العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الدولة واقتصاد السوق: قراءات في سياسات الخصخصة وتجاربها العالمية والعربية

الدولة واقتصاد السوق: قراءات في سياسات الخصخصة وتجاربها العالمية والعربية

The State and the Market Economy: Readings in Privatization Policies and their International and Arab Experiences

ﺗﻴﺴﻴﺮ اﻟﺮداوي | Tayssir Raddawi *

الملخّص

المؤلفان: طاهر حمدي كنعان وحازم تيسير رحاحلة الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مكان النشر: بيروت- الدوحة سنة النشر: 2016 عدد الصفحات: 400

Abstract

Authors: Taher Hamdi Kanaan and Hazem Tayssir Rahahala Edition: first Date of publication: November 2016 Publisher: ACRPS No. of pages: 400

الكلمات المفتاحية:
  • اقتصاد السوق
  • سياسات الخصخصة
  • الدولة
Keywords:
  • State
  • Market Economy
  • Privatization Policy

المؤلفان

: طاهر حمدي كنعان وحازم تيسير رحاحلة الناشر

: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مكان النشر

: بيروت - الدوحة سنة النشر 2016: عدد الصفحات: 400

يعالج هذا الكتاب موضوع الخصخصة وتجاربها العالمية والعربية، ومن أجل ذلك أبحر المؤلفان في دراسة معمقة للجانب النظري من دور الدولة في القتصاد واقتصاد السوق والملكية العامة والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، والنشاط القتصادي (الفصل 1 والفصل 2، ص 117-31). فرصدا تلك العلاقة في تجارب البلدان المختلفة، ودرسا تجارب الدول في حقبة القتصاد الحر والأفكار القتصادية الليبرالية، حيث سادت أفكار القتصاديين الكلاسيكيين، وتجارب الدول في حقبة التدخل الحكومي في الحياة

القتصادية التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية وصعود موجة الدعوة إلى تدخّل الدولة، وتطرقا في أكثر من مكان إلى مرحلة فشل الدولة والتخطيط المركزي في تحقيق التنمية، واهتما بشكل خاص بمرحلة العودة من جديد إلى تعزيز القطاع الخاص واقتصاد السوق. سنتحدث بإيجاز عن آرائهما في مسائل نظرية قبل أن ندخل في صلب الكتاب. لكن قبل أن نعرض مضمون الكتاب الذي توزع على ثمانية فصول، ل بد من الإشارة إلى إصرار المؤلفين بعد المقدمة على إبداء رأيهما ببعض المصطلحات القتصادية الشائعة المستخدمة

Researcher in economics, Expert and Director of the Economic Planning Department at the Ministry of Development Planning and Statistics, Qatar.

في اللغة العربية مثل «الحوكمة» و«الحاكمية»،

مقترحين بدلً ننها «الحكمانية » (Governance) التي اعتمداها في الكتاب (ص. 31-32) يتضمن الفصل الأول «حكمانية السوق في النظرية والمفاهيم الأساسية»، بحثًا نظريًا لما أطلقا عليه تعبير «الفضاءات الثلاثة»، وهي الفضاء العام ويقصدان به قطاع «مؤسسات الدولة والحكم»، والفضاء الخاص المكوّن من «مؤسسات السوق

الساعية إلى الربح» (ص. 32)، وفضاء ثالث يضم المؤسسات التي تتعامل بالسلع والخدمات من دون السعي إلى الربح. تُعنى «حكمانية» اقتصاد السوق بتنظيم الإنتاجية والسير في طريق التنمية من طريق التدخّل في نسق الملكية وإدارة المنشآت الإنتاجية بغض النظر عن الملكية، لذلك فإن مفهوم الخصخصة في بلدان اقتصاد السوق سيختلف عن الخصخصة في بلدان العبور إلى اقتصاد السوق (ص. 33). ويدعو النطلاق من السوق على المستوى النظري إلى عدم إقامة علاقة ارتباط بين كفاءة المنشأة وربحها من ناحية ونوع الملكية من ناحية أخرى، لأن المنافسة هي التي سوف تحدد الكفاءة وليس نوع الملكية. لذلك فإن الدعوات إلى نقل الملكية من شكل إلى آخر يعود إلى فشل الملكية العامة في المحافظة على آلية السوق في أثناء سيطرتها على النشاط القتصادي، وإلى فشلها في استقدام التكنولوجيا والستثمار الأجنبي، وبالتالي اضطرارها إلى إقامة شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص الذي غالبًا ما يشترط عليها

مشاركته في الملكية. هذه الأفكار، إضافة إلى التمييز بين السلعة العامة والسلعة الجتماعية والسلعة الخاصة، سوف تهيمن على التحليل في أكثر من مكان في هذا الكتاب.

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

بالطبع تطرّق المؤلفان منذ البداية (ص. 40) إلى

موضوع الفساد الملازم للقطاع العام والذي غالبًا

ما يرافق الخصخصة. وذكرا أكثر من تجربة، وكذلك العلاقة بين دور الدولة القتصادي وسياسة الخصخصة ذلك أن الكفاءة ل تتوقف على الملكية بل على البيئة المؤسسية التي تعمل فيها المنشأة، سواء أكانت عامة أم خاصة، إضافة إلى شروط أخرى كالدوافع والحوافز. كما أن المنافسة وآلية السوق على وجه الخصوص هما اللتان تحققان جودة المنتوجات وانخفاض الأثمان. هذه الأفكار الراسخة عندهما سوف تقود إلى الحديث عن دور الدولة في النشاط القتصادي المنتج للسلع والخدمات، أو ضرورة إعفائها منه وإحالته إلى القطاع الخاص. كما إن التحليل السابق جعلهما يجيبان بنعم باستثناء السلع التي تواجه أسواقًا غير تنافسية أو منقوصة التنافس، كالثروات المعدنية والمشروعات الضخمة والسلع العامة التي يجب أن يبقى إنتاجها في عهدة الدولة كمًا ونوعًا وفق حاجات

