوري للطرق الصوفية في مغرب الألفية الثالثة. وباعتبار الكتاب من المساهمات الجادة في تقديم رؤى متقاطعة ومتعددة التخصصات بشأن التصوف والطرق الصوفية والجمعيات الدينية في التجارب السوسيو-حضارية والسوسيو-دينية، فإن الباحث المتخصص في التاريخ الروماني مصطفى الغيثييقدم بحثًا فريدًا في نوعه من حيث عنوانه ومن حيث مضمونه، وكذا سياقه التاريخي، إذ هو يتحدث عن « تنظيم الجمعيات الدينية بالغرب الروماني»؛ فمنذ عهد أغسطين، نشأت في الإمبراطورية الرومانية مجموعة من الجمعيات الدينية التي وصل عددها إلى 73 جمعية، وكانت تقوم بأدوار عدة، اقتصادية واجتماعية ودينية، استطاعت من خ لااها أن
تتجاوز فكرة تقديس الإمبراطور، وهو ما شكّل «خطرًا» على الإمبراطورية ككل. فإذا كانت
لإمبراطورية واجهة خارجية تتمثّل في مواجهة الأعداء الخارجيين، فإن بروز الجمعيات الدينية سيكون بمثابة إيذان بالاعتراف بالدين المسيحي، دينًا رسميًا للدولة، ومن ثم انقسام
الإمبراطورية وانهيارها لاحقًا. هكذا، فإن الدور المحوري والاستراتيجي للجمعيات الدينية لم يكن ليتوقف عند حد ضمان الحفاظ على النظام الحاكم ممثَلّا بالإمبراطور، بل امتد ليطاول تغيير شكل الدين، وبالتالي تغيير شكل الدولة ككل. بقي أن نشير إلى أن الكتاب تضمن مساهمتين أخريين: إحداهما للباحث إدريس الصنهاجي تحت عنوان « سوسيولوجيا الإس ماا بالمغرب »، والثانية للباحث التونسي عادل بلحاج رحومة تحت عنوان « التدين الشبابي: بحثًا عن معنى
للهوية الذاتية »، وهما مساهمتان ربما تبدوان بعيدتين عن إشكالية الكتاب، أي التصوف، لكن بالتأمل في كلتيهما يظهر أنهما ناقشتا الموضوع (التصوف) لكن بطريقة خاصة وبمقاربة ماكروسوسيولوجية. وهكذا نجد أن المساهمة الأولى للباحث الصنهاجي تركز في الأساس على مسألة «التوتر» القائم في المغرب بين المعتقد والتمثل للدين الإس مااي من جهة والسلوك والممارسة من جهة أخرى، حيث يمكن اعتبار هذه الإشكالية واحدة من الاشكاليات التي تستحق كل المتابعة. وقد
وُفِّق الباحث في تقديم بعض الإجابات عن
هذه الإشكالية، إذ أشار إلى مجمل السياقات التي تتشابك مع الموضوع الذي لا يمكن فهم طبيعته إلا بالاعتماد على رؤية شمولية في الفهم والتفسير والتحليل. بناء عليه، توصل الباحث إلى أن طبيعة التكون الديني لإسلام في المغرب، وبطبيعته التاريخية، أوجد مجموعة من التوترات التي لا يقيم لها المغربي أي اعتبار لأنه متأثر بالسجل الثقافي أكثر من تأثره بالسجل الديني في صيغته الأرثوذكسية. أما المساهمة الثانية والأخيرة في هذا الكتاب، فركزت على عناصر التحول الديني عند الشباب التونسي. وقد أبرز من خ لاا نتائج البحث الميداني الكيفي، كيف أن الشباب اليوم أصبح
متحللً من جميع المؤسسات التقليدية، أو حتى الحديثة، لأنه يريد أن يقيم ع قااة فردانية مع التدين؛ إنه يريد أن يحقق ذاته في تدين يناسب عصره، وهو ما يمكن تسميته بظاهرة «التدين الفردي» أو التدين ما بعد الحداثي. وهذا ما يعكس في العمق الحاجة الماسة إلى نوع من النقاش العلمي السوسيولوجي لاستج ءاا هذه التحولات المختلفة التي لا تقع للشباب فقط، بل حتى لباقي الفئات المجتمعية التي تعيش تدينها بطريقتها الخاصة. ولعل ذلك ما
يجعلنا نستشف من الدراسة أنها تدعو إلى تديّن
بطريقة صوفية، حيث تغيب الرهانات السياسوية والمصالح الفئوية والصراعات حول السلطة؛ فالدين لله والوطن للجميع.
