منطق الضبابية والعلوم الإنسانية والاجتماعية: مقاربة نظرية – تطبيقية
Fuzzy Logic, Humanities and Social Science: An Applied and Theoretical Approach
الملخّص
الكتاب: منطق الضبابية والعلوم الإنسانية الاجتماعية الكاتب: شهيرة شرف الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مكان النشر: الدوحة / بيروت سنة النشر: 2016 عدد الصفحات: 279
Abstract
Book Title: Fuzzy Logic and the Human and Social Sciences Author: Shahira Sharaf Publisher: ACRPS Place of publication: Beirut, Lebanon Date of publication: 2016 Number of pages: 279
- العلوم الاجتماعية
- العلوم الإنسانية
- مناهج البحث
- المنطق الضبابي
- Social Sciences
- Humanities
- Research Methods
الكتاب: منطق الضبابية والعلوم الإنسانية الاجتماعية الكاتب: شهيرة شرف الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مكان النشر: بيروت سنة النشر 2016: عدد الصفحات: 279
مقدمة
تأتي أهمية هذا الكتاب من كونه فتح
ورشتين فكريتين، تناولت أولاهماُ، وبالتفصيل، المنطق الضبابي وجذوره المنطقية والفلسفية، مع توضيح لأهميته والفارق بينه وبين المنطق الثنائي أو المتعدد القيم، والاستعمالات الحديثة لهذا المنطق في العلوم التقنية. أما الورشة الثانية، فتناولت إمكان تحويل المنطق الضبابي إلى أداة منهجية لدراسة الظواهر في العلوم الإنسانية والاجتماعية، والمزايا التي يقدمها هذا المنطق في مجال معالجة البيانات والمعلومات
المشتقة من تعقيدات الوقائع الإنسانية، فترى المؤلفة أن المنطق الضبابي يساهم في معالجة البيانات على نحو أفضل من المنهج الإحصائي الكمي. من هذا المنطلق، تندرج إشكالية هذا الكتاب في الأفق البحثي الذي يرى أن حل مشكلة المنهج في العلوم الاجتماعية يتم بتأسيس طريق منهجية ثالثة، تتجاوز الثنائية المنهجية في العلوم الإنسانية والاجتماعية، أي بين دعاة المنهج الأحادي، أو من يُدعَون دعاة المنهج الكمي، ودعاة المنهج
الثنائي، أو من يُدعَون دعاة المنهج الكيفي، «فلم
يُفلح المنهج الكمي الإحصائي، على الرغم
مما قدَّمه إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية، في التعبير عن الجوانب الكيفية والغامضة والمعقدة في ظواهرها، كما لم يستطع المنهج الكيفي الذي يكتفي بعدد محدود من الحالات المدروسة، على الرغم من تعمُّقه في تناولها، من تعميم
نتائجه» (ص. 17)، بينما يمكّننا المنطق الضبابي، كأداة منهجية، من الجمع بين المنهج الكمي والمنهج الكيفي شرط أن نفهم استخدامات هذا المنطق. وينسجم هذا الطرح مع ما ذهب إليه كارل بوبر حين يقول إن: «الأخطاء الحاسمة في معظم المناقشات المنهجية إنما منشؤها بعض الآراء الكثيرة الشيوع التي تخطئ فهم مناهج العلم الطبيعي، أعتقد أنها ناشئة بنوع خاص من الخطأ في تفسير الصورة المنطقية لنظرياته وطرق اختيارها، والوظيفة المنطقية للمشاهدة والتجربة». وتساهم هذه المحاولة المنطقية في تجاوز التخلف النسبي للعلوم الاجتماعية عن العلوم الطبيعية، من خلال تطوير أدواتها المنطقية وطرائقها المنهجية، «فالعلوم الإنسانية نلقاها هي الأساس - بلا جدال - تحمل في حد ذاتها ما يضاف إلى الرصيد العلمي للقرن العشرين، لكن لم يتكوّن بعدُ نسق متكامل من القوانين التفسيرية
