العودة إلى تفاصيل المؤلَّف سوسيولوجيا وأنثروبولوجيا الإبادة الجماعية

سوسيولوجيا وأنثروبولوجيا الإبادة الجماعية

** Translated by Lahay A. Hussain | ﺗﺮﺟﻤﺔ: ﻻﻫﺎي ﻋﺒﺪ اﻟﺤﺴﻴﻦ

آدم ﺟﻮﻧﺰ | Adam Jones *

الملخّص

هذه ترجمة للفصل الحادي عشر من كتاب الإبادة الجماعية: مقدمة شاملة، للمؤلف آدم جونز. وفيه يلاحظ أن على الرغم من أن حقلي علم الاجتماع والأنثروبولوجيا متمايزان فإنهما يشتركان في الاهتمام بالصيرورات المجتمعية والثقافية، وفي تجنّبهما حتى تاريخ حديث، الخوض في قضايا الإبادة وإرهاب الدولة. إلا أن مجموعة من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا ساهمت منذ عقود، في تغيير هذا الوضع وباشرت في دراسة ظاهرة الإبادة. يتناول المبحث الأول من الفصل ظاهرة الإبادة من المنظار السوسيولوجي كظاهرة حديثة ارتكزت على الأيديولوجيا القومية والتطور التقني والعقلانية البيروقراطية، وعلى كونها صراعًا ذا جانب "إثني"، ولدور "الأقليات المهيمنة على السوق" في تبريرات مرتكبيها. فيما عرض المبحث الثاني المنظار الأنثروبولوجي للإبادة الجماعية الذي استطاع التغلغل في المجتمع للنظر إليه من الداخل، وقّدّم دراسات عن الإبادة متميزة وغير مطروقة، مثل أعمال علماء الأنثروبولوجيا العدليين. وجاء ذلك على العكس من بدايات الأنثروبولوجيا التي كانت منحازة لمصلحة الأنظمة الاستعمارية.

Abstract

Abstract: This translation of Chapter 11 of the book Genocide: A Comprehensive Introduction by Adam Jones observes that although the fields of sociology and anthropology have long displayed reluctance to engage with genocide and state terror, a host of sociologists and anthropologists have for decades contributed in changing this situation and conducted studies on genocide. The first part of the chapter deals with genocide from a sociological perspective. It views it as a modern phenomenon based on nationalist ideology, technological advance, bureaucratic rationalization, and as a conflict with an «ethnic» dimension. It also considers the use of «market-dominant minorities» as a justification for the perpetrators of genocide. Part two reviews the anthropological perspective on genocide. It employs case studies of genocide, including the works of forensic anthropologists. This approach stands in contrast with the foundations of anthropology, which were biased in favor of colonial regimes.

الكلمات المفتاحية:
  • الإبادة الجماعية
  • علم اجتماع الحداثة
  • علم اجتماع العرقية
  • البيروقراطية
  • الخدر الاجتماعي
Keywords:
  • Genocide
  • Modern Sociology
  • Ethno-Sociology
  • Bureaucracy

The Sociology and Anthropology of Genocide

ملخص: هذه ترجمة للفصل الحادي عشر من كتاب الإبادة الجماعية: مقدمة شاملة، للمؤلف آدم جونز، وفيه يلاحظ أن على الرغم من أن حقلي علم الجتماع والأنثروبولوجيا متمايزان فإنهما يشتركان في الهتمام بالصيرورات المجتمعية والثقافية، وفي تجنّبهما حتى تاريخ حديث،

الخوض في قضايا الإبادة وإرهاب الدولة. إل أن مجموعة من علماء الجتماع والأنثروبولوجيا ساهمت منذ عقود، في تغيير هذا الوضع وباشرت في دراسة ظاهرة الإبادة. يتناول المبحث الأول من الفصل ظاهرة الإبادة من المنظار السوسيولوجي كظاهرة حديثة ارتكزت على الأيديولوجيا القومية والتطور التقني والعقلانية البيروقراطية، وعلى كونها صراعًا ذا جانب «إثني»، ولدور

«الأقليات المهيمنة على السوق» في تبريرات مرتكبيها. فيما عرض المبحث الثاني المنظار الأنثروبولوجي للإبادة الجماعية الذي استطاع التغلغل في المجتمع للنظر إليه من الداخل، وقدّم دراسات عن الإبادة متميزة وغير مطروقة، مثل أعمال علماء الأنثروبولوجيا العدليين. وجاء ذلك على العكس من بدايات الأنثروبولوجيا التي كانت منحازة لمصلحة الأنظمة الستعمارية.

Abstract: This translation of Chapter 11 of the book Genocide: A Comprehensive Introduction by Adam Jones observes that although the fields of sociology and anthropology have long displayed reluctance to engage with genocide and state terror, a host of sociologists and anthropologists have for decades contributed in changing this situation and conducted studies on genocide. The first part of the chapter deals with genocide from a sociological perspective. It views it as a modern phenomenon based on nationalist ideology, technological advance, bureaucratic rationalization, and as a conflict with an «ethnic» dimension. It also considers the use of «market-dominant minorities» as a justification for the perpetrators of genocide. Part two reviews the anthropological perspective on genocide. It employs case studies of genocide, including the works of forensic anthropologists. This approach stands in contrast with the foundations of anthropology, which were biased in favor of colonial regimes.

Associate Professor of Political Science at the University of British Columbia Okanagan in Kelowna, Canada.

Professor of Sociology at the Sociology Department, Faculty of Arts, Baghdad University.

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

يُعرّف تخصصا علم الجتماع والأنثروبولوجيا بنوع المجتمعات التي يدرسانها. قام علماء

الأنثروبولوجيا بدراسات في «العالم الثالث» غير الصناعي أو عالم الجنوب، فيما ركّز علماء الجتماع على الأنماط والسيرورات الجتماعية ضمن «العالم الأول» الصناعي أو عالم الشمال. عدا ذلك، يربط التخصصان اهتمامُهما المشترك بالسيرورات المجتمعية والثقافية، لذلك من الملائم اعتبارهما معًا. يشترك علم الجتماع والأنثروبولوجيا أيضًا في العزوف، حتى فترة متأخرة، عن الدخول في قضايا الإبادة الجماعية وإرهاب الدولة. قال إرفنك لويس هوروفتز في نهاية الثمانينيات: «يُظهر كثير من علماء الجتماع ترددًا مقصودًا في شأن هذه القضايا، وهو كناية عن شعورٍ بأن القضايا الفكرية التي تُطرح بهذا الأسلوب هي قضايا ميلودرامية وغير ملائمة للخطاب العلمي». وبالمثل وصفت نانسي تشبر هيوز «الدور التقليدي لعالِم الأنثروبولوجيا بأنّه حيادي ونزيه وبارد وعقلاني، بحجة كونه ملاحِظًا موضوعيًا

للحالة الإنسانية «؛ وحافظ علماء الأنثروبولوجيا تقليديًا على «مسافة مترفعة عن اللتزام السياسي ». من حسن الطالع أنّ تقويم هوروفتز لغٍ اليوم، وذلك بفضل ثلة من علماء الجتماع الذين ساهموا بصورة مؤثرة جدًا في دراسات الإبادة الجماعية، تضم كرت جوناسون، هيلين فين، سيغموند بومان، مايكل مان، ودانيال فايرشتاين. جاءت الدراسات الأنثروبولوجية متأخرة، لكن السنوات الأخيرة شهدت صدور أول المختارات عن الأنثروبولوجيا والإبادة الجماعية، إلى جانب أعمال خارقة وضعها ألكسندر لبان هنتون وفكتوريا سانفورد وكريستوفر تايلور وآخرون. تركز هذه الدراسة وهي تفحص وجهات النظر الجتماعية على ثلاثة موضوعات رئيسة: - علم اجتماع الحداثة الذي جذب اهتمامًا كبيرًا من علماء الإبادة الجماعية في أعقاب صدور كتاب

سيغموند بومان الحداثة والمحرقة؛ - علم اجتماع «الإثنيّة» والصراع الإثني؛ - دور الأقليات «الوسيطة» أو «المهيمنة على السوق.»

Thomas Hylland Eriksen, Small Places, Large Issues: An Introduction to Social and Cultural Anthropology , 1)يُنظر:)

Anthropology, Culture, and Society, 2 nd ed. (London; Sterling, Va.: Pluto Press, 2001), p. 29. (2) Horowitz, quoted in: Helen Fein, Genocide: A Sociological Perspective (London: Sage, 1993), p. 6. (3) Nancy Scheper-Hughes, « The Primacy of the Ethical: Propositions for a Militant Anthropology,» Current Anthropology , vol. 36, no. 3 (June 1995), pp. 410 and 414. (4) Alexander Laban Hinton (ed.): Annihilating Difference: The Anthropology of Genocide , with a foreword by Kenneth Roth, California Series in Public Anthropology; 3 (Berkeley: University of California Press, 2002), and Genocide: An Anthropological Reader , Blackwell Readers in Anthropology; 3 (Malden, Mass.: Blackwell, 2002); Nancy Scheper- Hughes and Philippe Bourgois (eds.), Violence in War and Peace: An Anthology , Blackwell Readers in Anthropology; 5 (Oxford: Blackwell, 2004), and Jeffrey A. Sluka (ed.), Death Squad: The Anthropology of State Terror , Ethnography of Political Violence (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2000).

ﺳﻮﺳﻴﻮﻟﻮﺟﻴﺎ وأﻧﺜﺮوﺑﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ا³ ﺑﺎدة اﻟﺠﻤﺎﻋﻴﺔ

من ثمّ يتناول أيضًا التأطيرات الأنثروبولوجية للإبادة الجماعية، مركزًا على عمل عدد من علماء الأنثروبولوجيا العدليين.

ﻣﻨﻈﻮرات ﺳﻮﺳﻴﻮﻟﻮﺟﻴﺔ

ﻋﻠﻢ اﺟﺘﻤﺎع اﻟﺤﺪاﺛﺔ

هل الإبادة الجماعية ظاهرة حديثة؟ أول وهلة، يبدو السؤال تافهًا. فتدمير الشعوب على أساس هوية الجماعة يعود إلى بدايات التاريخ، ومن المحتمل حتى فترات ماقبل التاريخ. ومع ذلك نعرف أن في القرون الأخيرة، خصوصًا خلال المئة عام الماضية، شهدت عمليات الإبادة الجماعية قفزة كمية. والقضية المركزية هي: هل كانت القفزة «نوعية» أيضًا؟ هل هناك شيء ما في شأن الحداثة صار تعريفيًّا

للإبادة الجماعية؟ في أحد أكثر الكتب جدلً عن المحرقة اليهودية: Modernity and the Holocaust) الحداثة

والمحرقة)، بعث عالم الجتماع سيغموند بومان ب «نعم» مدويّة إجابةً عن هذا السؤال. وقال: «لم

تكن الحضارة الحديثة الشرط «الكافي» للمحرقة، بل كانت بالأحرى الشرط «اللازم» لها بالتأكيد. فمن دونها، لم يكن ممكنًا التفكير في المحرقة». تناولت محاجّة بومان أربع سمات جوهرية للحداثة:

القومية والعنصرية «العلمية» والتعقيد التقاني والعقلانية البيروقراطية. قسمت القومية الحديثة العالم

«بصورةٍ تامة ومنتهية... ميادين قومية»، من دون أنْ تترك «حيّزًا... للدولية»، وصنّفت «كل بقعة

من الأرض خالية من السكان... (كما لو أنها) دعوة قائمة إلى العدوان». وفي عالم كهذا، يمكن لليهود الأوروبيين - بهويتهم الدولية والعالمية - أنْ يُعتبروا غرباء. لقد «تحدّوا الحقيقة ذاتها التي تقوم

عليها مزاعم الأمم كلها، القديمة والحديثة منها على السواء: أي طابع الأمة والإرث وطبيعيّة الكيانات

القومية... وكان العالم المعبأ بقوميات ودول قومية يمقت الفراغ اللاقومي. كان اليهود في مثل هذا الفراغ؛ كانوا هم بذاتهم الفراغ»».

5)الحداثة» كما يلاحظ هنتون «يصعب تعريفها إلى حد كبير»، ولكن «ربما نستطيع وصفها بأفضل ما يمكن باعتبارها مجموعة) »

من السيرورات المترابطة، بعضها بدأ يتطور في وقت يعود إلى القرن الخامس عشر مميِّزة ظهور » المجتمع الحديث «. ومن الناحية

السياسية، تتضمن الحداثة صعود الأشكال العلمانية في الحكم، ممثلة بالثورة الفرنسية وبلغت أوجها في الدولة-الأمة الحديثة. ومن الناحية القتصادية، تشير الحداثة إلى التوسع الرأسمالي واستتباعاته - التبادل النقدي، وتراكم رأس المال، والملكية الخاصة الواسعة،

والبحث عن أسواق جديدة، والتسليع، والتصنيع. ومن الناحية الجتماعية، تستلزم الحداثة الستعاضة عن الولءات » التقليدية «

(للإله، السيد، الكاهن، الملك، البطريرك، الأقارب، المجتمع المحلي) بولءات » حديثة « (للسلطة العلمانية، القائد، » الإنسانية «،

الطبقة، الجندر، العرق، الإثنية). ومن الناحية الثقافية، تشمل الحداثة النتقال من النظرة الدينية إلى العالم السائدة سابقًا، إلى النظرة العلمانية والمادية التي تتميز بطرائق جديدة في التفكير حول السلوك البشري». يُنظر: Alexander Laban Hinton, «The Dark Side

of Modernity: Toward an Anthropology of Genocide,» in: Hinton (ed.), Annihilating Difference , pp. 7-8. وللاطلاع على مختارات فخمة، يُنظر: (Malden, Modernity: An Introduction to Modern Societies Stuart Hall [et al.] (eds.), MA: Blackwell, 1996). (6) Zygmunt Bauman, Modernity and the Holocaust (Ithaca, NY: Cornell University Press, 2000), p. 13. (7) Ibid., pp. 53 and 55; emphasis in original.