المواطنين، وكذلك الأنشطة التي يضعف فيها أداء آلية السوق. وللحديث عن مسؤولية الدولة في إنتاج السلع العامة كالتعليم، عرض المؤلفان تجربة خصخصة التعليم العالي في الأردن (ص. 52)، من أجل الدللة على أن العتراض على هذه التجربة ل يعود إلى الموقف من القطاع الخاص، وإنما لأن التعليم سلعة عامة، في حين أن الجامعات الخاصة الحالية جامعات ربحية، وأن نوع الربح فيها مختلف عن الربح المتحقق من مشروعات استثمارية أخرى، حيث يأتي من خفض التكلفة وليس من تعظيم القيمة السوقية. كما أشار المؤلفان إلى أن نجاح الجامعات الخاصة غير الحكومية وغير الربحية في العالم اليوم ل يأتي من الفرق بين تكاليف إنتاج السلعة

اﻟﺪوﻟﺔ واﻗﺘﺼﺎد اﻟﺴﻮق: ﻗﺮاءات ﻓﻲ ﺳﻴﺎﺳﺎت اﻟﺨﺼﺨﺼﺔ وﺗﺠﺎرﺑﻬﺎ اﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ واﻟﻌﺮﺑﻴﺔ

والقيمة السوقية التي تُباع بها، بل من كونها تعتمد على المنح والتبرعات وعوائد الوقفيات والوهب الخيري. أصاب المؤلفان استنادًا إلى هذه الفكرة في طرح عدد من الخطوط لإصلاح التعليم العالي في الأردن. في نهاية الفصل الأول، أقحم المؤلفان موضوعًا

آخرًا لكنه مهم جدًا ويستحق كتابًا مستقلا،

يتعلّق بعنجهية السوق أو تهديد قيم السوق قيم المجتمع (ص. 60). اعتمدا على دراسة لمايكل ساندل Michael Sandel) (، أستاذ فلسفة الحكم وعلم الجتماع في جامعة هارفرد، في شأن الحدود الأخلاقية لوظيفة السوق (ص. 61) وما يسببه الطمع في الربح من «تسليع» الكثير من الخدمات كالمدارس والمستشفيات والسجون، وجعلها تعمل على أسس تجارية ربحية، ثم امتداد ذلك إلى تسليع تجنيد المرتزقة واستئجار أرحام النساء الفقيرات لحمل أطفال الأغنياء. الحقيقة أنني، مثل كثيرين، مُعجب بأفكار ساندل

منذ ظهورها في كتابه الصادر في عام 2012، وكنت سعيدًا بمقالة لطاهر كنعان صدرت في مجلة «تبين» للدراسات الفكرية والثقافية، صيف 2016، نقلت إلى قرّاء العربية الفرق بين اقتصاد

السوق ومجتمع السوق، من حيث إن اقتصاد السوق أداة فاعلة ونافعة لتنظيم النشاط الإنتاجي، في حين أن مجتمع السوق هو خضوع العلاقات الجتماعية لعلاقات السوق وبالتالي صيرورتها موضوعًا للمال والمتاجرة. أما الفصل الثاني فخصص لما أطلقا عليه «الفضاء العام والفضاء الخاص في تجارب الدول» (ص. 73-117). يشير المؤلفان إلى أنه وفق النظريات التنموية المطروحة، نيوماركسية أو حداثية، هناك اتفاق على أن التركيب الطبقي

للمجتمع أو الفضاء الخاص ينتج نمطًا من القيادة أو الفضاء العام، ويؤثر في تكوين رأس المال والنمو، لكن في التجربة العملية هناك دول تشترك في طبيعة التركيب الطبقي لمجتمعها وفي نمط القيادة ومع ذلك تختلف في نتائج تجاربها التنموية، مثل اختلاف نتائج التجارب التنموية بين كوريا الجنوبية وباكستان وغانا ومصر، وكذلك الختلاف بين دول أوروبا الشرقية التي منيت تجربتها التنموية بهزيمة شاملة والصين التي حققت تجربتها التنموية نجاحًا باهرًا. تنسحب هذه الفكرة المبدعة التي دافع عنها المؤلفان بالتالي على أن ضعف كفاءة المنشآت العامة مقارنة بالمنشآت الخاصة، ل تعود إلى نوع الملكية وإنما إلى الفساد والتدخلات السياسية (ص. 114-115)، والدليل على ذلك وجود منشآت إنتاجية تضاهي في نجاحها المنشآت الخاصة، خصوصًا إذا اعتبرنا أن النجاح ل يُقاس بتحقيق أعلى ما يمكن من الربح لأنه قد يأتي من أوضاع احتكار القطاع العام. يعرض المؤلفان كذلك في هذا الفصل تاريخ التدخل الحكومي في الحياة القتصادية خارج إطار الأنظمة الشتراكية، منذ تزايد الدعوات إلى هذا التدخل بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة حاجة الدول الخارجة من الحرب إلى إعادة الإعمار وضبط إيقاع النظام الإنتاجي، لذلك تركزت هذه الدعوات، خصوصًا في الدول التي أثرت فيها الحرب مثل بريطانيا التي بدأت إجراءات التأميم منذ عام 1946 وجرى فيها تأسيس عدد من الشركات الحكومية، وكذلك فرنسا ومعظم الدول الأوروبية، فيما تلكأت ألمانيا بسبب موقفها من الحكم النازي الذي كان يكلّف الدولة أداء دور كبير على الصعيد القتصادي،