في أي مجال من مجالات العلوم الإنسانية، يماثل من حيث القوة المنطقية في أقل فروع العلوم الطبيعية حظوة من التقدم». وفق هذا الإطار التصوري لإشكالية المنهج في العلوم الإنسانية والاجتماعية، حاولت الباحثة في هذا الكتاب الذي توزعت مادته النظرية والتطبيقية على مقدمة وأربعة فصول وخاتمة، أن تجيب عن جملة من التساؤلات التالية: «إذا كان منطق الضبابية استُخدم في العلوم الطبيعية فحقق
نجاحًا تمثّل في توفير استهلاك الطاقة من جهة،
والرفع من مستوى ذكاء الآلة من جهة ثانية، فكيف يمكن أن نجعل من هذا المنطق أداة منهجية لمعالجة البيانات المرتبطة بالظواهر الإنسانية والاجتماعية؟ وما الفوائد التي يحققها ذلك؟ وكيف يساهم في رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية؟» (ص. 58)
في الجذور الفلسفية والمنطقية لنشأة المنطق الضبابي
استهلت المؤلفة عملها البحثي بتبيان الخلفية الفلسفية التي تولّد منها المنطق الضبابي، فاعتبرت أن الضبابية مفهوم متأصل في الفلسفات الشرقية القديمة، نتيجة انطوائها على فكرة الثنائية في الواحد؛ إذ إن «ثقافة الجمع بين الأقطاب المختلفة التي لا يستبعد أحدها الآخر، ولا يحل محله، بل يجسد اجتماعها تكاملً وتعاونًا، ويكون لكل منها قيمة في الوجود لا تقل عن قيمة الآخر ولا تختزله» (ص. 69)، تقوم على الجمع بين القضية ونقيضها في مركب واحد، عكس المنطق الصوري القائم على ثنائية الصدق - الكذب، «فالفقر والغنى ينبعان من المصدر نفسه، والصعوبة والسهولة يكمل كل منهما الآخر... والضوضاء والصمت متناغمان، والأمام والخلف ينبع الواحد منهما من الآخر». أما الجذور المنطقية للمنطق الضبابي، فنجدها في تصور الباحثة في المنطق الأرسطي، وتحديدًا في مقولة الإمكان»؛ حيث يعرفه أرسطو كما يلي: «أعني الممكن ما لم يكن واجبًا ولا يلزم عن
افتراض وجوده شيء ممتنع». ويختلف المنطق الضبابي عن المنطق الأرسطي، «فالأول منطق
صوري محض، يهتم بصدق القضايا وكذبها، أو بصحة الاستدلال وفساده، من زاوية صورية منطقية أو من زاوية مدى اتساق المقدمات مع النتائج، ولزوم النتائج عن المقدمات» (ص. 87)، وبناء على مقولة الإمكان الأرسطي، أسس المناطقة الجدد لمفهوم المنطق المتعدد القيم، ف «قام المنطق المتعدد القيم، بصورة أساس، على نقد المنطق الثنائي القيم، وتعديل النظر إلى مبادئه الأساس وتوسيعها» (ص. 85)، وعلى رأسها إعادة النظر في قيمة الصدق ذاتها، حيث لم يعد ينظر إلى القضايا وفق ثنائية صادق - كاذب، ف « يجسد المنطق المتعدد القيم، من زاوية قيم