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

امتزج هذا القلق الوجودي تجاه اليهود بالعنصرية العلمية التي صوّرها بومان كما لو أنها ظاهرة حديثة، تخلع على الكراهية بين الجماعات غشاءً من العقلانية العلمية والطبية. جلب هذا معه جنينًا الجتثاث

الكلي للآخر العرقي: «الحل الوحيد الكافي للمشكلات التي تطرحها النظرة العنصرية إلى العالم هو العزل الكلي غير القابل للمساومة للعرق المريض والمعتل - الذي يمثل مصدر المرض والتلوث - من خلال الفصل المكاني الكامل له أو من خلال تدميره جسديًا». كيف يمكن لمثل هذا المشروع الشمولي أنْ يطبق؟ بالنسبة إلى بومان كان بزوغ فجر التقانة الحديثة والعقلانية البيروقراطية أساسًا لذلك. اعتمدت آلة القتل الجماعي التي طوّرتها النازية واستخدمتها على منتوجات الثورة الصناعية، طرق النقل بالقطارات وغرف الغاز وبلورات السيانيد القاتل بإدارة رجال يلبسون الأقنعة الواقية. كانت هذه كلها في الأساس مخترعات حديثة يجب أنْ تُدار من خلال بيروقراطية الموت. شدد المنظِّر الألماني العظيم للبيروقراطية الحديثة، ماكس فيبر، على «الطابع الفريد وغير «الشخصي»» لهذه البيروقراطية، ما «يعني أنّ الآلية [البيروقراطية]... صنعت لتعمل بسهولة لمصلحة أي واحدٍ يعرف كيف يتحكم بها». وجادل فيبر كذلك في أن «بَقْرَطة الهيمنة [الجتماعية]

برمّتها يُمكّن بقوة من تطيير «المضمون العقلاني للحقيقة» وشخصية الخبير المهني»، المتميز بحياده وبروده وتكريسه جهده كله للعمل الفاعل. زدْ على ذلك أن البيروقراطية تغذي السرية: «إن مفهوم «السر الرسمي» هو الختراع النوعي للبيروقراطية». وفقًا لبومان، لم يكن ممكنًا حتى مجرد التفكير بتسيير ملايين من «أشباه البشر» إلى الموت المجهول في غياب مثل هذه الثقافة، «بطبيعتها، هذه مهمة مثبطة للعزائم، ل تخطر على البال ما لم تكن مرتبطة بتوافر موارد مهولة، ووسائل لحشدها وتوزيعها على نحو مخطَّط، ومهارات لتقسيم المهمة على وجه العموم إلى عدد كبير من الوظائف الجزئية والمتخصصة ومهارات لتنسيق أدائها. وباختصار، من غير الممكن تصوّر هذه المهمة من دون البيروقراطية الحديثة». يُضاف إلى ذلك «أنّ تقسيم هذه المهمة الإجمالية» إلى وحدات مجزَّأة في الزمان والمكان والعمل خلق مسافة نفسية ضرورية بين الضحايا وأولئك المشاركين في إبادتهم. ل وجود لفرد - ما عدا، من حيث السمعة، الأنموذج البعيد وشبه الأسطوري للفوهرر - مارس سلطة كلية أو تحمل المسؤولية

8)بوصفها تصورًا للعالم، وحتى على نحو أهم، بوصفها أداة فاعلة في الممارسة السياسية، ل يمكن التفكير في العنصرية بمعزل) »

عن التطورات في العلم الحديث والتكنولوجيا الحديثة والأشكال الحديثة لسلطة الدولة. هذا يعني أن العنصرية هي بالضبط منتَج

حديث. الحداثة جعلت العنصرية ممكنة». يُنظر:

Ibid., p. 61. (9) Ibid., p. 76. (10) Max Weber, «Bureaucracy,» in: Max Weber, From Max Weber: Essays in Sociology , translated, edited, and with an introduction by H. H. Gerth and C. Wright Mills (New York: Oxford University Press, 1954), pp. 229, 233 and 240.

يلاحظ ليستر ر. كورتز أن البيروقراطية تُبدي ميلا «إلى تعزيز العقلانية الشكلية ل الموضوعاتية، هذا يعني نمط التفكير الذي يشدد على الفاعلية، ل على العتبارات الأخلاقية أو السياقية». اقتُبس في: The Genocidal Robert Jay Lifton and Eric Markusen,

Mentality: Nazi Holocaust and Nuclear Threat (New York: Basic Books, 1990), p. 180. (11) Bauman, p. 76.

ﺳﻮﺳﻴﻮﻟﻮﺟﻴﺎ وأﻧﺜﺮوﺑﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ا³ ﺑﺎدة اﻟﺠﻤﺎﻋﻴﺔ

الكليّة عن ذلك. ل يمكن لأحد أنْ يرتكب جريمة جماعية «بحدّ ذاته». فما حصل هو أن واحدًا

شغّل محطة السكك الحديد، أو صبّ القليل من بلّورات السيانيد في قذيفة: «عملية تشغيلية باردة

وموضوعية... وبوساطة آلت... عملٌ أنجزَ عن بُعد، عملٌ لم يستطع القائم به أنْ يرى تأثيره»، بحسب

كلمات ولفغانغ سوفسكي. إنها ذاتها تقريبًا مجموعة القيم والإجراءات والسلوك التي ميزت الذهنيّة

النووية بقدرتها على إدارة عملية إبادة شاملة بصورة عقلانية. في وقتٍ أحدث، وفي عمله القيّم الإبادة الجماعية في عصر الدول القومية، جادل المؤرخ مارك ليفين

بأنّ «مشكلة الإبادة الجماعية تكمن في الطبيعة الحقة للحداثة». هذا الرأي، إلى جانب العنوان الفرعي لكتابه الثاني صعود الغرب ومجيء الإبادة الجماعية، يوحيان بأنّ الإبادة الجماعية ظاهرة حديثة جوهريًا ومرتبطة على نحوٍ معقد بالتوسع الإمبريالي الغربي منذ القرن الخامس عشر: «إنّ تبلور

الظاهرة التي ندعوها «إبادة جماعية» - على الضدّ من الفئات الأخرى للجرائم الجماعية - ما كان له أنْ يتحقق فعليًا إلّ في سياق ظهور نظام عالمي مترابط للدول القومية بلغ أخيرًا أتمّ ثماره في القرن

العشرين». ويرى ليفين أن «هذا النظام لم يترافق بأجندة سياسية شاملة لإبادة الشعوب الأجنبية»، بل أسس في المقابل «لخطابٍ ثقافي أوسع اعتُبرت فيه الإبادة الجماعية مقبولة تمامًا». عاودت السمات

البيروقراطية التي شدد عليها بومان الظهور إلى السطح في زعم ليفين «أننّا نسمّي الناس معياريًا أعضاء

في قبائل وأمم وأعراق وأديان معينة»، نظرًا «إلى تسهيل الحداثة اختزال الظواهر المعقدة وتبسيطها -

ومن ضمنها الإنسانية - إلى شكلٍ أكثر مطواعية للإدارة والتخطيط»، في حين تخفق في «تصور البشر ككائنات تملك على نحوٍ كامن وناشط هويات وولءات متعددة المستويات»أو ترفضه. يمكن تقديم نوعينمن النتقادات لأطروحة حداثة -، وفيه يبدو أنّ الخط الإبادة الجماعية هذه: الأول الفاصل المفترض بين الإبادة التاريخية والإبادة الحديثة أسلوبيٌّ أكثر من كونه جوهريًّا. فالأمر ببساطة

ليس كما جادل بومان في أنّ «المحرقة تركت خلفها وبزّت كل ما يعادلها من الإبادات المزعومة قبل التاريخ، مقدّمًا إياها كما لو أنها كانت بدائية وغير مؤثرة في المقارنة». بدلً من ذلك، تفيد

قناعة مؤسس دراسات الإبادة الجماعية، رافائيل لِيمكن، الواضحة «أن الإبادة الجماعية ليست ظاهرة استثنائية، بل... تحدث في العلاقات بين الجماعات باطراد معيّن على غرار جرائم القتل الجنائية

(12) Wolfgang Sofsky, The Order of Terror: The Concentration Camp , translated by William Templer (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1997), p. 264.

«الإرهاب الحديث ل يحتاج إلى مجرمين كبار، فالعذاب اليومي العادي ربما يفي بالغرض: المحاسب الخلوق، الموظف العادي،

الطبيب المتفاني، عاملة المصنع الشابة القلقة « (ص).278 13)) الدراسة الكلاسيكية هي:

Lifton and Markusen, The Genocidal Mentality. (14) Mark Levene, Genocide in the Age of the Nation State , 2 vols. (London; New York: I. B. Tauris, 2005), vol. 1: The Meaning of Genocide , p. 10. (15) Ibid., p. 144.

يُنظر أيضًا الصيغة المؤكِّدة أن «خصوصية الإبادة الجماعية ل يمكن فصلها عن الإطار الحديث تحديدًا الذي نشأت ضمنه» (ص. 155)

(16) Levene, vol. 1: The Meaning of Genocide , pp. 12-13, quoting in: Hinton (ed.), Annihilating Difference. (17) Bauman, p. 89.

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

التي تقع بين الأفراد». تمتد التحليلات التاريخية للإبادة الجماعية التي أجراها ليمكن على مدى مئات السنين... وفي ديباجتها، اعترفت اتفاقية الأمم المتحدة في شأن الإبادة الجماعية التي نتجت من مساعي ليمكن الضاغطة «بأن في «فترات التاريخ كلها» أوقعت الإبادة الجماعية خسائر كبيرة بالبشرية». ومن جانبه، فإنّ ليفين كونه مؤرخًا جيدًا، ل يتجاهل النظرة الستمرارية إلى التاريخ، لذا فإنه يشدد فحسب على بعض النقاط، مشيرًا إلى «ظاهرتنا، أقلّه في تجلياتها الحديثة والمعاصرة »؛ و«الإبادة

الجماعية - أو أقلّه التنويع الحديث لها »؛ و«أيُّ فحصٍ تاريخي واسعللظاهرة ».... يستحق تقصّي السمات «الحديثة» على نحوٍ مميز للإبادات الحديثة والمعاصرة البحث، وقدّم بومان وليفين مساهمات تأسيسية في هذا المجال. لكن، وعلى وجه الدقة، يمكن لخط البحث نفسه أنْ يوجَّه إلى المؤسسة الإنسانية المتحالفة على نحوٍ حميم مع الإبادة الجماعية، أي الحرب. وفي حين نستطيع أنْ نسجل أساليب التوسع الحديثة والبتكارات القاتلة كلها، إلّ أننا ل نستطيع، باعتقادي، اقتراح أنّ الحرب ابتكار حديث «جوهريًا». وكذلك الأمر أيضًا في ما يخص الإبادة الجماعية. فكما جادل أليكس ألفاريز: «ما فعلته الحداثة هو إعادة صوغ الإبادة الجماعية لتصير مسعى أكثر فاعليّة وعقلانية

قادرًا على القتل على نطاقٍ صناعي. لم يخلق العصر الحديث الإبادة الجماعية؛ بل بالأحرى بدّل في طبيعتها وتطبيقاتها وفاعليتها». يمكن أنْ يلخص النتقاد الثانيلأطروحة حداثة الإبادة الجماعية بكلمة واحدة: رواندا. لقد تمّ هناك اصطياد وتطويق وإبادة حوالى مليون شخص في اثني عشر أسبوعًا، وهي وتيرة تجاوزت بفارق واسع وتيرة الإبادة في المحرقة النازية «الحديثة». مع ذلك، لم تكن الإبادة الجماعية أكثر حداثة بحسب التحقيب الزمني؛ بل نفّذ مثل هذه الأعمال رجال ونساء مسلحون بأكثر قليلا من المسدسات والأدوات الزراعية التقليدية، ولم تتضمن ذلك الدور الملحوظ للخبراء العلميين أو التقنيين. وحدث القتل على مسافة قريبة، وغالبًا وجهًا لوجه، وعلى مرأى من العامة، من دون اللجوء الى

استراتيجيات المسافة البدنية والنفسية والسريّة الرسمية المفترض أنها ضرورية للذبح الجماعي

(18) Lemkin, letter of July 22, 1948, quoted in: John Docker, «Are Settler-Colonies Inherently Genocidal? Re-reading Lemkin,» in: A. Dirk Moses (ed.), Empire, Colony, Genocide: Conquest, Occupation, and Subaltern Resistance in World History , Studies on War and Genocide; 12 (New York: Berghahn Books, 2008), p. 87. (19) Levene, vol. 1: The Meaning of Genocide , pp. 20, 130 and 145, Emphases added.