في حين أن النمسا تجاوزت جميع الدول في حماستها للتحول من القطاع الخاص إلى قطاع الدولة. وانتقلت حمى القطاع العام إلى باقي دول العالم، خصوصًا كوريا الجنوبية والمكسيك والبرازيل وتايوان. حدث الرتداد بعد مرحلة بسيطة لم تتجاوز أربعة عقود نتيجة عوامل عدة، أهمها انهيار الأنظمة الشتراكية، وفشل الدولة في إدارة المنشآت الإنتاجية، ودعوات إصلاح الأنظمة القتصادية المأزومة، فشهد العالم بين عامي 1988 و 1999 ثمانية آلف عملية خصخصة، بلغت عوائدها 321 مليار دولر، ثم بين عامي 1999 و 2008 خُصخِصت مجموعة أخرى تركزت في المنشآت كبيرة الحجم، فتجاوزت العوائد 450 مليار دولر، لكن ذلك ل يعني أنه لم تكن هناك ارتدادات أخرى حدثت باتجاه ملكية الدولة، كما حدث في الأرجنتين وإسبانيا والوليات المتحدة في الفترة نفسها بين عامي 1999 و 2008 (ص. 85). ثم ذهب المؤلفان بعد ذلك إلى إجراء مقارنة كانت مفيدة حول مستوى التدخل الحكومي في مناطق مختلفة من العالم، شملت الدول الأوروبية والوليات المتحدة الأميركية ودول أخرى، وبيّنت هذه المقارنة إيرادات الشركات

الحكومية ودور الدولة في تلك القتصادات. كما عرض المؤلفان، بشكل خاص، إشكالت منشآت الدولة وتحدياتها، خصوصًا في تعدد

أهدافها السياسية والجتماعية والقتصادية، وغالبًا تعارُض هذه الأهداف في ما بينها

(ص. 95)، فتقديم سلعة أو خدمة إلى المواطنين بأسعار رخيصة تتعارض مع هدف تحقيق الربح، على العكس من المنشآت الخاصة التي تتمحور أهدافها في تحقيق أعلى ما يمكن من الأرباح. وذكرا كذلك من بين الإشكالت تضارب مصالح الحكومة والبرلمان والناخبين مع مصالح القائمين

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

على المنشآت، وهذا ما سمّياه تضارب مصالح

» الأصيل والوكيل « (ص 96-95)، وضعف مراقبة الأصيل «الحكومة والمجتمع والمواطنين» للوكيل الذي يدير المنشأة، وأخيرًا ما يتعلق بفساد المديرين. لكن السؤال الذي يتكرر، ويُكرره المؤلفان

في هذا الفصل: هل هذه الإشكالت تعود إلى الملكية لأن الملكية العامة تخلق جوًا من

الفساد وتدنّي الكفاءة؟ يطرح المؤلفان من أجل تبرئة الملكية عددًا من الأمثلة التي تبيّن نجاح

الدولة في إدارة المنشآت الإنتاجية والخدمية. قدّما مثال سنغافورة على هذا النجاح، حيث لم تمنع المنشآت الحكومية في سعيها إلى تحقيق أهداف تجارية، من تحقيق أهداف تنموية في الوقت نفسه، وخضوعها لرقابة مجالس التنمية القتصادية. وعرض المؤلفان كذلك أمثلة شركات حكومية رائدة وناجحة في دول الخليج العربية مثل شركة الصناعات الأساسية السعودية، وشركة ألمنيوم البحرين، وشركة قطر للصناعات...إلخ، وكانت هذه الإشارة موفقة للدللة على أن النجاح يمكن أن يرافق المنشآت العامة. نجح المؤلفان هنا في إثبات نتيجة أساسية، تفيد بأن نقل ملكية أو إدارة المرافق العامة إلى القطاع الخاص عملية معقدة تتطلب قدرات تنظيمية وفنية متقدمة، خصوصًا أن كفاءة المنشأة، كما قلنا، ل تتوقف على الملكية وإنما على الأطر التنظيمية والقدرة على الخضوع لقواعد المنافسة (ص. 115) يدور الفصل الثالث حول موضوع «الخصخصة في التطبيق/بلدان اقتصاد السوق»(ص -121 161)، أي في البلدان التي يسود فيها اقتصاد السوق، وكانت تعتمد في الأساس القتصاد الحر، ثم اجتاحها بريق القطاع العام منذ أزمة

اﻟﺪوﻟﺔ واﻗﺘﺼﺎد اﻟﺴﻮق: ﻗﺮاءات ﻓﻲ ﺳﻴﺎﺳﺎت اﻟﺨﺼﺨﺼﺔ وﺗﺠﺎرﺑﻬﺎ اﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ واﻟﻌﺮﺑﻴﺔ

القتصاد العالمي الكبير في عام 1949، ومن ثم مجيء الحكومات الفاشية في ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، ومن ثم موجات ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأخيرًا الحماسة من جديد لقتصاد السوق

أو الخصخصة. يبدأ المؤلفان تقويمهم عمليات الخصخصة في التجربة الأوروبية ويستندان إلى دراسات عدة للمقارنة بين أداء المنشآت الأوروبية قبل الخصخصة وأدائها بعدها، وبيان أن أثر الخصخصة إيجابي في معظم الحالت، لكنه ل يعود إلى تغيير الملكية في حد ذاته بقدر ما يعود إلى أجواء الحرية القتصادية والتنافس الحر وانخفاض التكاليف وتحسن النوعية والأداء. وهذا تأكيد للفكرة التي تبنّاها المؤلفان على طول الخط في هذا الكتاب. لحظ المؤلفان، أنه بشكل عام، تأتي الحماسة لمفهوم القتصاد السياسي للخصخصة في الدول الأوروبية من رغبة الداعين إلى تحقيق مكاسب انتخابية، نتيجة تمليك أصول الشركات المخصخصة للعاملين فيها بأسعار تقل عن القيم الحقيقية لها، كما حدث في أيام ثاتشر وما حققته من فوز لحزب المحافظين لدورات انتخابية عدة (ص. 135). من الملاحظات الهامة حول التجربة الأوروبية في الخصخصة، عدم تسليم الإدارة بالكامل إلى القطاع الخاص وإنما بالمشاركة مع الحكومة. أما عن الخصخصة في أميركا اللاتينية (ص. 136)، فقد بيّنت الدراسات التي اعتمد عليها المؤلفان أن