الصدق، تعميمًا للمنطق الثنائي القِيم وتوسيعًا
لقيَم الصدق فيه، وللعمليات المنطقية المطبقة
على قضاياه» (ص. 87)، غير أن المنطق المتعدد القِيم عجز عن إضافة قيم، حيث إن «إضافة قيم صدق بين القيمتين الأساسيتين، لم يحل [تحل] مشكلة الغموض، لأنها مشكلة واقعية وليست منطقية أو لغوية، بل فصل بين قيمتي الصدق صادق ومحايد، وبين القيمتين محايد وكاذب» (ص. 93). أدى تطور النظريات العلمية في الفيزياء المعاصرة إلى فشل المنطق الوضعي التقليدي في تفسير الظواهر الفيزيائية، وهو ما دفع إلى بلورة المنطق الضبابي الذي ينسجم مع الطبيعة التعقيدية لهذه الظواهر، ف « وضعت الفيزياء الكوانتية حدًّا لليقين الذي كان يفخر به العلم الحديث، قبل نهاية القرن التاسع عشر، وفتحت أبواب القرن العشرين على عالم جديد لا يخضع لقوانين العالم التقليدي. وكان السلب هو المميز الرئيس لهذا العلم؛ إذ تخلى العلم عن مفاهيم قديمة: مثل الحتمية واليقين والموضوعية، واستبدل بها مفاهيم جديدة، هي اللاحتمية واللايقين واللاموضوعية»
(ص. 95). ويرى إدغار موران أن التناقض الذي كشفت عنه البحوث الفيزيائية المعاصرة لا يتعلق بصوابية المنهج العلمي الوضعي أو بخطئه، وإنما يتعلق بالتناقض الملازم للظواهر، «فاندماج التناقضات في العلوم الفيزيائية، وعجز المنطق التقليدي بذاته عن إزالة التناقضات التي تطرأ على مستوى القياس الأساسي (مفارقة كيرتي) يظهران لنا بطريقة حتمية أن شبح التناقض لا يمكن أن يطرد».
في مبررات توظيف المنطق الضبابي في العلوم المعاصرة
يرتكز المنطق الضبابي على ثلاث ركائز أساسية تجعله يختلف كليًا عن المنطق الثنائي: « أولها،
المستوى الأنطولوجي الذي يقابل غموض الظواهر الواقعية وتعقيدها، وثانيها، المستوى الإبسيتمولوجي الذي يقابل اللايقين في المعرفة، وثالثها، المستوى السيمانطيقي الذي يقابل الالتباس في اللغة» (ص. 081)، وهي الفكرة نفسها التي عبّر عنها موران بقوله: «لا ينفتح
المنطق الاستنتاجي - الهوياتي على فهم المركّب والوجود، وإنما على المعقولية النفعية، ويتناسب مع احتياجاتنا العملية لتجاوز اللايقين والغموض ليقدم تشخيصًا واضحًا وخاليًا من الالتباس..
ولكنه يضعف عندما الوضوح يخدع، وعندما ترتبط الحقيقتان المتعارضتان، وعندما لا يمكن
إزالة الغموض إلا إذا أجريت عملية بتر للمعرفة والفكر». ترى الباحثة أن الغموض والتعقيد خاصيتان ملازمتان للظواهر الواقعية على المستوى الإبسيتمولوجي؛ «فالغموض هو التداخل بين
حالات الظاهرة نفسها، أو بين الميادين المتعددة، والانتقال الانسيابي من حال إلى أخرى، الأمر الذي يحول دون فصل تلك الحالات فصلً حادًا، بعضها عن بعض» (ص. 091)، عكس المشتغلين بالمنطق الثنائي والمتعدد القِيم، الذين كان همّهم النظري مرتكزًا على صدق القضايا أو كذبها، «أو صحة الاستدلال وفساده، ما جعلهم لا يكترثون بالغموض بوصفه ظاهرة واقعية، فاهتمام المشتغلين بمنطق الضبابية ينصبّ أكثر على
