العودة إلى تفاصيل المؤلَّف التثاقف والتعددية الثقافية أو الرهان الصعب

التثاقف والتعددية الثقافية أو الرهان الصعب

Acculturation and Cultural Diversity: A Difficult Bid

محمد الإدريسي *

Mohammed El Idrissi **

الملخّص

الكتاب: نكران الثقافات العنوان الأصلي: Le déni des cultures الكاتب: هوغ لاغرانج المترجم: سليمان رياشي المراجع: أحمد مراد وسعود المولى الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مكان النشر: بيروت/الدوحة تاريخ النشر: 2016 عدد الصفحات: 400

Abstract

العنوان الأصلي: ni des cultures é Le d

الكلمات المفتاحية:
  • الثقافة
  • السوسيولوجيا
  • التمييز العنصري
  • القمع الرمزي
Keywords:
  • Culture
  • Sociology
  • Racial Discrimination
  • Symbolic Oppression

الكتاب: نكران الثقافات

الكاتب: هوغ لاغرانج المترجم: سليمان رياشي المراجع: أحمد مراد وسعود المولى الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مكان النشر: بيروت، لبنان تاريخ النشر 2016: عدد الصفحات: 400

أصدر المركز العربي للأبحاث

ودراسة السياسات هذا الكتاب لعالم الاجتماع الفرنسي المعاصر هوغ لاغرانج. H (Lagrange)، وذلك في إطار مشروع «ترجمان» الذي يهدف إلى نقل النصوص المؤسسة في حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية والسياسية إلى اللغة العربية، قصد تقريبها من الجماعات العلمية المتخصصة، كما عموم المهتمين بالشأن العلمي والثقافي العالمي.

يكمن الهدف الإبيستمولوجي الذي سطّره لاغرانج من وراء تحرير هذا الكتاب في فهم صعوبات الاندماج الاجتماعي والثقافي (والمهني والسياسي) لكثير من فئات المهاجرين داخل المجتمع (الباريسي) الفرنسي (ومنه عموم دول الشمال). بتركزه على النموذج الفرنسي، يقف الكاتب عند مسارات فشل المهاجرين في الاندماج داخل المجتمع الفرنسي المعاصر (خصوصًا فشل الاندماج الدراسي ومشكلات جنوح الشباب المهاجر)، وانعزالهم في

social sciences.

نطاقات وأحياء - هامشية، ولا سيما في الضواحي والمناطق الربضية - المعزولة. يندرج مؤلَّف لاغرانج في مجال سوسيولوجيا الديناميات الحضرية والهجروية، من خلال تركيزه على دور الخلفيات الإثنية والثقافية في إنتاج التمييز (السياسي، والسوسيو -ثقافي والمهني)، باعتبارها محددًا رئيسيًا للمواقع

والمواقف السوسيو - اقتصادية والمهنية والسكنية؛ فالتفاعل المتبادل بين المجتمع المضيف والمهاجر يفرض علينا تحليل طبيعة المتغيرات الثقافية والاجتماعية المتحكمة بإنتاج شروط اللاتجانس الذي يطبع العلاقة بين المهاجر وبلد الاستقبال وثقافته من جهة، وبلده الأصلي وهويته من جهة أخرى. هذا ما يسعى لاغرانج إلى تذكيرنا به، من منطلق أهمية المقاربات السوسيولوجية في تفسير الشروط الموضوعية لدينامية اندماج المهاجرين في سياق الاستقبال، والابتعاد عن جميع أشكال التفسيرات الأيديولوجية (الإسلاموفوبيا والعنصرية تجاه المهاجرين) التي أضحت تحكم منطق اشتغال كثير من المهتمين بقضايا الهجرة، فضلً عن الفاعلين السياسيين والاقتصاديين، كما عموم الأفراد.