الخصخصة لم تلق الرواج نفسه في الدول كلها، ففي حين بلغ حجم الخصخصة في بوليفيا 90 في المئة، لم يبلغ في دول أخرى سوى 5 في المئة. كما تركزت الخصخصة بشكل عام في قطاعات الزراعة والصيد البحري والصناعة التحويلية والنفط والغاز والتعدين والمرافق والخدمات الجتماعية والقطاع المصرفي. ولعل المكسيك هي الدولة الأولى

في عمليات الخصخصة. وقد لحظا أن دوافع الخصخصة في أميركا اللاتينية راوحت بين دوافع أيديولوجية عقائدية ودوافع متعلقة بالمالية العامة، وأخرى تنشد تحسين الأداء والحصول على تمويل من القطاع الخاص ومشاركة شركات استراتيجية في ملكية المنشآت، وتطوير أسواق الأوراق المالية. لم يترك المؤلفان شيئًا عن الخصخصة لم يتطرقا إليه في هذه البلدان، من أميركا اللاتينية إلى أفريقيا إلى دول جنوب آسيا إلى الهند. لم يكن هناك تجارب ناجحة تثير النتباه، عدا اختلاف هذه التجارب واختلاف النتائج التي تم التوصل إليها. تناول الفصل الرابع موضوع «الخصخصة في البلدان العابرة إلى اقتصاد السوق»(ص -165 201) في دول وسط وشرق أوروبا والصين. في روسيا وحدها تمّ خصخصة ما يقارب 45 ألف

مؤسسة حكومية، ومُنيت هذه التجربة بنتائج

مأساوية، سنعود للحديث عنها عند المقارنة مع التجربة الصينية. وكانت تجربة الصين أكثر التجارب إثارة في كيفية العبور بسام إلى اقتصاد السوق. بدأت مسيرة الإصلاح في الصين في عام 1978 حين مُنِعت لجان الحزب الشيوعي الصيني

من التدخل في الشؤون اليومية للإدارة العامة، وتحرّرت بموجب ذلك المنشآت العامة الإنتاجية

من التزام خطة مركزية للإنتاج، وتمّ استبدالها

بعقود تلتزم بموجبها المنشآت توريد كمية من

منتوجاتها للدولة، كما أعطي مديرو المنشآت صلاحيات في تسويق باقي الإنتاج وتحديد الأسعار وتعيين العاملين والحتفاظ بحصص

متزايدة من الأرباح لتطوير المنشآت. كما ألغِيت التعاونيات الريفية لتحلّ محلها «مشروعات

البلدان والقرى» التي حققت نتائج باهرة، فزادت مساهمتها في صافي الناتج الوطني من 6 في المئة في عام 1978 إلى 26 في المئة في عام 1996، وقامت هذه المشروعات بتطبيق حوافز السوق من دون تحويل الملكية إلى القطاع الخاص. لكن مسيرة الإصلاح الحقيقية بدأت مع تركيز الدولة على النشاطات القتصادية خارج القطاع العام، واستمرارية المشروعات المملوكة للدولة تحت شعار «الشتراكية بخصائص صينية»، أي التدرج باتجاه اقتصاد السوق مع المحافظة على الصفة الشتراكية، التي جعلت القتصاد الصيني من أسرع القتصادات نموًا في العالم. يعني ذلك أن

الصين، على عكس روسيا، حافظت على القطاع العام مع تكوين قطاع خاص موازٍ له ومكمّل لنشاطه الإنتاجي، ثم انتقلت في مرحلة ثانية إلى «تشريك» أي تحويل منشآت القطاع العام إلى شركات مساهمة يتمّ تداول أسهمها في سوق الأوراق المالية. قاد التركيز على القطاع الخاص في الأرياف إلى ما عُرف بأسلوب «التعاقد الأسَري»، حيث

تقوم الأسر الريفية بإنتاج ما تشاء من سلع ضمن الأنصبة المتعاقد عليها مع الدولة. وهكذا حلّ نظام «المزرعة الأسرية» محل التعاونيات في الأرياف. لم تعمل التجربة الصينية على تحويل القطاع العام إلى القطاع الخاص، بل إلى إقامة مشروعات جديدة متوجهة إلى السوق تُشكّل

محركًا رئيسًا للنمو القتصادي، وأطلِق على هذه

الستراتيجية اسم «استراتيجية الإصلاح خارج النظام». شرح المؤلفان كيف تمّ تطبيق هذه الستراتيجية، إذ حُلّت الجمعيات واللجان الشعبية الزراعية

وبيعت موجوداتها للمزارعين، وتم توزيع أراضي

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

الجمعيات التعاونية على الأسر الفلاحية. فزادت كمية الإنتاج وفق ذلك النظام، وحظيت الحكومة بحصة منه، مع المحافظة على حق الأسر ببيع باقي الإنتاج في السوق، ما أدى إلى تزايد الإنتاج الكلي للزراعة بنسبة 138 في المئة خلال الفترة 1988-1978. ترافقت هذه الزيادة في الإنتاج بزيادة في معدلت ادخار الفلاحين، ما مكّنهم من إنشاء مشروعات جديدة من دون العتماد على قروض الدولة، وهذا ما رفع مستوى القتصاد الصيني في تحقيق معدلت نمو بلغت 9.9 في المئة خلال الفترة 1996-1978. في الوقت نفسه جرى تطوير قطاع الأعمال الخاص، ضمن مقولة الحزب الشيوعي الصيني: «اقتصاد القطاع الخاص مكمل للاقتصاد الشتراكي العام وعلى الدولة حمايته وتوجيهه والإشراف عليه»، وسُمح بموجب

هذه المقولة لسكان المدن بإقامة مشروعات فردية مثل الحرف والتوزيع والخدمات الغذائية والجتماعية والصيانة والنقل، قُدِّم لها الدعم بالمواد الأولوية وأماكن الشغل. توسّعت بعد

ذلك هذه المشروعات وسُمح لها بممارسة

تجارة الجملة، وفي حلول عام 1989 وصل عدد الأفراد العاملين في القطاع الخاص إلى 6.6 ملايين شخص (ص. 179) أدى النمو القتصادي السريع والستثمارات الكبرى في مشروعات البناء، والتوسع في الطلب الستهلاكي إلى تضخم الأسعار والمضاربة وإنتاج سلع رديئة، ما حمل الحزب إلى طرح فكرة «التكيّف القتصادي» في أيلول/سبتمبر