الجانب التطبيقي، الأمر الذي جعلهم يركزون اهتمامهم ليس على معالجة البيانات المرتبطة بالظواهر الغامضة فحسب، وإنما أيضًا المرتبطة بالظواهر المعقدة» (ص. 117). أما المبرر الإبستيمولوجي الذي يقوم عليه المنطق الضبابي، فهو اللايقين بوصفه سمة المعرفة المعاصرة، كما يرى المشتغلون بمنطق الضبابي؛ وبما أن كل معرفة تمتلك درجات معيّنة من
اللايقين، فإنه تقابلها قِيم متباينة من صدق القضايا التي تمثلها، ف « اللايقين الناجم عن الغموض هو صعوبة تعيين المتغيرات بدقة صارمة وتعذر معرفتها بشكل يقيني. وتزداد الصعوبة بشكل كبير كلما تعقدت الظواهر أكثر، لأن التنبؤ بالتغيرات اللاخطية فيها يصبح ضعيفًا بدرجة كبيرة» (ص
أخيرًا، إن الالتباس، بوصفه سمة اللغة، غير
منفصل عن الغموض واللايقين، لذلك تتعدد الآراء وتتناقض في وصف المتغيرات المعبرة عن الظواهر الاجتماعية والإنسانية، لأن اللغة لا تنقل إلا الصور، «أما كيف ينبغي استخدامها، لا يزال أمرًا غامضًا، ومع ذلك فمن الواضح أنه يجب أن
نبحث فيه، إذا أردنا أن نفهم معنى ما نقوله من عبارات، لكن يبدو، أن الصورة تشير بالفعل إلى
استخدام معيّن، وبهذه الكيفية تخدعنا»، في
حين أن اللغة في المنطق الضبابي تخضع لمبدأ النسبية والتقريب، لا لمبدأ الحقيقة المطابقة. تدعو الكاتبة إلى ضرورة الفصل بين نظرية الاحتمالات ونظرية المنطق الضبابي، «فتعرف نظرية الاحتمالات التقليدية (لابلاس) القيمة العددية للاحتمال كحاصل قسمة عد الحالات المواتية على عدد الحالات الممكنة التساوي»، بينما هناك فارق بين النظريتين، وهو أن «نظرية الاحتمالات تشترط أن يكون مجموع النسب الاحتمالية التي تضعها لوقوع الحوادث، أو لأثر المتغيرات في النتيجة، مساويًا للواحد. وبينما يرى أنصار هذه النظرية في ذلك الشرط نقطة قوة، يراه أنصار منطق الضبابية أحد [إحدى] نقاط الضعف» (ص. 0)13 ولا تضع النظرية الضبابية مثل هذا الشرط؛ إذ «يمكن العضو الواحد أن ينتمي إلى أكثر من مجموعة ضبابية في الوقت نفسه، والى أيٍّ من المجموعات الفرعية للمجموعة الضبابية. ومجموع قيم انتمائه ربما يساوي الواحد، أو يكون أكثر منه أو أقل» (ص. 131). وعلى الرغم من التشابه الظاهري بين النظريتين، فإن للنظرية الضبابية قدرة منهجية على «معالجة الظواهر الغامضة والمعقدة و المعرفة اللايقينية واللغة الملتبسة التي لا يمكن أن تعالجها النظرية الاحتمالية. إضافة إلى عدد من الزوايا التي يمتلكها منطق الضبابية بمكوناته المختلفة التي تفتقر إليها نظرية الاحتمالات» (ص. 135).
نظام المجموعات في المنطق الضبابي وخصائصها
حاولت الباحثة في الفصل الثالث من الكتاب تبيان عناصر المنطق الضبابي واستخداماته التطبيقية.