رافق صدورَ كتاب نكران الثقافات ردات فعل متباينة، على المستويين السياسي والأيديولوجي، كما على المستويين الأكاديمي والعلمي. تعرف فرنسا، خلال السنوات الثلاث الأخيرة على وجه الخصوص، تزايد في حدة النقاشات السياسية والأيدولوجية الدائرة حول الهجرة، والمنعكسة على طبيعة التفاعلات بين المهاجرين ومجتمع

الاستقبال، كما بين المهاجرين أنفسهم. وقد توزعت ردات فعل مختلف الفاعلين - خصوصًا

السياسيين - بين مؤيدين ومعارضين ل « التثاقف» و«المثاقفة» من جهة، ومهتمين بالتوظيف الأيديولوجي لمسألة المهاجرين في الساحة السياسية الفرنسية، من جهة أخرى. ودلت على القراءة السطحية والأيديولوجية لتوصيفات المؤلِّف، وعدم التركيز على المقترحات والنتائج التي قدمها رجل الميدان والخبرة السوسيولوجية هذا. فهو دافع عن فكرة كون التعددية الثقافية هي الحل الجيوستراتيجي الوحيد لتعزيز وضع سياسات التكامل داخل المجتمع الفرنسي، وذلك وفق رؤية علمية تنتصر للدور الريادي للعلوم الاجتماعية في تشخيص ديناميات المهاجرين الهجروية والاندماجية وتحليلها، والمساعدة على الحد من المشكلات التي تُحْدثها، وصولً

إلى إمكانية التنبؤ بمستقبلها. بطبيعة الحال، لم تعجب هذه المقاربة كثيرًا من الأحزاب والدوائر

السياسية والاقتصادية المعادية للمهاجرين ولدينامية التثاقف في المجتمع الفرنسي، وأوروبا عمومًا، ما جعلها توجّه إلى الكتاب انتقادات

شديدة اللهجة، لكنها ليست ذات جذور علمية بقدر ما هي محكومة برهانات أيديومركزية.

تكمن القيمة العلمية والإبيستمولوجية لهذا العمل في كونه محاولة سوسيولوجية جادة لقراءة الدينامية الهجروية في المجتمع الفرنسي، في ضوء المنهج المقارن؛ حيث إنه عمل على تشبيك هذا النهج ليشمل مختلف المستويات والمتغيرات الإثنية والاجتماعية والجغرافية المتحكمة بالظاهرة الهجروية: بين المناطق الفرنسية المختلفة وأوروبا وأميركا من ناحية، وبلدان المهاجرين

الأصلية (خصوصًا أفريقيا والعالم العربي). في الواقع، ساهمت خبرة لاغرانج بالضواحي الباريسية واحتكاكه الطويل بالمهاجرين من جهة، وإيمانه بكون «الميدان» محكًا حقيقيًا للتنظير

السوسيولوجي من جهة أخرى، في جعله يحظى باحترام وقبول كبيرين داخل الأوساط الأكاديمية الفرنسية والدولية، وزادا من القيمة العلمية لعمله، ولنتائجه وخلاصاته التي تعكس التزامًا وخبرة ومهنية عالية نُذرت في سياق انتشار أيديولوجيات (سياسية ودينية) معادية للمهاجرين وللتعددية الثقافية. يعد نكران الثقافة جزءًا من مشروع علمي

للباحث مكرسٍ لتدارس الشروط الموضوعية التي تنتج التهميش واللامساواة اللذين يعيشهما المهاجرون الأجانب في المجتمع الباريسي بصورة خاصة، والفرنسي والأوروبي بصورة عامة، واللذين ساهما بشكل كبير في تزايد حدة العنف الحضري في الضواحي، وارتفاع معدلات عنف الشباب، والاحتجاجات الحضرية... فضلً عن انتشار تطرف المجموعات الإرهابية واستقطابها أعدادًا كبيرة من شباب الضواحي الذين يعانون مختلف أنواع التهميش والوصم والعزل الحضري. في الحقيقة، وفي سياق ندرة الأعمال السوسيولوجية العربية بشأن وضع المهاجرين في سياق الاستقبال، يمكن أن نعتبر مؤلَّف لاغرانج المرجعي هذا مدخلً إبيستمولوجيًا وعلميًا أمام

الجماعات العلمية العربية المتخصصة، من أجل الوقوف عند تشابك الديناميات الهجروية الأوروبية، وتأثريها في دول الجوار، بما في ذلك الدول العربية، فضلً عن تجديد الحوار الإبيستمولوجي مع المدرسة السوسيولوجية

الفرنسية، التي غيبت بشكل كبير ضمن البراديغم الإبيستمولوجي والانعكاسي ل « السوسيولوجيا المشرقية»، في إطار هيمنة البراديغم الأنغلوساكسوني؛ ذلك بأن تحقيق حوار بنّاء بين مختلف البنى الفاعلة في إنتاج المعرفة العلمية المعاصرة هو الشرط الضروري لتطوير مجتمع معرفة ملتزم وحيوي.