1988، التي تقضي بمراجعة المشروعات الخاصة وكشف الممارسات الخاطئة مثل الغش وسوء توثيق المعاملات التجارية والتهرب الضريبي

اﻟﺪوﻟﺔ واﻗﺘﺼﺎد اﻟﺴﻮق: ﻗﺮاءات ﻓﻲ ﺳﻴﺎﺳﺎت اﻟﺨﺼﺨﺼﺔ وﺗﺠﺎرﺑﻬﺎ اﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ واﻟﻌﺮﺑﻴﺔ

والدخل المرتفع جدًا وسوء ميزات الرعاية الممنوحة للموظفين. وبناء عليه وُجِّه اللوم إلى

المشروعات الخاصة بالتسبب في التضخم والقلاقل الجتماعية، فانخفض عددها وتخلّى بعض أصحابها عن ملكيتها للدولة، في حين غيّر

بعضهم الآخر ملكيتها إلى ملكية جماعية، وأغلق كثيرون مشروعاتهم، فيما استمرت المشروعات الريفية بالنجاح والتقدم فحقق الإنتاج فيها نموًا

بلغ 92 في المئة خلال أعوام 1991-1981، وأصبحت تشكل ثاني أكبر قطاع في القتصاد الصيني. تحت شعار التنمية القتصادية بدلً من الجدل العقيم عما إذا كانت توجهات الصين شيوعية أم رأسمالية، أطلق المؤتمر الرابع عشر للحزب الشيوعي في عام 1993 شعار «اقتصاد السوق الشتراكي»، فتطلب ذلك تشجيع المشروعات الفردية والخاصة والأجنبية حتى بلغ عدد العاملين فيها في المناطق الحضرية في عام 1996 نحو 23.3 مليونًا (مع العتبار الدائم أن المشروعات التي تمتلكها الدولة ومشروعات الملكية الجماعية هي أساس القتصاد الصيني). بعد هذا النجاح الملفت للقطاع الخاص أدركت الصين أهمية إصلاح المشروعات المملوكة للدولة، وبادرت بحذر شديد بتوفير لها الحوافز اللازمة لتحسين الأداء، فمنحت هذه المشروعات الستقلال الإداري والمحاسبي وسلطة أوسع للعاملين فيها، حيث تمّ الفصل بين ملكية الدولة لهذه المشروعات وإدارتها، وأن لكل منشأه شخصية اعتبارية مستقلة. واستنادًا إلى مقولة اقتصاد السوق، تأكدت أهمية تحول هذه المنشآت إلى منشآت إنتاجية تديرها الدولة مع خضوعها للمنافسة في السوق.

من الطبيعي أن ينتج عن الخضوع للمنافسة في السوق الستغناء عن عدد من العمال إذ تسببت الإصلاحات في القطاع العام إلى تسريح نحو 3.5 ملايين عامل في عام 1998 (ص. 186)، ما شجّع على التوسع في القطاع الخاص، وأحدث

تكاملا بين القطاع العام والخاص، حيث استطاع هذا الأخير امتصاص العدد المتزايد من العاطلين عن العمل. استمرت بعد هذا التاريخ الصعوبات المالية، واستمر تسريح المزيد من العمال، ولحقت الخسائر بثلث المشروعات الحكومية الكبيرة والمتوسطة الحجم. كانت تُفسر هذه الخسائر بالمنافسة مع الشركات الخاصة والأجنبية، لذلك شرعت الحكومة بتبني الخصخصة كسياسة لمعالجة هذا التدهور، فتمّ خصخصة عدد كبير من المنشآت العامة بدءًا

من عام 1996 حتى أصبحت نسبتها بعد عام 2000 أقل من 15 في المئة من مجموع المنشآت الصناعية، لكن انخفاض هذه النسبة ل يعود إلى الخصخصة وحدها، بل إلى زيادة المنشآت الخاصة بشكل عام. كم لجأت الحكومة إلى عدد من أساليب الخصخصة، مثل بيع أسهم الملكية في الأسواق المالية، أو بيع نسب منها لمديري المنشآت التي خُصخصت. كان المبدأ الأساس هو المحافظة على المنشآت الكبيرة والتخلّي عن المنشآت الصغيرة، لذلك حافظت الدولة على ملكيتها في الصناعات الستراتيجية وتبنّت حزمة من النظم المؤسسية الجديدة لتطوير أداء هذه المنشآت. ترسخت تجربة الصين بشكل مميز في دعم القطاع الخاص والنفتاح على العالم الخارجي بإنشاء مناطق اقتصادية خاصة على السواحل،

تتوافر فيها الشروط اللازمة للمنافسة في السوق والشروط اللازمة للاندماج بالأسواق العالمية، حتى بلغت الستثمارات الأجنبية في الصين في منتصف عام 2015 ما مقداره 122.4 مليار دولر (ص. 193)، أي ما قارب 10 في المئة من قيمة الستثمار المباشر في العالم أجمع، وساهمت هذه الستثمارات في تطوير جودة المنتوجات الصينية وخفض تكاليفها، ما ساعد في نمو الصادرات الصينية من ناحية وتدفّق التكنولوجيا ورؤوس الأموال الأجنبية من ناحية أخرى. بعد زمن بسيط انعكس تقدم المناطق القتصادية الخاصة على باقي الأقاليم الداخلية، فتحسن مستوى معيشة السكان الذي يُعزى إلى دعم القطاع الخاص ونجاح المناطق القتصادية الخاصة وتدفق الستثمارات الأجنبية. وأخيرًا