ويبرز الفارق بين المنطق الثنائي والمنطق الضبابي في نظام المجموعات، ف «منطق الضبابية يستخدم مصطلحات المنطق التقليدي ذاتها، لكن إضافة صفة الضبابية إليها يجعل دلالاتها مختلفة عن دلالاتها التقليدية. فللأعضاء في المجموعات الضبابية أجزاء مختلفة من درجة الانتماء، تعدِّلها درجات الإمكان اللغوية المضافة إلى كل متغير لغوي» (ص. 401)، فيقوم الانتماء في المجموعات التقليدية على فكرة الانتماء الكلي أو اللاانتماء، في حين أن نظرية المجموعات الضبابية «أكثر ملاءمة من المجموعة التقليدية، لتوصيف الحالات المتاخمة؛ إذ اختزلت المجموعة الثانية قيم الانتماء بقيمتين فقط: طرفا المجال أو نهايتاه، فعكست بذلك قيمًا رياضية
مجردة لا يقابلها إلا جانب محدود من الواقع، وكأنه مؤلف من موضوعات منفصلة ومتقطعة ومتخرجة. وفي المقابل، تسمح المجموعة الضبابية بقيم غير نهائية، وبذلك، تعكس الجانب الأكبر من الوجود الواقعي وتغيراته» (ص. 145) تتميز توابع الانتماء إلى المجموعات الضبابية، من وجهة نظر الكاتبة بخمس خصائص رئيسة، تفارق بها خصائص الانتماء إلى المجموعات التقليدية: الخاصية الأولىهي أن كل مجموعة ضبابية ترتبط «بتابع انتماء خاص بها. وبهذا تختلف عن المجموعة التقليدية التي تشترك ومجموعتها الفرعية في تابع الانتماء ذاته»؛ الخاصية الثانية تتعلق بانتماء العضو الواحد إلى «أكثر من مجموعة فرعية ضبابية في الوقت نفسه»؛ الخاصية الثالثة هي أن في المجموعات الضبابية يسهل «الانتقال الانسيابي والتدريجي لمنحى المجموعة الضبابية بين الانتماء الكامل واللاانتماء الكامل»؛ الخاصية الرابعة هي أن «للمجموعات الضبابية توابع الانتماء التي تعيِّنها،
لأن ليس للمجموعات الفرعية الضبابية كلها المستوى نفسه من الضبابية»؛ الخاصية الخامسة تتعلق بمقدرة المجموعات الضبابية على «تمثيل الحالات الكيفية في الظاهرة، إضافة إلى التغيرات الكمية الطفيفة فيها» (ص 160 -.)162 إن توظيف المتغيرات اللغوية في المنطق الضبابي يعطيها مرونة أكثر في تمثيل الظواهر المدروسة، عكس توظيفها في النظرية الاحتمالية، ف « المجموعات الفرعية الضبابية هي الحدود الضبابية الناتجة من المفاهيم المقابلة للمتغير اللغوي، تقابلً بالتضاد أو تقابلً بالسلب والإيجاب. ويجري عادة تعيين خمسة إلى ستة حدود ضبابية لكل مجموعة. وهذا يعتمد على خبرة نظرية وعملية في الميدان المدروس» (ص. 651)، لتخلص الباحثة إلى أن الحدود الضبابية، «ومعها درجات الإمكان اللغوية، فضلً عن توابع الانتماء الضبابي، تميز المجموعة الضبابية من المجموعة التقليدية، الأمر الذي يسمح بتمثيل المفاهيم المقابلة للظواهر الغامضة والمعرفة اللايقينية واللغة الملتبسة، على نحو متقن» (ص. 171). جرت العادة في تعريف الاستدلال على أنه الانتقال من المقدمات إلى النتائج، في حين أن الكاتبة ترى أن هناك اختلافات واضحة بين الاستدلال في المنطق الثنائي والاستدلال في المنطق الضبابي، حصرتها الباحثة في أربع نقاط: النقطة الأولىتتعلق بقيم الصدق، «إذ يحيل الاستدلال في المنطق الثنائي القيم إلى قيمتين لصدق القضايا، سواء المقدمات أم النتائج، بينما يحيل الاستدلال الضبابي إلى قيم غير نهائية للصدق»؛ النقطة الثانية مرتبطة بالنقطة الأولى، و«تتعلق بدلالة الاستدلال»، فيحوي