20)) الأمر نفسه مع العنصرية: على الرغم من أن ليفين يشير صائبًا إلى خطاب علمي أو خطاب علمي زائف، إل أنه يعترف

أيضًا بأن «تمييز الناس على أساس درجات لون الجلد وغيرها من الخصائص الجسمانية باعتبارها أداة تستخدم حيثما تريد جماعة

مهيمنة شرعنة سيطرتها الجتماعية على الجماعات الأخرى، هو أمر قديم جدًا في التاريخ. ومن المؤكَّد أنه ل يقتصر حصريًا على

الأوروبيين. على المرء أن ينظر فحسب في نظام المراتب الجتماعية المغلقة في الهند كي يلحظ أقدميته وتحيّزه». يُنظر: Levene,

vol. 2: The Rise of the West and the Coming of Genocide , p. 189. (21) Alex Alvarez, Governments, Citizens and Genocide: A Comparative and Interdisciplinary Approach (Bloomington, IN: Indiana University Press, 2001), p. 2.

22)) يلاحظ مايكل مان على نحو مشابه أنه في الإبادة الجماعية النازية ضد اليهود، «المتعاونون الأجانب من الفاشيين الرومانيين والكرواتيين استخدموا تقنيات بدائية؛ كان مفعولها الإبادي» بمستوى غرف الغاز ذات التقنية العالية. يُنظر: The Michael Mann,

Dark Side of Democracy: Explaining Ethnic Cleansing (New York: Cambridge University Press, 2005), p. 241.

ﺳﻮﺳﻴﻮﻟﻮﺟﻴﺎ وأﻧﺜﺮوﺑﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ا³ ﺑﺎدة اﻟﺠﻤﺎﻋﻴﺔ

«الحديث». يمكن للمرء أنْ يجادل بأنّ المحرقة الرواندية اعتمدت على جهاز إداري معقد؛ أيديولوجيا عنصرية تخضّبت بعلمٍ مزيف؛ وبالإنتاج الإجمالي الصناعي للمناجل والهراوات والأسلحة النارية والقنابل اليدوية. لكنْ، هل هذه الآلت كلها «حديثة» أصلا؟ البيروقراطية قديمة، كما تذكرنا السلالت الحاكمة الصينية المختلفة. يشتبه المرء في أنّ أيديولوجيا الكراهية التي طوّرتها سلطة

الهوتو عملت بالوظيفية نفسها التي تعمل بها أيديولوجيات أخرى من دون أنْ يكون فيها نبرة حديثة على نحوٍ غامض. وفي ما يتعلق بتقانات الموت الرواندية، فإنّ أدواتها الأساسية من المسدسات والمعاول والمتفجرات، تعود كلها إلى ما قبل الثورة الصناعية.

اªﺛﻨﻴﺔ واﻟﺼﺮاع اª ﺛﻨﻲ

هذا هو المبلغ الذي ستحصل عليه يا لو، إذا كنت ستكون واحدًا منهم... توماس ميرتون، 1637

ثمة عدد قليل من المفاهيم التي تبدو غير متبلورة لكنها مهمة، على غرار ما هي الإثنية. فمن جهة، تبدو التحديدات الهوياتية الإثنية مائعة جدًا ومتقلّبة جدًا كما لو أنّها تفتقر تقريبًا إلى أي طابع «موضوعي».

من جهة أخرى، تعتبر الإثنية، على نحوٍ قابل للجدال، الباعث الأيديولوجي المهيمن على الصراع والإبادة الجماعية على صعيد العالم. ساهمت ثلاث ظواهر تاريخية في بروز الإثنية في «المجتمع العالمي» اليوم: الأولىهي القومية. فمع تحرك أوروبا بعيدًا عن تداخل الدول السيادية نحو تشكيل الدول الحديثة، وقعت بداية تحت جناح الأنظمة الملكية المركزية القوية. ومنذ بداية العصر الديمقراطي من خلال الثورتين الأميركية والفرنسية، اعتُقد أنّ السيادة تكمن في «الشعب»، لكن أي شعب؟ وكيف يعرّف؟ أفسحت الندفاعة الشعبية في

القرن التاسع عشر المجال لصعود القومية الإثنية الحديثة، فيما تطلّع الحكام الغربيون ومواطنوهم إلى أيديولوجيا من أجل توحيد الممالك. وكانت النتيجة هي ما دعاه بيندكت أندرسون «الجماعات المتخيَّلة»: تكتلات متباعدة جغرافيًا، إنّما تعرّف نفسها تبادليًا أنها «فرنسية»، «ألمانية»، «بريطانية»،

«إيطالية»... وهكذا. وكانت الفكرة الجوهرية هي أن «الجماعة المتخيّلة» تتطلّب شكلا سياسيًا

معيّنًا، هو «الدولة القومية»، كي يبلغ تحققه الصحيح.

23)) «في ما يخص التأثيرات المزعومة للمسافة البيروقراطية التي تسهّل أفعال القتل المباشر، فإن الجرائم الوحشية وجهًا لوجه التي

ارتكبها ضد التوتسي عشرات الآلف من الهوتو العاديين، معظمهم فقراء، تدحض تمامًا تلك الأطروحة». يُنظر: Marie Fleming,

«Genocide and the Body Politic in the Time of Modernity,» in: Robert Gellately and Ben Kiernan (eds.), The Specter of Genocide: Mass Murder in Historical Perspective (New York: Cambridge University Press, 2003), p. 103.

24)) على نحو مماثل، يعترف ليفين ب » السلطة البيروقراطية العسكرية والذراع الطويلة المنظمة للدول ماقبل الحديثة:» Levene,

vol. 1: The Meaning of Genocide , p. 148.

25)) للاطلاع على نظرة معاكسة تعرِّف الخصائص الأساسية للمحرقة الرواندية بوصفها «من تجليات العالم الحديث»، يُنظر:

Robert Melson, «Modern Genocide in Rwanda: Ideology, Revolution, War, and Mass Murder in an African State,» in: Gellately and Kiernan (eds.), chap. 15. (26) Benedict Anderson, Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism , rev. and extended ed. (London: Verso, 1991).

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

على أي أسس تمّ تخيّل هذه الجماعات؟ يستحق الأمر وقفة موجزة لننظر في القواعد أو الأسس

التي تقوم عليها الإثنية، كما عدّدها عالِم معروف في هذا المجال. أورد أنتوني سميث ستة أسس للهوية الإثنية: «اسم جمعي ملائم؛ أسطورة لسلالة مشتركة؛ ذكريات تاريخية مشتركة؛ واحد أو أكثر من المقومات المميزة لثقافة مشتركة؛ ارتباط ب «أرض» محددة؛ إحساس بالتضامن لدى قطاعات مهمة من السكان». فيما يعتبر في الأغلب وجود مفهوم مشذب للإثنية اختراعًا غربيًا، فإنّ هذا الأمر ل يزال يواجه

تحدّيات. فمثلا، لدى الصينيين الهان Han) (حساسية إثنية نشأت قبل وقتٍطويل من صعود إثنية

الغرب في سلّم الهيمنة. وكذلك أيضًا فعلت الشعوب القديمة في الشرق الأوسط بصورة واضحة ممن كانت خصوماتهم الإثنية واستراتيجياتهم في الجتثاث متقدمة جدًا، إذا ما سلّمنا بنصوصهم الدينية ذات الصلة. وفي الواقع، يمكن أنْ يُجادَل بأنّ الإثنية كامنة في المجتمعات كلها، بمعزل

عن التغلغل والتأثير الغربيين. وتُبدي وحدات اجتماعية أخرى - كما هي العائلة الممتدة والعشيرة والقبيلة - الكثير من الروابط التضامنية نفسها كما في الإثنية؛ وقد تعتبر هذه تجمعات إثنية أولية. زدْ

على ذلك أنه وعلى شاكلة الجماعات الإثنية، فإنّ هذه التحديدات الهوياتية بلا معنى من دون وجود آخر يُعرَّف كضدّ للذات. فلا وجود لداخل الجماعات من دون وجود خارج الجماعات، توافقًا مع

ما سمّاه عالم الأنثروبولوجيا فريدريك بارث «آليات الحفاظ على الحدود» التي تعمل على تعيين

الحدود بين الثنين. عندما تُرسَّخ جماعة إثنية مهيمنة كقاعدة ل » الدولة -الأمة»، تنشأ مشكلة التعامل مع الجماعات الأخرى -

» الأقليات الإثنية » - الموجودة أيضًا ضمن حدود تلك الدولة. توجد مثل هذه الأقليات في كل مكان؛ حتى ضمن الدول - الأمم العضوية أو الموحَّدة افتراضًا (غالبًا ما يشار إلى اليابان كمثال على ذلك).

يحمل هذا في الأغلب عواقب انفجارية بالنسبة إلى العنف بين الجماعات، ومنها الإبادة الجماعية، واطّلعنا على الكثير منها في هذه الصفحات. الظاهرة التاريخية الثانية هي انتشار الإمبريالية والستعمار الغربي حول العالم، وهو الذي وجَّه تشكل

القوميات في الوقت الحاضر بطرائق مهمة. والأكثر جلاءً أنّ هذا النتشار استحث فكرة القومية الإثنية

(على الرغم من أنّ بعض الحركات القومية، وطيفًا واسعًا من «التحديدات الهوياتية» الإثنية، وُجِدا بوضوح

بمعزل عن ذلك النتشار). وعلى الرغم من أفضل مساعي المستعمرين لإبقاء أولئك الذين أخضِعوا لهم

(27) Anthony D. Smith, National Identity (London: Penguin, 1991), p. 21.

28)) أنا ممتن لبنيامين مادلي بخصوص هذا التبصر.

(29) Barth, cited in: Andrew Bell-Fialkoff, Ethnic Cleansing (New York: St. Martin’s Griffin, 1999), p. 73.

كما يلاحظ ألكسندر هنتون فإن «واحدة من أكثر المشكلات المحيّرة في زماننا هي أن الهويات السوسيو-السياسية المتخيلة غالبًا ما

Alexander Laban Hinton, Why Did they Kill?: Cambodia in the Shadow of:تشكلها الكراهية ضد الآخرين المغايرين». يُنظر

Genocide , California Series in Public Anthropology; 11 (Berkeley, CA: University of California Press, 2005), p. 220.

وللاطلاع على قراءة معروفة للظاهرة وتفحص الأثر التكويني ل «الشرق» على «الغرب»، يُنظر: Orientalism Edward W. Said,

(New York: Vintage Books, 1979).

ﺳﻮﺳﻴﻮﻟﻮﺟﻴﺎ وأﻧﺜﺮوﺑﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ا³ ﺑﺎدة اﻟﺠﻤﺎﻋﻴﺔ

بعيدين عن مثل هذه التأثيرات الخطرة، استُوعبت الأيديولوجيات القومية الإثنية وأدمجتْ في الحركات المعادية للاستعمار التي ظهرت منذ أواسط القرن التاسع عشر واستمرت حتى أواسط القرن العشرين. إضافة إلى ذلك، وفي أعقاب استراتيجية فرّق تسد ذائعة الصيت التي استهدفت «التصدي» للحركات

القومية، اعتاد المستعمرون ضمّ كثرة من الأفخاذ والعشائر والكيانات «القومية» الراسخة في وحدة إدارية إقليمية واحدة. وتكفي نظرة سريعة إلى التكوين الإثني لبلدان مثل نيجيريا والكونغو وإندونيسيا لتذكّر المرء بالتنوع المهول للشعوب التي كوّنت الجماعات «غير» المتخيَّلة عمدًا للاستعمار. واجه القادة القوميون ممن قفزوا إلى مراتب الأهمية في العالم المستعمَر في العشرينيات والثلاثينيات التحدي الصادم لخيارين: إمّا صوغ فهم أصيل للجماعة القومية في ما بين الشعوب المختلفة، وإما التفاوض لتقسيم الوحدة التي أنشاها الستعمار تقسيمًا سلميًا وقابلا للحياة. واختار الجزء الأكبر منهم

المحافظة على الحدود الستعمارية. وفي بعض الحالت، أنتج هذا الأمر دولً متعددة الإثنيات وقابلة للبقاء، إنّما في الكثير من الحالت لم يحصل ذلك. وقاد التقسيم المُدار للكيانات المتعددة الإثنية إلى

عنف هائل (الهند، فلسطين) أحيانًا؛ فيما وضِعت قنابل مستقبلية موقوتة في الدول التي اختار قادتها المحافظة على الوحدات المصطنعة (نيجيريا، إندونيسيا، يوغسلافيا). ويقدِّم العنف الإثني الذي ارتبط بانهيار الإمبراطورية السوفياتية في عام 1991 مثالً متأخرًا على هذا التجاه. لعلّ «العولمة» هي الظاهرة التاريخية الثالثة التي غالبًا ما يُغضّ النظر عنها. وعلى الرغم من أنّه يمكن

تعقب التجاهات العولمية إلى الكثير من القرون الماضية، إل أن العولمة بلغت مرحلةً جديدة من التداخل المعقد عند مدخل الألفية الثالثة. واحدة من مزايا التحديدات الهوياتية الإثنية أنها توفر إحساسًا قويًا بالتجذر النفسي في خضم ظروف التغير والهيجان. وباعتبار التحولت المتسارعة المرتبطة بالعولمة،

أين يمكن أنْ نجد إحساسًا مستقرًا ل » النحن»، وبالتالي ل » الأنا»؟ جادل عالم الأنثروبولوجيا كليفورد غيرتز

في ذلك قائلا: «إبان سيرورة التحديث المحيرة... إن المواطنين غير المندمجين، الباحثين عن مرساة في بحر التغيرات، سيتمسّكون بالهوية الإثنية الخاطئة تاريخيًا على نحوٍ متزايد، والتي تنفجر في المشهد ثم

تنحسر مع توجه سيرورة التمايز البنيوي نحو مجتمع أكثر اندماجًا». مع ذلك، يستطيع المرء أنْ يتساءل إن كان مثل هذا النهوض الإثني مجرد ظاهرة انتقالية. فمع ترافق العولمة بعواطف قومية مكثفة في الكثير من أنحاء العالم، يبدو أن «النتقال» يستغرق وقتًا أطول مما يتوقع. يكمن جزء من سوء الفهم في الميل إلى تصديق أن التحديدات الهوياتية الإثنية ليست أصلية إنما خياليةصنعتها النخب ذات المصالح الإنسانية وتلاعبت بها لتعبئة أتباعها. (أسند هذا النوع من الجدال توجهات «بعد حداثية» ظهرت أخيرًا في العلوم الإنسانية والعلوم الجتماعية). هناك فهم مهم «تكون» بمقتضاه التحديدات الهوياتية الإثنية «متخيَّلة» أو «أسطورية». وكما سيظهر

(30) Geertz, quoted in: Rajat Ganguly and Ray Taras, Understanding Ethnic Conflict: The International Dimension (New York: Longman, 1998), p. 14. J ohn R. Bowen, «The Myth of Global Ethnic Conflict,» in: Hinton (ed.), Genocide , chap. 15, pp. 334-343. 31)يُنظر:)

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

أدناه، فهذه أيضًا تخضع لعدد ل حصر له من التلاعبات من الشخصيات النخبوية والمتخصصين بالعنف. إنّ التحديدات الهوياتية الإثنية متقلبة، بمعنى أنّ «الأسس» الستة كلها التي حددها أنتوني سميث للإثنية يمكن أنْ تعدَّل، على الرغم من أن ذلك ل يحصل دائمًا بحسب الإرادة أو بصورة كاملة.