ل بد من القول إنني ربما بسبب الإعجاب بهذه التجربة، وضرورة الستفادة منها، ونقلها إلى الذين لم يتمكنوا من قراءة الكتاب، كان هذا الحديث المسهب. عند النتقال إلى الفصل الخامس «مقارنات بين تجارب الصلاح القتصادي»(ص -205 240)، مقارنة بين الإصلاح القتصادي في روسيا والإصلاح القتصادي في الصين، أو مقارنة بين ما يسمى «الخصخصة المتسرعة»(ص. 205) التي اتبعتها روسيا وتمّ فيها التخلص من الملكية العامة بأسرع ما يمكن من دون اللتفات إلى شروط البيع، فذهبت ملكية الأصول المنتجة الروسية وإدارتها إلى مديرين ومتنفذين سابقين من دون أن تدفع القيم الحقيقية للأسهم، وبين ما سمي «التطور العضوي» الذي اتبعته الصين، والذي اعتمد التدرج، فجاء بعد نجاح المزارع الأسرية الريفية، ونمو المشروعات المنتجة، وتطور

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

السوق، ونشوء عدد كبير من رجال الأعمال المبادرين الذين ساعدوا في ما بعد في نجاح الإصلاح في مشروعات الدولة، ومن ثم نجاح عملية الخصخصة في المراحل اللاحقة. كان أساس الخصخصة في روسيا نقل الملكية من الدولة إلى الأفراد، بينما كان أساس الخصخصة في الصين النتقال من نظام القتصاد المخطط إلى نظام اقتصاد السوق، أي الحتفاظ بالقطاع العام حتى تكوّن قطاع خاص مكمِّل ومرادف له، والنتقال بعد ذلك إلى مرحلة أخرى هي الخصخصة أو «التشريك». لم يكن مهمًا في الصين أن يكون القطاع عامًا أو خاصًا، بل كان المهم هو إنشاء قطاع قادر على تحقيق النمو وتشغيل اليد العاملة والمحافظة على التوازن والثوابت. المهم هي النتائج أو كما يقولون «ل يهم أن تكون القطة صفراء أو سوداء ما دامت قادرة على اصطياد الفئران». سرعان ما امتصّ القطاع القتصادي الخاص في الصين الآثار التي رافقت خصخصة القطاع العام، خصوصًا في استيعاب الأيدي العاملة الفائضة التي خلّفتها الخصخصة. كان الفرق الجوهري بين التجربة الروسية والتجربة الصينية أن الأولى قامت بخصخصة القطاع العام بسرعة بغض النظر عن النتائج؛ في حين أن الثانية انتظرت حتى نضج قطاعها الخاص لتبدأ مرحلة التخصيص، ما جعلها تتفادى المشكلات الناجمة عن التسرع، سيرًا على مبدأ «أن عبور النهر ببطء يجعلك قادرًا

على تلمس الحصى في المجرى». لكن هذا ل يعني أن الصين لم تواجه بعض المشكلات التي كان أهمها احتفاظ الدولة الصينية بملكية نسبة كبيرة من أسهم الشركات المباعة عندما باعت الأصول في السوق.

اﻟﺪوﻟﺔ واﻗﺘﺼﺎد اﻟﺴﻮق: ﻗﺮاءات ﻓﻲ ﺳﻴﺎﺳﺎت اﻟﺨﺼﺨﺼﺔ وﺗﺠﺎرﺑﻬﺎ اﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ واﻟﻌﺮﺑﻴﺔ

أقام المؤلفان مقارنة أخرى بين التجربتين من منظور معدلت النمو المحققة، حيث كان الفارق كبيرًا. ففي حين أن الصين حققت معدلت نمو

تجاوزت 10 في المئة، تراجع الإنتاج ومستوى المعيشة في روسيا درجات. كما كان هناك خلاف حول دور الحزب، ففي حين أن روسيا رفضت دوره وساد اعتقاد أن القائمين عليه طبقة فاسدة، حافظت الصين على دور الحزب مع تغيير نسق الحوافز والعلاقات بين الدولة المركزية والأقاليم والضواحي. من ناحية أخرى، نهجت روسيا اقتصاديًا طريق الإصلاح بالصدمة والعبور السريع بضربة واحدة والتعجيل في تصفية النظام القديم وتحرير الأسعار من القيود لتفادي النقص في المنتوجات، وسياسيًا الإصلاح السياسي قبل

إصلاح القتصاد. أما الصين فرأت إمكانية التوافق مع الماضي لتأسيس نظام جديد يقوم على آلية السوق وتنمية القطاع الخاص والإصلاح القتصادي قبل السياسي. هكذا نجحت الصين في تحقيق معدلت نمو عالية في الصناعة بلغت 11 في المئة بين عامي 2001-1993، وبلغ معدل زيادة الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج 6.2 في المئة للأعوام نفسها، وتمكنت من العبور إلى اقتصاد السوق بأقل التكاليف، وأصبح أكثر من 75 في المئة من مشروعات القطاع العام مشروعات خاصة في بداية الألفية (ص. 234) أشير إلى أن المقارنة التي أجراها المؤلفان (ص. 224-232) كانت على درجة عالية من التقان والإثارة، لتشابه القاعدة الشتراكية للاقتصادَين، واختلاف النتائج المحققة اختلافًا

جوهريًا، وإن كان من الصعب موافقتهما على

الأسباب كلها التي ذكراها كأسباب للنجاح. قارن المؤلفان كذلك بين الصين والهند، على اعتبار أن الهند سارت على خطى الصين من حيث تشجيع المشروعات الخاصة الجديدة والتوسع في المشروعات القائمة، وإزالة القيود أمام القطاع الخاص. لحظ المؤلفان أيضًا أن على الرغم من تساوي درجة النفتاح بين القتصادَين، وسعيهما إلى الندماج في القتصاد العالمي، لم تستطع الهند تحرير التجارة الخارجية أو جذب الستثمارات الأجنبية، وبالتالي فإن النتائج كانت مختلفة تمامًا،

فالإنتاج نما في الصين بمعدل 4.6 في المئة، في حين أنه لم ينمُ في الهند سوى بنسبة 2.5 في المئة

للفترة نفسها. أما إنتاجية عوامل الإنتاج فنمت في الصين بمعدل 1.8 في المئة، في حين أنها لم تنمُ سوى بنسبة 0.8 في المئة في الهند، وكذلك