المنطق الثنائي استدلالً وحيدًا بينما يحوي في المنطق الضبابي عددًا غير محدد من الاستدلال؛ النقطة الثالثة تتعلق بوظيفة الاستدلال؛ «فالمنطق التقليدي يهتم بصحة الاستدلال بوصفه اتساقًا بين المقدمات والنتائج، بصرف النظر عن الواقع... أما الاستدلالات الضبابية فقواعد عمل قابلة للتطبيق، أو هي خطوات يسلكها البرنامج الخبير»؛ النقطة الرابعة هي أن «قواعد الاستدلال الضبابي تستند، بصورة خاصة، إلى المجموعات الفرعية الضبابية، أو المغيرات اللغوية ودرجات إمكانها» (ص 183 -.)184
المنطق الضبابي كأداة منهجية في العلوم الإنسانية والاجتماعية
أجابت الكاتبة في الفصل الرابع عن التساؤل الرئيس للدراسة، وهو التساؤل الذي يتعلق بإمكانية توظيف المنطق الضبابي كأداة منهجية في العلوم الاجتماعية والإنسانية. وترى، في البداية، أن للمنطق الضبابي مزايا تختلف عن المنهج الكمي الإحصائي في دارسة الظواهر. فهو أداة تطبيقية أكثر مهارة وأشد إتقانًا منه معالجة للبيانات المتعلقة بالظواهر الغامضة والمعقدة» (ص 01 2). ومن هذا المنطلق، «إذا كانت المنظومات الطبيعية والفيزيائية تسلك سلوكًا معقدًا، فالمنظومات الإنسانية والاجتماعية، غالبًا
أكثر عرضة لمثل هذا السلوك لكونها أشد تعقيدًا. وما يزيد من تعقيدها هو حرية الإنسان التي تجعل قابلية التنبؤ بسلوكه متعذرة» (ص. 042)، وبالتالي، فإن الدعوى إلى توظيف المنطق الضبابي في دراسة الظواهر الإنسانية تمتلك أكثر من مبرر معرفي ومنهجي.
على الرغم مما حققه المنهج الكمي الإحصائي من تقدم في دراسة الظواهر في العلوم الإنسانية والاجتماعية، «بما يمتلكه من أدوات في تحليل البيانات المتعلقة بالكثير من الظواهر، والكشف عن علاقات الارتباط بين متغيراتها، بقى قاصرًا
على مراعاة الكثير من الخصائص الضبابية لتلك الظواهر» (ص 04 2)، فالخصومة بين علماء الاجتماع، أي «بين المدافعين عن المنهج الكمي، والمدافعين عن المنهج الكيفي، نجد مصدرها في الإيمان بصحة الإحصاء»، والسؤال هو «هل يمكن القول، حتى عندما تكون تحليلات المتغيرات المتعددة ممكنة، بأن تحليلات المتغيرات الخفية تساعدنا على فهم النظم الكاملة؟». تنبع الطبيعة الضبابية في الظواهر الاجتماعية والإنسانية من ثلاث خصائص، حددتها الباحثة في: الطبيعة الكيفية: «تتعلق الطبيعة الكيفية للظاهرة الإنسانية والاجتماعية ببعدين أساسيين: الأول صعوبة تكميمها أو التعبير عنها بقيم محددة وصارمة نظرًا إلى وجود حالات متجاورة
في الظاهرة. والثانيعدم إمكان تقييدها بنهايات عظمى أو صغرى» (ص 05 2)؛ الطبيعة الغامضة: «يكمن غموض الظاهرة الإنسانية والاجتماعية في التداخل بين حالاتها المختلفة، وفي الانتقال التدريجي الانسيابي من حال إلى أخرى، كما في انتماء الظاهرة نفسها إلى أكثر من ميدان واحد في الوقت ذاته؛ أي التداخل بين الميادين المختلفة الذي يوجد الميادين البينية» (ص. 062)؛ الطبيعة المعقدة: «التعقيد كما الغموض، متأصل في معظم الظواهر الإنسانية والاجتماعية التي يحكمها.... الكثير من العوامل السياسية والدينية والاقتصادية...» (ص. 207) من هذه الرؤية التعقيدية للظواهر الإنسانية، فإن
قصور المنهج الإحصائي يتجلى في ثلاث نقاط رئيسة: « الأولى: تجاهل الطبيعية الكيفية واعتماد التكميم الصارم؛ والثانية، تجاهل الغموض وعدم مراعاة التداخل والانسيابية؛ والثالثة، الانخراط في تبسيط التعقيد واختزال البيانات. وتتطلب هذه الخصائص منهجًا آخر أكثر إتقانًا للتعامل معها.