ضمن أزيد من 400 صفحة، موزعة بين 12 فصلً، يبحر بنا لاغرانج في ثنايا كتابه من أجل فهم واقع أن تطور الصراع الاجتماعي بين المهاجرين ومجتمع الاستقبال لم يعد يشمل الضواحي وهوامش المدن و«المناطق الربضية »، بل انتقل إلى مختلف القطاعات الحيوية (السياسية والاقتصادية والدينية...) في البلاد. لذلك، وجب التركيز في تحليلاتنا العلمية، كما الخيارات الاستراتيجية للفاعلين السياسيين، على التيارات الهجروية والثقافية والإثنية والبنى الأسرية، والصراع بين الأجيال، وبروز الثقافات الفرعية في سياق تاريخيها الطويل الذي يعود إلى فترة نهاية الكولونيالية في الدول الأفريقية عمومًا، ودول العالم العربي خصوصًا. يعود بنا الكتاب، وفق نهج سوسيو - تاريخي، إلى فترة نهاية الحرب العالمية الثانية ونهاية المرحلة الكولونيالية، ليقف عند الجذور التاريخية والسياسية التي ساهمت في الدفع بالديناميات الهجروية من الدول الفقيرة (أفريقيا والعالم العربي على وجه الخصوص) نحو الدول الغنية (فرنسا على نحو خاص)، حيث عرفت «العقود الثلاثة المجيدة» Trente Les (glorieuses) انفتاحًا سياسيًا واجتماعيًا كبيرًا على

الهجرة والمهاجرين بفعل تراجع العمالة الفرنسية والانتعاش الاقتصادي، وزيادة الطلب على المهن البسيطة، فضلً عن غياب «المشروع الهجروي» في البنيات الذهنية للمجتمعات الفقيرة إبان الفترة الكولونيالية، الأمر الذي عرف سيادة نسق ثقافي وسياسي من التعايش بين المهاجرين وبلدان الاستقبال. لكن مع بداية فترة الستينيات والسبعينيات، وبفعل ارتفاع نسب البطالة، ونقص الطلب على الخبرات الأولية للمهاجرين، وتزايد نسب النمو الديموغرافي، أصبحت قضية الهجرة «قضية سياسية وأيديولوجية» بعدما كانت «قضية مهنية واقتصادية»، وأضحى «الغريب» هو «المهاجر»، وظهرت معاداة قوية للأجانب والمهاجرين كما ظهر عزل واستبعاد اجتماعي وثقافي تكرسا في البنى الذهنية والموضوعية مع توالي السنوات. أمام هذا «الصدام الثقافي»

(بين المستعمِر والمستعمَر سابقًا)، وضعت

قوانين صارمة للحد من دينامية الهجرة، بما يتماشي وتعاقب السياسات الهجرية للحكومات الفرنسية. ودُفع بالمهاجرين نحو «فضاءات

حضرية هامشية» (الضواحي والغيتوات الهامشية)، فأضحوا يعانون أمرين: تزايد نسب الفقر والعزل الحضري والاجتماعي، وتزايد حدة الصدامات الثقافية والهوياتية بين الجيل الأول والجيلين الثاني والثالث.

الآخر.