يمكن للمرء أنْ يغير الأساس الإقليمي ويعيد صوغ هويته الإثنية الرئيسة، كما فعلت أجيال المهاجرين إلى «صهر» الإثنيات في الوليات المتحدة الأميركية (فيما يستبقون ارتباطًا ثانويًا بالهوية السابقة).

ويمكن للأساطير السلالية أنْ تنقّح، ويُعاد تفسيرها، أو يتم التخلي عنها. كذلك فإن الذاكرة التاريخية

واللغة والطبخ وأشكال التعبير الفني كلها متقلبة بدرجةٍ عالية. في أي حال، بمرور الزمن غالبًا ما تصل التحديدات الهوياتية الإثنية إلى الستقرار عبر الأجيال.

فهي تفترض قوة عملية في الفرد وسيكولوجيا الجماعة والبنية الجتماعية والسلوك السياسي مما يستحيل تجاهله، أقلّه من أولئك الذين يرمون إلى فهم ومواجهة الإبادة الجماعية وأشكال العنف الجماعي الأخرى. قدم جيمس فالير في كتابه أنْ تصبح شريرًا أدلّة من علم النفس وعلم الجتماع والأنثروبولوجيا لإظهار أنّ هذه التحديدات الهوياتية تكمن أصلا في أعماق السلوك الجتماعي الإنساني: «إنّ لمعرفة مَنْ القريب، ومعرفة مَنْ هو في جماعتنا الجتماعية، أهميةً عميقةً بالنسبة إلى

نوعٍ حي مثلنا». زدْ على ذلك، «لدينا قدرة تطورية على النظر إلى جماعتنا كما لو أنها متفوّقة على

الآخرين، وحتى أنْ نمتنع عن العتراف بأن أعضاء الجماعات الأخرى ل يستحقون احترامًا مساويًا».

يبعث أعضاء من قبيلة آكلي لحوم البشر في منطقة آريين جايا في إندونيسيا بوضوح هذه الرسالة: إنّهم يعرّفون أنفسهم كما لو أنّهم «الكائنات البشرية»، والآخرين كافة كما لو أنّهم «صالحون للأكل».

اﻟﺼﺮاع ا³ ﺛﻨﻲ و»اﻟﻤﺘﺨﺼﺼﻮن« ﺑﺎﻟﻌﻨﻒ

يُشير بعض الأعمال المميزة في علم اجتماع العنف الجماعي إلى دور الأفراد والتنظيمات في الحثّ

على النفجارات العنيفة وتوجيهها في قنوات. شدد دونالد أ. ل. هوروفتز، على سبيل المثال، على أهمية «التنظيمات المرتبطة في الأغلب بأحزاب سياسية ذات قواعد إثنية، [التي] تعكس العداء بين الإثنيات وتعززه من خلال الدعاية والطقوس والقوة. إنّهم يديرون سلسلة تمتد من التنظيمات المدنية إلى التنظيمات العسكرية الأولية، تعمل في ظلّ درجات متنوعة من السرية ومن التماسك والتدريب العسكري. ويكمن مبررهم في الخطر المزعوم من العدو الإثني».

32))  كتبت نانسي تشبر هيوز ساخرة: «العرق» و«الإثنية» و«القبيلة» و«الثقافة» و«الهوية» فُك كت ونُزع جوهرها في الأنثروبولوجيا 101، حيث دُرِّست هذه المصطلحات بوصفها مفاهيم متخيَّلة وحديثة الختراع... في هذه الأثناء، كان الزولو والإكسوس الجنوب

أفريقيون يتذابحون يوميًا (تتلاعب بهم «قوة ثالثة» صنيعة الحكومة) في المساكن العمالية وحولها باسم «القبيلة» و«الإثنية»

و«الثقافة». يُنظر:

Scheper-Hughes, «The Primacy of the Ethical,» p. 415. (33)  James Waller, Becoming Evil: How Ordinary People Commit Genocide and Mass Killing (Oxford; New York: Oxford University Press, 2002), pp. 153-154.

يشير أيضًا (ص. 241-242) إلى أنه في التجارب المختبرية النفسية-الجتماعية، «الغرباء تمامًا الذين يُلحقون عشوائيًا بجماعات

غير متفاعلة أو متنازعة بعضها مع بعض، وغير منافسة لأي جماعة أخرى، يتصرّفون (هؤلء الغرباء) كما لو أنهم أعزّ الأصدقاء، أو

أقرب الأنسباء للذين يحملون أسمهم»، وسرعان ما سيدخلون في نزاع مع أولئك المعرَّفين بشكل مختلف، وإن كانوا غير معنيّين به.

(34) Donald L. Horowitz, The Deadly Ethnic Riot (Berkeley: University of California Press, 2001), p. 243.

ﺳﻮﺳﻴﻮﻟﻮﺟﻴﺎ وأﻧﺜﺮوﺑﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ا³ ﺑﺎدة اﻟﺠﻤﺎﻋﻴﺔ

من جانبه، شدد بول آر. براس على دور عنف «المتخصصين» ممن يعملون ضمن «نُظم... ممأسسة» لتوليد العنف: «أعتقد أنّ أنواع العنف المرتكب في أعمال «الشغب» الإثنية والمجتمعية والعنصرية يقوم بها في الأغلب «متخصصون» ممن هم جاهزون للاستدعاء في مثل هذه المناسبات، ويتربحون منه، وتُربِح نشاطاتهم آخرين ممن يدفعون فعليًا أو ل يدفعون في مقابل العنف الذي يقع. وفي الواقع، في الكثير من البلدان وفي فترات مختلفة من تواريخها، مناطق أو مدن أو بلدات طورت ما أسمّيه «نظم شغب ممأسسة»، حيث يتخصص فاعلون معروفون بتحويل الحوادث بين أعضاء الجماعات المختلفة إلى أعمال شغب إثنية. تصبح نشاطات هؤلء المتخصصين مطلوبة عادةً لتنتشر أعمال الشغب انطلاقًا من إثارة الحدث الأولي البسيط». ينبغي التعرف إلى هذه الفئة من الفاعلين الذين يقومون بالتحريض على الإبادة الجماعية وتنفيذها. لننظر في بعض «المتخصصين» الذين حددهم براس: «عناصر إجرامية وأعضاء عصابات الشباب» و«قادة الجماعات المسلحة المحلية» و«سياسيون ورجال أعمال وقادة دينيون» و«أساتذة في الكليات والجامعات» و«مؤلفو كراريس وصحافيون... ممن ينشرون على نحوٍ مقصود الإشاعات والدعايات البذيئة» و«مشاغبون» (من السفّاحين النازيين وصولً إلى الأشرار المحدثين في لعبة كرة القدم)، و«نخب سياسية مجتمعية». وأضفْ إلى هذه القائمة متخصصي العنف الذين ذكرهم تشارلز تيلي في دراسته سياسات العنف الجمعي: «القراصنة ورجال السفن المسلحة وأشباه العسكر وقطّاعو الطرق والمرتزقة والميليشيات والعصابات والحراس وشرطة الشركات والحراس الشخصيون». وعدا عن الدور الأساس لموظفي الدولة (المعترف به في الأغلب) وقادة الأجهزة الأمنية، لدينا هنا «قاموس أعلام» حقيقي ل » وكلاء التحريض» على الإبادة الجماعية: جنودها والمدافعون الأيديولوجيون عنها.

»أﻗﻠﻴﺎت وﺳﻴﻄﺔ«

كان التجار اليونانيون والأرمن هم من استنزف الدماء والموارد في هذا الجزء من العالم ليمتصوا دم الحياة من البلد قرونًا من الزمن. الأدميرال مارك أل. بريستول، المفوض السامي الأميركي في تركيا،.1922

(35) Paul R. Brass, «Introduction,» in: Paul R. Brass (ed.), Riots and Pogroms (New York: New York University Press, 1996), p. 12.

36)) يوضح هوروفتز الصلة بين الشغب الإثني والإبادة الجماعية: «يجسّد الشغب الإثني المميت تدميرًا ماديًا مترافقًا مع المتهان

والتهديد الصريح بالإبادة الجماعية... فالقتل العشوائي الوحشي للمستهدفين المستند إلى مجرد الهوية المعزوّة إليهم، له...

خاصية الإبادة المسبقة؛ إنه نذير بالستئصال». يُنظر:

Horowitz, pp. 432 and 459. (37) Brass, «Introduction,» pp. 12-13.

38)) وفقًا لتشارلز تيلي، هؤلء الفاعلون «يعملون في أرض وسطى بين التخويل الكامل لجيش وطني (من جهة)، والتوظيف

Charles Tilly, The Politics of Collective Violence , Cambridge:الخصوصي للعنف من آباء أو عشاق أو عشائر متخاصمة». يُنظر

Studies in Contentious Politics (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 2003), p. 19.

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

ربما ل وجود لجماعات عرضة للكراهية والقتل على نطاقٍ واسع كما هم أولئك «الموصفون بامتلاكهم فائض من المقاولت والطموح والطاقة والعجرفة والإنجاز من أولئك الذين يعتقدون أنّهم هم ل يمتلكون مثل هذه السمات». ل تتألف أقليات مثل هذه بالضرورة من المهاجرين أو المتحدرين من المهاجرين، إنّما غالبًا ما تكون كذلك، وهذه الخاصية الأجنبية عامل رئيس في استهدافها. ففي كل

أنحاء العالم، وعند التأمل في أنماط قديمة على مدى قرون، وكذلك في اتجاهات أحدث على مستوى العالم، نجد أن السكان كثيرًا ما كانوا يصلون إلى مجتمعات قائمة راسخة أو يُستقدَمون إليها. وهذه

الجماعات التي تفتقر إلى الأرض، كما تفتقر إلى شبكة العلاقات الجتماعية التي يمكن للجماعات المهيمنة أنْ تستغلها، تستقر عادة في المدن أو الضواحي، غالبًا في أحياء سكنية أو مناطق تكتسب

بسرعة صبغة الأقلية. وحتى عندما تجلبهم سلطة استعمارية كعمال ملزَمين (كما هو حال الهنود الذين جلبهم البريطانيون إلى أوغندا وجنوب أفريقيا وفيجي وإلى أماكن أخرى)، يكون ثمة ميل قوي لدى مثل هذه الجماعات لتؤسس نفسها في أعمال تجارية. إن شغل هذه القطاعات موقع الأقلية الهش أصلا يجعلها جذابة بالنسبة إلى القوى الستعمارية كحلفاء ووسطاء محليين. أتاحت هذه التحالفات للمستعمِرين تطبيق سياسة «فرّق تسد» بمعونة أقلية كانت:

أولا أقل رسوخًا في الإقليم والثقافة المهيمنة المعنيين، وبالتالي أقل ميلا إلى الدفع من أجل الحكم الذاتي أو الستقلال القومي؛ وثانيًا معتمدة بقوة على فضل المستعمرين، وبالتالي أكثر احتمالً ليكونوا موالين للمستعمرين. وغالبًا ما يترجَم فضل المستعمرين فرصًا تعليمية أعظم ومواقع في القطاعات

الدنيا والمتوسطة للبيروقراطية. لكن، حتى في غياب مثل هذا الدعم الستعماري، وفي مواجهة معارضة قوية من المجتمع المهيمن، تشدد مثل هذه الجماعات بصورة شاملة تقريبًا على التعليم

باعتباره وسيلة للتحرك إلى ما وراء موقعها الهامشي وتحقيق الزدهار. وتظهر بصورة أنموذجية روابط قوية من التضامن العرقي والثقافي والمادي في ما بين أعضائها، وقد يكون لديهم ميزة الوصول إلى رأس المال والعلاقات التجارية من خلال إبقاء الروابط مع بلدانهم الأصلية (أو أسلافهم). نتيجة ذلك، ترسّخ هذه الأقليات في الأغلب درجة عالية من الأهمية والبروز، تبلغ أحيانًا حدّ الهيمنة،

في قطاعات رئيسة من القتصاد القومي. تشمل الأمثلة المعروفة جدًا اليهود الذين تشير آمي تشوا إلى أنهم «أنموذج الأقلية المهيمنة على السوق»، وكذلك الصينيين في جنوب شرق آسيا. حقق الهنود الشرقيون موقعًا مماثلا في الكثير من اقتصادات شرق أفريقيا، فيما جاء التجار اللبنانيون ليهيمنوا على

(39) Horowitz, p. 187, and Walter P. Zenner, «Middleman Minorities and Genocide,» in: Isidor Wallimann and Michael N. Dobkowski (eds.), Genocide and the Modern Age: Etiology and Case Studies of Mass Death , with a new preface by the editors; Afterword by Richard L. Rubenstein (New York: Syracuse University Press, 2000), pp. 253-281.