وهذا ما توفره أدوات منطق الضبابية» (ص. 214) لتجاوز قصور المنهج الإحصائي الكمي في معالجته الكيفية للظواهر، فإن المنطق الضبابي يدمج بين البُعد الكمي والبُعد الكيفي في دراسة
الظواهر، فيلجأ المشتغلون بالمجموعات الضبابية «إلى تقويم الظواهر الإنسانية والاجتماعية تقويمًا يجمع بين الجوانب الكيفية والكمية فيها في الوقت نفسه؛ أي إنهم يراعون التغيرات الكيفية التي تطرأ على حالات الظاهرة نفسها، والتغيرات الكمية الطفيفة التدرجية الواقعة بين تغيرين كيفيين متقابلين» (ص. 215)، ويختلف المنطق الضبابي عن المنهج الكمي الإحصائي في اعتماده على معايرة المجموعات الضبابية الممثلة للظواهر، فتستمد المعايرة أهميتها من نقطتين: « أولاهما، تسمح للخبير دومًا بمراجعة قيم الانتماء ليتمكن من استبعاد الحالات التي لا تتفق مع الغرض من الدراسة؛ وثانيتهما، تعزز العلاقة بين الجانب النظري المرتبط بمعرفة الظاهرة والجانب التجريبي المتعلق بالحالات الواقعية أو الدليل الذي يؤيد الجانب النظري أو ينفيه» (ص. 222). ترى الكاتبة أن تحليل الضرورة والكفاية في الظواهر الاجتماعية والإنسانية يخضع للمبادئ النظرية للمجموعات الضبابية، «أي يُنظر إلى الشروط السببية والنتيجة على أنها مجموعات ضبابية؛ إذ يجري تكوين المجموعات السببية - المرتبطة بالحالات التجريبية - منطقيًا، بطرائق
مختلفة، اعتمادًا على النفي الضبابي والتقاطع الضبابي والإجماع الضبابي» (ص. 422)، وهذا عكس المنظومات الوضعية التبسيطية التي تختزل كل ظاهر في سبب واحد، «فمنظومة البساطة تقوم بتنظيم الكون بإقصاء الاختلال من داخله، هنا، يتم اختزال النظام في قانون ومبدأ معيّن، إن
البساطة ترى إما الواحد أو المتعدد، ولكنها لا ترى أن الواحد قد يكون في الوقت ذاته متعددًا. يكمن عمل البساطة إما في فصل ما هو مرتبط (الفصل) أو توحيد ما هو مرتبط (الاختزال»). من الأمثلة التي أوردتها الباحثة عن استخدام منطق الضبابية هذا في الدراسات الاجتماعية، مثَل دراسة ظاهرة الفقر، فنجد في المنهج الكمي الإحصائي صعوبة في الفصل بين حالة الفقير وحالة الفقير جدًا، ونعبّر في مرات كثيرة، ومن
الناحية الإحصائية، عن الفارق بيت الحالتين في قيمة عددية صغيرة جدًا، مثال: فقير جدًّا (5 دولارات) وفقير (6 دولارات)، بينما تصبح هناك في المنطق الضبابي فكرة الانتماء الكلي أو الانتماء الجزئي إلى مجموعة الفقر: «فلو كانت قيمة الانتماء الكامل إلى مجموعة ‹فقير› هي 0.95[] فإنها تقابل قيمتي الانتماء إلى مجموعة ‹فقير إلى حد ما›؛ 0.97[] وإلى مجموعة ‹فقير جدًّا› [0.90؛ إذ تستبعد مجموعة ‹الفقير› من] مجالها مَن ليسوا بالتأكيد فقراء، أي من هم أقرب إلى ‹متوسطي الدخل› منهم إلى ‹الفقر›، أو يكونون ‹أغنياء› أو ‹أغنياء جدًّا›» (ص. 219) في الأخير، تبقى هذه الدراسة التي بين أيدينا، على أهميتها النظرية، بحاجة إلى دراسات تطبيقية في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية، لتبيان فاعلية المنطق الضبابي في معالجة المعلومات والبيانات المتعلقة بالظواهر الاجتماعية والإنسانية، وكيفية