أمام هذا «القمع الرمزي» للمهاجرين، وتزايد الحملات السياسية والأيديولوجية لمعاداة الأجانب والمهاجرين، وارتفاع حدة البطالة والحصار الثقافي والوصم والعزل الحضري، لم يعد هناك بدل جيل الشباب، الذي يعيش أزمة هوية حقيقية، سوى التمرد والثورة على هذا الوضع، فتزايدت معدلات العنف الحضري وأعمال الشغب في المدن والضواحي، وارتفعت

نسب العنف وجنوح الشباب، والتطرف، ولا سيما في الأحياء الفقيرة، حيث الظروف الاقتصادية والاجتماعية متدهورة جدًّا، ونسب المهاجرين مرتفعة. يفسر لاغرانج هذا الوضع المتأزم من منظور سوسيولوجي متعدد الأبعاد، حيث يصبح الجيل الثالث (خصوصًا الشباب) ضحية سياسات العزل والاستبعاد الاجتماعي التي انتُهجت منذ سنوات خلت، وضحية مشكلات أسرية وصراع هوياتي بين جيل الكبار وجيل الشباب، إضافة إلى الوصم الذي يعانيه الشباب المهاجر داخل نسيج الثقافة المدينية، الأمر الذي يفتح الباب أمام مختلف أنواع التطرف (الأيديولوجي والسياسي والديني)، ويصبح الشباب الذي تنبذه ثقافة المركز وتستبعده اجتماعيًا كارهًا لهذه الثقافة،

فيواجه الوصم الاجتماعي بعنف مادي مضاد. والأمر يتعلق بنهج تفسيري ينهل من التفسيرات الميكروسوسيولوجية للظاهرة الهجروية (منذ مدرسة شيكاغو)، ويركز على الطابع المركّب والمتعدد الأبعاد للصراع الثقافي بين المهاجر وثقافته من جهة، ومجتمع الاستقبال من جهة أخرى، بالشكل الذي يجعله رافضًا لجذوره الهجروية، وكارهًا لثقافة المدينة، ويصبح العنف منفذًا سيكولوجيًا لرد الاعتبار للذات في مواجهة

أضحت قضية الهجرة اليوم قضية ثقافية بكل المقاييس، حيث بتنا نعيش صراعً إثنيًا بين

الثقافات داخل المجتمع الفرنسي المعاصر، بين معايير المهاجرين وقيمهم ونظم قيم المجتمع المضيف، تتم تغذيته أيديولوجيًا وسياسيًا،

بالشكل الذي جعل من «التجربة الهجروية»

مليئة بالإحباطات (l ’ expérience migratoire)

والمعاناة والصراعات (داخل الأجيال وفي ما بينها) التي انعكست على الشروط الموضوعية للحياة الاجتماعية بالضرورة. في الواقع لم تنجح لأحزاب اليسارية ولا اليمينية، منذ عقود، في لفت الاهتمام إلى البُعد الاجتماعي للهجرة، الأمر

الذي عزز بين الإثنيات حدة الصراع الثقافي الذي لا يخدم مصالح المجتمع والدولة الفرنسية ولا مصالح المهاجرين في سياق عالم متحول. يعكس نكران الثقافات معنيين سوسيولوجيين لقضية الهجرة: أولً، صراع المهاجر مع ذاته ومع أصوله الثقافية والهوياتية، بالشكل الذي يجعل الشرط الإنساني قائمًا على الصراع بين ثقافة الهامش (المهاجر = الضواحي) وثقافة المركز (مجتمع الاستقبال = المدينة). ثانيًا، صراع مجتمع الاستقبال مع نفسه، وتعزيز منطق الفصل والعزل العنصري ومعاداة الأجنبي والمهاجر، وهو ما يقوض المبادئ الإنسانية التي قامت عليها الثورة الفرنسية وعصر الأنوار (الحرية والمساواة والإخاء)، ويقبر جميع مساعي المثاقفة والاستيعاب والتعددية الثقافية التي تظل شرطًا أساسيًا لقيام التعايش والسلم الاجتماعي بين

الأفراد والجماعات. يعكف لاغرانج، في مسعاه الإبيستمولوجي نحو الاستفادة من نهج المقارنة في الدراسات الاجتماعية، على المقارنة بين التمييز العنصري الذي طاول السود في الولايات المتحدة الأميركية، ومعاداة المهاجرين والأجانب التي تنامت في المجتمع الفرنسي. بطبيعة الحال، يختلف السياق الأميركي (حيث يشكّل المجتمع مزيجًا من الثقافات الأجنبية فوق أرض أجنبية)