نمت إنتاجية العمل في الصين بمعدل 4.3 في المئة، في حين أنها نمت بمعدل 1.4 في المئة في الهند. في الفصل السادس المخصص لتجارب الدول العربية في الخصخصة، في مصر والعراق والجزائر وليبيا والمغرب وتونس ولبنان (ص. 225-280)، ل يجد القارىء ما يثير المتابعة، ليس بسبب قصور تحليل المؤلفين لهذه التجارب، وإنما بسبب ضعف التجارب نفسها، لأنها اقتصرت على بيع القطاع العام للقطاع الخاص بأشكال مختلفة، لكن ربما تميزت التجربتان المصرية والأردنية اللتان تمّ دراستهما بشكل مفصل، بعض الشيء. في التجربة المصرية، عرض المؤلفان وضع الشركات العامة في مصر قبل الخصخصة، التي كان معظمها ذات كفاءة متدنية، وتجاوزت

خسائرها أكثر من ثلث عجز الموازنة العامة في مطلع تسعينيات القرن الماضي، ما اضطر مصر إلى اللجوء إلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي طلبًا للمساعدة، واتباع تعليماتهما، بدءًا

من تحرير الأسعار وإصلاح القطاع المالي وحتى الخصخصة. لم يكن في تجربة الخصخصة المصرية جديد (ص. 255-267)، حيث بدأت في عام 1994 من خلال بيع جزء من الملكية العامة من خلال الطرح الأولي في السوق المحلية، أو من خلال بيع حصص معينة لمستثمرين استراتيجيين. يعتقد المؤلفان أنها تكللت بالنجاح (ص. 264-265)، لأنها لم تطل مشروعات البنية التحتية كالكهرباء والنقل والماء، ولأن عوائد التخصيص استخدمت في إعادة هيكلة المنشآت العامة الأخرى وفي تسوية ديونهما، وفي رفع قدرات العاملين فيها، وفي إنشاء صندوق التقاعد المبكّر. لكنهما أشارا في الوقت نفسه إلى التهامات التي طالت القائمين عليها بدعوى أن المشروعات المخصصة كانت المشروعات الناجحة، وأنه تم إغفال قيمة أصول عدد من المشروعات، وأن التسريح طال أعدادًا كبيرة من العمال. تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من الخصخصة، ما زال القطاع العام في مصر مهيمنًا وفاعلا. إن أكثر من 100 شركة صناعية وأكثر من 25 شركة تجارية و 40 شركة أخرى ما زالت ملك القطاع العام وما زال هذا القطاع يساهم بحوالي 30 في المئة من صافي الناتج الوطني. خصص الفصل السابع أكثر من خمسين صفحة للتجربة الأردنية، اعتمدت بشكل أساسي على بحثين لطاهر كنعان، الأول في عام 2005 والثاني في عام 2013، وهو القتصادي الأردني

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

المتخصص في دراسة هذه التجربة. سنكتفي بالإشارة إلى أن هذه التجربة بدأت بإظهار دور الدولة المحدد في القتصاد الأردني، حيث هيمن اقتصاد السوق (ص. 283)، إضافة إلى مهمات الدولة التقليدية في الأمن والدفاع وخدمات البنية التحتية والطاقة والمياه والصرف الصحي والمشروعات التي ل يقدر عليها القطاع الخاص كالفوسفات والإسمنت. وقُدّرت مساهمة القطاع العام في الناتج الوطني بحدود 17-15 في المئة، ثم انخفضت بعد إجراءات الخصخصة في عام 1996 إلى 14.6 في المئة، وإلى 12.1 في عام 2002. بدأت الدعوات إلى الخصخصة بإنشاء » الوحدة التنفيذية للتخاصية «، حيث بدأ العمل على هيكلة عدد من المؤسسات من أجل خصخصتها، بدءًا من تعزيز القطاع الخاص

وزيادة الإنتاجية والتنافسية وتشجيع الستثمارات بأنواعها...إلخ، وعلى أن تستخدم أموال الخصخصة في سداد ديون المؤسسات والمشروعات والستثمار في الأصول المالية وتمويل نشاط واستثمارات جديدة وتأهيل وتدريب العاملين وضمان حقوق العاملين، ما يعني أنها كانت مشابهة لما حدث في مصر. جرى دراسة هذه التجربة في عام 2013 ضمن سجال عام بين من يعتقد أنها خطوة ضرورية لإصلاح القتصاد، ومن يعتقد أنه كان يمكن إفساح المجال للقطاع الخاص من دون خصخصة المنشآت الحكومية. يعتقد المدافعون عن التجربة أنها نجحت وحققت الأهداف المرجوّة منها، خصوصًا من حيث استقطاب

شركاء استراتيجيتين عالميين، أما المناهضون فيعتقدون أن الغاية من الخصخصة ليست في استقطاب شركاء استراتيجيين فحسب، وإنما في إخضاع الشركات المخصخصة لبيئة تنافسية

اﻟﺪوﻟﺔ واﻗﺘﺼﺎد اﻟﺴﻮق: ﻗﺮاءات ﻓﻲ ﺳﻴﺎﺳﺎت اﻟﺨﺼﺨﺼﺔ وﺗﺠﺎرﺑﻬﺎ اﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ واﻟﻌﺮﺑﻴﺔ

فاعلة. في المحصلة يعتقد المؤلفان أن هذه التجربة شهدت عددًا من المشكلات والثغرات المنهجية، خصوصًا أنها حرمت خزينة الدولة من بعض العوائد المالية، سواء عند تقدير قيمة المنشآت أم عند المفاوضات مع المستثمرين. ويعتقد المؤلفان أن تقرير اللجنة المستقلة المكلفة بدراسة تجربة الخصخصة يشكل موقفًا متوازنًا بين المدافعين عن التجربة والمناهضين لها. أعتقد أن المهتم في التجربة سيجد في هذا الفصل الكثير من المعلومات والتحليلات المفيدة عنها، خصوصًا في ما يتعلق بعدم اعتبار الخصخصة نجاحًا كليًا أو فشلا كليًا، وكذلك في الدروس