مساهمة هذه الدراسات في اتخاذ القرارات الصائبة، ف«يستخدم الخبراء أدوات منطق الضبابية، أي قواعد الاستدلال الضبابي للربط بين متغيرات الدخل ومتغيرات الخرج بوصفها مجموعات ضبابية ممثلة للمفاهيم المرتبطة بالظاهرة المدروسة؛ والعمليات الأساس في المجموعات الضبابية لتفعيل قواعد وثيقة الصلة بحالة محددة، الأمر الذي يمكّنهم من تقديم النصح والمشورة وتقويم تلك الحالة أو استشراف الخطط المستقبلية» (ص. 241)
الهوامش
(1) كارل بوبر، عقم المذهب التاريخي: دراسة في مناهج العلوم الاجتماعية، ترجمة عبد الحميد صبره (الإسكندرية، مصر: منشأة المعارف، 9591)، ص.10 (2) يمنى طريف الخولي، مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلها (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 0142)، ص.35 (3) لوتسو، الطريق إلى الفضيلة: نص صيني مقدس، ترجمة عاء الديب (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 9981)، ص.10
(4) يان لوكاشيفتش، نظرية القياس الأرسطية: من وجهة نظر المنطق الصوري الحديث، ترجمة وتقديم عبد الحميد صبره (الإسكندرية، مصر: منشأة المعارف، 9611)، ص.217 (5) إدغار موران، المنهج: الأفكار: مقامها، حياتها، عاداتها وتنظيمها (الجزء الرابع)، ترجمة جمال شحيد؛ مراجعة موريس أبو ناضر (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 0122)، ص 273، غابت أعمال ادغار موران عن مراجع الكتاب، رغم أن موران
يعتبر نفسه منظِّرًا للفكر المركّب. وبالعودة إلى كتبه المتعلقة
بالمنهج (ستة أجزاء)، نجده يؤسس للمنطق الضبابي؛ فمعظم طروحاته يتحدث عن التناقض بوصفه سمة مازمة للظواهر الطبيعة والاجتماعية، ويتناول كيفية تجاوز المنطق التقليدي. لذلك، لو أن الكاتبة انفتحت على نصوصه لأعطت موضوعها أبعادًا أخرى. (6) المرجع نفسه، ص.282 (7) لودفيج فتجنشتين، بحوث فلسفية، ترجمة وتعليق عزمي موسى إسام؛ مراجعة وتقديم عبد الغفار مكاوي (الكويت: جامعة الكويت، 9901)، ص.286 (8) كارل بوبر، منطق البحث العلمي، ترجمة وتقديم محمد البغدادي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 0062)، ص 176 وما بعدها. (9) جيوفاني بوسينو، نقد المعرفة في علم الاجتماع، ترجمة محمد صلصبيلا، ط 2 (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 0082)، ص.34 0(1) إدغار موران، الفكر والمستقبل: مدخل إلى الفكر المركب، ترجمة أحمد القصوار ومنير الحجوجي، المعرفة الفلسفية؛ 325 (الدار البيضاء: دار توبقال، 0042)، ص.61