يشير الباحث المتميز في الإبادة الجماعية ليو كوبر إلى هذه باعتبارها «جماعات رهينة»، أي رهائن تضمن مصير الجماعة المهيمنة:

Leo Kuper, «The Genocidal State: An Overview,» in: Pierre L. Van den Berghe (ed.), State Violence and Ethnicity (Niwot, Colo.: University Press of Colorado, 1990), p. 44, and See also the discussion in: Leo Kuper, The Prevention of Genocide (New Haven, CT: Yale University Press, 1985), p. 201. (40) Amy Chua, World on Fire: How Exporting Free Market Democracy Breeds Ethnic Hatred and Global Instability (New York: Anchor Books, 2004), p. 79.

ﺳﻮﺳﻴﻮﻟﻮﺟﻴﺎ وأﻧﺜﺮوﺑﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ا³ ﺑﺎدة اﻟﺠﻤﺎﻋﻴﺔ

تجارة الماس الحيوية غرب أفريقيا. ويمكن أنْ يشار في هذا المجال أيضًا الى الهولنديين والبريطانيين

والبيض ذوي الأصول البرتغالية في جنوب أفريقيا، إلى جانب البيض «المُلوَّحين « (pigmentocrats)

الذين يتمتعون بمكانة النخبة في بلدان ذات أغلبيات سكانية أصلية في أميركا اللاتينية. فالميل إلى النزاع، ومنه الستهداف العنيف أو بغرض الإبادة الجماعية، يبدو واضحًا ضد الأقليات الوسيطة،

على الرغم من أنّه بعيد من أنْ يكون حتميًا. من خلال روابطها المشتركة والتفضيلية مع السلطات

الستعمارية، صُورِت هذه الأقليات بسهولة وكيلةً للمهيمن الغريب، وعدوةً للتحرر القومي وحق

تقرير المصير، وسرطانًا في الجسم السياسي. وحتى اليوم، ربما تثير روابطها الدولية المكثفة ومظهرها «العالمي» حساسية الأكثرية القومية. زدْ على ذلك أنّ علاقتها السابقة بالسلطة الستعمارية غالبًا ما

تُرجمت إلى طلب للتحالف مع الأنظمة السلطوية في مرحلة مابعد الستعمار. فعلى سبيل المثال، كانت نخبة رجال الأعمال الصينيين في الفلبين وإندونيسيا من بين أكثر الداعمين ظهورًا وحماسةً

لدكتاتورية ماركوس وسوهارتو. وعندما انهار الحكم السلطوي، أمكن التنفيس عن شدة العداء

والسخط والإذلل في لباسٍ ديمقراطي، وهذا نمطٌ وصفته شوا بصورة جيدة جدًا: «في البلدان التي فيها أقلية مهيمنة على السوق وأكثرية من السكان «الأصليين» الفقراء، تتصادم قوى الديمقراطية والتحول نحو اقتصاد السوق بشكل مباشر. ففي حين تُثري الأسواق الأقلية المهيمنة على السوق، يزيد التحول نحو الديمقراطية الصوت السياسي وقوة الأكثرية المحبطة. وتغذي المنافسة من أجل الأصوات ظهور الديماغوجيين الذين يحوّلون الأقلية الممتعضة الى كبش فداء، مطالبين بنهاية للإذلل،

ومصرّين على أنّ ثروة الأمة ينبغي أنْ تعود إلى «مالكيها الحقيقيين». لذلك ما إنْ روّجت أميركا

لنتشار النتخابات على مستوى العالم إبان التسعينيات، حتى تكاثرت الشعارات الإثنية النتقامية: «زيمبابوي للزيمبابويين»، «إندونيسيا للإندونيسيين»، «أوزبكستان للأزبك»، «كينيا للكينيين»، «أثيوبيا للأثيوبيين»، «اطردوا اليهود من روسيا»، «سلطة الهوتو»، «صربيا للصربيين»، وهكذا... ومع تصاعد الكراهية الشعبية ل «الدُّخلاء» الأغنياء، تكون النتيجة «طنجرة» ضغط سياسي مشحونة إثنيًا، ما يجعل

ظهور نوع من ردات الفعل أمرًا ل يمكن تفاديه تقريبًا. من بين استراتيجيات ردات الفعل، يكون «أكثرها شراسة... التطهير العرقي وأشكال أخرى للعنف العرقي المدعوم من الأكثرية» صعودًا الى الإبادة الجماعية. لعل رواندا في عام 1994 أفضل مثل على التحول

41))  يمكن أيضًا الستشهاد بمجازر الإبادة الجماعية، مثل قرون من المذابح ضد اليهود الأوروبيين؛ وانتفاضات الهنود ضد البيض في أعالي البيرو ويوكاتان؛ ومذبحة الهندوس ضد السيخ في الهند (1984). وما دون الإبادة الجماعية أو مجازرها، كانت الستراتيجية الأكثر شيوعًا التي اتبعت ضدّ أقليات مهيمنة في السوق تتمثل بالطرد الجماعي. كما هو الحال في نفي عيدي أمين

الهنود من أوغندا في عام 1972، ومثال آخر، هو «لجئو القوارب الذين هُجّروا من فيتنام عقب النتصار الوطني في عام 1975 وكان

الهدف استئصال الأقلية الصينية والبرجوازية الفيتنامية من المجتمع الفيتنامي». يُنظر: The Age of Triage: Richard L. Rubenstein,

Fear and Hope in an Overcrowded World (Boston, MA: Beacon Press, 1983), p. 176.

وكانت هذه بالطبع السياسة النازية المهيمنة نحو اليهود الألمان بين عامي 1933 و.1938 42)) على سبيل المثال، يحاجّ هوروفيتز بأن «من منظور مقارن، يكون «استهدافُ» الجماعات الإثنية الموسرة أو المتمتعة

بامتيازات... مجرد عامل ثانوي في انتقاء المستهدَف (عند حصول شغب إثني مميت)، وينفَّذ على يد قيادة خاصة وحالت محددة

جدًا من الشغب. وفي الأعم الأغلب ل يتم استهداف الأقليات الموسرة حتى إبان الشغب الوحشي:»

Horowitz, p. 5. (43) Chua, pp. 124-125.

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

الديمقراطي الذي ساعد على نثر بذور الإبادة الجماعية ضدّ أقلية مزدهرة اقتصاديًا إلى حد ما. على أي حال، إذا ما رفعنا العنصر الديمقراطي من القضية، نستطيع كذلك أنْ نضيف إلى القائمة الإبادتين الجماعيتين «المكرَّستين» الأخريين في القرن العشرين؛ إذ جعلت الثروة النسبية والكدّ والجتهاد والإنجاز

التعليمي، حتى في ظلّ ظروف التمييز والضطهاد في الأراضي العثمانية، من الأقلية الأرمنية هدفًا سهلا للقوميين المتعصبين من الترك الشباب. وساهمت الكراهية المماثلة أو أقلّه الشمئزاز من اليهود في ألمانيا وبلدان أوروبية أخرى في تمتين الدعم الشعبي للمحرقة ضدّهم. ونلاحظْ أنّ الأنواع الثلاثة معًا للإبادة الجماعية ترافقت مع عمليات سلب ونهب واسعة إلى جانب الجريمة الواسعة. تقدم الإبادة الجماعية فرصة غير مسبوقة ل «تقويم» الختلال القتصادي عبر الستيلاء على ثروات الضحايا وأملاكهم، ولممارسة ذلك الإذلل عليهم الذي ربما عانى منه سكان الأكثرية في الماضي.

ﻣﻨﻈﻮرات أﻧﺜﺮوﺑﻮﻟﻮﺟﻴﺔ

اعتراف: شعرت بالحسد تجاه الأنثروبولوجيين منذ وقتٍ طويل. يُطلب من العلماء السياسيين مثلي المحافظة على نظرة غير متحيزة و«موضوعية» إزاء موضوعاتهم. تقتصر خدعنا البحثية عادةً على المكتبة والمكتب، مع غزوات بين فترة وأخرى إلى العالم الخارجي. على الضدّ من ذلك، يسمح للأنثروبولوجيين، بل ويُشجعون، على توسيخ أياديهم. فالطريقة الرئيسة في الأنثروبولوجيا - العمل الحقلي - تؤدي بهم إلى الخوض في خضمّ موضوع اهتمامهم، والتعرّف إلى الناس الذين يقومون

بدراستهم. وقد «يخرجون من الحقل مستهلكين ومتعبين»، إل أنّهم يحملون معهم «مادة بحثية ذات غنى وعمق استثنائيين». وعند قراءتنا دراسات الحالة التي قاموا بها، يرى المرء ويسمع موضوعات الدراسة، ويشمّ الهواء، ويتذوّق الطعام. الأنثروبولوجيا «تدعو إلى فهم المجتمعات المختلفة كما تظهر من الداخل»، حيث يُنظر إلى علمائها باعتبارهم مشاركين ومندمجين في مواجهة عبر ثقافية. ويتوقع منهم وصف تأثير التجربة في ذاتيتهم هم. كتبت فيكتوريا سانفورد بعد قيامها بالمساعدة في التنقيب عن المقابر الجماعية في غواتيمال: «لم أتقيأ، ولم يُغمَ عليّ، كم جميل هذا الوادي، كل ما فيه أكثر خضرة من الأخضر نفسه، هذه عظام حقيقية، يا إلهي!

ذُبح 200 شخص هنا، أقاربهم ينظرون». يصعب وصف تجربة كهذه على أنّها ممتعة. لكنّها بالتأكيد

كاشفة، بالنسبة إلى المؤلف والقارئ على السواء، بطريقةٍ يندر أن تتمتع بها أكثر التحليلات موضوعية. لننظر في المقاربة التي تبنتها إيفانا ماكيك في عملها المؤثر الذي صدر أخيرًا عن أنثروبولوجيا صراع

الإبادة الجماعية (سراييفو تحت الحصار: الأنثروبولوجيا في زمن الحرب) 2009)). أحكمتْ قوات صرب البوسنة في نيسان/أبريل 1992 الطوق على المدينة العالمية سراييفو، بادئة حصارًا دام ما يقرب

(44) Eriksen, p. 27. (45) Ibid., p. 7. (46) Victoria Sanford, Buried Secrets: Truth and Human Rights in Guatemala (New York: Palgrave Macmillan, 2003), p. 31.

ﺳﻮﺳﻴﻮﻟﻮﺟﻴﺎ وأﻧﺜﺮوﺑﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ا³ ﺑﺎدة اﻟﺠﻤﺎﻋﻴﺔ

من أربع سنوات. وجدت ماكيك - وهي باحثة كرواتية من زغرب ركزت بحوثها الأنثروبولوجية سابقًا على أفريقيا - نفسها منساقة ليس إلى «القومية الكرواتية العدوانية»، بل إلى السكان المحاصرين متعددي الأعراق في سراييفو الذين «تعرضوا لأقسى ضربات الحرب القومية». قررت أنْ «تضع تجارب العنف التي عاشها الأفراد في مركز البحث ومن تلك النقطة تتعقب تأثير الحرب في المجتمع والثقافة». وبذلك، تبنّت مقاربةَ«شاعرٍ إلى العمل الحقلي، وإلى الكتابة أيضًا». وعلى الضدّ من النسلاخ العاطفي والنثر الشاحب لمعظم ما يكتب في مجال العلوم الجتماعية، أشهرت ماكيك حقَّ عالم الأنثروبولوجيا في تبني «ذاتية مضبوطة [من شأنها أن] ل تصبح نقيصة أو عقبة بل عنصرًا حاسمًا

في خلق المعرفة ذات المعنى». طوال ستة شهور الحصار، وإبّان زيارات عدة، شاركت ماكيك في نضال سكان المدينة وكدحهم،

«مستخدم[ةً] إمكاناتي كلها... من أجل تدبير أمور الحياة يومًا بيوم، إضافة إلى تسجيل كل ما كان

يجري لهم ولي». وخرجت من ذلك بمنظور فريد: المشارك من الداخل والملُاحظ العلمي الرصين.