عن السياق الفرنسي (حيث يشكّل المجتمع مزيجًا من الثقافات الأصلية والأجنبية)، لكنهما

يتفقان في كون عناصر الإهمال الذي طاول المهمَّشين مقترنة بأربعة مؤشرات: تنظيم الأسرة؛ الاستبعاد والعزل المجالي والاجتماعي داخل الغيتوهات والضواحي؛ الفشل الدراسي؛ صعوبة الاندماج في سوق الشغل. لكن مع ذلك، يظل هناك اختلاف جوهري بين النموذج الأميركي، حيث التمييز قائم على اللون بالضرورة (ضعف التزاوج بين البيض والسود...) والنموذج الفرنسي، حيث التمييز قائم على الإثنية (على الرغم من الإرث الكولونيالي، هناك ارتفاع مستمر في حالات الزواج المختلط، في حين أن مسألة اللون غير مطروحة بحدة). هذه المؤشرات كلها تؤكد لنا فرضية المنطلق التي قدمها الباحث، التي تجعل من قضية الهجرة قضية ثقافية بالضرورة لا قضية سياسية أو دينية، أو حتى إثنية. على الرغم من أن الباحث أشار مرارًا إلى أن فرنسا ليست الولايات المتحدة الأميركية، وأن شرط المقارنة قائم على قياس المؤشرات الدالة وليس التعميم أو الإسقاط، فإن تركيزه على النهج الكمي بشكل كبير يجعلنا نؤكد ضرورة المزاوجة بين قراءتين اثنتين للكتاب: قراءة نظرية (سوسيولوجية) للنتائج، وقراءة تقنية (إبيستمولوجية) للمناهج، من أجل فهم الاختيارات المنهجية المستعملة في ضوء النتائج النظرية، أخذًا في الحسبان خصوصيات مجتمع البحث، وليس العكس.

في خضم الحوادث الإرهابية التي عرفتها مدينة باريس الفرنسية خلال السنة الماضية، طُرحت مسألة الهجرة من جديد على طاولة النقاش السياسي الفرنسي، وانتقد كثير من المثقفين

والمفكرين السياسات الحكومة إزاء المهاجرين، وما يتبعها من تزايد في حدة العنف والتطرف داخل الغيتوات التي أضحت قنابل موقوتة، من منطلق ضرورة التركيز على البُعد الثقافي

والاجتماعي للقضية. على الرغم من أن ترجمة هذا العمل الرائد إلى اللغة العربية لم تُنجَز إلا خلال مطلع عام 0162،

أي بعد ست سنوات على صدور الطبعة الأولى، بفعل ضعف حركة الترجمة في العالم العربي - خصوصًا ضمن حقل العلوم الاجتماعية - والاقتصار على الترجمة من الإنكليزية في أحسن الأحوال، وجب أن نشد بحرارة على يد المترجم، لدقة اختياراته المفهومية والمصطلحية التي تماشت في كثير من الأحيان مع رهانات المؤلف الإبيستمولوجية، ونثني على الناشر (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات) لاختياره الدقيق لهذا الكتاب في سياق تشدد الخطابات السياسية والأيديولوحية الأوروبية حول قضايا الهجرة. إن لعنوان الكتاب دلالة سيمولوجية وأنثروبولوجية

cultures) des déni Le (تتماشى بشكل

نسقي مع الأزمة الهوياتية والثقافية التي يعيشها المهاجرون العرب والأفارقة في بلاد المهجر (وخصوصًا الأجيال الحالية)، وتنصُّل بلدان

الاستقبال من مسؤولياتها السياسية والاجتماعية - يتجاوز

والإنسانية بالضرورة - تجاه الشروط الموضوعية لحياة المهاجرين، وما يكابدونه من تهميش وإقصاء وعزل يتزايد باستمرار، وسياق التوتر والصراع والعنف الذي أضحى سيد الموقف. في حقيقة الأمر، كان المترجم موفَّقًا في ترجمته لمصطلح Le déni» « ب « النكران» (هناك من يفضل «الرفض»)، نظرًا إلى العمق الأنثروبولوجي

للكلمة وتطابقها بشكل كبير مع الصراع الهوياتي والثقافي والسياسي والأيديولوجي الذي يعيشه المهاجرون بين ثقافة الأصل وثقافة الاستقبال.