المستفادة، وتأكيد المؤلفين الدائم أن الخصخصة ليست هدفًا في حد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق غاية أو غايات تنشدها السياسة القتصادية، وأنها تتطلب ما سمّياه الحكمانية وتوافر نسق الحكم

الرشيد. ختام المسك كان الفصل الثامن » المهمات التنموية للدولة والتحكم بالسوق والسياسة الصناعية «، وهو عبارة عن مقالة لكنعان في مجلة

عمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، كتبه خصيصًا ليكون خاتمة هذا الكتاب. يشكل هذا الفصل خلاصة تجارب الخصخصة التي تمّ عرضها عبر المراحل التاريخية المختلفة

حتى » توافق واشنطن « الذي تضمّن عشر أدوات

لإصلاح السياسة القتصادية في بلدان العالم الثالث التي تعثر فيها النمو القتصادي وغرقت في المديونية، وشكّلت الخصخصة أهم هذه الأدوات الإصلاحية. المهم في هذه الخلاصة الرائعة هو دراسة تجربة بلدان شرق آسيا التي

أثبتت عدم صوابية كلا الطريقين، الذاهب باتجاه التطرف نحو أصولية اقتصاد السوق أو القائل بصوابية ملكية الدولة وسائل الإنتاج، فالبلدان التي اعتقدت أن حرية السوق هي القادرة على تحريك القتصاد، حققت نتائج متواضعة على صعيد النمو القتصادي ولم تستطع معالجة مشكلات الفقر، في حين أن شركات حكومية كثيرة كانت رائدة في الكفاءة القتصادية كما في كوريا الجنوبية. هناك عناصر كثيرة ساعدت في نجاح تجربة ما سمي » دول اقتصادات الأداء العالي الآسيوية «، وأهمها استقرار القتصاد الكلي وضبط الأسعار والثقة بالنظام المصرفي ونقل التكنولوجيا وتدخّل الدولة الحصيف في النشاط القتصادي، ودور القادة التكنوقراطيين الكفوئين، والأهم على الإطلاق كان دور التربية والتعليم. وأهم ملاحظة يمكن استنتاجها هي أن نجاح تجربة ما في بلد ما ل يعني نجاحها في بلدان أخرى. الحقيقة أن هذه المقالة، أو هذا الفصل، لخّص الدروس المستفادة من تجارب جميع الدول، سواء تلك التي تبنت الخصخصة أم تلك التي اعتمدت على القطاع العام، وأكّد دور الدولة في الحياة القتصادية. نجحت دول الأداء العالي الآسيوية لأنها أدركت أهمية السوق والتدرج والستثمارات الأجنبية. والأهم من ذلك هو أن لكل دولة طريقها الخاص. وأعتقد من جهتي ان مفتاح النجاح في الدول العربية هو أولً تغيير وإصلاحً نمط الحكم فيها وبنيته، ليصبح قادرًا على تحقيق التنمية والعدل والمساواة، واعتماد الدولة «نمط النتاج الآسيوي» في التنمية وتمحور نشاط الفرد حولها.

اﻟﻬﻮاﻣﺶ

1)) أبديا كذلك رأيهما في مصطلحات أخرى مثل: الناتج الوطني والناتج القومي والناتج الوطني الخام والناتج الوطني

الصافي، واستخدما مصطلح «العمالة» بدلً من العمال والعاملين وقوة العمل، واقترحا أيضًا استخدام «الجنوسة»

بدلمن «الجنس» أو النوع الجتماعي أو «الجندرة»، وفي معرض الحديث عن الخصخصة حاول الدعوة إلى استخدام

«التخاصية» بدل من الخصخصة privatization) (الذي أصبح مألوفًا ومعروفًا (ص. 21-27)

(2) Michael Sandel, What Money Canʼt Buy: The Moral Limits of Markets (London; New York: Allen Lane,

3)) يرجع تاريخ أول عودة أنظمة القتصاد الحر إلى التأميم لعودة إنكلترا عام 1946 (ص. 81) 4)) يرجع تاريخ أول عملية خصخصة في العالم إلى تنظيف شوارع نيويورك في عام 1676 بوساطة شركة خاصة.

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

5)) يُنظر الدراسات التي ذكرها المؤلفان ص.)135-132(6)) أفرد المؤلفان جزءًا ل بأس به من مؤلفهما عن التجربة الصينية (ص. 170-201) عند المقارنة مع روسيا والهند (ص. 205-240) وبسبب نجاح هذه التجربة وأهمية الدروس المستفادة منها سوف أقوم بعرض هذه التجربة بشكل خاص وتحليلها. 7)) حاول المؤلفان مجاراة التجربة الهندية بالتجربة الصينية، والإشارة إلى نجاح الهند في أداء قطاع الخدمات وتطبيق تقنيات للحفاظ على البيئة (2)، لكن هذه المحاولت لم يُكتب لها النجاح لأن تجربة الهند لم تنجح بشكل عام. 8)) أنشئت عام 1996 في رئاسة مجلس الوزراء بمعونة من البنك الدولي، وحددت مهمتها بترشيح المنشآت الحكومية المؤهلة للخصخصة. 9)) يعتقد المؤلفان أن الأردن هو الدولة العربية الوحيدة التي أجرت مراجعة تفصيلية شاملة لتجربة الخصخصة وتقويمًا دقيقًا

لسلامتها (ص. 294)

ﺗﻘﺮﻳﺮ اﻟﻤﺆﺗﻤﺮ اﻟﻌﻠﻤﻲ

Conference Report

من أعمال الفنان التشكيلي عبده موسى البرماوي ولوج 4 (2017) - مقاس 50*40 سم - آكريليك على ورق - تجمع ما بين التعبيرية والتجريد

Paintings by Abdo Moussa el-Bermawi, Entrance 4 (2017, 40x50 cm, Acrylic on paper, Abstract Expressionism)