وثّقتْ «المعنى العميق للعار والإذلل» الذي رصدته دائمًا، حيث ينتزع الناس بيأس وسائل معيشتهم

من بيئتهم الصارمة والخطرة. لكنّها وثقتْ أيضًا استراتيجيات التغلب والمقاومة: «من الحلول المبتكرة على نحوٍ رائع لشحّة زمن الحرب»؛ و«التفكير السحري والروتين الخلاب على الصعيد الخاص

والصغير» الذي تبناه الناس كما لو كان حلا « » طفوليًا» لوضعٍ ل يُطاق موضوعيًا»؛ إلى روح الدعابة

السوداء التي انغمس السكان فيها (» ما الفرق بين سراييفو وأوسشفتز؟ ل وجود للغاز في سراييفو»). لعلّ مما يدعو إلى العجب والإلهام أنْ يظهر هذا السيل من المواهب المبدعة كردة فعل على الحياة في ظلّ الحصار، الأمر الذي نتج منه «حياة فنية ناشطة على نحوٍ يدعو إلى العجب»: أخبرها أحد سكان سراييفو، «أصبح الفن ينبوع قوة الحياة. أعاد الحياة إلى الناس، وأنجب التفاؤل والقوة مجدَّدًا، ومنح

المعنى في وقتٍ بدا فيه أنّ الحياة فقدت معناها كله». إل أنّ ماكيك شهدتْ أيضًا تعبيرات عن «الخدر النفعالي العاطفي وانعدام العقلانية أعقبت تمادي الألم»: «رأيت الناس وهم يقفون ببساطة في أماكن مفتوحة خلال عمليات القصف كما لو أنّ شيئًا ل يحدث...». لعلّ الأكثر مُدعاة للحزن هو أنّ ماكيك أدركت التأكل البطيء للهوية العالمية والمتداخلة الإثنيات التي

كثيرًا ما اتصف بها «سكان سراييفوا» ورعوها وسمحوا بها؛ فعلى نحو متزايد، ترعرع سكان سراييفو،

«منقسمين على امتداد خطوط إثنية وقومية إلى مسلمين وصرب وكروات. وأصبحت الهويات الإثنية - الدينية مسيّسة، ونمتْ على نحوٍ بارز في الحياة اليومية... صُنِّف أعضاء العائلة والأصدقاء والزملاء

والجيران على أساس المقاييس الجديدة لزمن الحرب، فيما حاول الناس على الدوام أنْ يفهموا ما إذا كانت أفعال الآخرين متأثرة أم ل بهويتهم القومية... وبدأ سكان سراييفو «بتذكر» التقاليد الإثنية - الدينية التي فقدها معظمهم خلال عمليات علمنة المجتمع عقب الحرب العالمية الثانية». كانت نتيجة استقصاءات ماكيك لوحة فنية لمجتمع تحت الحصار، تجري فيه أفعال الإبادة الجماعية

(47) Ivana Maček, Sarajevo under Siege: Anthropology in Wartime , Ethnography of Political Violence (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2009).

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

وإبادة المدن (والمقاومة)، وتُستدعى الهويات والذكريات ويُعاد تشكيلها. أعطتْ هذه الستقصاءات

دليلا جديدًا على أنّ الأنثروبولوجيين، بحسب تقويم المؤرخ أنتون فياس- فيندت، هم من «قدّم، ربما، أفضل المساهمات في دراسات الإبادة الجماعية... في السنوات الأخيرة». لكنّظهور هذا النقد

الأنثروبولوجي في دراسات الإبادة الجماعية، استلزم، واشتُقّ من، انزياح أوسع في تركيز هذا الحقل العلمي: «نقلة نظرية وأثنوغرافية بعيدًا عن دراسة المجتمعات الصغيرة والمستقرة نسبيًا نحو تلك التي ترزح

تحت نير الحصار، وضحية عنف الدولة أو حركات التمرد». الإعلان الصادر في مجلة Anthropology Today في عام 1993، والمعنون «علماء الأنثروبولوجيا ضد العنف الإثني»، ذكر أنه «يجب علينا أل نتهرّب من مسؤولية دحض ادعاءات الديماغوجيين والتحذير من مخاطر العنف الإثني». عكس الإعلان، وكذلك النقلة الأنموذجية shift) paradigm (الأوسع الذي مثّلها، قناعة بأنّ الأنثروبولوجيا تعرضت لشبهات بعمق، في الماضي، من خلال تحالفها مع الإمبريالية الأوروبية والنازية. سلّم معظم علماء الأنثروبولوجيا في القرن التاسع عشر بالهيمنة الأوروبية على الشعوب الخاضعة. مال مخططهم للتصنيف ليدور حول تراتبيات للإنسانية: صنّفوا شعوب العالم وغربلوها بطريقة عززت الزعم الأوروبي بالتفوق. وكانت العنصرية «العلمية» الحديثة واحدة من النتائج. وحتى أكثر علماء الأنثروبولوجيا تحررًا في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، مثل فرانز بواس، رأوا في

اختفاء الكثير من الحضارات البدائية أمرًا مقدّرًا؛ ونشأت «إثنوغرافيا الإنقاذ» كمحاولة لوصف أكثر ما

يمكن من هذه الحضارات قبل أنْ تأخذ الطبيعة مسارها الحتمي كما يُظن. ربما لم يؤدِ علماء الأنثروبولوجيا، ل قبل ول بعد، مثل هذا الدور المهم في سياسة الدولة كما فعلوا خلال فترة الحكم النازي. لحظ غريتشين شافت أنّ «علماء الأنثروبولوجيا الألمان، وإلى حدٍّ أقل النمساويين، تورطوا في المحرقة كجناة، من البداية حتى النهاية... لم يسبق أنْ كان تخصصهم أكثر احترامًا أو أكثر ترحيبًا به. ولم يسبق أن كان العاملون فيه أكثر انشغالً... فيما كان ثمن عدم

التعاون إما «المنفى الداخلي»، أو فقدان الوظيفة، أو السجن». تعاون علماء أنثروبولوجيا لمعون مثل يوجين فيشر وأدولف فيرث وصوفي إيرهاردت ليمنحوا بريقًا علميًا للنظريات العنصرية النازية

(48) Anton Weiss-Wendt, «Problems of Comparative Genocide Scholarship,» in: Dan Stone (ed.), The Historiography of Genocide (Basingstoke; New York: Palgrave Macmillan, 2008), pp. 42-70. (49) Hinton, «The Dark Side of Modernity,» p. 2. (50) Declaration quoted in: Maček, p. 28.

51)) في المراحل المبكرة من ممارسته، وضع العمل الأنثروبولوجي خطوة أولى ضرورية منحت المادة والتبرير لنظريات التراتب «الطبيعي» التي تمّ توظيفها تدريجًا من أجل عقلنة العنصرية والتطهير الإثني والعبودية، وفي النهاية، مخططات الإبادة الجماعية.»

Wendy C. Hamblet, «The Crisis of Meanings: Could the Cure be the Cause of Genocide?,» Journal of Genocide يُنظر:

Research , vol. 5, no. 2 (June 2003), p. 243. (52) See also the discussion of: Patrick Brantlinger, Dark Vanishings: Discourse on the Extinction of Primitive Races, 1800-1930 (Ithaca, NY: Cornell University Press, 2003), chap. 3. (53) Gretchen E. Schafft: «Scientific Racism in Service of the Reich: German Anthropologists in the Nazi Era,» in: Hinton (ed.), Annihilating Difference , pp. 117 and 131, and From Racism to Genocide: Anthropology in the Third Reich (Urbana, IL: University of Illinois Press, 2004).

ﺳﻮﺳﻴﻮﻟﻮﺟﻴﺎ وأﻧﺜﺮوﺑﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ا³ ﺑﺎدة اﻟﺠﻤﺎﻋﻴﺔ

المنافية للعقل حول اليهود والرومان والسلاف؛ واصل كثير من هؤلء «العلماء» عملهم في فترة ما بعد الحرب. مع ذلك، كان علم الأنثروبولوجيا يظهر على نحوٍ تناقضي وفي الوقت نفسه كما لو أنّه من أكثر العلوم الجتماعية تعددية وأقلها اتصافًا بالتمركز الإثني. وبتأثير من كبار علماء الأنثروبولوجيا - فرانز بواس، وعالِم الأثنوغرافيا الثوري برونسلاف مالينوفسكي، والإنكليزي أي. أر. رادكليف براون، والأميركية مرغريت ميد - طوِّرت منهجية شجعت على الدخول بصورة حيادية ومن دون إطلاق أحكام في حياة وثقافات المدروسين. وقوِّضت تراتبيات «التطور» من الدراسة المدقِّقة التي قام بها علماء الأنثروبولوجيا للمجتمعات «البدائية» التي ثبت أنّها معقدة ورفيعة المستوى بصورة استثنائية. وكان قد تمّ تحدي الأساس العلمي المزعوم للتراتبية العرقية من أعمال بوا الذي «بحث في تغير شكل الرأس في جيل واحد فقط من الأميركيين»، وبالتالي «مبرهنًا للعالم كيف أن العرق واللغة والثقافة غير مترابطين سببيًا». أدّى علماء

الأنثروبولوجيا دورًا بارزًا وغير معروف كثيرًا في كتابة مسوّدة الإعلان العالمي لحقوق الأنسان، محذّرين لجنة الأمم المتحدة المكرسة للمهمة من خطر «التمركز الإثني، افتراض تفوق القيم الثقافية لشعب من الشعوب على أخرى». كان علماء الأنثروبولوجيا أول من ذهب «إلى الحقل» في مواكبة لموجة التحرر الكبرى من الستعمار بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك كي ينخرطوا في مجتمعات «العالم الثالث» المتنوعة، وبمعنى ما، كي يتحققوا من صحة نظراتهم في شأنها. يشترط مثال النسبية الثقافية المرشد للأنثروبولوجيا على المشارك أن «يعلِّق حكمه وتصوراته المسبقة قدْر الإمكان، من أجل أنْ يفهم بصورةٍ أفضل النظرة إلى العالم لدى الطرف الآخر». تشدد المقاربة النسبية عند دراسة سيرورات الإبادة الجماعية على «الفهم المحلي والديناميات الثقافية التي تبني وتحفز الإبادة الجماعية»، وتتفحصها في سياقاتها الثقافية الأوسع. وبدلً من «مجرد نبذ مرتكبي الإبادة بوصفهم «غير عقلانيين» و«همجًا»، فإنّ هذه المقاربة «تطلب منا أنْ نفهمهم ونفهم منظورهم بغض النظر عن رأينا فيهم كجناة».

Sybil Milton, «Holocaust: The Gypsies,» in: Samuel Totten, William S. Parsons and Israel W. Charny (eds.), 54)يُنظر:)

Century of Genocide: Eyewitness Accounts and Critical Views , Garland Reference Library of Social Science; 772 (New York: Garland Pub., 1997), chap. 6.

يعرف قاموس Web Hyperdictionary) (الأنثروبولوجيا الطبيعية بأنها «الدراسة العلمية للخصائص العضوية للكائن الحي البشري وتغايره وتطوره». يُنظر في:

http://searchbox.hyperdictionary.com/dictionary/physical+anthropology. (55) Paul A. Erickson and Liam D. Murphy, A History of Anthropological Theory , 2 nd ed. (Peterborough, Ont.; Orchard Park, NY: Broadview Press, 2003), p. 76. (56) Geoffrey Robertson, Crimes against Humanity: The Struggle for Global Justice (New York: New Press, 2000), pp. 31-32.

كان الأنثروبولوجي و. ج. سمنر أول من استخدم مصطلح «التمركز الإثني» في عام 1906، وعرّفه بأنه «المسمَّى التقني لنظرة إلى

الأشياء تكون وفقها الجماعة التي ينتمي إليها المرء مركز كل شيء، والجماعات الأخرى كلها تُقاس وتقيَّم بالرجوع إليها... كل

جماعة تغذي فخرها وغطرستها، وتتباهى بتفوقها، وتعظِّم آلهتها، وتنظر بازدراء إلى الغرباء»، ذكر في:

Waller, p. 154. (57) Alexander Hinton, personal communication, July 24, 2005.

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

ويُحاجّ، على الرغم من ذلك، بأنّ للنسبية الثقافية حدودها. ففي لحظة ما، إذا كان على المرء أنْ يواجه

الفظاعات، فيجب عليه تبني موقف كلّي شامل (أي، إنّ الفظاعات إجرامية على الدوام، ول يمكن أنْ تُعذر من خلال الثقافة). انتقدت نانسي تشبر هيوز، من بين كثيرين، النسبية الثقافية على اعتبار أنّها «نسبية أخلاقية»، بمعنى «أنّها لم تعدْ ملائمة للعالم الذي نعيش فيه». وإذا ما كان على الأنثروبولوجيا «أنْ تستحق أي شيء على الأطلاق، فيتعيّن عليها أنْ تكون معززة أخلاقيًا». واقترح أليكسندر هينتون

أنّ النسبية «أدّت دورًا رئيسًا في منع علماء الأنثروبولوجيا من دراسة الإبادة»، إلى جانب أشكال أخرى

من «العنف السياسي في مجتمعات الدولة المعقدة». جاء انخراط الأنثروبولوجيا في دراسة الإبادة الجماعية متأخرًا نسبيًا، جزئيًا بسبب تأثيرات النسبية،

وجزئيًا بسبب تفضيلها «دراسة المجتمعات الصغيرة، والمستقرة نسبيًا». وأخيرًا فحسب، بدأت

«مدرسة» في دمج وتطوير مجموعة غنية من الأدبيات، خصوصًا عن الإرهاب والإبادة الجماعية في

أميركا اللاتينية وأفريقيا وجنوب شرق آسيا. قام هؤلء الباحثون بتوظيف الأثنوغرافيا الحقلية (حرفيًا،

«الكتابة عن الجماعات الإثنية») وكدّسوا ثروة من الشهادات الفردية حول هذه الفظاعات وحللوها. وبتقدير فكتوريا ستانفورد، فإنّ هذه «من بين المساهمات الأعظم التي يمكن للأنثروبولوجيا أنْ تقوم بها لفهم المشكلات الجتماعية - تقديم الشهادات، تاريخ الحياة، وسرديات إثنوغرافية عن العنف». وإلى جانب تقارير حقوق الأنسان وهيئات البحث عن الحقيقة، تقدم هذه الدراسات دليلا مهمًا إلى الأجيال الحاضرة والمستقبلية على طبيعة الفظاعة ومداها. يمضي علماء الأنثروبولوجيا أبعد من ذلك، لتحليل كيف تُحوّل الفظاعة إلى طقوس ضمن الثقافات،

وكيف أنّها عندما «تؤدَّى» بصورة جمعية تخدم في دعم الهوية الجماعاتية والتضامن. فمثلا، لحظ

طيف واسع من المعلقين مناخ الوحشية المبتهجة التي تتخلل عادة هيجانات عمليات الإبادة الجماعية. وفي حين ل ترتبط عمليات القتل والحتفالت به بظروف معينة، ول تنحصر في نطاق

الإبادة الجماعية، إلّأنها تفترض غالبًا طابعًا يشبه الكرنفال. ففي سياق أميركا الشمالية، يستطيع

الواحد تذكّر أجواء الحفلة التي سادت بين أطياف من البيض وهم يقومون بقتل رجلين أسودين في ولية إنديانا، أو تذكّر الجناة من الميليشيات في كولورادو في مذبحة ساند غريك في مدينة شايان الذين «وضعوا إنجازاتهم للعرض أمام العامة، في مسيرة نصر لحدّ الهذيان مرحّب بها تجوب مدينة

دنفر وتوافر الفرصة لهم لتزيين خيولهم وبدلتهم الرسمية وتجهيزاتهم الأخرى بمختلف أعضاء أجسام الضحايا - معظمها الأعضاء التناسلية للأناث - مما كدسوه كجوائز تذكارية». ساعد القيام بالأفعال المذكورة والحتفال الطقوسي بها في كلتا الحالتين على تحصين التضامن القبلي للبيض المبني ضدّ

(58) Scheper-Hughes, «The Primacy of the Ethical,» p. 410. (59) Hinton, «The Dark Side of Modernity,» p. 2. (60) Ibid. (61) Sanford, p. 210.