أضحى الالتزام العلمي بترجمة مثل هذه الأعمال السوسيولوجية الرائدة والمقاربة لأكثر الموضوعات حساسية وراهنية في الحياة الاجتماعية والمشهد السياسي العالمي المعاصر، خيارًا إبيستمولوجيًا قويمًا لتنمية مجتمع معرفة

ملتزم في السياق العربي، وتعزيز الحضور الأكاديمي للجماعات العلمية المتخصصة في المشهد السياسي والاجتماعي. علاوة على ذلك، فإن ما يظل غائبًا - أو مغيَّبًا - عن الساحة

الأكاديمية العربية هو استراتيجيات علمية جادة للمواكبة العلمية لما يُنتَج ويترجَم من أعمال في السياق العربي من جهة، والتتبّع الإبيستمولوجي

للشروط الموضوعية لإنتاج الممارسة العلمية في حقل العلوم الاجتماعية من جهة أخرى. ختامًا، يظل كتاب نكران الثقافات مرجعًا إبيستمولوجيًا لكل مشتغل بقضايا الديناميات

الهجروية والحضرية، والاندماج الاجتماعي والمهني للمهاجرين في دول المهجر، ومدخلً علميًا لاستنطاق المعيش اليومي للضواحي

والغيتوات الباريسية من منظور سوسيولوجي مختلف الخطابات الإعلامية والأيديولوجية الجاهزة، ويعيد الاعتبار إلى عمل علماء الاجتماعي في سياق عالم معولم ومتحول. وعلى الرغم من تركيز الباحث على المقاربات الكمية في تحليل الشروط الموضوعية للدينامية الهجروية في المجتمع الفرنسي، كما في معظم أعماله الأخرى، على حساب المقاربات الكيفية،

فإن هذا الأمر لم يقلل من علمية هذا العمل المؤسس، بل على العكس من ذلك، زاده قوة إبيستمولوجية مكّنته من الصمود أمام مختلف الانتقادات التي وجِّهت إليه، التي لا تعدو أن تكون إعادة إنتاج لخطابات وأيديولوجيات سياسية جاهزة.

الهوامش

(1) لتفصيلات أكثر بشأن هذه النقطة، انظر الأعمال الرائدة

Marwan Mohammed, La Formation des لمروان محمد: bandes: Entre la famille, l’école et la rue , le lien social (Paris: Presses universitaires de France, 2011), et Marwan Mohammed et Laurent Mucchielli (dirs.), Les Bandes de jeunes: Des «blousons noirs» à nos jours , recherches (Paris: La Découverte, 2007).

(2) هوغ لاغرانج متخصص بقضايا العلاقات بين الأجيال (Les Rapports intergénérationnels)، وبصورة خاصة فيما يتعلق بالديناميات الهجورية في علاقتها بالتفتت الثقافي والهوياتي. لذلك، لا يمكن إدراجه ضمن تخصص دقيق بعينه، إذ يجمع في أعماله بين التحليل السوسيولوجي والتحليل الأنثروبولوجي والإثنولوجي عامة، والسوسيولوجيا الحضرية وسوسيولوجيا الهجرة بشكل خاص.

Marwan Mohammed et Marion Selz, « Le Déni انظر:(3) des familles?,» Sociologie , comptes rendus, 2011, mis en ligne le 23 Mai 2011, consulté le 23/2/2017, at: http:// sociologie.revues.org/896.

(4) صدرت الطبعة الأولى من الكتاب سنة 0102، انظر:

Hugues Lagrange, Le Déni des cultures (Paris: Ed. du Seuil, 2010).

ثم الطبعة الثانية سنة 013:2، انظر Le Déni Hugues Lagrange,

des cultures , éd. révue, points. Essais; 703 (Paris: Ed. du Seuil, 2013).