على سبيل الختم:
تساؤلات وآفاق للتحاور والنقاش على الرغم من أهمية الكتاب ورصده بعض التحولات في الحقل الديني المغربي تحديدًا،
من خ لاا التركيز على الفاعل الصوفي ودوره في هذه التحولات، وكذا الرهانات والرهانات المضادة التي تتشابك حول هذا الفاعل، سواء من خلال الفاعلين الداخليين (إمارة المؤمنين) أو الخارجيين (الولايات المتحدة الأميركية)، فإن هذه الدراسات والمساهمات ليست سوى منطلقات لاستثارة الباحثين في حقل سوسيولوجيا الدين، لركوب مغامرة البحث والتقصي والتتبع لجميع الحيثيات والمسارات المعلنة والخفية لهذا الفاعل المهم والحيوي في تاريخ التحولات الدينية في المغرب المعاصر، حيث إن التتبّع الدقيق لموضوع
الفاعل الصوفي يبيّن وقوع تحوّل دال ومعتبَر
في أدواره بين الأمس واليوم، وهو ما يشكّل
مجالً للاستكشاف والتقصي. من جهة أخرى، أصبح الفاعل الصوفي يقوم بأدوار التنشئة الدينية في كثير من الدول، بما فيها دول المهجر (كأوروبا وأميركا)، خصوصًا
التنشئة الدينية وفق منظور ورؤية الزوايا البوتشيشية. وإنتاج القيم الدينية وإعادة إنتاجها لا يقتصران على المسلمين/ المهاجرين، بل يشملان حتى الأوروبيين والأميركيين، وغيرهم من الأجناس العرقيات والديانات. لهذا، تبقى هذه الجوانب المستجدة في دور الفاعل الصوفي غير مدروسة وغير منتبه إليها حتى الساعة. ومما تجدر الإشارة إليه أننا لا نتوفر
في المغرب على إحصاء دقيق للزوايا وللطرق الصوفية وللمنتسبين إليها. ويبقى البحث الوحيد
الذي أُنجز في المرحلة الكولونيالية هو المرجع في هذا المجال، للباحث جورج سبيلمان، المعروف بجورج دراك. ولعل هذا الأمر يكشف مدى التحدي الذي يُطرح على «الجماعة
العلمية السوسيولوجية المغربية» للتفكير في بحث واستقصاء يتعلقان بالظاهرة باستعمال الآليات الكمية والكمية، بغية توفير معطيات ومعلومات جديدة ومحدَّثة تساعد الباحثين
وعموم المهتمين على فهم الظاهرة الصوفية في المغرب، وفي خارج المغرب أيضًا لأن للطرق الصوفية - كما يعلم الجميع - شبكات علائقية ممتدة عبر ربوع الوطن العربي والإسلامي.
الهوامش
تشكل كتب مارسيل كوشي أحد النماذج الواضحة لإبراز فرضية العلمنة داخل المجتمعات المعاصرة، وذلك بفك ارتباطها بالدين. للمزيد، انظر: Le Marcel Gauchet,
Désenchantement du monde: Une histoire politique de la religion , bibliothèque des sciences humaines (Paris: Gallimard, 1985) et (Tunis: Cérès productions, 1995).
انظر بهذا الخصوص، مقالة علمية كان قد أصدرها الباحث الفرنسي المتخصص في سوسيولوجيا الأديان:
Roger Bastide, «Sociologie des mutations religieuses,» Cahiers internationaux de sociologie , vol. 44 (1967), pp. 5-16, Consulté le 15/5/2016, at: http://classiques. uqac.ca/contemporains/bastide_roger/socio_mutations_ religieuses/socio_mutations_religieuses.html.
وجبت الإشارة إلى أن كاتب هذه السطور نشر مساهمة في: رشيد جرموني، «سوسيولوجيا التحولات الدينية في المغرب:
الفاعل الصوفي نموذجاً»، إضافات: المجلة العربية لعلم الاجتماع، العددان 29 - 03 (شتاء - ربيع 0152)، ص 108 - 127، لكن المساهمة الحالية مختلفة عن الأولى بعض الشيء، من حيث التوسع والتعمق في بعض القضايا.
(4) Georges Drague, Esquisse d’histoire religieuse du Maroc: Confréries et zaouïas , réédition du texte publié en 1951 sous le pseudonyme de Georges Drague, présentation Jillali el Adnani, les trésors de la bibliothèque; 7 (Rabat: Faculté des lettres et des sciences, 2011).