في الصطلاح الأنثروبولوجي، تشكل شهادات الأفراد المستوى «الداخلي» في حين تشكل التأويلات الأكاديمية المستوى «الخارجي». يُنظر:

Eriksen, p. 36. (62) Levene, vol. 2: The Rise of the West and the Coming of Genocide , p. 94.

ﺳﻮﺳﻴﻮﻟﻮﺟﻴﺎ وأﻧﺜﺮوﺑﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ا³ ﺑﺎدة اﻟﺠﻤﺎﻋﻴﺔ

المدّ المهدِّد الذي يشكله الهنود «الهمج» أو الذكور السود «الأوغاد». وفي حين أن هذه التحديدات الهوياتية الثانوية ليست خيالية وإنّما واقعية، ل يرى المرء، فحسب، نوعية طقوسية مماثلة لأفعال الثأر

ضدّ المضطهدِين (الحقيقيين)، أكانوا محليين أم عموميين، بل واندماج «خيالت» الثأر في طقوس ثقافية وأداءات يقع على امتداد متَّصل للإبادة الجماعية الثانوية. تأثر الستقصاء الذي قمت به لهذا

الموضوع في كتابي enocides by the Oppressed G) الإبادات الجماعية من قبل المضطَهدين) بقوة بتحقيقات أنثروبولوجية في مجال الأداءات الطقوسية للنصر العقابي والفظاعة. استكُشفت على نحو إضافي مسائل الإبادة الجماعية والذاكرة، وتعمّق فيها باحثون أنثروبولوجيون وفسّروها:

كيف يتم تبني استراتيجيات التغلب على المعاناة في أعقاب الفظائع الجماعية؛ كيف يمكن للفظائع أنْ تصبح حرفيًا «جزءًا من المشهد الطبيعي» للمجتمعات، ملحقًا بموضوعات مألوفة، ومنبثقًا في مقدَّم الوعي

عند لحظات غير متوقعة: «يمكن للذاكرة الحية عن الأرهاب أنْ تستحضر الألم البدني والنفسي لأفعال عنف سابقة في لحظات غير متوقعة. فالشجرة، على سبيل المثال، ليست مجرد شجرة. والنهر ليس مجرد نهر. ففي لحظة معينة، تصبح الشجرة تذكيرًا بطفل حطّم جندي رأسه على الشجرة. الشجرة، والطفل الذي

تذكر به، يستحضران بدورهما سلسلة من الذكريات عن الإرهاب، منها مشاهدة جريمة قتل زوج أو أخ رُبِط

بشجرة أخرى وضرب حتى الموت، ربما في اليوم نفسه أو ربما بعد سنوات». تلائم ممارسات الإرهاب المحدَّدة ثقافيًا البحث الأنثروبولوجي بشكل خاص. أظهر كريستوفر تايلور

في دراسته عن الإبادة الجماعية في رواندا الموسومة التضحية كإرهاب كيف أنّ الديناميات والطقوس والرمزية الثقافية قد تساعد على توضيح المسار المعين الذي أخذته المحرقة. أظهرت تحليلاته - بحسب الخلاصة التي وضعها ألكسندر هينتون - أنّ الطرائق الأنثروبولوجية «تفسِّر لماذا استمر العنف

بأساليب معينة؛ على سبيل المثال، قطع وتر آخيل [وتر العرقوب]، تشويه الأعضاء التناسلية، قطع الأثداء، بناء حواجز الطرق التي تستخدم منصات للإعدامات، تعبئة الأجسام بالفضلات». كان العنف «رمزيًا على نحوٍ عميق»، ممثِلّاًالعتقادات الثقافية في شأن التغوّط والتخلص من الفضلات، النسداد

والجريان. على سبيل المثال، أشار تايلور إلى رمزية نهر نايابارونجو كمنفذٍ حيث التوتسي المقتولين «سيُنقلون عبره من رواندا الى أرضهم الأصلية المفترضة»، وبذلك تتطهر الأمة من «أقليتها الأجنبية»

(63) Adam Jones, ««When the Rabbit's Got the Gun»: Subaltern Genocide and the Genocidal Continuum,» in: Nicholas A. Robins and Adam Jones (eds.), Genocides by the Oppressed: Subaltern Genocide in Theory and Practice (Bloomington: Indiana University Press, 2009), pp. 185-207, esp. pp. 187-188. Antonius C.G.M. Robben, «How Traumatized Societies Remember: The Aftermath of: 64)يُنظر على سبيل المثال) Argentina's Dirty War,» Cultural Critique , vol. 59 (Winter 2005), pp. 120-164. (65) Sanford, p. 143. (66) Hinton, «The Dark Side of Modernity,» p. 19.

يحاجّ هينتون بأن الرمزية «تتوسط جميع صور فهمنا للعالم، بما في ذلك عالم الإبادة الجماعية» (اتصال شخصي، 24 تموز/يوليو

2005). ويشير جاك سيملن أيضًا إلى «الطرائق التي يتم بها الستيلاء على الأجساد وتشويهها وتقطيعها»، ويعتبر أنها تشكل «أفعالً ثقافية كليًا يعبّر من خلالها الجاني عن شيء من هويته». يُنظر: Purify and Destroy: The Political Uses acques Sémelin, J

of Massacre and Genocide , translated from the French by Cynthia Schoch, CERI Series in Comparative Politics and International Studies (New York: Columbia University Press, 2007), p. 301.

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

الداخلية. وبحسب تفسير تايلور، «أصبحت أنهار رواندا جزءًا من الإبادة الجماعية من خلال التصرف

كما لو أنّها أعضاء الجسم السياسي للتصفية، بمعنى ما «طرح فضلات» الآخر الداخلي المكروه. وليس

من قبيل القفزة استنتاج أنّ التوتسي اعتبرهم مطاردوهم فضلاتٍ. والدليل الآخر على هذا هو حقيقة أنّ كثيرين من التوتسي عُبئوا بالفضلات بعد موتهم». تسمح الإلفة الحميمة مع الممارسات الثقافية على صعيدٍ يومي لعلماء الأنثروبولوجيا أنْ يرسموا الصلات بين النفجارات «الستثنائية» للفظائع، كما في الإبادة الجماعية، والأشكال والبنيات اليومية للعنف. تقصتْ المنظرة البارزة في هذا المجال نانسي تشبر هيوز في دراستها الكلاسيكية لقرية

برازيلية التي كانت بعنوان Death Without Weeping) الموت با نحيب)، انعدام إحساس النساء الأمهات إزاء موت أطفالهن الرضّع وسط ندرة معيشية واسعة. بلغ هذا حدّ التواطؤ بموت فلذات

أكبادهن من خلال حرمانهم المقصود من الطعام والعناية، فكان أنْ نُظِر الى الوفيات الناجمة عن ذلك كما لو أنّها مقدَّرة إلهيًا. بالنتيجة، لخصت تشبر هيوز الخطوط العامة ل «متّصل إبادة جماعية»،

تكوّن من «عدد من «الحروب الصغيرة والإبادات الجماعية غير المرئية» التي مورست ضمن فضاءات

اجتماعية اعتيادية مثل المدارس العامة والعيادات وغرف الطوارئ وردهات المستشفيات ودور الرعاية الصحية وقاعات المحاكم والسجون ومراكز الحتجاز والمشارح العامة. يشير المسلسل إلى القدرة الإنسانية على اختزال الآخرين إلى أقل من أشخاص، إلى وحوش، أو أشياء تعطي بنية ومعنى، ومبررًا

للممارسات اليومية للعنف. إنّ من الجوهري أنْ نتعرف في نوعنا (والأنواع الأخرى) على القدرة على

ممارسة الإبادة الجماعية وأن نمارس اليقظة الدفاعية بدرجةٍ عالية، المثابرة بدرجةٍ عالية، إلى الأفعال

اليومية الأقل دراماتيكية، المسموح بها للعنف التي تجعل المشاركة (في ظلّ ظروف أخرى) في فعل الإبادة الجماعية ممكنة، وربّما أكثر سهولة مما يمكن لنا أنْ نعلم. أود تضمين كل تعابير الأقصاء

الجتماعي، خفض مستوى الإنسانية، خفض مستوى الشخصنة، تزييف النوع، التي تطبّع السلوك

الفظيع والعنف المرتكب نحو الآخرين». لحظتْ تشبر هيوز، مثلا، أن «أطفال الشوارع» البرازيليين يتعرضون للاعتداءات من الشرطة، اعتداءاتٍ لها «طابع الإبادة الجماعية في اتجاهاتها الجتماعية والسياسية». وغالبًا ما يوصف الأطفال بأنهم

«آفات قذرة»، ما يحشد الدعم الشعبي الواسع للسياسات غير الرسمية من قبيل «تنظيف الشوارع»

(67) Christopher C. Taylor, Sacrifice as Terror: The Rwandan Genocide of 1994 (Oxford: Berg, 1998), p. 130.

لهذه الظاهرة ما يقابلها في أفعال إبادة أخرى. ففي أوائل عام 1940، أشار الروائي والكاتب ه. ج. ويلز إلى «الضحايا المختنقين في

المراحيض» في معسكرات التجميع النازية، كمثالٍعلى الجانب الغائطي في الهتلرية. مذكور في:

Robertson, p. 23. وللاطلاع على دراسة آسرة أخرى لطقسٍ عنيف ورمزيته، يُنظر: Antonius C.G.M. Robben, «State Terror in the Netherworld:

Disappearance and Reburial in Argentina,» in: Antonius C.G.M. Robben (ed.), Death, Mourning, and Burial: A Cross- Cultural Reader (Malden, MA: Blackwell Pub., 2004).

حيث يُستكشف في هذه الدراسة النتهاك الرمزي ل «الختفاء» في ثقافة تمنح أهمية كبيرة للجثة وطقوس الدفن.

(68) Nancy Scheper-Hughes, Death without Weeping: The Violence of Everyday Life in Brazil (Berkeley, CA: University of California Press, 1992). (69) Nancy Scheper-Hughes: «Coming to Our Senses: Anthropology and Genocide,» in: Hinton (ed.), Annihilating Difference , p. 369, and «The Genocidal Continuum: Peace-Time Crimes,» in: Jeannette Marie Mageo (ed.), Power and the Self (Cambridge, UK; New York: Cambridge University Press, 2002), chap. 2, pp. 29-47.