(5) تزايدت حدة النقاشات بشكل كبير بعد حوادث باريس الإرهابية خلال السنة الماضية، لمزيد من التفصيلات، انظر:

Guillaume Étienne, «Devenir autochtone quand on est «français d’origine étrangère»,» Revue européenne des migrations internationales , vol. 31, nos. 3-4 (2015), pp. 187-208, et Alain Morice, «Situation actuelle des migrations internationales: Réalités et controverses,» L’Information psychiatrique , vol. 91, no. 3 (2015), pp. 207-215.

انظر (6:)

Mohammed et Selz, «Le Déni».

(7) انظر رد لاغرانج على منتقديه، في: Hugues Lagrange,

« Le Déni des cultures: Mes arguments,» Outre-Terre , nos. 33-34 (2012), pp. 101-105.

(8) بشأن هذا المشروع السوسيولوجي لتدارس الديناميات الهجروية وتأثيرها في الديناميات الحضرية في المجتمع

الفرنسي، انظر: En terre étrangère: Hugues Lagrange: Vies d’immigrés du Sahel en Île-de-France (Paris: Ed. du Seuil, 2013); Hugues Lagrange (dir.), L’Epreuve des inégalités , le lien social (Paris: Presses universitaires de France, 2006), et Hugues Lagrange et Marco Oberti (dirs.), Émeutes urbaines et protestations: Une singularité française , nouveaux débats; 6 (Paris: Presses de la Fondation nationale des sciences politiques, 2006).

(9) نقصد بالربضية (Périurbanisation La) عملية الطرد الحضري التي تدفع بالزحف العمراني إلى حدود المناطق الريفية، وما يتبع ذلك من عزل اجتماعي للسكان. وبالتالي، تصبح المناطق الربضية (périurbains Espaces Les) فضاءات حضرية منتشرة على هامش المدن، وبعيدة عن مركز المدينة، وفيما وراء الضواحي الحضرية. يُنظر، سوسيولوجيًا، إلى

هذه المجالات بوصفها مناطق وسيطية بين المجال الحضري

والمجال القروي، وشكلً جديدًا من أشكال التحضر. لمزيد

من التفصيلات، انظر: Sylvie Charlot, Mohamed Hilal et Bertrand Schmitt, «La Périurbanisation renforce-t-elle la ségrégation résidentielle urbaine en France?,» Espace populations sociétés , vol. 1 (2009), pp. 29-44.

(01) انظر:

Mohammed et Selz, «Le Déni».

(11) أضحى الشباب (في الجيلين الثاني والثالث) يعيش أزمة هوية حقيقية؛ إذ لم يعد ينتمي إلى ثقافة الأصل، بحكم أنه مولود في بلد المهجر، ولم يعد ينتمي إلى ثقافة بلد الاستقبال، بحكم الوصم والاستبعاد الاجتماعي والعزل الحضري الذي يطاوله باستمرار. لمزيد من التفصيلات بشأن هذه المسألة،

Hugues Lagrange, «Les Jeunes face aux ruptures انظر: migratoires et familiales,» dans: Patrice Huerre et Danièle Guilbert (dirs.), Questions d’autorité , petite collection enfances & psy (Ramonville-Saint-Agne: Éd. Érès, 2005), pp. 151-176. Hugues Lagrange, «Le Renouveau religieux انظر:(21) des immigrés et de leurs descendants en France,» Revue française de sociologie , vol. 55, no. 2 (2014), pp. 201-

(13) بشأن مسألة الإدماج وحضور العامل الثقافي في تأزم العلاقة بين المهاجر وثقافة الاستقبال، انظر: Hugues

Lagrange, «Crise de l’intégration: Comment prendre en compte le facteur culturel?,» Esprit , no. 367 (Août- Septembre 2010), pp. 32-47.

Hugues Lagrange, «Émeutes, ségrégation 4(انظر:1) urbaine et aliénation politique,» Revue française de science politique , vol. 58, no. 3 (2008), pp. 377-401.

(15) بشأن هذه المسألة، انظر: Hugues Lagrange, «Réussite

scolaire et inconduites adolescentes: Origine culturelle, mixité et capital social,» Sociétés contemporaines , no. 80 (Octobre-Décembre 2010), pp. 73-111.

المراجع

Huerre, Patrice et Danièle Guilbert (dirs.). Questions d’autorit é. Petite collection

______. En terre é trang è re: Vies d’immigr é s du Sahel en Île - de - France. Paris: Ed.

______ (dir.). L’Epreuve des inégalités. Le Lien social. Paris: Presses universitaires de

______ et Marco Oberti (dirs.). Émeutes urbaines et protestations: Une singularit é fran ç aise. Nouveaux débats; 6. Paris: Presses de la Fondation nationale des sciences

Mohammed, Marwan. La Formation des bandes: Entre la famille, l’ é cole et la rue. Le

______ et Laurent Mucchielli (dirs.). Les Bandes de jeunes: Des «blousons noirs» à

Truong, Fabien. Jeunesses fran ç aises: Bac + 5 made in banlieue. Collection l’envers

Charlot, Sylvie, Mohamed Hilal et Bertrand Schmitt. «La Périurbanisation renforce - t - elle la ségrégation résidentielle urbaine en France?.»  Espace populations soci é t é s.

Étienne, Guillaume. «Devenir autochtone quand on est «français d’origine étrangère».» Revue europ é enne des migrations internationales. Vol. 31, nos. 3 - 4

(61) بخصوص هذه النقطة، انظر: Robert Reynard, «La

Qualité de vie dans les territoires français,» Revue de l’OFCE , no. 145 (2016), pp. 33-48; Fabien Truong, Jeunesses françaises: Bac + 5 made in banlieue , collection l’envers des faits (Paris: La Découverte, 2015), et Didier Lapeyronnie, «Révolte primitive dans les banlieues françaises: Essai sur les émeutes de l’automne 2005,» Déviance et Société , vol. 30, no. 4 (2006), pp. 431-448.

References

Books

enfances & psy. Ramonville - Saint - Agne: Éd. Érès, 2005. Lagrange, Hugues. Le D é ni des cultures. Paris: Ed. du Seuil, 2010. ______. ______. Éd. Révue. Points. Essais; 703. Paris: Ed. du Seuil, 2013.

du Seuil, 2013.

France, 2006.

politiques, 2006.

Lien social. Paris: Presses universitaires de France, 2011.

nos jours. Recherches. Paris: La Découverte, 2007.

des faits. Paris: La Découverte, 2015.

Periodicals

Vol. 1 (2009), pp. 29 - 44.

(2015), pp. 187 - 208.

Lagrange, Hugues. «Crise de l’intégration: Comment prendre en compte le facteur culturel?.» Esprit. No. 367 (Août - Septembre 2010), pp. 32 - 47. ______. «Le Déni des cultures: Mes arguments.»  Outre - Terre. Nos. 33 - 34 (2012), pp. 101 - 105. ______. «Émeutes, ségrégation urbaine et aliénation politique.» Revue fran ç aise de science politique. Vol. 58, no. 3 (2008), pp. 377 - 401. ______. «Le Renouveau religieux des immigrés et de leurs descendants en France.»  Revue fran ç aise de sociologie. Vol. 55, no. 2 (2014), pp. 201 - 244. ______. «Réussite scolaire et inconduites adolescentes: Origine culturelle, mixité et capital social.»  Soci é t é s contemporaines. No. 80 (Octobre - Décembre 2010), pp. 73 - 111. Lapeyronnie, Didier. «Révolte primitive dans les banlieues françaises: Essai sur les émeutes de l’automne 2005.» D é viance et Soci é t é. Vol. 30, no. 4 (2006), pp. 431 - 448. Marwan Mohammed et Marion Selz, «Le Déni des familles?.» Sociologie , Comptes rendus, 2011, mis en ligne le 23 Mai 2011, consulté le 23/2/2017, at: http://sociologie. revues.org/896. Morice, Alain. «Situation actuelle des migrations internationales: Réalités et controverses.» L’Information psychiatrique. Vol. 91, no. 3 (2015), pp. 207 - 215. Reynard, Robert. «La Qualité de vie dans les territoires français.» Revue de l’OFCE. No. 145 (2016), pp. 33 - 48.