ﺳﻮﺳﻴﻮﻟﻮﺟﻴﺎ وأﻧﺜﺮوﺑﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ا³ ﺑﺎدة اﻟﺠﻤﺎﻋﻴﺔ

و«إزالة القمامة» و«طرد الذباب» و«القضاء على الآفات» الهادفة إلى «استئصالهم». تصبح الإبادة من خلال مثل هذه الممارسات والخطابات «ظاهرة اجتماعية إضافية»، بمعنى أن «مرتكبيها، والمشاركين فيها، والمتفرجين عليها - وحتى الضحايا أنفسهم - يرونها أمرًا متوقعًا وروتينيًا ومبرَّرًا». يبدو أنّ

هناك صلة واضحة بين مثل هذه التسويغات اللفظية اليومية والخطاب الدعائي المحرض على الإبادة الشاملة الذي كان يشار فيه إلى الأطفال من سكان أميركا الأصليين على أنّهم «الصؤاب الذي يولّد القمل»، وإلى اليهود على أنّهم «آفات»، والتوتسي في رواندا على أنّهم «صراصير». في ختام هذه المراجعة الموجزة للأطر والتبصرات الأنثروبولوجية، من الملائم أنْ نأخذ في الحسبان دور علماء «الأنثروبولوجيا العدليين» وتجسيرهم الفجوة بين العلوم الطبيعية والجتماعية، حيث «عملوا مع المتخصصين في مجال الصحة والمحامين والمصورين والمنظمات غير الحكومية من أجل تحليل البقايا المادية للجثث وجمع الأدلّة التي تمكّنهم من ملاحقة مرتكبي هذه الجرائم». تتألف نشاطاتهم الأساسية من «التفتيش عن الأدلّة المادية واستردادها والمحافظة عليها من ساحات» الجرائم والفظائع الجماعية. ويوثّقون كيف ترتبط الأدلّة ب «بيئة توضّعها» ويستخدمون البيانات التي جمعوها من أجل إعادة بناء الحوادث المحيطة بموت الضحايا المنبوشين. في السنوات الأخيرة، أصبح علماء الأنثروبولوجيا العدليين الوجه الأكثر ظهورًا للأنثروبولوجيا في

تحقيقات ومحاكمات الإبادة الجماعية. كان كلايد سنو من بين الرواد، وهو متخصص أميركي ممن أشرف في التسعينيات على نبش مواقع مذبحة البلقان في فوكوفار وسربرنيتشا. شكلت هذه التنقيبات الأساس لكتاب The Grave) القبر) الذي يحوي صورًا ونصوصًا، وهو كتاب رهيب بالتأكيد لكنه

منوِّر أيضًا. وصف سنو مهمته: «عندما تختار [المجتمعات] تعقب العدالة، نستطيع نحن علماء

الأنثروبولوجيا العدليين أنْ نضع الأدوات للعلم المتنامي على نحوٍ سريع ليكون في خدمة الناجين. نستطيع أنْ نحدد عمر الضحية وجنسها وعرقها من حجم عظام معينة وشكلها. نستطيع أنْ نستخرج الحمض النووي من عظام الجمجمة ونقارنها مع عينات من أقارب الضحية. ويمكن للعلامات

على العظام أنْ تكشف إشارات إلى أمراض قديمة وأذيّاتٍتعكس التواريخ الطبية للضحايا، وكذلك

الحال بالحصول على أدلة شريرة أخرى: ثقوب الطلقات، علامات القطع بالسكين، أو أنماط الكسور الناجمة من أدوات غير حادة. يمكن لهذه الإشارات، إذا ما أخذت معًا، أنْ تخبرنا منْ هم الضحايا

وكيف ماتوا، وهي إشارات حاسمة لسوق القتلة إلى العدالة». قام سنو ببداية حفرياته في الأرجنتين في الثمانينيات، حيث ساعد على تدريب فريق الأنثروبولوجيا العدلية الأرجنتيني الذي نبش قبور ضحايا «الحرب القذرة». أسندت «الأدلة العدلية الكافية» تقرير لجنة الحقيقة الأرجنتينية المعنون «لنْ يحدث مرة ثانية أبدًا»، وساعد على محاسبة قادة «الزمرة

(70) Scheper-Hughes, «Coming to Our Senses,» pp. 372-373. (71) Hinton, «The Dark Side of Modernity,» p. 33. (72) D. C. Dirkmaat and J. M. Adovasio, «The Role of Archaeology in the Recovery and Interpretation of Human Remains from an Outdoor Forensic Setting,» in: William D. Haglund and Marcella H. Sorg (eds.), Forensic Taphonomy: The Postmortem Fate of Human Remains (Boca Raton: CRC Press, 1997), p. 58. (73) Clyde Snow, «Murder Most Foul,» The Sciences , vol. 35, no. 3 (May-June 1995), p. 16.

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

العسكرية» السابقين. استمر الفريق في عمليات النبش في السلفادور، في موقع مذبحة عسكرية ذهب ضحيتها نحو 700 مدني في إلموزوت Mozote) (El. وقام سنو تباعًا بتدريب أعضاء من

فريق الأنثروبولوجيا العدلية الغواتيمالي، بمساعدة من الجمعية الأميركية لتقدم العلوم. وكانت تحقيقات الفريق حيوية بالنسبة إلى تقرير الحقيقة الذي وصف حملة النظام العسكري ضد الهنود المايان في المرتفعات الغواتيمالية بانها أعمال إبادة جماعية، وحمّل الحكومة والقوى شبه المسلحة

التي قامت بتعبئتها مسؤولية ما يزيد على 90 في المئة من فظائع «الحرب الأهلية». أجرى سنو تنقيبات لمواقع الفظائع الإنسانية في مناطق متباعدة جغرافيًا كما في أثيوبيا والعراق والفلبين.

ويلخص تعليقه على طبيعة التحقيقات التي قام بها عملَ علماء الأنثروبولوجيا ذوي الضمير - وكثيرين آخرين - ممن ساهموا بتعميق فهمنا عمليات الإبادة الفردية: «تنجز العمل نهارًا وتبكي ليلاً». اﻟﻤﺮاﺟﻊ References

Books

Alvarez, Alex. Governments, Citizens, and Genocide: A Comparative and Interdisciplinary Approach. Bloomington, IN: Indiana University Press, 2001. Anderson, Benedict. Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism. Rev. and Extended ed. London: Verso, 1991. Bauman, Zygmunt. Modernity and the Holocaust. Ithaca, NY: Cornell University Press, Bell-Fialkoff, Andrew. Ethnic Cleansing. New York: St. Martin’s Griffin, 1999. Binford, Leigh. The El Mozote Massacre: Anthropology and Human Rights. Hegemony and Experience. Tucson, AZ: University of Arizona Press, 1996. Brantlinger, Patrick, Dark Vanishings: Discourse on the Extinction of Primitive Races, 1800-1930. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2003. Brass, Paul R. (ed.). Riots and Pogroms. New York: New York University Press, 1996. Chua, Amy. World on Fire: How Exporting Free Market Democracy Breeds Ethnic Hatred and Global Instability. New York: Anchor Books, 2004. Danner, Mark. The Massacre at El Mozote: A Parable of the Cold War. New York: Vintage Books, 1994. Erickson, Paul A. and Liam D. Murphy. A History of Anthropological Theory. 2 nd ed. Peterborough, Ont.; Orchard Park, NY: Broadview Press, 2003.

(74) Ibid., p. 20. Leigh Binford, The El Mozote Massacre: Anthropology and Human Rights , Hegemony and Experience: 75)يُنظر)

(Tucson, AZ: University of Arizona Press, 1996), and Mark Danner, The Massacre at El Mozote: A Parable of the Cold War (New York: Vintage Books, 1994).

76)) «في الأصل كانت مجموعة مكونة من خمسة أعضاء، وحاليًا، توظف المؤسسة الأنثروبولوجية العدلية الغواتيمالية أكثر من

60 شخصًا وأجرت أكثر من 200 عملية نبش:»

Victoria Sanford, personal communication, June 15, 2005.

77)) وصفت فكتوريا سانفورد نشاطات الفريق العدلي الغواتيمالي بشكل مؤثر في كتابها Buried Secrets الذي تمحور حول عمليات النبش في قرية أكول Acul) (المايانية.

(78) See the «Clyde Snow Information Page,» at: http://www.ajweberman.com/cs.htm.

ﺳﻮﺳﻴﻮﻟﻮﺟﻴﺎ وأﻧﺜﺮوﺑﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ا³ ﺑﺎدة اﻟﺠﻤﺎﻋﻴﺔ

Eriksen, Thomas Hylland. Small Places, Large Issues: An Introduction to Social and Cultural Anthropology. Anthropology, Culture, and Society. 2 nd ed. London; Sterling, Va.: Pluto Press, 2001. Fein, Helen. Genocide: A Sociological Perspective. London: Sage, 1993. Ganguly, Rajat and Ray Taras. Understanding Ethnic Conflict: The International Dimension. New York: Longman, 1998. Gellately, Robert and Ben Kiernan (eds.). The Specter of Genocide: Mass Murder in Historical Perspective. New York: Cambridge University Press, 2003. Haglund, William D. and Marcella H. Sorg (eds.). Forensic Taphonomy: The Postmortem Fate of Human Remains. Boca Raton: CRC Press, 1997. Hall, Stuart [et al.] (eds.). Modernity: An Introduction to Modern Societies. Malden, MA: Blackwell, 1996. Hinton, Alexander Laban (ed.). Annihilating Difference: The Anthropology of Genocide. With a foreword by Kenneth Roth. California Series in Public Anthropology; 3. Berkeley: University of California Press, 2002. ______ (ed.). Genocide: An Anthropological Reader. Blackwell Readers in Anthropology; 3. Malden, Mass.: Blackwell, 2002. Hinton, Alexander Laban. Why Did they Kill?: Cambodia in the Shadow of Genocide. California Series in Public Anthropology; 11. Berkeley, CA: University of California Press, 2005. Horowitz, Donald L. The Deadly Ethnic Riot. Berkeley: University of California Press, Kuper, Leo. The Prevention of Genocide. New Haven, CT: Yale University Press, 1985. Levene, Mark. Genocide in the Age of the Nation State. 2 vols. London; New York: I. B. Tauris, 2005. Vol. 1: The Meaning of Genocide. Vol. 2: The Rise of the West and the Coming of Genocide. Lifton, Robert Jay and Eric Markusen. The Genocidal Mentality: Nazi Holocaust and Nuclear Threat. New York: Basic Books, 1990. Maček, Ivana. Sarajevo under Siege: Anthropology in Wartime. Ethnography of Political Violence. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2009. Mageo, Jeannette Marie (ed.). Power and the Self. Cambridge, UK; New York: Cambridge University Press, 2002. Mann, Michael. The Dark Side of Democracy: Explaining Ethnic Cleansing. New York: Cambridge University Press, 2005. Moses, A. Dirk (ed.). Empire, Colony, Genocide: Conquest, Occupation, and Subaltern Resistance in World History. Studies on War and Genocide; 12. New York: Berghahn Books, 2008. Robben, Antonius C. G. M. (ed.). Death, Mourning, and Burial: A Cross-Cultural Reader. Malden, MA: Blackwell Pub., 2004. Robertson, Geoffrey. Crimes against Humanity: The Struggle for Global Justice. New York: New Press, 2000. Robins, Nicholas A. and Adam Jones (eds.). Genocides by the Oppressed: Subaltern Genocide in Theory and Practice. Bloomington: Indiana University Press, 2009. Rubenstein, Richard L. The Age of Triage: Fear and Hope in an Overcrowded World. Boston, MA: Beacon Press, 1983.

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

Said, Edward W. Orientalism. New York: Vintage Books, 1979. Sanford, Victoria. Buried Secrets: Truth and Human Rights in Guatemala. New York: Palgrave Macmillan, 2003. Schafft, Gretchen E. From Racism to Genocide: Anthropology in the Third Reich. Urbana, IL: University of Illinois Press, 2004. Scheper-Hughes, Nancy. Death without Weeping: The Violence of Everyday Life in Brazil. Berkeley, CA: University of California Press, 1992. ______ and Philippe Bourgois (eds.). Violence in War and Peace: An Anthology. Blackwell Readers in Anthropology; 5. Oxford: Blackwell, 2004. Sémelin, Jacques. Purify and Destroy: The Political Uses of Massacre and Genocide. Translated from the French by Cynthia Schoch. CERI Series in Comparative Politics and International Studies. New York: Columbia University Press, 2007. Sluka, Jeffrey A. (ed.). Death Squad: The Anthropology of State Terror. Ethnography of Political Violence. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2000. Smith, Anthony D. National Identity. London: Penguin, 1991. Sofsky, Wolfgang. The Order of Terror: The Concentration Camp. Translated by William Templer. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1997. Stone, Dan (ed.). The Historiography of Genocide. Basingstoke; New York: Palgrave Macmillan, 2008. Taylor, Christopher C. Sacrifice as Terror: The Rwandan Genocide of 1994. Oxford: Berg, 1998. Tilly, Charles, The Politics of Collective Violence. Cambridge Studies in Contentious Politics. Cambridge; New York: Cambridge University Press, 2003. Totten, Samuel, William S. Parsons and Israel W. Charny (eds.). Century of Genocide: Eyewitness Accounts and Critical Views. Garland Reference Library of Social Science; 772. New York: Garland Pub., 1997. Van den Berghe, Pierre L. (ed.). State Violence and Ethnicity. Niwot, Colo.: University Press of Colorado, 1990. Waller, James. Becoming Evil: How Ordinary People Commit Genocide and Mass Killing. Oxford; New York: Oxford University Press, 2002. Wallimann, Isidor and Michael N. Dobkowski (eds.). Genocide and the Modern Age: Etiology and Case Studies of Mass Death. With a new preface by the editors; Afterward by Richard L. Rubenstein. New York: Syracuse University Press, 2000. Weber, Max. From Max Weber: Essays in Sociology. Translated, edited, and with an introduction by H. H. Gerth and C. Wright Mills. New York: Oxford University Press,

Periodicals

Hamblet, Wendy C. «The Crisis of Meanings: Could the Cure be the Cause of Genocide?.» Journal of Genocide Research. Vol. 5, no. 2 (June 2003), pp. 237-249. Robben, Antonius C. G. M. «How Traumatized Societies Remember: The Aftermath of Argentinaʼs Dirty War.» Cultural Critique. Vol. 59 (Winter 2005), pp. 120-164. Scheper-Hughes, Nancy. «The Primacy of the Ethical: Propositions for a Militant Anthropology.» Current Anthropology. Vol. 36, no. 3 (June 1995), pp. 409-440. Snow, Clyde. «Murder Most Foul.» The Sciences. Vol. 35, no. 3 (May-June 1995), pp. 2-49.